← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14103

التمهيد في أصول الفقه

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

(قلنا): إن كان الأشبه ما ذكره الكرخي، وهو الذي لو نص الله تعالى على الحكم لنص عليه، فهو وفق قولنا، لأن هناك شيء مطلوب، وما عداه باطل وذلك هو الحق إلا أنه مخالف في الاسم فسماه (الأشبه)، وإن أردتم الأشبه الذي يقوله أبو هاشم، وهو الحكم بما هو أقوى في (ظنه)، فسيجيء الكلام (عليه)، (وعلى) أن الظن لا يدل بنفسه على الحكم فيما بعد إن شاء الله تعالى. (واحتج الخصم) بقوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فأخبر أن القطع والترك (بأمر الله تعالى) فهما صوابان مع كونهما ضدين. (والجواب): أنها وردت على سبب، وهو أن النبي ﷺ قطع نخل بني النضير وحرقها، فقالت بنو النضير: إنك كنت

стр. 1577

تنهى عن الفساد وتعيبه، فما بالك قطعت نخلنا وحرقته، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، فأخبرهم أن قطعها وتركها (بأمر الله تعالى)، ونحن لا نمنع أن يرد الحكم من الله تعالى بالتخيير في الأشياء كما ورد في التخيير في كفارة اليمين، وإنما نمنع أن يكون الحكم من المجتهد وضده من مجتهد آخر كلاهما (صوابين). واحتج: (بقول النبي ﷺ :"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فدل على أن كل واحد منهم على الصواب في اجتهاده. والجواب: أن المراد به أن العامي يقلد من أراد منهم أو بأيهم اقتديتم اهتديتم في (روايته) عني أو في أن قوله حجة إذا انفرد بدليل ما ذكرنا. فإن قيل: إذا ثبت أن العامي يقلد من شاء، (دل على أن الحق ليس في واحد بل كل منهم على الحق. قلنا: إنما جوزنا تقليد من شاء)، ولم يشترط عليه تقليد من معه الحق، لأنه لا طريق (له) إلى ذلك، إلا بأن

стр. 1578

يتعلم الفقه، وفي إيجاب ذلك على كل واحد مشقة تقضي إلى الفساد والحرج. واحتج: بأنه لو كان الحق في واحد لنصب الله عليه دليلاً حتى يفسق من خالفه ويأثم وينقض حكمه. والجواب: (أنه قد نصب تعالى عليه) دليلاً، لكنه في موضع مقطوع عليه، كنص القرآن والسنة المتواترة والإجماع، فمن خالفهما فسق وأثم ونقض حكمه، وفي موضع جعل الدليل أمارة توجب الظن كخبر الواحد والقياس وشهادة الأصول، وفيه يقع اجتهاد المجتهدين فلا يفسق من خالفنا، ولا ينقض حكمه، لأن ذلك الحكم غير مقطوع به. فإن قيل: فلو كان الحق ف يواحد لوجب أن ينصب عليه دليلاً مقطوعاً به كما ينصب في مسائل الأصول. (قلنا): الجواب: من وجهين: أحدهما: أن يقال: إن الله تعالى قد نصب على الحكم دلالة قاطعة، وإن لم يدلنا بدلالة قاطعة على أن العلة هي علة حكم الأصل، وإنما كلفنا العمل بأولى العلتين، (وأقواهما)، (وأولى الأمارتين) وجعل لنا طريقاً

стр. 1579

نعرف به أن إحدى العلتين أولى أن يتعلق الحكم بها، وأنها موجودة في الأصل والفرع، وأنه يجب علينا العمل بها في الفرع، وذلك الطريق هو الترجيح الذي تقدم ذكره، فإذا وجدناه أو أكثره في إحدى العلتين دلنا على أنها على الحكم وتارة يكون ذلك الترجيح معلوماً. مثل أن تكون العلة مؤثرة، يوجد الحكم بوجودها، وينفي بنفيها، كعلة الخمر دون الأخرى، وتارة يكون ذلك الترجيح مظنوناً، لكثرة شبه إحدى العلتين بالأصول دون الأخرى، مثال الأولى: كون الغيم الأسود الكثيف في الشتاء يكون أمارة على المطر دون الغيم الأبيض. ومثال الثانية: أن يكون غيمين كثيفين أو خفيفين وأحدهما أكثف من الآخر، (فتكون) أمارته أولى في الظن من الآخر، وإن جاز أن يمطر الخفيف، ولا يمطر الكثيف. والوجه الآخر في الجواب: أنه قد كلف الحكم (وجعله) واحداً، وإن لم يقم على ذلك دليلاً/٢١٢ أمقطوعاً عليه بدليل أنه حكم بشاهدين، وألزم الحكم بهما، وقولهما يوجب (غلبة) ظن لا قطعاً، وكذلك (ألزمنا) التوجه إلى القبلة والدليل (عليها) ظناً لا قطعاً، وعلى كلا الوجهين لا يوجب التفسيق والتأثيم لغموض

стр. 1580

طريق الدليل، (ولكوننا) لا (نصل) إلى الحق قطعاً، ولأن طريق التأثيم والتنسيق الشرع، وقد ورد بالعفو عن المخطيء وتحصيل الأجر له، وأجمعت الصحابة على أن المخطيء لا يفسق [ولا يؤثم] مع كونها صرحت بالخطأ لمخالفها (ولأنفسها)، وأما نقض الحكم فلا نقول به لما ذكرنا من أن الطريق غير مقطوع به، وأن فعل ذلك يفضي إلى الهرج، وإلى أن لا يستقر لأحد حق ولا ملك، وفي ذلك ما يوجب تركه. واحتج: بأنه لو كان الحق في واحد ما أجمع على التسويغ للعامي تقليد من شاء من المجتهدين، فلما أجمعوا على ذلك دل على أن كل مجتهد مصيب. والجواب: قد تقدم عن مثل هذا بما فيه كفاية على أنهم (أجمعوا): (أنه) ليس على الحكم دليل (مقطوع به)، وإلا فلو كان مع أحدهما دليل مقطوع به لجاز أن (نقول): من أفتاك بخلاف هذا فلا تقبله ولا يسوغ (التقليد) لمن أراد. ولأنهم أجمعوا على أن المجتهد وإن أخطأ فالمقلد له قد سقط فرضه، وهو مصيب في تقليده، فلهذا لم يمنع.

