Полный текст (1 668 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
٤٠٢ - احتج بأنه قد يؤمر أن يدخل مع الإمام إذا أدركه وقد رفع من الركوع، ثم لا تجزئه الركعة، وكذا يصلي مع النجاسة ويلزمه القضاء.
الجواب: أنه أمر بالدخول/٤٢ أمعه لإدراك الجماعة وقد أدرك (ذلك) وأجزأه، وكذا أمر بالصلاة لشغل الوقت وقد وجد ذلك، وذلك فرض يتعلق في تلك الحالة وهو غير الفرض الواجب عليه في الأصل، وعلى أنا نقول قد أجزأت الركعة والصلاة بالنجاسة، والقضاء وجب (بأمر) مستأنف فسقط الدليل.
٤٠٣ - احتج بأن قال: عندكم قد يأمره بما لا يريده، فلم لا يجوز أن يأمره بما لا يجزيء عنده؟
الجواب عنه: أنه إذا أمره بالشيء ففعله (فقد) أراد فعله، فكذلك إذا فعله يجب أن يجزيء فعله لتصح الموازنة.
جواب آخر: أنا لا نعلم بالأمر أن الشيء مجزيء، وإنما نعلم (أنه) مجزيء بالامتثال كما لا نعلم أنه مراد (ولكن) إذا فعله علمنا أنه مراد.
٤٠٤ - مسألة: الأمر المطلق بالشيء (يدل) على
стр. 317
وجوب ما لا يتم الشيء المأمور إلا به نحو قوله للمكلف: اصعد السطح ولا يتم له الصعود إلا (أن ينصب سلما) فإنه يجب عليه نصب السلم (بمطلق الأمر بالصعود) وهو قول أكثر العلماء (والمتكلمين).
وقالت طائفة: لا يجب عليه نصب السلم بمطلق الأمر بالصعود.
٤٠٥ - لنا أن الأمر المطلق بالشيء يقتضي إيقاع فعل الشيء متى أمكن فعله على كل حال، بدليل ما لو قال له: (اصعد السطح، كيف أمكن في هذا الوقت لزمه الصعود على كل حال إذا أمكنه وصار كما لو قال) اشتر لي خبزاً واسقني ماء.
فإن قيل: هو هناك مقيد بالأمارة، فإنه لا يطلب ذلك إلا لحاجته إليه بخلاف قوله اصعد السطح.
стр. 318
قلنا: لا نعلم ذلك يقيناً، وظاهره أنه يريد منه فعل ذلك كما يريد ها هنا صعود السطح (مع الإمكان وهو متمكن فصار) كما لو قال له: اصعد السطح في هذا الوقت، كيف أمكنك لزمه الصعود على كل حال إذا أمكنه ولا يجوز له التأخير حتى يخرج الوقت، وإن لم يكن في لفظ الأمر ذكر الشرط.
فإن قيل: إنما لزمه لأنه خطر عليه كيف أمكن ويمكنه نصب السلم، وليس في المطلق شرط الإمكان.
قلنا: والأمر المطلق يقتضي وجوب نصب السلم لأنه لو لم يقتض ذلك، بل كان مباحاً أن لا (ينصبه) لكان الآمر كأنه قال له: مباح أن لا تنصب السلم وواجب عليك مع فقد السلم وغيره الصعود، وذلك تكليف ما لا يطاق.
فإن قيل: لا يخلو إما أن يكون الأمر مشروطاً بنصب السلم أو غير مشروط، فإن كان مشروطاً فهو قولنا، وإن كان غير مشروط فهو تكليف ما لا يطاق.
قلنا: (بل) هو مشروط بإمكان الصعود وذلك يحصل بكون السلم منصوباً، ويكون المأمور يقدر على نصبه، وليس في ذلك تكليف ما لا يطاق، ولهذا من أمر غلامه بشراء (الخبز) وهو في
стр. 319
٤٠٧ - مسألة: إذا فعل زيادة على ما يتناوله الاسم من الفعل المأمور به فالزيادة على ما (تناوله) الاسم تطوع، وما تناوله الاسم واجب ، (وهو قول الجرجاني وابن الباقلاني وأصحاب الشافعي، وقال الكرخي كل ذلك واجب)، وقال شيخنا (هو واجب) وهو ظاهر كلام أحمد ﵀ لأنه استحب للإمام أن ينتظر المأموم في الركوع، فلولا أنه واجب جميعه لكان المأموم يقتدي به وهو متطوع، ولا يجوز اقتداء المفترض بالمتطوع.
стр. 320
وهذا (الاستنباط) غلط لأن المفترض يمنع أن يقتدي بمن هو متنفل في جميع صلاته، فأما إذا أدرك معه ما هو سنة في الصلاة فلا يكون قد اقتدى بمتنفل عند الجميع، ولهذا لو أدركه في حال الافتتاح والاستعاذة وقراءة السورة يكون قد أدركه وهو متطوع ثم لا يقول أحد إنه لا يصح اقتداؤه (به).
وعلى أن عن أحمد ﵁ في اقتداء المفترض بالمتنفل روايتان فكيف يحمل قوله في هذه الرواية على إحداهما دون الأخرى (ويستنبط) له (مذهب) من ذلك من غير دليل.
٤٠٨ - دليلنا: أن فعله (ما يسمى) ركوعاً أو سجوداً يسقط (عنه) حكم الأمر بالركوع والسجود، فيجب أن يكون هو الفرض وما زاد عليه تطوع؟ كما أن الدينار عن أربعين (ديناراً) يسقط فرض زكاتها، فلو زاد على الدينار كان تطوعاً،
стр. 321
أبي بكر بن الباقلاني والجويني في قولهم) إنه ليس بنهي عن ضده، وبنوه على أصلهم، وهو أن النهي لا يكون نهياً إلا مع كراهة الناهي كذلك وذلك غير معلوم. ويفيد الخلاف أن من أمر بشيء ففعل ضده يأثم بمجرد الأمر، (وترك المأمور به وفعل الضد فيها سواء).
