← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14103

التمهيد في أصول الفقه

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

فصل ومن ذلك أن يستدل على إبطال سبب الحكم عند خصمه مثل قول أصحابنا في الإجارة: لا تبطل بالموت، أكثر ما فيه أن الموت معنى يزيل التكليف، فلا يبطل الإجارة مع سلامة المعقود عليه كالجنون. فيقول الخصم: أنا أقول بموجبه، لأنها لا تبطل وإنما تبطل بانتقال الملك، ولهذا لو أجر دار/١٨٥ أغيره بوكالة ومات لا تبطل. فيقول المستدل: هذا رجوع في السؤال، لأنك سألتني هل تبطل الإجارة بالموت؟ والثاني: أن تعليلي أن لا تبطل به، ولا يكون سبباً فيه، (فعندك) وإن لم تبطل بالموت إلا أن الموت سبب فيه، لأن به ينتقل الملك، فيبطل العقد. والثالث: أنه لو بطل بانتقال الملك لوجب إذا أجر (العين) المؤجرة أن تبطل الإجارة. فصل فإن قال المعترض: أنا أقول بموجب العلة في الأصل لم يصح، لأن التعليل وقع لإثبات حكم في غير الأصل، لأن الأصل ثبت

стр. 1437

الحكم فيه، بدليل آخر، ولأنه لو صح تسلم (العلة). فصل فإن قال: أقول بموجب العلة. فقال المستدل: أقيس على الموضع الذي قلت فيه بموجب العلة (وتسقط) عني عهدة ذلك، لم يستقم ذلك، لأن أصله، قاس عليه، وما عدا ذلك فرع، فإذا قال بموجبه سقطت الحجة من العلة. الاعتراض الثامن: فساد الاعتبار. ويقع ذلك من جهة النص ومن جهة الأصول، فالذي من

стр. 1438

جهة النص مثل: أن يعتبر حكماً بحكم، قد ورد (النص بالتفرقة) بينهما وذلك مثل قول أصحاب أبي حنيفة في يسير الدم الخارج من غير السبيلين أنه (ينقض) لأنه دم خارج من البدن فنقض الوضوء أصله الكثير. فيقول أصحابنا: اعتبرت يسيره بكثيره، وقد ورد النص بالتفرقة بينهما، قال ﵇: "ليس الوضوء في القطرة والقطرتين من الدم، وإنما الوضوء في كل دم سائل". وكذلك قياسهم بول الغلام على الجارية في وجوب الغسل.

стр. 1439

يقال: هذا اعتبار فاسد، لأن النص فرق بينهما، قال ﵇ في حديث أبي السمح: "كنت أخدم النبي ﷺ فأتيته بحسن أو بحسين، فبال عليه، فجئت لأغسله، فقال: يغسل بول الجارية ويرش بول الغلام". والجواب: عن مثل هذا: أن يبين صحة اعتباره ويتكلم على الخبر، ليسلم له (اعتباره)، (وهذا) معنى قولهم: هذا

стр. 1440

قياس المنصوص على المنصوص، فيفضي إلى إسقاط أحدهما. فصل وقد ألحق الحنفية بذلك: حمل المطلق على المقيد، كما قسنا كفارة الظهار في اشتراط الإيمان على كفارة القتل، وهذا غير صحيح، لأن هناك لم يفرق بينهما النص، بل أوجب الإيمان في كفارة القتل، ولم يذكره في الظهارة، فقسنا ما لم يذكره على (ما ذكره) وصرح به. فصل وأما الذي من جهة الأصول فمثل: أن (نعتبر) حكماً بنى على التوسعة، بحكم بنى على التضييق وبالعكس، وذلك مثل: اعتبار الكفارة في رمضان بالقضاء، (ومثل): اعتبار القطع في السرقة/١٨٥ بضمان المال، (أو نعتبر) قليل النجاسة بكثيرها، فنقول الأصول: فرقت بين القليل والكثير بدليل العمل في الصلاة.

стр. 1441

والجواب: على طريقين: أما من يوجب الدليل على صحة العلة (في الأصول)، ولا يكتفي فيها بالطرد، ولا سلامتها على الأصول، وهو الصحيح عندنا، فلا يلزمه الجواب عن ذلك، لأن الدلالة إذا دلت على صحة العلة في الأصل، (وكانت) موجودة في الفرع وجب اجتماعهما في الحكم، وما ذكره من التوسعة والتضييق واختلاف القليل والكثير (فذلك) حكم آخر، لم (توجد) علة ذلك الحكم فيه فلم يضر. وأما الطريق الثاني: على قول من يدل على صحة العلة بطردها وسلامتها، فيجيب عن ذلك: بأن الأصول منقسمة منها ما يستوي فيه حكم القليل والكثير، وما بني على (التضييق) مع ما بنى على التوسعة، ويبين ذلك، فيسلم له اعتباره. فإن قيل: العلة إذا خالفت بعض الأصول كفى في (فسادها) وإن وافقت بعضها، ألا ترى أن العلة تنقض بمسألة وإن كانت جارية في غير تلك المسألة. (قلنا): النقض يمنع كون الوصف (من) علة

