Полный текст (1 668 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
لنا: (أنه) إذا جاز أن تكون الأحكام تارة إثباتاً وتارة نفياً، جاز أن تكون (عللها) تارة إثباتاً وتارة نفياً، لأن الأحكام تترتب (على العلل)، ولأنه إذا جاز أن ينص عليه في التعليل جاز أن يستنبط بالدليل، ويعلق الحكم عليه (كالإثبات)، ولأن العلل العقلية مع كونها موجبة، يجوز أن تكون فياً فأولى أن تكون العلل الشرعية نفي وهي موجبة للظن.
احتج المخالف: بأن الذي يوجب الحكم (وجود معنى)، (فأما) عدم المعنى، فلا يجوز أن يوجب الحكم، والنفي عدم المعنى.
والجواب: أن هذا مجرد دعوى، فلم لا يجوز؟ على أن كل نفي يتضمن إثباتاً فيكون ذلك الإثبات علة في إثبات الحكم.
احتج: بأن العلة ما اشترك فيها الأصل والفرع، والنفي لا يصح (أن يشتركا) فيه.
الجواب: أنا لا نسلم، فإن (الاشتراك) يحصل في النفي، كما يحصل في الإثبات فلا فرق.
стр. 1297
فصل
ويجوز أن يجعل الاتفاق والاختلاف علة، أما الاتفاق عند أصحابنا نحو قولهم في المتولد بين الظباء والغنم: أنه متولد من حيوان تجب الزكاة فيه بالاتفاق، فأشبه المتولد (من) بين الغنم والغنم، وأما الاختلاف كقول أصحاب أبي حنيفة (في الكلب): أنه مختلف في إباحة لحمه، فلم يجب العدد في ولوغه كالسباع، وهو قول أكثرهم، وقال بعض العلماء: لا يجوز ذلك، لأن الاختلاف والاتفاق حادث، بعد الرسول ﷺ ، والعلة أمارة شرعية تحتاج إلى نصب (صاحب) الشرع، (ووجه) قول أصحابنا أن هذا وإن كان حادثاً
стр. 1298
فيجوز أن تكون أمارة دالة، كما (كان) الإجماع حادثاً وكان دليلاً معلوماً.
فإن قيل: الإجماع إنما كان دليلاً، (لأن النبي ﷺ قال):"أمتي لا تجتمع على ضلالة".
قيل: وكذلك (نحن) (لا نجعل) هذا علة حتى يقوم عليه دليل شرعي كغيره من العلل، على أن الاختلاف يتضمن خفة حكم اللحم، وذلك (بمعنى) موجود فيه قبل الاختلاف، (وكذلك) الاتفاق يدل على قوة الزكاة، وتأكدها قبله (والله أعلم).
مسألة
إذا كانت العلة ذات أوصاف، وفي (الوصاف) وصف لا تأثير له، لو عدم في الأصل (لم يعدم الحكم بعدمه)، لم يجز أن تجعل العلة مجموع تلك الأوصاف بل يجب
стр. 1299
أن يطرح ذلك الوصف، وقال بعض الشافعية: إذا دخل (ذلك الوصف) للاحتراز حتى لا ينتقض (بفرع) من الفروع، جاز أن يجعل من جملة العلة، (وذلك مثل قوله في الاستجمار يعتبر فيه العدد، لأنه حكم يتعلق بالأحجار يستوي فيه الثيب والأبكار فاستوى فيه العدد كرمي الجمار، وهذا غير مؤثر في الأصل والاحتراز، فاستوى فيه الثيب والأبكار، ورجم المحصن، فلم يسقط فيه العدد، لأنه يستوي فيه العدد، ولا دليل عليه وإنما الغرض بالرجم قتل الزاني بأي حجر كان)، (ولا يطرح الأصل ولا الفرع).
لنا: أن العلة يجب أن تعلم في الأصل ثم تعدى إلى الفرع، وإنما يعلم ذلك إذا كان الوصف مؤثراً في الأصل يوجد الحكم بوجوده، ويعدم بعدمه، فأما إذا لم يؤثر لم يدل على الحكم، فلم يكن علته، ووجب إسقاطه كسائر الأوصاف التي لا تحتاج إليها.
فإن قيل: هذا الوصف بنا حاجة إليه للاحتراز من النقض.
(قلنا: الاحتراز من النقض) لا يؤثر في حكم الأصل وما لا يؤثر في حكم الأصل، لا يجوز أن يكون من جملة علته، وإذا لم يكن من (جملة) علته وجب إسقاطه، وإنما ذكره (لتطرد)
стр. 1300
العلة، وليس الطرد (دالاً) على صحة العلة، وقد تقدم الدليل (على ذلك).
فإن قيل: دفعه النقض يدل على أنه من العلة.
(قلنا): لا يدل على أنه (من العلة)، ألا نرى أنه لو علل بأنه يجوز إزالة النجاسة باللبن، لأنه مائع مشروب فأشبه الماء، (ودفع) ذلك النقض بالدهن، (ولا يقال): إن كونه مشروباً من العلة، (لأن) المؤثر في المائع كونه منقياً (في موضع).
فإن قيل: هو وإن لم يؤثر إلا أنه لا يضر أن يضاف (إلى مؤثر).
قيل: لو جاز أن يثبت في العلة ما لا يضر دخوله لجاز أن يدخل فيها، مالا نهاية (له) من الأوصاف، وهذا فاسد.
احتج المخالف: بأن الأوصاف يحتاج إليها للتأثير والاحتراز، فلما جاز تعليق الحكم على المؤثر جاز تعليقه على المحترز به.
