Полный текст (1 668 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
أو يجد ريحاً". (فأوجب) استدامة الحكم.
والجواب: أنا لا نمنع من استدامة الحكم من حال إلى أخرى لدليل، فأما من غير دليل فنمنع، وقول النبي ﷺ ها هنا هو دليل شرعي، فأما استدامة حال الإجماع إلى حالة الخلاف (لأجل الإجماع) فلا دليل عليه.
واحتج: بأن ما ثبت بالإجماع يقين، والخلاف شك، فلا يترك له اليقين أصله: من يتقن الطهارة، وشك في الحدث لم (يترك) اليقين بالشك.
والجواب: أنه جمع من غير علة، ثم إنا نقول: إن اليقين لا يزال بالشك، غير أنه يجب أن نبين: أن في موضع الخلاف يقينا، بخلاف الطهارة فإنا أثبتناها في موضع الشك بدليل: وهو خبر الرسول وقوله: فلا ينصرفن حتى يجد ريحاً أو يسمع صوتاً".
стр. 1507
وقيل: إن الأصل في العقل (أن) لا وضوء، فإذا لم يرد في وجوبه على الشك دليل شرعي، فالواجب البقاء على حكم الأصل وليس ذلك وجوب الوضوء/١٩٧ ب على من رأى، لأنه ليس هو (في) حكم العقل حتى يلزم البقاء عليه مع عدم دلالة شرعية على خلافه.
(وجواب آخر): أن الطهارة علمنا يقيناً وجودها في حقنا، والشك لا يزيل علمنا بوجودها، بخلاف مسألتنا، فإن الإجماع الذي ثبت الحكم تقينا زواله، فكيف (يحكم) ببقاء حكمه.
واحتج: بأنكم أثبتم الإجماع باستصحاب حال العقل في براءة الذمة، فألحقتم حالة قبل وروده بحالة بعد وروده، فكذا يجب أن يلحق حالة الخلاف بحالة الإجماع.
والجواب: أنا لم نلحق حالة بحالة، وإنما وجدنا دلالة العقل في براءة الذمة قائمة في حال ورود الشرع، ما لم يشغلها الشرع فأخذنا به، فيجب أن توجدوا الإجماع في حال الخلاف لنأخذ به، ولا سبيل إلى ذلك لاستحالته.
واحتج: بأن الإجماع دليل شرعي، كما أن قول صاحب الشريعة) دليل شرعي، ثم ثبت أن قول صاحب الشريعة لا ينتقل عن حكمه إلا بالنسخ، وما أشبه، كذلك الإجماع.
стр. 1508
والجواب: أن قول صاحب الشريعة إنما يكون حجة في بقاء الحكم إذا عم سائر الأحوال، فأما إذا كان خاصاً في حالة (لم يدل على ثبوت الحكم) في حالة أخرى، فهو كالإجماع لما كان خاصاً في حالة) يجب أن لا يثبت حكمه في حالة أخرى، (وهي) حالة عدم الإجماع.
واحتج: بأن الحكم المجمع عليه لا يجوز عليه الغلط، والحكم المختلف فيه يجوز عليه الغلط، فلا يجوز تركه به، كما لا يجوز ترك (التواتر بالآحاد والإجماع والقياس.
والجواب: أن الحكم المجمع عليه إنما هو في موضع) الإجماع، فأما موضع الخلاف فهو غير ثابت فيه، فيجب أن يدل على ثبوته في موضع الخلاف بالإجماع، ولا طريق إليه، فإن دللت بما انعقد لأجله الإجماع، فنحن قائلون به، وليس ذلك موضع الخلاف، على أنه يجب على هذا أن لا يقبل الخبر والقياس في معارضة استصحاب حال الإجماع، لأن ما ثبت بالإجماع لا يدخله الغلط، وهذا لا يقوله أحد والله أعلم بالصواب.
стр. 1509
مسألة
النافي للحكم يلزمه الدليل، كالمثبت له ، ذكره شيخنا أبو الحسن التميمي في مسألة أفردها، واختاره شيخنا أبو يعلي، وقال بعضهم: لا يلزمه دليل، وقال آخرون: إن كان الحكم عقلياً فعلى النافي الدليل، وإن كان شرعياً لم يكن عليه دليل.
وجه الأول: وهو اختيار عامة العلماء (قوله تعالى): ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ فذمهم على النفي من غير علم يدلهم.
стр. 1510
دليل آخر: أن من نفي الشيء إما يقيناً أو ظناً، يجب أن يكون/١٩٨ ألما ادعاه من ذلك طريق يدل عليه حتى صار إليه، فإذا طولب به لزمه بيانه، لأن قد أثبت اليقين أو الظن بأن ذلك الحكم (منتف)، فهو كمثبت سائر الأحكام.
دليل آخر: وهو أن من نفي (قدم) الأجسام، (لا خلاف أنه) يلزمه الدليل كمن أثبت قدمها، كذلك في سائر الأحكام ولأن النافي للحكم لا يخلو أن ينفيه بعلم أو بجهل، فإن نفاه بجهل لم (يلتزم) كلامه فضلاً أن يكون مستدلاً بذلك، وإن نفاه بعلم لم يخل أن يكون ضرورياً أو مكتسباً، ولو كان ضرورياً لاشتركنا فيه، وإن كان مكتسباً فلابد من دليل عليه، فإذا عدم ذلك بقى مجرد دعوى ولأن الأمور الشرعية والعقلية لابد لها من دليل، فإذا لم يظهره المستدل فقد عجز من إقامة دليله.
واحتج الخصم: بأن من أنكر النبوة لا دليل عليه، لأنه ناف، وإنما الدليل على من يدعي النبوة، لأنه مثبت.