стр. 1581

واحتج: بأنه لو أداه اجتهاده في وقت إلى جواز شيء، ثم أداه اجتهاده في وقت آخر إلى حظره، يجب أن لا يجوز له أن يحكم بالثاني، لأن عنده أن ذلك خطأ حيث حكم بالأول. والجواب: (أن) عنده أنه خطأ ظناً لا علماً، وفي هذه الحال قد بان له أنه صواب أيضاً بالظن، وأن الأول خطأ فحكم في كل حال بما أداه إليه اجتهاده أنه الحق وصار كالحكم في مسألتين. واحتج: بأن اختلاف الفقهاء في الحكم كاختلاف القراء، ثم كل من (قرأ) بحرف نقول: هو مصيب (وصاحبه مصيب) أيضاً كذلك ها هنا. والجواب: أن هذا جمع بغير علة، ولِمَ كان كذلك؟، ثم اختلاف القراء يرجع إلى نقل متواتر، وإعلام الشرع (بأن) القرآن نزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف ولا يناقض بعضه بعضاً، ولهذا كل واحد من (القراء) له أن (يقرأ) /٢١٢ ب بحرفه وحرف غيره في حالة واحدة بخلاف مسألتنا، فإنه ليس للمفتي أن يفتي بالشيء وضده في حالة واحدة، لما ذكرنا من التناقض فافترقا.

стр. 1582

واحتج: بأن حمل الناس على مذهب واحد يضيق، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ فيجب أن يحكم بأن الحق في الجميع ليتسع (على الناس). والجواب: أنا لا نحملهم على مذهب واحد، لأنا لا نقطع بأن ذلك الحق المطلوب في هذا المذهب ثم يجب أن يقال فيما ورد به النص وأجمع عليه الناس: أنه تضييق ويجب أن يخالف ليتسع على الناس، ولأن كون الحق واحداً لتتوفر الدواعي على طلبه، ويكثر الاجتهاد فيعظم الثواب أولى من أن يقال: كل من ظن شيئاً بأدنى اجتهاد كفاه فيما كلف فيسقط البحث والاجتهاد في علل الشرع وحكمته، ثم يجب أن يقال مثل ذلك في أصول الدين طلبا للتوسعة على الناس. فصل ولله تعالى على الأحكام دليل من كتاب أو سنة أو قياس خلافاً لمن قال: لا دليل على الحكم سوى ظن المجتهد لنا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ فرد إلى الكتاب والسنة ولم يرد إلى الظن. وأيضاً قول النبي ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟، قال: بسنة رسول الله.

стр. 1583

قال: فإن لم تجد؟، قال: أجتهد رأيي، ولا آلو، فقال ﷺ : "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله". فذكر: أن الحكم بالكتاب ثم بالسنة ثم القياس، ولم يذكر الظن، وأيضاً فإن الناس (مجمعون) على (أنهم) يفزعون عند نزول الحادثة إلى الكتاب والسنة والقياس عند اجتهادهم وتناظرهم (بعضهم بعضاً) بذلك، ولا يقال: بعضهم لبعض هذه ليست بأدلة على الأحكام، وإنما الدليل هو الظن الذي يوجد عند الاجتهاد وأيضاً فإن الناس أجمعوا على أنه لا يجري المجتهد بظنه بأول خاطر حتى يبالغ في الاجتهاد، ويستفرغ وسعه، (فيغلب) على ظنه قوة الأمارة على غيرها من الأمارات، ويجب عليه العمل بها لا بما ظنه بأضعف الأمارات والخواطر، فدل على أن المطلوب طريق الحكم وهو الأمارة لا الظن، (وأن على الحكم أمارة)، وأيضاً فإنه/٢١٣ ألو كان لدليل هو الظن لاستوى العلماء والعوام في ذلك، لأن فرض كل واحد منهم ما ظنه كما يكون فرض كل واحد منهم ما علمه فيما يشترك العالم و (الجاهل) في معرفته من غير مسائل التقليد، وهذا لا يقوله أحد وأيضاً فإن الظن للحكم إنما يصدر عن أمارة، فلا

стр. 1584

يجوز أن يكون هو الأمارة، لأنه يفضي إلى أن يكون الشيء أمارة نفسه، ألا ترى أنا برؤية الغيم الكثيف في الشتاء نظن مجيء المطر؟، ثم لا نقول: ظننا بمجيء المطر هو الأمارة على مجيء المطر، وأيضاً فإنا قد دللنا على أن (الحق) عند الله في واحد من المحال أن يكون قد كلف الناس ذلك الحكم، ولم يجعل إليه طريقاً. فإن قيل: إليه طريق وهو ظن المجتهد. (قلنا): ظن المجتهد لابد أن يحدث عن أمارة، وتلك الأمارة لابد أن تكون متعلقة بالحكم، وتعلقها به كونها طريقا إليه (وعلامة) عليه. (واحتج الخصم): بأنه لو كان عليه أمارة معلومة من كتاب أو سنة أو قياس، لوجب إذا نظر المجتهد فيها أن تؤديه إلى ما أدت إليه خصمه، (فمن) سلك طريقاً إلى مقصد، كل من سلكه أداه إلى المقصد. والجواب: أنها تؤديه إليه كما أدت إليه خصمه إذا كان قوتهما سواء، والتزام كل واحد منهما شروط الآخر ورتب الأدلة ترتيبه، فأما وأحدهما يجوز أن ينقص اجتهاده عن صاحبه، ويجوز أن يخل بشرط اعتمده خصمه، فلا يجب ذلك، ولهذا نعلم أن أصول الدين عليها

стр. 1585

أدلة قاطعة، ثم ينظر فيه كل واحد من الخصمين، فلا (تؤديه) إلى ما أدت صاحبه لما ذكرنا من الإخلال بترتيب الأدلة أو الشروط أو ضعف (العلة) والقوة. واحتج: بأنه لو كان عليه دليل لفسق مخالفه ونقض حكمه. والجواب عن ذلك: ما تقدم، ولأن الدليل عندنا مظنون لا مقطوع، فلهذا لا يفسق به. واحتج: بأنكم تحكمون بالقياس وهو ظن المجتهد، فدل على أن الأمارة هي الظن. والجواب: أن القياس نتيجة الكتاب والسنة، لأن (العلة) تثبت في أصله بالأدلة المقطوع عليها ثم نجدها في (الفرع فنحكم بهذا، ولهذا إذا ترتب لنا شروط القياس وخلا عن معارضة ما هو أقوى منه، أحدث لنا قوة الظن بالحكم، فدل على أن القياس غير ظن الحكم. والله أعلم. فصل والدليل على أن (ذلك) الدليل غير مقطوع (به)

