Полный текст (1 668 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
٤٦٨ - لنا ما تقدم في باب الأمر، وأيضاً فإن السيد إذا قال لعبده: لا تفعل ولا تدخل الدار اقتضى أن (لا) يفعل ذلك على الفور والمداومة وإن خالف ذلك استحق العقوبة/٤٧ أفدل على ما ذكرنا، ولأنه لا ينهي إلا عن قبيح، والقبيح يجب اجتنابه في كل وقت، فدل على الفور والمداومة.
وذهب إلى أن النهي كالأمر، والأمر لا يقتضي الفور والمداومة وقد بينا (أنه يقتضي) ذلك.
ثم النهي آكد من الأمر لأنه يقتضي قبح المنهي عنه، والقبيح يجب اجتنابه، والأمر يقتضي حسن المأمور به، والحسن يكون مباحاً لا يلزم فعله، والله أعلم.
٤٦٩ - مسألة: النهي عن الشيء أمر بضده إذا كان له ضد واحد، وإن كان له أضداد فهو أمر بأحدها.
وقال الجرجاني: لا يكون أمراً بضده سواء كان له ضد أو أضداد. وقال بعضهم: إن كان له ضد واحد كان أمراً به، وإن كان له أضداد لم يكن أمراً بشيء منها وذكر أنه مذهب أبي حنيفة.
وعن أصحاب الشافعي كالمذاهب الثلاثة.
стр. 352
٤٧٠ - لنا أنه يتحتم ترك المنهي عنه ولا يمكنه تركه إلا بفعل ضده فيتحتم فعل ضده، وما الحتم فعله فهو مأمور به.
٤٧١ - دليل آخر: أنه لو قال (له) لا تتحرك، لا يخلو (إما) أن يكون السكون موقوفاً على الأمر أو (يكون) مأموراً به. (فإذا) كان موقوفاً جاز أن يأمر به، وإذا جاز أن يأمر به جاز أن ينهي عنه، وذلك محال لأنه يؤدي (إلى) أن ينهى عن الحركة والسكون في حالة واحدة. وإذا استحال ذلك ثبت أن (السكون مأمور به).
عبارة (أخرى) قوله لا تتحرك لا يخلو إما أن يفيد وجوب السكون أو إباحته أو الوقف، لا يجوز أن يفيد إباحة السكون لأن المباح يجوز تركه، لأن حد المباح ما كان فعله وتركه سواء وإذا جاز ترك السكون جاز فعل الحركة فتحصل مخالفة النهي ولا يجوز أن يفيد التوقف لأن الحكم بالتوقف إنما يجوز فيما يصح أن يرد فيه حكمان مختلفان كإباحة وحظر ووجوب وندب، وما لا يجوز أن يرد إلا على (وجه) واحد فلا معنى للحكم بالتوقف فيه، ولأن
стр. 353
الموقوف يجوز أن ينهى عنه وقد (أبطلنا ذلك) (فثبت أن) السكون واجب، والواجب مأمور به.
٤٧٢ - احتجوا بأن النهي (عن الشيء) يقتضي قبحه، وضده يجب أن يكون حسناً، وحسن الشيء لا يقتضي أن يكون مأموراً به كالمباحات من الأفعال، وكأفعال الله حسنة وليست مأموراً بها.
الجواب: أنه قد يرد النهي عن الشيء لا لقبحه، وكذلك الأمر بالشيء يرد لا لحسنه، فلم يصح ما تعلقوا به، على أنا لا نجعله مأموراً به لكونه حسناً، لكن لنهيه عن ضده، ولا يمكن ترك المنهي عنه إلا بفعل ضده وما يوصل (به) إلى الواجب فهو واجب. وعلى هذا يخرج الأمر المباح فإنه لم ينه عن ضده فلم يكن مأموراً به.
٤٧٣ - احتجوا بأن الإنسان منهي عن قتل نفسه، وليس بمأمور بترك قتل نفسه لأنه لا يثاب على (ترك) قتل نفسه، ولو كان مأموراً به لأثيب عليه.
الجواب: أنا لا نسلم بل هو مأمور بترك قتل نفسه ويثاب على ذلك كما يعاقب على قتل نفسه.
стр. 354
فإن قيل: الحيوان مجبول على حفظ نفسه فلا معنى لأمره بحفظها.
قلنا: فلا معنى للنهي عن قتلها أيضاً لأنه مجبول على أن لا يقتلها.
جواب آخر عن أصل السؤال: (وهو) أن الثواب والعقاب غير مستحق على الأمر والنهي من طريق العقل، إنما يجب ذلك بالسمع، فلا يمنعنا أن نقول إنه مأمور بترك قتل (نفسه) ولا ثواب له على ذلك لأنه لم يرد بذلك سمع.
٤٧٤ - احتجوا بأن لفظاً واحداً لا يكون أمراً ونهياً.
الجواب: أنا لا نقول ذلك (بل) نقول الأمر بالشيء نهي عن ضده من جهة المعنى والنهي عنه أمر بضده من جهة المعنى كما (أنا) نقول إن الإنسان موجود ببغداد، معدوم بالبصرة، ولا نقول هو موجود معدوم على الإطلاق.
فإن قيل: يجب إذا كان له أضداد أن يكون مأموراً بجميعها.
قلنا: هو مأمور بأحدها لا بعينه لأن بفعل أحدها يمتثل النهي فما زاد عليه لا حاجة بنا إليه، وهذا كما قلنا في الأمر بالشيء لا يكون/٤٧ ب نهياً عن جميع أضداده.
стр. 355
٤٧٥ - احتجوا بأنه قد يجوز أن يرد النهي مقترناً بإباحة جميع أضداده.
الجواب أنا لا نسلم ذلك وقد بينا استحالته. والله أعلم بالصواب.
