Полный текст (1 668 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
أجمعين، ولم يقولوا رأيت القوم نفسه، وقالوا في الخصوص رأيت زيداً نفسه ولم يقولوا رأيته أجمعين، فلما فرقوا بين تأكيدهما (لا بالقصد)، وجب أن يفرقوا بينهما لا بالقصد، لأن حكم التأكيد حكم المؤكد، ولا يلزم على هذه الإشارة فإن الإشارة إلى جماعة خلاف الإشارة إلى الواحد، على أن الإشارة تورد للاستراحة إليها والاستعانة بها (لا للتأكيد) وهذا يلزم من قال: إن لفظ العموم لا يفيد إلا ما أفاده لفظ الخصوص، فأما من قال لفظ الخصوص يتناول الواحد، ولفظ العموم يتناول الجميع دون الواحد فقد قال بأنهما يختلفان باختلاف تأكيدهما فلا يلزمه.
٥٠٤ - دليل تاسع: أن أهل اللغة وضعوا للواحد غير صيغة الاثنين وللتثنية غير صيغة الجمع، فقالوا: رجل ورجلان ورجال، كما قالوا: فرس وحمار وبعير، فلو كان احتمال لفظ الجمع كاحتمال لفظ التثنية ولفظ الواحد لما كان لتفريقهم معنى.
٥٠٥ - دليل عاشر: لو قال قائل: رأيت الناس إلا زيداً (عمرا) لكان كلاماً صحيحاً، ولو لم يدخل تحت قوله: الناس كل الجنس لم يصح استثناؤه، لأن الاستثناء يخرج من اللفظ ما لولاه لدخل تحته، ولهذا لا يصح أن يستثني من الناس البهائم، لأنها لا تدخل تحت الجنس، وكذلك لو قال من دخل داري ضربته حسن أن يستثنى من شاء من العقلاء، فلو لم يكن قد دخل تحت لفظة
стр. 387
"من" كل عاقل (لما صح) الاستثناء لأنه لا يستثني من الشيء إلا ما دخل تحته.
فإن قيل: إنما يصح الاستثناء لصلاح اللفظ لكل واحد من الناس ومن العقلاء.
قلنا: هذا لا يصح لأن الاستثناء لا يخرج إلا ما دخل تحت اللفظ لأنه إخراج جزء من كل، كذا ذكر أهل اللغة، وما يصلح لذلك ما دخل تحته.
جواب آخر: لو جاز ذلك لجاز أن يقول القائل لغيره: اضرب رجالاً إلا زيداً، ويجري في الصحة (والحسن) مجرى قوله: من دخل داري ضربته إلا زيداً، لأنه يصلح دخول كل رجل تحت قوله اضرب رجالاً، فلما (قالوا: إن قوله اضرب رجالاً إلا زيداً، إلا بمعنى ليس كأنه) قال: ليس زيد منهم، وقالوا في قوله: من دخل داري ضربته إلا زيداً استثناء حقيقي دل على أن الاستثناء لا يكون لما يصلح دخوله تحت اللفظ وإنما يكون لما دخل تحت اللفظ (لا به). ويدل على أن الاستثناء أن يخرج ما لولاه (لصلح دخول) تحت اللفظ، فإنه لو حسن ذلك لجاز لقائل أن يقول:
стр. 388
ضربت رجلاً إلا زيداً لأن كل رجل (يصلح) دخوله تحت قوله اضرب رجلاً، وكذلك يحسن أن يقول له: على عشرة إلا واحداً، ولا يحسن أن يقول له: عليّ عشرة إلا عشرة لأنها لا تدخل/٥١ أتحت اللفظ وإن صلح أن تكون داخلة.
فإن قيل: لو كان الاستثناء لا يخرج إلا ما لولاه لوجب دخوله تحت اللفظ لحسن أن يقول من دخل داري ضربته إلا الملائكة والجن لأنهم (لا) يدخلون تحت لفظة من.
قيل: قد ذكر أنه يصح، فإذا قلنا لا يصح فإنما يخرج الاستثناء ما لولاه لتناوله الكلام، ولم يمنع مانع من دخوله تحته، والملائكة والجن يمنع مانع من دخولهم تحت اللفظ وهو علمنا أن المتكلم قبل الاستثناء لم يردهم ولا عناهم فلم يكن في الاستثناء فائدة.
جواب آخر: أنه يلزمهم مثل هذا لأن الاستثناء لو أخرج من الكلام ما لولاه لصلح دخوله لوجب إذا استثنى الملائكة والجن أن يصح، لأن دخولهم في قوله من دخل داري ضربته يصح ويصلح أن يدخلوا فيه، فكل ما يلزمنا يلزمهم (مثله).
٥٠٦ - دليل حادي عشر: لو قال قائل ضربت كل من (دخل) في الدار، فقاله آخر ما ضربت كل من في الدار،
стр. 389
لكان ذلك مناقضة ومنافاة لخبره، ولو كانت اللفظة مشتركة بين الكل والبعض لم يتناف الخبران ولا يتناقض لأن المثبت يثبت بقوله ضرب البعض والنافي ينفي بقوله ضرب البعض.
٥٠٧ - دليل ثاني عشر: أن العلم محيط بأن لفظة كل مقابلة للفظة جزء على كل حال، وذلك يمنع من أن يكون قولنا "كل" مفيداً (للجزء) على الحقيقة.
٥٠٨ - دليل ثالث عشر: أن قول القائل: اضرب رجلاً يفيد ضرب رجل غير معين وقوله: لا تضرب رجلاً كالسلب له، لأنه لا يجوز له ضرب أحد من الرجال، ولو أفاد قوله: اضرب رجلاً البعض، وقوله: لا تضرب رجلاً البعض لم يتنافيا ولم يكن أحدهما سلباً للآخر.
٥٠٩ - دليل رابع عشر: لو كانت لفظة "من" مشتركة بين الكل والبعض لكان السيد إذا قال لعبده: من عندك وعنده جماعة من الناس أن للعبد أن يجيبه بذكر بعضهم، فلما حسن من العقلاء لومه ومن السيد تأديبه على ذكر البعض والسكوت عن ذكر البعض دل، على أن لفظة "من" تقتضي الكل.
٥١٠ - دليل خامس عشر: لو اقتضت لفظة "من" البعض لكان للعبد أن يقول لسيده إذا قال له من في الدار: (أن) يقول له: ما أدري (من) تريد (بكلامك لأن
стр. 390
كلامك) مشترك بني الكل والبعض ولكان له أن يقول: عن العرب تسألني أم عن العجم؟ فإذا قال (له) عن العرب، قال (له) عن مضر تسألني أم عن ربيعة؟ (فإذا) قال عن مضر قال عن بني (تميم) (تسألني) أم عن بني سعد، ثم يتصل الاستفهام من العبد أبداً، ومعلوم ضرورة أنه ليس للعبد ذلك، ومعلوم أنه متى أخلد إلى هذا استحق العقوبة.