стр. 1586

خلافاً لمن قال: هو مقطوع به: أن قولهم على الحكم في الفروع دليل مقطوع به (لا يخلو أن تريدوا بذلك أن أعيان الفروع تناولتها نصوص مقطوع بها)، (أو تعنون) أن الأمارات المتناولة للفروع عليها أدلة قاطعة توجب العمل بها، فإن أرادوا الأول فهو غلط، لأن أكثر الفروع لا نص فيها من القرآن، ولا من السنة المتواترة، ولا إجماع وإنما يتناولها أخبار (آحاد)، وقياس مظنون العلة، وما فيها قد تناوله آيات، فتلك الآيات قد قابلها أخبار آحاد ومقاييس خصصتها فصارت دلالة الآيات مظنونة أيضاً، ولهذا صارت تلك الفروع من مسائل الاجتهاد، وساغ الخلاف فيها، فصح أنه لا دليل قاطع فيها، وإن أرادوا الثاني فهو قولنا وزال الخلاف. (ودليل آخر): أنه لو كان عليها دليل مقطوع به لوجب أن يفسق مخالفه ويأثم، وينقض حكم من خالفه كمن حكم بما (خالف) نص كتاب أو تواتر أو إجماع، فلما لم يحكم بذلك، دل على أن دليلها أمارة مظنونة لا يلحق (مخالفها) ذلك. فإن قيل: إنما (لم) يؤثم (ويفسق) لغموض الطريق.

стр. 1587

(قلنا): فيجب (أن يقولوا): مثل ذلك في الأصول، فلا يفسق المخالف فيها، ولا نؤثمه لغموض طريقه وما قلنا ذلك، بل (أثمنا) أو فسقنا، لأن أدلتها مقطوع عليها فثبت ما قلنا. (دليل آخر): أنا نعلم أن الحق في حق المدعي والجاحد مع أحدهما، ثم الدليل الذي نصب على ذلك أمارة مظنونة، وهي قول الشاهدين أو الشاهد واليمين، وكذلك القبلة واحدة، (ثم الدليل) عليها مظنون (في) الرياح والمياه والشمس والقمر والنجوم، فثبت أن الحق يجري في ثبوته الأمارة المظنونة دون الأدلة القاطعة. ودليل آخر: أن الناس أجمعوا أن المجتهد في الحادثة إذا حكم فيها بحكم ثم جاءته مثلها، أنه لا يقتنع بذلك الاجتهاد بل يجتهد ثانياً، ولو كان عليها دليل قطعي/٢١٤ أ، لما احتاج إلى ذلك كما لا يحتاج من عرف نبوة نبي بالمعجزات [أن يجتهد] في ذلك ثانياً، وكذلك من عرف صحة التوحيد وفيه نظر. (واحتج الخصم): بأن من الأحكام ما عليه نص القرآن

стр. 1588

والسنة، أو الإجماع أو علة مؤثرة تشبه العقلية، (فيثبت) الحكم بثبوتها ويرتفع بارتفاعها، كعلة الخمر وغير ذلك، (في هذه) كلها أدلة قاطعة لا تخلو الأحكام عنها. والجواب: أنا قد بينا أن الأحكام لا يوجد في أكثرها ذلك وما يوجد (فيه) فدلالته مظنونة لموضع تخصيصه بأخبار (آحاد) ومقاييس، وأما العلة المؤثرة فأكثر ما تفيد (غلبة) الظن؛ وإلا فيجوز أن يكون الخمر (حرام) لغير الشدة المطربة، ولغير تسميته خمراً، وكون الحكم يوجد بوجودها، وينتفي بنفيها، لا (يدل) على القطع واليقين، ولهذا يثبت الحق على المنكر بالبينة وينتفي ثبوته بعدمها (ثم) لا يقال: البينة مقطوع بها، وكذلك أمارات القبلة. واحتج: بأن الحق في الأصول عليه أدلة قاطعة، فكذلك في الفروع، لأنها كلها أحكام الشرع.

стр. 1589

والجواب: أنا قد بينا فساد ذلك فيما تقدم). واحتج: بأنه لو كان الحكم بالأمارة (لاحتاجت الأمارة) إلى أمارة تقويها، واحتاجت الأمارة التي تقويها إلى أمارة أخرى، إلى ما لا نهاية فسقط أن يكون الذي على الحق أمارة، وإنما هو دليل مقطوع به. والجواب: أن الأمارات التي تتعلق بها الأحكام عليها شواهد معقولة، وأدلة معلومة يتبعها الظن، (ويقوى) بها فيجوز الحكم عند ذلك، ولا يحتاج إلى معنى آخر ولهذا إذا رأينا الغيم الأسود (الكثيف) الندى في زمان الشتاء (قوى) ظننا: أنه ماطر، حسن ذلك، وكذلك إذا رأينا حائطاً منفسخ الأساس (متشقق) بالعرض ظننا وقوعه، وحسن الهرولة من تحته، وكذلك إذا رأينا (كثرة كمال التصرف) عند البلوغ حسن أن ينفك الحجر بالبلوغ، وكذلك إذا رأينا الشرع حرم الخمر عند وجود الشدة، ورفع التحريم عند ارتفاعها وأعاد التحريم عند عودها، قوى ظننا بالحكم بأنها هي العلة، وكذلك ما ثبت لنا بتنبيه النص كضرب