والجواب: أنه لا فرق بينهما، لأنه إن قال: أعلم وأوقن أنك لست بنبي، فإنه يجب عليه الدليل على ذلك، وطريق دليله أن يقول: لو كنت نبياً لأيدك الله بالمعجزة، لأنه لم يبعث رسولاً إلا بمعجزة، فلما لم يؤيدك (الله)، (بها) دل على أنك غير
стр. 1511
نبي وأما إن شك، وقال: ما أعلم أنك نبي ويجوز أن تكون، ويجوز أن لا تكون، فهذا شاك، والشاك لا دليل عليه فنظيره أن يقول المسؤول: لا أعلم هذا الحكم ثابت أو غير ثابت، ويجوز أن يكون ثابتاً ويجوز أن لا يكون، فهذا (لا يطلب) منه دليل على ذلك، على أ، القائل بالشك، يقال له: (إن شككت) فيه بطريقة أدتك إلى الشك فيجب أن تبينها لنا، وإن كنت شككت لأنك لم تنظر، ولم تستدل فلست بأهل أن يكون (لك) مذهب تناظر عليه.
واحتج: بأن الشرع جعل البينة في جنبة المدعي، (لأنه يريد الإثبات) ولم يجعلها على المنكر، لأنه ناف.
والجواب: أنه ليس كذلك، لأن المنكر، إن ادعى عليه عيناً في يده فيده بينة، وإن ادعى عليه ديناً فدليل العقل له بينة على براءة ذمته، حتى يظهر ما يشغلها، وهو يحلف مع ذلك تقوية لدليله حتى يجوز له (أن يدعو الحاكم) إلى الحكم بثبوت العين له
стр. 1512
دون المدعي وبراءة ذمته من الدين، (فكذلك) النافي للحكم/١٩٨ ب لا يجوز له أن يدعو الناس إلى قوله ومذهبه إلا بطريقة، فأما إذا قال: لا أعلم أن هذا الحكم ثابت فاتبعوني، لم يلتفت إليه، كما لا يلتفت الحاكم إلى من قال: هذه العين لي فاحكم لي بها، وأشار إلى عين في الطريق ليست في يده ولا يد غيره، فإن الحاكم لا يحكم (له)، بل يقول: ما بينتك على ذلك.
واحتج: بأنه (من) (ادعى) صلاة سادسة أو صوم شهر آخر، لم يكن عليه دليل، (كذلك) هاهنا.
стр. 1513
والجواب: أنه لابد من دليل، (وهو قوله: الأصل براءة الذمة من ذلك وطريق إشغالها الشرع، ولم أجد في الشرع دليلاً) على ذلك، فبقيت على دليلي، وهو الأصل المستقر.
فصل
فأما الاستدلال بأقل ما قيل، فهو ضرب من الاستصحاب حال براءة الذمة، وهو دليل صحيح، وقال بعضهم: ليس بصحيح.
стр. 1514
ومثاله: قولنا في إحدى الروايتين إن دية الكتابي ثلث دية المسلم، لأن ذلك متفق عليه، (وما زاد) لو كان واجباً لدل عليه الشرع، فلما تصفحنا أدلة الشرع، فلم نجد على الزيادة دليلاً، ثبت أنها غير واجبة، وإن شئت قلت: الأصل براءة الذمة من الزيادة فمن أشغلها فعليه الدليل:
فإن قيل: اتفقنا على (اشتغال) الذمة بالجناية، فمن (ادعى) براءتها (بهذا) فعليه الدليل.
قيل: إنما اتفقنا على اشتغال الذمة بجناية موجبها ثلث الدية فأما اشتغالها بما زاد فلا يثبت إلا بدليل.
стр. 1515
(واحتج الخصم): بأن إيجاب أقل ما قيل استدلال بمجرد النفي، لأنك تقول: لا أجد على الزيادة دليلاً، كقول النافي للحكم: لا أجد عليه دليلا.
والجواب: أنا لا نستدل بهذا الطريق، وإنما نقول: الأصل براءة الذمة من الزيادة إلا أن يرد دليل شرعي (متفق عليه) يشغلها بذلك، وينقلنا عن الأصل، أو نقول: أقل ما قيل متفق عليه والزيادة حكم شرعي، ولم يدل عليها دليل، فلم يثبت. (والله أعلم بالصواب).
مسألة
اختلف أصحابا ﵃ في الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع، فقال أبو الحسن التميمي: إنها على الإباحة حتى يرد الشرع بحظرها، وقد أومأ إليه أحمد ﵁ في رواية أبي طالب، وقد سأله عن قطع النخل. فقال: لا بأس به لم نسمع في قطع النخل شيئاً.