٤١٣ - دليلنا: أنه لا يمكنه فعل المأمور به إلا بترك ضده، وما لا يمكن فعل المأمور إلا به (صار ملازماً له وإذا تلازما كان كالعلم مع الحياة، لا يمكن وجود علم إلا مع حياة، وكذلك في
стр. 322
الشرعيات) (يدخل في مقتضى الأمر ألا ترى أنه) إذا أمر (بفعل الصلاة) وجب عليه فعل كل ما لا يمكن فعل الصلاة إلا به كالطهارة، واستقاء الماء لها وغير ذلك؟ وكذا جميع العبادات.
٤١٤ - دليل آخر: أن السيد إذا قال لعبده: قم، فقعد استحق (الذم) والتوبيخ، ولو لم يكن الأمر بالقيام اقتضى النهي عن ضده لما جاز لومه على القعود.
قال شيخنا: وهذه الطريقة ضعيفة لأن العبد يلام على ترك القيام الذي هو مقتضى الأمر. ويمكن أن يدافع بأن يقول وينهى عن القعود ابتداء.
٤١٥ - دليل آخر: لو لم يقتض الأمر بالشيء النهي عن ضده لجاز ورود الأمر بضده، وفي ذلك تناقض، لأن الأمر بالشيء يقتضي (إيجاده). والأمر بضده يقتضي ترك فعله (وترك فعله) (يقتضي إسقاطه)، وهذا محال لا يجوز.
стр. 323
٤١٨ - احتج بأن النهي عن الشيء لا يكون أمراً بضده، فكذا الأمر، /٤٢ ب بالشيء لا يكون نهياً عن ضده.
الجواب عنه أنا نقول: لا نسلم ونقول: إنه أمر بضده إن كان له ضد واحد، كالنهي عن الكفر يقتضي الأمر بالإيمان، وكالنهي عن الحركة يقتضي الأمر بالسكون، وإن كان له أضداد فهو مأمور بضد من أضداده لأنه بفعل ضد واحد يترك المنهي عنه، مثاله إذا نهاه عن القيام يكون له أضداد، قعود واضطجاع ومشي، أيها فعل فقد ترك القيام.
(فإن قيل: فهلا في الأمر) يكون نهيا عن ضد من أضداده إذا كان له أضداد.
جوابه أنا نقول: لا يمكنه امتثال الأمر إلا بترك جميع أضداده، كما لو أمر بالقعود لا يمكنه إلا أن يترك القيام والمشي والاضطجاع بخلاف النهي، فإنه بفعل ضد يكون تاركاً له فبان ما قلنا.
٤١٩ - احتج بأن قال: الجهل ضد العلم، والعجز ضد القدرة ثم لا يكون الجهل بالشيء علماً بضده، ولا العجز عنه قدرة على ضده.
جوابه أنا نقول: لم إذا كان ههنا كذا يكون في الأمر مثله.
جواب آخر: هناك لا (يتنافى) لأنه يجوز أن يجهل
стр. 324
الشيء وضده، ويعلمه ويعلم ضده، وكذلك يجوز أن يعجز عنه وعن ضده ويقدر عليه (وعلى ضده) وههنا يتنافى إيجاد الشيء ووجوبه مع إباحة تركه وعدمه.
٤٢٠ - احتج بأن قال: لا نعلم من الإثبات النفي، كذا لا نعلم من الأمر النهي.
الجواب عنه: أنه يعلم من جهة المعنى، لأن قولنا زيد ببغداد، ينفي أن يكون بخراسان، ويعقل من قوله: "في سائمة الغنم الزكاة" نفيها عن المعلوفة.
٤٢١ - احتج بأن الآمر يأمر ولا يخطر بباله قط ضد المأمور، فكيف يجعل ناهياً عما لم يخطر بباله قط.
قلنا: من حيث المعنى لا من حيث اللفظ كما ينافي قوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾. والله أعلم بالصواب.
٤٢٢ - مسألة: إذا ورد الأمر بأشياء على (وجه)
стр. 325
فإن قيل: بعد التكفير بها لا نقول إنها واجبة، لأن ذلك يفيد لزوم فعلها، وذلك مستحيل بعد إيجادها أن توجد، فلم يصح أن توصف بالوجوب (لا على الجمع) ولا على البدل (والتخيير) لأن البدل والتخيير إنما يصحان على المعدوم دون الموجود (والوجوب) على الجمع لا يجوز القول به.
قلنا: إذا لم تصفوها بالوجوب على الجمع ولا على البدل والتخيير فلابد أن تقولوا واحد منها واجب، ولا يتعين عندنا، فإذا قلتم ذلك لزمكم أن يكون ذلك هو الواجب قبل إيجاده، لأنه إذا كان الواجب منها واحداً بعد الإيجاد فكذلك قبله، لأن ما بعد الإيجاد فرع على ما قبله ومستند إليه.
فإن قيل: نقول إن جميعها واجب بعد الإيجاد على البدل، بمعنى أن كل واحدة منه مساوية لصفة الأخرى، ولمكان تلك الصفة يلزم إيجادها على التخيير.
قيل: هذا مغالطة لأن الواجب على البدل ما يلزم إيجاده فيقوم مقام غيره فإذا وجد الجميع فكيف يوصف بالبدل؟
٤٢٤ - دليل ثان: لو وجدت على البدل لكان إذا أطعم في حال ما كسا لا يخلو إما أن يسقط الفرض بمجموعهما أو بكل واحد منهما أو بواحد منهما
стр. 326
لو سقط بمجموعهما لكانا واجبين/٤٤ أعلى الجمع، ولو سقط بكل واحد منهما لكان قد حصل حكم واحد عن مؤثرين، وذلك غلط، وإن سقط بواحد منهما فذلك هو الواجب، وغيره ليس بواجب.