стр. 1590

الوالدين وشتمهما، وكذلك قبول خبر من علمنا صدقه وتدينه وتنزهه، يحسن ولا يقبح، كذلك في مسألتنا (والله أعلم). فصل فأما من قال في الحادثة: أشبه ولكن المجتهد لم يكلف إصابته، وإنما كلف ما أدى إليه اجتهاده فلا معنى لقوله، لأنه/٢١٤ ب لا يخلو إما أن (يقولوا) الحق والمصلحة للمكلف في ذلك الأشبه أو الحق (والمصلحة) فيه، وفي غيره على البدل، أو لا مصلحة فيه، فإن قالوا: لا مصلحة فيه. (قلنا): فما وجه طلبه وليس بمصلحة؟، ولأنه إذا لم يكن (حقاً) (ولا مصلحة)، فكيف تقولون لو نص الله سبحانه لنص عليه، ولأنه إذا لم تكن مصلحته هذا، فما وجه مصلحته؟، فإن قالوا: مصلحته أن (يحكم) بأشبه الأمارات وأقواها. قيل (لهم): أكلفه الله الحكم بذلك أم لا؟

стр. 1591

فإن قالوا: لم يكلفه. (قلنا): فما وجه طلبه ما لم يكلفه الله تعالى (طلبه). وإن قالوا: قد كلفه (الله تعالى) ذلك. قيل لهم: فمن لم يصب ذلك فقد أخطأ ما كلف، فكيف قلتم: كل مجتهد مصيب لما كلف؟، فإن قالوا: كل أمارات المجتهدين تتساوى في القوة. قيل لهم: فقد بطل أن يكون هناك أشبه مطلوب، ويجب بالحكم بالتخيير في المسائل كلها، وهذا لم يقله أحد، ولأنا نعلم قطعاً أن كل الأمارات في جميع الأحكام لا تكون متساوية ولهذا اختلف الناس، فقال بعضهم: لا يجوز أن تتساوى أمارتان بحال، ومنهم من قال: يجوز وذلك يتفق في قليل من المسائل، فمن قال: تتساوى الأمارات في جميع المسائل فقد خرق الإجماع، (ولا) يلتفت إلى قوله، وبطل هذا القسم. فإن قالوا: نقول: أن مصلحة المكلف في كل مسألة ذلك الحكم وغيره على البدل. قيل، فإذا الحكم في كل مسألة هو التخيير ويجب أن يكون هو المطلوب المتعبد به، ولم يقل ذلك أحد، ولأنه

стр. 1592

يفضي إلى تكافؤ الأدلة في كل مسألة وهو خلاف الإجماع على ما بينا، وبطل هذا القسم أيضاً. فإن قالوا: فنقول: أن الحق والمصلحة للمكلف في ذلك الأشبه. قيل لهم: أكلفه الله تعالى إصابته والوصول إليه أم لا؟ فإن قالوا: لم يكلفه ذلك. (قلنا): فقد أباحه العدول عن الحق وعن مصلحته إلى المفسدة، وذلك غير جائز في الحكمة. فإن قيل: فقد كلفه إصابته. (قلنا): فهذا قولنا فيجب أن يكون مكلفاً لإصابته، فمن لم يصبه فقد أخطأ ما كلف، فكيف (تقولون): أنه مصيب لما كلف؟، ولأنه إذا كلفه إصابته يجب (أن يجعل) له طريقاً إلى ذلك، إما دلالة، وإما أمارة، وقد بينا: أنه ليس على أعيان الفروع دلالة قطع، فثبت أنها أمارة، والأمارة ضعيفة/٢١٥ أ، وقوية وليس يجوز أن يكون الطريق إلى ذلك، الأمارة الأضعف، لأن المكلف إذا عرض له أمارتان، ضعيفة وقوية، لم يجز له ترك القوية الأخذ بالضعيفة، فثبت أنه كلف أقوى الأمارتين، وأنها هي طريق

стр. 1593

الحق وعليها علامات من التأثير والترجيح، والأدلة على ما بينا، فمتى ترك ذلك فقد أخطأ، وعندهم لا يخطيء، وتلخيص هذا: إنكم إذا قلتم: هناك أشبه، فلا يجوز ترك طلبه، لأن ترك طلبه ترك لطلب الحق والمصلحة، وذلك لا يجوز فإذاً قد كلف طلبه، وإذا كلف طلبه (فقد طلبه) ولم يكلف إصابته، فلا معنى للطلب ما لم يكلف إصابته، لأنه يكون عبثاً، فثبت أنه كلف إصابته فإذا ثبت تكليف إصابته، فلا شك أن عليه أمارة، لأنه لو لم يكن عليه أمارة لم يكن إليه (طريق)، والحكيم لا يكلف ما لا طريق إليه، وإذا ثبت أن عليه طريقاً فمتى عدل عنها فقد أخطأ ما كلف إصابته، وذلك ما نقول نحن، ولأنا قد دللنا أن الحق في واحد وأن غيره مخطيء في الظاهر بما فيه كفاية. واحتج (الخصم): بأن مطلوب المجتهد في القبلة القبلة، ولا يكلف إصابتها، وكذلك مطلوب مخرج الزكاة الفقراء ولا يجب إصابتهم، لأنه لو خرج من أعطاه الزكاة غنياً أجزأته، وكذلك مقصود الحاج يوم عرفه، ولا يجب إصابته، وكذلك مطلوب المجتهد الأشبه ولم يكلف إصابته. والجواب: نه قد كلف الإصابة في جميع المسائل، لكن لا بطريق القطع، لأنه لا سبيل (إليه)، وإنما (يطلب) ذلك

стр. 1594

بالأمارة القوية، (ومتى لم يصب ذلك. قلنا قد أخطأ لكن خطأ موضوع عنه بالشرع، كما نقول في مسألتنا، وأنتم تقولون: لا يخطيء بل هو مصيب لما كلف، ويبين ذلك: أن طريق) ثبوت القبلة الاجتهاد، (وثبوت) خطئها مع الغيبة بالاجتهاد أيضاً، والاجتهاد لا ينقض الاجتهاد، وكذلك الفقر والغنى طريقهما الاجتهاد، وأما عرفة، فلأنه لا يأمن مثل ذلك في القضاء ولأنه يشق، وغير ذلك من أدلة الشرع، (ولهذا) عفى عن ذلك، ومثله نقول في مسألتنا: أنه إذا بان له الخطأ بالاجتهاد الثاني لا ينقض الأول، وجملة ذلك أن نقول: أنه خطأ مرفوع عنه، (فقولوا): إنه يجب طلب الأشبه/٢١٥ ب، فإن لم يصبه كان مخطئاً، ولكن يرفع عنه الخطأ ليقع الاتفاق بيننا، (ولأنه يقابله) أن الشرع قد أوجب على المجتهد الإعادة، وهو من توضأ بماء اجتهد في طهارته، ثم بان أنه كان نجساً، أو صلى في ثوب (وبانت) نجاسته أو صلى مجتهداً في الوقت، وبان أنه صلى قبله، وغير ذلك، فلو كان ما كلف سوى اجتهاده لم تجب الإعادة في جميع ذلك. والله أعلم.