٤٧٦ - مسألة: إذا نهى عن أشياء بلفظ التخيير مثل أن يقول: لا تكلم زيداً أو عمراً اقتضى المنع من كلام أحدهما لا بعينه خلافاً للمعتزلة في قولهم يقتضي المنع من كلام الجميع.
٤٧٧ - لنا أن النهي كالأمر، ثم لو قال: تصدق بدرهم أو دينار لم يقتض الجمع بينهما كذلك هاهنا: ولأن السيد لو قال لعبده: لا تأكل هذا أو هذا اقتضى أحدهما كذلك هاهنا.
٤٧٨ - احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾.
الجواب: أنا حملناه على الجميع بدليل أن الآثم والكفور يأمرون بالمعية فلا تجوز طاعتهم.
стр. 356
٤٧٩ - احتجوا بأن أهل اللغة أجمعوا (على) أنه لو قال: لا تطع زيداً أو عمراً أنه يريدهما، معناه (اترك) طاعتهما، قلنا: لا نسلم.
٤٨٠ - احتج أن ما ورد تركه بانفراده وجب تركه مع غيره.
الجواب: أنه يبطل إذا قال لا تأكل تمراً إن أكلت خبزاً فإنه إن أكل خبزاً لم يجز له أكل التمر، فإن لم يأكل الخبر جاز له أكل التمر، ويبطل بالأخت إذا كانت تحت الإنسان لم يجز أن ينكح أختها، وإن لم تكن تحته جاز أن يتزوج (أختها).
٤٨١ - مسألة: النهي يقتضي فساد المنهي عنه ذكره أحمد ﵀ في رواية جماعة منهم أبو طالب، وقد سئل عن بيع الباقلاء قبل أني حمل وهو ورد فقال: "نهى النبي ﷺ عن بيع الثمار
стр. 357
قبل أن يبدو صلاحها" هذا بيع فاسد، فبين أنه فاسد لأجل النهي، وبه قال أكثر أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك".
وقال الكرخي من الحنفية وأبو بكر القفال من الشافعية: لا يقتضي فساد المنهي عنه، وهو قول عامة المتكلمين.
стр. 358
وقال أبو الحسين البصري كقولنا في العبادات وكقولهم في العقود والإيقاعات.
٤٨٢ - دليلنا ما روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" وفي لفظ:"من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد" وفي لفظ (آخر): "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد". والمنهي عنه ليس عليه أمره فيجب أن يكون مردوداً.
فإن قيل: هذا من أخبار الآحاد، فلا يستدل به على شيء من الأصول.
قلنا: إلا أن الأمة قد تلقته في القبول فصار كالمتواتر. جواب آخر: إن هذا وإن كان من الأصول إلا أنه من مسائل الاجتهاد فصادر بمنزلة الفروع.
فإن قيل: الرد ضد القبول وهو ما لا يثاب على فعله.
قلنا: الرد يستعمل فيما ذكرتم، ويستعمل في الفساد والإبطال، ألا ترى أنه يقال: رد فلان كلام فلان إذا أفسده، ويقال في نقض كتب المخالفين: الرد على فلان، وإذا استعمل فيهما حمل عليهما.
стр. 359
فإن قيل: الذي ليس من ديننا هو كالزنا واللواط والغيبة (والنميمة) ونحن نقول هذا باطل مردود، وخلافنا في الصلاة على صفة مكروهة من الالتفات، والصلاة في الثوب الغصب وما أشبهه (وذلك) من الدين.
قلنا: فعل الصلاة على صفة النهي ليس من الدين، ولهذا لا يثاب عليه ويحرم عليه فعله، وما لم يؤمر به ولم يبح له، فهو خارج عن الدين مردود (عليه).
نحن نقول: إن ذلك ليس من الدين، وإنما يسقط به الفرض.
قلنا: لا نسلم أن ما ليس من الدين يسقط به فرض الدين، ولأن الصحة والإجزاء من أحكام الدين، فإذا بطل أن يكون الفعل المنهي عنه من الدين لم يثبت له حكم يتعلق بالدين.
٤٨٣ - دليل ثانٍ: أن الصحابة ﵃ استدلوا على فسادالعقود بالنهي، من ذلك قول ابن عمر ﵁: لا يصح نكاح المشركات، لأن الله تعالى قال: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، واحتجاجهم على (فساد عقود الربا) بقوله ﷺ : "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا يداً بيدا سواء سواء".
стр. 360
فإن قيل: لعلهم رجعوا إلى فساد ذلك بقرينة.
قلنا: لو كانت قرينة لذكرت ولاحتج بها بعضهم على بعض عند التنازع، فلما قنعوا بمجرد اللفظ وظاهره دل على أنهم عقلوا منه الفساد.
٤٨٤ - دليل أن النهي ضد الأمر ونقيضه/٤٨ أعلى إجزاء المأمور به وصحته، فيجب أن يدل النهي على نفي إجزائه وفساده وإلا لم يكن نقيضه (وضده).
٤٨٥ - دليل رابع: لو كان المنهي عنه مجزياً لكان طريق إجزائه الشرع، إما أمراً أو إيجاباً أو إباحة، وكل ذلك يمنع منه النهي.
فإن قيل: قد يدل عليه غير ذلك نحو أن يقول: إذا فعلتم ما نهيتكم عنه أجزأكم عن الفرض، أو يكون إجزاء ذلك الفعل معلوماً بالعقل، وكل ذلك لا يمنع منه النهي.
قلنا: إذا قال ذلك، صار شرعاً وصار كأنه أخبر أن نهيه ليس على وجه الحقيقة، ولا يفيد صيغة التحريم، وإنما قلنا ذلك لأن الإجزاء وسقوط الفرض هو نفس مراد الشرع، فإذا قال: يجزيكم فعل ما نهيتكم عنه، فكأنه قال: مرادي مخالفة ما أنهاكم عنه، وقد تنزه المتعدد عن ذلك.
