Полный текст (1 668 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
(لتقريره) عليه فائده، وهذا يدل على العلة من حيث الجواب بالفاء أيضاً.
ومنها: تقرير النبي ﷺ على حكم ما يشبه المسؤول عنه، ويذكره على وجه الشبه، (كقول) النبي ﷺ لعمر ﵁، وقد سأله عن قبلة الصائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته؟ "، (فعلم) أنه لما لم يفسد (الصوم) بالمضمضة من غير ازدراد الماء. فلا يحصل (بالقبلة) من غير إنزال المنى، لأن نزول الماء (إلى) الحلق كنزول المنى من الفرج.
ومنها: أن لا يكون (لذكر) الوصف فائدة لو لم يكن علة، مثل دخوله على قوم وامتناعه (من) قوم، فقيل له لِمَ امتنعت من آل فلان؟ قال: لأن عندهم كلباً، قيل له: فعند آل فلان هر، فقال: "ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم
стр. 1262
والطوافات"، فلو لم يكن لطوافها تأثير، لم يكن لذكره عقيب حكمه فائدة.
ومنها: تفريق النبي ﷺ بين شيئين لوصف، (فيعلم) أنه لو لم يكن علة لم يكن لذكره في الفرق فائدة، نحو قوله ﵇: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" مع تقدم أمره للقاضي أن يقضي، فيعلم، أنه نهاه لأجل الغضب، فيكون الغضب علة لا سيما وللغضب تأثير، لأنه يمنع من الوقوف على الحجة، ويشغل الأذهان.
ومنها: أن يمنع لعلة، نحو قوله: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر" فعلم أن الثيوبة علة في منع الإخبار).
ومنها: أن يفرق (بلفظة تجري) مجرى الشرط، كقول
стр. 1263
(النبي ﷺ : "فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد" مع نهيه عن بيع المكيل بالمكيل متفاضلاً، فدل على أن اختلاف الجنسين علة في جواز البيع.
ومنها: أن يقع التفريق بالغاية، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فلو اقتصر على ذلك دل على تعلق الإباحة بالطهر وإلا لم يكن لذكره فائدة، (أو يكون) التفريق بالاستثناء كقوله تعالى: ﴿إِلَاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾، (أو يكون) التفريق (بالاستدراك)، كقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ فدل على أن التعقيد مؤثر في المؤاخذة، وهذه الأقسام، وإن كانت مؤثرة في الحكم فإنه لا يمتنع أن يؤثر (العلل)، مثل: (أنه يعلل بالغضب، بأنه) يشغل الذهن، ولا يمتنع أن يكون لها شروط، (ولكن)
стр. 1264
إذا دل الدليل على أنها غير مشروطة، أو (إذا) أطلقت ولم تدل دلالة على الشرط، حكم بأنها مطلقة غير مشروطة، ومن ذلك النهي عن فعل شيء يشغل عن الواجب، كقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، فأوجب السعي ونهي عن البيع، فعلمنا أن نهيه عنه، لأنه يشغل عن الواجب، ومثل قوله: ﴿وَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فنهى عن ذلك، لأنه مناف لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ فعلم أن نهيه عنه لكونه ينافي الإكرام والإعظام، ودل من جهة الأولى على المنع من ضربهما وشتمهما.
وقد اختلف الناس: هل المنع من ضربهما معقول من جهة اللفظ، أو من جهة قياس الأولى، قال شيخنا وكثير من الحنفية: أن المنع من ضربهما معقول من (جهة) اللفظ، وقال أبو الحسن الخرزي (من أصحابنا) هو معقول من قياس الأولى، وهو مذهب الشافعية وبعض المتكلمين وهو الأقوى
стр. 1265
عندي، لأن الضرب والشتم ليس بموجود في اللفظ، وإنما هو في معناه، لأنه تعالى حرم التأفيف لما فيه من الأذى والهوان المنافي للإكرام والضرب فيه ذلك وزيادة، فثبت أنه يمنع منه (بالمعنى) لا باللفظ، وهذا صحيح، (لأن) الإنسان إذا سمع قوله ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ إلى قوله ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ علم أن الله أمر بإعظامهما وإكرامهما، لا سيما مع ما تقرر في الطباع من وجوب إكرامهما، فعلم أن التأفيف ينافي التعظيم، وإنما نافاه لكونه أذى، وإذا ثبتت هذه العلة، لم يجز للحكيم أن ينهى عن الشيء لعلة، (ويرخص) فيما فيه تلك العلة وزيادة.
فإن قيل: إن لم يكن الضرب موجوداً (في اللفظ إلا أن عرف) أهل اللغة أن هذا اللفظ وضع لمنع الأذى، كما يقول الإنسان لعبده: لا تنظر إلى فلان، معناه لا تتعرض له بضرب أو غير ذلك، ويقول: ما له عندي حبة واحدة، (يريد به) (ما زاد) وما نقص عنها.