стр. 1595

مسألة لا يجوز أن تعتدل الأمارتان في المسألة عند المجتهد، فلا (تترجح) إحداهما على الأخرى، وبه قال الكرخي، وأبو سفيان السرخسي، وأكثر الشافعية، وقال الجبائي وابنه يجوز ذلك، ويكون المجتهد مخيراً في الأخذ بأي الحكمين شاء، وإليه ذهب الرازي، والجرجاني من الحنفية. وجه الأول: (أنه) لو جاز ذلك أدى إلى حصول الشك في الحكم الشرعي، وذلك لا يجوز، وبيان تأديه إلى الشك: (أن) المخبرين المتساويين في الصدق، لو أخبرنا أحدهما بأن

стр. 1596

الرسول ﷺ دخل البيت في وقت عينه، وكنت معه لم أفارقه، ولم أغفل عن مشاهدته إلى أن خرج منه، ولم أره يصلي فيه، وأخبرنا الآخر: أنه رآه يصلي فيه، فإنا نشك هل صلى فيه أو لم يصل، ولا يجوز أن نظن (صدق) أحدهما ولا كل واحد منهما، وإنما لا يظن (كذب) أحدهما، لأن الظن: هو تغليب أحد المخبرين على الآخر، وذلك لا يحصل إلا بأمارة ترجح أحد المخبرين على الآخر وقد عدم ذلك، فإن كل واحد من المخبرين حاله في الثقة كحال الآخر، وكذلك في تجويز الخطأ عليه، وإنما لم يظن صدق كل واحد منهما لما بينا من أن الظن يحتاج إلى أمارة يرجح بها، فإذا كان في كل واحد منهما أمارة ترجحه على الآخر، (فيكون الآخر ناقصاً عنه، وهذا تناقض، لأنه يؤدي إلى أن يكون كل واحد منهما زائداً على الآخر)، وكل واحد منهما (ناقصاً) عنه، وهذا محال، فلم يبق إلا الشك ولا يجوز أن يحكم بالشك بحال. فإن قيل: نقول: أنه يحكم بالأحوط. (قلنا): هذا رجوع إلى قولنا، لأن الأحوط لا يظهر إلا بنوع ترجيح، فإذاً لا تخلو إحدى الأمارتين من ترجيح. فإن قيل: نقول: إنه يحكم بالتخيير إذا تعادلت الأمارتان، كما

стр. 1597

تقولون في الكفارة، وكما تقولون في زكاة مائتين من الإبل. أنه مخير بين أربعة حقاق، وخمس بنات لبون. قيل: لا يجوز ذلك، لأنه أخذ بحكم كل واحد من الأمارتين مع (تجويزنا) أن يكون كل واحد منهما غير أمارة، وذلك (يمنع) وجود الظن الذي يسوغ معه الحكم، ألا ترى أنه إذا تعادلت الأمارات الدالة على أن الكيل علة الربا، مع الأمارات الدالة على أن الطعم علة لم يحصل لنا الظن بأن أحدهما علة؟ ولا بأن كل واحد منهما علة ومع انتفاء الظن [يكون] الوصف علة، لا يجوز تعليق الحكم به. (وجواب آخر): وهو أن التخيير بين الحظر والإباحة والواجب وغير الواجب حكم بالإباحة، لأنه إذا قيل له: "إن شئت فافعل", وإن شئت فلا تفعل، فقد أبيح له الفعل، ولم يصح أن يكون محظوراً، ولا واجباً فبطل الحكم بالتخيير بين الحظر والإباحة، والواجب (وغير الواجب). فإن قيل: فرق بين هذا وبين الإباحة، لأن الإباحة: هو تخيير بين الفعل والترك على الإطلاق، وفي مسألتنا يقال: "للمكلف افعل إن اعتقدت كون الفعل مباحاً، ولا تفعل إن اعتقدت كونه

стр. 1598

محظوراً، وكذلك يلزمك الفعل إن اعتقدت الوجوب ولا يلزمك إن اعتقدت الإباحة". (قلنا): إنما يكون الاعتقاد عن دليل أوجب العلم أو الظن فما الذي أوجب الاعتقاد ها هنا؟ فإن قيل: الأمارة التي قام الدليل على وجوب الحكم بها. (قلنا): ففي القول الآخر مثل هذه الأمارة سواء، وقد قام الدليل على وجوب الحكم بها أيضاً، ثم كيف يجوز أن تقولوا: الطريق إلى العلم بالإباحة (ما ذكرتم، وعندكم يجوز أن يعتقد الحظر، ولا يعتقد الإباحة؟ فإن قيل: الطريق إلى العلم بالإباحة)، وإلى العلم بالحظر، أن يختار المكلف اعتقاد أحدهما. (قلنا): لا يجوز أن يكون اختيار الإنسان أن يعتقد شيئاً دليلاً على صحة معتقده، لأنه لو جاز ذلك، لجاز أن يختار الاعتقادات في كل الأحكام، ويصير (باختياره) عالماً،

стр. 1599

(ولأنا نرى) الإنسان يختار الفاسد كما يختار (الصحيح)، فكيف يجوز أن يكون اختياره مع هذا مصححاً لمعتقده؟، ولأنه ليس مع الاختيار من الدلالة ما يختص أحد الاعتقادين دون الآخر، فبطل قولهم، ولأن حسن الاختيار تابع لحسن الاعتقاد، لأنه يحسن اختياره إذا اختار ما هو حسن في نفسه، وحسن الاعتقاد تابع لصحة المعتقد، لأنه إنما يحسن معتقده، إذا اعتقد ما هو صحيح في نفسه، فالاختيار تابع لما هو تابع لصحة المعتقد، فكيف تجعلونه مصححاً للمعتقد؟ فإن قيل: فيلزم على ما ذكرتم: العامي إذا سأل مجتهدين فأفتاه أحدهما بالحظر والآخر بالإباحة، فإن ذلك الفعل يصير له مباحاً، لأن له أن يقلد أيهما شاء، ومع ذلك فقد جوزتموه. (قلنا): لا نسلم في أحد (القولين)، (ونلزمه) الاجتهاد في أعيان المفتين، فيقلد أعلمهما وأدينهما عنده، وذلك مما لا يتعذر عليه، فيسقط السؤال، وإن سلمنا على الآخر، فإن الفعل يكون مباحاً للعامي، لأنه مقلد مستبيح، ولا علم عنده في الحكمين فيجتهد فيهما بخلاف المجتهد، فإن عنده (أمارتين) قد