(فأما الإجزاء بالعقل فالعقل لا يدل على الإجزاء ولا على البطلان بشيء من فروع الشريعة).
стр. 361
٤٨٦ - دليل خامس: إن الأمر بالعبادة يقتضي إشغال الذمة بفعلها متجردة عن النهي، لأنه لا يجوز أن يكون المنهي عنه هو الذي ورد الأمر به، فإذا فعلها على الوجه المنهي عنه، فلم يأت بما أمر به على الوجه الذي أمر (به)، وإذا لم يأت بالعبادة بشروطها وقعت باطلة كمن أمر بالصلاة على طهارة، فأتى بها على غير طهارة، لا تصح وتبقى في ذمته.
٤٨٧ - دليل سادس: أن المنهي لم يتناوله التعبد، وما لم يتناوله التعبد لا يسقط التعبد، والدليل على أنه (لم) يتناوله التعبد أن التعبد يتناول ما له صفة زائدة على حسنه، والنهي يتناول ما ليس بحسن يبينه أنه تعالى (لو) قال: صلوا، ثم قال: لا تصلوا بغير طهارة، فإن قوله: صلوا، يدل على حسن الصلاة، وقوله: لا تصلوا بغير طهارة يدل على قبحها، فأحدهما غير الآخر، فصح أن المنهي عنه لم يتناوله التعبد.
والدليل على أن ما لم يتناوله التعبد لا يسقط الفرض أن فاعله لم يفعل ما تعبد به وفرض عليه فصار بمثابة أن يقول: : صلوا بطهارة فنصلي بغير طهارة لا يسقط (عنا) التعبد ويلزمنا أن نصلي (ما بقى) الوقت، وصار بمثابة أن يأمرنا
стр. 362
أن نصلي فنتصدق، في أنه لا يسقط عنا فرض الصلاة إذا كنا قد فعلناه ما لم يتناوله التعبد.
فإن قيل: قد يجوز أن يكون المنهي عنه مع قبحه يقوم مقام المأمور به في وجه المصلحة وإن لم يتناوله الأمر لقبحه، ألا ترى أنه لو كانت الصلاة مصلحة في رد وديعة فلان، لم يفترق الحال بين أن يصلي في دار مملوكة أو مغصوبة في أن الصلاة تكفي في رد الوديعة، ولهذا لو قال تعالى: "لا تصلوا في الدار المغصوبة فإن (فعلتم) سقط الفرض (عنكم) " جاز.
قلنا: لا يجوز ذلك، وما ذكرته فإنا لا نثبته إلا بدلالة (زائدة) ومتى لم يدل دلالة على ذلك وجب نفيها كالصلاة الفاسدة يجب نفيها، فإذا قال تعالى: "إن صليتم في الدار المغصوبة سقط الفرض" فذلك دليل على إسقاط الفرض (لا يجوز) (ولا يجب أن نقول) إذا لم يقل سبحانه ذلك أن يسقط الفرض بفعل الفاسد، ولهذا لو قال تعالى: صلوا بطهارة، فإن صلتم بغير طهارة سقط الفرض، لا يدل على أنه لم يقل ذلك (لا) يجزيء
стр. 363
(عن) الصلاة (بغير طهارة، وكذلك لو قال صلوا فإن تصدقتم أجزأ عن الصلاة لا يدل على أنه إذا لم يقل ذلك تجزيء الصدقة عن الصلاة).
٤٨٨ - احتج الخصم بأن قال: النهي يقتضي قبح المنهي عنه، وكراهة الآمر له وقبحه لا يدل على بطلانه، كالطلاق في حال الحيض، والبيع في (وقت) النداء، والصوم في يومي العيدين وأيام التشريق، والصلاة في الحرير والغصب، والوضوء بالماء الغصب، وفي آنية الذهب والفضة، والحد بالسوط الغصب وغير ذلك.
(الجواب عنه: أنا نقول: قبحه لا يدل) على الفساد، وإنما المفسد كونه يدل على وجوب الامتناع عن الفعل والإخلال به، وإذا وجب ذلك علمنا أنه لم يتناوله التعبد، وإذا لم يتناوله التعبد لم يقع مجزياً على ما بينا أن (من) فعل غير ما أمر به لم يجزه عما أمر به، وإذا لم يجز وجب إعادة العبادة، دلنا ذلك على بطلانه وفساده، والمعنى في جميع ما ذكروه أنه يدل على الفساد على التدريج المذكور، إلا في الطلاق والحج، فإنما حكمنا بصحتهما لقيام الدلالة على ذلك.
стр. 364
أما في الطلاق فلخبر ابن عمر ﵁، وأما (في الحد فللإجماع) وليس إذا ترك ظاهر اللفظ في بعض المواضع لقيام الدليل (يدل) على بطلان مقتضاه في بقية المواضع (ألا ترى أن النهي قد يرد في بعض المواضع لا يراد به التحريم ثم لا يدل إطلاقه على أنه لا يقتضي التحريم في بقية المواضع).
٤٨٩ - احتج بأن قال: لفظ /٤٨ ب النهي (لغوي) وفساد العبادة شرعي، فلا يجوز أن يكون هذا اللفظ وضع للفساد، وهو موجود قبله.
الجواب: أنا لا نقول إن لفظ النهي وضع للفساد، كما وضع لفظ العموم للاستغراق وما أشبهه، وإنما اقتضى الفساد على ما ذكرناه من (الترجيح).
جواب آخر: لو قلنا إنه وضع للفساد لم يلزم ما ذكروه لأن الفساد في الفعل عندنا هو انتفاء الأغراض المقصودة به ووجوب إعادته، وذلك أمر معقول قبل الشرع فلا يمتنع أن يوضع له لفظ النهي، كما وضعوا أن هذا الفعل تجب إعادته، لأنه لا يتعلق به مقصود، وإن كان لفظاً لغوياً.