فإن قيل: إنما لا يحسن ذلك من العبد لأنه يضطر إلى قصد السيد (على) بعض الاستفهامات.
قيل: كيف يضطر إلى قصده وجميع ما يأتيه به من الألفاظ مشترك، وهل هذا إلا بمثابة أن يسمع إنسان رجلاً يقول رأيت شفقاً (لا يكرره) في أنه لا يضطر إلى أن يعلم هل هو حمرة أو بياض؟
فإن قيل: يجوز أن يضطر إلى قصده لما يقترن بكلامه من الإشارات.
стр. 391
قلنا: لفظة "من" ليس يقترن بها إشارة ولو اقترن في حالة (لكان) يجب أن تحسن (هذه) الاستفهامات إذا لم تقترن بها إشارة، ولأنه ليس بواجب حصول العلم عند الإشارة في كل حال.
فإن قيل: فقد يحسن إذا قال له من عندك؟ أن يقول أعن العرب تسألني أم عن العجم؟
قلنا: متى لم يعرف غرض السائل أن يسأله/٥١ ب عن إحدى القبلتين (لم) يحسن أن يستفهمه، ومن قال: إنه يحسن أن يستفهمه من غير أن يعرف غرضه في السؤال عن إحدى القبيلتين لزمه أن يقول: إنه يحسن أن يستفهمه أبداً على الحد الذي ذكرنا لأن الاستفهام في الجميع سواء.
فإن قيل: إنما يجيبه بذكر (كل) من عنده لأنه بذلك يحصل له الغرض لأنه إن أراد الكل فقد وجد، وإن أراد البعض فقد دخل تحت جوابه عن الكل.
قلنا: إذا كانت اللفظة محتملة للاشتراك فليس في جوابه بالكل بلوغ غرض السائل لأنه يحتمل أن يكون سأله عن البعض ولم يرد أن يسمع بذكر (الباقين ولا يفحص) عنهم ولا يعرفهم.
стр. 392
جواب آخر: أن ما ذكروه يقتضي (حسن) جوابه بالكل ولا يقتضي وجوبه، وإذا لم يجب حسن أن يستفهم (وإذا بالكل ولا يقتضي وجوبه، وإذا لم يجب حسن أن يستفهم (وإذا حسن أن يستفهم) أدى إلى ما ذكرناه.
٥١١ - احتجوا بأن صيغة لفظ (العموم) لو اقتضت الاستغراق لم يخل (إما) أن يكون علم ذلك بالعقل أو بالنقل، ولا مدخل للعقل في إثبات اللغات، وأما النقل فلا يخلو أن يكون تواتراً أو آحاداً، فلو كان تواتراً لعلمناه ضرورة كما علمتموه، وإن كان آحاداً فلا يثبت هذا الأصل، لأن طريق ثبوت الأصول العلم، ولا يقع العلم بالآحاد، فبان أنه لا طريق إلى العلم بأن ألفاظ العموم تقتضي الاستغراق.
الجواب: أنه لا يخلو أن هذه الدلالة يستدلون بها على أ، لفظ العموم ما وضع للاستغراق، أو يستدلون بها على أ، لفظة العموم وضعت للاستغراق ولما دونه.
فإن أردتم الأول قلنا لكم نحن نعلم ضرورة بالنقل عنهم وعند سماع كلامهم، أن لفظة كل وجميع إذا استعملت في الاستغراق لم تكن مجازاً، ونعلم أيضاً باللفظ المتواتر أنهم أضافوا إلى هذه (اللفظة) أحكاماً لا تصح إضافتها إلا إذا كانت اللفظة للعموم نحو الاستثناء والاستفهام وغير ذلك فيبطل ما ادعوه.
стр. 393
وإن أرادوا الثاني وهو أن لفظ العموم وضع للاستغراق وما دونه فالحجة من ذلك عليهم (لا لهم) لأنهم سلموا أن لفظة العموم تقتضي الاستغراق حقيقة وادعوا أنها تقتضي ما دونه، ونحن ننفي ذلك وتقول لو كان موضوعاً لما دونه لم يخل إما أن يكون معلوماً بالعقل ولا مجال له في ذلك، أو بالنقل وهو ينقسم تواتراً وآحاداً، ولا تواتر في ذلك ولا آحاد أيضاً، ولو كان آحاداً لم يلزم قبوله في هذا الأصل.
جواب آخر (أنا بينا) ذلك باستقراء كلامهم ومعرفة مقاصدهم وما قرنوه (به) من الألفاظ الدالة على الاستغراق.
٥١٢ - احتجوا بثان: وهو أن لفظ العموم يستعمل للاستغراق وما دونه على حد سواء لأنه يقال انطلق الناس، وذهب القوم، وجمع التجار، ويراد به البعض وتارة الكل، فكما وجب أن يكون حقيقة في الاستغراق يجب أن يكون حقيقة فيما دونه.
والجواب: أنكم (إن) أردتم أنها تستعمل فيهما على حد الحقيقة من غير قرينة، أو لا تستعمل (فيهما) إلا مع قرينة لم يسلم لكم الموضعان ولم يمكنكم ذلك إلا أن (تنزلوا) على أنها وضعت للاشتراك.
стр. 394
جواب آخر أنه يلزمكم. أن يكون قولنا بحراً حقيقة في (السخى) وكذلك قولنا أسداً حقيقة في الشجاع "لأنها" تستعمل في ذلك.
فإن قيل: ليس بمستعمل كاستعماله في اجتماع الماء وفي البهيمة.
قلنا: وكذلك لفظ العموم ليس استعماله في البعض كاستعماله في الاستغراق، وكل فرق لهم في ذلك يمكن مثله في مسألتنا.
فإن قيل: الظاهر في اللفظة إذا استعملت في الشيء أن تكون حقيقة فيه إلا أن يمنع من ذلك مانع، وقد استعملت/ لفظة العموم في البعض فدل على أنها حقيقة فيه.
قلنا: الاستعمال لا يقتضي الحقيقة، لأنهم قد يستعملون الحقيقة والمجاز في الأسماء.
فإن قيل: لو لم يكن الاستعمال طريقاً إلى كون الاسم حقيقة لم يعرف الفصل بين الاسم الحقيقة والمجاز.