стр. 1600

تساوتا، إحداهما موجبة للحظر والأخرى للإباحة، فإذا صار الحكم في حقه مباحاً، فقد ثبت حكم إحدى الأمارتين، وبطل حكم الأخرى مع تساويهما، وهذا لا يجوز. (فإنه) ليس حكم الإباحة (بأولى) من الحظر، ولا يشبه هذا ما ذكروه من التخيير في الكفارة وزكاة الإبل، لأن الله تعالى نص على التخيير بين الأشياء الثلاثة في الكفارة، وكذلك الرسول ﷺ (قال): في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقه/. فنص على كل واحد من الفرضين، وقد (دخل في المائتين)، فلهذا يتخير، ولي بين الحكمين تعارض، ولا تضاد، ولهذا يجوز ورود الشرع باعتقاد إيجاب الكل/٢١٧ أعلى المكلف في حالة واحدة، وفي مسألتنا بين الحظر والإباحة تضاد، (ولهذا) لا يجوز ورود الشرع باعتقاد الحظر والإباحة في حكم واحد لمكلف واحد. دليل آخر: (وهو) أن مساواة الأمارتين تقتضي إثبات (حكميهما) إما على الجمع وذلك غير ممكن، وإما على التخيير،

стр. 1601

والأمة مجمعة على أن مسائل الاجتهاد ليس المجتهد يتخير فيها، ولا (تلزم) الكفارة والإبل في الزكاة، لأنها ليست من مسائل الاجتهاد، (وإنما) يتبع فيها نص الشرع، ولأن المسألة مبنية على أن الحق من قول المجتهدين في واحد، وما عداه خطأ، وقد دللنا عليه، وإذا ثبت ذلك، بطل أن تتكافأ الأمارات، لأن مع التكافؤ لا (نعلم) الحق من الخطأ، وقد تعلق بعض من نصر هذه المسألة: بأنه لما لم يجز تعادل الدليلين، كذلك (لم يجز) تعادل الأمارتين، وهذا ليس بالقوى، لأن الفرق بينهما ظاهر وهو أن الدليل يجب (أن يكون) مدلوله على ما دل عليه، لأنه يوجب العلم والقطع، ومحال أن يكون ما دل على الشيء وعلى نفيه متساويين فيكون الدليل على أن الله تعالى لا يستحيل عليه الرؤية، والدليل على أنه يستحيل عليه الرؤية سواء، وكذلك الدليل على [حدوث]

стр. 1602

العالم والدليل على قدمه سواء، بخلاف الأمارة فإنه لا يجب أن يكون مدلولها على ما دلت عليه قطعاً، بل قد توجد الأمارة (الأقوى)، (ولا) يتبعها مدلولها كالغيم الكثيف الرطب في الشتاء لا يتبعه المطر، ويتبع المطر الأمارة الضعيفة، وهو الغيم الخفيف الرقيق، فليس في تساوي الأمارتين ما يوجب حصول مدلولها، فجاز أن يوجد. ويمكن أن يقال، (بل) في ذلك ما يدل على صحة علة الإيجاب وفي الأخرى ما يدل على صحة نفيه، وقد أمرنا بتعليق الحكم على العلة، فيجتمع الشيء ونقيضه في حق شخص واحد، وهذا لا يجوز في الشرع. (واحتج الخصم): بأن ليس في العقل ولا في الشرع ما يمنع من تساوي الأمارتين والتخيير في الحكم، ألا ترى أنه قد يخبرنا إنسان (بشيء) (ويخبرنا) (الإنسان) الآخر بضده، (وتتساوى) عندنا عدالتهما وصدق لهجتهما فثبت أنه غير مستحيل في العقل، وأما في الشرع فقد تتعارض الأمارات/٢١٧ ب في جهات القبلة حتى تتساوى فيصلي الإنسان إلى أي الجهات شاء، فثبت جواز ذلك.

стр. 1603

والجواب: أنا قد بينا أن الحكم بذلك، إما أن يكون حكماً والشك أو بالإباحة، وذلك غير جائز في الشرع، فأما القبلة فلا يجوز أن (تتساوى) الأمارات عنده، ومتى وجد ذلك جعلناه بمنزلة الأعمى يقتدى بغيره فيها، ولا يتخير أي الجهات شاء، كما يقول في مسألتنا، إذا تساوت عنده وقف حتى يذاكر غيره، (أو يفكر) (فتترجح) عنده إحدى الأمارتين ولا يتخير، وإن سلم التخيير في جهات القبلة فلأن حكم القبلة أخف، ولهذا يجوز ترك الصلاة إليها، مع العلم بها في حال المسابقة وفي النافلة، بخلاف حكم الحادثة فإنه لا يجوز للمجتهد العدول عن حكم الأقوى من الأمارتين إلى الأضعف، فدل على الفرق بينهما (والله أعلم بالصواب). مسألة لا يجوز للمجتهد أن يقول في الحادثة قولين متضادين في وقت واحد ، وهو قول عامة (العلماء) وأطلق الشافعي القولين

стр. 1604

في الحادثة في وقت واحد، ذلك مذكور في كتبه، قال بعض أصحابه وهو القاضي أبو حامد: (لا نعرف) عنه ما هذا سبيله إلا ستة عشر أو سبعة عشر مسألة. (ودليلنا): أن الصحابة ﵃ تكلمت في الفقه، (وفرعوا) (مسائل) حتى قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: " (أرأيت) لو رأيت رجلاً على فاحشة أكنت تقيم عليه الحد؟. فقال: لا، حتى يكون معي غيري"، وهذا تفريع، ثم