стр. 1442

الحكم، على قول من جعل من شرط العلة الطرد، ومن لم يجعل من شرطها الطرد، فلا يسلم ذلك، فيسقط السؤال، بخلاف هذه العلة، فإنه يفسد اعتبارها إذا خالفت جميع الصول، فأما ما إذا وافقت بعضها فلا يضرها مخالفة بعضها. فإن قيل: إلا أنه إذا خالف بعضها وجب تقديم المخالفة كما يقدم الجرح على التعديل. قلنا: إنما قدم الجرح، لأن ما يوجب الجرح (يستتر به) في العادة، وما يوجب (التعديل) له يظاهر به، فمن شهد بالجرح، فقد شهد بمعنى خفي على من شهد بالعدالة، بخلاف هذا، فإنه فرع قيس على أصل بمعنى صحيح، (فليس) كل الأصول ترد ذلك المعنى، فلم يكن ما خالفه مؤثراً فيه. فصل فإذا اعتبر فرعاً بأصل، وهما مختلفان في نظائر الحكم كاعتبار الصبي بالكبير في إيجاب الزكاة، وهما مختلفان في الصلاة والصوم والحج، وكاعتبار (المرأة بالرجل) في القتل بالردة، وهما مختلفان في القتل في الكفر الأصلي. فجواب ذلك أن يبين أن ما ألزمه (ليس) نظيرا

стр. 1443

(للحكم)، بل نظير ذلك ما (ذكرناه)، وهما يتفقان فيه. فصل فإن قال: اعتبر المتقدم بالمتأخر، وهذا لا يجوز، كاعتبار أصحابنا الوضوء بالتيمم في إيجاب النية. فيقول الحنفي: التيمم شرع بعد الوضوء، والنية واجبة في الوضوء قبله، فلا يجوز أن يعتبر به، ويؤخذ (حكمها) منه. والجواب: أن علل الشرع أمارات وأدلة، ثم (الأدلة) يجوز أن يتأخر (بعضها) عن المدلول، ولهذا استدللنا بأفعال الله

стр. 1444

سبحانه وتعالى المحدثة على قدمه تعالى، واستدللنا بالمعجزة المتأخرة على صدق الرسول ﷺ ، فكذلك لما وجدنا الله سبحانه (وتعالى): شرح التيمم وهو طهارة حدث، ومن شرطه النية، دلنا على (أنه) شرع الوضوء كذلك. فصل فإن قال: اعتبرت الفرع بأصل آكد منه، كاعتبار أصحابنا الاستنجاء في وجوب الإزالة (بسائر) البدن، (إذا كان عليه نجاسة)، فيقال لهم: (نجاسة بسائر) البدن آكد حكماً، ولذا يجب إزالتها بالماء بخلاف موضع الاستنجاء. والجواب (عنه): أن العلة الموجبة للإزالة يشترك فيها الأصل والفرع، فوجب اعتباره به، وتأكد الأصل في حكم آخر، لا يمنع القياس، لأن (الأصل) (يكون) أقوى من (الفرع)، فإنه يثبت بالنص، أو يقع الإجماع على حكمه، ولا يمنع ذلك القياس عليه.

стр. 1445

الاعتراض التاسع: فساد الوضع: وهو أن يعلق على العلة ضد ما (تقتضيه)، ويعرف ذلك من جهة الرسول ﷺ ، أو من جهة الأصول فأما ما عرف من جهة الرسول ﷺ (فمثل): (قول) أصحابنا في تنجس أسآر السباع: إنه سبع ذو ناب فكان سؤره نجساً كالكلب والخنزير. فيقول الشافعي: كونه سبعاً جعل في الشرع علة في الطهارة بدليل ما روى: أن النبي ﷺ دعى إلى دار قوم فأجاب، ودعى إلى دار قوم فلم يجب، فقيل له: دعاك فأجبت ودعا فلان فلم تجب، قال: في دار فلان كلب، قيل له: ففي دار فلان هرة، فقال: الهرة سبع، فجعل كون الهرة سبعاً علة (للطهارة) فلا يجوز أن يجعله علة للنجاسة.

стр. 1446

والجواب: أن يبين/١٨٦ ب المستدل أن هذه الزيادة لا تعرف، والدلالة على ضعفها: أنه تناقض، لأن الكلب والخنزير سبعان أيضاً، وفي الجملة يتكلم على الخبر بما يسقطه، ليسلم له صحة وضع العلة. فصل (وأما) ما عرف من جهة الأصول. فكقول أصحابنا في قتل العمد: أنه معنى أوجب القتل، فلا يوجب الكفارة كالردة. فيقول الخصم: علقت على العلة ضد المقتضى، فإن كونه موجباً للقتل (سبب للتغليظ)، فلا يجوز أن يجعل سبباً للتخفيف بإسقاط الكفارة. والجواب: أن يبين (المستدل) أن ما علق عليه هو وفق المقتضى، لأن العمد إذا تغلظ بإيجاب القصاص وهو (الغاية) في العقوبة، لم يجز أن يتغلظ بمعنى آخر، ألا ترى أن الردة لما أوجبت القتل لم تتغلظ بمعنى آخر؟ وكذلك الزنا في الإحصان على