стр. 365
٤٩٠ - احتجوا بأنه لو أفاد النهي الفساد، لكان ما لا يفسد من الأعمال القبيحة كوطء المحلل في حال الحيض، والوضوء بالماء الغصب، والطلاق في الحيض، وما (أشبه ذلك) غير منهي عنه حقيقة، وإنما يكون مجازاً، لأنه (لا) يتعلق به مدلوله، وهو الفساد والدليل لا ينفك (عن) مدلوله.
الجواب: أن جميع ذلك فاسد عندنا إلا ما دل عليه دليل، وإن سلم (ذلك) فإنا لا نقول (إن) النهي في اللغة للفساد فيلزم ما ذكرتم، وإنما نقول: إنه يدل على الفساد على ما ذكرنا من (الترجيح).
جواب آخر: أن النهي يقتضي التحريم والقبح والفساد، فإذا دل الدليل على عدم الفساد بقى حقيقة النهي لبقاء حكمه من التحريم والقبح، لأن المجاز ما نقل اللفظ، (عن) جميع موجبه.
стр. 366
٤٩١ - احتجوا بأنه ليس في اللفظ ما يوجب الإعادة فمن ادعاها احتاج إلى دليل.
(الجواب عنه أنا نقول: لا نوجب الإعادة باللفظ وإنما نقول: إذا كانت العبادة مؤقتة ووقتها باق تلزم الإعادة) بالأمر بها، لأن ذمته اشتغلت بها، وفعلها على وجه النهي لا تبرأ (الذمة به) فمن ادعى ذلك لزمه أن يدل على أنا قد دللنا بأن الأمر يتناول فعل العبادة على وجه غير منهي عنه، ومن أتى بذلك فيلزمه الإعادة بمقتضى الأمر الأول.
(وتحقيق هذا أن الصلاة في ملك الغير معصية قطعاً، والصلاة طاعة قطعاً، فكيف يكون الفعل الواحد طاعة معصية؟ ويؤكد هذا أن النهي يقتضي إعدام الفعل، والأمر يقتضي إيجاده، فكيف يتصور كون الواحد معدوماً موجوداً).
٤٩٢ - فصل: والدليل على أنه يدل على الفساد في العقود والإيقاعات ما تقدم من (أن) الصحابة ﵃ عقلوا من ضاهر النهي الفساد للعقود بدليل ما بينا.
стр. 367
فإن قيل: فقد ورد نهي عن عقود لم يفسدوها مثل نهيه عن تلقي الركبان، وبيع الحاضر للبادي، والنجش وغير ذلك، وليس لقائل أن يقول إنما لم يحكموا بفساد ذلك لدليل آخر، إلا ولنا أن نقول: أفسدوا ما أفسدوا بدليل آخر.
الجواب عنه: أنا نقول: إنما لم يحكموا بفساده لأنه ورد في دليل يدل على أنه (لا) يفسد وهو قوله عليه السالم: "فمن تلقى الركبان فهو بالخيار إذا دخل السوق" فدل على أن البيع صحيح.
وأما بيع الحاضر للبادي والنجش، فقد قال بعض أصحابنا: إنه فاسد لأجل النهي، ومن سلم قال: ورد في ذلك دليل وهو قوله: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض"، والنجش أن يزيد وليس هو مشترياً فيغر المشتري وذلك يستدرك بالغبن عندنا. ولأن البيع إذا وقع على (غير) الوجه المشروع فقد أخل بشرطه، وإذا اختل شرط العقد فسد، كما لو وجد التفرق في عقد الصرف والسلم، قبل القبض يبطل، لأن شرطه القبض ليحصل التعارف من
стр. 368
غير لبس بينهما والاستسلام في السلام، ولأن ما ذهب إليه هذا القائل مخالف للإجماع، لأن الناس قائلان: منهم من قال: النهي يدل على الفساد في جميع الأشياء، ومنهم منق ال: لا يدل على الفساد في جميع الأشياء، ٍ فمن فرق أحدث مذهباً ثالثاً يخالف الإجماع فلم يقبل.
فإن قيل: إنما يكون مخالفاً للإجماع إذا انتظم الحكمان طريقة واحدة، وما وجد ذلك، إنهم يعنون بفساد العبادات لزوم قضائها، ويعنون بفساد العقود (نفي) أحكامها، والأمر مختلف في ذلك.
الجواب عنه أنا نقول: إنهما سواء لأن الفساد في الموضعين، هو أنه لا تستوفي شرائط العقد والعبادة التي يحصل معها الغرض المقصود.
وقد أجاب بعضهم بأن الإجماع حصل على التسوية في الحكم دون العلة، واختلاف العلة لا يمنع من حصول الإجماع على (فساد) الحكم.
٤٩٣ - احتج بأن فساد العقود إنما يرجع إلى نفي أحكامها، وليس في النهي ما يدل على نفي الأحكام لأن أكثر ما فيه أنه قبيح مكروه وذلك لا ينافي حصول الملك كالبيع/ ٤٩ أفي وقت النداء، وأخذ المشركين أموال المسلمين بالقهر والطلاق في الحيض وما أشبه ذلك.
стр. 369
الجواب عنه: أنا نقول: في النهي ما يدل على (انتفاء) الأحكام، لأن أحكام العقود تتعلق بالعقود الشرعية، فإذا وقعت العقود مخالفة للشرع منهي عنها لم تتعلق أحكامها بها ووقعت باطلة.