فإن قيل: يسقط بكل واحد منهما، لأن ليس أحدهما بأن يسقط به أولى من الآخر، ومثل ذلك غير ممتنع، ألا ترى أن المكلف لو قتل حال ما ارتد لاستحق قتله، وهو حكم واحد لكل واحد من الردة والقتل، ولو انكشفت عورة المصلي حال ما أحدث لخرج من الصلاة بكل واحد منهما.
قيل: إذا قام أحدهما (مقام الآخر) في وجه الوجوب لم يبق وجوب يقوم في وجهه الآخر، ألا ترى أن من كان عليه دينار (واحد) دينا فأعطى الغريم دينارين، لا يقال إن كل واحد منهما قضاء للدين، بل أحدهما قضاء، والآخر لا يكون قضاء، وإنما يكون هبة وغير ذلك، فأما مسألة الاستشهاد فلا تشبه مسألتنا، لأن هناك يتعلق به حكمان: حكم ردة، وحكم قصاص، وأحدهما غير الآخر، ولهذا يسقط كل واحد منهما بغير ما يسقط الآخر، ويستوفي كل واحد منهما على غير الوجه الذي يستوفي الآخر (عليه)، وكذلك الحدث والستارة حكمان كل واحد منهما غير الآخر، وفي مسألتنا الحنث واحد، فإذا جبره بالإطعام لم يبق ما يجبره بالكسوة، فلم تكن واجبة.
стр. 327
جواب آخر: أنه لو سقط الوجوب لكل واحد منهما لوجب أن ينوي بالإطعام والكسوة الوجوب، لأن ليس كل واحد منهما أولى بالوجوب من الآخر.
٤٢٥ - دليل ثالث: أنه لوترك كل واحد من الثلاثة لم يستحق العقاب إلا على واحد منها، ولو كانت جميعها واجبة لاستحق العقاب على الجميع، لأن ليس أحدهما بإيجاب العقاب على تركه بأولى من الآخر.
فإن قيل: إنما لم يعاقب على الجميع، لأنها لا تجب على وجه الجمع بينها، وإنما تجب على طريق البدل.
الجواب عنه أنا نقول: لو كان الجميع واجباً لاستحق العقاب على ترك الجميع، وإن لم يجب على طريق الجمع، ألا ترى أن فروض الكفايات تجب على الجميع لا على سبيل الجمع ثم بتركها يأثم الجميع، ويفعلها يجزيء فعل البعض عن الكل، وكذلك إذا كان له ألف على رجل وضمنها الآخر وجبت الألف على كل واحد منهما على التخيير، فلو تركا جميعاً القضاء لاستحقا الإثم (فلما لم يستحق الإثم)، (إلا) على واحد (منهما) دل على أنه هو الواجب.
٤٢٦ - دليل رابع: لو قال الحانث لكل فقير ملكتك هذا
стр. 328
الطعام (وهذه الكسوة فيكون) ذلك واجباً أو ندباً.
فإن قالوا: يكون واجباً لزمهم أن يكون الجمع بين الكسوة والإطعام واجباً.
وإن قالوا: ندباً لزمهم أن يكون هذا المكفر ما فعل الواجب، وإن قالوا هو واجب وندب فقد وافقونا وتركوا قولهم، ثم ليس بعضه أولى بالوجوب من بعض.
٤٢٧ - دليل خامس: لو كانت كلها واجبة (لكان) إذا فعلها جميعاً أن يستحق على كل واحد منها ثواب الواجب.
فإن قيل: إنما يستحق ثواب الواجب على أعظمها، لأنه لو فعله وحده أجزأه.
قلنا: فلو فعل أدونها أجزأه أيضاً، فيجب أن يستحق (بذلك) ثواب الواجب أيضاً، ثم قولكم يستحق ثواب الواجب على أعظمها دون غيره تسليم منكم أن الواجب منها واحد دون غيره، لأن ما كان بعد الوجود يختص بوجه الوجوب، فإذا لم يوجد وصف بأنه الواجب.
٤٢٨ - دليل سادس: لو كان كل واحد من الثلاث واجباً لوجب الجمع بينها، (إذ كل) واحد منها واجب، وإذا وجد
стр. 329
واحد منها لم يخرج الآخر من أن يكون إذا فعله يقع على /٤٤ ب وجه الوجوب.
٤٢٩ - دليل سابع: أنه غير ممتنع أن يقول الله تعالى: "أوجبت عليكم واحدة من الكفارات لا بعينها فافعلوا أيها شئتم"، ولو قال ذلك لوجب واحدة منها لا بعينها، فكذلك إذا خير فقال: "افعلوا هذه أو هذه أو هذه".
٤٣٠ - دليل ثامن: لو اشترى (قفيزاً) من صبرة لم يقل إن العقد وقع على جميع قفزانها، وإنما يقع العقد على قفيز منها لا بعينه، وكذلك إذا طلق إحدى زوجاته لا بعينها، أو أعتق أحد عبيده لا بعينه، لا نقول: إن الطلاق وقع على الجيمع ولا العتق أيضاً.
فإن قيل: يقع على الجميع على وجه البدل بمعنى أنه يختار أي نسائه شاء أو أي عبيده شاء.
قلنا: هذا غلط لأنه قد سلم هذا الجماعة مثل أبي عبد الله البصري، وعبد الجبار، فلا معنى للمنع، ولأن الطلاق إذا وقع
стр. 330
على الجميع من المحال أن يرتفع منهن لاختياره لأنهن بالطلاق والعتاق قد ملكن أنفسهن فلا يجب (ردهن) باختياره، ولأن الطلاق والعتاق مما لا يرتفع (لا) لفظاً ولا حكماً.
٤٣١ - (دليل آخر: أنه يجوز أن يخيرنا الله سبحانه في شيئين أو أشياء ولا يجوز أن (نجمع) بينهما في حالة واحدة، كما خيرنا في تزويج إحدى الأختين، ولم يجز الجمع بينهما، وكذلك إذا خلا العصر عن إمام وهناك جماعة يصلحون للإمامة، فإنا مخيرون في بيعة أحدهم. ولا يجوز في حالة واحدة، كذلك ههنا يجوز أن الله تعالى خيرنا بين هذه الأشياء ولا يجوز أن تجتمع في حالة واحدة).
