← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14103

التمهيد في أصول الفقه

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الجواب: أن الاستثناء لغة، وفي إثباته بالقياس نظر، ثم (في) الجنس يوجد معناه واشتقاقه بخلاف غير الجنس، ثم يلزم العموم يخرج منه بعض ما يتناوله التخصيص، ولا يخرج منه من غير الجنس. فأما استثناء العين من الورق فلا يصح على قول أبي بكر وقال الخرقي يصح لأنهما كالجنس الواحد في كونهما ثمناً بخلاف قوله: (له) علىّ مائة درهم إلا ثوباً. فإن قيل: فمعناه إلا قيمة ثوب والقيمة دراهم فيجب أن يصح. قلنا: لو صح (هذا) لوجب إذا قال: له عليّ ثوب فقال أردت (قيمته) أن يصح. وقيل: يصح ذلك، لكن لا على وجه الاستثناء، وإنما يرجع إلى لفظ المقر وإن خالف الحقيقة، والظاهر كما (لو) قال له عليّ مائة ثم قال أردت مائة رغيف، أو مائة رمانة قبل (رجوع الاستثناء إليها) والله أعلم بالصواب.

стр. 457

٥٩٩ - مسألة: إذا ذكر جملاً عطف بعضها على بعض، ثم عقبها بالاستثناء، رجع استثناؤه إلى جميعها . مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَاّ الَّذِينَ تَابُوا﴾. رجع إلى نفي الفسق وقبول الشهادة عند أصحابنا. وقد قال أحمد رحمة الله تعالى عليه في رواية ابن منصور (في) قوله ﵇ "لا يؤم الرجل في أهله ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه" قال: أرجو أن يكون الاستثناء علىك له، وبه قال أصحاب الشافعي.

стр. 458

وقال أصحاب أبي حنيفة يرجع إلى أقرب مذكور. وقال عبد الجبار إذا لم يكن الثاني إضراباً عن الأول وخروجاً من قصة إلى قصة صح رجوع الاستثناء إليهما. وأجمع الجميع أن الاستثناء بمشيئة الله تعالى وفي الشرط، أنه يرجع إلى كلا الكلامين. وقال الأشعرية: هو موقوف على الدليل. ٦٠٠ - دليلنا: أن الاستثناء/٥٩ أكالشرط وكالاستثناء بمشيئة الله تعالى في أنه لا يستقل بنفسه، ثم الشرط (ومشيئة الله تعالى) ترجع إلى الجميع، فكذلك لفظ الاستثناء، وبيانه لو قال: عبيده أحرار ونساؤه طوالق إن دخل الدار، رجع الشرط إلى الجميع، وكذلك (إذا) قال: والله لا كلمت زيداً ولا عمراً ولا خالداً إن شاء الله رجع إلى الجميع.

стр. 459

فإن قيل: إنما رجع في الشرط إلى الجميع لأن مرتبة الشرط أن يتقدم على الجزاء سواء تقدم (على) اللفظ أو تأخر، فكأنه قال: إن دخلت الدار فنسائي طوالق وعبيدي أحرار. وكذا الاستثناء بمشيئة الله لفظها لفظ الشرط فهي تجري مجراه، بخلاف لفظ الاستثناء فإنه لا يصلح تقدمه وإنما ينبني الكلام على ما يليه. قلنا: لا فرق بينهما في المعنى، ألا ترى أنه لا فرق بين قوله: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً ... إِلَاّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ وبين قوله: ولا تقبلوا لهم شهادة/٥٩ أأبداً (إن لم) يتوبوا. جواب آخر: كان يجب أن يقولوا إن الشرط وإن كان رتبته التقدم إلا (أنه يتقدم) على ما يليه فيكون (تقدير) قوله: نسائي طوالق فإن دخلت الدار فعبيدي أحرار، فلما جعلتموه يتقدم على الجميع، وجب أن يكون الاستثناء كذلك. جواب آخر: إن كان مرتبة الشرط التقدم فيجب أن يفتقر إلى الفاء ألا ترى أنه يحتاج أن يقول إذا دخلت الدار: فأنت طالق، حتى قال محمد بن الحسن إذا قال: (إن دخلت الدار أنت

стр. 460

طالق) يقع (الطلاق) في الحال ولا يقف على الشرط، وقد ثبت أنه يقول: أنت طالق إن دخلت (الدار) فتسقط الفاء فدل على أنه يختلف بحكم التقدم والتأخر. ٦٠١ - دليل آخر: أن (الكلام يجري مع واو العطف) مجرى الجملة (الواحدة)، لأن واو العطف في الأسماء المختلفة تقوم مقام واو الجمع في الأسماء المتماثلة، لأنه لا فرق بين أن يقول: جاءني زيد (وبكر) وخالد، وبين أن يقول: جاءني الزيدون، ثم ثبت أن الاستثناء إذا تعقب جملاً (عددية) رجع إلى الجميع مثل أن يقول: اقتلوا الزيدين إلا من دخل الدار، فكذلك إذا تعقب جملاً معطوفة كقوله اقتلوا زيداً، وبكرا، وخالدا إلا أن يدخلوا الدار. فإن قيل: فرق بين المذكور جملة وبين المعطوف، ألا ترى أنه لو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة (وقع اثنتان وصح الاستثناء ولو قال أنت طالق وطالق وطالق إلا واحدة) (لم يصح الاستثناء ووقع ثلاثاً.