стр. 1447

قولهم، وعلى رواية لنا، ولا يجوز أن يقال في جواب هذا يبطل بالأصل، وهو الردة، فإنه لما تغلظ بالقتل لم تجب الكفارة، لأن الخصم لم يعلل بأن وجوب القتل (موجب للكفارة)، فيبطل عليه بالردة، وإنما قال: (إن) العمد سبب للتغليظ بالإيجاب، فلا يجوز أن يعلق عليه التخفيف بالإسقاط. (والاعتراض) العاشر: أن يقال هذه العلة (يعترض) على أصلها، فلا يصح، وذلك مثل: أن يعلل الحنفي في انعقاد التحريم بلفظ التعظيم، لأنه لفظ يقصد به التعظيم، فانعقد به تحريم الصلاة كلفظ التكبير. فيقول المعترض: هذه العلة تعود على أصلها بالإبطال، لأن الرسول ﷺ قال: "تحريمها التكبير" فحصر انعقاد تحريمها بلفظ التكبير، فمتى اخترنا غيره أسقطنا حصره (للأصل) بالتكبير (فأسقطنا) العلة وراعينا النص.

стр. 1448

وجواب هذا (وما أشبه): أن يتكلم على الخبر بأن (يثبت) أنه لا يقتضي الحصر، لتبقى علته. الاعتراض الحادي عشر: القلب: وهو في الحقيقة معارضة إلا أنه (تميز من بين) المعارضات بهذا الاسم، لأنه عارضه بعلته في أصله فجعل علة المستدل التي كانت حجة عليه حجة له، وهذا قلب المعنى الذي قصده المستدل، بخلاف بقية المعارضات، فإنه يقابل العلة بعلة أخرى، خلافاً لبعض الشافعية في قوله: القلب إفساد، وليس بمعارضة، /١٨٧ أفيفيد ذلك، أن لا نتكلم عليه، بما نتكلم على العلة المبتدأة.

стр. 1449

دليلنا: أن القالب ذكر العلة الصالحة (لحكمه) التي دل على صحتها أحد الدلائل على صحة العلة، فكان معارضاً كما لو بدأ بعلة لحكمه ذلك، (أو ابتدأ) بتلك العلة قبل أن يعلل بها خصمه، وإذا ثبت هذا جاز أن يتكلم عليها (بما يتكلم به) على العلل المبتدأة. واحتج المخالف: بأن العلة الواحدة لا يجوز أن يتعلق عليها حكمان (متضادان، فإذا وجدنا ها هنا قد تعلق عليها، ذلك دل على أنها فاسدة). والجواب: أنه لا يجوز أن يكون القلب لحكمين متضادين من كل وجه، وإنما يكون لحكمين، لا يمكن الخصم أن يجمع بينهما لمعنى آخر. مثال ذلك: أن يحتج شافعي على حنفي في مسح الرأس: بأنه عضو من الأعضاء من أعضاء الطهارة (فلم يتقدر) بالربع كسائر الأعضاء لم يصح، لأنهما حكمان متضادان في الأصل من كل وجه، لأنه لا يجوز أن يكون الأصل يتقدر بالربع، فأما أن قلب بأن قال: (فلا يجزي عليه) ما يقع عليه الاسم كسائر

стр. 1450

الأعضاء صح، لأن الأصل قد اجتمع فيه، أنه لا يتقدر بالربع ولا يجزي فيه ما يقع عليه الاسم، ولا يمكن أحدهما أن يجمع بين الحكمين، فكانت الحجة مشتركة بينهما، ولابد أن يكون لتعلق أحد الحكمين (بهذه العلة)، (ترجيح) على الآخر فيرجح به، فتكون علته متقدمة، أو متوجه على أحدهما في (جلب حكمها) إفساد، وتسلم (علة) الآخر، كما نقول في العلتين المتعارضتين سواء. فصل إذا ثبت هذا فهي معارضة صحيحة يلزم جوابها. وقال بعض الشافعية: ليست صحيحة ولا يلزم جوابها. لنا: أن القالب احتج على المستدل بعلة في حكم، لا يمكن المستدل أن يجمع بينه وبين حكمه، (فلزمه) الجواب (عنه) كما لو عارضه بعلة من أصل آخر.

стр. 1451

(ودليل آخر): إذا جاز أن يستدل المسؤول بلفظ (آخر عن الرسول) ﵇، ثم يشاركه السائل في الاحتجاج بذلك (اللفظ جاز أن يستدل بعلة، ويشاركه السائل في الاحتجاج بها)، بيان (ذلك) أن الحنفي: استدل في مسألة الساجة بقول النبي ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" وفي نقض (بنيانه) ضرر فوجب أن يمنع النقض.

стр. 1452

فقال أصحابنا: ففي منع المغصوب من أخذ عين ماله مع بقائه وهو الساجة ضرر وإضرار (أيضاً)، فيجب أن يمكن من الأخذ، فإن ذلك احتجاج صحيح لكل واحد منهما في الخبر، كذلك في العلة (أيضاً)، وقلبها. واحتج المخالف/١٨٧ ب: بأن القلب لا يمكن إلا بفرض مسألة على المستدل، وليس للسائل فرض مسألة على المستدل، وإنما للمستدل أن يفرض مثاله: أن يقول الحنفي في الاعتكاف بغير صوم: لبث في مكان مخصوص فلا يكون بمجرده قربة أصله الوقوف بعرفة. فيقول الخصم: أقلب، فأقول: فلم يكن من شرطه الصوم، (أصله الوقوف، فالمستدل فرض الكلام بقلبه في الاعتكاف ليس من شرطه الصوم). فالأول فرض في إبطال مذهب خصمه. والثاني (فرض في صحة مذهبه، وأنه) ليس من شرط الاعتكاف الصوم، وهذا لا يجوز. والجواب: أنه يبطل بالمشاركة في دلالة الخبر على ما بينا، فإنه جائز وهو مسألة على المستدل.

