← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14103

التمهيد في أصول الفقه

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

التميمي رحمه الله تعالى: في قضايا العقل ذلك، حتى قال يرد الشرع بحظر ما كان في العقل واجباً كشكر المنعم والعدل والإنصاف، وأداء الأمانة ونحو ذلك، ولا يجوز أن يرد بإباحة ما كان في العقل محظوراً، نحو الظلم والكذب وكفر النعمة والجناية، وما أشبه ذلك، وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم من الفقهاء والمتكلمين، وعامة الفلاسفة، وقال شيخنا: ليس في قضايا العقل ذلك، وإنما يعلم ذلك من جهة الشرع، وتعلق بقول أحمد ﵁ في رواية عبدوس بن مالك العطار: ليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول، وإنما هو الاتباع، وهذه الرواية إن صحت عنه فالمراد بها الأحكام الشرعية التي سنها الرسول ﷺ وشرعها، وبهذا القول قالت الأشعرية وطائفة من المجبرة وهم.

стр. 1542

الجهمية، وهذا يخرج وجوب معرفة الله تعالى، هل هي واجبة بالشرع حتى لو لم يرد لم يلزم أحداً أن يؤمن بالله ولا يعرف وحدانيته، ووجوب شكره أم لا؟ فمن قال: يجب بالشرع، يقول: لا يلزم شيء من ذلك لو لم يرد الشرع، ومن قال بالأول، قال: يجب على كل عاقل الإيمان بالله والشكر له. وجه ذلك: أنه لو لم يكن في العقل إيجاب وحظر لم يتمكن المفكر أن يستدل على أن الله تعالى لا يكذب خبره، ولا يؤيد الكذاب بالمعجزة، إذ لا وجه في العقل لاستقباحه وخروجه عن الحكم قبل الخبر عندهم، وإذا كان كذلك لم يأمن العاقل كون كل خبر ورد عليه أنه كذب، وكل معجزة رآها أن يكون قد أيد بها الكذاب المتخرص وفي ذلك يمنع الأخذ بخبر السماء (والأنبياء وبمعجزات) النبوة الدالة على صحتها، ولما وجب اطراح هذا القول (والاعتقاد) بأن الله جلت عظمته/٢٠٤ ب منزه عن الكذب ومتعال عن تأييد المتخرص بالمعجز، ثبت أن ذلك إنما (قبح في العقل) وامتنع في الحكمة. ودليل آخر: أنه غير ممتنع أن يخطر للعاقل أنه لم يخلق نفسه، ولا خلقه من هو مثله من أبيه وأمه إذ لو كانا قادرين على ذلك، لكان

стр. 1543

هو أيضاً قادراً، وكانا يقدران على خلق غيره وهو يعلم أنهما لا يقدران، فيعلم أن له خالقاً من غير جنسه، وخلق أبويه، ثم يرى إنعامه عليه (بإكماله)، وتسخير ما (يسخر له) من المآكل والمشارب والأنعام، وغير ذلك، وأقداره عليهم، ويخطر له: (أنه) إن لم يعترف له بذلك ويشكره، أنه يعاقبه، وإذا جوز ذلك، وجب عليه في عقله دفع الضرر والعقاب، بالتزام الشكر. فإن قيل: كم يجوز أن يخطر (له) ما ذكرتم، يجوز أني خطر له أن له خالقاً. أنعم عليه، وأنه غني عن شكره وجميع ما يتقرب به إليه، ويخاف متى تكلف له ذلك أن يسخط عليه، ويقول: من أنت حتى تقابلني بالشكر، وتعتقد أنه جزاء نعمتي؟، وما أصنع (يشكر) مثلك؟ ونحو ذلك، وفي هذا ما يمنعه عن التزام شيء من جهة عقله. والجواب: أن العاقل مع اعترافه بحكمة خالقه لا يتوهم أنه يسخط على من شكره وتذلل له، وتضرع إليه، وإن كان غنياً عن ذلك، لأن الذي بعثه على الشكر ليس هو اعتقاد حاجة خالقه إلى (شكره)، ولا أن شكره يقوم بإزاء النعمة عليه فيمتنع لعلمه

стр. 1544

بغناه عن ذلك، وإنما الباعث له حسن الشكر والتذلل والتعظيم للمنعم في بداية العقول، (والحكيم) لا يسخط ما هذه سبيله، فإذا قد أمن عاقبة الإقدام على الشكر ولم يأمن عاقبة العقاب على تركه، فوجب في عقله توخي ذلك، وصار مثال ذلك، أن يقال للعاقل في الطريق مفسدون يأخذون المال، ويقتلون النفس، (وسباع) تفترس الآدمي، ولا يقال له: أنت ما معك قليل (نزر)، والمفسدون قد استغنوا (عنك) بما قد أخذوا فلعلهم لا يعرضون لك (أنفة من قلة متاعك، والسباع قد افترست جماعة قد شبعت، فلعلها لا تعرض لك) فإن في العقل يجب عليه التوقف عن سلوك (ذلك) الطريق، لا الإقدام عليه، كذلك ها هنا. ودليل ثالث: أنه لو (لم) يكن في قضايا العقول (إلزام وحظر) لأمكن العاقل أن لا يلزمه شيء أصلاً، لأنه متى قصد بالخطاب سد سمعه، فلم يسمع الخطاب كما أخبر/٢٠٥ أ (الله