والعبادات يتعلق بها الصحة والإجزاء، وهي أحكامها إذا وقعت العبادة موافقة للشرع، فأما إذا خالفت الشرع لم يتعلق بها أحكامها فلا فرق بينهما، فأما لابيع في وقت النداء فلا نسلمه، ونقول يقع باطلاً، وكذلك أخذ المشركين أموال المسلمين لا يحصل بها الملك عندنا، ومن سلم قال ذاك خرج بدليل كما خرج من العبادات الوضوء في الدار المغصوبة، والصلاة ملفف الشعر والثياب، ولم يلد على فساد العبادات، والله أعلم بالصواب.
стр. 370
انتهى الجزء الأول من كتاب "التمهيد" لأبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني الحنبليّ المتوفي سنة ٥١٠ هـ.
ويتلوه الجزء الثاني إن شاء الله وأوله: "مسائل العموم".
стр. 371
مسائل العموم
٤٩٤ - الكلام في العموم:
حقيقة العام: (هو) كلام مستغرق لجميع ما يصلح له كقولنا: الرجال يستغرق كل رجل، لأنه يصلح له ولا يدخل فيه غيره لأنه غير صالح لهم.
٤٩٥ - وهو على أربعة أضرب:
أحدها: ألفاظ الجمع المعرف كالمسلمين والمشركين والرجال والنساء.
الثاني: لفظ الجنس كقولنا: الناس والإبل والحيوان، وهذا ليس بجمع لأنه لا واحد له من جنسه، وإنما يشبه لفظ الجمع.
стр. 372
الثالث: الأسماء المبهمة (مثل "من") فيمن يعقل "وما" فيما لا يعقل إذا كان في الاستفهام أو في الشرط والجزاء، "وأي" في الجميع، "وأين" في المكان "ومتى" في الزمان.
الرابع: الاسم المفرد إذا دخل (عليه الألف واللام) مثل الإنسان والقاتل والزاني والسارق والدينار والدرهم والبيع والصيد فهذه الألفاظ إذا وردت متجردة عن القرائن دلت بصيغتها على الاستغراق، قال الإمام أحمد في كتاب طاعة الرسول قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، ظاهره يدل على أن من وقع عليه اسم سارق وإن قل، فقد وجب عليه القطع، وبهذا قال جماعة الفقهاء وأكثر المعتزلة.
وقال الأشعري: ليس للعموم صيغة وهذه الألفاظ المقدم
стр. 373
ذكرها تصلح للعموم والخصوص ولا تحمل على أحدهما إلا بقرينة تدل على مراد المتكلم بها.
وقال محمد بن شجاع الثلجي وغيره: إن هذه الألفاظ تقتضي "أقل" الجمع بظاهرها ولا تحمل على ما زاد على ذلك إلا بدليل.
ومن الناس من قال: هذه الألفاظ تدل على العموم في الأمر والنهي دون الخبر.
٤٩٦ - فالدليل على قولنا (ما روى) أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا
стр. 374
وَارِدُونَ﴾ قال عبد الله بن الزبعري: لأخصمن محمداً. وجاء إلى النبي ﷺ فقال له: "قد عبدت الملائكة وعبد المسيح أفيدخلون النار"؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ فحمل اللفظ على عمومه وأقره الرسول ﷺ على ذلك حتى بين الله تعالى أنه لم يرد باللفظ العموم، وإنما أراد من لم تسبق منه الحسنى فخصه بذلك.
٤٩٧ - دليل ثان: قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾.
فعقل من قوله: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ جميع أهله. فبين الله تعالى أن ابنه ليس من أهله الذين أمره بحملهم لأنه عمل غير صالح وإنما أمره بحمل من أطاع من أهله.
стр. 375
فإن قيل: إنما حمله على العموم لأن اللفظ يصلح لذلك.
قلنا: كون اللفظ يصلح له لا يجوز حمله عليه عندك من غير دليل يعلم به مراد المتكلم.
جواب آخر: أن نوحاً قد قطع (بأنه أمره) بحمل جميع أهله: وابن الزبعري قد قطع على أنه يخصم محمداً ﵇ ولا يجوز القطع بما لا يصلح لذلك ويصلح لغيره فبطل قولهم.
٤٩٨ - دليل ثالث: وهو إجماع الصحابة ﵃، روى (أن) عمر قال لأبي بكر ﵄ لما أراد قتال مانعي الزكاة: كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن/ أقاتل ٤٩ ب الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم". فلم ينكر أبو بكر ﵁ احتجاجه بل قال (له أليس) قد قال ﵇: "إلا بحقها وحسابهم على الله"، والزكاة من حقها.
стр. 376
"وعن فاطمة ﵍ أنها جاءت إلى أبي بكر ﵇ فطالبته ميراثها من أبيها واحتجت بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ فقال لها أبو بكر: سمعت أباك يقول: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" فلم يرد العموم وإنما ذكر التخصيص".
وكذلك لما اختلف عثمان وعلي ﵄ في الجمع بين الأختين بملك اليمين قال عثمان: يباح ذلك، واحتج بعموم قوله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وقال علي: يحرم ذلك واحتج بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾.
стр. 377
وكذلك لما سمع عثمان قول لبيد: "وكل نعيم لا محالة زائل. قال (له) كذبت نعيم الجنة لا يزول".
وكذلك احتج من كان (يبيح) شرب الخمر من الصحابة
стр. 378
بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. ولم ينكر عليه الصحابة ذلك وإنما بينوا له أن هذه الآية منسوخة.
وغير ذلك من الأخبار.
فإن قيل: إن هذه (الأخبار) أخبار آحاد، فلا يحتج بها في الأصول.
قيل: إلا أن الأمة تلقتها بالقبول، وإن اختلف في العمل بها فصارت مقطوعة على صحتها.
وأجاب شيخنا أن هذه الأخبار مستفيضة بين الصحابة معلومة، غير أنها نقلت إلينا نقل آحاد، فصارت كما نقل إلينا من شجاعة عنتر وسخاء حاتم.
