Полный текст (1 668 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
قلنا: الأصل في الاستثناء الحقيقة، وأنه إخراج ما لولاه لدخل في اللفظ، فمن ادعى (أنه) غير ذلك (احتاج) إلى دليل.
٥٤٦ - دليل ثالث: أن اللف واللام إذا دخلا على لفظ الجمع من غير عهد أفادا الاستغراق فكذلك إذا دخلا على الاسم المفرد من غير عهد.
فإن منعوا ذلك على قول أبي هاشم فقد تقدم الدليل عليه.
٥٤٧ - دليل رابع: أن أهل اللسان أجمعوا على أن المراد بقولهم أهلك الناس الدرهم والدينار الجنس، وكذلك قولهم: هلك الشاة والبعير يراد به الجنس فدل على ما قلناه.
٥٤٨ - احتج بأن قال: الألف واللام لا تدخل إلا (للعهد) قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾.وأراد بالعسر المعروف المعهود، ولهذا قال ابن عباس ﵁: "لن يغلب عسر يسرين" (ويقول
стр. 422
دخلت) السوق فلقيت رجلاً ثم عدت (إليه) فلقيت الرجل ويريد به الذي لقيه أولا، لأنه تقدم ذكره فرجع التعريف إليه.
الجواب: أنا قد بينا أنه لا يدخل إلا الجنس بدليل قوله تعالى: ﴿كَلَاّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾، وقوله: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ "وقوله": ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾.
فأما ما ذكروه فإنما حمل على العهد لأنه تقدم ذكره فرجع التعريف إليه، وليس كذلك ههنا، فإنه لم يتقدم ذكره فلم يرجع التعريف (إليه ورجع) إلى الجنس.
٥٤٩ - احتج بأن قال: الألف واللام لا يفيدان أكثر من تعريف النكرة، فإذا كانت النكرة من الاسم لا تقتضي إلا واحداً من الجنس، فإذا دخلا عليه وجب أن لا تقتضي إلا واحداً من الجنس.
الجواب: أن الألف واللام تفيدان تعريف النكرة إذا تقدمهما نكرة، فأما إذا لم يتقدمهما (نكرة)، اقتضيا تعريف
стр. 423
الجنس، وفي مسألتنا لم يتقدمهما نكرة فكانا للجنس ثم يبطل ما ذكروه بالألف واللام إذا دخلا على اسم الجمع فإنهما يفيدان الاستغراق، ونكرة الجمع لا تفيد الاستغراق على ما بينا، فلو كان الألف واللام لا يفيدان أكثر من تعريف النكرة لم يفيدا إذا دخلا على الجمع الاستغراق.
٥٥٠ - احتج بأن قال: الألف واللام لو استغرقا الجنس إذا دخلا على الاسم المفرد لجاز تأكيد ذلك بكل وجميع، كلفظة "من" لما أفادت الاستغراق حسن تأكيدها بكل وجميع، فتقول: من دخل داري فله درهم، وجميع من رأيته ضربته، (فلما) لم يحسن أن يقول ههنا: جاءني الرجل أجمعون، ورأيت الإنسان كلهم دل على أنهما لا يفيدان الاستغراق، وهذه حجة معتمدة في هذا الفصل.
الجواب أن لفظ التأكيد هو بحسب لفظ المؤكد، ولفظ المؤكد موحد فلا يكون تأكيده بلفظ الجمع والكل، وإنما حملناه على الاستغراق بالمعنى لأنه إذا قال: إقطع السارق وحد الزاني فقد عرفه وليس هناك سارق معروف، ولا (زان) معهود، فحملنا التعريف على جميع الجنس حتى لا يقع لغواً دخوله كخروجه، ولأن ليس به ف يالجنس أولى بذلك من بعض فاستوى (الجميع) في الحكم، ولأنه (قد) حكى عن العرب،
стр. 424
أنها تقول: أهلك الناس (الدرهم البيض والدينار) الصفر فنعتوا الواحد بالجمع، فيحسن ههنا أن تقول: اقطع السارق (كلهم) وحد/٥٥ ب الزاني (جميعهم) والله أعلم بالصواب.
٥٥١ - مسألة: أقل الجمع نحو قولنا: رجال ومسلمون يفيد ثلاثة نص عليه في رواية صالح وحنبل، وبه قال أصحاب أبي حنيفة.
وحكى عن أصحاب مالك وابن داود ونفطويه وابن الباقلاني وعلى بن عيسى أن أقله اثنان.
стр. 425
وعن الشافعية كالمذهبين.
٥٥٢ - لنا ما احتج به ابن عباس على عثمان ﵄ في أن الأخوين لا يحجبان الأم من الثلث إلى السدس فقال: (قد) قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ ليس الأخوان إخوة في لسانك ولا لسان قومك، فقال عثمان: "لا أستطيع أن أنقض أمراً كان قبلي وتوارثه الناس ومضى في الأعصار"، فاتفقا على أن الاثنين لا يسميان إخوة وذكراه عن لسان قومهما، وإنما رده عثمان بالإجماع.
فإن قيل: فقد خالف زيد بن ثابت وقال: الأخوان إخوة، وروى عنه أن أقل الجمع اثنان.
قلنا: لم يثبت هذا عنه، فإن صح فالمراد به أنهما إخوة في حجب الأم، أو أنهما في حكم الجمع في الحجب.