(قلنا): يجب أن تنقلوا أن أهل اللغة وضعوا ذلك للمنع من الضرب، ولا طريق لهم إلى ذلك، وما ذكروه من قوله
стр. 1266
(لعبده)، لا تنظر إليه، فهو من قياس الأولى (أيضاً)، لأنه إذا منعه من النظر الذي يسوءه، وهو أقل من كل فعل، فما زاد عليه (ففيه) ذلك وزيادة، فهو أولى بالمنع، وقوله: ماله عندي حبة (واحدة) يمنع من الزيادة ولا ينفى عما دون الحبة، وكذلك قوله: فلان لا يملك حبة، ينفي كونه (مالكاً) لأكثر منهما، لأن ذلك جبة وزيادة، ولا ينفى ما دونها، (لكنه) لا يوصف الإنسان بأنه (مالكه)، فأما قوله: فلان لا يملك نقيراً ولا قطميراً، فالمراد به من جهة العرف أنه لا يملك شيئاً، لأن النقير ما (ظهر) في ظهر النواة، والقطمير (ما) في شقها، وكذلك الفتيل، فإذا قال: لا يملك ذلك (فلا شيء) أقل منه يملك ويحتمل أن يقال: إذا نفى ملكه لأقل القليل فأولى أن ينفيه لما هو أكثر منه فيستفاد من جهة التعليل أيضاً.
وجواب آخر: أن الكلام لا ينقل إلى العرف من اللغة (إلا) إذا لم يمكن سواه، وقد بينا أنه قد أمكن سوى ذلك.
стр. 1267
فإن قيل: لو علم ذلك بالقياس، لجاز أن يعلم ذلك إلا من يحسن القياس من العلماء.
قلنا: إنما علم ذلك) لأن مقدمات هذا القياس واضحة، لا تحتاج إلى فكر وفحص، لأنه قد استقر في قولب الناس إكرام الأبوين، وعرفوا أنهم إذا نهوا عن قليل (الأذى)، لأنه منافي (التعظيم)، (فكثيره أولى أن ينبهوا عنه).
فإن قيل: لو علم ذلك بالقياس لصح أن لا يعلم العاقل (المنع) من ضربهما إذا نهاه الله عن القياس الشرعي.
(قلنا) لا يحسن المنع (عن مثل هذا القياس)، مع إيضاح علته، لأنه لا يحسن من الحكيم (أن يقول): "لا تمنعوا مما وجد فهي علة المنع وزيادة"، ألا ترى أنه لو قال: "لا تقل لهما أف"، فإنه فيه أذى وتركا للإكرام، لكن اضربهما واصفعهما كان ذلك مناقضة للتعليل، وإن لم يكن مناقضاً في اللفظ، وكذلك نهيه ﵇ عن التضحية (بالعوراء) (يمنع التضحية بالعمياء)،
стр. 1268
لأن فيه ذهاب العين وزيادة، وكذلك قوله: "لا يقضي القاضي وهو غضبان"، فإن معنى ذلك أن غضبه يمنعه من التثبت في الحكم (والتبين) له، وفي معناه إذا كان حاقنا أو جائعاً، أو خائفاً وكذلك قوله في الفأرة تموت في السمن: "إن كان جامداً فألقوها وما حولها"، (وكلما) كان جامداً من الأدهان وغيرها في معنى السمن، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ﴾، اقتضى ذلك لرقها فالعبد كذلك، وأمثال ذلك (كثير).
فصل
ومما يدل على صحة العلة الإجماع، فإذا أجمعوا على علة في حكم فوجدت في غيره، وجب أن يعلق عليه (مثاله) ما روى عن النبي ﷺ : أنه قال: "لا يقضي القاضي وهو غضبان"، أجمعوا على أن علة ذلك اشتغال قلبه عن النظر والتفكير في الدليل والحكم وتغيير طبعه عن السكون والتثبت للاجتهاد، فكان (كل داخل) على قلب الإنسان من خوف (وحزن)، وعطش، وجوع، ومرض، بمنزلة ذلك، وينهى القاضي أن يقضي معه وقد
стр. 1269
(تقدم الدليل على جواز) القياس على المجمع عليه، وذكر شبهة المخالف.
فصل
ومما يدل على صحتها أن تجمع (الأمة) على تعليل أصل، ويختلفون في علته، فيبطل جميع ما قالوه إلا علة واحدة، فتعلم صحتها، لأنها لو فسدت لخرج الحق عن أقاويل الأمة.
فصل
فإن لم تجمع الأمة على تعليل الأصل لكن علله بعضهم، واختلف من علله (فمنهم من علله) بعلة وعلله الآخر بأخرى، فهل إذا فسدت إحداهما يدل على صحة الأخرى؟، قال بعض المتكلمين: إذا أفسد علة خصمه، وجب بذلك صحة علته، لأن الدليل على وجوب التعبد بالقياس ينوب عن الإجماع، فيصير الأصل كأنه أجمع على تعليله ووجوب القياس عليه، فإذا (أفسد ما عدا) علته دل على صحة علته كالمجمع (عليه) سواء،
стр. 1270
وقال بعضهم لا يدل ذلك على صحة علته، لأنها لو كانت صحيحة، لوجد دليل على صحتها، وليس في حكمنا بفسادها خروج الحق عن جميع الأمة، (بخلاف) المجمع على تعليله، فإن إفساد غير علته والحكم بفساد علته أيضاً خروج الحق عن أقاويل الأمة.
فصل
فإذا اختلف حنبلي وشافعي في علة الربا، فأفسد الحنبلي علة الشافعي لم يكن ذلك تصحيحاً لعلته، لأن من الفقهاء (من علل) بغير علتهما جميعاً، كتعليل مالك بالفوت، و (تعليل) غيره بالجنس خاصة، إلا أن ذلك يكون طريقاً في إبطال مذهب خصمه، إلزاماً له تصحيح علته.