стр. 1605

لم يحك عن واحد منهم في المسألة قولان، فمن أحدث هذا فقد خالف الإجماع، وأيضاً إن قوله: في المسألة قولان لا يخلو من ثلاثة أحوال، إما أن يكونا صحيحين أو فاسدين، أو أحدهما (صحيحاً)، ولا يجوز أن يكونا صحيحين، لأن الشيء الواحد لا يجوز أن يكون حلالاً حراماً، ولا نفياً إثباتاً، وقد ذكر أصحابه أن لحق عنده في واحد، وأن الأدلة والأمارات لا يجوز أن تتكافأ، فبطل ذلك/٢١٨ أ، ولا يجوز كونهما فاسدين، لأنهما لو كانا عنده كذلك ما حكاهما، وأثبتهما في كتبه ولوجب أن يبين وجه فسادهما، ولأنه يخرج أن يكون في المسألة حكم لله، إذا كانت لا تحتمل سوى القولين، فبطل هذا أيضاً، ولا يجوز أن يكون عنده أحدهما صحيحاً، لأنه لو كان كذلك لذكره أو رجحه بنوع ترجيح، أو قال: هذا أحوط أو (أحب) إليّ، ولأنه

стр. 1606

لا يخلو أن يكون يعلم الصحيح أو لا يعلمه، فإن علمه فلا يظن به أنه كتمه مع علمه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللَاّعِنُونَ﴾ وقول الرسول ﷺ : "من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار"، وإن جهله ولم يعلمه، بطل أن يكون عنده كون أحدهما صحيحاً، وإذا بطل هذا لم يكن لذكر القولين وجه صحيح. فإن قيل: لذلك وجوه صحيحة، منها: أن (تتكافأ) عنده (أمارتا) القولين، فيقول بهما على التخيير، والآخر أن يكون عنده الحق في أحد هذين القولين دون غيرهما من الأقوال، ولكنه ليس يترجح عنده في هذه (الحال) فأثبته لينظر في ذلك فاخترمه الموت.

стр. 1607

والثالث: أن يكون قد قويا (عنده) قوة فيها نظر، فيقول (فيهما): قولان قويا عندي على ما سواهما. والرابع: أن يكون ذكرهما لينبه أصحابه على (طرق) الاجتهاد وإن من لم يترجح عنده الطرق يجب أن يقف ويتفكر، ولا يعجل ولا يقطع من يغر بلوغ النهاية في الفحص والبحث كما فعلت، فهذه أوجه كلها سائغة فيما ذكر فيه قولان، في حالة واحدة، وهو قليل، وإلا بقية أقواله (فيها) قديم وجديد، فيكون الجديد ناسخاً للقديم، وفيها ما (نبه) فيه، وفيها ما قد فرع عليه، وترك تفريع الآخر، فعلم أن مذهبه ما فرع عليه، ومنها ما يسوغ حمله على اختلاف حالين، ومنها نقل في وقتين كالروايتين لأبي حنيفة ﵀ ومالك وأحمد رحمهما الله وغير ذلك من الأوجه. والجواب: أن تكافؤ الأمارتين قد بينا فساده عنده وعندنا/٢١٨ ب إذا كانا إثباتاً ونفياً، وأما تكافؤهما فيما ليس بنفي وإثبات: نحو الاعتداد بالأطهار والحيض فقد كان يجب أن يقول بالتخيير، كما نقول في التكفير في اليمين، (إذ أن) ذلك قول واحد، وهو اعتقاد التخيير لا غير، ألا ترى أن التخيير في كفارة اليمين لا يقال، فيه

стр. 1608

ثلاثة أقوال أحدها: أن يكفر بالإطعام والآخر بالكسوة، والآخر بالعتق، بل هو قول واحد؟، فسقط هذا. وأما الوجه الثاني والثالث: فهو شك منه في القولين ومن شك في شيئين، وجوز كل واحد منهما بدلاً من الآخر، فلا يجوز أن يكون له قول في المسألة فضلاً (عن) أن يكون له (فيها) قولان وعلى أنه قد قال قولين (نفيا وإثباتاً) لا متوسطة بينهما، فلا يمكن أن يقال: قد أفسد ما عداهما، فتوقف لينظر الصحيح (منهما) وذلك مثل (قوله) فيما استرسل من اللحية عن الوجه قال: فيه قولان. أحدهما: يجب غسله في الوضوء. والآخر: لا يجب غسله. وغير ذلك، وعلى من يكون عنده الحق في أحد القولين لا يجوز له أن يطلق بهما، بل يقول: الحق في أحد هذين، وأنا أنظر في ذلك أولى فيهما نظر، فلما قال: في ذلك قولان علم أنه قول فاسد.

стр. 1609

وأما (القول) الرابع: وأنه ذكرهما لينبه أصحابه على (طرق الاجتهاد)، فلو كان كذلك لحكي جميع الخلاف، (لأننا) نعلم أن في مسائل أكثر من قولين، وثلاث وأربع، ثم بين طرقها، وما يصح وما يفسد، وما يترجحه ليكون أبلغ في إيضاح الاجتهاد (والتنبيه)، (ولأن) من قصد ذلك لا يجعل كتابه مذهباً، بل يجعله كتاب أصول (وجدل)، وبين (فيه ذلك) على وجه الأمثلة، فلما جعله في الكتب المصنفة الجامعة لمذهبه بطل ما ذكروه. (واحتج الخصم): يقول النبي ﷺ : "إن وليتم أبا بكر وليتم ضعيفاً في بدنه قوياً في أمر الله تعالى وإن وليتم عمر وليتم قوياً في بدنه قوياً في أمر الله تعالى" (فذلك) قولان ولم ينص على أحدهما، وجعل عمر ﵁ الأمر شورى في ستة ولم ينص على واحد منهما بعينه.

стр. 1610

والجواب: أن النبي ﷺ /٢١٩ ألم يقل: ولوا فلانا، وإنما قال: إن وليتم فلاناً فهو كذا، وإن وليتم فلاناً فهو كذا، فنبه على صفتهما، وكذلك عمر ﵁ لم يقل: إن الإمام فلان (وفلان وفلان)، وإنما قال: لا أدري أحق بهذا الأمر من أحد هؤلاء الستة؟ فنظيره (لو) قال الشافعي: الحق في أحد هذين القولين، فلما قال: في المسألة قولان: أحدهما: يجب، والآخر لا يجب، ثبت الفرق بينهما. (واحتج): (بأن المعلوم) أن الحق في واحد عند الشافعي، فذكره للقولين لا على أنهما مذهب له، لأنه لو كان كذلك لقال: مذهبي القولين أو اعتقادي، فلما قال في المسألة قولان مطلقاً (دل) على أنه حكاهما على (أنه) فيها قوله وقول غيره، (أو لأن) الحق لا يخرج عنهما.