قلنا: هذا دعوى لأنا قد بينا وجوها تعرف بها الحقيقة من المجاز.
стр. 395
جواب آخر: لو ثبت أنه لا طريق لنا إلى الفصل بين الحقيقة والمجاز لم يصر ذلك دليلاً على الحقيقة لأن الشيء لا يكون دليلاً على الشيء لأن غيره يفسد أن يكون دليلاً عليه، ثم ينتقض أصل السؤال بأسماء المجاز كلها كالحمار والأسد والبحر فإنها تستعمل ولا تكون حقيقة.
فإن قيل: ذلك عرفناه بقصد أهل اللغة أنهم لم يريدوا بذلك الحقيقة في اسم الرجل البليد والشجاع والسخي.
قلنا: وكذلك نحن نعلم باضطرار (أن) قول القائل أكلت جميع الخبز، وقد أكل بعضه أنه مجاز وكذلك قوله: ضربت كل من في الدار وقد ضرب بعضهم.
فإن قيل: كيف علمتم ذلك باضطرار ونحن نخالفكم فيه.
قلنا: وكيف علمتم باضطرار أن اسم الحمار (إذا وقع) على البليد مجاز، والنافون للمجاز في اللغة يخالفونكم، ويمنعون أن يكون هذا الاسم مجازاً.
وجواب آخر: أن قولنا أمر يستعمل في الشأن، والقول على وجه الاستعلاء، والفعل، وليس بحقيقة في جميع ذلك ولا يمكن القول بأنا نعلم باضطرار أنه مجاز في غير القول لأن جماعة يقولون: إن ذلك حقيقة في الجميع.
٥١٣ - احتجوا بثالث وهو أنه لو أفاد لفظ العموم
стр. 396
الاستغراق لم يحسن منه الاستفهام لأن الغرض بالاستفهام الفهم، وطلب فهم ما قد فهم (عبث) وقد ثبت أنه إذا قال ضربت كل من في الدار يحسن أن يستفهم فيقال له: ضربتهم جميعهم أو بعضهم؟ ويقال له: ضربت زيداً فيهم؟ فدل على أنه لم يفد الاستغراق.
الجواب: أن الاستفهام قد يرد لإزالة الالتباس، لأنه قد يكون المتكلم غير "حافظ" أو يكون ساهياً فيزول بالاستفهام هذا الالتباس، ولهذا قد يستفهم الإنسان بتكرار العموم (ويجاب بتكراره) نحو أن يقول: ضربت كل من في الدار، فيقال: أضربتهم كلهم؟ فيقول: ضربتهم كلهم، ولو كان يطلب الفهم لأجابه بلفظ آخر، وكذلك يستفهم في الخصوص فيقول: جاءني زيد فيقال له: جاءك زيد؟ فيقول: نعم، وكذلك يقول: رأيت الخليفة. فيقال له: رأيت الخليفة؟ فيقول: نعم وما أشبه ذلك كثير.
وقد يكون الاستفهام لزيادة الفهم، لأن الفهم قد يكون علماً، وقد يكون ظناً، فإن كان علماً فهو مكتسب فيطلب بالاستفهام أن يصير ضرورياً، والضروري أقوى من المكتسب، وإن كان (علمه ظنا) فيطلب "بالاستفهام أن" يتزايد
стр. 397
ظنه، في قصد المتكلم، ألا ترى أنه إذا قال القائل: ضربت كل من في الدار قد يكون فيها من يعظمه المتكلم - (كأخيه وعمه فيغلب على ظن السامع أنه لم يضربه وكلام المتكلم - (كأخيه وعمه فيغلب على ظن السامع أنه لم يضربه وكلام المتكلم) يدل على أنه قد ضربه فيستفهمه لتزول الشبهة ويقوى ظن السامع (على) ضربه.
٥١٤ - احتجوا برابع وهو (أن) الاستثناء يدخل على لفظ العموم، فلو اقتضى لفظه الاستغراق لكان ذلك نقضاً له ورجوعاً عنه: لأنا نستدل على أن المتكلم لم يرد به ظاهره بل تجوز بقوله.
الجواب: أنكم إن أردتم أن يقتضي الاستغراق إذا تجرد عن قرينة، فهذا لم يتجرد عن قرينة وهي الاستثناء وإن أردتم أنه يقتضي الاستغراق/ ٥٢ ب فإن لم يتجرد (عن قرينة) لم نسلم لأن عندنا أنه لا يقتضي الاستغراق إلا إذا تجرد عن القرائن (وهذا لم يتجرد).
جواب آخر: أن لفظ العموم يستغرق ما دخل عليه فإذا كان معه استثناء كان شاملاً لما عدا الاستثناء لأنه لا يدخل على المستثني، وبيان ذلك (أنه) إذا قال: ضربت كل من في الدار
стр. 398
إلا زيداً فإن اللفظ يعم ما عدا زيداً وهو مثل قوله له (عليّ) عشرة إلا درهماً (فإنه) يستغرق قوله ما عدا الدرهم، ولو لم يستثن استغرق العشرة، ثم لا يعد ذلك نقضاً ولا رجوعاً (كذلك في مسألتنا مثله ولا فرق بينهما).
فإن قيل: أليس لو قال: رأيت زيداً وبكراً وعمراً ثم استثنى واحداً منهم كان قبيحاً ويسمى مناقضاً.
الجواب عنه أنا نقول: الاستثناء يخرج بعض الجملة وكل اسم مما ذكره وسماه جملة منفردة، فإذا (استثناه فقد) استثنى جميع الجملة، فصار كما لو قال: له عليّ عشرة إلا عشرة (لا يجوز) ويعد مناقضاً.
جواب آخر: لو ثبت أن ظاهر العموم الاستغراق وأن الاستثناء قد صوره مجازاً لا يكون ذلك نقضاً، ألا ترى أن قولنا: "حمار" حقيقة في البهيمة، (ثم) إذا اقترن به قرينة دلت على أن المراد به الرجل البليد لم يكن ذلك تناقضاً.
فإن قيل: لو لم يكن قول القائل: ضربت كل (من) في
стр. 399
الدار (إلا زيداً) (لا يسمى) نقضاً ونسخاً لكان قوله ضربت كل من في الدار، لم أضرب كل من في الدار (لا يسمى) نقضاً (ونسخاً) ولا يعد قبيحاً.