فإن قال قائل: إذا أجمعنا على فساد ما عدا علتي وعلتكم، ثم قام الدليل على فساد علتكم، اقتضى ذلك صحة علتي.
(قلنا): هذا لا يدل على صحة العلة، لأن إجماعنا ليس بحجة، فإذا أجمعنا على فساد علل من خالفنا لم يدل على فسادها، وإذا لم يثبت فسادها، جاز أن تكون صحيحة، فيبطل كون (علته) صحيحة (بالتقسيم).
стр. 1271
فصل
ومما يدل على صحة العلة السلب والوجود، وهو أن يوجد الحكم لوجود وصف، يزول لزواله، مثل الشدة المطربة يثبت الحكم بثبوتها، ويزول بزوالها، فيعلم أنها العلة، وكذلك تنصيف الحد في حق العبد علته الرق، لأنه إذا كمل بالعتق كمل حده، فلو استرق بعد الحرية، مثل أن يكون نصرانياً فينقض العهد ويلحق بدار الحرب، ثم (نسبيه فنسترقه)، فإنه ينتصف الحد عليه، فدل على أن العلة هي الرق، وحكى عن الكرخي أنه قال: لا يكون ذلك دليلاً على صحة العلة.
(دليلنا) أن السلب والوجود دليل على صحة العلل العقلية (وهي) موجبة، فأولى أن يكون ذلك دليلاً على صحة
стр. 1272
العلل الشرعية، وهي أمارة تدل على ذلك، (لأنا) إذا رأينا المحل أسود (لوجود السواد ثم ارتفع السواد ولم يكن أسود)، علمنا أن (علة) كونه أسود (أو وجود السواد)، وكذلك إذا رأينا رجلاً جالساً فدخل عليه رجل/ ١٦٥ ب فقام عند دخوله فلما جلس ذلك الرجل جلس (الرجل) فلما قام قام لقيامه، وتكرر ذلك منه، علمنا أن قيامه لقيام ذلك الرجل.
فإن قيل: فما تنكر على من قال: (إن) علة الخمر الاسم، لأنه لما اشتد سمى خمراً، فإذا زالت الشدة زال اسم الخمر؟
قلنا: لا يصح، لأنه لو طبخ زال عنه اسم الخمر، والتحريم (باق) لبقاء الشدة، ثم إذا جعلتم العلة الاسم، (أليس لأن) التحريم يزول (بزوال الاسم، ويثبت بثبوته؟ فدل على أن السلب والوجود يصحح العلة.
стр. 1273
فإن قيل: لو كان هذا صحيحاً لوجب إذا كان (للأصل) وصف آخر وجد الحكم بوجوده، وينتفي بنفيه أن يكونا علتين صحيحتين.
(قلنا): لا يصح أن ينتفي الحكم عند انتفاء كل واحد (من الوصفين)، فإن وجد ذلك (جاز أن تصح العلتان).
(واحتج المخالف: بأن تكفير المستحل للخمر يوجد بوجود الشدة، وينتفي بانتفائها، ولا يدل على أنها العلة في التكفير.
(قلنا): التكفير لا يوجد وينتفي بما ذكرتم، وإنما باعتقاد مخالفة الشرع وتكذيبه، ولهذا لو اعتقد تحريم الماء، وتحليل (الخمر) أو الخنزير كفر (لما) ذكرنا لا للشدة، ولأن التكفير طريقه العلم، وبالقياس لا يحصل العلم، والتحريم طريقه الظن، وبالقياس يحصل ذلك. فهذا غير ممتنع ألا ترى أن خبر الواحد يوجب العمل ولا يوجب العلم؟
стр. 1274
احتج: (بأنه لو كان) السلب والوجود (يدل) على صحة العلة، لوجب (أن لا تصح) علل جميع (المعللين) في الربا، لأن ما منهم من يمكنه أن يثبت (وجود) الحكم بوجود علته (وينفيه) بانتفائها، ولا خلاف (أن جميع عللهم) غير صحيحة.
(قلنا): كل من بين ذلك دل على صحة علته، ما لم يمنع مانع، أو يرد فساد، ونحن نزعم أن جميعها ما عدا علتنا يرد عليها الفساد، والمناقضة على ما نبينه (هناك).
فصل
فأما شهادة الأصول، فهل تدل على صحة العلة؟
стр. 1275
اختلفوا (في ذلك)، فقال شيخنا وبعض الشافعية يدل على صحتها، وذلك مثل قولنا في الخيل: إذا لم تجب الزكاة في ذكورها إذا انفردت، فلا تجب في الذكور والإناث، والدليل عليه الأصول، فإن الإبل والبقر والغنم تجب الزكاة في ذكورها إذا انفردت، وتجب في ذكورها وإناثها، والبغال والحمير والصيود، لا تجب (الزكاة) في ذكورها إذا انفردت، ولا تجب في ذكورها وإناثها إذا اجتمعت.
والدليل على ذلك: أن هذا يشبه السلب والوجود، وقد بينا ذلك، ومثل هذا (قولنا) في ظهار الذمي من صح إطلاقه صح ظهاره، لأن المسلم (العاقل) يصحان منه، والصبي والمجنون لا يصحان منهما فصار كالسلب والوجود.