стр. 1301
الجواب: أنا لا نسلم أنها تحتاج إليها للاحتراز (لكونه) مؤثراً، فأما إذا كان للاحتراز فقط لم يحصل به التأثير فوجب إسقاطه.
فصل
إذا ذكر أوصافاً غير مؤثرة في الأصل، لكنها مؤثرة في موضع من الأصول، لم تكن علة يعلق الحكم عليها، وبه قال أصحاب/١٦٩ أأبي حنيفة، واختلف الشافعية، (فمنهم) (من قال مثل هذا)، ومنهم من قال: إذا أثرت في موضع من الأصول فهي علة صحيحة، واختاره أبو الطيب، وأبو إسحاق الفيروزابادي، وذلك مثل (قولهم) في المرتد: يجب عليه قضاء الصلوات، لأنه ترك الصلاة لمعصية فأشبه إذا تركها بالسكر.
فيقول المعترض: لا تأثير للوصف في الأصل، فإن السكران
стр. 1302
لو لم يكن عاصياً به مثل: أن يكره على الشرب، فإنه يفضي الصلاة أيضاً، فيقول المستدل: للمعصية تأثير في إسقاط القضاء (في موضع)، لأنه لو شرب دواء ليزول عقله، فزال لم يسقط عنه القضاء، ولو زال عقله بعلة سقط القضاء.
لنا: أنها إذا لم تؤثر في الأصل لم تكن علة (الأصل)، وإذا لم تثبت علة الأصل لم يجز أن يقاس عليها الفرع، لأن رد الفرع إلى الأصل بغير علة لا يجوز.
فإن قيل: لا نسلم هذا، فإنها إذا أثرت في موضع من الأصول دل على أنها علة الأصل، لأنها لا يجوز أن تكون علة في موضع دون موضع، لأن من شرط العلة اطرادها على الأصول، لكن ربما لم يظهر تأثيرها في الأصل (لاجتماعها) مع علة أخرى، ألا ترى أن (الوطء) في الحيض إذا صادف الإحرام أو الصوم لم يظهر (تأثير) تحريم الوطء به، وإن كان الحيض علة لتحريم الوطء.
(قلنا): لو كانت مؤثرة في الأصل لأمكن أن يظهر
стр. 1303
تأثيرها فيه يوجد، ألا ترى أن ما استشهدوا به من الحيض يمكن بيان تأثيره: بأن يزول الإحرام والصوم، (ويبقى) تحريم الوطء، لأجله، فأما هاهنا، فلا يمكن بيان (تأثيره بحال).
فنقول: السكران وجب عليه القضاء، لأن عقله زال بمعصية، إذ لا فرق فيه أن يكون (بمعصية) أو (بغيرها)، مثل أن يكره على الشرب، فيجب أن تسقط المعصية، وإذا سقط وصف المعصية بقى ترك الصلاة، فلزمه القضاء. فينتقض ذلك بالجنون والمغمى عليه، والكافر الأصلي، فيبطل أن يكون علة، فأما (قوله) (الأصول) يجب أن (تطرد)، فمن يقول بتخصيص العلة يمنع من ذلك، (ويقول): العلة مختصة بالوضع الذي أثرت فيه دون ما لم تؤثر فيه، ومن لا يقول بالتخصيص، يقول: هو علة في هذا الأصل، لكن لا يقاس عليه، لأنه بمنزلة الفرع المختلف فيه، لأن تعلق الحكم بهذه العلة فيه ثبت بأصل آخر، وهو الأصل الذي كان فيه تأثير الوصف، والفروع لا يقاس بعضها على بعض لأنه ليس أحدهما بأن يقاس على الآخر
стр. 1304
(بأولى) من أن يقاس الآخر عليه.
(ودليل) آخر: أنه لو كان تأثيرها في بعض الأصول يكفي في تعلق الحكم بها لم يحتج إلى ذكر الأصل، فإن ذلك (الأصل) يثبت صحتها بوجود التأثير فيه، (وتعلق حكم الفرع) به، ولم يقل ذلك أحد.
دليل آخر: أنه إذا ذكر وصفين ولم يؤثر أحدهما في الأصل وجب إسقاطه، لأنه حشو، فإذا (أسقطه) انتقضت العلة (وبطلت).
احتج المخالف: بأن العلة المنصوص عليها، لا تفسد بعدم التأثير في الحكم الذي ذكرت فيه، كذلك المستنبطة.
والجواب: أن المنصوص عليها لا يجوز أن تكون غير مؤثرة، لأن (النص) عليها (يوجب) زوال الحكم بزوالها، بخلاف المستنبطة.
واحتج: بأن (للتأثير) (دليلا) على صحة العلة
стр. 1305
فحينئذ، وجد (ما دل) على كونها علة في هذا الحكم، وإن لم (تؤثر) في الأصل.
والجواب: أن المطالبة بالتأثير نوع فساد للعلة، وليس بمطالبة بالدليل على صحتها، على أ، هـ لو كان مطالبة بالدليل، (لم يكن صحيحاً، لأنه ليس يتعين أن يدل على هذا الحكم بالتأثير، بل يجوز أن يدل بدليل غيره، وها هنا يلزمه بيان التأثير دل على أنه ليس له مطالبة) بالدليل على صحة العلة، على أنا قد بينا أن التأثير يجب أن يكون في الأصل الذي علق عليه الفرع، فأما في غيره فلا يفيد. (والله أعلم).