стр. 461

قيل: لا نسلم هذا ويقع اثنتين)، وقد نص أحمد رحمة الله عليه على أنه إذا قال لزوجته وهي غير مدخول بها: أنت طالق وطالق وطالق يقع الثلاث كما لو قال أنت طالق ثلاثاً لأن واو العطف كواو الجمع والاشتراك. ٦٠٢ - دليل آخر: أن الاستثناء يصلح عوده إلى كل واحدة من الجملتين، وليس إحداهما أولى من الأخرى، فوجب أن يرجع إليهما كالعموم لما صلح لكل واحد من الجنس دخل فيه. ٦٠٣ - دليل آخر: لو قال قائل: بنو تميم (وبنو ربيعة) أكرموهم إلا الطوال. رجع الاستثناء إلى الجميع، فكذلك إذا قال: أكرم بني تميم وربيعة إلا الطوال، فإنه لا فرق بين تقدم الأمر وتأخره. ٦٠٤ - دليل آخر: لو رجع الاستثناء إلى ما يليه لكان إذا قال: له على خمسة وخمسة وخمسة إلا سبعة أن يلغوا الاستثناء ويلزمه خمسة عشر، فلما اجتمعنا على أنه يلزمه ثمانية دل على أن الاستثناء يرجع إلى الجميع. فإن قيل: إنما يرجع إلى ما يليه لمانع، وهو أن الاستثناء إخراج من جملة، والسبعة لا تكون جزء الخمسة فرجع إلى الجميع. قيل: هاهنا أيضاً وهو أن واو العطف تجعل الجملتين كالجملة الواحدة لأنها تقتضي الجمع والتشريك على ما بينا.

стр. 462

٦٠٥ - احتج المخالف: بأن الصحابة ﵃ ردوا الاستثناء إلى الجملة الثانية دون الأولى في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللَاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنّ﴾ فشرطوا الدخول في الربائب دون أمهات النساء وحرموا أمهات النساء بمجرد العقد. الجواب: أن هذا ليس باستثناء وإنما هو صفة فلم يجب في الاستثناء ما يجب فيه لأنهم لم يجمعوا بينهما بعلة. جواب آخر: أن قوله: "اللاتي في حجوركم" نعت للربائب دون أمهات النساء لأن أمهات النساء لسن في حجورنا ولا هن من نسائنا وقوله: "اللاتي دخلتم بهن"، وإن رجع إلى النساء إلا أنه من تمام نعت الربائب، فصح أن الكلام يخرج، فمن يقيد الربائب لا يدخل فيه أمهات النساء. يؤكد هذا أن الصفة يكون العامل فيها العامل في الموصوف، والعامل في قوله "وأمهات نسائكم" الإضافة وفي قوله "من نسائكم" حرف الجر ولا يصلح أن يعمل في الصفة عاملان مختلفان فامتنع عودها إلى الله. ٦٠٦ - واحتج بأن العموم قد ثبت في كل جملة من الجمل المتقدمة وعود الاستثناء إلى جميعها مشكوك فيه، فلا يزول العموم المتيقن بالشك. الجواب: أنا لا نسلم/٥٩ ب ذلك، لأن العموم إنما يثبت بوقوع السكوت عن الكلام من غير استثناء، فأما إذا اتصل به الاستثناء فلم

стр. 463

يثبت العموم، ولأنه يبطل بالشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالى، فإن العموم قد ثبت بكل جملة وعودها إلى جميعها مشكوك فيه، ثم قد عاد إلى الجميع. ٦٠٧ - احتج بأن الاستثناء لا يستقل بنفسه ولا يفيد بإفراده فوجب رده إلى ما تقدم ذكره، فإذا رد إلى ما يليه فقد استقل وأفاد فتعليقه تعليق على الزيادة يجري مجرى الكلام المستقل بغيره لا من ضرورة. الجواب: أنا لا نسلم أنا نرده إلى ما تقدم ليستقل وإنما نرده ليصلح عوده إليهما أو لأنهما كالجملة الواحدة بواو العطف ولأن ليس أحد الجملتين أولى من الأخرى. جواب آخر: أن هذا الكلام يمنع من رجوع الكلام المتقدم لأجل الاستقلال، ولا يمنع من الرجوع إليه بسبب آخر غير ذلك لأن الحكم قد يثبت بأسباب. جواب ثالث: يبطل بالشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالى لأنه غيره، وبتعليقه بما يليه يفيد. ثم إذا ورد تعلق بجميع ما تقدم كذلك ها هنا. ٦٠٨ - واحتج بأن الاستثناء من الجمل "كالاستثناء" من الاستثناء، بدليل أن كل واحد منهما لا يفيد بنفسه، ثم الاستثناء من الاستثناء يرجع إلى ما يليه دون الجملة الأولى، وكذلك الاستثناء يرجع إلى ما يليه دون الجملة الأولى، وكذلك الاستثناء من الجمل، وبيان ذلك أنه لو قال،