стр. 379
٤٩٩ - دليل رابع: من المعنى وهو عمدة: أن الاستغراق ظاهر لكل واحد واقع في الفهم (تمس) الحاجة إلى العبارة عنه ليعلم السامع أن المتكلم أراده فلا يجوز أن يكون أهل اللغة مع سعة لغتهم، ومضى الأعصار عليهم لم يضعوا لذلك لفظاً يدل عليه، وكيف يدعي عليهم ذلك وقد وضعوا للمعنى الواحد الأسماء الكثيرة مثل الخمر والأسد والسيف وغير ذلك، أفتراهم فعلوا ذلك وعدلوا عن وضع لفظ يختص بمعنى ظاهر تدعوهم الحاجة إلى العبارة عنه (في) مصالح الدين والدنيا؟ هذا عين المحال.
فإن قيل: لا يمتنع (مثل ذلك منهم) إلا أنهم لم يضعوا لفعل الحال عبارة تختصه ولا وضعوا لرائحة الكافور لفظاً يختصها من رائحة المسك وكذلك لم يضعوا للاعتماد عُلوا وسفلاً ويمنة (ويساراً) عبارة تختص بذلك.
قلنا: هذه (الأسماء) غير ظاهرة ولا تمس الحاجة إلى العبارة عنها فلهذا لم توضع لها عبارات. والمخالف يمنع ذلك ويقول الحاجة (إليها) داعية كالحاجة هنا.
стр. 380
والجواب: أن العرب (قد) وضعت لذلك عبارة تنبئ عنها، فيقال: فعل الحال، ورائحة الكافور، واعتمد سفلاً وعلواً ويمنة ويسرة، فوضعوا عبارة مركبة مضافة تدل على جميع ذلك، وعندكم أنهم لم يضعوا عبارة تدل على الاستغراق لا مفردة ولا مركبة وهذا لا يجوز.
فإن قيل: فنحن نقول أيضاً قد وضعوا لفظاً مركباً يفيد الاستغراق، وهو لفظ الكل والاستغراق، فيقول: جاءني الناس كلهم، واستغرقت أكل (الخبز).
قلنا: المعروف من قولكم أن التأكيد "بكل وباستغرقت" لا يدل (إلا) على ما دل عليه قوله جاءني القوم، وأكلت الخبز، ومتى قلتم هذا فقد سلمتم المسألة لأن التأكيد لا يدل إلا على ما دل عليه المؤكد ولا يفيد إلا ما أفاده عند جميع الناس، (فإذا)، كان التأكيد يقتضي العموم فقد سلمت أن في الألفاظ ما يقتضي العموم فزال الخلاف.
فإن قيل: فلا حاجة بهم إلى لفظ يقتضي الاستغراق لأنه يمكن للمتكلم أني عدد الأشخاص الذين يريد أن يعمهم بالحكم.
стр. 381
(قلنا): لا يمكن ذلك لأن من أراد أن يعم جميع الناس لا يمكنه أن يعددهم واحداً واحداً، ولو أراد أن يعبر عن قبيلة واحدة لشق عليه أن يعدهم (أيضاً) واحداً واحداً.
فإن قيل: فقد يكون بالمتكلم حاجة إلى لفظ يحتمل الكل والبعض ليجعل السامع في شك من ذلك ثم لم يضموا لذلك لفظاً.
قلنا: قد/٥٠ أأو قوم، وأكلت خبزا، فلا يعلم (هل) أراد الكل أو البعض، ويمكن أيضاً أن يقول: جاءني (إما) كل القوم أو بعضهم، وأكلت "إما كل" الخبز أو بعضه.
فإن قيل: فقد وضعوا له لفظاً يدل على الاستغراق وهو لفظ الجمع.
قلنا: الإشارة لا تدل على الاستغراق بحال فلم يغنهم ذلك عن اللفظ.
جواب آخر: أن وضعهم للمعنى الواحد أٍماء كثيرة يدل على أنهم لا يرجعون إلى الإشارة.
стр. 382
فإن قيل: يمكنهم أن يدلوا على الاستغراق بالتعليل، فلا يحتاجون إلى عبارة عنه لأنهم إذا قالوا من دخل الدار ضربته لأنه دخل الدار، علمنا أنه يعم بذلك كل من دخل الدار.
قلنا: إنه ليس كل (حكم) تعرف علته فيعلل بها، ألا ترى أن الإنسان إذا أراد أن يخبر أن (كل من) في الدار آكل أو شارب أو نائم أو قائم إلى غير ذلك مما لا يحصى لم يعرف لذلك علة تعم الجميع، ثم لو عرف لذلك علة فقد تكون عللهم مختلفة، فيكون أحدهم آكلاً أو شارباً لعلة وآخر لعلة أخرى، فلا يمكن تعليلهم بعلة تشيع فيهم.
فإن قيل: إنما يلزم هذا لو كانت (أصل) المواضعة من جهتهم، فأما إذا كانت الأسماء توقيفاً لم يلزم ما ذكرتموه.
قلنا: وإذا كانت توقيفاً إلا أنهم إذا لم يوقفوا على وضع كلام للمعنى، واشتدت حاجتهم إلى النطق بذلك المعنى فإنهم يضعون له أسماء، ألا ترى أن من استحدث آلة من الصناع لا يعلم لها اسماً فإنه يضع لها اسماً من قبله، وكذلك من ولد له ولد، فإذا كان ذلك في الشخص الواحد فالأمم الكثيرة في الأزمان المتصلة أولى بوجوب ذلك.
٥٠٠ - دليل خامس: معلوم أن أهل اللغة يلجأون في
стр. 383
الإخبار عن الاستغراق إلى كل وجميع ولا يلجأون إلى لفظ الجمع نحو المسلمين، فإذا كان الجميع مشتركاً بين الكل والبعض لم يلجأوا إلى لفظ دون لفظ.