стр. 1276
احتج المخالف: بأن استواء (انفراد) الذكور مع كونها مع غيرها (في) بعض الأصول (لعلة أو دليل) لا يدل على أنه يجب أن يستوي في غيره إلا أن يبين وجود تلك العلة (فيه)، أو دليل يدل عليه.
والجواب: إن) علل الشرع أمارات ظنية، فإذا رأينا الزكاة ركناً في الشرع اتفق المخرج فيه حتى إن الذهب والفضة/١٦٦ أيجب في مضروبه ومكسوره على الانفراد (إذا) اجتمعنا، والحبوب يجب فيها (بمعنى) واحد، وكذلك الحيوانات لا يفرق بين ذكورها وإناثها في باب الوجوب وعدمه، غلب على ظننا تعلق الحكم بذلك، وصار كما لو (تقرر) من عادة إنسان (أنه) إذا أعطى ولده شيئاً أعطى أولاده مثل ذلك، متى رأيناه أعطى ذلك الولد ديناراً غلب (في) ظننا أنه أعطى بقية أولاده (مثل ذلك).
стр. 1277
مسألة
الطرد هو جريان العلة في معلولاتها، وسلامتها من النقض، أو أصل يردها من كتاب، (أو سنة أو إجماع، ليس بدليل على صحة العلة، وبه قال أكثر الفقهاء والمتكلمين، وقال بعض الشافعية كأبي بكر الصيرفي وغيره هو دليل على صحتها.
دليلنا: أن الطرد فعل القائس، لأنه يزعم أنه يطرد ذلك حيث وجد ولا يناقض، وفعله لا يدل على أحكام الشرع.
فإن قيل: لا يستدل بفعله، وإنما يستدل بأنها لما اطردت لم يكن لها مانع شرعي يمنعها من جريانها، فدل على صحتها.
стр. 1278
(قلنا): عدم المانع لا يدل على الصحة على (أن) كونها لا دليل عليها مانع شرعي من جريانها، لأن العلة إذا دل عليها الدليل وجب أن يجري في معلولاتها، فإذا لم يدل على صحتها، كان ذلك مانعاً من إجرائها مخافة أن يكون إجراؤها مفسدة.
دليل آخر: أن (المستدل بالطرد) على صحة العلة في الأصل، يقال له: إذا قلت علة تحريم التفاضل الطعم، وعديته إلى كل (مطعوم) مأكول.
(قيل لك: أيسوغ) أن لا يتبعها (الحكم) في موضع ما؟
فإن قال: نعم، قيل له: فاترك ما يسوغ لك مخالفته.
وإن قال: لا يسوغ ذلك.
(قلنا): ولِمَ لا يسوغ؟
فإن قال: لأنها علة الحكم في الأصل.
قيل: لِمَ قلت: إنها علة الحكم في الأصل؟
فإن قال: لأنها تطرد في كل مأكول.
стр. 1279
(قلنا): أنت تستدل على أنها على الحكم في الأصل بالجريان، وتستدل على الجريان بأنها علة الحكم في الأصل، وهذا ظاهر الفساد، لأنك تجعل ثبوت (الطعم علة) في البر، لأنه ثابت في الكمثرى والتفاح، وغير ذلك، وثبوت الطعم (علة) في الكمثرى والتفاح، لأنه ثابت في البر، وصار (هذا) بمثابة شاهدين شهدا عند التقاضي، (بحق) فلم يعرف عدالتهما، فجاء آخران فشهدا بعدالتهما (وتزكيتهما)، وهو لا يعرف عدالة المزكين، فشهد الشاهدان الأولان بتزكية المزكين، فإنه لا يثبت (ذلك) عند القاضي، ولا يحكم بالحق، وصار (هذا) أيضاً بمثابة من جلس في موضع، فسرق ثوبه، فقيل له: أين سرق ثوبك؟ فقال: في الموضع (الفلاني) الذي جلست فيه، فقيل (له)، وأي موضع جلست (فيه)، (فقال): في الموضع الذي سرق فيه ثوبي.
стр. 1280
دليل آخر: (لو دل الطرد) على صحة العلة، لم يحتج القياس إلى أصل، لأنه إذا ذكر العلة وكانت مطردة فقد ثبتت بذلك كونها علة، فلا حاجة به إلى أصل، وقد جعل الأصل والفرع سواء، لأن كل واحد منهما العلة مطردة فيه، فلا معنى لكون أحدهما أصلاً والآخر فرعاً.
دليل آخر: (وهو) أن الطرد زيادة في الدعوى/١٦٦، ٧٤ ألأنه ادعاء العلة في الأصل، فلما طولب (بصحتها) دل عليها بأنها علة في الفرع، (وحيث) وجدت فلم يزد إلا دعوى على دعوى، فصار بمثابة من ادعي على رجل ديناراً، فقيل له ألك بينة، فقال: بينتي أني أستحق عليه ديناراً (آخر)، فإن ذلك زيادة في (دعواه)، لا يثبت بها شيء.