стр. 1545

سبحانه وتعالى) عن قوم نوح: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ فلا يلزمه شيء فلما علمنا أنه يجوز في عقله (أن) يكون في الخبر الذي خوطب به نجاته وسلامته، وفي الإعراض عنه بسد أذنه هلاكه (ودماره)، ثبت أن في عقل وجوب الإصغاء إلى الخبر وحظر الإعراض عنه ذلك قضية العقل (لا السمع). (ودليل رابع): أن العقلاء أجمعوا على قبح الكذب والظلم والخيانة، وكفران النعمة، وحسن العدل والإنصاف، والصدق، وشكر المنعم، من أقر منهم بالنبوة ومن جحدها، ولهذا (نرى) الدهرية، وأهل الطبائع في ذلك كأهل الأديان بل أكثر (فدل) على أنهم استفادوا ذلك من العقل، لا من الأنبياء ﵈، (فإذا) ثبت أن فيها تحسيناً وتقبيحاً، ثبت أن فيها حظراً وإباحة، وقد صرح ﵇ بذلك لما عرض نفسه

стр. 1546

نفسه على القبائل. (دليل آخر هو الخامس): أنا نجد الحمد على الجميل، والذمي على القبيح يلزمان مع وجود العقل، ويسقطان مع عدمه فلولا أنه مقتضى للقبيح والحسن لم يكن (لتخصيص العاقل) بالذم على القبيح، والمدح على الحسن معنى، وإذ قد وجدنا (ذلك) دل على أن في العقل حظراً وإلزاماً. ودليل سادس: (وهو) أن التكليف محال إلا مع العقل، ولهذا لا يكلف الشرع شيئاً إلا بعد كمال عقولنا فدل على أن السمع يعلم بالعقل، وإذا كان معلوماً به والعقل متقدم عليه، لوا تقف معرفته على الشرع، استحال أن يقال: طريق معرفته (تعالى) السمع، وكيف يتصور ذلك، ونحن لا نعلم وجوب النظر بقول الرسول حتى نعلم أنه رسول، ولا نعلم أنه رسول حتى نعلم أنه مؤيد بالمعجزة، ولا نعلم أنه مؤيد بالمعجزة حتى نعلم أن التأييد من الله

стр. 1547

تعالى، (ولا نعرف التأييد من الله) حتى نعرفه ونعلم أنه لا يؤيد الكذاب بالمعجزة، ولا نعرف ذلك إلا بنور العقل الذي هو نوع من العلوم الضرورية، فدل على أن معرفته سبحانه بالعقل. ودليل سابع: لو لم تجب معرفته بالعقل لوجب أن يجوز على الله سبحانه أن ينهى عن معرفته، وأن يأمر بكفره وعصيانه والجور والكذب، كما يجوز أن ينسخ ما شاء من السمعيات، ويوجب ما كان قد نهي عنه، فلما لم يجز ذلك دل على أن ذلك غير ثابت بالسمع، وإنما ثبت بالعقل/٢٠٥ ب الذي لا يتغير، ولا يجوز (نسخه ولا قلبه)، (وأيضاً يدل على ذلك عبارة ملخصة أن من وجد نفسه مؤثراً بآثار الصنعة مستغرقاً في أنواع النعم لم يستبعد أن يكون له صانع صنعه وتولي تدبيره، وأنعم عليه، وأنه إن لم ينظر في حقيقة ذلك ليتوصل إلى الاعتراف له والالتزام لشكره يموت على ما أغفل من النظر، وضيع من الاعتراف بالشكر، فإن العقل سبيل إلى إلزامه النظر لا محالة إذ لا شيء أقرب له إلى الإيمان من النظر فدل على وجوبه بالعقل. ودليل آخر: أن الله وهب العقل وجعله كمالا للآدمي، فإذا أغفل النظر فقد ضيع العقل إذ لم يقتبس منه خيراً وإذا

стр. 1548

كان لا يقبح شيئاً ولا يحسنه، فوجوده وعدمه سواء، وهذا لا يقوله عاقل). واحتج الخصم: بظواهر الآي كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ولم يقل حتى نجعل عقولاً وقوله تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ولم يقل بعد العقل، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ وغير ذلك من الآيات فجعل الحجة والعذاب متعلقاً بالرسل، فثبت أنه لا تثبت بالعقول حجة ولا عذاب. والجواب: أن الله تعالى بعث الرسل صلوات الله عليهم يأمرون بالشرائع والأحكام، وينذرونهم قرب الساعة ووقوع الجزاء على الأعمال، ويبشرونهم على الطاعة وشكر النعمة بدوام النعم ومزيدها في دار الخلود ويخوفونهم على المعصية بالعذاب الشديد، (ويكونون) شهوداً على أعمالهم، وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾، وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ وهذا بعد أن

стр. 1549

يعرفوا الله سبحانه بعقولهم، ويردون الشبهات المؤدية إلى التعطيل والتشبه بالحكمة التي جعلها الله فيهم، والنور العقلي المفرق بين الحق والباطل، وإلا فنحن نعلم أن المفكر إذا خطر بباله أن الكتاب لعله مخترع مختلق من جهة مخلوق والرسول لعله متخرص متحرف لم يخرج ذلك من قلبه، الرجوع إلى الآيات والسنة وهو يتوهم ما ذكرنا، وإنما يرجع إليه بعد ما ثبت عنده حقيقة التوحيد، وصدق الرسول، وأن القرآن كلام الله الذي لا يجوز عليه الكذب، وعرف محكم الكتاب من متشابهه وعرف طريق الأخبار وما يجب فيها فإنه يستغني حينئذ عن النظر بعقله. فإن قيل: فهذا تهوين (لأمر) الرسل، وجعلهم لا يعنون في التوحيد شيئاً، وإنما يفيد بعثتهم في الفروع، وإنه لا فائدة (في الآيات) التي ذكر فيها/٢٠٦ أالتوحيد والدعوة إليه. والجواب: أنا نقول لهم في الأصول أعظم فائدة، لأنهم ينبهون العقول الغافلة، ويدلون على المواضع المحتاج إليها في النظر ليسهل سبيل الوقوف عليها، كما يسهل من يقرأ الكتاب على المتعلم بأن يدله على الرموز، ويبين له مواضع الحجة والفائدة، وإن كان ذلك لا يغنيه عن النظر في الكتاب وقراءته، وأيضاً (فإن بعثتهم لتأكيد) الحجة، (فإنهم يؤكدون) الحجة على العباد كيلا يقولوا خلقت