فإن قيل: إنما (يلجأون بما) يقترن بكل وأجمعين من شاهد الحال لأنه يراد بذلك الاستغراق.
قلنا: فهلا (قرنوا) بلفظ الجمع ذلك، لأنه عندهم بمنزلة كل وأجمعين في أنه يصلح للكل والبعض.
٥٠١ - دليل سادس: معلوم أن أهل اللغة إذا قرنوا بلفظ الجمع كل وأجمعين قصدوا بذلك إيضاح مرادهم (للاستغراق) وبيانه، فلو كان مشتركاً في ذلك الكل والبعض لكان قصدهم بالتأكيد (في قوله) رأيت بني تميم كلهم أجمعين تأكيد الإلباس والإيهام، ألا ترى أ، من قال: رأيت شفقاً ثم أكد ذلك فقال: إما الحمرة (أو) البياض أو قال: رأيت جميعاً إما كل القوم أو بعضهم، ثم كرر ذلك اللفظ لم يرد بهذا التأكيد إلا إلباساً فيما رآه، وهذا المعنى وهو أن كل من دل على شيء بدلالة ثم تابع بين الأدلة عليه فإنه يتأكد المدلول، وهذا يعلم بالضرورة كونه محالاً على أهل اللغة.
стр. 384
فإن قيل: إنما وقع التأكيد للعموم بكل وأجمعين لأنها في العادة تستعمل في أكثر الجنس دون أقله بخلاف الناس والقوم فإنها تستعمل في الأقل والأكثر بمنزلة واحدة.
قلنا: هذا لا يمنع من كونها مشتركة بين البعض والكل، فيلتبس على السامع مراد المتكلم.
جواب آخر: وهو أنها إذا كانت تختص بالأكثر خرجت من أن تكون مشتركة ووجب كونها حقيقة في الأكثر دون الأقل وإن لم تكن مختصة بالأكثر، بل احتمالها للأكثر والأقل سواء سقط السؤال.
جواب آخر: أنه يلزمه لفظة كل من لفظة كل مع لفظة أجمعين، فإن كل تؤكد بأجمعين ثم لا تفيد (إلا ما أفاده لفظة كل، كذلك لفظة كل تؤكد بها لفظة الناس ولا تفيد) إلا ما (أفادت لفظة) الناس.
فإن قيل: بل لفظة أجمعين (أكثر) استعمالاً من لفظة كل.
قلنا: ما يظهر ذلك، بل هما سواء ألا ترى أ، من قال رأيت الذي في الدار كلهم، أو رأيت (الذين) في دار أجمعين، لم
стр. 385
يجد السامع فصلاً بين الكلامين في كثرة ما يفهمه وقلته، وكذلك لو قال ضربت من في الدار كلهم أجمع. وأجمع كلهم، (أو) أكلت الرمان كلها أجمع أو أجمع كلها لم يجد السامع بين القولين فيما (يفهم من الكثرة) فصلاً.
جواب آخر: إن كانت لفظة أجمعين تستعمل في الاستغراق أكثر فلا يخلو إما أن تكون مشتركة بين الأكثر وما دونه أو تختص بالأكثر، فإن كانت تختص فهو قولنا، وإن كانت مشتركة بين الأقل والأكثر فهي ولفظة كل ولفظة الناس والقوم على حد سواء في الالتباس على السامع فسقط السؤال.
٥٠٢ - دليل سابع: أن أهل اللغة فصلوا بين (لفظ) العموم ولفظ الخصوص، فقالوا مخرج هذا الكلام مخرج العموم، ومخرج هذا مخرج الخصوص، كما فصلوا بين لفظ الأمر ولفظ النهي ولفظ الخبر ولفظ الاستخبار، فلو كان لفظ العموم يتناول (لفظ) الخصوص لم يكن لهذا التفريق والتفصيل فائدة.
٥٠٣ - دليل ثامن: أن أ÷ل اللغة خالفوا بين تأكيد العموم (وبين تأكيد) الخصوص، فقالوا في تأكيد العموم: رأيت القوم
стр. 386
أجمعين، ولم يقولوا رأيت القوم نفسه، وقالوا في الخصوص رأيت زيداً نفسه ولم يقولوا رأيته أجمعين، فلما فرقوا بين تأكيدهما (لا بالقصد)، وجب أن يفرقوا بينهما لا بالقصد، لأن حكم التأكيد حكم المؤكد، ولا يلزم على هذه الإشارة فإن الإشارة إلى جماعة خلاف الإشارة إلى الواحد، على أن الإشارة تورد للاستراحة إليها والاستعانة بها (لا للتأكيد) وهذا يلزم من قال: إن لفظ العموم لا يفيد إلا ما أفاده لفظ الخصوص، فأما من قال لفظ الخصوص يتناول الواحد، ولفظ العموم يتناول الجميع دون الواحد فقد قال بأنهما يختلفان باختلاف تأكيدهما فلا يلزمه.
٥٠٤ - دليل تاسع: أن أهل اللغة وضعوا للواحد غير صيغة الاثنين وللتثنية غير صيغة الجمع، فقالوا: رجل ورجلان ورجال، كما قالوا: فرس وحمار وبعير، فلو كان احتمال لفظ الجمع كاحتمال لفظ التثنية ولفظ الواحد لما كان لتفريقهم معنى.
٥٠٥ - دليل عاشر: لو قال قائل: رأيت الناس إلا زيداً (عمرا) لكان كلاماً صحيحاً، ولو لم يدخل تحت قوله: الناس كل الجنس لم يصح استثناؤه، لأن الاستثناء يخرج من اللفظ ما لولاه لدخل تحته، ولهذا لا يصح أن يستثني من الناس البهائم، لأنها لا تدخل تحت الجنس، وكذلك لو قال من دخل داري ضربته حسن أن يستثنى من شاء من العقلاء، فلو لم يكن قد دخل تحت لفظة
стр. 387
"من" كل عاقل (لما صح) الاستثناء لأنه لا يستثني من الشيء إلا ما دخل تحته.