دليل آخر: (وهو) أن العلة هو المعنى المقتضى للحكم المؤثر فيه في الشرع، مأخوذ من قولهم في المريض به علة، لأنها تؤثر (في المريض وتغير حاله، ولا يعلم كونها مقتضية للحكم بمجرد الطرد،
стр. 1281
لأنه قد يطرد) مع الحكم ويجري معه ما ليس بعلة، كقولهم: [في الخل] مائع لا تبني عليه القناطر [ولا تعقد] الجسور، [ولا يصاد] فيه السمك، فلم يجز إزالة النجاسة به كالدهن، وقولهم في السعي: إنه سعى بين جبلين فلم يكن ركناً في الحج، كالسعي بين جبلي نيسابور، وقولهم في وطء الثيب: لا يمنع الرد بالعيب، لأنه شروع في نافذ أشبه الشروع في الزقاق، وقولهم في ذلك: أدخل العضو في المدخل أشبه إذا أدخل رجله في الخف، وقولهم في القهقهة: اصطكاك الأجرام العلوية، (فأشبه) الرعد، وفي مس الذكر: مس آلة الحرث أشبه مس الفدان، (أو طويل) مشوق فأشبه البوق فهذه كل مطردة غير منتقضة، وهي علل فاسدة.
فإن قيل: هذه العلل دل الإجماع على فسادها بخلاف هذه العلل، فإنه لم يقسم الدليل على فسادها، فدل على صحتها.
стр. 1282
(قلنا): لا يكفي في صحة العلة عدم الدليل على فسادها، بل يحتاج إلى دليل على صحتها، وقد بينا أن الطرد ليس بدليل، لأنه يوجد مع الفساد.
واحتج المخالف: بأن العلة إذا اطردت وسلمت مما يردها (أو ينقضها) دل على صحتها، وقد نبه الله تعالى على ذلك فقال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾، فدل على أ، العلة إذا لم يوجد فيها اختلاف فهي من عند الله، وما كان من عند الله فهو صحيح.
(والجواب): أن عدم الدليل على صحتها (يدل على أنها غير صحيحة، فالمدعي حقاً على غيره، لا يقول: بينتي أنه ليس معك ما يدل على فساد دعواى، فدل على صحتها)، بل نقول: إن لم تقم البينة فدعواك باطلة، قال تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَاتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ﴾ فأثبت كذبهم لعدم البينة، ولهذا لو ادعى إنسان النبوة، فقال: الدليل على صحة قولي عدم ما يفسده.
قلنا: بل عدم ما يصحح دعواك دال على فسادها، فأما
стр. 1283
الآية فإنها تدل على أن ما فيه اختلاف وتناقض ليس من عند الله تعالى، ونحن نقول بذلك، فأما أن يدل على أن ما ليس فيه تناقض يكون (من عند الله) فلا، لا سيما إذا (كان) عدم التناقض (راجعاً) إلى فعل المخلوق وهو القائس الذي تطرد علته.
احتج: بأن عدم الطرد يفسدها، فثبت أن وجوده يصححها كالتأثير لما كان عدمه يفسد العلة، (كان وجودها) مصححاً لها.
(والجواب): أن من يقول بتخصيص العلة يمنع هذا، ومن لا يقول به. يقول: إن الطرد شرط في صحة العلة، وليس إذا كان (عدم) الشرط يمنع الصحة/١٦٧ أيقتضي أن يكون وجوده يوجب الصحة، ألا ترى أن عدم الطهارة يمنع صحة الصلاة ووجودها لا يوجب صحة الصلاة، وكذلك عدم الإحصان يمنع وجوب الرجم، ووجوده لا يوجب الرجم.
(وجواب آخر): أن عدم الطرد وجه من (وجوه)
стр. 1284
الفساد حصل في العلة، فدل على فسادها، (وليس) إذا قلنا): ما حصل فيه وجه فساد: فهو فاسد يلزم منه أن ما ليس فيه وجه فساد فهو صحيح، (وإنما يلزم منه أن ما ليس بفاسد فليس فيه وجه من وجوه الفساد، بين هذا): (أن قولنا): الإنسان حيوان (لا يلزم منه أن ما ليس بإنسان بحيوان)، وإنما يلزم أن ما ليس بحيوان فليس بإنسان، ولهذا لو قال النبي ﷺ : زيد (ليس) في الدار، بطل قولنا: (إنه في الدار)، ولا يجب إذا لم يقل ذلك، أن نقول: (إنه في الدار، كذلك هاهنا، (ومعنى) هذا أن الشيء يجوز (أن يثبت) لمعنى، ولا يثبت ضده لعدم ذلك المعنى، ألا ترى أن الحكم يثبت صحته بالإجماع، (ثم لا يثبت فساده لعدم الإجماع).
стр. 1285
فإن قيل: أليس تنفون وجوب صلاة سادسة لعدم الدليل، فجوزوا نفي فساد العلة، لعدم (الدليل) على الفساد.
(قلنا): بل ننفي ذلك، لأنها لو وجبت لدلنا الله على ذلك، كما دلنا على الصلوات الخمس.
فإن قيل: فقولوا في العلة لو لم تكن صحيحة لأعلمنا الله بذلك.
قلنا: إنما قلنا هناك ولم نقل (هنا)، لأنه يكفي في النفي فقد دلالة الإثبات، ولا يكفي في الإثبات فقد دلالة النفي، وإنما كان كذلك، لأن الأصل نفي وجوب الصلاة، فلا ينتقل عن الأصل إلا بدليل، كما أن الأصل أنا غير معتقدين لصحة العلة، فلا ننتقل عن ذلك إلا بدليل، ولهذا نقول: يكفي في براءة الذمة أن لا نجد ما يشغلها، ولا يكفي في شغلها أن لا نجد ما يدل على خلوها.