فصل
في تعليل حكم الأصل بعلتين، فإن لم تكن واحدة من العلتين هي الدليل على حكم الأصل، بل كان الدليل عليه (نصاً أو إجماعاً)، جاز أن يصحا جميعاً لأن العلة إن كانت أمارة فجائز أن تدل على الحكم الواحد أمارتان، وإن كانت مصلحة
стр. 1306
فجائز أن يكون الشيء صلاحاً من وجهين، ويبين (صحة) هذا: أنه قد يستحق قتل (الإنسان) لردته، و (لأنه قتل) أو زنا، ويحرم وطء المرأة لحيضها، وإحرامها وصيامها، وتفسد الصلاة بالحدث والكلام إذا وجدا معا، وأما إن كانت (إحداهما دليلاً) على حكم الأصل دون الأخرى مثل قولنا في: الطلاق قبل النكاح: أنه لا ينعقد، لأن من لا ينفذ طلاقه المباشر لا ينعقد له صفة الطلاق. دليله الصبي فيقول الحنفي: العلة في الصبي أنه يغر مكلف، وهذا الرجل مكلف أضاف الطلاق إلى ملكه.
فيقول الحنبلي: إنا نقول بالعلتين: بإنه غير مكلف، (وإنه) لا يقع طلاقه المباشر وهما غير متنافيين.
стр. 1307
(اختلف) الناس في ذلك فقال بعضهم: يجوز تحليل الأصل بالعلة التي لا تدل على حكم الأصل: وهي امتناع وقوع طلاقه المباشر. (قال): لأن العلة التي ثبتت بها حكم الأصل هي طريق في حكم الأصل، (فصارت) كالنص الدال على حكم الأصل.
ومعلوم أن ذلك لا يمنع أن ننظر بعض أوصاف الأصل المنصوص على حكمه، (فإذا وجدنا له تأثيراً في ذلك الحكم جعلناه علة، وقسنا بها، ما وجدت العلة فيه من الفروع، كذلك ما ثبت حكمه لعلة من العلل، لا يمنع أن ننظر بعض أوصافه)، فإذا وجدنا له تأثيراً في ذلك الحكم جعلناه علة، (وقسنا) عليه (الفروع)، ومن الناس من قال: لا يجوز تصحيح العلة التي لم
стр. 1308
يثبت بها حكم الأصل، لأن هذه العلة لا يمكن أن تدل على أن مكانها (ثبت حكم) الأصل بأن يبين (أن) بثبوتها ثبت حكم الأصل، وبانتفائها عن الأصل انتفى الحكم، لأنها لو وجدت وحدها في الأصل من غير العلة الأخرى لم يمكن أن يثبت حكم الأصل (بها)، فدل على أنها غير صحيحة، وأنها لا تثبت في الأصل، (والأول أشبه) بأصولنا، (والله أعلم).
مسألة
اختلفت (أقاويل) الناس في العلة الشرعية القاصرة، كالتعليل في الذهب والفضة بالثمنية مع الجنس، هل هي صحيحة أو لا؟، فقال أصحابنا ﵃ وأصحاب أبي حنيفة: هي باطلة إلا أن ينص عليها صاحب الشرع، وقال
стр. 1309
الشافعي (وأصحابه) وبعض المتكلمين: هي صحيحة.
والدليل على صحتها: أنها لو (نص) عليها صاحب الشرع كانت علة صحيحة، فإذا استنبطت كانت صحيحة كالعلة المتعدية.
فإن قيل: المنصوص عليها بيان (لعلة) المصلحة التي لأجلها أباح الشرع وحظر، وعلل المصالح لا يعلمها إلا صاحب الشرع، ولهذا جاز أن ينص عليها، (فأما) العلة المستنبطة فهي مستخرجة، فإذا لم تكن متعدية، فلا حاجة بنا إليها.
(قلنا): (فلما) جعل الشرع علة المصلحة قاصرة غير متعدية (إلا) والعلل يجوز أن تكون قاصرة ومتعدية،
стр. 1310
(وقولك) أن المستخرجة (وإن) لم تكن متعدية، فلا فائدة فيها غلط، لأن فيها فائدة: وهو أن يعلم علة الحكم، ويعلم هل (علته) قاصرة، أو متعدية (والعلم) (من أعظم) أبواب الفوائد.
فإن قيل: إنما تفيد معرفة علة الحكم، إذا (كانت تتعدى) إلى غيره، وإلا (إذا) كانت قاصرة على الحكم فقد استفدنا/١٧٠ أالحكم بالنص، فطلب علته عبث، لأنها لا تفيدنا ثبوت حكم الأصل، ولا يتعدى إلى فرع.
(قلنا): لو كان طلب العلة الواقفة عبثاً، لكان نص الشرع عليها (عبثاً) أيضاً، لأنها لا تفيد حكم الأصل، (ولا تتعدى) إلى فرع.
(وجواب): (أن) أكثر ما يقولون: إنا في غنى (عنهما)، ووقوع الغناء عن الشيء لا يفسده، ألا ترى أنا نستغني بالقرآن في بعض الأحكام (عن) أخبار الآحاد
стр. 1311
والقياس، ولا يوجب ذلك فسادها، ثم قد بينا أن معرفة الشيء بعد جهله من أكبر الفوائد، فسقط (قولهم)، (ولأن) النفوس الشريفة تتشوق إلى معرفة علل الأشياء، وذلك فائدة، وربما كان في معرفتها فائدة أخرى، وهي أن يمتنع من (قياس) فرع على أصل علته قاصرة، وفائدة أخرى، وهي أنه ربما حدث جنس آخر يجعل ثمناً، فتكون (تلك) علته.
ودليل آخر: أن العلة الشرعية أمارة، (فجاز أن تكون) خاصة وعامة، دليله النص.