стр. 426
٥٥٣ - دليل ثان: وهو معتمد، أن قولنا: رجال وجماعة لا تنعت بالاثنين في لغة أحد، وإنما تنعت بالثلاثة، فتقول: رأيت رجالاً ثلاثة، وجاءني جماعة رجال، ولا تقول: رأيت رجالاً اثنين، وجماعة (رجلين)، فدل على أن لفظ الجمع لا يتناولهما.
٥٥٤ - دليل ثالث: تقول العرب: رجل ورجلان (ورجال) فلو كان الرجال يقع على الاثنين حقيقة لم يفترق لفظ التثنية والجمع.
فإن قيل: لا يمتنع أن يقع على الرجلين اسم التثنية والجمع كالأسد له اسم يخصه ويقع عليه اسم السبع.
قلنا: الأسد والسبع لم يوصفا للتمييز بين شيئين وإنما أحدهما اسم للجنس (وهو السبع، والآخر اسم للنوع من ذلك الجنس)، بخلاف لفظة التثنية والجمع، لأنهما وضعا لنوعين مختلفين من العدد على وجه التمييز بينهما، فاختص كل واحد منهما بحقيقة لا يشاركه الآخر فيها كالأسد والحمار.
جواب آخر: لو كان لفظ الجمع حقيقة في الاثنين لما صح نفيه، لأن الحقائق لا يصح نفيها، ولما حسن أن يقال: ما رأيت رجالاً، وإنما رأيت رجلين وما رأيت جماعة وإنما رأيت اثنين. دل على أنه ليس بحقيقة في الاثنين.
стр. 427
٥٥٥ - احتج الخصم بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾.
الجواب عنه: أن المراد (بذلك) أن كل واحد من المؤمنين أخ لصاحبه، فأصلحوا بين كل أخ قاتل أخاه، ويحتمل أن (يراد) بالأخوين الطائفتين والقبيلتين، قال الشاعر:
فالحق بحلفك في قضاعة إنما ... قيس عليك وخندف أخوان
فسمى القبيلتين أخوين.
٥٥٦ - واحتج بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فأضاف القتال إليهم بلفظ الجمع.
الجواب: أن الطائفة عبارة عن الجماعة بدليل قوله تعالى: ﴿وَلْتَاتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾.
٥٥٧ - واحتج بقوله تعالى لموسى وهارون: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ ولم يقل معكما.
الجواب: أن أرادهما ومن (تبعهما) من المؤمنين.
стр. 428
٥٥٨ - واحتج بقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾.
الجواب: أن الخصم يقع على الجماعة، يقال رجل خصم، وجماعة خصم، كما قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ وكانوا جماعة من الملائكة ولهذا قال تعالى: ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ ولم يقل بغى أحدنا على الآخر.
٥٥٩ - احتج بقوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾.
الجواب: أنه أراد بحكمهم داود وسليمان والخصوم (ويحتمل أنه أراد بحكمهم حكم أمة داود، كما يقال: هذا حكم المسلمين، ويعين المشروع لهم)، (أو) يحتمل أنه أراد (به) حكم الأنبياء، وقيل: المراد به ذكرهم على وجه التفخيم كما (قال "وكنا" وهو سبحانه وحده) لا شريك له.
стр. 429
٥٦٠ - احتج بقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً﴾ وإنما كان يوسف وأخوه.
الجواب: أن يوسف وأخاه الذي وجدت السقاية في رحله (والآخر) الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَاذَنَ لِي أَبِي﴾، ويحتمل أن يكون يوسف وأخاه وذريته، ويحتمل أن يكون مجازاً كقوله تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَاّ﴾.
٥٦١ - واحتج بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ وإنما لهما قلبان.
الجواب: هذا غير ما نحن فيه لأن (كل) ما في (البدن) منه واحد، فتثنيته عند الفصحاء من العرب جمع، تقول: ضربت رؤوسهما، وشققت بطونهما، ومد الله في أعماركما، فأما غير ذلك مما في البدن منه اثنان، أو مما ليس ببعض للآخر فلا يكون تثنيته بلفظ الجمع، نقول: فقأ عينيهما (ولا نقول فقأ عيونهما)، وتقول خربت دارهما، ومات فرساهما.
стр. 430
٥٦٢ - واحتج بقول النبي ﷺ : "الإثنان فما فوقهما جماعة".
الجواب: أن (المراد) حكمهما حكم الجماعة في انعقاد "صلاة" الجماعة بهما بدليل ما ذكرنا، وبدليل أن خبر النبي ﷺ يجب أن يحمل على تعليم الحكم، لا على تعليم ٥٦ أ/ اللغة التي يشاركه فيها بقية العرب، لأن النبي ﷺ يعلمنا الأحكام دون اللغات.
٥٦٣ - احتج بعده وهو أنه قال: اشتقاق الجمع من جمع الشيء إلى الشيء وضمهما وهو موجود في الاثنين.
الجواب: أنا لا نسلم ذلك، بل ضم الشيء إلى الشيء يسمى إضافة، فإذا أضاف شيئاً آخر يسمى ذلك جمعاً.
جواب آخر: أن قولنا في الرجال إنه جمع ليس يريد (به) أنه من جمع الشيء إلى الشيء، فيلزم أن يقول ذلك في الاثنين، وإنما نريد بذلك أنه موضوع لجمع الثلاثة فصاعداً، ولا يلزم دخول الاثنين فيه.