فإن قيل: لِمَ لا يدل عجز الخصم عن إفساد العلة على صحتها؟
(قلنا): (إنّ) الخصم قد يعجز عن إفساد
стр. 1286
الفاسد، وأكثر ما في عجزه أنه لم يجد ما يفسدها، وليس في كونه لم يجد ما يدل على الصحة (لجواز أن يجد غيره).
(واحتج المخالف): بأن الطرد والجريان هو الاستمرار على الأصول من غير أن يرده أصل، وهذا (شهادة) من الأصول لها بالصحة، فوجب أن تدل على صحتها.
(والجواب: أن) هذا دعوى بل ذلك فعل القائس، لأنه اتبعها الحكم أين وجدت، وفعله لا يدل على الصحة، بخلاف شهادة الأصول، فإن الأصول موضوع الشرع، ألا ترى أن ما ذكرنا من العلل الفاسدة تطرد، ولا يدل ذلك على صحتها.
احتج: (بأنه) إذا عدم ما يفسدها (دل) على صحتها، لأنه ليس بين الصحيح والفاسد قسم آخر.
(الجواب): (أنا) لا نسلم أن عدم المفسد مصحح، ولا نسلم أنه قد عدم هاهنا ما يفسدها، فإن عدم
стр. 1287
ما يصححها أحد ما يفسدها على ما بينا، وليس بأن (نقول): "عدم المفسد مصحح" (بأولى) من قولنا: "عدم (المصحح) مفسد" لأنه ليس بين الصحيح والفاسد قسم آخر.
стр. 1288
باب الكلام في حكم الأصل
فصل
يجوز أن يعلل الحكم في الأصل بصفة (ذاتية) مثل قولنا: شدة مطربة ومطعوم جنس وولا ذو تعصيب، وما أشبه ذلك أو يعلل بصفة شرعية مثل قولنا: كفارة وطهارة، أو يعلل بالأسماء المشتقة، مثل قولنا: زان وسارق فأما الاسم العلم، مثل قولنا ماء وشراب فهو يجوز أن يعلل به؟
ظاهر كلام أحمد ﵁ جواز ذلك (لأنه) قال في رواية الميموني: يجوز الوضوء بماء الباقلاء، والحمص، لأنه ماء، وإنما أضفته إلى ما لا يفسده، وبه قال أكثر الفقهاء من
стр. 1289
الحنفية والشافعية.
وحكى عن بعض أهل العلم: المنع من التعليل بالاسم سواء كان علماً أو مشتقاً.
لنا: أن علل الشرع أمارات موضوعة لإثبات الحكم الشرعي، فإذا قام الدليل على كون الاسم علة وجب الحكم بذلك، كما لو نص عليه صاحب الشرع، فقال: حرمت التفاضل في البر لكونه برا، فإنه يحرم كذلك إذا دل على الاسم دليل غير النطق من تنبيه (أو تأثير أو شهادة) الأصول.
دليل آخر: ما جاز أن يرد به الشرع نطقاً في العلة جاز أن يكون مستنبطاً كالصفة والمعنى في (الحكم) (يؤيد هذا)، أن الصفة تراد لتمييز الأعيان، والاسم قد يحصل به ذلك (وزيادة)، فجاز أن يعلق به الحكم.
стр. 1290
احتج المخالف: بأن الألقاب لا تفيد معنى، وإنما هي مواضعة (بين) أهل اللغة، فلا تكون علة (كما لم تكن علة) في العقليات.
الجواب: يقال لهم: (ولم) إذا كانت مواضعة لا تكون علة) إذا (أثرت) وقام عليها دليل؟، ولِمَ إذا لم تكن علة في العقليات، وعلل العقليات يجب كونها موجبة، لا يجب أن تكون عللاً في الشرعيات، وعلل الشرعيات أمارات وعلامات، والاسم يقع به (الأمارة والعلامة)، والتمييز بين الأشياء؟، ثم يلزم إذا علل به صاحب الشرع نطقاً فإنه يكون علة، وإن كان ما ذكرتم موجوداً.
احتج: بأن الأسماء لا يمكن استنباط المعاني منها، وتدخلها الحقيقة والمجاز وتثبت قبل الشرع، فلا يجوز (أن تجعل علة الشرع).
والجواب: أن هما (مجرد) دعوى، (لم) يلزم (على ما ذكروا) إذا نص صاحب الشرع عليها، ولأن الصفات
стр. 1291
(سابقة) للحكم أيضاً، لأن الشدة (قامت) في الخمر قبل الشرع، ثم جعلت (علة في الشرع)، فبان ما ذكرنا على أنه قد قيل ما من اسم إلا وتحته معنى، ينبيء عن صفات هو عليها ومعاني (تختص به) فجاز تعليق الحكم به كالصفات سواء.
مسألة
(قال: أصحابنا يجوز) أن يكون الحكم علة إثبات حكم آخر، كقولنا: من صح طلاقه صح ظهاره، وكل جنس لا تجب الزكاة في ذكوره المنفردة، لا تجب في ذكوره وإناثه، (أو مايع) لا يرفع الحدث، فلا يزيل النجس.