стр. 1611

والجواب: أنه إذا قال: في المسألة قولان: أحدهما يجب والآخر: لا يجب، فالظاهر أنهما قوله (أوهما قول غيره أو أحدهما قوله) فإن كانا قول غيره، فال مذهب له في المسألة فما وجه ذكرها في مذهبه؟، لأن جميع أصحابه يحكونها مذهباً له، ومنهم من يختار أحدهما، ومنهم من يختار الآخر، فبطل، وإن كان أحدهما قوله، (فكان يجب) أن يذكره وينبه عليه على ما تقدم من قولنا فيه، وإن كانا قوله فقد بينا: أنه لا يجوز كون الشيء عند شخص واحد حلالاً حراماً، فثبت أنه لا عذر فيه، وأنه غلط. فإن قيل: فقد قال أحمد في رواية أبي الحارث والفضل بن زياد كذلك في المرأة إذا أخرت الصلاة إلى آخر وقتها، ثم حاضت قبل خروج الوقت: فيها قولان: أحدهما لا قضاء عليها، والقول الآخر: أن الصلاة (قد) وجبت عليها بدخول وقتها. قيل: (وتمام) الراوية: (والقضاء) أعجب القولين إليّ، فنص على مذهبه ولم يطلق ويمسك، كما فعل الشافعي وكذلك إن اعترضوا برواية أبي داود عنه في البكر إذا استحيضت عندنا فيها قولان: أن تقعد أدنى الحيض يوماً ثم تغتسل وتصوم وتصلي،

стр. 1612

أو تعقد غالب حيض النساء ستا أو سبعاً، فصرح بالقولين في حالة واحدة. قيل له: تمام الرواية، فقلت له: فما تختار أنت قال: من قال: يوماً فهو الاحتياط، (فبين) أن مذهبه اختياره أن تجلس يوماً وعلل بالاحتياط، فما قال الشافعي فيه مثل ذلك، فلا اعتراض عليه (فيه). والله أعلم (بالصواب). مسألة إذا نص في مسألة على حكم وعلل بعلة توجد في مسائل أخر، فإن مذهبه في تلك المسائل مذهبه في المسألة المعللة سواء قلنا بتخصيص العلة أو لم نقل، ومثاله: إذا قال: النية واجبة في التيمم، (لأنه) طهارة عن حدث.

стр. 1613

قلنا: (مذهبه) أن النية تجب في الوضوء وغسل الجنابة والحيض، لأنه اعتقد وجوب النية لكونها طهارة عن حدث فيجب أن يشمل ذلك طهارة عن حدث، إذا لم نقل بالتخصيص، وإن (قلنا) بالتخصيص، فإنما تخصص العلة إذا قام على تخصيصها دليل، فإن لم يتم فهي على عمومها كلفظ العموم، يدل على الشمول ما لم يخصه دليل. فصل فإن نص على حكم في مسألة وكانت الأخرى تشبهها شبهاً يجوز أن يخفي على بعض المجتهدين لم يجز أن تجعل الأخرى مذهبه، لجواز أن لا تخطر المسألة بباله ولم يتناولها لفظه ولا تنبيه، ولا معناه، ولعلها لو خطرت (له) لصار فيها إلى حكم آخر. فإن قيل: فلِمَ إذاً علل مسألة وجدتم علتها في الأخرى ألحقتموها بها، وإن كان يجوز أن يحكم فيها بحكم آخر. (قلنا): لما (ذكرت) من (أن) التعليل (يعم)، وإن الله تعالى من (دأبه) أن يعلق الحكم على العلة إذا نبهنا عليها، فكذلك المجتهد إذا نبهنا على علة (ما نص عليه).

стр. 1614

فإن قيل: فلِمَ إذا نص صاحب الشرع على حكم مسألة ورأي بعض المجتهدين مسألة أخرى تشبهها يلحقها بحكمها قياساً؟ (قلنا): لأن صاحب الشرع تعبدنا أنه إذا حكم في مسألة ونبهنا على علتها أن تجري حكمها أين وجدت إلا أن يرد ما يخصها، والعالم (لم) يدلنا على ذلك، ويجوز أن يذهب إلى فرق فيخطيء، وصاحب الشرع لا يجوز عليه ذلك فافترقا. فصل إذا نص العالم في مسألة على حكم ونص في غيرها (تشبهها) على حكم آخر لم يجز نقل جواب إحداهما على الأخرى، وقال بعض الشافعية: ينقل جوابه من إحداهما إلى الأخرى/٢٢٠ أ، فيكون في كل واحدة منهما قولان. لنا: أن المذهب إنما يضاف إلى الإنسان إذا قاله أو دل عليه (ما) يجري مجرى القول، من تنبيه وغيره، فإذا عدم ذلك

стр. 1615

لم يجز إضافته إليه، ولأن الظاهر أن مذهبه في إحداهما غير مذهبه في الأخرى، لأنه نص فيهما على المخالفة، فلا يجوز الجمع بينهما في قوله. واحتج الخصم: بأنه إذا نص في إحدى المسألتين على حكم وفي نظيرتها على غيره، (وجب حمل إحداهما على الأخرى) ألا ترى أن الله تعالى لما نص في كفارة القتل على الإيمان وأطلق في الظهار قسنا إحداهما على الأخرى وشرطنا الإيمان فيهما؟، كذلك في مسألتنا. والجواب: أن في الكفارة صرح في إحداهما وسكت في الأخرى (فقسنا) المسكوت على المنطوق، بخلاف مسألتنا، فإنه صرح في كل واحدة من المسألتين بخلاف الأخرى، فلا يجوز حمل إحداهما على الأخرى (كما قلنا)، (لما) نص في (صوم) الظهار على التتابع وفي صوم التمتع على التفريق لم نلحق إحداهما بالأخرى.
следующие страницы →