٤٣٢ - د
ليل تاسع: أن الحانث أمر بعتق رقبة فمن المحال (أن) يجب عتق جميع رقاب الدنيا، وكذلك لا يلزمه كل طعام في الأرض وقائل هذا يخرق الإجماع، ولهذا لو قيل: اقتل رجلاً من المشركين لم يقل إنه أوجب قتل كل مشرك، وقد ارتكبوا المنع في جميع ذلك (وهو خرق الإجماع).
٤٣٣ - دليل عاشر: أن الأمر كالخبر، ثم لو قال: قد ضرب الأمير زيداً أو عمراً، لم يعقل أنه ضربهما معاً، وكذلك إذا قال: اقتل زيداً أو عمراً لم يعقل وجوب قتلهما.
стр. 331
٤٣٤ - دليل حادي عشر: أن إيجاب خصلة من خصال لا يدل على أن جميعها واجب، فإنه تعلاى قد خير بين أشياء لا يجوز الجمع بينها، فخير بين نكاح أي الأخوات أردنا من الأجنبيات منا، ولا يجوز لنا الجمع، وخير ولي المرأة أن يزوجها بمن أراد من الأكفاء، ولا يجوز الجمع بين اثنين منهم، فكيف يقول: إنه إذا خير بين أمرين يجب الأمران، والجمع بينهما لا يجوز).
٤٣٥ - احتجوا بأنه لما أمر بالإطعام أو الكسوة كان تقدير الآية فكفارته إطعام عشرة مساكين، أو كفارته كسوتهم، أو كفارته تحرير رقبة، فشرك بينهم في الإيجاب وحصول التكفير لا على الجمع، فدل على أنهما اشتركا في الوجوب على وجه التخيير وأن كل واحد منهما قائم مقام الآخر في باب الوجوب.
الجواب: أنا لا نسلم أن تقدير الآية ما ذكرتم، بل تقديرها: إنما يحصل به التكفير، يكون في حق بعضهم إطعام، وفي حق بعضهم كسوة، وفي حق بعضهم عتق.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ خطاب للكافة معناه: كل واحد منكم لا يؤاخذه الله باللغو، ثم قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾. الآية. فرجع الخطاب إلى كل واحد
стр. 332
منهم (أيضاً) وبين هذا أنه لا أحد يقول: إن الله تعالى قال لواحد كفر بالإطعام (ولآخر كفر بالكسوة) ولآخر بالعتق.
الجواب عنه: أنا نقول: قد بينا أنه يجوز أن يكون مراده ما يحصل به التكفير وهو الإطعام أو الكسوة أو العتق، فأما كون أول الآية خطاباً للكافة فلا يمنع أن يكون (أحدها) يختص (بالبعض كما في قوله تعالى): ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (وهو) عام في كل مطلقة، ثم قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ خاص في الرجعيات، وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ خطاب للكافة، وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾، خاص في المشركين.
٤٣٦ - واحتجوا بأنه لا مزية لأحدهما على الآخر، فوجب أن يستوي في الوجوب كما لو أمر بفعلها من غير تخيير.
الجواب: أن استواء الجميع في الخطاب (لا) يوجب الاستواء/٤٥ أ (في الوجوب كما يوجب الاستواء) في المأثم على
стр. 333
الجميع، وفي إيجاب ثواب الواجب في الجميع، ويخالف الأصل فإن المأمور به من غير تخيير يوجب العقاب على الجميع وثواب الواجب في الجميع.
جواب آخر: نحن نقول يستوي الجميع في الوجوب في حق (المكلف) على ما بينا، فيكون الإطعام واجباً على قوم، والكسوة واجبة على آخرين، (والعتق واجباً على آخرين).
فإن قيل: لو صح ما ذكرتم لقال: فكفارته إطعام عشرة مساكين وكسوتهم وتحرير رقبة.
قلنا: قد وردت أو بمعنى الواو، قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ وقال: ﴿مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ معناه: ويزيدون، وقال الشاعر:
فلو كان البكاء يرد ميتا ... بكيت على زياد أو عناق
على البرين إذ ذهبا جميعاً ... لشأنهما بحزن واحتراق
معناه: زياد وعناق.
جواب آخر: لو أتى به بلفظ الجمع أشكل، واعتقد أن
стр. 334
الجميع يجب على كل (من) حنث فأتى (بلفظة) أو لتخيير المكلف، ثم يوفقه لإخراج ما هو الواجب عنده.
٤٣٧ - احتجوا بأن الله خير المسلمين كل مكلف بين الكفارات الثلاث، فلو أوجب واحدة منها (على المكلف) لا غير لكان سبحانه قد خيره بين الواجب وبين ما ليس بواجب. وفي ذلك إباحة الإخلال بالواجب.
الجواب عنه: أنا نقول: إن الله تعالى (خير) بين الكفارات، وإن كان الواجب منها واحداً لعلمه أن المكلف لا يختار إلا الواجب ولا يوفق لسواه.
فإن قيل: الأمة مجمعة على أن من كفر بواحدة من الكفارات لو كفر بغيرها أجزأه، فلو لم يكن ما كفر به واجباً لم يكن مجزياً.
قلنا: إذا حصل التكفير بواحدة فبينا أنها هي الواجبة عند الله، وأنه ما كان يمكنه التكفير بغيرها فلا يصح هذا القول.
فإن قيل: لا يخلو اختياره للواحدة إما أن يكون له تأثير في كونها مصلحة في وجه الوجوب أو لا يكون له تأثير في ذلك، فإن لم يكن له تأثير في ذلك أدى إلى أن يتفق وقوع المكلفين مع كثرتهم وطول زمانهم على المصلحة دون المفسدة، وذلك في التعذر كتعذر
стр. 335
اتفاق (القول) المحكم (ممن) ليس بعالم به، وفي ذلك (جواز اتفاق) تصديق أنبياء من جملة كذابين ممن لا يعلم الفرق بينهم.