стр. 464

له عليّ عشرة إلا أربعة إلا درهمين يرجع الاستثناء أخيراً إلى الأربعة دون العشرة. الجواب: إنما لم يرجع إلى العشرة لأن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات. فإذا قال: له عليّ عشرة فهو إثبات. فإذا قال: إلا أربعة فهو نفي، فإذا قال: إلا درهمين فهو إثبات، فإذا رجع استثناء الدرهمين إليهما لكان استثناء إثبات من إثبات فلم يجز. جواب آخر: أنا لو رددنا استثناء الدرهمين إلى الجمع لكان استثناء درهمين من أربعة، ودرهمين من عشرة فيكون استثناء أربعة وهو إنما استثنى درهمين. جواب آخر: أن الاستثناء الأول لم يصر مع ما تقدمه كجملة واحدة بحرف عطف، فيرجع الاستثناء الثاني إليهما بخلاف قوله: (أكرم بني تميم، وربيعة، إلا الطوال). فإن قيل: (فلم) رددتموه إلى الجملة التي تليه دون الجملة الأولى. قلنا: لأنا لو رددنا قوله إلا درهمين إلى العشرة، وقد رددنا الأربعة إلى العشرة لجعلنا المتكلم قد أراد استثناء ستة من العشرة، ولو

стр. 465

أراد (ذلك) لقال إلا ستة أو كان يقول: إلا أربعة وإلا درهمين فيعطف بواو العطف، فلما عدل عن ذلك دل على أنه أراد عوده إلى الجملة الثانية. ٦٠٩ - احتج بأن الجملة الثانية فاصلة بين الاستثناء والجملة الأولى، فلم يرجع الاستثناء إليها كما لو (فصل) بينهما بقطع الكلام وإطالة السكوت. الجواب: أنا لا نسلم أنه فصل لأنا قد بينا أنه لما عطف بالواو صارت (الجمل) كالجملة الواحدة. جواب آخر: أن الفصل بالسكوت (وقطع) الكلام لو كان بين الاستثناء وبين جملة واحدة لم يرجع الاستثناء إليها بخلاف الاستثناء مع اتصال الكلام، فإنه لو كان عقب جملة واحدة رجع إليها. ولأنه لو فصل بين الجملة والشرط بالسكوت لم يرجع، ولو فصل بين الجملة الأولى والشرط بجملة ثانية رجع الشرط إلى الجملتين كذلك الاستثناء. ٦١٠ - احتج من ذهب إلى الوقف: بأنه يجوز أن يكون عائداً إلى البعض، ويجوز أن يكون عائداً إلى الكل فوجب الوقف (فيه).

стр. 466

الجواب: أن عوده إلى الكل هو الظاهر، وقد دللنا عليه، ثم القول بالوقف عدول عن العلم، لأن أهل اللغة (منهم) من جعل الجملتين كالجملة الواحدة ورد الاستثناء إلى الجميع، ومنهم من قال الاستثناء يرجع إلى ما يستقل به وهو ما يليه ولم يقل أحد بالوقف (أصلاً)، فهو (إحداث) قول ثالث خارج عن قول الجميع.

стр. 467

باب في تخصيص العموم بالأدلة المنفصلة ٦١١ - مسألة: يجوز تخصيص العموم بدلالة العقل ذكره شيخنا/٦٠ أ، وحكى قول أحمد فيما خرجه في محبسه على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظم الرب شيء أحشاؤكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والأماكن القذرة، (فخص) الظاهر بالعقل، وبه قال أكثر العلماء. وقال قوم: لا يخص العموم بدليل العقل وهو ظاهر

стр. 468

قول من يقول: إن العقل لا يحسن ولا يقبح وإن الشرع يرد بما لا يقتضيه العقل فيما يقع لي وهو مذهب (أصحاب الأشعري). ٦١٢ - والدليل على الأول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ لا يخلوا إما أن يعلم بالعقل أن هذا الخطاب لم يدخل فيه المجانين والأطفال أو يدخلون. فإن قالوا: نعلم بالعقل أنهم لم يدخلوا ولكن لا نسميه تخصيصاً. قلنا: وافقتم في المعنى وخالفتم في الاسم، فنرجع إلى معنى التخصيص ما هو؟ فيعلم أن معناه إخراج بعض ما تناوله الخطاب من الأشخاص. وإن قالوا: قد دخلوا فيه. قلنا: هو خطأ لأن المجانين والأطفال لا يمكنهم فهم المراد بالخطاب لا مجملاً ولا مفصلاً، وإرادة الفهم ممن لا يتمكن منه

стр. 469

تكليف ما لا يطاق، وقد قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا﴾. ٦١٣ - دليل آخر: أن أدلة العقل تقتضي بنا العلم بالكتاب والسنة المتواترة بالإجماع ثم تخصيص العموم يجوز بهذه الأدلة، كذلك تخصيصه بدليل العقل. فإن قيل: هذه الأدلة يجوز بها النسخ فجاز بها التخصيص، بخلاف العقل فإنه لا يجوز به النسخ، فلا يجوز به التخصيص. قلنا: لم كان كذلك، والنسخ والتخصيص يختلفان، فإن النسخ بيان مدة الحكم ولا مدخل للعقل في ذلك، لأن الصلاة لا تقبح في العقل (في) وقت دون وقت بخلاف التخصيص فإنه بيان مراد المخاطب وهذا يعلم بالعقل (لأنا بالعقل نعلم) أن الإنسان لا يخاطب من لا يفهم، ثم يلزم الإجماع يجوز به التخصيص، ولا يجوز به النسخ، وكذلك القياس وخبر الواحد. ٦١٤ - احتج المخالف بأن دليل العقل متقدم، والمخصص لا يكون متقدماً. قلنا: لا نسلم ونقول بل يكون متقدماً ومقارناً ومتأخراً، (إلا أن) الدليل يتقدم على مدلوله.