وقال بعض المتأخرين: لا يجوز أن يكون علة، وإنما هو قياس دلالة لا علة فيه، (وهو الصحيح عندي ولكن ننصر قول أصحابنا).
لنا: أن علل الشرع أمارات تقتضي (غلبة) الظن،
стр. 1292
فإذا وجدنا حكماً دالاً على (وجود) حكم آخر، كان أمارة لوجوده، وإذا كان أمارة لوجوده جاز أن يكون علة فيه، وهذا صحيح فإنه قد سلم (أن صحة) الطلاق منه تدل على صحة ظهاره، (ولا) معنى لتسميته قياس دلالة ولا علة فيه تعدى إلى الفرع، (ولأن الدليل يستقل بنفسه، وإنما العلة هي التي يحتاج إلى إثباتها في الأصل ليتعدى إلى الفرع).
(ودليل): أن الحكم يجوز أن يد عليه أحد الدلائل التي تثبت بها العلل، ألا ترى أنه يجوز أن يقول صاحب الشرع: من صح طلاقه صح ظهاره، (أو ما كان) في دار الإسلام فهو ربا في دار الحرب، كما قال: "من يدل دينه فاقتلوه"، وكما قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾.
احتج المخالف: بأن قولنا ما كان ربا في دار الإسلام، كان ربا في دار الحرب لا يقتضي أنه إنما كان ربا في دار الحرب، لكونه ربا في دار الإسلام، وإنما كان ربا لوجود التفاضل (في) الجنس
стр. 1293
الواحد الذي حرم الشرع/١٦٨ أفيه التفاضل، وذلك هو العلة (فيهما)، وكذلك طلاقه لا يكون علة في ظهاره، وإنما صح طلاقه، لأنه زوج مكلف، (وذلك) علة الظهار أيضاً، فبطل كون الحكم علة (في ظهاره).
والجواب: إن أردت أن ذلك ليس (بعلل) (موجبة)، (وليس غرض الحكم)، فهذا حكم جميع العلل الشرعية، ألا ترى أنها تعلل (الربا) في أربع المنصوص (عليها) بالجنس والكيل، ويعللها الشافعي بالجنس والطعم، وليس كونه قليلاً أو مطعوماً (غرضاً) (موجباً) يعلم به تحريم (الزيادة) في بيع بعضه ببعض، وإنما ذلك أمارة شرعية على التحريم، وكذلك نحن نعلم أن (الأسماء) ليس فيها معنى يدل
стр. 1294
على غرض الحكم، وإنما جعلناها عللاً بدليل شرعي، وهذا، لأن الربا في دار الإسلام يتضمن العلة الموجبة للربا، (فصح) وصفه بأنه علة للربا فيدار الحرب، كما أن الشدة في الخمر لما كان (فيها) المعنى الموجب للتحريم، وهو الصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وإيقاع العداوة والبغضاء، جعلنا السدة علة في الخمر، لأنها تتضمن العلة الموجبة، وكذلك المشقة لما كانت (علة الترخص)، وهي مختلفة، جعلنا علة (الترخص) وجود السفر، وكذلك نقض الطهارة لما كان بالحدث الخارج جعلنا النوم علة (للنقض)، لأنه يتضمن الخارج في الغالب، وكذلك جعلنا مس الذكر، ومس النساء علة النقض، (لأنه) (يتضمن خارجاً) في الغالب، (وذلك مثل قولنا في الاستجمار يعتبر فيه العدد، لأنه حكم يتعلق بالأحجار ويستوي فيه الثيب والأبكار، فاعتبر فيه العدد كرمي الجمار، وهذا غير مؤثر في الأصل، فاستوى الثيب والأبكار كرجم المحصن، ومعلوم أن رجم المحصن لم يسقط فيه العدد، لأنه لم يستو فيه الثيب والأبكار، ولا ذلك علته، ولا بعضها، وإنما الغرض بالرجم قتل الزاني بأي حجر كان).
стр. 1295
واحتج: بأنكم عللتم ثبوت التحريم في القليل من البر، فقلتم: ما جرى الربا في كثيره جرى في قليله، كالدراهم والدنانير، ولو كان (هذا) قياس علة، لكان خلافاً لجميع القائسين، لأنهم أجمعوا على علة الربا في الأربع المنصوص عليها واحدة فلو كان (ما ذكرتم) علة لكان فيها علتان.
الجواب: أن العلة في تحريم الزيادة واحدة، فأما التسوية بين القليل والكثير، فحكم آخر ثبت بهذه العلة التي ذكرناها، فإذا كانا حكمين مختلفين جاز أن يثبت (أحدهما) بعلة غير الحكم (الآخر).
فصل
(ويجوز) أن تجعل العلة في نفي صفة، أو سام على قول أصحابنا، كقولهم: ليس بمكيل ولا موزون (ليس بتراب، ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه، وما أِبه ذلك، وقال بعض الشافعية، لا يجوز).
стр. 1296
لنا: (أنه) إذا جاز أن تكون الأحكام تارة إثباتاً وتارة نفياً، جاز أن تكون (عللها) تارة إثباتاً وتارة نفياً، لأن الأحكام تترتب (على العلل)، ولأنه إذا جاز أن ينص عليه في التعليل جاز أن يستنبط بالدليل، ويعلق الحكم عليه (كالإثبات)، ولأن العلل العقلية مع كونها موجبة، يجوز أن تكون فياً فأولى أن تكون العلل الشرعية نفي وهي موجبة للظن.