جواب ثالث: أن الأسماء في اللغة لا يلزم فيها حكم الاشتقاق، لأنهم يسمون الدابة لأنها تدب، ولا يسمون الرجل
стр. 431
دابة، ويسمون القارورة لأن الشيء يقر فيها ولا يسمون (كل) ما يقر فيه الشيء قارورة، ويسمون الخابية لأنها يخبأ فيها ولا يسمون الصندوق خابية لأنه يخبأ فيه.
٥٦٤ - احتج بأن الاثنين يعبران عن نفسيهما بالجمع فيقولان: فعلنا كذا وأكلنا كذا.
والجواب: أنهم فصلوا بين الاثنين والثلاثة في الخطاب، فقالوا واحد واثنان وثلاثة وفرقوا بين الاثنين، والجمع في فعل الغائب وفعل المواجهة، فقالوا في الاثنين ضرباً، وفي الثلاثة ضربوا، وكذلك للحاضرين ضربتما وضربتم للثلاثة، ولأنه لا يمتنع أن يكون لفظهما في الإخبار عن نفسيهما واحداً، ويختلف لفظهما في الجمع كالمذكر والمؤنث يخبران عن نفسيهما سواء، تقول المرأتان: فعلنا كالرجلين سواء، ثم جمع المذكر (يخالف) جمع المؤنث كذلك ها هنا، ثم يبطل هذا بالواحد يخبر عن نفسه بلفظ الجمع ثم لا يقال: أقل الجمع واحد، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ويقول العالم: قالوا كذا، (ولنا جوابه كذا) وهو قاله وحده. والله أعلم.
٥٦٥ - مسألة: إذا ورد لفظ عموم لم يجب على السامع
стр. 432
اعتقاد عمومه والعمل به قبل أن يبحث فلا يجد ما يخصه، وقد أومأ إليه في رواية صالح وأبي الحارث.
وقال شيخنا وأبو بكر، يجب اعتقاد عمومه في الحال قبل البحث.
واختلف الحنفية فقال الجرجاني: من سمعه من الرسول ﷺ على طريق تعليم الحكم، فالجواب اعتقاد عمومه في الحال، وإن سمعه من غيره فكما قلنا أولا، وقال أبو سفيان: بالقول الثاني.
وعن الشافعية كالمذهبين.
стр. 433
٥٦٦ - وحجة الأول أن لفظ العموم (يقتضي) الاستغراق (بشرط تجرده عن قرينة تخصه ونحن لا نعلم عدم القرينة إلا أن نطلب فلا نجد).
فإن قيل: الأصل عدم القرينة.
قلنا: إلا أنه يجوز أن نتكون موجودة (فمتى) لم نعلم عدمها، لا نعلم تجرد لفظ العموم، فلا يجب حمله على الاستغراق.
فإن قيل: فهذا يجب أن يتوقف أبداً لجواز وجود القرينة المخصصة.
قلنا: بل يجب أن نجتهد ونبحث في الأصول فإذا لم نجد "حكمنا" بعدم ذلك (ولم) نتوقف لنترقب ما عساه أن يوجد كما نقول في الحاكم إذا شهد عنده اثنان بحث عن عدالتهما، فإذا لم يجد ما يسقط العدالة وجب عليه الحكم ولا يترقب أن يجد قدحا فيما بعد، وكذلك المجتهد إذا أدى اجتهاده إلى شيء حكم به (أو) أفتى (به). ولا يترقب أن يختلف اجتهاده فيما بعد أو يجد ما يخالفه.
стр. 434
٥٦٧ - حجة الثاني: أن موجب الاستغراق وجود لفظ العموم (متجردا) وقد وجد، (فوجب) اعتقاده.
قلنا: لا نسلم ذلك بل الموجب للاستغراق وجود لفظ العموم متجرداً عن قرينة توجب التخصيص، وما يعلم ذلك إلا أن يبحث فلا يجد.
٥٦٨ - احتج بأن كل لفظ وضع لشيء متى وجد وجب اعتقاد ذلك الشيء كالأسماء والأمر والنهي وغير ذلك.
الجواب: أن جميع ذلك كمسألتنا لا يعتقد موجبه حتى نبحث عنه فلا نجد ما يصرفنا عن حقيقتها، وكذلك الأمر لا نحمله على الوجوب إلا إذا تجرد عن قرينة وكذلك النهي.
وإن سلمنا أسماء الحقائق فقط فالفرق أن أسماء الحقائق لا تستعمل في غيرها إلا مجازاً فلم يجز ترك الحقيقة بغير دليل، بخلاف لفظ العموم فإنه حقيقة في العموم ما لم نجد مخصصاً، ولا يقال إنما ما وجدنا إلا أن نطلبه، ولأن (لفظ) العموم حقيقة في الخصوص والاستغراق بخلاف قولنا حمار وأسد فإنهما حقيقة في البهيمة مجاز في الرجل فلم نترك الحقيقة لجواز أن يراد بذلك المجاز.
٥٦٩ - احتج بأن اللفظ عام في الأعيان والأزمان (ثم)
стр. 435
يجب حمله على عموم الأزمان وإن جاز أن يكون منسوخاً في بعض الأزمان. كذلك يجب حمله على عموم الأعيان وإن كان/٥٦ ب مخصصاً في بعضها.