стр. 470

٦١٥ - احتج بأن التخصيص كالاستثناء، ثم الاستثناء لا يجوز تقدمه كذلك دليل التخصيص. قلنا: الاستثناء لا يستقل بنفسه، فوجب أن يتعلق بما قبله، والمخصص يستقل بنفسه، ألا ترى أنه يجوز أن (يقال خطابي للعقلاء) دون المجانين والأطفال، (فيستقل هذا الخطاب بنفسه ولا يجوز أن يقال ابتداء إلا المجانين والصبيان). ثم يخاطب فيقول: يا أيها الناس، فافترقا. ٦١٦ - احتج بأن معنا عموم كتاب الله تعالى ومعنا العقل فلم يقدم التمسك بالعقل على التمسك بكتاب الله. الجواب: أن عموم الكتاب يحتمل التخصيص، ولهذا يخصص بالخير والقياس، والعقل صريح في قبح خطاب من لا يفهم غير محتمل، فصار بمنزلة النص مع العموم فإنه يختص (به) كذلك ها هنا. ٦١٧ - احتج بأن الصبي أو المجنون يدخل في الخطاب بالزكاة وأرش الجنايات. قلنا: لا يدخل في ذلك وإنما يخاطب وليه بأن يخرج الحق (من) ماله.

стр. 471

٦١٨ - واحتج بأنه يصح إسلامه (وظهارته) وصلاته وصومه، فدل على دخوله في الخطاب. قلنا: إنما يصح منه ذلك إذا كان ممن يعقل، ومن يعقل ويفهم يجوز أن يخاطب. فإن قيل: فإن دخل في الخطاب (فقل إنه) يجب عليه ذلك. قلنا: من أصحابنا من يوجب عليه الإسلام والطهارة إذا عقل ذلك، وكذلك في الصوم إن أطاقه. (ومن) قال: لا يجب فإنما أسقط الوجوب بدليل آخر. إما الإجماع، أو لقوله ﷺ : "رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ" /٦٠ ب والله أعلم بالصواب. ٦١٩ - مسألة: (يجوز تخصيص) (عموم) الكتاب بخبر الواحد ، نص عليه في رواية عبد الله في الآية إذا

стр. 472

كانت عامة، ينظر ما جاءت به (السنة، لتكون السنة هي الدليل) على ظاهرها مثل قوله: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ فلو كانت الآية على ظاهرها ورث كل من يقع عليه اسم ولد وإن كان يهودياً أو نصرانياً أعبداً أو قاتلاً، فلما جاءت السنة أنه لا يرث مسلم كافراً ولا كافر مسلماً ولا يرث قاتل ولا عبد، كانت دليلاً على ما أراد الله من ذلك وبه قال أصحاب الشافعي. وقال بعض المتكلمين: لا يجوز تخصيص العموم (بخبر) الواحد، وقال عيسى بن أبان ما دخله التخصيص بطريق

стр. 473

متفق عليه جاز تخصيصه بخبر الواحد، وما لم يدخله التخصيص لا يخص. ٦٢٠ - دليلنا ما احتج به الإمام أحمد رحمة الله عليه في آية المواريث وأن السنة خصصتها وانعقد الإجماع على ذلك. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ في النكاح أجمعوا على تخصيصها بخبر أبي هريرة: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها". واحتج أبو بكر ﵁ على فاطمة ﵂ بخبر الواحد لما طلبت ميراثها وأمثال ذلك كثير.

стр. 474

فإن قيل: فقد خالف عمر ﵁ ورد حديث فاطمة بنت قيس في المبتوتة. لا نفقة لها ولا سكنى وقال: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة". وأراد بالكتاب قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾. قلنا: إنما رده لأنه اتهمها في الخبر ولهذا قال: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لعلها نسيت أو شبه لها" وفي لفظ (لا نترك لقول امرأة) لا ندري أصدقت أم كذبت، وكلامنا فيما صح من الأخبار وسكنت إليه نفس المجتهد، ولأن الآية مخصصة في حق الصغير بالإجماع وعندهم ما دخله التخصيص يجوز تخصيصه بخبر الواحد، دل على أن عمر لم يرده إلا أنه لم يصح عنده.

стр. 475

فإن قيل: فقد (قبلوا) خبر الواحد فيما لا يجوز قبوله، ولهذا قبل أهل قباء خبر الواحد في نسخ القبلة وإن كان لا يجوز (النسخ). قلنا: قد ذكر شيخنا أنه يجوز ذلك أيضاً لأن أحمد نص عليه فقال في رواية أبي الحارث والفضل بن زياد في خبر الواحد إذا كان إسناده صحيحاً وجب العمل به. ثم قال: أليس القبلة حين حولت أتاهم الخبر وهم في الصلاة فتحولوا نحو القبلة وخبر الخمر أهرقوها ولم ينتظروا غيره، فقد أخذوا بخبر الواحد فيما يخبر به (من) النسخ.