قيل: فالسدر، قال: ليس فيه حديث صحيح، وما يعجبني، لأنه قد ورد فيه على حال، والنخل لم يجيء فيه شيء،
стр. 1516
فدل على أنه استدام الإباحة في قطع النخل، لأنه لم يرد الشرع بحظره، وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة، ﵀ والجبائي وابنه أبو هاشم وجماعة من المعتزلة البصريين، وقال ابن حامد: هي على الحظر، وبه قال معتزل البغداديين، واختاره شيخنا، وقال أبو الحسن الخرزي من أصحابنا، وأراه أقوى
стр. 1517
على أصل من يقول: أن العقل لا مدخل له في الحظر والإباحة، وهو مذهب أكثر أصحابنا: (هي) على الوقف، وبه قال الأشعرية وعن الشافعية كالمذاهب الثلاثة، وهذه المسألة ذكر قوم: أن الكلام فيها تكلف وعناء لا فائدة، لأن الأشياء قد عرف حكمها واستقر أمرها بالشرع، وقال قوم: ما أخلا الله زماناً من شرع، لأنه أول ما خلق آدم أمره ونهاه، فقال: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾، وأهبطه إلى دار التكليف، فأمره ونهاه، ولم تزل الرسل تترى في ولده فلا يتصور (أن نقول): كيف الحكم قبل ورود الشرع؟، وقد أومأ (إليه أحمد) في رواية عبد الله، فقال
стр. 1518
فيما أخرجه في محبسه: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم"، فأخبر أن كل زمان لم يخل من رسول أو عالم يقتدي به، وهذه المسألة (يتصور) في قوم لم تبلغهم الدعوة، وعندهم ثمار وغيرها، هل يباح لهم تناولها، أو تحرم عليهم؟ وفي موضع آخر، وهو أن (نقول): هذه الأشياء لو قدرنا خلو شرع عن حكمها ما ينبغي أن يكون حكمها؟، ويفيد أيضاً في الفقه: أن كل من حرم شيئاً أو أباحه، قال قد طلبت في الشرع دليلاً على ذلك فلم أجد، فبقيت على حكم الأصل (وهو العقل).
فإن قيل: (في حكم العقل) نقل الكلام إلى ذلك الأصل، فيدل الآن على أنها على الإباحة في العقل بأشياء.
أحدهما: أن الانتفاع بهذه الأشياء منفعة ليس فيها وجه من وجوه القبح، وكل ما (هذا) سبيله، فالعقل يدعو إليه ويسوغه، إذ هو غرض صحيح، فدل على إباحته.
стр. 1519
فإن قيل: لِمَ قلتم: إنه منفعة لا قبح فيه؟
قلنا: لأن أكل الفاكهة على وجه لا يضر وفيه (نعرض الكلام) وفيه (منفعة) /١٩٩ ب ولذة (للآكل) لا شبهة في ذلك، وكونه لا قبح فيه بوجه معلوم، (من حيث) أنه لا ينسب فاعله إلى الجهل والكذب وكفر النعمة، ولا مضرة فيه على الآكل ولا على غيره، (فثبت) حسنه، وأقل أحوال الحسن إباحته.
فإن قيل: جواز كونه مفسدة يغني في قبحه كما يغني جواز كون الخبر كذباً في قبحه.
الجواب: أنه قد قيل: إن الأصل في النفع أن يكون حسناً إذا لم (يعلم) فيه مضرة (أو وجه) قبح، ومتى لم يعلمنا الله تعالى: بأن الفعل مفسدة، وجب أن نقطع على أنه ليس بمفسدة، لأنه يجب في (الحكمة) إعلامنا المفاسد لنتجنبها، بخلاف الخبر، فإنه ليس الأصل فيه كونه صدقاً.
стр. 1520
وجواب آخر: أنا لا نسلم أن تجويز المفسدة عليه يكون قبيحاً، والأصل في العقل والشرع: أن النفع حسن، وكذلك (الخبر) لا يكفي في قبحه تجويز كونه كذباً، والأصل في الثقات الصدق.
وجواب آخر: أنه لو قبح الإقدام على المنافع [لتجويز] كونه مفسدة لقبح الامتناع منها، لتجويز كون ذلك مفسدة وفي ذلك وجوب الانفكاك منهما، وذلك وجوب ما لا يطاق، فبطل أن يكون في تجويز كون الفعل مفسدة وجه قبح.
عبارة أخرى نقول: إن النفع يدعو إلى الفعل ويقتضي حسنه، إذا خلا من وجوه القبح، وخلا من أمارة الضرر والمفسدة، (والانتفاع) بأكل الثمار وشرب المياه (هذه) سبيله في العقل، فكان حسنا، والدليل على أن المعتبر هو أمارة الضرر والمفسدة، أن العقلاء يلومون (من امتنع) من الفعل لتجويز الضرر بلا أمارة، يعذرونه إذا كانت فيه أمارة، ولهذا يلومون من هرول تحت حائط صحيح مستقيم، لجواز أن يقع عليه، ويلومون من (ترك أكل)
стр. 1521
طعام يشتهى لذيذ، لجواز أن يكون مسموماً، ولا (يلومون) إذا هرول من تحت حائط مائل منفطر، (أو امتنع) من أكل طعام شهي لأمارة (دلت على) أنه مسموم، ويعلمون الانتفاع بهذه الأشياء من الثمار (والماء) /٢٠٠ أ، ويستبعدون كونها مفسدة أو مضرة، كاستبعادهم كون الطعام مسموماً، وأن الحائط الصحيح المستقيم يسقط على من مر تحته.
طريقة أخرى: أن الأشياء كلها لله تعالى الحيوان وغيره، ومعلوم في العقل أن حياة الحيوان وصلاحه (بتناول) المآكل والمشارب، ويتركها يتلف، ويقبح في العقل إهلاك الملك (مع القدرة على حفظه بمنفعة في الملك) حتى تركت هلكت وفسدت، ألا ترى أنه لو كان له عبيد وعنده طعام لم يحسن أن يترك العبيد يهلكون جوعاً والطعام (حتى يتلف ويفسد؟).
فإن قيل: إنما يباح ذلك لأجل الضرورة كما يباح طعام الغير لذلك.
стр. 1522
(قلنا) والضرورة لِمَ كانت مبيحة؟
فإن قيل: لأن الشرع أباحها.
قلنا: تصوير المسألة قبل ورود الشرع، فكيف يقاس على حكم الشرع، فبطل ذلك، وعلم أن الإباحة حصلت بحسن ذلك في العقل.