فإن قيل: إنما يصح الاستثناء لصلاح اللفظ لكل واحد من الناس ومن العقلاء.
قلنا: هذا لا يصح لأن الاستثناء لا يخرج إلا ما دخل تحت اللفظ لأنه إخراج جزء من كل، كذا ذكر أهل اللغة، وما يصلح لذلك ما دخل تحته.
جواب آخر: لو جاز ذلك لجاز أن يقول القائل لغيره: اضرب رجالاً إلا زيداً، ويجري في الصحة (والحسن) مجرى قوله: من دخل داري ضربته إلا زيداً، لأنه يصلح دخول كل رجل تحت قوله اضرب رجالاً، فلما (قالوا: إن قوله اضرب رجالاً إلا زيداً، إلا بمعنى ليس كأنه) قال: ليس زيد منهم، وقالوا في قوله: من دخل داري ضربته إلا زيداً استثناء حقيقي دل على أن الاستثناء لا يكون لما يصلح دخوله تحت اللفظ وإنما يكون لما دخل تحت اللفظ (لا به). ويدل على أن الاستثناء أن يخرج ما لولاه (لصلح دخول) تحت اللفظ، فإنه لو حسن ذلك لجاز لقائل أن يقول:
стр. 388
ضربت رجلاً إلا زيداً لأن كل رجل (يصلح) دخوله تحت قوله اضرب رجلاً، وكذلك يحسن أن يقول له: على عشرة إلا واحداً، ولا يحسن أن يقول له: عليّ عشرة إلا عشرة لأنها لا تدخل/٥١ أتحت اللفظ وإن صلح أن تكون داخلة.
فإن قيل: لو كان الاستثناء لا يخرج إلا ما لولاه لوجب دخوله تحت اللفظ لحسن أن يقول من دخل داري ضربته إلا الملائكة والجن لأنهم (لا) يدخلون تحت لفظة من.
قيل: قد ذكر أنه يصح، فإذا قلنا لا يصح فإنما يخرج الاستثناء ما لولاه لتناوله الكلام، ولم يمنع مانع من دخوله تحته، والملائكة والجن يمنع مانع من دخولهم تحت اللفظ وهو علمنا أن المتكلم قبل الاستثناء لم يردهم ولا عناهم فلم يكن في الاستثناء فائدة.
جواب آخر: أنه يلزمهم مثل هذا لأن الاستثناء لو أخرج من الكلام ما لولاه لصلح دخوله لوجب إذا استثنى الملائكة والجن أن يصح، لأن دخولهم في قوله من دخل داري ضربته يصح ويصلح أن يدخلوا فيه، فكل ما يلزمنا يلزمهم (مثله).
٥٠٦ - دليل حادي عشر: لو قال قائل ضربت كل من (دخل) في الدار، فقاله آخر ما ضربت كل من في الدار،
стр. 389
لكان ذلك مناقضة ومنافاة لخبره، ولو كانت اللفظة مشتركة بين الكل والبعض لم يتناف الخبران ولا يتناقض لأن المثبت يثبت بقوله ضرب البعض والنافي ينفي بقوله ضرب البعض.
٥٠٧ - دليل ثاني عشر: أن العلم محيط بأن لفظة كل مقابلة للفظة جزء على كل حال، وذلك يمنع من أن يكون قولنا "كل" مفيداً (للجزء) على الحقيقة.
٥٠٨ - دليل ثالث عشر: أن قول القائل: اضرب رجلاً يفيد ضرب رجل غير معين وقوله: لا تضرب رجلاً كالسلب له، لأنه لا يجوز له ضرب أحد من الرجال، ولو أفاد قوله: اضرب رجلاً البعض، وقوله: لا تضرب رجلاً البعض لم يتنافيا ولم يكن أحدهما سلباً للآخر.
٥٠٩ - دليل رابع عشر: لو كانت لفظة "من" مشتركة بين الكل والبعض لكان السيد إذا قال لعبده: من عندك وعنده جماعة من الناس أن للعبد أن يجيبه بذكر بعضهم، فلما حسن من العقلاء لومه ومن السيد تأديبه على ذكر البعض والسكوت عن ذكر البعض دل، على أن لفظة "من" تقتضي الكل.
٥١٠ - دليل خامس عشر: لو اقتضت لفظة "من" البعض لكان للعبد أن يقول لسيده إذا قال له من في الدار: (أن) يقول له: ما أدري (من) تريد (بكلامك لأن
стр. 390
كلامك) مشترك بني الكل والبعض ولكان له أن يقول: عن العرب تسألني أم عن العجم؟ فإذا قال (له) عن العرب، قال (له) عن مضر تسألني أم عن ربيعة؟ (فإذا) قال عن مضر قال عن بني (تميم) (تسألني) أم عن بني سعد، ثم يتصل الاستفهام من العبد أبداً، ومعلوم ضرورة أنه ليس للعبد ذلك، ومعلوم أنه متى أخلد إلى هذا استحق العقوبة.
فإن قيل: إنما لا يحسن ذلك من العبد لأنه يضطر إلى قصد السيد (على) بعض الاستفهامات.
قيل: كيف يضطر إلى قصده وجميع ما يأتيه به من الألفاظ مشترك، وهل هذا إلا بمثابة أن يسمع إنسان رجلاً يقول رأيت شفقاً (لا يكرره) في أنه لا يضطر إلى أن يعلم هل هو حمرة أو بياض؟
فإن قيل: يجوز أن يضطر إلى قصده لما يقترن بكلامه من الإشارات.
следующие страницы →