стр. 476

٦٢١ - دليل آخر: خبر الواحد يوجب العمل بالاتفاق، فجاز أن يخصص به العموم (كالتواتر). فإن قيل: خبر التواتر يوجب العلم وهو مقطوع به فقوى بخلاف خبر الواحد. قلنا: ألا فرقتم بهذا في باب العمل (وفي) العموم المخصوص. جواب آخر: إن لم يكن خبر الواحد مقطوعاً به، فالعمل به مقطوع به، وما يوجب المقطوع (به) يجري مجراه. ٦٢٢ - دليل آخر: أن العموم معرض للتخصيص فاحتمل أن يعدل به عما تناوله، والمخصوص يتناول الحكم على وجه لا يحتمل التخصيص ولا يعدل به عما يتناوله فكان (أولى) في تناول الحكم والرجوع إليه، ولهذا قدم خصوص القرآن والسنة على عمومهما لما ذكرنا من المعنى. ٦٢٣ - احتج المخالف بأن الكتاب مقطوع به، وخبر الواحد غير مقطوع به فلا يجوز ترك المقطوع (به) لغيره كالإجماع لا يترك بخبر الواحد.

стр. 477

قلنا: المقطوع به هو (ورود) لفظة على صيغة العموم، فأما مقتضاه فغير مقطوع به لأنه يحتمل أن يراد به غير الاستغراق ولهذا لا يجوز أن يقطع على كذب الخبر المخصص. جواب آخر: أنا نقول بذلك وأنه لا يسقط العموم بخبر الواحد وإنما يبين به المراد. ولهذا قال أحمد ﵁: فلما وردت السنة كانت دليلاً على (ما أراد الله تعالى، وهذا حقيقة التخصيص فعلى هذا بين) أن (الله تعالى) ما أراد بلفظ العموم الاستغراق، وإنما أراد ما لم يتناوله الخبر الخاص. جواب آخر: أنه يبطل بالأشياء إذا أباحها العقل أو الأصل فإنه يقطع بإباحتها بذلك، ثم بخبر الواحد يجوز تخصيصها. جواب آخر: أن الخبر وإن لم يقطع به فإن/ ٦١ أحكمه ثبت بأمر مقطوع به، فكان حكمه وحكم ما قطع به واحد، والمعنى في الإجماع أنه لا احتمال فيه، وخبر الواحد يحتمل النسخ فيقدم الإجماع عليه في مسألتنا، وعموم القرآن (يحتمل التخصيص)، والخبر الخاص غير محتمل فقدم ما لا يحتمل. ٦٢٤ - واحتج بأنه إسقاط بعض ما يقتضيه عموم القرآن بخبر الواحد فلم يجز كالنسخ.

стр. 478

الجواب: أنا لا نسلم أنه إسقاط، بل هو يبين المراد (به) ثم (إن) النسخ إسقاط لموجب اللفظ فلم يجز إلا بمثله (أو بما) هو أقوى منه، والخصوص بيان ما أريد باللفظ فجاز بما دونه، ثم يلزم (عليه) القياس، يخصص به خبر الواحد ولا ينسخ به خبر الواحد. ٦٢٥ - فصل: وفيما ذكرنا دلالة على عيسى بن أبان، ونزيد أن ما جاز أن يخصص به ما دخله التخصيص جاز أن يخصص به ما لم يدخله التخصيص كخبر التواتر. ٦٢٦ - احتج بأن ما دخله التخصيص صار مجازاً (فقبل خبر) الواحد في تخصيصه، كما قلنا في بيان الجمل، وما لم يدخله التخصيص باق على حقيقته في الاستغراق فلم يقابله خبر الواحد لأنه يضعف عنه. الجواب: أنا لا نسلم أنه باق على حقيقته في الاستغراق إلا أن لا يرد خبر مخصص، ثم لا فرق بينهما فإن العموم وإن خص فمعناه (معقول) وامتثاله ممكن فيه لم يتناوله التخصيص حقيقة مثل الذي لم يدخله التخصيص، فيجب أن يكون حكمهما سواء

стр. 479

بخلاف المجمل فإنه لا يعقل المراد منه ولا يمكن امتثاله ثم بقاؤه على حقيقته لا يمنع (من احتمال) التخصيص وبيان المراد به والله أعلم بالصواب. ٦٢٧ - مسألة: يجوز تخصيص عموم السنة بخاص القرآن على ظاهر كلامه في رواية عبد الله، وبه قال عامة الفقهاء والمتكلمين. وخرج ابن حامد رواية أنه لا يجوز ذلك وبه قال بعض الشافعية وغيرهم. ٦٢٨ - لنا قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ

стр. 480

شَيْءٍ﴾ ولم يفصل، ولأن القرآن مقطوع بطريقه، فيه إعجاز وبرهان، فإذا جاز تخصيص الكتاب بالسنة فتخصيص السنة بالكتاب أولى (وأحرى لقوته وضعفها، ولأنه إذا جاز أن يخص القرآن بالقرآن فتخصيص السنة بالقرآن أولى)، ولأن التخصيص يبين المراد فإذا جاز أن يبين المراد (لنا) بالسنة، جاز أن يبين لنا المراد بكلامه. ٦٢٩ - احتج المخالف بقوله : ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. الجواب: أنه ليس في أمره أن يبين لنا ما نزل ما يمنع أن يبين الله تعالى (لنا بكلامه) ما أنزله إلينا، وقد ذكر (سبحانه أن كتابه تبيان) لكل شيء (وأن رسوله) مبين أيضاً، ونحن نقول بالجميع. جواب آخر: أن المراد بهذا البيان الإظهار والإعلام بدليل أنه علقه على جميع الكتاب والتخصيص لا يدخل على جميع الكتاب وإنما يفتقر جميع الكتاب إلى "الإظهار والإعلام".