دليل آخر: أن الله تعالى (قد) أحوج العاقل إلى الانتفاع بما قد (أظهره) من المنافع وأحضرها إياه، ولم (يمنعه) عنها مانع فكانت مباحة مأذوناً فيها، كمن أحضر قوماً جياعاً محتاجين مائدة عليها ألوان الأطعمة ولم يضع هناك مانعاً، فإن ذلك يدل على (أنه) (أباحهم) تناولهما، كذلك ها هنا.
فإن قيل: فهذا المعنى موجود في الخمر والخنزير قيل: فذلك مباح قبل ورود الشرع، وإنما ورد الشرع بمنعه لمصلحة رآها والشرع جهة (الحظر).
(ودليل آخر): أن هذه المنابع لا يخلو أن يكون
стр. 1523
الله تعالى خلقها لينتفع هو بها، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، لأنه لا تلحقه المنافع، ولا المضار، أو يكون خلقها ليضر بها خلقه، فذلك قبيح، لأنه لم يكن في حال خلقه إياها من يستحق العقاب، فثبت أنه خلقها لنفع خلقه.
فإن قيل: يحتمل أن يكون خلقها ليمتحن بها عباده بالكف عنها ويثيبهم على ذلك، أو يكون خلقها ليستدل بها على خالقها.
والجواب: أنه لو خلقها للامتحان لنصب على ذلك دليلاً يبين لهم ذلك، ولأن الامتحان عندهم بالشرع، وكلامنا فيما قبله.
وأما قولهم: أنه خلقها للاعتبار، فلا يصح لوجوه أحدها: أنه لو كان كذلك/٢٠٠ ب لوجب أن يقتصر على خلق الجواهر والإعراض التي تتضمنها الأكوان، والاجتماع والافتراق دون الطعوم، لأن الاستدلال يتم بهذه الأشياء، ويتم باعتبار خلق الإنسان ونقله من حال إلى حال.
والثاني: أن هذه حجتنا، (لأنه) إذا كان الغرض الاستدلال فلا يمكن الاستدلال بما في هذه الجواهر من الطعوم، (والمحببات) الحسية إلا بإدراكها وإدراكها لا يحصل إلا بالتناول، فالتناول مباح.
والثالث: أن المستدل بهذه الأشياء لا يمكنه (ذلك) إلا بعد قوام (بنية)، وبنيته لا تقوم إلا بهذه الأشياء، فلو منع منها
стр. 1524
أدى إلى هلاكه، فيبطل الغرض بخلقها.
والرابع: أنه لا يمتنع أن نقول: خلقها للأمرين وهو الانتفاع والاعتبار.
فإن قيل: فيلزم على الدليل ما خلقه الله (سبحانه) وحرمه من الخمر والخنزير، فإنه لا يخلو أن يكون خلقه لنفعه أو لنفع غيره، أو لضره والقسمان باطلان، ثم هو محرم فانقلب الدليل عليكم.
والجواب: أنا نقول خلقه الله سبحانه للنفع، وهو مباح في العقل، وإنما الشرع منع من ذلك لمصلحة في التعبد رآها، كما أوجب أن يمتنعوا عن الطعام وغيره في الصوم، ومن الكلام في الصلاة، وغير ذلك، ولهذا جعل قتل الإنسان إياه في العقل قبيحاً وهو في الشرع حسن إذا قتله لردته وزناه.
(وجواب آخر): أن تحريم الشرع لهذه الأشياء يدل على أنها كانت في الأصل مباحة، ولو كانت محرمة في الأصل كان تحرميها لا يفيد فائدة.
ودليل آخر: أنه قد يحسن من الإنسان التنفس في الهواء والحركة من جانب إلى جانب، والعلة في ذلك أنه انتفاع
стр. 1525
لا (يعلم) فيه مفسدة، ولا مضرة وهذا قائم في مسألتنا. فوجب أن يكون حسناً.
فإن قيل: (إنما) جاز ذلك، لأن فيه إطفاء الحرارة عن قلبه، وفي ذلك بقاء الحياة، وفي تركها إهلاكها.
والجواب: أنه كان يجب أن يتقدر ذلك بما يحتاج إليه الحياة، ولا (تجوز) الزيادة على ذلك، ومن رام بقدر ذلك تقدير ما تحتاج إليه الحياة (عدة العقلاء) مجنوناً.
(وجواب آخر): (وهو) أن الكف عن التنفس وإن تلف الإنسان فليس بقبيح عندهم، لأنه ليس يجب على الإنسان (أن يصلح) ملك غيره، وإنما يجب أن لا يتلفه، وليس في الكف عن التنفس إتلافه، وإنما فيه ترك مصلحته، وترك (التعرض) للتصرف/٢٠١ أفي الهواء، لأنه ملك الله ولم يأذن فيه.
стр. 1526
دليل: (وهو) إن خلق الله الطعوم في الأجسام مع إمكان أن لا يخلقها فيها، (يقتضي) أن يكون في خلقها غرض يخصها، وإلا كانت عبثاً، ويستحيل أن يعود (إليه) ذلك الغرض بنفع أو ضرر، (لاستحالتهما) عليه سبحانه، ولا يجوز أن يضر غيره بذلك، لأنه قد لا يكون فهيا ضرر، ولأن الضرر إنما يوجد بإدراكها فدل على أ، هـ يبيح إدراكها لتدرك، (فيقع) ذلك الضرر، ولأنه لا يحسن الإضرار الخالص، لمن لا يستحق الإضرار، فوجب أن يكون الغرض بخلقها نفعاً يعود إلى خلقه، إما بأن يلتذ بها، أو بأن يمتنع عنها بعد إدراكها فيحصل له الثواب، بتجنب ما تدعو النفس إليه وهذا قبل الإدراك لا يوجد، وكذلك لا يوجد الاعتبار بها إلا بعد تناولها فوجب أن يكون تناولها مباحاً على كل الوجوه.