стр. 1550

لنا الشهوات وشغلتنا بالملاذ عن التفكر والتدبر (بعقلنا) فقطع الله سبحانه حجتهم بالرسل، ألا ترى (أنه تعالى) قال: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ﴾ فجعل الحجة عليهم طول العمر للتفكر والتذكر، ثم النذير (للبينة)؟. واحتج: بأنه لو كان في العقل إلزام وحظر لوجب أن يكون (لمعرفة) الحسن والقبيح (أصل) في أوائل العقل، يترتب عليه ما سواه، ألا ترى أن (للعدم) والحدوث فيها (أصلاً)؟، ولو كان ذلك كذلك لكان من ينكر الحسن (والقبح) (متمسكاً بما يعقله) مغالطاً نفسه، لأنه جاحد ما ثبت في البداية مكابر. والجواب: أن (للحسن) والقبيح (أصلاً) في

стр. 1551

بداية العقل وهو علمنا بحسن شكر المنعم، والإنصاف والعدل، وقبح الكذب والجور والظلم، ومنكر ذلك مكابر لكافة العقلاء (إلا من العقلاء) من قال: لا أعرف ذلك بضرورة العقل، وإنما أعرفه بالنظر والخبر، فذلك مقر بالحسن والقبيح، ومدعى غير طريق الجماعة فيه (فيتكلم) في ذلك، ويبين له أن الجاهلية/١٣٦ أوعبدة الأصنام، ومن لم تبلغه الدعوة، يعلم ذلك كما (تعلمه) أهل الأديان، فسقط أن يكون طريقه إلا العقل وعلى أن القدم والحدوث (لهما) (في بداية العقل أصل) ثم الخلف في ذلك واقع، ولا يقال: إن مخالفنا مكابر لعقله. واحتج: بأنه أجمع القائلون بأن في العقل إلزاماً وحظراً على أنه لا يلزم، ولا يحظر إلا بتنبيه يرد عليه، فإذا ثبت هذا، قلنا: يجب أن يكون ذلك التنبيه خبر الشرع لا الخواطر، لأن الخواطر/٢٠٦ ب يجوز أن تكون من الملك ومن الشيطان، ومن ثوران المرة، وما أشبه ذلك، وإذا (كان كذلك) فيها لم يلتفت إلى تنبيهها، والتفتنا إلى

стр. 1552

ما يوثق به، وهو خبر الشرع، (فإذا عدم) خبر الشرع ثبت أنه لا إلزام، ولا حظر في ذلك. والجواب: أنه تنبيه على معرفة حسن الشكر بخطور النعمة بباله، (من) منعم قصد الإحسان إليه، فإنه إذا خطر له نعمة عليه على ما ذكرنا ألزم عقله الشكر لا محالة، سواء تنبه على ذلك بوسوسة أو إلهام، وكذلك مهما خطر بباله كفران النعمة عرف قبحه، ومهما خطر بباله أن القبيح لا يبعد أن يكون سبباً لهلاكه وعقابه، وأن يكون (ضده) سبباً لنجاته، فإنه يلزمه النظر في ذلك، سواء كانت الخطرة من الملك أو الشيطان، فثبت أن التنبيه لا يقف على خبر السماء، ثم يلزم الحدوث والقدم لا يكون تنبيه، ثم ذلك خاطر عقلي، ولا يقال: يقف عليه تنبيه الشرع. واحتج: بأن الأمة أجمعت أن التكليف يقف على البلوغ، وليس العقل موقوفاً على ذلك من قبل أن الغلام إذا احتلم فليس يستحدث عقلاً، وإنما ذلك (عقله) قبل بلوغه، فبان أن العقل لا يوجب شيئاً ولا يحظره. والجواب: أن الموقوف من التكاليف على البلوغ وهو تكليف الشرعيات خاصة فأما الأحكام المستفادة بالعقل (فإنها تلزم) الإنسان إذا استفاد من العقل ما يمكنه أن يفصل به بين الحسن والقبيح فلا يسلم ما ذكروه.

стр. 1553

باب الاجتهاد ومسائله وصفة المجتهد مسألة الحق في قول المجتهدين في أصول الدين في واحد وما عداه باطل ، نص عليه إمامنا أحمد ﵁ في مواضع، وبه قال عامة العلماء، وحكى عن عبيد الله بن المحسن العنبري: أن المجتهدين في الصول من أهل القبلة جميعهم مصيبون مع اختلافهم.

стр. 1554

لنا: أن معنى قولنا مصيب مأخوذ من إصابة مقصده، فإن كان من أفعال الجوارح فالمراد به (أن فاعله أصاب ما كلف، مأخوذ من إصابة الرامي بسهمه الغرض وإن كان من حيز الاعتقادات فالمراد به) أن معتقده أصاب به الحق. وقيل: أصاب به الحسن، وإن كان من باب الخبر، فتعلق القول بالمخبر عنه على ما هو به، وإذا/٢٠٧ أثبت هذا لم يجز أن يقال: إن اعتقاد الإنسان أن الله تعالى يرى في حال واعتقاد الآخر أنه لا يرى (بحال صوابان، لأنهما يتنافيان، وكذلك القول في كل) اعتقادين ضدين، وكذلك الإخبار عن نفي وإثبات لا يجوز أن يكون كل واحد منهما متناولاً للشيء على ما هو به، لأنهما يتنافيان. فإن قيل: المراد بذلك أنهما حسنان، لأن المكلف (أصاب) (بكل) واحد منهما ما كلف. قيل: هذا غلط، لأنه إذا أخبر أحدهما، بأن العالم قديم، والآخر بأن العالم محدث، فأحدهما متناول للشيء (لا) على ما هو به، وذلك جهل وكذب، والجهل قبيح، والكذب قبيح، والقبيح لا يتناوله التكليف.