فإن قيل: النص يفيد في الموضوعي، والعلة لا تفيد إلا إذا كانت متعدية.
(قلنا): قد يبق الجواب (عن هذا).
(ودليل آخر): إن العلل العقلية آكد من العلل الشرعية، (ولهذا) (توجب) حكمها بوجودها وينتفي
стр. 1312
بعدمها، وليس من شرط (العلة) الشرعية العكس، ثم العقلية تصح واقفة ومتعدية، فالشرعية أولى، بيان ذلك: (أنه) يقال لا تسلك طريقاً يحصل فيه الهلاك إلا أن يكون لك فيه نفع في الآخرة، ومثل الجهاد، فهذه علة قاصرة، والمتعدية، مثل قوله: لا تظلم، (فإن) الظلم قبيح، فهذه تتعدى إلى كل قبيح.
دليل آخر: أن إفساد القاصرة: إما أن تكون لأنها (قد) خلت (من) الدليل عليها، أو لأنها لا تطرد، (أو لأنها) لا تتعدى إلى فرع والأول لا يصح، فإنا لا نجعلها علة إلا أن يدل عليها دليل، من تنبيه أو تأثير، أو شهادة أصول، والثاني: لا يصح، لأنها مطردة، والثالث: باطل، لأنه ليس على ذلك دليل معقول، وأنها إذا كانت (قاصرة بطلت).
ودليل آخر: أنه لا يخلو أن تكون العلة أمارة على الحكم، أو وجه المصلحة، فإن كانت (أمارة) فالأمارة لا تفسد بكونها
стр. 1313
خاصة أو عامة (كسائر) الأدلة، وإن كانت (للمصلحة)، (فالعلة) (القاصرة) إذا قامت عليها أمارة (غلب على) ظننا أنها وجه المصلحة كالمتعدية سواء، فدل على صحتها.
احتج المخالف: بأن العلة الشرعية (أمارة) (على شيء)، ولا يتصور أمارة، أو دلالة (لا تكشف عن حكم أصل ولا فرع، فلم تكن أمارة، وإذا لم تكن أمارة) لم تكن علة.
(والجواب: أنه) إذا دلت دلالة صحيحة على كون الوصف علة، قضينا (بأنه) وجه المصلحة، أو بأنها أمارة توجب الظن كالمتعدية سواء، ثم يبطل ما ذكروه بالعلة القاصرة المنصوص عليها، فإنها لا تكشف عن حكم أصل ولا فرع، وهي صحيحة.
وجواب آخر: أنا قد بينا فوائدها بغير ذلك.
стр. 1314
واحتج: بأن العلة إذا لم تكن طريقاً إلى حكم، لم يكن فيها نفسها فائدة، وما لا فائدة فيه لا يجوز أن ينصب الله تعالى عليه أمارة، وكل علة لا أمارة عليها فهي باطلة.
(والجواب): (أنه) يبطل بالعلة القاصرة المنصوص عليها، فإنها لا تفيد حكماً على زعمكم، وقد نص الله تعالى، ولم يجعلها فاسدة، على أنا إذا وقفنا على علة الشيء صرنا عالمين، أو/١٧٠ ب ظانين بما كنا جاهلين به، ولا فائدة أكثر من العلم، ثم يلزم خبر الواحد مع القرآن، فإنه لا فائدة فيه في الحكم، لأنه قد ثبت بأعلى حالات الثبوت، ثم لا نقول: هو فاسد.
فإن قيل: الخبر مع الآية لا يسقط أحدهما مع الآخر، بخلاف القياس مع النص، فإنه يسقط، إذا عارضه فلم يثبت معه، وهذا (المعنى) وهو أن (الشيء) إذا ثبت بالأقوى (نفي حكم الأضعف) بدليل البينة مع الإقرار لا تثبت، لأن الإقرار أقوى منها.
(والجواب: أنه) لا فرق بينهما فإن خبر الواحد إذا (عارض) نص القرآن سقط إلا أن يكون القرآن عموماً والخبر
стр. 1315
خاصاً، فنخصصه، ومثله القياس يخصص عموم القرآن على (ظاهر) قول أكثر أصحابنا، ومن منع منهم (منع من) أن يخصص بالخبر والقياس، فأما البينة، فلا تلغوا مع الإقرار، ولهذا قال أصحابنا ﵃ فيمن قامت عليه البينة بالزنا فأقر بالزنا (لا يسقط) عنه الحد، بل يؤكد الحد خلافاً، لأصحاب أبي حنيفة، (فكذلك ها هنا)، (ولأنه) لا خلاف أن الحكم إذا نص عليه، واقتضاه القياس ثبت (بهما) معاً، (فأما البينة) فإنه إذا أقر لا يحتاج إلى البينة، لأن من شرط (إقامة) البينة أن تثبت حقاً لم يكن ثابتاً، وليس
стр. 1316
(ذلك) من شرط الحكم الشرعي، ولهذا يثبت بالقرآن وبالخبر (وبالقياس)، ولا نقول: إذا ثبت بأحدها فسد غيره. (والله أعلم).
مسألة
اختلف أصحابنا ﵃ في العلة المستنبطة المخصوصة: هل هي حجة فيما عدا المخصوص (أم لا)؟
فقال بعضهم: (هي) حجة فيه، وبه قال
стр. 1317
(مالك) وأصحاب أبي حنيفة.
وقال بعضهم: تكون باطلة منتقضة فلا يحتج بها، وبه قال أصحاب الشافعي، وكلام أحمد ﵁ يحتمل القولين معاً، فأما العلة (المنصوصة)، فمن قال بتخصيص العلة يقول بتخصيصها، ومن منع من تخصيص العلة المستنبطة، اختلفوا في ذلك.