قيل: (إن قلنا) لا تأثير للمكلف في ذلك جاز ولا (يتعذر) في حكمة الله سبحانه أن يوفق المكلفين مع كثرتهم على ما فيه المصلحة وما هو الواجب عنده، وإن قلنا لاختيار المكلف تأثير في كون ذلك الفعل مصلحة، وهو أن يكون الله جعل أي فعل أشار إليه، وقع اختياره عليه صادف الواجب والمصلحة.
فإن قيل: فيجب إذا أشار إلى غير الكفارات الثلاث أن يكون مصلحة.
قلنا: إنما أمره بالاختيار (من) من الثلاث، وجعل اختياره يصادف المصلحة بشرط أن يختار من المشروع في التكفير، فأما غيره فليس بمشروع.
جواب آخر: يجوز أن نقول إنما خيره ليجتهد فيحصل له
стр. 336
الثواب باجتهاده في (الواجب ثم يصير) بمنزلة المجتهدين في الفتوى والإمامة (فيه)، والمطلوب واحد وهو الحق عند الله تعالى، ثم لم ينصب عليه دليلاً فنجتهد فنثاب.
جواب آخر: عن أصل الدليل: أنه غير ممتنع أن يخير الله تعالى بين الواجب وغيره في (حصول) المصلحة عندكم وسقوط الفرض كما قلتم: أن القبيح يسقط به الفرض وهو فعل الصلاة في (الثوب) الحرير والغصب (والصلاة في) المواضع التي نهى عن الصلاة فيها وغير ذلك.
٤٣٨ - احتجوا بأنه لو كان الواجب واحداً منها لضرب عليه دليلاً وجعل إليه سبيلاً، وميزه من بين الجميع ولم يجعل ذلك إلى اختيار المكلف إذ المكلف لا يعرف ما فيه/٤٥ ب، المصلحة مما فيه المفسدة.
الجواب: أنه يبطل بما خيره فيه بلفظ العموم، وهو إذا قال: اقتل رجلاً من المشركين، فإنه لم يجعل عليه دليلاً، ولا عينه، ولا يدل على إيجاب الجميع ويبطل بالعقاب والثواب (يجب) في أحدهما وإن لم يميزه، ولم يجعل عليه دليلا، ولأنه يجب البيان إذا كان الوجوب متعلقاً بمعين غير (مميز).
стр. 337
وفي مسألتنا الوجوب متعلق بغير معين (عندنا) وقد جعل المصلحة فيما نختاره منها، إذ لا يقع اختيارنا إلا على ما فيه المصلحة على ما بينا.
٤٣٩ - احتجوا بأن فروض الكفايات تجب على الكافة وبفعل بعضها تسقط عن الباقين، وكذلك الكفارات والصلاة تجب في جميع الوقت وبفعلها في بعضه يسقط الوجوب في باقيه.
(الجواب عنه: أنا نقول:): فروض الكفايات (حجة لنا)، لأنها لما وجبت على الجميع خوطب الجميع بفعلها (وعوقبوا) على تركها بخلاف مسألتنا.
جواب آخر: لو لم تجب الكفايات على الجميع (لعول) بعضهم (على) بعض، فأدى إلى تركها، وفي مسألتنا إيجاب أحدها لا يؤدي إلى تركها فافترقا، وأما الوقت فإن الوجوب متعلق بأوله وإنما رخص في تأخيره إلى آخره، ولهذا تستقر الصلاة في ذمته بدخول (أول) الوقت حتى لو حدث عذر (في الوقت) لم يسقط وجوبها عند أصحابنا.
стр. 338
٤٤٠ - احتجوا بأنه لو وقف الواجب منها على اختيارنا لوجب إذا أخل بالثلاث (أن لا) يستحق ذماً، لأنه (إنما يجب) عليه واحدة منها، إذا اختارها فإذا لم يخترها لم يحصل الشرط فلا يأثم لأنه لم يخل بالواجب.
الجواب: أنه إذا لم يختر فاتت المصلحة فأثم وإذا (اختار أحدها) حصلت المصلحة، لأنا نقول: اختيارنا تكمل به المصلحة، (لأنه) سبب لإيجاد المصلحة.
٤٤١ - (احتجوا بأنه لو كان الواجب واحداً لا بعينه كان هذا تكليفاً مجهولاً، وفيه تلبيس وإشكال والجهالة تنافي التكليف.
الجواب عنه: أنا نقول: الذي ينفي التكليف جهالة ترفع (تمكنه من الطريق إلى ما كلف).
فأما في مسألتنا فالطريق إليه هو متمكن منه إذا علق ذلك على اختياره، وقيل له افعل أي قسم اخترت، فذلك إليك فلم تبق جهالة ولا ما يمنع التكليف).
٤٤٢ - مسألة: الأمر يتناول المعدومين الذين علم الله
стр. 339
سبحانه أنهم سيوجدون على صفة المكلفين وبه قال الأشعرية وبعض الشافعية، وحكى الجرجاني عن المعتزلة وأكثر أصحاب أبي حنيفة أنه لا يتناول المعدومين، وإنما يختص بالموجودين.
ثم اختلف من قال بالأول فقال بعضهم: الأمر للمعدوم أمر إعلام، وليس بأمر إلزام.
وقال بعضهم: هو أمر إلزام وهو الذي نذهب إليه، ومنهم من قال: يتناول الأمر المعدوم تبعاً.
стр. 340
٤٤٣ - وفائدة هذه المسألة أنه إذا احتج الآن علينا بآية أو خبر لزمنا على الحد (الذي) كان يلزمنا لو كنا في عصر النبي موجودين، وعندهم لا يلزمنا ذلك إلا بدليل، إما أ، نقيس على ما كان في (عصر) النبي ﷺ لاشتراكهما في العلة (أو غيره).