الجواب: أنا ما يخص الزمان نسخ، والنسخ لا يرد إلا بعد ورود الصيغة (فلا) يجب التوقف لأجله، كما إذا عرف عدالة الشهود لم (يجز) أن يقف حتى يرد عليهم الفسق، بخلاف مسألتنا، فإن ما يخص الأعيان يرد معه وقبله فيجب أن نبحث فإن وجدناه خصصناه. (وإن لم نجده حكمنا بعدمه وحملنا اللفظ على شموله كالشهود) إذا لم نعلم حالهم استكشفناه.
٥٧٠ - احتج بأن ما ذهبتم إليه يفضي إلى الوقف الذي قاله الأشعري، لأن الأصول غير محصورة، ويجوز أن لا نجد اليوم ونجد بعد اليوم فيقف (النص) أبداً.
الجواب: أنه لا يلزمه تكرار النظر بل ينظر فيما يبلغ إليه اجتهاده من الأصول فإن وجد المخصص وإلا اعتقد العموم كالحاكم في الحادثة، وفي حكمه بالشهود ينظر النص ويبحث عن العدالة قدر الاجتهاد، ولا يتوقف أبداً ويقول: إذا لم أجد الآن فعسى أن أجد النص والقدح في الشهود فيما بعد.
стр. 436
وأما وقف الأشعري فلا يشبه هذا لأنه لا يحمل اللفظ على العموم إلا بدليل ولو طلب المخصص فلم يجده. ونحن نقول: إذا طلبنا فلم نجد المخصص، حملناه على الاستغراق.
٥٧١ - واحتج بأن السامع للخطاب لابد أن يعتقد، وإذا قلتم: لا يعتقد الخصوص فلا بد أن يعتقد العموم.
الجواب: أنه يعتقد عمومه إن تجرد عما يخصه فلا يقطع في حال السماع بالخصوص ولا بالعموم.
٥٧٢ - احتج الجرجاني بأنه إذا سمعه من الرسول على وجه بيان الحكم علمنا أنه يقتضي الشمول لأنه لو كان مخصصاً لبينه حال خطابه.
الجواب: أنه يجوز أن يبينه حال الخطاب، ويجوز أن يكله إلى اجتهاد المجتهد ويجوز أن (يؤخر) البيان وسندل على ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
стр. 437
باب الخصوص
٥٧٣ - قولنا خاص وخصوص: عبارة عما وضع لشيء واحد. مثل قولنا: الكوفة ومكة.
وقولنا: هذا الكلام مخصوص معناه أنه قصر (على) بعض فائدته، وكان غرض المتكلم به بعض ما وضع له.
٥٧٤ - والفرق بين النسخ والتخصيص على ما يجيء (على) قول أصحابنا أن التخصيص تميز بعض الجملة بحكم، أو بيان المراد باللفظ العام، والنسخ رفع ما يتناوله الخطاب.
والعام يصير خاصاً (في نفسه بأغراض المتكلم لأنه يستعمله في بعض ما تناوله ويقصد ذلك به، ويصير خاصاً) عندنا بالأدلة المخصصة.
٥٧٥٠ (والأدلة المخصصة) منها ما يتصل بلفظ العموم، كالشرط والصفة والغاية والاستثناء، ومنها ما ينفصل عنه وهو ضربان، عقلي وسمعي، والسمعي ضربان، دلالة، وهي الكتاب والسنة المقطوع بها والإجماع، وأمارة وهي خبر الواحد والقياس.
стр. 438
فأما التخصيص بالشرط كقوله: أكرم الحنابلة أبداً إن دخلوا دارى، لو لم يشترط دخول داره للزم إكرامهم أبدا، ولو لم يدخلوا (فيما) ذكره سقط إكرامهم مع ترك الدخول.
وأما التخصيص بالصفة فكقولك: أكرم الناس الطوال لو لم يقل الطوال لزم إكرام جميع الناس.
وأما التخصيص بالغاية فكقولك: أكرم بني تميم أبداً حتى يدخلوا الدار، يلزم إكرامه بالأمر الأول، فإذا دخلوا الدار سقط وجوب إكرامهم لأن ما بعد الغاية يخالف ما قبلها وإلا لم يكن لذكرها فائدة.
стр. 439
مسائل الاستثناء
٥٧٦ - وأما التخصيص بالاستثناء فمن شرط صحته: أن يكون متصلاً بالكلام، أو في حكم المتصل فأما المتصل بالكلام كقوله: له علىّ عشرة إلا درهما، وأما الذي هو في حكم المتصل فبأن يكون انفصاله قبل أن يستوفي المتكلم غرضه من الكلام، (نحو) أن يسكت عن الاستثناء لانقطاع نفسه، أو لبلع ريق، أو سعال وما أشبهه، وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم.
وحكى عن ابن عباس أن الاستثناء المنفصل يصح (ويخص) الكلام به أبداً، وروى أن ذلك جائز إلى سنة.
стр. 440
وعن الحسن البصري وعطاء أنه يصح ما دام في المجلس.
وقد أومأ أحمد إلى (نحو) هذا في اليمين خاصة قال في رواية أبي طالب: إذا حلف بالله ثم سكت قليلاً ثم قال: إن شاء الله، فله استثناؤه لأنه يكفرُ، والصحيح ما ذكرنا أولاً.