стр. 1453

وجواب آخر: أن هذا ليس بغرض مسألة، ولكنه مشاركة في علته، وأصله في معنى الحكم الذي فرض (فيه)، ألا ترى أنه لا يمكنه أن يجمع بينه وبين حكمه؟، وذلك يوجب نفي حكمه، فإذا انتفى ثبت الحكم الآخر بالعلة، بيان ذلك أنهما اتفقا على أن غير الصوم من العبادات - لا يشترط في صحة الاعتكاف، وذلك إجماع، فإذا نفى القالب بقلبه وجوب الصوم، (واشتراطه) في الاعتكاف لم يبق إلا أن يكون الاعتكاف قربة بنفسه، لأنه عبادة ورد الشرع بها، (فقد صار) كأنه أثبت كونه بانفراده قربة، فانتفى قول المستدل، فلم يكن بانفراده قربة وصار ذلك كما لو عارضه بعلة أخرى، حكمها ضد حكمه، فإنه يلزمه الكلام، فإن عجز بطل استدلاله، ولا يكون ذلك فرض مسألة على المستدل. فإن قيل: فلو كان كما ذكرت لما صح القلب، لأن الحكم وضده لا يجتمعان في (أصل) واحد وعلة واحدة. (قلنا): إنما لا يجتمع الشيء وضده إذا صرح به، مثل أن يقول أحدهما: فكان من شرطه الصوم. ويقول الآخر: فلم يكن من شرطه الصوم، لأن النفي والإثبات لا يجتمعان، فأما حكمان مختلفان، فإنه يجوز اجتماعهما،

стр. 1454

وإن كان (أحدهما) يؤدي إلى نفي الآخر بضرب من الاستدلال على ما تقدم بيانه. فصل إذا ثبت هذا (فهو) يتنوع ثلاثة أنواع أحدها: القلب بحكم مقصود غير حكم المعلل، ومثاله ما ذكرنا، وجوابه: أن يتكلم عليه بكل ما يتكلم على المعلل من وجوه الإفساد/١٨٨ أ، ويكثر فيه أن يقول هذه الأوصاف غير مؤثرة، لأنك لو قلت: فعل فلم يكن من شرط صحته الصوم كسائر الأفعال من القيام والقعود، والمشي وغير ذلك كفى. فصل والنوع الثاني: قلب التسوية، وذلك مثل أن يقول الحنفي في طلاق المكره: أنه طلاق من مكلف صادف ملكه، فوجب أن يقع كالمختار. فيقول المعترض: أقلب (وأقول): فوجب (أن لا يستوي) حكم إيقاعه وإقراره كالمختار، فقد اختلف القائلون بصحة القلب في هذا.

стр. 1455

فقال بعضهم: إنه صحيح، وقال بعضهم: ليس بصحيح، فالدلالة على صحته: إن المبتديء بالعلة منهما لا يمكنه الجمع بين حكمه وحكم القالب، فصار كما لو كان مصرحاً بالحكم. (ودليل آخر): أن الأصل والفرع في الحكم المعلق (على العلة) سواء لأن الحكم: التسوية بين الإيقاع والإقرار دون صحته وفساده، وهذا حكم صحيح يجوز أن ينص عليه صاحب الشرع، فيقول: الإيقاع والإقرار يستويان فكل موضع صح في أحدهما صح الآخر، وكل موضع فسد أحدهما فسد الآخر، ويدل عليه: أنه لو صرح بالحكم لصح القياس وإن كان حكم الأصل مخالفاً لحكم الفرع في التفصيل، (فكذا) هاهنا إذا اتفق الأصل والفرع في حكم العلة يصح، وإن اختلفا في التفصيل. واحتج المخالف: بأن حكم الفرع مخالف لحكم الأصل، لأن الاستواء في الفرع يريد به في عدم الصحة، وفي الأصل في الصحة، فحكم الأصل والفرع متضادان، فلم يجز ذلك. والجواب: أن حكم الأصل: هو التسوية، وقد وجد ذلك في الفرع، وإنما يختلفان في كيفية التسوية، وكيفية التسوية حكم غير التسوية، يدلك عليه: (وهو) أن يجوز أن يرد الشرع بوجوب

стр. 1456

التسوية بين الإيقاع والإقرار فينقطع (منه) حكم الاجتهاد، لكن يبقى الاجتهاد في كيفية التسوية، هل هي في الصحة أو في البطلان أو فيهما فبان أن الكيفية غير التسوية، فلا يلزم استواء الأصل والفرع في الكيفية. واحتج: بأن المقصود من القلب معارضة المستدل ومساواته في الدليل، وقلب التسوية لا يساوي القالب فيه للمستدل، لأن المستدل صرح بالحكم، والقالب أبهم الحكم، والمصرح به أولى من المهم أبداً. والجواب: أن هذا مع إبهامه لا يمكن المستدل أن يجمع بينه وبين حكمه، فنافاه، وصار كالحكم المصرح به في النوع الأول من القلب، فإذا ثبت هذا - فالجواب أن يتكلم عليه بكل ما يتكلم به على العلل والذي يختص به (أن يقول): لا يجوز التسوية بين الإيقاع والإقرار، لأن الإقرار يدخله الصدق والكذب، بخلاف الإيقاع، فإنه إذا وجد وقع. فصل والنوع الثالث من القلب: يصح أن يجعل المعلول علة