فإن قيل: يحتمل أن يكون مخلوقة لمن يأتي بعدهم كما خلق نعيم الجنة لمن يأتي لا للملائكة والجن الذين وجدوا.
стр. 1527
والجواب: أنه لو كان ذلك لبينه ودل عليه كما ذكر في نعيم الجنة، ثم لو كان كذلك (لما) أباحه لنا، وبين أنه خلقه لنا بما ذكره من الآيات فقال تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ﴾، وقوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾.
فثبت أن ذلك مخلوق لنا ومباح أيضاً إلى أن يرد الوحي بتحريمه.
واحتج من قال: بأنها على الحظر: بأن الأشياء (كلها) (ملك الله) سبحانه، (لأنه) أوجدها، فالتصرف فيها بغير إذنه قبيح، ألا ترى أن ملك الآدمي يقبح أن يتصرف فيه بغير إذنه؟.
стр. 1528
والجواب: أن يقال: ما معنى الملك في حقه سبحانه وفي حقنا حتى ننظر (أيتفقان أو يختلفان في المعنى).
فإن قيل: معناه (في حقه وحقنا) أن المالك أحق بالتصرف في ملكه من غيره، وأن غيره لا يجوز له التصرف فيه إلا بإذنه.
قلنا: هذا دعوى تحتاج إلى دليل، ولأن هذا تعليل الحكم بنفسه.
(وجواب آخر): أن الآدمي إنما يكون/٢٠١ ب أحق بالتصرف في الشيء من غيره بالشرع، لأن عندكم العقل لا يبيح التصرف في شيء أصلاً، وكلامنا (فيما) ثبت بالعقل، فلا يصح القياس على ملك الآدمي.
(وجواب آخر): أنه إنما يقبح التصرف في ملك الغير على وجه يلحقه بذلك ضرر، مثل أن يتلف منفعته عليه، أو يمنعه من التصرف فيه، فأما ما لا ضرر على مالكه فيه كالاستظلال بحائطه أو ساباطه، والقعود في ضوء سراجه والأنس به في طريقه، والنظر في
стр. 1529
مرآته إذا علقها على باب دكانه، والتقاط ما يتناثر من حيه، وغير ذلك، فلا يقبح التصرف فيه مع وجود الملك، فدل على أن المنع من التصرف ليس لمجرد الملكية.
(وجواب آخر): أنه يقابل بأن في الامتناع عن هذه الأشياء إضرار بالنفس وهي ملك لله (تعالى)، فيجب (عدم) الإقدام على الإضرار بها أيضاً.
(واحتج): بأن في الإقدام على الانتفاع بهذه الأشياء (خطراً)، (لأنا) (لا نأمن) أن نعاقب على ذلك، وليس في ترك المباح خطر وغرر، فكان الامتناع أولى.
والجواب: أنا نقول: ليس كذلك، بل (إنما) كان الضرر في الترك أعظم، لأنه يؤدي إلى إتلاف الأنفس، والحكيم لا يمنع من استصلاح ماله بماله.
стр. 1530
(وجواب آخر): إنه لو كان ما ذكرتم طريقاً صحيحاً (لوجب) أن يفعل الإنسان كل قربة وعبادة، لجواز أن يرد الشرع بوجوب ذلك، (ولا أحد قال): إن ذلك يلزم قبل الشرع.
(وجواب آخر): أنه يجب أن يقال: إنه لا يجوز (له) التنفس في الهواء، والتحرك من جانب إلى جانب، لجواز أن يكون ذلك محظوراً.
(وجواب آخر): إن تجويز الإقدام عليها (لجواز) كونها مفسدة، كتجويز الامتناع عنها، لجواز كونها مفسدة، وفي ذلك وجوب الانفكاك عن الفعلين، وهذا تكليف ما يستحيل، فوجب إطراحه، والرجوع إلى أن الله تعالى لما خلقنا منتفعين، وخلق هذه المنافع، ولم نعلم فيها أمارة ضرر، ولا مفسدة أن تكون مباحة.
(وجواب آخر): أنه ما لم يرد الشرع، فنحن آمنون من الضرر، لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾.
واحتج: بأنه (لا يأمن) العاقل أن يكون فيما يقدم عليه سما يهلكه.
стр. 1531
والجواب:/٢٠٢ أأنه إذا لم يقدم فلا يأمن الهلاك أيضاً، على (أنا) نجد البهائم تقدم على ذلك، (ولا) تهلك.
واحتج بعضهم: بأن العقل لا ينفك من شرع، لأنه لو (انفك) عنه لم يحسن الإقدام على المنافع، ولا الإحجام عنها، لجواز كون كل واحدة منهما مفسدة، ولم يقبح الإقدام والإحجام معاً، لاستحالة الانفكاك منهما، وهذا يفضي إلى المحال، فثبت أنه لا ينفك العقل من شرع، وإذا لم ينفك فالشرع قد يمنع من التصرف في ملك الغير بغير إذنه، فدل على أن العقل كذلك.
والجواب: أن كلامنا في هذه المسألة إذا انفرد العقل من الشرع، ما حكمه؟، ثم يقال: إذا لم ينفك العقل من شرع، فقد ثبت في العقل إباحة ذلك، فالشرع مطابقة إذا، وهذا صحيح، فإنا قد بينا أن ما لا ضرر على مالكه إذا انتفع به مباح في الشرع.