٤٤٤ - وجه قولنا قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ولا خلاف (في) أنه أريد بذلك جميع أمته فقد خاطبهم وهم معدومون.
٤٤٥ - دليل آخر: قوله تعالى: ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ والمعدوم قد يبلغه إذا وجد، فدل على ما (قلنا).
٤٤٦ - دليل آخر: قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ فأمر باتباعه، ولا خلاف أنه أمرنا باتباعه، ولم نكن موجودين.
٤٤٧ - دليل آخر: قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فإن كان مبيناً للموجودين حسب فلم يبين لنا ونحن من الناس.
стр. 341
فإن قيل: في حال العدم لا نسمي ناساً.
قلنا: إلا أنا إذا وجدنا نسمي ناساً (فوجب أن يكون مبيناً لنا).
٤٤٨ - دليل آخر: ذكره شيخنا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وهذا أمر للأشياء قبل وجودها، (أن تكون) بالتكوين، وفي معنى ذلك ضعف.
٤٤٩ - دليل آخر: لا يخلو المنع من: (ذلك) أن يكون من جهة العقل أو من جهة السمع، فإن كان من جهة السمع فيجب أن ينقل إلينا، وإن كان من جهة العقل فيجب أن يتساوى في ذلك جميع العقلاء، ونحن نبين أن العقلاء كانوا يرجعون إلى الأوامر، لأن التابعين ومن بعدهم (إنما) كانوا يأخذون بظاهر أمر الله ، وأمر رسول الله ﷺ من غير دليل (سوى) هذا، ولأن (من) عادة الناس أن يوصوا إلى من يحدث من أولادهم بالنظر في وقوفهم، وصرفها في وجوه يعينها الواقف، وإن كان في حال الوصاية معدوماً.
стр. 342
فإن قيل: هناك يتصرفون لا بالوصية/٤٦ أولكن لأن الوقف عليهم.
قلنا: لو لم يستحق التصرف بالوصية (لم يكن أولى به) من غيره، ولهذا يقول: إني أوصى إلى أن أعطيك كذا، وأصرف هذا في كذا، ولهذا لو قال: وصيت أن يكون هذا الحمل إذا وضع وبلغ أن يفعل كذا (وكذا دون بقية الورثة وإذا مات هو كان ولده الذي يولد له) يصنع كذا وكذا (فإنه) وولده أحق من الباقين، فدل على أ، هـ بالوصية استفاد ذلك.
٤٥٠ - دليل آخر: قد يؤمر الإنسان بالزكاة ولا مال له، بشرط أن يصير له مال، وكذلك يؤمر بالحج ولا قدرة له بشرط أن يقدر.
فإن قيل: هناك هو عاقل مكلف وههنا هو معدوم.
قلنا: إلا أن نأمر المعدومين بشرط الوجود، كما نأمر العاجز بشرط أن يقدر.
٤٥١ - ويدل على من قال: يتناول الأمر المعدوم تبعاً للموجود بأن (نقول): خطاب المعدوم متى استحال في حال انفراده، استحال مع (وجود غيره)، ألا ترى أن الجماد لما لم يصح خطابه منفرداً لم يصح بوجود حي معه.
стр. 343
٤٥٢ - ويدل على من قال: هو أمر الإعلام (بأن نقول): إعلام المعدوم لا يصح إلا بشرط الوجود، فإذا وجد توجه الخطاب إليه، وأوامر الشرع في موضوعها ملزمة لا معلمة من غير إلزام.
٤٥٣ - احتجوا بأن الأمر استدعاء الفعل بالقول من الدون، وذلك غير موجود فاستحال أن يكون في حقه (أمر).
الجواب: أن الأمر: الاستدعاء على ما ذكرت، وقد وجد ذلك وليس من شرط الأمر إيقاع الفعل عقيبه، لأنه لو عصى المأمور ولم يفعل لم يخرج الأمر عن كونه أمراً.
٤٥٤ - احتجوا بأنه يستحيل خطاب المعدوم فلم يلحقه التكليف.
الجواب: أنا نحيل خطابه بإيجاد الفعل في حال عدمه، فأما إذا وجد (فكيف يكون مستحيلاً)، لأنه يفعل في حال وجوده ما أمر به متقدماً، فصح أنه غير مستحيل.
٤٥٥ - احتجوا بأن المعدوم لا يقع منه فعل ولا ترك، فلم يصح كالعاجز (بالصغر والجنون).
стр. 344
الجواب: أنه لا يصح منه ذلك في حال العدم، فأما بعد الوجود فيصح منه الفعل، وأما العاجز فلا نسلم أنه (لا يصح أن) يؤمر، بل يصح أمره بشرط أن يزول العجز، كما يصح في مسألتنا بشرط أن يزول (العدم)، ولهذا قال أصحابنا: الصبي والمجنون مأموران بشرط البلوغ والعقل.
فإن قيل: هذا مخالف للنص، وهو قول النبي ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن الجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ".
قلنا: المراد برفع القلم ههنا رفع المأثم ورفع الإيجاب (المضيق) بدليل أنه قرن معه النائم.
٤٥٦ - احتجوا بأنه لو توجه إليه (الأمر) لحسن مدحه وذمه.
الجواب أن: (المدح) يحصل بالامتثال، بإيجاب الفعل، والذم يحصل بالتفريط، والمعدوم لا (يوصف) بذلك.
стр. 345
فأما الأمر وصيغته الاستدعاء وقد وجد وهو أمر صحيح، والمأمور يفعله عند قدرته كالعاجز يتوجه إليه الأمر بشرط القدرة.
وقد قيل إنه يلحقه المدح والذم، لأن الله تعالى مدح الأنبياء والصالحين وذم إبليس في كلامه، وهو القرآن، وذلك قبل خلق الجميع.