قيل: هذا لكم ألزم لأن لفظة "كل" مشتركة عندكم بين الاستغراق (والبعض) حقيقة، والاستثناء فيها دال على أنه أراد إحدى الحقيقتين فيلزم أن يكون قوله: ضربت كل من في الدار، لم أضرب كل من في الدار حسناً لأنه استعمل كل لفظة (في) إحدى حقيقتيها وهي البعض. ثم الفرق عندنا بين الموضوعين أن الاستثناء يجب تعلقه بما تقدمه من الكلام (لأنه لا) يستقل بنفسه، فيصير المستثني والمستثني منه كالجملة الواحدة ويدل مجموع اللفظين على استغراق ما عدا المستثنى بخلاف قوله: ضربت كل من في الدار، لم أضرب كل من في الدار (لأن) كل واحدة من اللفظتين جملة مستقلة بنفسها لا يجب تعلقها بالأخرى، لأن المتكلم استوفى غرضه بكل لفظة منها، فإذا كانت إحدى الجملتين تنافي الأخرى كان بقوله الثاني قد نقض الأولى، يبين (صحة) هذا أنه
стр. 400
يحسن العموم (المشروط) بالصفة، ألا ترى أنه يقول: ضربت كل من في الدار فيعم فلو قال: ضربت كل من (في) الدار من الطوال، عم الطوال دون غيرهم، ولا يحسن أن يقول: ضربت كل من في الدار، لم أضرب كل من في الدار (فاتضح الفرق بينهما).
٥١٥ - احتجوا بخامس: أنه لو كان لفظ العموم مستغرقاً لما جاز تخصيصه بدلالة متصلة ولا منفصلة، كما لا يجوز تخصيص العلة بل العموم أولى بذلك لأنه دلالة قاطعة والعلة الشرعية أمارة.
الجواب: أن التخصيص بالأدلة المتصلة مثل الشرط والاستثناء والتقييد بالصفة، قد بينا أن العموم يشمل ما عداها، وأما الأدلة المنفصلة فإنما جاز (أن تخص) العموم لأنه لا يخرج بذلك عما وضع له وإنما حمل على بعض ما يقتضيه فلم يصر مجازاً فيما بقي، ألا ترى أ، هـ لو قال: له عليّ عشرة دراهم (إلا درهماً) (لم يصر) مجازاً في التسعة وهذا مثله، ولأن كلام صاحب الشرع وإن تأخر بعضه عن بعض فهو كالمجموع يجب ترتيب بعضه على
стр. 401
بعض (فيصير ذلك) كالاستثناء سواء، والعلة المخصصة لا تصير بتخصيصها مجازاً أيضاً.
٥١٦ - احتجوا بسادس: أنه لو كان حقيقة العموم للاستغراق لما جاز استعماله في الجاز.
والجواب: أنه يبطل بالألفاظ (التي ذكرنا) من الأسد والحمار وغير ذلك، هي حقيقة وتستعمل في الرجل مجازاً، ثم ينقض بالاستثناء في العدد فإنه إذا قال: له عليّ عشرة/ ٥٣ أإلا درهما أو كر إلا قفيزاً هو استثناء ولا نجعله مجازاً.
٥١٧ - احتجوا بسابع: أن لفظ العموم لو كان حقيقة في الاستغراق (لوجب) إذا دل الدليل على أنه (إذا) أريد به البعض أن يصير مجازاً لأنه استعمل في غير ما وضع له.
الجواب: أن (المجاز) ما تجوز به عما وضع له كالأسد حقيقة في البهيمة ثم يتجوز به في الرجل الشجاع، فأما لفظ العموم فما تجوز به وإنما شمل ما عدا المستثنى فهو حقيقة فيما دخل تحته
стр. 402
(كقوله: له على عشرة إلا درهماً وكقوله اضرب من في الدار الطوال لا يدخل تحته) القصار، ويكون حقيقة في الطوال وكذلك يكون حقيقة في الإقرار "بتسعة".
٥١٨ - احتجوا بثامن: أن لفظ العموم لو اقتضى الاستغراق لكان تأكيده عبثاً لأن التأكيد يفيد ما أفاده المؤكد.
الجواب: لم إذا أفاد ما يفيده المؤكد يكون عبثاً، وما أنكرتم من حصول فوائد في التأكيد لا يحصل مع فقده، وهو أن يكون المتكلم حكيماً يستدل بخطابه على إرادته، فإنه إذا أكد زادنا دلالة على دلالة فنزداد (به) بياناً وإيضاحاً، ولهذا كثر الله الأدلة على مدلول واحد لحكمة لا نعلمها بعينها. وإن كان غير حكيم فربما يظن السامع أنه قد سها في ابتداء الكلام أو نسخ، فإذا أكده زال (ظن السامع لذلك) وربما كان بعض ألفاظ العموم أقل استعمالاً في الاستغراق من بعض فيؤكدها بما هو أكثر استعمالاً، وهذه فوائد معلومة.
فإن قيل: لو حسن التأكيد لما ذكرتم من ترادف الأدلة لإزالة (الإلباس) وحصول العلم الضروري لحسن أن يقول الإنسان:
стр. 403
استندت إلى الحائط المبني من الآجر والطين لينفي أن يكون استند إلى رجل بليد لأنه قد (يتجوز أن يسمى الرجل باسم الحائط إذا كان بليداً).
الجواب عنه: أنا نقول: التأكيد يحسن اتباعاً لفعل العرب وهم أكدوا "بما" ذكرنا وليس يجب أن يؤكدوا كل شيء لأنهم أكدوا ما ذكرنا، ألا ترى أنهم سموا الشيء الواحد بأسماء كثيرة، ولم يلزمهم أن (يسموا)، وليس يجب أن يؤكدوا كل شيء بأسماء كثيرة فبان ما ذكرنا.
جواب آخر: أنه يلزمهم مثل هذا في الاشتراك فإن التأكيد لا يفيد إلا ما أفاده المؤكد (من الاشتراك فيجب أن تعدوه عبثا).
(جواب آخر: وهو أنه يبطل ما ذكرتموه بتأكيد الخصوص فإنه يقال: جاءني زيد نفسه).
وبتأكيد ألفاظ العدد كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، وكقوله: "ألف تامة".
٥١٩ - احتجوا بتاسع: وهو أنهم قالوا: لو كانت لفظة
стр. 404
"من" عامة في الاستفهام لكان قول القائل من عندك سؤالاً عن كل العقلاء، فكانت تجري مجرى قوله: أكل الناس عندك؟ (وكل تقتضي) أن يكون جوابها لا أو نعم.
الجواب: أن قوله: من عندك استفهام عن صفة من عنده، واسمه، وهو كقوله: أخبرني عن أسماء من عندك، وصفاتهم، وذلك لا يقتضي جوابه بلا أو نعم بل يجب أن يخبره بأسماء من عنده من العقلاء وصفاتهم.