٥٧٧ - والحجة في ذلك أن الاستثناء لغة، وقد/٥٧ أبينت أنه غير مستعمل في عرف اللغة، (ذلك) لأن الإنسان إذا قال: رأيت الناس ثم قال بعد شهر: إلا زيداً (ثم قال): أردت به الاستثناء من الكلام الذي قلته منذ شهر قبح ذلك عندهم وعدوه لغواً.
٥٧٨ - دليل ثان: أن الاستثناء غير مستقل بنفسه وهو كالخبر مع المبتدأ، والجزاء مع الشرط فإنه قد ثبت أنه لو قال: زيد.
стр. 441
ثم قال: بعد شهر منطلق، أو قال: من دخل الدار، ثم قال بعد شهر فله درهم. لم (يحسن) ذلك (كذلك) الاستثناء.
٥٧٩ - دليل ثالث: أنه لو جاز (ذلك) وصح، (لم يستقر) عقد، ولا إيقاع طلاق وعتاق، ولم يوثق بأحد في وعد ولا وعيد، لجواز أن يستثني بعد زمان ما يسقط حكم الكلام، وفي اتفاق الناس على خلاف هذا دليل (على) بطلانه.
٥٨٠ - دليل رابع: أن من جوزه إلى سنة، لم ينفصل عمن جوزه إلى سنتين وأكثر، فبطل الجميع.
٥٨١ - واحتج بأن النبي ﷺ قال: "والله لأغزون قريشاً مرتين. ثم سكت ساعة. وقال: إن شاء الله تعالى".
الجواب: أن هذا غير ثابت، ولو ثبت فليس المراد به الاستثناء، وإنما المراد به أن الأفعال المستقبلة بمشيئة الله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.
стр. 442
٥٨٢ - واحتج بأنه: "تخصيص عموم فجاز أن يتأخر عن العموم كالتخصيص بغير الاستثناء.
قلنا: الاستثناء لغة لا يثبت بالقياس، وإن سلم قلنا: إن لفظ التخصيص (يفيد بانفراده، وكذا لفظ النسخ بخلاف لفظ الاستثناء. يوضح ذلك أن لفظ التخصيص والنسخ) يجوز أن يرد بعد سنتين بخلاف لفظ الاستثناء، فإنه مقدر إلى سنة عنده.
٥٨٣ - احتج بأنه: معنى يرفع حكم اليمين فجاز أن يقع منفصلاً كالكفارة.
قلنا: اللغة لا تثبت بالقياس، ثم لا نسلم أن الاستثناء يرفع حكم اليمين وإنما يوقفه على شرطه، والكفارة لا ترفع حكم اليمين، وإنما تمحص مأثم (الهتك) بالحنث.
٥٨٤ - واحتج من قدره بالمجلس: بأن حال المجلس كحال اللفظ في قبض الصرف والسلم والاشتراط، فكذا في الاستثناء.
قلنا: تلك أحكام اتفقنا في الشرع عليها (بعلة) وهذا (لغة) فوقف على عرف أهل اللغة كالخبر والجزاء والله أعلم بالصواب.
стр. 443
٥٨٥ - مسألة: لا يصح استثناء الأكثر من الجملة ، وبه قال ابن درستويه ويغره من أهل (اللغة) وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين: يصح ذلك.
٥٨٦ - لنا: أن الاستثناء لغة ولم نسمع ذلك في اللغة، فمن ادعاه فعليه الدليل.
فإن قيل: قد سمع بدليل قوله تعالى: (وهو أفصح اللغات): ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَاّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ﴾ وقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَاّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ﴾ فاستثنى العباد من الغاوين، والغاوين من العباد، وأيهما كان الأكثر فقد استثناءه من الآخر فدل على جوازه.
قلنا: هذا ليس باستثناء، وإنما (هو) تخصيص
стр. 444
بالصفات، والتخصيص (بالصفات) لا يراعي فيه القلة والكثرة لأن الغرض به بيان المراد، وإن من وجدت فيه تلك الصفة لا يراد باللفظ قل أو كثر ألا ترى أنه يجوز أن (يقول): اقتل من في الدار إلا البيض، فلو كان كل من في الدار أبيض لم (يحسن) (قتله)، وكذلك يجوز أن يستثني بالصفة مجهولاً من معلوم، (ومعلوماً من) مجهول ولا يجوز ذلك في الاستثناء بالعدد. بخلاف الاستثناء في العدد فإنه لو قال: اقتل العشرة الذين في الدار إلا عشرة، لم يصح الاستثناء، ووجب قتل الجميع.
جواب ثان: أنه استثناء منقطع، بمعنى لكن من اتبعك، ولكن عبادك المخلصين، يدل عليه (أن) قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَاّ مَنْ اتَّبَعَكَ﴾ (ظاهره يعطي) أنه استثناء في السلطان، معناه إلا من اتبعك من الغاوين فإن لك عليهم سلطاناً وهذا لا يصح لأن الغاوين لا سلطان (له) عليهم (أيضا) فإن الله قال في كتابه: ﴿وَقَالَ
стр. 445
الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ فأخبر أنه لا سلطان له على الغاوين (أيضاً) فدل على أن معناه: لكن من اتبعك من الغاوين/٥٧ ب وإن جهنم لموعدهم أجمعين.
جواب ثالث: لو ثبت أنه أريد به الاستثناء لم يدل على أن أحد الفريقين أكثر من الآخر لجواز أن يكونا سواء.