стр. 1555

فإن (قيل): ما تنكر أن يكون كل واحد منهما كلف أن يظن ما أداه اجتهاده إليه، فإذا ظن ذلك كان مصيباً لما كلف.؟ قلنا: إنما يكلف الظن فيما يتعذر عليه فيه العلم، والعلم غير (متعذر) في مسائل الأصول، ولهذا يدعي كل واحد منهم: أنه عالم بما ذهب إليه يقيناً لا ظناً، ثم نلزمهم (أن يجوزوا قول) اليهود والنصارى، ويقول: أنهم كلفوا ما يغلب على ظنهم مع شبههم، ويكونون مصيبين في ذلك، وهذا فرق الإجماع والخروج عن الإسلام. دليل آخر: (أن) كل قولين لا يجوز (ورود) الشرع بصحة كل واحد منهما، لم يجز أن يكونا (صوابين) كقول المسلمين بالتوحيد، وقول غيرهم (بالتثنية)، وقول النصارى بالتثليث. (واحتج الخصم): (أنه) إذا جاز أن يكون كل مجتهد مصيباً في الفروع جاز مثله في الأصول.

стр. 1556

والجواب: أنا لا نسلم الأصل، ثم هو جمع من غير علة، ولأن الفرق بينهما بأن الفروع ليس عليها أدلة (قاطعة)، ويجوز أن يرد الشرع بحكمين متضادين فيها في حق شخصين كالصلاة، (تحرم) على الحائض وتجب على الطاهر، فجاز القول فيها: بأن كل مجتهد مصيب لخفتها بخلاف الأصول فإن عليها أدلة قاطعة، ولا يجوز أن يرد الشرع بحكمين متضادين/٢٠٧ ب فيها، فلم يجز الحكم فيها، بأن كل مجتهد مصيب. فصل الحق من قول المجتهدين في الفروع في واحد، وعليه أمارة، وعلى المكلف الاجتهاد في طلبه حتى يعلم أنه وصل إليه في الظاهر دون الباطن نص عليه في رواية بكر بن محمد، فقال: إذا اختلفت الرواية عن النبي ﷺ ، فأخذ رجل بأحد الحديثين وأخذ آخر بحديث آخر ضده، فالحق عند الله في واحد، وعلى الرجل أن يجتهد، ولا يقول لمخالفه: إنه مخطيء، (فبين) (أن) الحق

стр. 1557

في واحد، وأنه لا يقطع على خطأ مخالفه، لأن عليه أمارة تكسب المجتهد (غلبة ظن) لا قطعاً ويقيناً، ولهذا قال في أثناء الرواية، وعلى الرجل أن يجتهد، ولا يدري أصاب أو أخطأ. معناه يجتهد في طلب الحق بذلك الدليل وهو لا يوجب القطع على إصابته، وبه قال المروزي، وأبو علي الطبري، وقال الأصم، وابن عُلية.

стр. 1558

والمريسي: الحق واحد وعليه دليل كلف المكلف إصابته، (فإذا) أداه اجتهاده (إليه علم) أنه وصل إليه يقيناً وينقض به حكم من خالفه، وحكاه بعضهم عن الشافعي، واختاره

стр. 1559

أبو الطيب الطبري، وأبو إسحاق الإسفراييني، وقد أومأ عليه أحمد في رواية بكر بن محمد في حاكم حكم (في) المفلس: أنه أسوة بالغرماء، يرد حكمه، فبين: أنه يقطع على خطأ خصمه ونقض حكمه، وقال أبو الهذيل وأبو علي، وأبو هاشم: إن كل مجتهد مصيب في الاجتهاد، وفي الحكم الذي أداه إليه اجتهاده (وما كلف غير الاجتهاد)، وليس على الحق دليل مطلوب. وحكى ذلك عن أبي حنيفة ﵀، وحكاه ابن

стр. 1560

الباقلاني عن أبي حسن الأشعري، (واختاره)، وقال الكرخي: مذهب أصحابنا جميعاً: إن كل مجتهد مصيب لما كلف من حكم الله تعالى، والحق عند الله في واحد، وهو الأشبه الذي لو نص على الحكم لنص عليه، ولا شك أن ذلك واحد إلا أن

стр. 1561

المكلف لم يكلف إصابته، وحكاه بعضهم (عن الشافعي) أيضاً، (وحكى رواية) عن الجبائي)، والكلام في المسألة في فصول أربعة أحدها: هل الحق في واحد أم لا؟ والثاني: هل (عليه) دليل أم لا؟ والثالث: هل ذلك الدليل يوجب القطع أو الظن. والرابع: الكلام في الأشبه المطلوب، ونحن نذكر الأدلة في كل فصل إن شاء الله تعالى. فالدليل على أن الحق في واحد: قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ فنص على أن الحق في واحد، وأنه فهمه سليمان ﵇، لو كانا مصيبين في الحكم، لم يكن سليمان مختصاً بفهمها، لأن داود ﵇ قد فهم أيضاً حكمه وأصاب فيه.