وجواب آخر: أن انفكاك العقل من شرع لا يؤدي إلى المحال الذي ذكروا، لأن المكلف يقول: "إن لي إلهاً حكيماً، ولا يجوز أن يحرم على المنافع والأحجام، لجواز أن يكون في الأمرين مفسدة، لأن الانفكاك عن ذلك (يستحيل مني) ولا يجوز أن يكون أحدهما
стр. 1532
حسناً، ولا (يثبته) لي بدليل عقلي أو شرعي، فإذا لم ينفرد أحدهما بالحسن، ولم يجتمعا في القبح، ثبت أنهما يجتمعان في الحسن".
وجواب آخر: لو كان انفكاك العقل من شرع يؤدي إلى هذا المحال، فما يصنع الناظر عند ابتدائه بالنظر قبل وصوله إلى النظر في النبوات.
فصل
ونخص من قال: إنها على الوقف بأن نقول: هل (يتصور) عندكم انفراد عقل عن شرع أم لا؟
فإن قالوا: لا يتصور. فقد بينا ذلك في رأس المسألة وإن قالوا: يتصور (ولكن) لم يوجد.
(قلنا): فكلامنا فيما لو انفرد العقل (عن) الشرع، هل كان يحسن منا الإقدام على هذه المنافع أم لا؟
فإن قلتم: لا يحسن، فقد قلتم بالحظر، وإن قلتم يحسن
стр. 1533
فقد قلتم بالإباحة، وإن قلتم منها ما يحسن، فقد قلتم: بأن هناك (أصلاً) يدل على إباحة المباح وحظر المحظور، فلا وجه للتوقف.
فإن قيل: نقول: إن العقل لا يحسن ولا يقبح.
(قلنا): فالعاقل لا يمكنه الانفكاك عن (الفعل) أو الترك، فهل يذم في الأمرين أو لا يذم فيهما؟
فإن قالوا: لا يذم فقد قالوا: بالإباحة، وإن قالوا: يذم فقد ألزموا الإنسان/٢٠٢ ب الذم بما لا يمكنه الانفكاك عنه، وإن قالوا لا ندري، فقد جوزوا الذم على ما لا يمكن الانفكاك (منه)، ومعلوم بطلان ذلك، ثم يقال: بماذا علمت أن العقل لا مجال له في إباحة ولا حظر؟
إن كان بالشرع فبين، ولأن كلامنا في عقل منفك عن شرع. أو قال: علمت بالعقل فقد أقر بأن العقل يقدر الحكام ويدل عليها.
دليل آخر: يقال لهم: هل تعلمون إباحة الوقف أم لا؟.
فإن قالوا: لا نعلم.
قلنا: فلِمَ أقدمتم عليه؟ وهلا أقدمتم على سائر المنافع كما أقدمتم على الوقف؟
стр. 1534
وإن قالوا: نعلم إباحته.
قيل لهم: بماذا علمتم؟
فإن قالوا: بالعقل فقد استباحوا أشياء بعقولهم، وإن قالوا: بالشرع فكلامنا فيما قبل الشرع، (وقبل معرفة دليل الشرع).
دليل آخر: إن الأشياء لا يجوز خلوها من إباحة أو حظر، إذ اجتماعهما لا يمكن، لكونهما نقيضين، ونفيهما عن الأشياء لا يمكن، لأنه يجعل الأشياء (عبثاً) وقد قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾، ولأنا لا نعقل فعلاً لا مباحاً ولا محظوراً.
فإن قيل: أقول إنها لا تخلو من ذلك، ولكن لا أعلمه فأقف.
قلنا: فمن أين علمت أن حكم الله الوقف؟، فلعل الوقف حرام أيضاً.
(واحتج الخصم) بأن الحظر في اللغة المنع والإباحة الإذن وفي الشرع الحظر ما علق الشرع على فعله العقاب، والإباحة ما لم يجعل فيها ثواباً ولا عقاباً، ولم يوجد واحد منهما فوجب الوقف.
والجواب: أن بعض مخالفيك لا يسلم ما ذكرت، ويقول:
стр. 1535
المباح هو الحسن الذي لا يترجح فعله على تركه، والحظر هو القبيح.
وقيل: ما فعله وتركه سواء في باب المدح والذم، فيحتاج إلى الدليل على ما ذكرت، ثم هب أن هذا حده في الشرع فما حده في العقل؟، وكلامنا في العقل قبل ورود الشرع، على أنك علمت أن العقل لا يحظر ولا يبيح [إلا] (بالشرع) فقبل ورود الشرع من أين علمت: أنه لا يحظر (ولا يبيح)؟.
(وجواب آخر): إذا لم تجد دليل الإباحة والحظر، فمن أين قلت (بوجوب) الوقف؟
فإن قال:/٢٠٣ أبدليل وجب ذكره، وإن قال: لأنه إذا عدم الإباحة والحظر لم يبق إلا الوقف.
стр. 1536
قلنا: لا نسلم، (وكيف) يكون عدم دليل حكم دالاً على إثبات حكم آخر.
فإن قال: المجتهد إذا تعارض عنده الدليلان في الحادثة وجب عليه أن يقف حتى يتبين له.
قيل: نعم. غير أنه لا يقول: حكم الله في هذه الحادثة الوقف، وإنما يقول: إلى الآن لا أعلم الحكم فيها فقولوا: لا نعلم حكم الأعيان والانتفاع بها قبل ورود الشرع، (مع اعترافكم) أن حكمها إما الحظر، وإما الإباحة، ولا تقولوا: حكمها الوقف.
وجواب آخر: أنه قد اجتمع العقلاء على أن للعاقل أن يتنفس في الهواء ويسد رمقه، ويتحرك في الأماكن ولا يمتنع منه لعدم الشرع، فيجب أن يقولوا في بقية المنافع كذلك.
فإن قيل: كذلك نقول: ولسنا نمنعه من الانتفاع (بكل المنافع).