стр. 481

جواب آخر: أنا نحمله على أنه يبين ما يفتقر إلى البيان مما لم يبينه الكتاب. ٦٣٠ - واحتج بأن التفسير والتبيين تابعان للمبين والمفسر، فلو خصصنا السنة بالقرآن جعلنا السنة هي الأصل والقرآن هو (الفرع) لأنه الذي يفسرها ويبينها وهذا لا يجوز. والجواب: أنه ليس كذلك، ومن يقول إن المفسر تابع والمفسر هو الأصل ألا ترى أن تخصيص القرآن بعضه ببعض وتخصيص السنة بعضها ببعض لا يدل على أن المخصص هو الأصل والمخصص تابع، وقد ورد تخصيص القرآن بعضه ببعض لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ خص بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وخص قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ بقوله: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، والسنة تخصيصها بالسنة أكثر من أن يحصى، ولأنه قد خص الآحاد بالتواتر، ولا أحد يقول إن التواتر فرع الآحاد، ولا أن الأصل هو الآحاد كذلك هاهنا.

стр. 482

والله أعلم بالصواب. ٦٣١ - مسألة: يجوز تخصيص العموم من الكتاب والسنة بفعل الرسول ﷺ . قال أحمد في رواية صالح: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ لما قالت عائشة وميمونة: "كانت إحدانا إذا حاضت اتزرت ودخلت مع رسول الله ﷺ " في شعاره، دل أنه أراد الجماع، فخص العموم بفعل الرسول ﷺ ، وبه قال أكثرهم. وقال الكرخي لا يجوز. ٦٣٢ - لنا/٦١ ب: أن المسلمين أجمعوا على تخصيص قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾

стр. 483

"برجم" النبي ﷺ لماعز ولأن فعله كقوله في الدلالة، ولهذا يجوز أن تثبت به الأحكام ابتداء، فكانا في التخصيص سواء. ٦٣٣ - احتج المخالف بأنه يحتمل أن يكون مخصوصاً بهذا الفعل، ويحتمل أن يكون هو وأمته سواء فيه، فلا يجوز أن يخصص بهذا الفعل المشكوك، العموم المتيقن. قلنا: لا يكون مخصوصاً بالفعل إلا أن يدل دليل على تخصيصه وإلا فالظاهر أنه وأمته سواء في الفعل فجاز أن يخصص بهذا الظاهر العموم، ولهذا لما خص في عمرة الحديبية قال للناس::انحروا هديكم وتحللوا فلم يفعلوا، حتى دخل فشكى إلى زوجته أم سلمة، فقالت: يا رسول الله: اخرج وانحر هديك ولا تكلمهم. فخرج فنحر هديه فازدحم الناس على هداياهم ينحرونها" والله أعلم بالصواب. ٦٣٤ - مسألة: يجوز تخصيص العموم بافجماع، وقال بعضهم لا يجوز.

стр. 484

٦٣٥ - لنا: أن الإجماع حجة تثبت به الأحكام فهو كالكتاب والسنة. ٦٣٦ - احتج بأنه لا ينسخ به (فلم يخص به). قلنا: هذا جمع من غير علة، ثم التخصيص يبين المراد باللفظ، وهذا يجوز أن يقترن باللفظ ويجوز أن يجيء بعده، فإذا انعقد الإجماع على التخصيص علم أن المراد بذلك اللفظ العام البعض، بخلاف النسخ فإنه رفع (الحكم الثابت). والإجماع إنما ينعقد بعد النبي ﷺ ، وبعد النبي ﷺ لا يجوز أن يرتفع الحكم الثابت ولا ينسخ. والله أعلم بالصواب. ٦٣٧ - مسألة: يجوز تخصيص العموم بدليل الخطاب، وقال بعضهم لا يجوز. وهذا يرجع إلى إثبات دليل الخطاب هل هو حجة أم لا؟ فإذا ثبت أن حجة جرى مجرى التنبيه والنطق، وسنذكر مسائل دليل الخطاب والتنبيه فيما بعد (هذا) إن شاء الله.

стр. 485

٦٣٨ - مسألة: يجوز تخصيص العموم بقول الصحابي على الرواية التي تقول إن قوله حجة وقد (ذكر شيخنا ذلك) وقال: نص عليه أحمد في رواية أبي الحارث وصالح، في الآية إذا جاءت يحتمل أن تكون عامة، ويحتمل أن تكون خاصة، نظرت ما عملت عليه السنة، فإن لم يكن فعن الصحابة، فإن كانوا على قولين أخذنا بأشبه القولين بكتاب الله تعالى. وهذه الرواية لا تدل على أن قول الصحابي وحده حجة يخصص به، وإنما أشار أحمد إلى جميعهم لأنه ذكرهم بالألف واللام، ولأنه قال: فإن اختلفوا على قولين أخذ بأشبه القولين (بكتاب الله تعالى) وبه قال أبو حنيفة. واختلف أصحاب الشافعي إذ جعلوا قول الصحابي حجة على القول القديم. فقال بعضهم: يخص به، وقال بعضهم: لا يخص (به).