стр. 1457

والعلة معلولاً: كقول أصحابنا في ظهار الذمي: من صح طلاقه صح ظهاره كالمسلم. فيقول الحنفي: أجعل المعلول علة والعلة معلولاً، فأقول: المسلم إنما صح طلاقه، لأنه صح ظهاره، ومتى كان الظهار علة الطلاق لم يثبت ظهار الذمي بثبوت طلاقه فقال أصحابنا ﵃: هذا لا يمنع الاحتجاج بالعلة وهو قول أكثر الشافعية. وقال قوم: لا يصح أن يكون علة، وهذا قول الحنفية بوضع المتكلمين. (فالدلالة) على صحة ذلك: أن علل الشرع أمارات على الأحكام بجعل جاعل ونصب ناصب، وهو صاحب الشرع ﵇، وغير ممتنع أن يقول صاحب الشرع: من صح طلاقه فاعلموا أنه يصح ظهاره، ومن صح ظهاره فاعلموا أنه يصح طلاقه فأيهما ثبت منه صحة أحدهما حكمتا بصحة الآخر منه، وجرى هذا مجرى ما أمر به من التسوية بين الأولاد في العطاء، وبين النساء في القسم، فإذا رأينا المسلم المتحري لدينه قد أعطى أحد ولديه شيئاً، (دل على) أنه أعطى الولد الآخر (مثله)، فإذا بات عند امرأة دل على أنه بات عند الأخرى، فيكون (وجود) ذلك في حق أحدهما أمارة على وجوده في حق الآخر، كذلك ها هنا.

стр. 1458

فإن قيل: هذا هو الحجة عليكم، لأن الدفع إلى الأول علة في الدفع إلى الثاني، وليس الدفع إلى الثاني علة في الدفع إلى الأول، وكذلك في القسم، فبان: أنه لا يجوز أن يكون كل واحد منهما علة الآخر، وأنتم تجعلون هاهنا كل واحد منهما علة الآخر. (قلنا): نقول في مسألتنا: إذا ثبت صحة الطلاق من شخص ثبت صحة ظهاره، وإذا ثبت صحة الظهار (من شخص) ثبت صحة طلاقه، فيكون السابق في الثبوت علة الآخر. واحتج المخالف: بأنه إذا جعل كل واحد منهما (علة الآخر، وقف ثبوت كل واحد منهما على ثبوت الآخر، فلا يثبت واحد منهما)، كما لو قال: لا يدخل زيد الدار حتى (يدخله) بكر، ولا (يدخله) حتى يدخل زيد، فلا يمكن دخول واحد منهما، كذلك ها هنا. (والجواب): أن هذا يعتبر في العلل العقلية، لأن الحكم (لا يثبت) في العقل بأكثر من علة واحدة، فإذا جعل كل واحد منهما علة الآخر، وقف كل واحد منهما على الآخر فاستحال ثبوتها، فأما في (الأحكام الشرعية)، فإنه يجوز أن يثبت

стр. 1459

الحكم الواحد بعلل، فإذا جعل كل واحد منهما علة (للآخر)، لم يقف ثبوت أحدهما على الآخر، بل يثبت بطريق آخر، فيستدل به على الحكم الآخر، ألا ترى أن ما ذكروه من دخول زيد وبكر لما لم يجعل لكل واحد منهما طريق غير دخول الآخر، امتنع دخولهما، (فلو) قال: إن دخل زيد فليدخل (بكر)، وإن دخل (بكر) فليدخل زيد، متى دخل أحدهما بسبب، كان دلالة على دخول الآخر، كذلك (ها هناك). فإن قيل: العلل وإن كانت أمارات إلا أنها بمنزلة العلة العقلية، ولهذا لا يجوز تخصيصها، كما (لا) يجوز تخصيص الألفاظ، وبهذا فارق عطية الأولاد والنساء، فإنها تثبت من جهة العادة لا من جهة العلة. (والجواب): أنها أمارة ويجوز تخصيصها عندنا، فسقط ما ذكرت. واحتج: بأنكم إذا جعلتم كل واحد منهما علة في الآخر، جعلتم الموجب للحكم موجباً بالحكم، وهذا لا يصح. والجواب: أنا لا (نجعل) كل واحد منهما موجباً بالآخر،