فقال بعضهم: يجوز تخصيصها.
стр. 1318
وقال بعضهم: لا يجوز، ومتى وجدناها مخصصة علمنا أنها بعض العلة.
حجة القول الأول: إنها أمارة شرعية فتخصيصها لا يبطل كونها حجة فيما عد المخصوص كالعموم.
فإن قيل: العموم (طريق) كونه دليلاً، أنه قول صاحب الشرع، فإذا (خص) بعضه لم يخرج باقيه أن يكون دليلاً، لأنه (طريق باقيه) بخلاف العلة المستنبطة، فإن طريق صحتها اطرادها (وجريانها)، في معلولها، فإذا لم تجر فيها أثبتنا أنها ليست علة.
(والجواب: أنا) لا نسلم أن طريق صحة العلة الجريان لما تقدم (من أن اطرادها ليس) (بدليل) على صحتها، على أنه لا فرق بينهما، لأن العموم (قول) صاحب الشرع، والعلة معنى قول صاحب الشرع، وكل واحد منهما يجب شموله بأصل الوضع، إلا أن يمنع مانع، فإذا منع مانع خرج عن حقيقة
стр. 1319
وضعه وصار كالمجاز، فأما (مذهب) من قال: (المجاز) لا يحتج به، أو يكونان حجة على مذهب الأكثرين.
ودليل آخر: أن العلة الشرعية أمارة، (والأمارة لا يجب) وجود حكمها معها على كل حال، وإنما الواجب أن يكون (حكمها) مواصلاً لها في الغالب والأكثر ألا ترى أن الغيم الرطب في الشتاء أمارة على وجود المطر؟. فإن وجد (ولم يمطر) لم /١٧١ أيخرجه ذلك عن (كونه) أمارة على المطر. وكذلك إذا رأينا مركوب القاضي على باب الأمير كان ذلك أمارة على كونه عند الأمير، وإن جاز أن لا يكون عنده، (ويكون) مركوبه مستعاراً، وهذا عمدة المسألة.
فإن قيل: إذا وجدت أمارة ولم يوجب ما دلت عليه وجب أن
стр. 1320
يجعل عدم ذلك المعنى مضموماً إليها فيكون الجميع. هو الأمارة. (فنقول) وجود مركوب القاضي على باب الأمير دليل على كونه عند الأمير ما لم يستعر.
(قلنا): لا أحد من العقلاء يمنع من وقوع الظن لمن رأى مركوب القاضي على باب الأمير أن القاضي عنده إذا كان الأغلب أن القاضي لا يعبر مركوبه، وإن جاز أن يعيره، كذلك لا يمنع من وقوع الظن بأن هذه العلة الحكم وإن لم يوجد الحكم في موضع ثم هب أنك تدعي هذا في المركوب، فالغيم (ما تشترط فيه حتى) يكون أمارة؟
(دليل آخر: أنه إذا جاز أن يوجد الحكم لوجود علته) ثم تزول العلة ويبقى الحكم، مثل السعي شرع لإظهار الجلد للمشركين، وزال ذلك المعنى وبقى السعي، وكذلك حرم الخمر، لأنها توقع العداوة والبغضاء) وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة. وذلك لا يوجد في الفطرة، والتحريم حاصل، (وكذلك شعر الخنزير إذا غمس في الماء نجس لأجله، ثم تزال الشعرة والنجاسة
стр. 1321
بحالها)، فلم لا يجوز أن يزول الحكم وتبقى العلة؟ وهذا يشير إلى معنى صحيح وهو أن الحكم لا تجب ملازمته للعلة، ولا يشترط وجود كل واحد منهما في صحة الآخر، لما بينا من أن العلة تنفك عن الحكم فلا يبطل الحكم كذلك إذا انفك الحكم عن العلة يجب أن لا تبطل العلة.
ودليل آخر: أن العلة المنصوص عليها لا تخلو: (إما) أن يجيز المخالف تخصيصها، أو لا يجزيه، فإن لم يجزه فهو غلط من أوجه:
أحدهما: أنه تحجر على صاحب الشرع، ومعلوم أنه لو قال: حرمت التفاضل في البر لكونه مطعوم جنس، ثم قال: أبحت أن تباع رمانة برمانتين لم يجز الاعتراض عليه.
(والثاني): أن المنصوص عليها قول صاحب الشرع كالعموم، ثم تخصيص العموم لا يبطله كذلك تخصيص العلة.
(والثالث): أن الرسول ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حبيش في دم الاستحاضة: "إنه دم عرف فتوضئي لكل صلاة" فخصصتم هذه العلة، وقلتم: الدم الخارج من العضد
стр. 1322
وغيره لا ينقض الوضوء، وإن كان دم عرق، وكذلك قال لبريرة: ملكت بضعك فاختاري فخصصتم (علته)، وقلتم: إذا عتقت تحت (حر) قد ملكت بضعها ولا (تختار).
(والرابع): أنكم منعتم من تخصيص المستنبطة، لأن طريقها الجريان والتخصيص يبطل ذلك، وليس طريق المنصوص عليها الجريان (فتبطل) بالتخصيص، (وإن) قلتم (يجوز) تخصيصها.
قيل: إذا جاز تخصيصها، وهي أمارة وعلة شرعية جاز مثله في المستنبطة، لأن ما يجوز على الشيء أو تستحيل فهي لا يختلف باختلاف طرقه، ولأن المنصوصة قوله والمستنبطة تنبيه (قوله) فما يجوز في إحداهما يجوز في (الأخرى) (كتعلق) الحكم بكل واحدة منهما.