(قلنا): فهذا معنى ما نقول، لأنه إذا لم يكن ممنوعاً منه ولا مأثوماً عليه فهو مباح.
واحتج: بأنه لو كان العقل يوجب في هذه الأعيان حكماً لما جاز أن يرد الشرع بخلاف (ذلك، لأن الشرع لا يرد بخلاف) مقتضى العقل.
стр. 1537
والجواب: أن ما ثبت بالعقل ينقسم قسمين فما كان منه واجباً لعينه كشكر المنعم، والإنصاف، وقبح الظلم، فلا يصح أن يرد الشرع بخلاف ذلك، وما كان وجب لعلة أو دليل، مثل مسألتنا هذه، فيصح أن يرفع الدليل والعلة، فيرتفع ذلك الحكم، وهذا غير ممتنع كفروع الدين كلها تثبت بأدلة، ثم تنسخ الأدلة فيرتفع الحكم، وكذلك اجتهاد الأنبياء يثبت (ثم يرد النص من الله تعالى بغير ذلك، وهذا المعنى، وهو أنه قد يكون الشيء في وقت) مصلحة للمكلفين ولطفاً بهم، فيباح، ثم يصير في وقت آخر مفسدة في التكليف، فيحرم، وقد قال الشيخ أبو الحسن التميمي: لا يجوز أن يرد الشرع في الأعيان بما يخالف حكمها في العقل إلا بشرط منفعة تزيد في العقل أيضاً على ذلك الحكم، نحو ذبح الحيوان أباحه الشرع لما فيه من المنافع الزائدة على (إيلامه)،
стр. 1538
وكذلك (إيلامنا) بالفصد، والحجامة، وما أشبه، فعلى قوله (يمنع) أصل الدليل، وقد قيل: إن الشرع (يرد) بما لا يقتضيه العقل، إذا كان العقل لا يحيله/٢٠٣ ب كتكليف ما لا يطاق وإن الله سبحانه يريد جميع أفعال العباد حسنها وقبيحها، ويعاقبهم في القبيح، وغير ذلك، ثم يبطل هذا بالوقف، فإنه قد ثبت عندكم، ثم يجوز مجيء الشرع بخلافه.
واحتج: بأن الشرع ورد بتحليل أشياء وتحريم أشياء، فلو كانت جميعها مباحة لما ورد إلا بالتحريم، إذ وروده بالإباحة لا يفيد، وكذلك لو كانت جميعها محظورة لما ورد دالاً بالإباحة كما ذكرنا، فثبت أنه لا حكم لها في العقل.
والجواب: أن هذا دعوى (من قال): أنه إذا ثبت في العقل شيء (لا يرد الشرع به)، ويكون فائدة ذلك تأكيده، ومعاضدته، وهل يرد الشرع إلا بمطابقة العقل، ولهذا (قد) ذكرتم في الدليل قبل هذا: إنه لا يجوز أن يرد الشرع بما يخالف العقل، وهذا مناقضة، ولهذا وردت الآيات بإباحة هذه الأعيان، وقد تقدم ذكرها.
стр. 1539
واحتج: بأن هذه الأعيان ملك الله تعالى، له أن يمنع من الانتفاع (بها) وله أن يوجب الانتفاع بها، وقبل مجيء الشرع لا مزية لأحد الوجهين على الآخر (فوجب) الوقف.
والجواب: أنا قد بينا أن للانتفاع مزية وحسنا، ثم يجب أن نقول: حكم الله فيها إما الإباحة أو الحظر، ولا نقول حكم الله تعالى فيها الوقف، ثم يبطل عليك هذا بتنشق الهواء والتحرك في الأماكن وسد الرمق، فإنك قد أبحت الانتفاع به قبل إذن المالك.
(واحتج) بعضهم بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ فأنكر على من حلل وحرم بغير إذنه.
والجواب: (أن هذا إنكار) على من حرم، لأنه لما أنزل (لنا) رزقاً كان مباحاً فتحريمه افتراء، ثم هذا إنكار على من فعل ذلك برأيه من غير دليل، ونحن نقول: هذا فعله بدليل عقلي، ولأن القائل بالوقف لم يأذن الله له سبحانه، فهو داخل في جملة المنكر عليهم (والله أعلم).
стр. 1540
واحتج بعضهم: (أن) العقل لا مجال له في الحظر والإباحة وإنما ذلك إلى الشرع.
والجواب: أن ذلك غير مسلم، ومن سلم قال: إنما علمنا: أن العقل لا يحظر (ولا يبيح) بعد ورود الشرع، فأما قبل وروده فلا نعلم (ذلك)، ثم يلزم عليه الوقف، فإن العقل لا مدخل/٢٠٤ أله (عندهم) في إيجاب الوقف وقد أثبتوه فبطل قولهم. والله أعلم.
فصل
واختلف أصحابنا ﵃، هل في قضايا العقل حظر وإباحة، وإيجاب وتحسين وتقبيح أم لا، فقال أبو الحسن
стр. 1541
التميمي رحمه الله تعالى: في قضايا العقل ذلك، حتى قال يرد الشرع بحظر ما كان في العقل واجباً كشكر المنعم والعدل والإنصاف، وأداء الأمانة ونحو ذلك، ولا يجوز أن يرد بإباحة ما كان في العقل محظوراً، نحو الظلم والكذب وكفر النعمة والجناية، وما أشبه ذلك، وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم من الفقهاء والمتكلمين، وعامة الفلاسفة، وقال شيخنا: ليس في قضايا العقل ذلك، وإنما يعلم ذلك من جهة الشرع، وتعلق بقول أحمد ﵁ في رواية عبدوس بن مالك العطار: ليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول، وإنما هو الاتباع، وهذه الرواية إن صحت عنه فالمراد بها الأحكام الشرعية التي سنها الرسول ﷺ وشرعها، وبهذا القول قالت الأشعرية وطائفة من المجبرة وهم.