стр. 486

٦٣٩ - لنا: أن قول الصحابي يقدم على القياس، ثم القياس يخص به العموم، فأولى أن يخص بما تقدم عليه، ولأنه حجة فهو كالخبر. ٦٤٠ - احتج بأن الصحابي يترك مذهبه للعموم بدليل أن ابن عمر قال: "كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأساً حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة". قلنا: يترك مذهبه للنص الذي روى عن النبي ﷺ ، فأما تركه (للعموم فإنه) إذا قال قولاً فهو عن دليل، إما نص، أو قياس، أو عموم، والنص والقياس يخصص بهما العموم، والعموم إذا عارض العموم لم يترك به بل يعدل إلى الترجيح. ٦٤١ - واحتج: بأن العموم حجة فلا يخص بفتياه كسائر التابعين. قلنا: قول التابعي ليس بحجة بخلاف الصحابي. ٦٤٢ - مسألة: يجوز تخصيص عموم الكتاب والسنة بالقياس في أحد الوجهين.

стр. 487

وهو اختيار شيخنا وأبي بكر، وبه قال الشافعي وأبو الحسن الكرخي وغيرهما من الفقهاء والمتكلمين. والوجه الآخر (أنه) لا يخص به ولا يعارض به الظاهر، وهو اختيار أبي الحسن الجزري من أصحابنا وأبي إسحق بن شاقلا/ وبه قال الجبائي وغيره من الفقهاء.

стр. 488

وقال أكثر الحنفية: إن كان دخله التخصيص جاز تخصيصه بالقياس كما يقولون في تخصيصه بخبر الواحد. ومن الشافعية من قال: نخصه بالقياس الجلي دون (القياس) الخفي. ٦٤٣ - دليلنا أن الصحابة ﵃ أجمعوا على تخصيصه بالقياس، فقالوا في ميراث الجد مع الإخوة: إن الجد يسقطهم قياساً على الأب وخص قوله تعالى: ﴿إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ وهذه الآية عامة فيمن له (جد أو لا جد له). ومنهم من قسم بين الجد وبينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وخص الآية أيضاً فإنه لم يعط الأخت مع الجد النصف ولا أعطى أخاها ما لها كله (إذا) لم يكن لها ولد. وهذا حجة على من قال: إنه يخص بالقياس الجلي دون الخفي، لأن هذا القياس الذي استعمله الصحابة قياس شبه، لأن منهم من شبه بالأب، ومنهم من شبه الإخوة بالأغصان من الشجرة، ومنهم من شبه بالجداول من النهر.

стр. 489

وكذلك قالوا في (حد) العبد: إنه نصف حد الحر، بالقياس على الأمة، وخصوا قوله ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فهو عام في الحر والعبد. وقالوا: قد قال في الإماء: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ﴾. والعبد كالأمة في الرق، فيجب أن يكون حده نصف حد الحر. فإن قيل: فما تنكر أن يكون هناك دليل غير القياس خص به العبد ولم ينقل بحصول الإجماع عليه. قلنا: لم يوجد هناك دليل غير القياس، فلو كان (كذلك) (لذكر ونقل). فلما لم ينقل دل على أنه لم يخص إلا بالقياس. ٦٤٤ - دليل ثان: هو أن القياس وإن لم يكن مقطوعاً به، فإن العمل به ثبت بدليل مقطوع به، كما ثبت العمل بالعموم، فيجب أن يجري مجراه في القوة، ألا ترى أن الرسول ﵇ لو قال: إذا زالت الشمس فصلوا ركعتين، وما أخبركم به عني فلان فهو شرعي، فإن فلاناً يجري قوله مجرى قول الرسول ﵇ في وجوب العمل وإن كان قول الرسول مقطوعاً (به) وقول فلان

стр. 490

(ليس) مقطوعاً به، وإذا ثبت هذا فالقياس يتناول الحكم بخصوصه، والعموم يتناوله بعمومه فيجب أن يخص الأعم بالأخص، كما لو كان الأخص (كتاباً أو سنة). ٦٤٥ - دليل ثالث: أن صيغة العموم معرضة للتخصيص محتملة له، والقياس غير محتمل للتخصيص، فجاز أن يقضي بغير المحتملة (على المحتملة)، كما يقضي بالمفسر على المجمل. ٦٤٦ - دليل رابع: أن فيما قلنا جمعاً بين الدليلين، فكان أولى من إسقاط أحدهما واستعمال الآخر كالمطلق مع المقيد، واللفظ الخاص مع (اللفظ) العام. ٦٤٧ - دليل خامس: أنه لفظ ينافي بعض ما شمله العموم، فصريحه يوجب أن يخص به كاللفظ الخاص، يبين (صحة) هذا أن معنى العلة معنى النطق في إيجاب العمل بكل واحد منهما، فيجب أن يتساويا في التخصيص. ٦٤٨ - ويخص من قال: لا يجوز إلا بالجلي بما تقدم من أقوال الصحابة، ونزيد بأن (القياس) الخفي (دليل،