стр. 1562

فإن قيل: يحتمل أن يكون الحكم الذي حكم به داود كان هو الحكم في شرعهم، ثم نسخ ذلك، فعلم بالنسخ سليمان ولم يعلم به داود فحكم فأصاب. قيل: إنما يوصف بالفهم من سمع الشيء المشتبه الغلق ففهمه بفكره في أمارات الصواب فيه، فأما من أخبر بالحكم وأعلم به، ولم يعلم به غيره لا يقال: فهم دون غيره، وإنما يقال: سمع وأخبر دون غيره. وجواب آخر: أن هذا التأويل خطأ، لأن داوود ﵇ كان النبي والوحي (ينزل عليه)، وسليمان بعده صار نبياً، ولهذا قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ فكيف يعلم (بالوحي) من ليس بنبي، ولا ينزل (عليه)، ولا يعلم به من أنزل عليه. فإن قيل: فالآية حجتنا، لأنه قال: ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ لو كان داود وقد أخطأ لم يصفه بأنه آتاه حكماً وعلماً،

стр. 1563

فثبت أن اجتهاده كان صواباً (وعلماً). قيل: الله تعالى لم يقل: إنه آتاه حكماً وعلماً في هذه (القضية) والحكومة، فيحتمل: أنه آتاه في غيرها، أو يكون: ﴿كُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ بوجوه الاجتهاد وطرق الأحكام، ثم إن أحدهما فهم هذه الحكومة، والآخر لم يفهمها. فإن قيل: كيف يجوز الخطأ على الأنبياء ﵈. (قلنا): يجوز عليهم، ولا يقرون عليه، وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله. فإن قيل: فيحتمل أن يكون ذلك في شرع داوود، فأما شرعنا فليس الحكم فيه/٢٠٨ ب كذلك. (قلنا): شرع من قبلنا إذا أخبرنا الله به، ولم يقرنه بنسخ فهو شرع لنا، على (أنا) نقول: (إن) داوود كلف ما أدى اجتهاده إليه، وكذلك نقول: الحكم في شرعنا مثله. ودليل آخر: روى عن عمرو بن العاص، وابن عمر وأبي هريرة، غيرهم: أن النبي ﷺ قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله

стр. 1564

أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" وهذا الخبر، وإن كان من أخبار الآحاد إلا أن الأمة تلقته بالقبول وأجمعوا على صحته، فصار بمنزلة المتواتر، ووجه الحجة منه: أنه بين أن المجتهد (يصيب) ويخطيء، فدل على أن الحق في واحد يصيبه المجتهد تارة ويخطئه أخرى. فإن قيل: المراد به: أنه أخطأ نصاً لو ظفر به لوجب عليه (حكمه). (قلنا): إن كان المجتهد قد استقصى طلب النص، فلم يمكنه الظفر به فهو يصيب عندكم، وعند غيركم في الاجتهاد والحكم، لأنه لا يلزمه أن يحكم بما لم يبلغه من النصوص، ولا سبيل له إليه ولا يسمى مخطئا، كما (لا يسمى) من لم تبلغه شريعة الرسول بأنه قد (أخطأ)، وإن لم يستقص النظر في طلب النص فهو مخطيء في الحكم والاجتهاد، ولا يستحق عندكم الأجر، بل هو مذموم. فإن قيل: إنما جعل ثواباً لاجتهاد، فدل على أنه أصاب باجتهاده ما كلف.

стр. 1565

(قلنا): الخطأ لا يثاب عليه، وإنما يثاب على قصده إلى الصواب واجتهاده في طلب الحق، وهو قولنا. فإن قيل: المراد بهذا (الخبر) خطأ الأشبه. (قلنا): لا معنى للأشبه الذي تذكرون، وسنبين ذلك إن شاء الله. خبر آخر: روى عن الرسول ﷺ : أنه كان إذا بعث جيشاً قال لهم في وصيته: "فإذا حاصرتم حصناً أو مدينة، فطلبوا منكم أن تنزلوهم على حكم الله، فلا تنزلوهم، فإنكم لا تدرون ما حكم الله فيهم"، وهذا يدل على أن لله حكماً في الحارثة، وأنه ليس هو ما يؤدي إليه الاجتهاد قطعاً ويقيناً. فإن قيل: أراد بذلك مخافة أن يحكموا فينزل الله تعالى حكماً غير (ذلك الذي حكموا به). (قلنا): فهذا يدل على أن لله حكماً، قد يدركه

стр. 1566

المجتهد، وقد يخطئه،/٢٠٩ أولأنه لو كان الحكم في حقهم الاجتهاد لم ينه عنه مخافة أن يتغير الاجتهاد، كما ينهى عن العبادات مخافة أن تنسخ وتغير، بل يؤمر بها. (والله أعلم). ودليل آخر: أن المسألة إجماع الصحابة روي عن أبي بكر الصديق ﵁: أنه قال: "أقول في الكلالة برأي فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان"، وعن عمر ﵁: أنه قال لكاتبه: اكتب: "هذا ما رآه عمر، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمن عمر"، وكذلك قال في قضية قضاها: "والله ما يدري عمر أصاب الحق أم أخطأ"، ذكره أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه، وقال علي ﵁ لعمر في المرأة التي أرسل إليها فأجهضت ذا بطنها وقد استشار عثمان وعبد الرحمن رضي الله عن الجميع: فقالا: لا شيء عليك، فإنما أنت مؤدب: إن يكونا اجتهدا فقد أخطيا، وإن كانا ما اجتهدا فقد غشاك، عليك الدية، فرجع عمر إلى رأيه، (ولم ينكر عليه تخطئتهما)، وقال علي أيضاً في إخراج الخوارج:

стр. 1567

لقد عثرت عثرة لا تنجبر ... سوف أكيس بعدها وأستمر [أرفع من ذيلي ما كنت أجر] ... وأجمع الرأي الشتيت المنتشر وقال ابن مسعود ﵁ (في قصة بروع بنت واشق): أقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، وقال ابن عباس ﵄: إلا يتقي زيد يجعل ابن الابن ابنا، ولا يجعل أب الأب أبا؟، وقال: من شاء باهلته في العول، وقالت عائشة ﵂: أبلغني زيد بن أرقم: أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب. وغير ذلك مما روى عنهم، وهذه الأخبار يحصل بها التواتر من طريق المعنى لكثرتها، واختلاف طرقها مع اتفاق معناها. فإن قيل: لعل (بعضهم) نسب بعضاً إلى التقصير في النظر، (فهذا خطأه. قلنا: هذا سوء ظن في الصحابة ﵃، وأنهم فرطوا وقصروا في النظر) (وأفتوا بالخطأ) من غير اجتهاد على أن الواحد منهم كان ينسب الخطأ إلى نفسه مع استقصائه في الاجتهاد،

стр. 1568

ولهذا بقي ابن مسعود في مسألة المفوضة التي مات (زوجها) عنها قبل/٢٠٩ ب أن يفرض لها مهراً، ثم قال: أقول فيها (برأيي، الخبر). فإن قيل: معنى قوله أخطأ أي: أخطأ حكماً لو حكم به كان ثوابه أكبر. (قلنا) قد أضافت الصحابة الخطأ إلى الشيطان، ولا يجوز أن يكون العدول عما ثوابه أكثر إلى ما ثوابه أقل من الشيطان، ولأن إطلاق الخطأ هو العدول عما كلفه الإنسان، ومتى لم يرد ذلك استعمل مقيداً فقيل أخطأ في كذا وكذا. فإن قيل: فكيف يحكم بالثواب على الخطأ؟ (قلنا): الثواب ليس على الخطأ، وإنما هو على الاجتهاد في إصابة (الصواب)، (فإذا) لم يوفق له عذر في ذلك، وأثيب في اجتهاده.

стр. 1569

فإن قيل: فهذا إغراء بترك الاستقصاء في الاجتهاد، لأنه يقول أكثر ما في ذلك الخطأ وأنا مأجور عليه. قيل: ليس كل من علم أنه لا مضرة عليه في الفعل كان إغراء، ألا ترى أن من بشره النبي ﷺ بالجنة لا يخشى ضرر النار وليس هو مغرى بالمعصية؟، على أن المجتهد لا يكون مغرى، لأنه لا يعرف المرتبة التي إذا انتهى إليها في النظر غفر له تركه للنظر فيما بعد، وإنما علم ذلك عند الله سبحانه. فإن قيل: فقد (صرحوا بالخطأ وعندكم أنه لا يخطيء خصمه. قلنا: لم يصرحوا بيقين الخطأ، لكن) قالوا: إن يكن خطأ وإن يكن صواباً، فلم يقطعوا، (ومن) خطأ خصمه، (فلأنه) يعتقد (أن) الحق في واحد، وأن خصمه مخطيء (إما ظناً وإما يقيناً). فإن قيل: فقد روى أن الصحابة اختلفوا (وسوغ) بعضهم لبعض الاجتهاد، ولم يذم بعضهم بعضاً، ولا منع من حكمه

стр. 1570

والاقتداء به، فدل على أنهم علموا أن جميعهم على الحق، ويدل على ذلك أن ابن عباس ﵄ بعث إلى زيد بن ثابت يسأله عن زوج وأبوين، فقال: (للأم) ثلث الباقي، فقال ابن عباس: أتجد في كتاب الله ثلث الباقي، فمن أعطى ثلث جميع المال (مخطيء)؟، فقال زيد: لم يخطيء ولكنه شيء رأيناه وشيء رآه. وقال عمر في (المشركة)، وقد قضى بالتشريك (وكان) في العام الماضي لم يقضي (به): تلك على ما قضيناه وهذه على ما قضينا، وروى فرضنا، (وولى) أبو بكر زيداً القضاء، وكان يخالفه في الجد، وكذلك (ولى) عمر ابن أبي كعب وشريحا، وكانا يخالفانه.

стр. 1571

والجواب: أنا قد رويا تخطئة بعضهم بعضاً في قصة التي أجهضت ذا بطنها، وفي قول ابن عباس: ألا يتقي الله زيد، وغير ذلك، وإنما لم ينكر بعضهم على بعض، ويمنع من الاقتداء به، لأن الشرع جعل المخطيء موضوعاً خطأه مثاباً عليه، ولأن هذه الأحكام لا يعلم الخطأ فيها يقينا، وإنما هو (غلبة) ظن، ولأن الإنكار ونقض الأحكام يقضي إلى التشاجر والفتنة والتضييق على العوام، لأن كل واحد منهم يقول: اقتد بي ولا تقتد بفلان،/٢١٠ أولا يعلم العامي أيهما يقلد ولا من المصيب، وكذلك في نقض الأحكام يقضي إلى أن لا يستقر حق، لأن كل قاض رأى من قبله قد خالفه (فنقض) حكمه، فلا يستقر لأحد ملك ولا حق، وهذا لا يجوز، فلهذا أمسكوا. ودليل آخر: (ولأنه لو) كان جميع المختلفين مصيبين لم يكن لمناظرة بعضهم لبعض فائدة، لأن كل واحد منهم يعتقد أن الآخر قد أدى ما كلف وأصاب في فعله، فلما رأينا (المتكلمين) أجمعوا على حسن النظر، وعلمنا أن كل واحد منهم يناظر صاحبه ليرده عما هو عليه، علمنا أن الحق في واحد وإلا فالمسلم لا يناظر المسلم بقصد أن يرده عن الصواب الذي هو عليه.