٤٥٧ - احتجوا بأن من شرط الأمر وجود المأمور، كما أن من شرط القدرة وجود المقدور، ثم القدرة لا تكون مع عدم المقدور، فكذا الأمر (لا يكون) مع عدم المأمور.
الجواب: أنا لا نسلم هذا، وهو أن القدرة صفة القادر وإن لم يوجد مقدور، والله تعالى فيما لم يزل قادراً آمراً ناهياً.
٤٥٨ - احتجوا بأن تعلق الأمر بمأمور كتعلق القدرة بقادر، والفعل بفاعل ثم بعدم القادر والفاعل لا توجد القدرة والفعل، كذا مع عدم المأمور لا يوجد الآمر.
الجواب:/٤٦ ب أنكم أخطأتم الوزن لأن تعلق الآمر بمأمور كتعلق القدرة بمقدور، والفعل بمفعول، وذلك يوصف الله تعالى به قبل وجود المقدور، وإنما تعلقت قدرة (المحدث) بمقدور لا من حيث هي قدرة، (ولكن لأنه) لا يجوز بقاؤها ولا الفعل بها وهي معدومة
стр. 346
ووزان ما ذكره أمر من غير آمر لا يصح، وعلم من يغر عالم لا يصح.
٤٥٩ - احتجوا بأن المعدوم ليس بشيء عندكم فأمره هذيان.
الجواب: أنه عندكم شيء ثم عندنا يتعلق (به) بشرط أن يكون في العلم أن يوجد وهذا غير محال كما بينا، (في الوصايا)، ثم قد وجد كلام لا لمخاطب، وليس بهذيان كما قلنا في كلام الله تعالى في الأزل، كالتسبيح والتهليل والقرآن (لا يخاطب) به وهو كلام صحيح وهذا ليس بشيء.
стр. 347
مسائل النهي
٤٦٠ - مسألة: للنهي صيغة موضوعة (في اللغة) تدل بمجردها عليه وهو قول القائل لغيره: لا تفعل على وجه الاستعلاء.
وقالت المعتزلة: لا يكون نهياً لصيغة وإنما يكون لكراهة الناهي للفعل.
وقالت الأشعرية: لا صيغة له كالأمر عندهم.
٤٦١ - (الدليل على ما ذهبنا إليه أنا نقول أهل) اللغة قسموا الكلام أمراً ونهياً وخبراً واستخباراً، فالأمر قولك: افعل، والنهي: (قولك لا تفعل).
стр. 348
٤٦٢ - ودليل آخر أن السيد (إذا) قال لعبده: لا تفعل كذا عقل منه كفه عن ذلك المنهي عنه حتى إن خالفه (وفعله) استحق العقوبة، فدل على أن اللفظ وضع لذلك.
٤٦٣ - احتجوا بأن هذه الصيغة ترد والمراد بها الكف عن الفعل، وترد والمراد بها الدعاء كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا﴾، وترد والمراد بها التسكين كقوله تعالى: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ﴾ وترد والمراد بها التفويض كقوله تعالى: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي﴾ وترد والمراد بها التهديد كقوله لعبده: "لا تفعل اليوم شيئاً". فيجب أن يتوقف فيها حتى يرد الدليل بالمراد، كما نقول في الأسماء المشتركة من العين واللون.
الجواب: أن إطلاقه لا (يعقل) منه إلا الكف عن الفعل في اللغة، وإنما يحمل على غير ذلك بقرينة من شاهد الحال وغيره كالبحر موضوع للماء، ويحمل على الرجل السخي والعالم بقرينة،
стр. 349
وكالحمار ظاهر في هذه البهيمة ويحمل (على) الرجل البليد بقرينة.
فأما الأسماء المشتركة فليس بعضها في اللغة أظهر من بعض، ولهذا لو قال لعبده اصبغ (ثوبي لونا)، فصبغه (أحمر أو أسود أو أصفر) لم يستحق اللوم، ولو قال: لا تقم ولا تدخل الدار (ولا تخرج) فخالف استحق العقوبة واللوم فعلم افتراقهما. والله أعلم بالصواب.
٤٦٤ - مسألة: النهي يقتضي التحريم خلافاً لمن قال يقتضي التنزيه بمطلقة وخلافاً للأشعرية في قولهم. يقتضي الوقف.
٤٦٥ - لنا أن الصحابة ﵃ عقلوا من النهي الكف عن الفعل والترك، فروى عن ابن عمر ﵁، أنه
стр. 350
قال: "كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأساً حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن ذلك فتركناها".
ولأن السيد إذا نهى عبده عن فعل الشيء فخالفه عاقبه، ولم يلم في عقوبته، فلو لم يكن النهي يقتضي التحريم والمنع لما استحق به العقوبة.
٤٦٦ - احتجوا بأن لفظ النهي يرد والمراد به التنزيه، ويرد والمراد به التحريم فحملت على أقلها أو توقف فيها.
الجواب: أن إطلاقها يقتضي الترك ولهذا مخالفه يستحق العقوبة على ما بينا (ثم تلزم الأسماء المشتركة) كالبحر والأسد والحمار في شيئين ثم إطلاقه يحمل على الماء والبهيمة. والله أعلم.
٤٦٧ - مسألة: النهي يقتضي الانتهاء على الفور والتكرار والدوام ، وبه قال الجماعة خلافاً لأبي بكر بن الباقلاني في قوله إنه لا يقتضي ذلك.
стр. 351
٤٦٨ - لنا ما تقدم في باب الأمر، وأيضاً فإن السيد إذا قال لعبده: لا تفعل ولا تدخل الدار اقتضى أن (لا) يفعل ذلك على الفور والمداومة وإن خالف ذلك استحق العقوبة/٤٧ أفدل على ما ذكرنا، ولأنه لا ينهي إلا عن قبيح، والقبيح يجب اجتنابه في كل وقت، فدل على الفور والمداومة.
وذهب إلى أن النهي كالأمر، والأمر لا يقتضي الفور والمداومة وقد بينا (أنه يقتضي) ذلك.