جواب رابع: لو ثبت أن أحد الفريقين أكثر (من الآخر)، وأنه استثناء. لم يكن قد استثنى إلا الأقل في الموضعين لأن إبليس قال: ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يعني ولد آدم (فلهذا) قال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَاّ قَلِيلاً﴾ ثم استثنى، فقال إلا عبادك منهم المخلصين وهم القليل المذكور ولهذا قيده بمنهم وقال: إلا عبادك منهم. فدل على ما قلنا.
وأما الآية الأخرى فإنه قال سبحانه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ فأضاف العباد إليه مطلقاً، وذلك يقع على كل عبد له من ملك وآدمي وجنى ثم قال: ﴿إِلَاّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ﴾
стр. 446
والغاوون من جميع العباد هم الأقل لأن الملائكة كلهم غير غاوين ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾. ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ وهم أكثر الخليقة، ويضاف إليهم من آمن من الإنس والجن، فيكونون أكثر من الغاوين بغير شك فثبت ما قلنا.
فإن قيل: فقد نقل (إليهم) ذلك عن أهل (اللسان) قال الشاعر:
أدوا التي نقصت سبعين من مائة ... ثم ابعثوا حكماً بالحق قواما
قلنا: ابن فصال النحوي، قال لم يثبت هذا البيت عن العرب، وإنما هو مصنوع. ثم لو صح، فليس باستثناء لأنه لم يأت فيه بحرف الاستثناء، (وحروف) الاستثناء (معروفة) محصورة، ولأن المراد بها الاقتضاء ببقية دية المقتول كأنه قال: قد بقى عليكم أكثر الدية (وادفعوه ذكر ذلك) ابن عرفه النحوي في
стр. 447
كتاب الاستثناء، وذكر قبله بيتاً وهو:
إن الذين قتلتم أمس سيدهم ... لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما
ثم قال: أدوا التي نقصت .... ، يدل على ذلك ما قاله أبو إسحق الزجاج في المعاني: لم يأت المستثنى في كلام العرب إلا في القليل من الكثير، وقال ابن جني: لو قال قائل: له مائة إلا تسعون، ما كان متكلماً بالعربية وكان كلامه عيا، وذكر معنى ذلك ابن قتيبة، وابن درستويه.
стр. 448
٥٨٧ - دليل ثان: أن الاستثناء وضع للاختصار أو للاستدراك، وليس في الحكمة وجود ذلك (في) الأكثر، ألا ترى أنه لو أراد إنسان أن يقر بدرهم (فقال) على ألف إلا تسعمائة "وتسعة" وتسعين (درهماً) لعدوه هاذياً لاغياً، وكذلك من كان عليه درهم لا يشتبه عليه ذلك بألف (درهم) حتى يقر بألف درهم ثم يستدرك تسعمائة (وتسعة) وتسعين.
فإن قيل: فقد (يتفق) مثل ذلك، وهو أن يكون لزيد (عليه) درهم ولعمرو ألف درهم، فيريد أن يقر لعمرو بألف (درهم) فيقر بها لزيد، ثم يذكر فيستدرك وإلا (هلك) ماله.
(قلنا: إن اتفق مثل) هذا فهو قادر لا يعلق عليه الحكم، ألا ترى أنه قد يتصور مثل ذلك في الكل بأن يكون لزيد عليه ألف (درهم) ولعمرو ألف (أخرى) وقد قضاه،
стр. 449
فيريد أن يقر لزيد فيقر لعمرو بما قد قضاه فيريد أن يستدرك (ذلك) لئلا تلزمه ألف فيقول: لعمرو. عليّ ألف، ثم يستدرك فيقول: إلا ألفا. ثم ذلك لا يصح بالاتفاق لأنه نادر كذلك هاهنا.
٥٨٨ - احتج بأن في القرآن استثناء الأكثر بدليل قوله تعالى: ﴿أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ﴾، قرأ بنصب وكسر الراء، وغير من حروف الاستثناء، والإربة الحاجة، فاستثنى من (التابعين) من له إربة وهم أكثر ممن لا حاجة له.
الجواب: أن المراد بالآية من تبع، وأكثر الأتباع (هم) الصبيان والخصيان والشيوخ الذين لا إربة لهم في النساء، فجعل الإربة صفة للأتباع، لا استثناء، ومن نصب على الحال/٥٨ أ (كأنه قال: هم) حال تبعهم غير أولي الإربة.
جواب آخر: أنه استثناء بصفة، وذلك تخصيص يجوز في الأقل والأكثر وخلافنا في الاستثناء من الأعداد (وقد تقدم) الفرق (بينه وبين غيره).
стр. 450
٥٨٩ - واحتج بقوله تعالى: ﴿قُمْ اللَّيْلَ إِلَاّ قَلِيلاً (٢) نِصْفَهُ﴾ فاستثنى النصف.
قلنا: قوله: "نصفه". كلام مبتدأ ليس باستثناء، وإنما الاستثناء إلا قليلاً ثم كأنه قال: قم نصفه، أو انقص منه، أو زد عليه، ثم الخرقي من أصحابنا قد أجاز استثناء النصف، وخلافنا في استثناء الأكثر.
٥٩٠ - واحتج بأنه معنى يخرج له من العموم ما لولاه لدخل فيه، فجاز في الأكثر كالتخصيص.
قلنا: هذا إثبات لغة بالقياس، وفيه نظر.