стр. 1572

فإن قيل: إنما يتناظرون، لأن كل واحد منهم يعتقد أن أمارته أقوى من أمارة خصمه، فهو يناظره ليريه ذلك. ومتى أظهر أحدهم أن أمارته أقوى (يلزم) خصمه الرجوع إليها وصارت هي فرضه. قلنا: وما الفائدة لمُبين أمارته أنها أقوى أن يغير فرض خصمه وينقله مما هو صواب وحق عنده إلى ما هو صواب وحق أيضاً؟، وهل هذا إلا عبث، فبان: أنه يقصد أن يرده إلى الأمارة الأقوى التي هي علامة على الحق المطلوب (وتنزه عن كونه على) الخطأ الذي ليس بمطلوب. ودليل آخر: أن كل مسألة من مسائل الاجتهاد لا يخلو أن يكون فيها أمارة هي أقوى من غيرها، أو يكون فيها أمارتان متكافئتان، على قول من يذهب إلى تكافيء الأدلة، فإن (كانت) فيها أمارة هي أقوى، فقد كلف المجتهد طلبها والحكم بها، ومتى كان فيها أمارتان متكافئتان، فقد كلف معرفة تكافئهما والتخيير بين (حكميهما)، وإنما قلنا (أنه) يكلف ذلك، لأن المجتهد طالب ومعلوم أنه لا يطلب الأمارة الأضعف فثبت أنه يطلب الأقوى، وهذا ما نقوله أن المجتهد يكلف طلبه. ودليل آخر: أن المجتهدين إذا اختلفا في بيع، فقال أحدهما: إنه صحيح، وقال الآخر: إنه باطل، أو اختلفا (في مسكر)

стр. 1573

(فقال/٢١٠ ب أحدهما حلال، وقال الآخر: حرام، لم يخل أن يكون قولهما فاسداً أو صحيحاً أو أحدهما (صحيحاً) والآخر (فاسداً)، لا يجوز أن يكون قولهما فاسداً، لأنه يؤدي إلى إجماع الأمة على الخطأ، (وهذا لا يجوز)، (ولا يجوز) كونهما صحيحين فإنهما يتنافيان، (فإن صحيحاً وفاسداً) (حلالاً حراماً) (لا يجوز)، لأنه) محال، لم يبق إلا أن أحدهما صحيح والآخر فاسد. فإن قيل: إنما يتنافى الحلال والحرام والصحيح والفاسد في حق واحد، فأما في حق اثنين فيصح اجتماعهما، لأن أحدهما يغلب على ظنه فساده، وكذلك النبيذ يغلب على ظن بعضهم، أنه حلال وعلى ظن بعضهم: أنه حرام، وهذا جائز كالميتة حرام على غير المضطر حلال للمضطر وكذلك فعل الصلاة واجب على الطاهر حرام على الحائض. قلنا: المجتهد لا يغلب على ظنه الإباحة والتحريم والصحة والفساد ف يحقه خاصة، وإنما عنده أنه كذلك في حق الكل، وعند الله سبحانه

стр. 1574

وتعالى، ويخالف (الحكم في حق) الطاهر والحائض فإنه مختلف، لاختلاف الخطاب فأمرت (الطاهرة) ونهيت الحائض، وكذلك في الميتة فأما في مسألتنا (الخطاب) في حق الكل واحد، والأمارة عامة في حق الجميع، فلا يجوز أن يثبت بها في حق أحدهما الإباحة وفي حق الآخر الحظر، وفي حق (أحدهما) الصحة، وفي حق (الآخر) الفساد. فإن قيل: يجوز، (ذلك) لأن أحدهما يغلب على ظنه أمارة الإباحة، والآخر أمارة التحريم، والإنسان مكلف بما غلب (على ظنه) لا غير. (وقلنا): لا يجوز أن يكون المثبت للأحكام (غلبة) الظن، (وإنما) تثبت الأحكام بالدليل أو الأمارة، ونحن (نتكلم) على ذلك في فصل بعد هذا الفصل إن شاء الله تعالى.

стр. 1575

دليل آخر: (وهو أنه) لا يخلو المجتهد أن يكون مكلفاً (بطلب) الحكم أو (بطلب) الاجتهاد، أو ليصير مجتهداً، لا يجوز أن يقال كلف طلب الاجتهاد، فإن الطلب (هو الاجتهاد) نفسه، (والشيء) لا يكون طريقاً لنفسه ولا يجوز أن يقال: كلف الاجتهاد ليصير مجتهداً، فإن الاجتهاد يراد لغيره، لا لنفسه فثبت (أن يقال): كلف طلب الحكم/ ٢١١ أباجتهاد، وثبت أن هناك حكماً مطلوباً. فإن قيل: إنما كلف الاجتهاد ليغلب على ظنه أن الحكم بهذه الأمارة أولى من الحكم بغيرها. (قلنا): الأمارة إنما تكون على حكم موجود حال الطلب، فأما تكليف حكم ربما حدث بعد الطلب، وربما لم يحدث، لا يجوز طلبه، والحكم بأن عليه (أمارة)، وعندهم أن الظن والحكم أمر يحدث بعد الطلب. فإن قيل: (نقول): كلف طلب الأشبه.