ثم النهي آكد من الأمر لأنه يقتضي قبح المنهي عنه، والقبيح يجب اجتنابه، والأمر يقتضي حسن المأمور به، والحسن يكون مباحاً لا يلزم فعله، والله أعلم.
٤٦٩ - مسألة: النهي عن الشيء أمر بضده إذا كان له ضد واحد، وإن كان له أضداد فهو أمر بأحدها.
وقال الجرجاني: لا يكون أمراً بضده سواء كان له ضد أو أضداد. وقال بعضهم: إن كان له ضد واحد كان أمراً به، وإن كان له أضداد لم يكن أمراً بشيء منها وذكر أنه مذهب أبي حنيفة.
وعن أصحاب الشافعي كالمذاهب الثلاثة.
стр. 352
٤٧٠ - لنا أنه يتحتم ترك المنهي عنه ولا يمكنه تركه إلا بفعل ضده فيتحتم فعل ضده، وما الحتم فعله فهو مأمور به.
٤٧١ - دليل آخر: أنه لو قال (له) لا تتحرك، لا يخلو (إما) أن يكون السكون موقوفاً على الأمر أو (يكون) مأموراً به. (فإذا) كان موقوفاً جاز أن يأمر به، وإذا جاز أن يأمر به جاز أن ينهي عنه، وذلك محال لأنه يؤدي (إلى) أن ينهى عن الحركة والسكون في حالة واحدة. وإذا استحال ذلك ثبت أن (السكون مأمور به).
عبارة (أخرى) قوله لا تتحرك لا يخلو إما أن يفيد وجوب السكون أو إباحته أو الوقف، لا يجوز أن يفيد إباحة السكون لأن المباح يجوز تركه، لأن حد المباح ما كان فعله وتركه سواء وإذا جاز ترك السكون جاز فعل الحركة فتحصل مخالفة النهي ولا يجوز أن يفيد التوقف لأن الحكم بالتوقف إنما يجوز فيما يصح أن يرد فيه حكمان مختلفان كإباحة وحظر ووجوب وندب، وما لا يجوز أن يرد إلا على (وجه) واحد فلا معنى للحكم بالتوقف فيه، ولأن
стр. 353
الموقوف يجوز أن ينهى عنه وقد (أبطلنا ذلك) (فثبت أن) السكون واجب، والواجب مأمور به.
٤٧٢ - احتجوا بأن النهي (عن الشيء) يقتضي قبحه، وضده يجب أن يكون حسناً، وحسن الشيء لا يقتضي أن يكون مأموراً به كالمباحات من الأفعال، وكأفعال الله حسنة وليست مأموراً بها.
الجواب: أنه قد يرد النهي عن الشيء لا لقبحه، وكذلك الأمر بالشيء يرد لا لحسنه، فلم يصح ما تعلقوا به، على أنا لا نجعله مأموراً به لكونه حسناً، لكن لنهيه عن ضده، ولا يمكن ترك المنهي عنه إلا بفعل ضده وما يوصل (به) إلى الواجب فهو واجب. وعلى هذا يخرج الأمر المباح فإنه لم ينه عن ضده فلم يكن مأموراً به.
٤٧٣ - احتجوا بأن الإنسان منهي عن قتل نفسه، وليس بمأمور بترك قتل نفسه لأنه لا يثاب على (ترك) قتل نفسه، ولو كان مأموراً به لأثيب عليه.
الجواب: أنا لا نسلم بل هو مأمور بترك قتل نفسه ويثاب على ذلك كما يعاقب على قتل نفسه.
стр. 354
فإن قيل: الحيوان مجبول على حفظ نفسه فلا معنى لأمره بحفظها.
قلنا: فلا معنى للنهي عن قتلها أيضاً لأنه مجبول على أن لا يقتلها.
جواب آخر عن أصل السؤال: (وهو) أن الثواب والعقاب غير مستحق على الأمر والنهي من طريق العقل، إنما يجب ذلك بالسمع، فلا يمنعنا أن نقول إنه مأمور بترك قتل (نفسه) ولا ثواب له على ذلك لأنه لم يرد بذلك سمع.
٤٧٤ - احتجوا بأن لفظاً واحداً لا يكون أمراً ونهياً.
الجواب: أنا لا نقول ذلك (بل) نقول الأمر بالشيء نهي عن ضده من جهة المعنى والنهي عنه أمر بضده من جهة المعنى كما (أنا) نقول إن الإنسان موجود ببغداد، معدوم بالبصرة، ولا نقول هو موجود معدوم على الإطلاق.
فإن قيل: يجب إذا كان له أضداد أن يكون مأموراً بجميعها.
قلنا: هو مأمور بأحدها لا بعينه لأن بفعل أحدها يمتثل النهي فما زاد عليه لا حاجة بنا إليه، وهذا كما قلنا في الأمر بالشيء لا يكون/٤٧ ب نهياً عن جميع أضداده.
стр. 355
٤٧٥ - احتجوا بأنه قد يجوز أن يرد النهي مقترناً بإباحة جميع أضداده.
الجواب أنا لا نسلم ذلك وقد بينا استحالته. والله أعلم بالصواب.
٤٧٦ - مسألة: إذا نهى عن أشياء بلفظ التخيير مثل أن يقول: لا تكلم زيداً أو عمراً اقتضى المنع من كلام أحدهما لا بعينه خلافاً للمعتزلة في قولهم يقتضي المنع من كلام الجميع.
٤٧٧ - لنا أن النهي كالأمر، ثم لو قال: تصدق بدرهم أو دينار لم يقتض الجمع بينهما كذلك هاهنا: ولأن السيد لو قال لعبده: لا تأكل هذا أو هذا اقتضى أحدهما كذلك هاهنا.
٤٧٨ - احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾.
الجواب: أنا حملناه على الجميع بدليل أن الآثم والكفور يأمرون بالمعية فلا تجوز طاعتهم.
следующие страницы →