стр. 1460

وإنما نجعله أمارة على الآخر، وذلك جائز، ألا ترى أنه يجوز أن يصرح الشرع به، وقد بينا ذلك، ولأنه إذا كان طريق ثبوتهما واحداً جاز أن يكون أحدهما أمارة على الآخر، ولهذا من له ولد أن يدل ثبوت الإرث لأحدهما على ثبوته للآخر، لأن طريق ثبوتهما الولادة، كذلك الطلاق والظهار طريق ثبوتهما واحد وهو النكاح فجاز أن يجعل أحدهما علماً على الآخر. وجواب آخر: وهو أن علتنا تتعدى، فتفيد حكماً وهو/١٨٩ ب ظهار الذمي، وعلة السائل لا تتعدى وغير المتعدية باطلة عند بعضهم، وعند الجميع المتعدية أولى منها فكانت علتنا أولى بالتقديم. (والجواب آخر): أن الطلاق سابق للظهار، لأنه كان موجوداً قبل الشرع، فجاز أن يجعل علة في الظهار، والظهار ثبت حكمه في الشرع فهو متأخر، فلا يجوز أن (يؤخذ) منه حكم الطلاق، كما قالوا: (أنه) (لا يؤخذ) حكم الوضوء في النية من التيمم، لأن التيمم متأخر عن الوضوء، على أنه إذا علل: بأن من صح ظهار صح طلاقه لم يؤثر، فإن الذمي لا يصح ظهاره وطلاقه صحيح. فصل ومما يلحق بالقلب، وليس بقلب، وإنما هو معارضة:

стр. 1461

أن يستدل أصحابنا في جواز تقديم الكفارة (على الحنث)، بأنه كفر بعد اليمين أشبه إذ كفر بعد الحنث. فيقول الخصم: أقول: كفر قبل الحنث أشبه إذا كفر قبل اليمين. وجواب هذا: أن يتكلم عليه بكل ما يتكلم به على المعارضات. الاعتراض الثاني عشر، وهي على ضربين: معارضة بنطق، ومعارضة بعلة.

стр. 1462

فأما النطق: فهو الكتاب والسنة والإجماع وقول الصحابة على ما بينا من الاختلاف. والجواب: أن يتكلم على هذه المعارضة بما (ذكرنا) من الاعتراضات على هذه الأدلة، ليسلم له قياسه. فأما المعارضة بعلة: فهي على ضربين، معارضة بعلة مبتدئة

стр. 1463

من غير أصل المعلل، مثل: (قولنا): طهارة فلا (تصح) بالخل كالوضوء. فيقول المخالف: أعارض بأنها عين أمر بإزالتها، لأجل (عبادة) فجاز إزالتها بالخل كالطيب في ثوب المحرم. فللمستدل أن يتكلم عليها بأحد الوجوه المفسدة للعلل لتبقى علته، أو يرجح علته بما (سيأتي) ذكره من الترجيحات في العلل إن شاء الله. وأما الضرب الثاني: فهو أن يعارضه بعلة من أصله وهو الفرق، فلا يخلو أن يعارضه بعلة واقفة، وعلة المستدل

стр. 1464

جارية مثل تعليل أصحابنا ظهار الذمي: بأنه شخص يصح طلاقه فصح ظهاره كالمسلم. فيقول الحنفي المعنى في (المسلم): أنه يصح منه التكفير بالصوم. فيقول المستدل: هذه علة واقفة، وهي لا تصح/١٩٠ أ، وإن كان ممن يصحح العلة الواقفة. قال: لا يصح عندك. وأما أنا أقول بالعلتين في الأصل لأن حكم هذه العلة لا ينافي علتي، فلا يمنع تعليق الحكم بها، بل يعلق الحكم بكل واحد منهما في الأصل، وتكون علتي متعدية إلى الفرع المختلف، فيثبت الحكم فيه، وغير ممتنع أن يثبت الأصل بعلتين، والفرع بعلة واحدة منهما. فإن قيل: إذا أقررت بأن الحكم في الأصل يجوز أن يتعلق (بعلة) (لا توجد) في الفرع، فلا يثبت الحكم (للفرع). (قلنا): ولِمَ؟ وليس من شرط العلة العكس، فيجوز أن

стр. 1465

يثبت الحكم بعلة، ويثبت في عكسها وذلك الحكم بعلة أخرى. فإن قيل: قد أقررت بصحة علتي، والحك يستقل بها، (فإن) ادعيت علة أخرى فثبتها بالدليل. قيل: هذا مطالبة بتصحيح العلة وكان يجب تقديمه فإذا عارضت، ثم عدت تطالب، خرجت عن مقتضى الجدل، وتركت الاعتراض المعارضة إلى سؤال آخر وكذلك إذا استدل أصحابنا في الجديد: أنه موزون جنس، فلا يجوز التفاضل فيه، أصله الذهب والفضة. فيقول المخالف: الذهب) ثمن وهذا بخلافه، فيقول: أنا أقول أن الأصل يثبت بعلة (الوزن) وبعلة الثمنية غير أن أحدهما تعدى دون الآخر. وأما إن عارضه بعلة متعدية، فلا يخلو أن يكون متفقاً عليها، مثل أن يستدل أصحابنا في الطلاق قبل النكاح، بأن من لا يملك الطلاق المباشر لا ينعقد له صفة الطلاق كالمجنون. فيقول الحنفي: المعنى في الأصل: أنه غير مكلف، وهذا مكلف أضاف الطلاق إلى ملكه. والجواب عن هذا: أن يقابل علة الأصل بمثلها في التأثير في الحكم، وذلك أن نقول: إن كان في الأصل لم يصح منه، لأنه