стр. 1542
الجهمية، وهذا يخرج وجوب معرفة الله تعالى، هل هي واجبة بالشرع حتى لو لم يرد لم يلزم أحداً أن يؤمن بالله ولا يعرف وحدانيته، ووجوب شكره أم لا؟ فمن قال: يجب بالشرع، يقول: لا يلزم شيء من ذلك لو لم يرد الشرع، ومن قال بالأول، قال: يجب على كل عاقل الإيمان بالله والشكر له.
وجه ذلك: أنه لو لم يكن في العقل إيجاب وحظر لم يتمكن المفكر أن يستدل على أن الله تعالى لا يكذب خبره، ولا يؤيد الكذاب بالمعجزة، إذ لا وجه في العقل لاستقباحه وخروجه عن الحكم قبل الخبر عندهم، وإذا كان كذلك لم يأمن العاقل كون كل خبر ورد عليه أنه كذب، وكل معجزة رآها أن يكون قد أيد بها الكذاب المتخرص وفي ذلك يمنع الأخذ بخبر السماء (والأنبياء وبمعجزات) النبوة الدالة على صحتها، ولما وجب اطراح هذا القول (والاعتقاد) بأن الله جلت عظمته/٢٠٤ ب منزه عن الكذب ومتعال عن تأييد المتخرص بالمعجز، ثبت أن ذلك إنما (قبح في العقل) وامتنع في الحكمة.
ودليل آخر: أنه غير ممتنع أن يخطر للعاقل أنه لم يخلق نفسه، ولا خلقه من هو مثله من أبيه وأمه إذ لو كانا قادرين على ذلك، لكان
стр. 1543
هو أيضاً قادراً، وكانا يقدران على خلق غيره وهو يعلم أنهما لا يقدران، فيعلم أن له خالقاً من غير جنسه، وخلق أبويه، ثم يرى إنعامه عليه (بإكماله)، وتسخير ما (يسخر له) من المآكل والمشارب والأنعام، وغير ذلك، وأقداره عليهم، ويخطر له: (أنه) إن لم يعترف له بذلك ويشكره، أنه يعاقبه، وإذا جوز ذلك، وجب عليه في عقله دفع الضرر والعقاب، بالتزام الشكر.
فإن قيل: كم يجوز أن يخطر (له) ما ذكرتم، يجوز أني خطر له أن له خالقاً. أنعم عليه، وأنه غني عن شكره وجميع ما يتقرب به إليه، ويخاف متى تكلف له ذلك أن يسخط عليه، ويقول: من أنت حتى تقابلني بالشكر، وتعتقد أنه جزاء نعمتي؟، وما أصنع (يشكر) مثلك؟ ونحو ذلك، وفي هذا ما يمنعه عن التزام شيء من جهة عقله.
والجواب: أن العاقل مع اعترافه بحكمة خالقه لا يتوهم أنه يسخط على من شكره وتذلل له، وتضرع إليه، وإن كان غنياً عن ذلك، لأن الذي بعثه على الشكر ليس هو اعتقاد حاجة خالقه إلى (شكره)، ولا أن شكره يقوم بإزاء النعمة عليه فيمتنع لعلمه
стр. 1544
بغناه عن ذلك، وإنما الباعث له حسن الشكر والتذلل والتعظيم للمنعم في بداية العقول، (والحكيم) لا يسخط ما هذه سبيله، فإذا قد أمن عاقبة الإقدام على الشكر ولم يأمن عاقبة العقاب على تركه، فوجب في عقله توخي ذلك، وصار مثال ذلك، أن يقال للعاقل في الطريق مفسدون يأخذون المال، ويقتلون النفس، (وسباع) تفترس الآدمي، ولا يقال له: أنت ما معك قليل (نزر)، والمفسدون قد استغنوا (عنك) بما قد أخذوا فلعلهم لا يعرضون لك (أنفة من قلة متاعك، والسباع قد افترست جماعة قد شبعت، فلعلها لا تعرض لك) فإن في العقل يجب عليه التوقف عن سلوك (ذلك) الطريق، لا الإقدام عليه، كذلك ها هنا.
ودليل ثالث: أنه لو (لم) يكن في قضايا العقول (إلزام وحظر) لأمكن العاقل أن لا يلزمه شيء أصلاً، لأنه متى قصد بالخطاب سد سمعه، فلم يسمع الخطاب كما أخبر/٢٠٥ أ (الله
стр. 1545
سبحانه وتعالى) عن قوم نوح: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ فلا يلزمه شيء فلما علمنا أنه يجوز في عقله (أن) يكون في الخبر الذي خوطب به نجاته وسلامته، وفي الإعراض عنه بسد أذنه هلاكه (ودماره)، ثبت أن في عقل وجوب الإصغاء إلى الخبر وحظر الإعراض عنه ذلك قضية العقل (لا السمع).
(ودليل رابع): أن العقلاء أجمعوا على قبح الكذب والظلم والخيانة، وكفران النعمة، وحسن العدل والإنصاف، والصدق، وشكر المنعم، من أقر منهم بالنبوة ومن جحدها، ولهذا (نرى) الدهرية، وأهل الطبائع في ذلك كأهل الأديان بل أكثر (فدل) على أنهم استفادوا ذلك من العقل، لا من الأنبياء ﵈، (فإذا) ثبت أن فيها تحسيناً وتقبيحاً، ثبت أن فيها حظراً وإباحة، وقد صرح ﵇ بذلك لما عرض نفسه
следующие страницы →