стр. 1576

(قلنا): إن كان الأشبه ما ذكره الكرخي، وهو الذي لو نص الله تعالى على الحكم لنص عليه، فهو وفق قولنا، لأن هناك شيء مطلوب، وما عداه باطل وذلك هو الحق إلا أنه مخالف في الاسم فسماه (الأشبه)، وإن أردتم الأشبه الذي يقوله أبو هاشم، وهو الحكم بما هو أقوى في (ظنه)، فسيجيء الكلام (عليه)، (وعلى) أن الظن لا يدل بنفسه على الحكم فيما بعد إن شاء الله تعالى. (واحتج الخصم) بقوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فأخبر أن القطع والترك (بأمر الله تعالى) فهما صوابان مع كونهما ضدين. (والجواب): أنها وردت على سبب، وهو أن النبي ﷺ قطع نخل بني النضير وحرقها، فقالت بنو النضير: إنك كنت

стр. 1577

تنهى عن الفساد وتعيبه، فما بالك قطعت نخلنا وحرقته، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، فأخبرهم أن قطعها وتركها (بأمر الله تعالى)، ونحن لا نمنع أن يرد الحكم من الله تعالى بالتخيير في الأشياء كما ورد في التخيير في كفارة اليمين، وإنما نمنع أن يكون الحكم من المجتهد وضده من مجتهد آخر كلاهما (صوابين). واحتج: (بقول النبي ﷺ :"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فدل على أن كل واحد منهم على الصواب في اجتهاده. والجواب: أن المراد به أن العامي يقلد من أراد منهم أو بأيهم اقتديتم اهتديتم في (روايته) عني أو في أن قوله حجة إذا انفرد بدليل ما ذكرنا. فإن قيل: إذا ثبت أن العامي يقلد من شاء، (دل على أن الحق ليس في واحد بل كل منهم على الحق. قلنا: إنما جوزنا تقليد من شاء)، ولم يشترط عليه تقليد من معه الحق، لأنه لا طريق (له) إلى ذلك، إلا بأن

стр. 1578

يتعلم الفقه، وفي إيجاب ذلك على كل واحد مشقة تقضي إلى الفساد والحرج. واحتج: بأنه لو كان الحق في واحد لنصب الله عليه دليلاً حتى يفسق من خالفه ويأثم وينقض حكمه. والجواب: (أنه قد نصب تعالى عليه) دليلاً، لكنه في موضع مقطوع عليه، كنص القرآن والسنة المتواترة والإجماع، فمن خالفهما فسق وأثم ونقض حكمه، وفي موضع جعل الدليل أمارة توجب الظن كخبر الواحد والقياس وشهادة الأصول، وفيه يقع اجتهاد المجتهدين فلا يفسق من خالفنا، ولا ينقض حكمه، لأن ذلك الحكم غير مقطوع به. فإن قيل: فلو كان الحق ف يواحد لوجب أن ينصب عليه دليلاً مقطوعاً به كما ينصب في مسائل الأصول. (قلنا): الجواب: من وجهين: أحدهما: أن يقال: إن الله تعالى قد نصب على الحكم دلالة قاطعة، وإن لم يدلنا بدلالة قاطعة على أن العلة هي علة حكم الأصل، وإنما كلفنا العمل بأولى العلتين، (وأقواهما)، (وأولى الأمارتين) وجعل لنا طريقاً

стр. 1579

نعرف به أن إحدى العلتين أولى أن يتعلق الحكم بها، وأنها موجودة في الأصل والفرع، وأنه يجب علينا العمل بها في الفرع، وذلك الطريق هو الترجيح الذي تقدم ذكره، فإذا وجدناه أو أكثره في إحدى العلتين دلنا على أنها على الحكم وتارة يكون ذلك الترجيح معلوماً. مثل أن تكون العلة مؤثرة، يوجد الحكم بوجودها، وينفي بنفيها، كعلة الخمر دون الأخرى، وتارة يكون ذلك الترجيح مظنوناً، لكثرة شبه إحدى العلتين بالأصول دون الأخرى، مثال الأولى: كون الغيم الأسود الكثيف في الشتاء يكون أمارة على المطر دون الغيم الأبيض. ومثال الثانية: أن يكون غيمين كثيفين أو خفيفين وأحدهما أكثف من الآخر، (فتكون) أمارته أولى في الظن من الآخر، وإن جاز أن يمطر الخفيف، ولا يمطر الكثيف. والوجه الآخر في الجواب: أنه قد كلف الحكم (وجعله) واحداً، وإن لم يقم على ذلك دليلاً/٢١٢ أمقطوعاً عليه بدليل أنه حكم بشاهدين، وألزم الحكم بهما، وقولهما يوجب (غلبة) ظن لا قطعاً، وكذلك (ألزمنا) التوجه إلى القبلة والدليل (عليها) ظناً لا قطعاً، وعلى كلا الوجهين لا يوجب التفسيق والتأثيم لغموض

стр. 1580

طريق الدليل، (ولكوننا) لا (نصل) إلى الحق قطعاً، ولأن طريق التأثيم والتنسيق الشرع، وقد ورد بالعفو عن المخطيء وتحصيل الأجر له، وأجمعت الصحابة على أن المخطيء لا يفسق [ولا يؤثم] مع كونها صرحت بالخطأ لمخالفها (ولأنفسها)، وأما نقض الحكم فلا نقول به لما ذكرنا من أن الطريق غير مقطوع به، وأن فعل ذلك يفضي إلى الهرج، وإلى أن لا يستقر لأحد حق ولا ملك، وفي ذلك ما يوجب تركه. واحتج: بأنه لو كان الحق في واحد ما أجمع على التسويغ للعامي تقليد من شاء من المجتهدين، فلما أجمعوا على ذلك دل على أن كل مجتهد مصيب. والجواب: قد تقدم عن مثل هذا بما فيه كفاية على أنهم (أجمعوا): (أنه) ليس على الحكم دليل (مقطوع به)، وإلا فلو كان مع أحدهما دليل مقطوع به لجاز أن (نقول): من أفتاك بخلاف هذا فلا تقبله ولا يسوغ (التقليد) لمن أراد. ولأنهم أجمعوا على أن المجتهد وإن أخطأ فالمقلد له قد سقط فرضه، وهو مصيب في تقليده، فلهذا لم يمنع.
следующие страницы →