стр. 1466

غير مكلف، فهذا غير مالك، ولا فرق في الأصول بين غير المكلف وبين غير المالك، ألا ترى أن من لا يملك البيع كمن هو غير مكلف في أن بيعهما لا ينفذ؟. والثاني: أن يبين أنه في الحكم كالمجنون، ألا ترى أنهما في الطلاق المباشر يستويان، فإن كانت العلة التي (عارض) بها (مختلفاً) فيها؟، مثل أن يستدل أصحابنا في الأشنان بأنه مكيل جنس فأشبه البر. فيقول الشافعي: المعنى في البر أنه مطعوم جنس، وهذا ليس بمطعوم جنس. والجواب (عن هذا): أن يبين أن الطعم لا يجوز أن يكون علة/١٩٠ ب، لأنه لا يوجد الحكم بوجوده، ويعدم بعدمه، وهو صحة العقد، فإذا وجد التساوي في الكيل صح العقد وإن وجد التفاضل في الطعم، وإذا عدم التساوي في الكيل بعلل العقد، وإن وجد التساوي في الطعم ولأن التعليل بالطعم يعود على أصله بالإبطال وما أشبه ذلك لتسلم علته.

стр. 1467

فصل فإن كان الفرق بحكم من أحكام الفرع، مثل أن يقول الحنفي في سجود التلاوة: أنه سجود يجوز فعله في الصلاة، فكان واجباً (كسجود الصلاة). فيقول الحنبلي: المعنى في سجود الصلاة: أنه لا يجوز فعله على الراحلة من غير عذر، (بخلاف سجود التلاوة، فإنه يجوز فعله على الراحلة من غير عذر، فهو) كسجود النفل فيتكلم على هذا بكل ما يتكلم على العلل في الأصل والفرع، وإن شاء بين: أنه إنما جاز فعله على الراحلة، لأن سببه وجد على الراحلة بخلاف سجود الصلاة، فإن سببه لم (يوجد) على الراحلة، فكذلك لم يجز فعله على الراحلة. فصل فإن عارضه بعلة معلولها داخل في معاول علته، لم يصح، وذلك مثل: أن يعلل أصحابنا في حرمان ميراث الصبي بالقتل: بأنه قاتل فأشبه البالغ. فيقول الحنفي: البالغ متهم بالقتل في استعجال الميراث، فقد

стр. 1468

عارضه بعلته وزيادة، لأنه يعلل بأنه متهم بالقتل، (ولا يكفي) مجرد التهمة، ألا ترى أنه لو حفر بئراً ليقع فيها (إنسان)، فلم يقع)، ومات بسبب آخر، لم يحرم الميراث؟ ومثل قولهم أيضاً في كفارة الظهار: أنه لا يجوز دفعها إلى فقير واحد، بأنه فقير استوفى قوت (يومه) من الكفارة، فلا يجوز أن يدفع إليه مع وجود (المساكين)، كما لا يجوز في اليوم الأول. فيقول الحنفي: في اليوم الأول استوفى قوت يومه، وفي اليوم الثاني لم يستوف قوت يومه، فهذه العلة داخلة في علة أصحابنا: أن يومه المعرف داخل في اليوم المنكر، فلا تصح المعارضة، ومثل أن يعلل مالك بالقوت في (الربوي). فيقول الشافعي: القوت داخل في علتي وهي الطعم. فصل لا تحتاج علة الأصل إلى أصل ترد إليه، لأن حكم الأصل ثبت بالنطق، والعلة المستنبطة منه، فإن كان الأصل ثبت فيه الحكم

стр. 1469

بالقياس في قول من أجاز القياس على الثابت بالقياس/١٩١ أ، فإنما نقيس علته بغير العلة التي أثبت حكمه بها، وتكون علة الأصل التي أثبت (حكمه) بها جارية مجرى النطق فيه، لأن القياس دليل شرعي، فجرى مجرى النطق، فإن قاس (عليه) بالعلة التي ثبت الحكم في الأصل بها لم يكن صحيحاً، لأن القياس يجب أن يكون على أصل تستخرج منه العلة دون أفرع من فروعه، لأن الذي قيس عليه مقاس على الأصل الذي انتزعت منه العلة، فلا يكون (أحدهما) فرعاً للآخر بأولى من أن يكون الآخر فرعاً له، فلهذا لم يصح، فأما علة الفرع فلابد لها من أصل يقاس عليه، لأن الفرع ما ثبت حكمه بغيره. فصل وليس من شرط صحة المعارضة أن يعكسها في الفرع،

стр. 1470

ويجوز أن يذكر علة في الأصل، ويذكر في الفرع علة أخرى، وقال بعضهم إن لم يعكسها في الفرع لم يحصل الفرق، لأنه يمكنه أن يقول بالعلتين في الأصل، وهذا فاسد، لأن العلة التي ذكرها في الأصل لا يجوز وجودها في الفرع، لأنه منع إلحاق الفرع بالأصل، فلا يكون (فرعاً) للأصل إذا لم توجد علته فيه، ثم يذكر علة الفرع وليست موجودة في الأصل، فلا يكون أصلاً له، فقد حصل الفرق، فإما أنه يمكنه القول بها في الأصل، فليس بصحيح، لأن علة الأصل التي لم يعكسها يجوز أن تكون منتقضة على أصل المعلل، لأنها تتعدى إلى فرع لا نقول بها، وإنما (يصح) ذلك في العلة الواقفة، ولأن المعارض لابد أن تكون العلة منعكسة على أصله، وإنما يعدل عن عكسها في الفرع، (لأن المستدل لا يسلم له حصول العكس في الفرع) وذلك يكون في العلة إذا كانت صفة شرعية، أو حكماً شرعياً، وبيان ذلك: أن يعلل حنفي في طهارة جلد الكلب