جواب آخر: أن التخصيص يفارق الاستثناء، (بدليل أنه يجوز بجميع أدلة العقل والشرع ولا يقف على حرف مخصوص، والاستثناء) لا يجوز إلا بحروف مخصوصة، ولهذا يجوز تخصيص المعلوم من المجهول. والمجهول من المعلوم ولا يجوز ذلك في الاستثناء بالعدد.
٥٩١ - واحتج بأنه إخراج بعض ما شمله العموم أشبه الأقل. الجواب: أن الأقل لغة العرب، (والأكثر) بخلافه ثم
стр. 451
الأقل يحسن (استداركه) ويؤتي به على وجه الاختصار بخلاف الأكثر. والله أعلم بالصواب.
٥٩٢ - مسألة: لا يصح الاستثناء من غير الجنس ، وإذا ورد ذلك فهو مجاز وليس بحقيقة، ذكره الخرقي في الإقرار فقال: ومن أقر بشيء واستثنى من غير جنسه كان استثناؤه باطلاً، وبه قال بعض الشافعية.
وقال بعضهم: (يصح ويكون) حقيقة وهو قول أصحاب أبي حنيفة ومالك وجماعة من المتكلمين.
٥٩٣ - لنا: أن الاستثناء إخراج بعض ما يتناوله (المستثني) منه، بدليل أنه مشتق من قولهم: ثنيت (فلاناً عن
стр. 452
رأيه، وثنيت عنان دابتي، إذا رددته. فيجب أن يكون الاستثناء رد بعض ما تناوله اللفظ، وقيل: إنه مشتق من تثنية) الخبر بعد الخبر عن الشيء، فكان الكلام خبراً عنه، (والاستثناء خبر عنه) أيضاً، فيجب أن يتناول ما تناوله الأول.
٥٩٤ - دليل ثان: أن الاستثناء يصح أن يخرج به بعض ما تناولته الجملة، فلا يصح أن يخرج (به) ما لم تتناوله (الجملة) كالتخصيص لا يخرج من العموم ما لم يتناوله العموم، (وإن) شئت قلت، إن الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل في اللفظ فلم يصح أن يكون من غير الجنس كالتخصيص.
٥٩٥ - دليل ثالث: أن لفظة "إلا" لا تصح للابتداء، ولا تنفرد بنفسها، وإنما ترد متعلقة بما قيلها فإذا أدخلت على غير الجنس لم تتعلق بالمستثنى منه فصارت مبتدأة فلم تصح.
٥٩٦ - دليل رابع: أن أهل اللسان يستقبحون أن يقول الإنسان جاءني الناس إلا الحمير ورأيت الناس إلا الكلاب، وما قبحوه إلا لما ذكرنا.
стр. 453
٥٩٧ - احتجوا بأن ذلك مستعمل في اللغة، والاستعمال يدل على الحقيقة، قال الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَاّ إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَاّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.
الجواب: أن أبا بكر من أصحابنا قال: إبليس من الملائكة، وحكى ذلك عن ابن عباس.
وقوله: "إلا إبليس كان من الجن" فيحتمل أنه كان من الملائكة المسيحين كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ يريد الملائكة وقيل إنه كان من خزان الجنان فسمى من الجن، ويحتمل أن يكون ذلك على وجه المجاز، وفي المستثنى إضمار كأنه قال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ ومن أمر بالسجود إلا إبليس.
وأما الآية الأخرى فهي استثناء منفصل بمعنى لكن رب العالمين، وقد ترد (إلا) بمعنى لكن قال الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَاّ خَطَأً﴾، والخطأ لا يجوز
стр. 454
أن يكون استثناء لأنه، يكون معناه إلا خطأ فإنه يكون له ذلك، فثبت أن معناه لكن إن قتله خطأ فتحرير رقبة (مؤمنة) ودية مسلمة إلى أهله، ولأن أهل الحجاز يقولون: ليس ذلك باستثناء، والقرآن بلغتهم نزل، ولهذا قال "إلا" إبليس بالنصب، قال ابن قتيبة في كتاب الجامع للنحو/٥٨ ب، ما يكون فيه "إلا" بمعنى "لكن" كقوله: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَاّ مَنْ رَحِمَ﴾.
وقوله: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَاّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ وقال هذا قول سيبويه، وقال الزجاج في أماليه الوجه الخامس من وجوه "إلا" أن يذكر بعدها ما ليس من جنس المذكور فتقطع مما قبلها واحتج بقول الشاعر:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
وكذلك قول النابغة:
стр. 455
وقفت فيها أصيلانا أسائلها ... عيت جوابا وما بالربع من أحد
إلا أواري لأيا ما أبينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
الجواب: أن اليعافير والعيس يحصل بها (بعض) الأنس، ويحتمل أن يراد فيه وفي الآخر الاستثناء المنقطع بمعنى لكن على ما بينا، ويحتمل أن يضمر فيه (معنى) مجاز ليس فيها أنيس ولا أجد إلا اليعافير وإلا العيس.
وكذلك ما بالربع من أحد ولا شيء (يرى) إلا أوارى يعني المعالف والحوض.
٥٩٨ - احتجوا بأنه استثناء لا يرفع الجملة فصح كاستثناء الجنس، واستثناء العين من الورق.