جواب آخر: يلزمهم مثل ذلك فيما يقولونه من الاشتراك لأنها إذا كانت للاشتراك (بين) الكل والبعض فيجب أن يكون جوابها بلا، أو نعم، لأنه إن علم من قصد السائل (أنه استفهم بها) عن الكل فجوابه لا، أو نعم، وإن علم من قصده أنه قال له: (البعض أي) أبعض الناس عندك؟ فجوابه لا، أو نعم.
جواب آخر: أن لفظة "من" عامة في الاستفهام، لكنها في كلام السائل دون المسؤول، والسائل سأل باللفظة العامة (من) لأنه لا يعلم من عند المسؤول، فأما المسؤول (فإنه) يعلم من عنده فلم يجب أن يجيبه باللفظة العامة مِنْ لا، أو نعم، بل يجيبه بمن عنده من الكل، أو البعض.
стр. 405
٥٢٠ - احتجوا بعاشر: وهو أن لفظ "من" لو أفاد الاستغراق لاستحال جمعها لأن الجمع يفيد أكثر مما يفيده المجموع وليس بعد الاستغراق/٥٣ ب شيء يفيده الجمع. وقد قال الشاعر: أتوا نارى فقلت: منون أنتم؟ فقالوا: الجن قلت عموا ظلاماً.
الجواب: أن منون وإن كانت لفظة لفظ الجمع فليست بجمع حقيقة، لأنه يستفاد منه ما يستفاد من قولهم من عندنا؟ ألا ترى أن قوله من أنتم؟ استفهام عن جماعة مثل قوله: منون أنتم؟ وعند (المخالف) ألفاظ العموم تفيد الاشتراك بين الكل، والبعض، فلفظة منون مشتركة بين الكل والبعض، كلفظة "من" (فلم) تفد أكثر مما أفادته لفظة "من" عندنا وعندكم.
٥٢١ - احتجوا بالأخير: أنه لو كان لفظ العموم موضوعاً للاستغراق لما جاز تخصيصه إذا كان من القرآن بالسنة والقياس، كما لا يجوز النسخ بهما.
والجواب: أن النسخ إسقاط اللفظ والمعنى فلم يجز إلا بمثله، والتخصيص بيان حكم اللفظ فجاز بما هو دونه، (وسيأتي الكلام عليه والفرق بين النسخ والتخصيص في مسائل النسخ).
стр. 406
٥٢٢ - فصل: والدليل على أن من حمل لفظ العموم على أقل الجمع ما تقدم، ولأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة أنهم حملوا عموم القرآن والسنة على أقل الجمع ووقفوا في الباقي، بل حملوه على عمومه. فدل على أنه موضوع لذلك، ولأنه لو قال: رأيت الناس (كلهم) إلا زيداً، وعمراً، وبكراً، ومن دخل داري ضربته إلا ثلاثة: فلان، وفلان، (وفلان) لصح، ولو حمل (لفظ العموم) على أقل الجمع لما صح استثناء أقل الجمع لأن استثناء (الجميع) لا يجوز بالاتفاق ولأن الثلاثة لفظ (الجمع) خص (بها) من لفظ العموم، فيجب أن يكون لفظ العموم في الاستغراق أخص منها.
٥٢٣ - احتج بأن قال: الثلاثة أقل الجمع فوجب حمل اللفظ عليه لأنه (هو) اليقين، وما زاد على ذلك مشكوك فيه. (فلا يحمل اللفظ عليه إلا بدليل).
(الجواب عنه أنا نقول: قولكم ما زاد على الثلاثة، مشكوك فيه) لا نسلمه، فيجب أن تدلوا عليه، ثم الذي اقتضى الحمل
стр. 407
على الثلاثة، يقتضي الحمل على ما زاد (على الثلاثة) لأن لفظ العموم موضوع للثلاثة ولما زاد وضعاً واحداً فلم اختص بالثلاث دون الزيادة؟ ولأنه إن جاز حمله على الثلاثة لأجل اليقين فيجب حمله على الاثنين والواحد لأن (لفظ الجمع) يقع على ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وهو سبحانه وحده المنزل. وقال: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ في داود وسليمان وهما اثنان، وكتب عمر ﵁ إلى سعد ﵁ وقال: جهزت إليك ألف يرجل، وإنما أنفذ إليه القعقاع بن عمرو التميمي، مع ألف (رجل) وقيل عمرو
стр. 408
ابن معد يكرب فسمى الواحد ألفاً، ومعلوم أنه إذا ذكر لفظة الألف لا تحمل على الواحد لأجل اليقين.
٥٢٤ - واحتج بأن قال: لو كان لفظ (الجمع) يقتضي العموم لوجب إذا قال لفلان عليّ دراهم أنه لا يقبل منه ثلاثة.
الجواب: أن قوله: له عليّ (ثلاثة) إثبات في نكرة فلا تقتضي العموم ولو قال: لفلان عليّ دراهم قبل تفسيره بثلاثة لأنه يقترن به ما يمنعه من حمله على الجنس، وهو أنا نعلم من طريق العرف والعادة أنه لا يجوز أن يكون أراد بقوله الدراهم جنس الدراهم أو لا يجوز أن يكون قد استقرض منه كل درهم ولا أتلف عليه ما يساوي كل درهم، فلم يحمل على الجنس لذلك، وليس إذا لم يحمل اللفظ على العموم لدليل يجب أن لا يحمل إذا خلا عن دليل يبين أنه أريد به البعض.
٥٢٥ - احتج بأن قال: الغالب في ألفاظ العموم أن المراد
стр. 409
بها البعض ولهذا قال: غلق الناس، وفتح التجار، وضربت الدراهم، أريد به البعض، وأخص البعض، ما يتيقن، وهو الثلاثة، فوجب الحمل عليه.
الجواب: أنا لا نسلم لأنه إذا قال: رأيت جمعيهم، وضربت كلهم أريد به الجميع، ثم قد يستعمل الشيء غالباً في المجاز، ألا ترى أن الغائط يستعمل في النحو غالباً وهو حقيقة اسم للموضع المطمئن من الأرض، وكذلك الراوية تستعمل غالباً في المزادة، وهو حقيقة اسم الجمل الذي يحمل عليه الماء، ثم وإن كان الغالب الاستعمال في البعض إلا أن الغالب أنه لا يراد به الثلاثة بدليل ما استشهدوا به.
٥٢٦ - فصل: والدليل (على) من قال: (إن) لفظ العموم يستغرق في الأمر والنهي ولا يستغرق في الخبر أنه لا يخلو أن (يكون) ذلك من جهة اللغة أو من جهة أخرى.