احتج المخالف: بأن الذي يوجب الحكم (وجود معنى)، (فأما) عدم المعنى، فلا يجوز أن يوجب الحكم، والنفي عدم المعنى.
والجواب: أن هذا مجرد دعوى، فلم لا يجوز؟ على أن كل نفي يتضمن إثباتاً فيكون ذلك الإثبات علة في إثبات الحكم.
احتج: بأن العلة ما اشترك فيها الأصل والفرع، والنفي لا يصح (أن يشتركا) فيه.
الجواب: أنا لا نسلم، فإن (الاشتراك) يحصل في النفي، كما يحصل في الإثبات فلا فرق.
стр. 1297
فصل
ويجوز أن يجعل الاتفاق والاختلاف علة، أما الاتفاق عند أصحابنا نحو قولهم في المتولد بين الظباء والغنم: أنه متولد من حيوان تجب الزكاة فيه بالاتفاق، فأشبه المتولد (من) بين الغنم والغنم، وأما الاختلاف كقول أصحاب أبي حنيفة (في الكلب): أنه مختلف في إباحة لحمه، فلم يجب العدد في ولوغه كالسباع، وهو قول أكثرهم، وقال بعض العلماء: لا يجوز ذلك، لأن الاختلاف والاتفاق حادث، بعد الرسول ﷺ ، والعلة أمارة شرعية تحتاج إلى نصب (صاحب) الشرع، (ووجه) قول أصحابنا أن هذا وإن كان حادثاً
стр. 1298
فيجوز أن تكون أمارة دالة، كما (كان) الإجماع حادثاً وكان دليلاً معلوماً.
فإن قيل: الإجماع إنما كان دليلاً، (لأن النبي ﷺ قال):"أمتي لا تجتمع على ضلالة".
قيل: وكذلك (نحن) (لا نجعل) هذا علة حتى يقوم عليه دليل شرعي كغيره من العلل، على أن الاختلاف يتضمن خفة حكم اللحم، وذلك (بمعنى) موجود فيه قبل الاختلاف، (وكذلك) الاتفاق يدل على قوة الزكاة، وتأكدها قبله (والله أعلم).
مسألة
إذا كانت العلة ذات أوصاف، وفي (الوصاف) وصف لا تأثير له، لو عدم في الأصل (لم يعدم الحكم بعدمه)، لم يجز أن تجعل العلة مجموع تلك الأوصاف بل يجب
стр. 1299
أن يطرح ذلك الوصف، وقال بعض الشافعية: إذا دخل (ذلك الوصف) للاحتراز حتى لا ينتقض (بفرع) من الفروع، جاز أن يجعل من جملة العلة، (وذلك مثل قوله في الاستجمار يعتبر فيه العدد، لأنه حكم يتعلق بالأحجار يستوي فيه الثيب والأبكار فاستوى فيه العدد كرمي الجمار، وهذا غير مؤثر في الأصل والاحتراز، فاستوى فيه الثيب والأبكار، ورجم المحصن، فلم يسقط فيه العدد، لأنه يستوي فيه العدد، ولا دليل عليه وإنما الغرض بالرجم قتل الزاني بأي حجر كان)، (ولا يطرح الأصل ولا الفرع).
لنا: أن العلة يجب أن تعلم في الأصل ثم تعدى إلى الفرع، وإنما يعلم ذلك إذا كان الوصف مؤثراً في الأصل يوجد الحكم بوجوده، ويعدم بعدمه، فأما إذا لم يؤثر لم يدل على الحكم، فلم يكن علته، ووجب إسقاطه كسائر الأوصاف التي لا تحتاج إليها.
فإن قيل: هذا الوصف بنا حاجة إليه للاحتراز من النقض.
(قلنا: الاحتراز من النقض) لا يؤثر في حكم الأصل وما لا يؤثر في حكم الأصل، لا يجوز أن يكون من جملة علته، وإذا لم يكن من (جملة) علته وجب إسقاطه، وإنما ذكره (لتطرد)
стр. 1300
العلة، وليس الطرد (دالاً) على صحة العلة، وقد تقدم الدليل (على ذلك).
فإن قيل: دفعه النقض يدل على أنه من العلة.
(قلنا): لا يدل على أنه (من العلة)، ألا نرى أنه لو علل بأنه يجوز إزالة النجاسة باللبن، لأنه مائع مشروب فأشبه الماء، (ودفع) ذلك النقض بالدهن، (ولا يقال): إن كونه مشروباً من العلة، (لأن) المؤثر في المائع كونه منقياً (في موضع).
فإن قيل: هو وإن لم يؤثر إلا أنه لا يضر أن يضاف (إلى مؤثر).
قيل: لو جاز أن يثبت في العلة ما لا يضر دخوله لجاز أن يدخل فيها، مالا نهاية (له) من الأوصاف، وهذا فاسد.
احتج المخالف: بأن الأوصاف يحتاج إليها للتأثير والاحتراز، فلما جاز تعليق الحكم على المؤثر جاز تعليقه على المحترز به.
следующие страницы →