стр. 491

فكان) حكمه حكم الجلي، (فكان) من جنسه (في تخصيص العموم كخبر الواحد، لما كان دليلاً كان حكمه حكم الجلي) وهو أخبار التواتر في التخصيص. ٦٤٩ - ويخص من قال لا يخص إلا ما دخله التخصيص بأن الباقي من المخصوص بمنزلة عموم مبتدأ والدليل عليه ما نبينه فيما بعد في العموم المخصوص هل هو حجة أم لا؟ وإذا ثبت هذا فمتى جاز تخصيصه بالقياس جاز تخصيص العموم المبتدأ بالقياس، إذ لا فرق بينهما. ٦٥٠ - دليل آخر: أن ما جاز (أن) يراد به التخصيص، جاز أن يبتدأ به (في) التخصيص كالنطق. ٦٥١ - دليل آخر: إنما جاز تخصيص العموم المخصوص بالقياس لأنه يتناول الحكم، فخصوصه مقدم على العام، وهذا موجود في العموم الذي لم يدخله التخصيص، فوجب أن يقدم عليه. ٦٥٢ - احتج المخالف: /٦٢/بخبر معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 492

قال: "فإن لم تجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله؟ قال: اجتهد رأيي ولا آلو" فدل على أن القياس يعمل به بشرط أن لا يجد سنة. قلنا الذي خصه القياس من العموم ليس من السنة، ألا ترى أنه (قد) رتب السنة على الكتاب، ثم ما خصته السنة من الكتاب، يجعل كأنه ليس في الكتاب حكماً فكذلك في مسألتنا. ٦٥٣ - احتج: بأن عموم الكتاب دليل مقطوع به، والقياس أمارة مظنونة، فلا يجوز الاعتراض بالمظنون على العموم. الجواب: أنا قد أجبنا (عن ذلك) في العموم هل يخص بخبر الواحد أم لا؟ ٦٥٤ - احتج بأن التخصيص كالنسخ، لأن التخصيص إخراج بعض الأعيان، والنسخ إخراج بعض الزمان، ثم ثبت أن النسخ لا يجوز بالقياس، فكذلك التخصيص. قلنا: التخصيص يخالف النسخ، لأن خبر الواحد يخص القرآن ولا ينسخه، ولأن (النسخ) يرفع حكماً (قد استقر)، والتخصيص بيان ما لم يرد باللفظ فافترقا.

стр. 493

٦٥٥ - احتج: بأنا نقيس (عند) الحاجة إلى القياس، فنلحق ما لمي رد فيه الحكم بغيره، فإذا كان معنا لفظ عام يشمله فلا حاجة بنا إلى القياس فيجب أن لا يعمل به. الجواب: أنا نعمل بالقياس في بيان المراد بالعموم لا فيما شمله لفظه وإذا عارضه (لفظ) آخر يتناول الحكم بخصوصه (علمنا) أنه لم يرد به الشمول. جواب آخر: أن القياس دليل يتناول الحكم صريحاً، والعموم يتناوله عموماً فقدم الصريح على العموم كما قدم اللفظ الخاص على العام. ٦٥٦ - احتج: بأنه إسقاط لما تناوله العموم، فلا يجوز (بالقياس) كالنسخ وهذا صحيح فإن التخصيص إخراج بعض الأعيان، والنسخ إخراج بعض الأزمان فهما سواء. قلنا: التخصيص يفارق النسخ لأنه يجوز بخبر الواحد، ولا يجوز النسخ بخبر الواحد، ولأن التخصيص بيان المراد باللفظ، وهو جمع بين الدليلين والنسخ رفع لحكم اللفظ. ٦٥٧ - احتج بأنه لا يجوز أن يستنبط من لفظ العموم علة يخصص بها ذلك العموم فكذلك لا يستنبط من غيره علة يخصص بها.

стр. 494

قلنا: يبطل بالتخصيص بالجلي من القياس ثم العلة المستنبطة منه كلفظه، (ثم لفظ) العموم لا يجوز أن يجعل مخصصا له، وإن جاز أن يكون لفظ غيره مخصصاً، كذلك العلة المستنبطة من غيره. جواب آخر: أن العلة المستنبطة منه تقتضي ما يقتضيه، فإذا كانت مخصصة له لم تكن علته، لأنها تخالفه، (بخلاف العلة المستنبطة من غيره، ولأن الغير يخالفه) فجاز أن تكون علته تخصه. وهذا لأن العلة تطلب من الأصل لإلحاق غيره به، والعلة التي يختص أصلها لا حاجة بنا إلى استخراجها ولأنها فرع علته فلا تخصه بخلاف (لفظ) غيره فإنها ليست (فرع علته) (فتخصه) ولهذا (لما) قال ﵇: "لا تبيعوا البر بالبر" لا يجوز أن يعلل بعلة تخرج بعض البر وقد علل بعلة

стр. 495

تشمل الأرز والذرة وغيرهما وخص بذلك قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. ٦٥٨ - واحتج: بأن القياس فرع العموم، والفرع لا يسقط أصله. الجواب: أنا نخص به عموماً ليس بأصلاً فلا يكون إسقاط الأصل بفرعه. ٦٥٩ - واحتج: بأن ما قدم عليه القياس الجلي لم يخص به العموم كاستصحاب الحال. قلنا: استصحاب الحال ليس بدليل، وإنما هو بقاء على حكم الأصل حتى ينقل عنه "بدليل"، إذا ورد العموم كان دليلاً فنقل عنه بخلاف القياس فإنه دليل يستدعى (الحكم بصريحه فقدم على ما يقتضيه بعمومه. ٦٦٠ - (واحتج بأن قال: قياس الشبه مختلف فيه بين القائلين به)، فلم يخص به العموم، ألا ترى أن الخبر المرسل لما اختلف فيه لم يخص به العموم.
следующие страницы →