فإن كان من (جهة) اللغة فقد بينا أن لفظ العموم وضع للاستغراق فلم يختلف باختلاف الجملة التي يدخل عليها إذ لا طريق إلى/٥٤ أالفرق بينهما من جهة اللغة.
وإن كان من جهة أخرى فعليه بيان ذلك.
فإن قيل: إنما فرقنا بينهما لأنه لو لم يقتض الاستغراق في الأمر
стр. 410
والنهي لم يكن المكلف مزاح العلة، وليس كذلك الوعيد لأن الغرض به الزجر عن القبيح، وذلك يحصل بالخوف، والخوف (يحصل) بغالب الظن.
والجواب: أن لفظ العموم إن لم يقتض الاستغراق لم يجب حمله على الاستغراق لا في الأمر ولا في الوعيد، ويجب إذا أراد الحكيم أن يزيح علة المكلف أن لا يدل على الاستغراق بلفظ العموم، بل يجب أن يدله بدليل آخر.
وإن كان يقتضي الاستغراق وجب استغراقه في الخبر كما يجب في الأمر، لأن الخبر خطاب لنا والقصد به إفهامنا، ولا يجوز قصد إفهامنا بلفظ (له) ظاهر إلا وقد أراد ظاهره، وإلا كان قصد إفهامنا الشيء بخطاب لا يدل عليه.
فإن قيل: الخبر لا يدخله نسخ ولا تخصيص فلم يستغرق في العموم بخلاف الأمر.
قلنا: لم كان كذلك؟ ثم هذا يؤكد أن الأمر إذا دخله الاستغراق مع كونه ينسخ ويخصص فألا يدخله (النسخ) والتخصيص أولى بالاستغراق، ولأنه متحقق (فيه) لا يزول عنه.
стр. 411
فإن قيل: فالأمر لا يجوز بمجهول والبعض مجهول فحمل على العموم بخلاف الخبر فإنه يقع عن المجهول، قال الله ﵎: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ فجاز أن يستغرق لفظ العموم فيه.
قلنا: ولم كان كذلك على أن الأمر قد يرد بمجهول قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وقال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه﴾ ولم يبين ذلك. والله أعلم بالصواب.
٥٢٧ - مسألة: الألف واللام إذا دخلا على لفظ الجمع أفاد الاستغراق وإليه ذهب جماعة (من) الفقهاء وأبو علي الجبائي، وقال ابنه أبو هاشم: لا يفيد الاستغراق.
٥٢٨ - (الدليل على ما ذهبنا إليه أن ما ورد في القرآن يفيد الاستغراق كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾.
سؤال وهو أنهم قالوا: إنما حملناه على الاستغراق لتعليله بالبر والفجور.
стр. 412
قلنا: العرب لا تعرف التعليل، وإنما قالوا: (يقتضي جميعهم بمقتضى اللفظ وأنه للتعريف والتعريف للجنس يستغرق).
وأيضاً فإنهم أكدوا بكلهم وجميعهم، ولو كان قولهم: "الناس" لا يفيد الاستغراق، بل يعبر به عن البعض والكل حقيقة فيهما لكان قوله: "كلهم" و"جميعهم" بياناً لأحد المحتملين لا تأكيداً، وقد أجمعوا على أنه ليس ببيان بل (هو) تأكيد.
فإن قيل: من أين معكم أن الجميع اتفقوا على ذلك؟
قلنا: لأنه لو وصفه بعضهم بأنه بيان ومنع من وصفه بأنه تأكيد لنقل ذلك وعرف.
فإن قيل: إنما كان تأكيداً لأن بقوله: "كلهم" علمنا أن قوله "الناس" أراد به الاستغراق، وأكدوا بكل وجميع.
قلنا: فإذا العلم حصل بلفظة "كلهم" فصار بياناً لا تأكيداً، ألا ترى أنهم إذا قالوا: الشفق ثم (قالوا): الأحمر، جعلوا الأحمر وصفاً وبياناً، لا تأكيداً، لأن لفظة "الشفق" مشترك بين البياض والحمرة، وكذلك القرء، إذا قال: هو الحيض، كان ذلك بياناً لا تأكيداً، فلما علمنا أن قولهم: رأيت الناس كلهم أن كلهم تأكيد بإجماعهم دل على أن الناس يستغرق كل إنسان.
٥٢٩ - دليل ثان: أنه تعين أن تستثني من قولك: رأيت
стр. 413
الناس، أي إنسان أشرت إليه، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه على ما بينا فيما قبل، فدل على أن قوله: رأيت الناس، يستغرق كل إنسان.
٥٣٠ - دليل ثالث: أن قول القائل: رأيت ناساً، يقتضي رؤيته بعض الجنس، دون استغراقه، فلابد أن يفيد دخول الألف واللام فائدة لا (يفيدها عدمه)، ولا فائدة لدخولهما إلا حصول الاستغراق.
٥٣١ - أن لام التعريف إذا كان للعهد عمّ، فكذلك إذا كان للجنس، بيانه أنه إذا كان مع إنسان في ذكر رجال ثم قال: جاءني الرجال، عقل منه جميع من (جرى) ذكره، إذ ليس بعضهم (بأن ينصرف الاسم إليه أولى من بعض، وكذلك لام التعريف إذا كان للجنس يفيد استغراق الجنس إذ ليس بعضهم) بانصراف الاسم إليه أولى من (الباقين).
٥٣٢ - احتجوا بأن الألف واللام لو أفادا الاستغراق. لكان حمله على العهد يكون مجازاً (لأنه قد أريد به بعض الجنس) وهذا لا يقوله أحد.
стр. 414
الجواب: أنه إذا تقدم العهد كان التعريف عائداً إليه، لأنه أعرف من الجنس عند السامع، فإذا لم يتقدم العهد انصرف التعريف إلى الجنس جميعه لأن ليس بعضه بذلك أولى من بعض ثم في الحالين لا يكون ذلك مجازاً ويجري ذلك مجرى قوله: من عندك؟ في أنه استفهام عن (كل) عاقل عنده، وإن كانوا قلة فهو استفهام عنهم، وإن كانوا كثرة فهو استفهام عنهم ولا يكون مجازاً في القلة.
وإن قيل: لو حمل الاسم المعرف على العهد بقرينة هي تقدم العهد "لجعل" الاسم مجازاً لأنه اسم مخصوص.
يجاب ذلك على قول من جعل العموم المخصص مجازاً.