стр. 456
الجواب: أن الاستثناء لغة، وفي إثباته بالقياس نظر، ثم (في) الجنس يوجد معناه واشتقاقه بخلاف غير الجنس، ثم يلزم العموم يخرج منه بعض ما يتناوله التخصيص، ولا يخرج منه من غير الجنس.
فأما استثناء العين من الورق فلا يصح على قول أبي بكر وقال الخرقي يصح لأنهما كالجنس الواحد في كونهما ثمناً بخلاف قوله: (له) علىّ مائة درهم إلا ثوباً.
فإن قيل: فمعناه إلا قيمة ثوب والقيمة دراهم فيجب أن يصح.
قلنا: لو صح (هذا) لوجب إذا قال: له عليّ ثوب فقال أردت (قيمته) أن يصح. وقيل: يصح ذلك، لكن لا على وجه الاستثناء، وإنما يرجع إلى لفظ المقر وإن خالف الحقيقة، والظاهر كما (لو) قال له عليّ مائة ثم قال أردت مائة رغيف، أو مائة رمانة قبل (رجوع الاستثناء إليها) والله أعلم بالصواب.
стр. 457
٥٩٩ - مسألة: إذا ذكر جملاً عطف بعضها على بعض، ثم عقبها بالاستثناء، رجع استثناؤه إلى جميعها . مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَاّ الَّذِينَ تَابُوا﴾. رجع إلى نفي الفسق وقبول الشهادة عند أصحابنا.
وقد قال أحمد رحمة الله تعالى عليه في رواية ابن منصور (في) قوله ﵇ "لا يؤم الرجل في أهله ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه" قال: أرجو أن يكون الاستثناء علىك له، وبه قال أصحاب الشافعي.
стр. 458
وقال أصحاب أبي حنيفة يرجع إلى أقرب مذكور.
وقال عبد الجبار إذا لم يكن الثاني إضراباً عن الأول وخروجاً من قصة إلى قصة صح رجوع الاستثناء إليهما.
وأجمع الجميع أن الاستثناء بمشيئة الله تعالى وفي الشرط، أنه يرجع إلى كلا الكلامين.
وقال الأشعرية: هو موقوف على الدليل.
٦٠٠ - دليلنا: أن الاستثناء/٥٩ أكالشرط وكالاستثناء بمشيئة الله تعالى في أنه لا يستقل بنفسه، ثم الشرط (ومشيئة الله تعالى) ترجع إلى الجميع، فكذلك لفظ الاستثناء، وبيانه لو قال: عبيده أحرار ونساؤه طوالق إن دخل الدار، رجع الشرط إلى الجميع، وكذلك (إذا) قال: والله لا كلمت زيداً ولا عمراً ولا خالداً إن شاء الله رجع إلى الجميع.
стр. 459
فإن قيل: إنما رجع في الشرط إلى الجميع لأن مرتبة الشرط أن يتقدم على الجزاء سواء تقدم (على) اللفظ أو تأخر، فكأنه قال: إن دخلت الدار فنسائي طوالق وعبيدي أحرار. وكذا الاستثناء بمشيئة الله لفظها لفظ الشرط فهي تجري مجراه، بخلاف لفظ الاستثناء فإنه لا يصلح تقدمه وإنما ينبني الكلام على ما يليه.
قلنا: لا فرق بينهما في المعنى، ألا ترى أنه لا فرق بين قوله: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً ... إِلَاّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ وبين قوله: ولا تقبلوا لهم شهادة/٥٩ أأبداً (إن لم) يتوبوا.
جواب آخر: كان يجب أن يقولوا إن الشرط وإن كان رتبته التقدم إلا (أنه يتقدم) على ما يليه فيكون (تقدير) قوله: نسائي طوالق فإن دخلت الدار فعبيدي أحرار، فلما جعلتموه يتقدم على الجميع، وجب أن يكون الاستثناء كذلك.
جواب آخر: إن كان مرتبة الشرط التقدم فيجب أن يفتقر إلى الفاء ألا ترى أنه يحتاج أن يقول إذا دخلت الدار: فأنت طالق، حتى قال محمد بن الحسن إذا قال: (إن دخلت الدار أنت
стр. 460
طالق) يقع (الطلاق) في الحال ولا يقف على الشرط، وقد ثبت أنه يقول: أنت طالق إن دخلت (الدار) فتسقط الفاء فدل على أنه يختلف بحكم التقدم والتأخر.
٦٠١ - دليل آخر: أن (الكلام يجري مع واو العطف) مجرى الجملة (الواحدة)، لأن واو العطف في الأسماء المختلفة تقوم مقام واو الجمع في الأسماء المتماثلة، لأنه لا فرق بين أن يقول: جاءني زيد (وبكر) وخالد، وبين أن يقول: جاءني الزيدون، ثم ثبت أن الاستثناء إذا تعقب جملاً (عددية) رجع إلى الجميع مثل أن يقول: اقتلوا الزيدين إلا من دخل الدار، فكذلك إذا تعقب جملاً معطوفة كقوله اقتلوا زيداً، وبكرا، وخالدا إلا أن يدخلوا الدار.
فإن قيل: فرق بين المذكور جملة وبين المعطوف، ألا ترى أنه لو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة (وقع اثنتان وصح الاستثناء ولو قال أنت طالق وطالق وطالق إلا واحدة) (لم يصح الاستثناء ووقع ثلاثاً.
следующие страницы →