(فإن قيل: من شرط المستنبطة الجريان فتخصيصها يبطل الجريان).
(قلنا): ونحن فلا نسلم أن طريق المستنبطة الجريان وإنما طريقها دلالة الشرع كالمنصوصة سواء.
стр. 1323
دليل آخر: أن العلة الشرعية جعلت أمارة على الحكم (بجعل جاعل) فجاز أن نجعلها أمارة في مكان دون مكان، كما أن خبر الواحد لما كان أمارة، (جاز أن نجعله في موضع دون موضع، فيكون أمارة مع [عدم نص] القرآن والتواتر، ولا يكون أمارة معهما.
(ودليل آخر): أن أكثر ما في التخصيص وجود العلة ولا حكم وهذا جائز في العلل الشرعية، ولهذا كانت موجودة قبل الشرع ولا حكم، (وتوجد بعد النسخ ولا حكم) فكذلك جاز أن توجد في الموضع المخصوص ولا يوجد حكمها.
فإن قيل: العلة قبل الشرع ما كانت طريقاً إلى الحكم وبعد الشرع صارت طريقاً إلى الحكم، فلا يجوز أن تكون طريقاً في حكم ولا تكون طريقاً في نظيره.
(قلنا): هي طريق إلى الحكم في الموضع الذي جعلت فيه دون غيره، لأنها أمارة وليست موجبة، فجاز أن نجعلها أمارة في الحكم دون حكم، كما جاز أن نجعلها أمارة للحكم في وقت دون
стр. 1324
وقت، وهذا صحيح، فإنه لا فرق بين رفع جميع حكمها بالنسخ، وبين رفع بعضه بالتخصيص بل رفع حكمها جميعه مع بقائها أكثر من رفع بعضه.
دليل آخر: أنهم قد أجازوا تخصيص العلة، لأن عندكم أن الطعم والجنس علة في تحريم التفاضل في الكيل، ثم جوزتم بين العرايا في خمسة أوسق فما دون، ولم تعتبروا التساوي في الكيل، وجوزتم ذلك بالخير، وهذا تخصيص.
فإن قيل: (الخرص) يحصل به التقدير في الكيل.
(قلنا): لو كان كذلك لجاز ببيع ما زاد على خمسة أوسق، ولجاز بيع الرطب على الأرض بالتمر بتقدير الكيل.
فإن قيل: إنما جاز في العرايا لموضع الحاجة بالظن وفي غيرها لا حاجة بنا، فاعتبرنا التساوي في المكيل يقينا دون الظن.
(قلنا): فهذا تخصيص (بدليل)، لأنكم عدلتم عن التساوي يقيناً إلى الظن بدليل الحاجة، ثم كان يجب أن يقولوا فيمن حاجته داعية إلى أكثر من خمسة أوسق أنه يجوز، ومن لا حاجة به إلى أكثر من وسق لا يجوز له بيع الرطب بالتمر في خمسة أوسق، فلما لما تعتبروا ذلك دل على
стр. 1325
أنكم (أخذتم) في الخمسة أوسق (للخبر) لا غير وهو تخصيص.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾، فجعل وجود الاختلاف دليلاً على أنه ليس من عند (غير) الله، وإذا وجدت العلة من غير حكم فقد وجد الاختلاف، (فدل) على أنها ليست من عند الله.
(والجواب: أنا) لا نسلم أن تخصيص الحكم بدليل اختلاف، ثم لو كان ذلك اختلافاً، لكان تخصيص العموم، على أنا نقابل هذه الآية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾، ومعلوم أن أحدهم أبوه أيضاً شيخ كبير فدل على أن التخصيص جائز.
واحتج: بأنها علة مستنبطة (دل الدليل على تعلق الحكم بها)، فكان (تخصيصها) (نقضاً لها) كالعلة العقلية.
(والجواب: أنا) لا نسلم أن العقلية لا يجوز تخصيصها، لأن علة هبوط الحجر ثقله، ثم قد لا ينهبط (في موضع) لمانع فلا يدل على أن الثقل ليس بعلة، وإذا سلمنا فلم
стр. 1326
يمنع من تخصيصها لما ذكرتم، وإنما لأن العقلية موجبة لأحكامها، فلهذا لم يجز تخصيصها: بخلاف الشرعية فإنها أمارة، والأمارات قد يتبعها حكمها، وقد لا يتبعها، بدليل ما بينا، ثم يلزم المنصوص عليها، دل الدليل على تعلق الحكم بها، ويجوز تخصيصها إن سلم.
واحتج: بأن الشرعية مع الشرع كالعقلية مع العقل، فإذا لم يجز تخصيص إحداهما لم يجز تخصيص الأخرى.
(والجواب: أن) هذا جمع/١٧٢ أبغير علة، فإن قالوا: وجه الجمع أن الدليل دل على تعلق الحكم بكل واحد منهما.
قلنا: هذا هو الدليل الذي قبله وقد تقدم جوابه.
واحتج: بأنه لو جاز وجود العلة في فرع ولا يتبعها فيه حكمها لم يكن بعض الفروع (بذلك) أولى من بعض، (فكان) يجب أن يحتاج في تعليق الحكم عليها في كل فرع إلى دليل، لأن كونها علة ليس يقتضي تعلق الحكم بها في كل موضع.