٥٣٣ - واحتجوا بأن قولنا: رجال يقتضي جمعاً من الرجال، غير مستغرق، واللام أفادت التعريف، فمن /٥٤ ب أين جاء الاستغراق؟
الجواب: أن إفادتها للتعريف يقتضي الاستغراق لأنها متى حملت على البعض نقض ذلك التعريف، لأن البعض الذي ليس (بمعين) مجهول ولأن قولنا: رجال يقتضي جمعاً فإذا دخل الألف واللام أفاد ذلك الجمع فكان دخولها كخروجها وهذا باطل.
стр. 415
٥٣٤ - احتجوا بأن الإنسان لو قال: جمع الأمير الصاغة لم يعقل منه استغراق صاغة الدنيا وإنما يعقل أنه جمع من هذا الجنس.
الجواب: أن المعقول منه (أنه جمع) صاغة بلده لعلمنا بتعذر جمع صاغة الدنيا.
جواب آخر: أنه يلزمهم أن يجوزوا جمع صاغة الدنيا لأن الاسم يحتمله، وجوابهم عن ذلك جوابنا عن الاستغراق.
٥٣٥ - احتجوا بأنه لو كان قولنا فلان يلبس الثياب يفيد الاستغراق لكان معناه: فلان يلبس كل الثياب، وكان يجب أن يكون قولنا (فلان) لا يلبس الثياب (يفيد) ما أفاده قولنا: فلان لا يلبس كل الثياب.
(الجواب عنه أنا نقول: هناك قرينة تدل على أنه لا يريد كل ثياب الدنيا لأنه لا يقدر على ذلك ولا يتصور فإن الخلق كلهم عليهم ثياب وهي من ثياب الدنيا، فلا يتأتى منه لبس ثيابهم، فحمل على البعض، ولهذا لو قال: ألبس الثياب كلها أو جميعها لم يحمل إلا على ذلك وهو البعض بخلاف قولنا: الناس كلهم وجميعهم والله أعلم).
стр. 416
٥٣٦ - فصل: فإن لم يدخل على أسماء الجمع الألف واللام "فقال" قائلون يحمل على أقل الجمع وبه قال ابن الجبائي، ولنا وجه (آخر) أنه يحمل على الاستغراق وبه قال أبو علي الجبائي وعن الشافعية كالمذهبين.
٥٣٧ - فالدليل على أنه لا يفيد الاستغراق أن قولنا: رجال يفيد ثلاثة بدليل أنك ترتقي من التثنية إليه فتقول: رجلان، وثلاثة رجال، ولأنك تنعته بأي جمع شئت فتقول: رجال ثلاثة، وأربعة (رجال)، فإذا معنى الجمع قائم في الثلاثة فما زاد، فمن قيل له: اضرب رجالاً: فضرب ثلاثة رجال، كان قد فعل ما يوصف بأنه ضرب رجالاً فسقط عنه الأمر، كمن قيل له: ادخل الدار: ففعل ما يسمى دخولاً.
стр. 417
ولأن أهل اللغة يسمون ذلك نكرة، ولو كان مقتضاه الجنس كله لم يسم نكرة، ولأن الجنس كله معروف، ألا ترى أنه إذا دخل الألف واللام لم يسم نكرة، لأنه يستغرق الجنس كله، ولأنه يصح تأكيده بلفظة "ما" الدالة على القلة والبعض، فيقول: اقتل رجالاً ما، ولو اقتضى العموم لم يحسن تأكيده "بما" لأنه لا يقال: اقتل الرجال ما، ولأنه نكرة في إثبات فلم يقتضي العموم كالاسم المفرد مثل سارق وقاتل.
٥٣٨ - احتجوا بأن حمل اللفظة على الاستغراق حمل لها على جميع حقائقها فكان أولى من حملها على البعض.
الجواب: أنا لا نسلم أن حقيقتها الاستغراق.
فإن قيل: نريد بذلك أنها حقيقة في الجمع، والجمع يقع على الثلاثة وما زاد.
قلنا: إلا أن حقيقة الجمع توجد في الثلاثة، فلا تكون حقيقة في الاستغراق لأن الحقيقة واحدة ولأن الامتثال يقع بالثلاث وما زاد مشكوك فيه، ثم لم زعمت أنه يحمل على كل ما وجدت فيه حقيقة الجمع، وما أنكرت أن يحمل على أقل الجمع لأنه متحقق.
٥٣٩ - احتجوا بأنه لو حمل على البعض لكان مجهولاً لأنه لا يتميز البعض الذي يحمله عليه.
الجواب: أن حمله على الثلاثة (أمر) متميز وإن كانت الثلاثة غير متعينة.
стр. 418
٥٤٠ - احتجوا بأنه لو أراد البعض لبينه.
(الجواب: أنا نقول: ولو أراد الكل لبينه أيضاً).
جواب آخر: أنه يحتاج إلى البيان لو لم يدل عليه مطلق اللفظ، فبين أن مطلق اللفظ (لا) يدل عليه وقد تمت لك المسألة.
٥٤١ - احتجوا بأنه يصح استثناء كل واحد من الجنس من هذا اللفظ فدل على أنه يقتضي الاستغراق.
والجواب: أنا لا نسلم ذلك في الإستثناء من أسماء الجموع (المجردة) عن الألف واللام لا يصح فإذا قال: "كلم" رجالاً إلا رجلاً لم يصح، فإن قال: كلم رجالاً إلا زيداً فمعناه كلم رجالاً ليس زيد منهم.
٥٤٢ - احتجوا بأنه لو قال: اضرب رجالاً، فضرب عشرة، لا يلام، فدل على أن (أقل) الجمع لا يقتصر عليه.
الجواب: أنه بضرب ثلاثة يسقط عنه حكم الأمر، فإن زاد كان ذلك جائزاً بحكم معنى الجمع في الزيادة، لا أنه يجب عليه، كمن قيل له: ادخل الدار، يكفيه دخول أولها (في الأمر)، فإن أمعن فيها لم يلم، لقيام معنى الدخول في ذلك، والله أعلم بالصواب.
стр. 419
٥٤٣ - مسألة: إذا دخل الألف واللام على الاسم المفرد كقوله: السارق، والزاني، والقاتل، فإنه يقتضي الاستغراق وبه قال أبو علي الجبائي والجرجاني.
وقال أبو هاشم بن الجبائي: لا يقتضي الاستغراق وإنما يكون للعهد.
وعن الشافعية كالمذهبين.
٥٤٤ - لنا أنه لو لم (يفد الاستغراق) قولنا الإنسان لأفاد واحداً غير معين وفي ذلك إخراجه من كونه معرفاً وقد أجمع أهل (اللغة) أن الألف واللام يفيدان التعريف.