стр. 1471

بالدباغ: بأنه حيوان يجوز الانتفاع في حال الحياة، فطهر جلده بالدباغ كالشاة والبعير والفهد، فيقول المعنى (في الأصل) أنه يجوز بيعه في حال الحياة، وهذه العلة منعكسة عند المعارض، إلا أن المستدل لا يسلمها فيحتاج أن يعلل بعلة أخرى. فيقول: بخلاف الكلب فإنه/ ١٩١ ب نجس العين في حال الحياة، لأنه لو قال: بخلاف الكلب: فإنه لا يجوز بيعه لم يسلم الحنفي أنه لا يجوز بيعه، لأن عنده يجوز بيعه، وإنما لم يشرط العكس في العلة، لأنها إذا (قامت) عليها الدلالة بما ذكرنا من الكتاب، والسنة، والإجماع والتأثير، وشهادة الأصول على صحتها لم يضرها أن لا تنعكس، حتى إن العلة العقلية لا يشترط فيها الانعكاس، وإنما يحتاج في الحدود إلى الانعكاس، لأن الحدود جامعة مانعة بخلاف العلل فإنها تبني على ذلك. والله أعلم (بالصواب).

стр. 1472

باب ترجيح المعاني الترجيح: تقوية إحدى العلتين على الأخرى، ولا يصح الترجيح بينهما إلا أن تكون كل واحدة منهما طريقاً للحكم لو انفردت، لأنه لا يصح ترجيح طريق (على) ما ليس بطريق. والفائدة بالترجيح: تقوية الظن الصادر عن إحدى العلتين عند تعارضهما، فإذا ثبت هذا، فالترجيح يحصل بوجوه منها: أن تكون إحداهما موافقة لعموم كتاب الله، أو سنة النبي ﷺ أو قول الصحابي، فأما موافقتها لكتاب الله، فمثل تعليل أصحابنا في العاقلة: أنها لا تحمل بدل العبد، بأن العبد (مال) يجب بإتلافه قيمته، فلا تحمله العاقلة، كسائر الأموال.

стр. 1473

ويعلل الخصم: بأنه يتعلق بقتله القصاص، والكفارة فهو كالحر، فترجع علتنا لموافقتها (قوله تعالى): ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، ويرجحون علتهم بأن رد العبد إلى الحر أولى، لأنه من جنسه وشكله، فيكون ترجيحنا أولى، لأن عموم القرآن أولى من السنة، ولأن الجناية أبداً تتعلق بمن صدرت منه، ولكن جعل في دية الحر على العاقلة لإطفاء الثائرة. فصل (وأما) موافقتها للسنة، فكتعليل أصحابنا لاعتبار التساوي في حال الادخار في بيع الرطب بالتمر: بأنه جنس فيه الربا بيع بعضه ببعض كيلا، على وجه ينقص أحدهما في حال ادخاره، فلم يجز، أصله بيع المبلولة باليابسة (والمقلية) بغير المقلية،

стр. 1474

ويعللون/١٩٢ أ،: بأنهما تساويا في الكيل حال العقد أشبه الحديثة بالعتيقة فتكون علتنا أولى، لأن الرسول ﷺ ، لما سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: "أينقص الرطب إذا يبس، قال نعم. قال: فلا، إذا" فاعتبر حال الأدخال لا حال العقد. فصل أما موافقتها لقول الصحابي: فيرجح به، لأن قوله يصدر عن تعليله إذا لم يكن توقيفاً، وعلته أقوى، لأنه شهد التنزيل، وعرف التأويل، فهو أعلم بتعليل الرسول ﷺ ومواقع كلامه. فصل ومنها أن يكون أصل (إحداهما) ثبت بدليل مقطوع به والأخرى بدليل غير مقطوع به، أو يكون أصل (إحداهما) منصوصاً عليه، وأصل (الأخرى) ثبت بالتنبيه أو بالعموم أو بدليل الخطاب، فيكون المقطوع به، والمنصوص عليه أولى، لأنه أقوى، والفرع يقوى لقوة أصله.

стр. 1475

فصل ومنها أن يكون حكم (إحداهما) يوجد معها، وحكم الأخرى موجوداً قبلها، (فالتي) حكمها معها أولى، لأنه يدل على تأثيرها في الحكم، وذلك مثل تعليل أصحابنا في البائن: أنه لا نفقة لها، ولا سكنى، بأنها أجنبية منه، فأشبه المنقضية العدة، (وتعليل) الخصم: (بأنها) معتدة عن طلاق أشبه الرجعية فتكون علتنا أولى، لأن الحكم وهو سقوط النفقة وجد بوجودها، وقبل أن تصير أجنبية كانت واجبة، وعلتهم غير مؤثرة، لأن وجوب النفقة والسكنى يجب للزوجة قبل أن تصير معتدة عن طلاق، (فلا يؤثر قوله معتدة عن طلاق،) فوجب لها النفقة والسكنى. فصل ومنها: أن تكون (إحداهما) موصوفة بما هو موجود في
следующие страницы →