(والجواب: أن) قولكم ليس بعض الفروع أولى من بعض في أن الحكم لا يتبع العلة فيه لا نسلم، (لأن الفرع) المختص بما يمنع من تعلق الحكم بالعلة فيه لا نسلم، (لأن الفرع) فيه من فرع لم يوجد فيه (ما يمنع) من تعلق الحكم
стр. 1327
بالعلة، على أنا قد بينا أن العلة أمارة، (والأمارة) يتبعها حكمها في الأغلب، ولهذا كانت طريقاً إلى الظن لا إلى القطع والأصل فيها أن يتبعها (حكمها ما لم يمنع مانع، فإذا وجدت في موضع وحكمها لا يتبعها) فثم مانع يجب أن يدل عليه دليل كما نقول في العموم فالعلة المنصوصة.
واحتج: بأن العلة أمارة على الحكم، فإذا وجدت ولم يوجد الحكم لم تكن أمارة عليه يبين ذلك، أنا إذا علمنا أن علة تحريم الله بيع الذهب بالذهب متفاضلاً: هي كونه موزوناً، ثم علمنا إباحة بيع الرصاص متفاضلاً مع أنه موزون، فلابد أن يعلم ذلك بعلة أخرى تدل على إباحته نحو كونه أبيض أو غير ذلك (من أوصافه) أو بنص، فإن علمنا بعلة مثل البياض، فلابد أن تشرط في (تحريم) بيع الحديد متفاضلاً.
فنقول: موزون غير أبيض، لأنا لو شككنا في بياضه لم نعلم قبح بيعه متفاضلاً، فخرج الوزن أن يكون بنفسه علة في تحريم التفاضل، وثبت أن كونه موزوناً غير أبيض هو العلة. وإن علمنا (إباحة) (بيع) الرصاص بنص (غير) معلل فلا نعلم تحريم بيع الحديد متفاضلاً إلا إذا علمنا أنه موزون غير رصاص، فلم يكن الوزن فقط علة، وهذه عمدتهم وقد يخص بعضهم هذه
стр. 1328
(الطريقة)، فقال: وجود التخصيص في العلة يدل على أن (المستدل) (لم يذكر) الوصف الذي علق (عليه) الشرع الحكم، لأنه لو ذكره لتبعه الحكم، (وإذا) لم يكن ذلك الوصف الذي علق عليه الشرع لم يكن علة (ثبت) أنه بعض العلة فيجب أن يضم إليه وصف الفرع الذي خصص.
(والجواب: أن) هذا إشارة إلى أن الاطراد دليل على صحة العلة، وقد بينا أنه لا يدل الطرد على صحتها، وإنما يدل على صحتها ما ذكرنا في النطق والتنبيه والتأثير وشهادة الأصول.
وجواب آخر: أن العلة الشرعية أمارة والأمارات غير موجبة (فلا) يكون مفارقة الحكم لها في موضع مخرجاً لها عن كونها أمارة.
وجواب آخر: أنه يلزم العلة المنصوصة إذا لم يرد التعبد بالقياس، (فإنها صحيحة، وإن لم تتعدد إلى سائر الفروع، ويلزم تخصيص العلة المنصوصة مع التعبد) بالقياس.
وجواب آخر: وهو أن العلة أمارة على الحكم في الأغلب ما بينا من وجود الغيم الندى في الشتاء.
стр. 1329
وأما أن تشترط لكونها أمارة أن تكون لا يتخلف عنها حكمها فلا نسلم ذلك).
وجواب آخر: أن العلة تفتقر إلى تأثير مأخوذة من المرض يسمى علة، لأنه أثر، وليس من شرط تسمية المرض علة أن يعم جميع الأمراض، كذلك إذا أثرت هذه العلة في أحكام، وخرج (بعض) أحكامها عنها لدليل لا (يخرجها) عن كونها علة، وقد قيل في الجواب: أنا لا نسلم أن البياض وكونه غير رصاص شرط في تحريم التفاضل لكن (لا) نجعله (شرطاً) في العلة نجعل الإحصان شرطاً/١٧٢ ب في الرجم، ولكن لا يكون بعض العلة، بل يقال علة الرجم الزنا، لأن ماعزاً (زنا) فرجمه النبي ﷺ ، والمخالف يقول: إذا شرطت البياض في تحريم التفاضل، ولم تفصل بينه وبين غيره من الأوصاف فقد أقررت أنه جزء من العلة، (ولأنك) (أقررت): أنه شرط، فإذا قلت الوزن وحده هو العلة (أوهمت أنه) شرط لها، فلابد من ذكره، وكذلك نقول في الإحصان.
واحتج: بأن العلة طريق إلى إثبات الحكم في الفرع، لأنا إذا علمنا أن الوصف علة الأصل ودل الدليل على التعبد بالقياس،
стр. 1330
(وإن) الوصف يكون طريقاً إلى إثبات الحكم في الفرع، فإذا اختص هذا الطريق (بفرعين) لم يجز كونه طريقاً إلى العلم أو (الظن بأحدهما دون الآخر، لأن الطريق في أشياء لا يختلف كالدليل والإدراك كما كانا طريقين (في) الأشياء لم يختلف فيما كانا طريقين إليه.
(والجواب: أنه) ليس العلة في الأدلة وإدراكات ما ذكرتم (في) كونهما طريقين، (بل) لأن دلالتهما، إما أن تكون موجبة (كدلالة) الحياة في الحي على كونه مدركاً، أو كعلمنا أنه (لولا المدلول) ما كانت الدلالة (كدلالة) العقل على كونه فاعلة قادراً، بخلاف الأمارة فإنها غير موجبة (وتعد في) مدلولها، فتكون أمارة على أن المدركات يحصل عندها العلم فهي موجبة: بخلاف الأمارة فإنها غير موجبة، فأما الدليل فهو كقولنا: ولهذا من أخبره زيد (وهو بعيد عن الكذب) بأن بكراً في الدار غلب على ظنه (أن بكراً في الدار) فإذا قيل له: بم ظننت؟، قال: لأن زيداً أخبرني بذلك، ومع ذلك فقد يخبر زيد بأن خالداً في
стр. 1331
الدار فلا يغلب (في) ظنه كونه (في الدار) إذا أخبر من هو أصدق من زيد أن خالداً في السوق ثم لا يخرج إخبار زيد عن بكر أنه في الدار من أن يكون أمارة على كونه في الدار، لأن الأمارة لا تخرج عن كونها أمارة إذا أخطأت في موضع كذلك العلة لا تخرج عن كونها أمارة، وإن تخلف عنها حكمها في موضع.