فإن قيل: (إنما) يفيدان تعريف الجنس لا تعريف الآحاد.
стр. 420
قلنا: هذا كان مستفاداً من الاسم قبل دخول الألف واللام عليه/ ٥٥ ألأنك لو قلت رأيت إنساناً، لأفاد أنك رأيت واحداً من هذا الجنس، كما لو قلت: رأيت الإنسان.
فإن قيل: قول القائل رأيت الإنسان لا يطلق إلا على إنسان يعرفه المتكلم والسامع، وقد تقدم ذكره لهما فيفيد ذلك الشخص بعينه.
قلنا: لو صح هذا لما قال تعالى: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾ ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ وليس بيننا وبينه في ذلك عهد متقدم يرجع اللفظ إليه، فدل على أن ابتداء الخطاب (به) لا يقتضي (المعهود إنما يقتضي) الجنس على ما بيننا.
٥٤٥ - دليل ثان: أنه لو لم يقتض الاستغراق لما حسن الاستثناء منه بلفظ الجمع وقد قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
وهذا يدل على أنه للجنس والاستغراق.
فإن قيل: (هذا) استثناء من غير الجنس.
стр. 421
قلنا: الأصل في الاستثناء الحقيقة، وأنه إخراج ما لولاه لدخل في اللفظ، فمن ادعى (أنه) غير ذلك (احتاج) إلى دليل.
٥٤٦ - دليل ثالث: أن اللف واللام إذا دخلا على لفظ الجمع من غير عهد أفادا الاستغراق فكذلك إذا دخلا على الاسم المفرد من غير عهد.
فإن منعوا ذلك على قول أبي هاشم فقد تقدم الدليل عليه.
٥٤٧ - دليل رابع: أن أهل اللسان أجمعوا على أن المراد بقولهم أهلك الناس الدرهم والدينار الجنس، وكذلك قولهم: هلك الشاة والبعير يراد به الجنس فدل على ما قلناه.
٥٤٨ - احتج بأن قال: الألف واللام لا تدخل إلا (للعهد) قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾.وأراد بالعسر المعروف المعهود، ولهذا قال ابن عباس ﵁: "لن يغلب عسر يسرين" (ويقول
стр. 422
دخلت) السوق فلقيت رجلاً ثم عدت (إليه) فلقيت الرجل ويريد به الذي لقيه أولا، لأنه تقدم ذكره فرجع التعريف إليه.
الجواب: أنا قد بينا أنه لا يدخل إلا الجنس بدليل قوله تعالى: ﴿كَلَاّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾، وقوله: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ "وقوله": ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾.
فأما ما ذكروه فإنما حمل على العهد لأنه تقدم ذكره فرجع التعريف إليه، وليس كذلك ههنا، فإنه لم يتقدم ذكره فلم يرجع التعريف (إليه ورجع) إلى الجنس.
٥٤٩ - احتج بأن قال: الألف واللام لا يفيدان أكثر من تعريف النكرة، فإذا كانت النكرة من الاسم لا تقتضي إلا واحداً من الجنس، فإذا دخلا عليه وجب أن لا تقتضي إلا واحداً من الجنس.
الجواب: أن الألف واللام تفيدان تعريف النكرة إذا تقدمهما نكرة، فأما إذا لم يتقدمهما (نكرة)، اقتضيا تعريف
стр. 423
الجنس، وفي مسألتنا لم يتقدمهما نكرة فكانا للجنس ثم يبطل ما ذكروه بالألف واللام إذا دخلا على اسم الجمع فإنهما يفيدان الاستغراق، ونكرة الجمع لا تفيد الاستغراق على ما بينا، فلو كان الألف واللام لا يفيدان أكثر من تعريف النكرة لم يفيدا إذا دخلا على الجمع الاستغراق.
٥٥٠ - احتج بأن قال: الألف واللام لو استغرقا الجنس إذا دخلا على الاسم المفرد لجاز تأكيد ذلك بكل وجميع، كلفظة "من" لما أفادت الاستغراق حسن تأكيدها بكل وجميع، فتقول: من دخل داري فله درهم، وجميع من رأيته ضربته، (فلما) لم يحسن أن يقول ههنا: جاءني الرجل أجمعون، ورأيت الإنسان كلهم دل على أنهما لا يفيدان الاستغراق، وهذه حجة معتمدة في هذا الفصل.
الجواب أن لفظ التأكيد هو بحسب لفظ المؤكد، ولفظ المؤكد موحد فلا يكون تأكيده بلفظ الجمع والكل، وإنما حملناه على الاستغراق بالمعنى لأنه إذا قال: إقطع السارق وحد الزاني فقد عرفه وليس هناك سارق معروف، ولا (زان) معهود، فحملنا التعريف على جميع الجنس حتى لا يقع لغواً دخوله كخروجه، ولأن ليس به ف يالجنس أولى بذلك من بعض فاستوى (الجميع) في الحكم، ولأنه (قد) حكى عن العرب،
стр. 424
أنها تقول: أهلك الناس (الدرهم البيض والدينار) الصفر فنعتوا الواحد بالجمع، فيحسن ههنا أن تقول: اقطع السارق (كلهم) وحد/٥٥ ب الزاني (جميعهم) والله أعلم بالصواب.
٥٥١ - مسألة: أقل الجمع نحو قولنا: رجال ومسلمون يفيد ثلاثة نص عليه في رواية صالح وحنبل، وبه قال أصحاب أبي حنيفة.
وحكى عن أصحاب مالك وابن داود ونفطويه وابن الباقلاني وعلى بن عيسى أن أقله اثنان.
стр. 425
وعن الشافعية كالمذهبين.
٥٥٢ - لنا ما احتج به ابن عباس على عثمان ﵄ في أن الأخوين لا يحجبان الأم من الثلث إلى السدس فقال: (قد) قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ ليس الأخوان إخوة في لسانك ولا لسان قومك، فقال عثمان: "لا أستطيع أن أنقض أمراً كان قبلي وتوارثه الناس ومضى في الأعصار"، فاتفقا على أن الاثنين لا يسميان إخوة وذكراه عن لسان قومهما، وإنما رده عثمان بالإجماع.
فإن قيل: فقد خالف زيد بن ثابت وقال: الأخوان إخوة، وروى عنه أن أقل الجمع اثنان.
قلنا: لم يثبت هذا عنه، فإن صح فالمراد به أنهما إخوة في حجب الأم، أو أنهما في حكم الجمع في الحجب.
следующие страницы →