(واحتج): بأن وجود العلة مع عدم حكمها يدل على أن المعلل لم يستوف شروطها، لأنه لو استوفى شروطها لم يتخلف عنها حكمها، والعلة إذا لم يستوف شروطها كانت باطلة.
(والجواب: أنا) لا نسلم أن تخلف حكمها يدل على أنه لم يستوف شروطها، وهل هذا (إلا) مسألة الخلاف؟، ثم يبطل بالعلة (المنصوصة) إذا لم يرد التعبد بالقياس وبالعلة المنصوصة المخصصة مع ورود التعبد بالقياس.
واحتج: بأن وجود العلة مع عدم حكمها مناقضة وهو آكد ما تفسد به العلة.
(والجواب: أنا) إنما نخصها إذا دل دليل شرعي على موضع التخصيص وذلك لا يسمى مناقضة.
(وجواب آخر): (وهو أن ما نقول): هب أنه سمى مناقضة فلم زعمتم أنه يفسد العلة؟
стр. 1332
فإن قيل: لأن العقلاء عدوا ذلك مناقضة مفسدة، حتى أنهم يناقضون من قال: "سامحت فلاناً؛ لأنه دخل على داري"، إذا دخل غيره عليه فلم يسامحه. (فيقولون): سامحت فلاناً لدخوله عليك، فلِمَ (لم) تسامح فلاناً وقد دخل، عليك؟
(قلنا): هذا صحيح غير أن هذا الإنسان لو اعتذر بأن فلاناً عدوى، فلم أسامحه، حسن ذلك، وكان عذراً صحيحاً.
فإن قيل: العقلاء يلزمونه أو يشترط ذلك في علته. فيقول: دخل علي فلان داري ولم يكن عدوى فسامحته.
قلنا: لا نسلم أنه يلزمه اشتراط/١٧٣ أذلك (في علته) وادعاؤك على العقلاء لا برهان عليه، لأن خصومك من العقلاء وهم يخالفونك (عليه).
فإن قيل: لو لم تفسد العلة بتخصيصها لم تفسد (لمعارضة النص لها).
قلنا: إن عارضها النص في بعض فروعها فهو التخصيص فلا تفسد عندنا، وإن عارضها في جميع فروعها تبينا) أنها علة قاصرة، وهي صحيحة عندنا أيضاً في الأصل الذي أثرت في حكمه ومن لم يقل بالعلة القاصرة. (يقول): ليست علة من حيث
стр. 1333
كانت قاصرة لا من حيث كونها مخصصة ثم هذا باطل بالعلة المنصوصة قبل التعبد بالقياس وبالمنصوصة المخصصة.
واحتج: بأن القول بتخصيص العلة يفضي إلى تكافيء الأدلة، لأن من (يحل يشرب) النبيذ، يقول: مائع يشتهي شربه فكان حلالاً كالماء، ويقول الخمر (مخصوصة) من العلة.
ويقول خصمه: مائع يشتهي شربه فكان حراماً كالخمر، والماء وسائر الأشربة مخصوصة من القياس.
(والجواب: أن) هذا يلزم من (يدل) على صحة العلة في الأصل بالطرد، فأما نحن نقول: لابد أن يدل على العلة دليل في الأصل يتميز به الصحيح من الفاسد، إما من نص أو تنبيه أو تأثير فإن التأثير لا يجوز أن يوجب العلة في الحكمين جميعاً، وإنما يؤثر في أحدهما دون الآخر.
واحتج: بأن التخصيص سد لباب النقض، لأنه (كلما) أرى خصمه العلة مع ارتفاع حكمها. قال (له): هي مخصوصة في ذلك الحكم.
(والجواب: أنه) ليس كذلك، لأن مدعى العلة يحتاج إلى (تبيين) ما يدل عليها في الأصل، ويبين أن الموضع الذي
стр. 1334
خص دلت عليه دلالة صحيحة منعت من (تعلقه) على العلة، فأما إذا لم يبين ذلك ووجدت علته مع عدم حكمها فهي منتفضة فاسدة لا تحتج بها. (والله أعلم).
مسألة
قد أطلق (إمامنا) أحمد ﵁ القول بالاستحسان في مواضع، قال في رواية الميموني: "استحسن أن يتيمم لكل صلاة، والقياس أنه بمنزلة الماء حتى يحدث (أو يجد الماء) " (وقال) في رواية بكر بن محمد فيمن غصب أرضاً وزرعها: "الزرع لرب الأرض وعليه النفقة، وليس هذا شيء بموافق للقياس، ولكن استحسن أن يدفع إليه نفقته"، وقال في رواية المروزي: "يجوز شراء أرض السواد، ولا يجوز بيعها"، فقيل له كيف يشتري ممن لا يملك؟، فقال: "القياس كما نقول ولكن (هو)
стр. 1335
استحسان". وغير ذلك، وبه قال أصحاب أبي حنيفة، وروي
следующие страницы →