Полный текст (1 668 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
فإن قيل: التخصيص وإن كان بيان ما لم يرد باللفظ إلا أن تأخيره يقدح في العلم فيمن أراده المتكلم، لأنا إذا جوزنا أن يكون المراد به بعض (ما) تناوله، لم نأمن في كل شخص أن لا يكون مراداً.
الجواب عنه أنا نقول: إن مثل ذلك في النسخ، لأن الخطاب إذا أفاد ظاهره إيجاب الفعل في وقت، وكل واحد من المكلفين يجوز أن يموت قبل الوقت، فلا يكون مراداً بالخطاب، وفي ذلك شك في أعيان من أريد بالخطاب.
٨٧٧ - دليل آخر: أنه يجوز أن يخاطب العاجز عن الفعل (بالفعل) في وقت قدرته، فيقول: إذا جاء رمضان فصم، وإن كان حين الأمر عاجزاً عن الصوم، إذا كان قادراً وقت الفعل، (كذلك في التالي).
٨٧٨ - دليل آخر: لو قبح تأخير البيان، لقبح تأخيره الزمان اليسير، ولقبح البيان بالكلام الطويل.
فإن قيل: إنما يحسن تأخير البيان مدة لا يخرج الكلام معها من أن يكون مترقباً يرجو فيه السامع زيادة شرط، ويفسد بصفة، وهذا حاصل في الزمان القصير والكلام الطويل إذا عطف بعضه على بعض جرى مجرى الجملة (الواحدة لا يترتب) (قلنا: .....).
стр. 667
٨٧٩ - دليل آخر: لو قبح تأخير البيان لكان وجه قبحه (فقد) تبين المكلف، وذلك لا يقتضي قبح الخطاب، ألا ترى أنه لو بين للمكلف فلم يتبين لا يقبح الخطاب وهو كقصة عمر ﵁ في الكلالة.
٨٨٠ - احتج المخالف: على أن ما له ظاهر، إذا أراد خلاف ظاهره لم يجز تأخيره بيانه فإنه إذا خاطبنا بالعموم فإنما قصد إفهامنا، (ولولا ذلك لم يكن مخاطباً لنا، وإذا قصد إفهامنا) فلابد أن يخاطبنا بما نفهم مراده به، فإذا لم يبين لنا مراده فما أفاد خطابه الإفهام، فصار بمنزلة من خاطب العرب بالزنجية.
الجواب: أنه قد تعلق بخطابه إفهام لنا وهو الأمر بالفعل على سبيل الاستغراق، وكذلك (في) المجمل يفهم (من) قوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ الأمر بصلاة، فأما خطاب العربي بالزنجية فيحتمل أن (يجوز) إذا علم أن المخاطب حكيم لأنه يعلم، أنه قد أراد منه شيئاً ما إما أمراً وإما نهياً وأنه سيبينه له فيما بعد، ولهذا أرسل الله رسوله إلى كل زنجي وفارسي وغير ذلك من اللغات وهو عربي وخاطبهم بالقرآن العربي وإن لم يفهموا ذلك في الحال.
стр. 668
(وإن سلم) فإن الزنجية ليس لها ظاهر عند العربي تدعوه إلى اعتقاد معنى الخطاب فلا فائدة فيه.
٨٨١ - احتج بأنه إذا أمرنا بما له ظاهر ولم يرد ظاهره فلا يخلو أن يريد منا أن نعتقد ما أراد منا أو اعتقاد ظاهر الأمر فإن أراد اعتقاد ما أراده منا فذلك ما لا سبيل لنا إليه، وإن أراد اعتقاد ظاهره فقد أراد اعتقادنا الجهل.
الجواب: أنه إذا اعتقد (أن) الأمر على ظاهره ما لم يخص كان ذلك اعتقاداً موافقاً للفظ لا جهل فيه، ألا ترى أنه إذا سمع لفظ العموم فإنه يعتقده عموماً إلى أن يجد ما يخصه، وكل جواب له (عن) اعتقاد العموم إلى أن يجد المخصص هو جوابنا هاهنا إلى أن يرد البيان، وكذلك الأمر المطلق يجوز أن يرد عليه النسخ بعد ذلك فيعتقد فيه وجوب المأمور على التأبيد وإن كان بخلاف مراد الأمر.
فإن قيل: لابد من إشعار النسخ فيصير كالمجمل لا يعتقد إطلاقه.
قلنا: إن الدليل قد دل على جواز النسخ فلا يحتاج إلى الإشعار كذلك أيضاً اللفظ العام لما كان التخصيص يجوز فيه صار بمنزلة أن يشعره تخصيصه في اعتقاد عمومه فإذا جاء وقت البيان بينه.
стр. 669
٨٨٢ - احتج بأنه لو جاز أن يريد بالعموم الخصوص فلا يبين لنا ذلك في الحال ولا يشعرنا بأنه لم يكن لنا طريق إلى وقت الفعل الذي يقف وجوب البيان عليه لأنه لو قال: صلوا غداً جوزنا أن يكون المراد به بعد غد وما بعده أبداً لأن غداً تستعمل في ذلك على طريق المجاز ولم يبينه لنا ويتعذر مع ذلك معرفتنا بالخطاب.
الجواب: أنه يجوز أن لا يعرف الوقت الذي أراد أن يفعل فيه إلا بعد ورود البيان (بصفة العبادة ولا يحصل به البيان) فإذا ورد البيان في الغد أو بعده علمنا أنه الوقت الذي أراد إيقاع الفعل فيه.
فإن قيل: ورود البيان بصفة العبادة لا يحصل به البيان وقت فعلها إلا أن الوقت يجوز أن يتأخر عن بيان صفة العبادة.
قلنا: إذا بين صفة العبادة وقال: افعلوها الآن من غير تأخير بحال، علمنا أن ذلك وقتها وانقطع تجويز التأخير.
٨٨٣ - احتج بأن العموم يخص مرة بالاستثناء ومرة بالدليل، ثم التخصيص بالاستثناء لا يجوز أن يتأخر عن العموم فكذلك التخصيص بالدليل.
الجواب: أن الاستثناء لا يستقل بنفسه ولا يفيد معنى فلم يجز تأخيره والتخصيص بالدليل يستقل بنفسه ويفيد (معنى) إذا انفرد فجاز تأخيره، يدل على هذا أن الاستثناء لو تقدم على الخطاب لم يجز، ولو تقدم الدليل الموجب للتخصيص جاز فافترقا.
стр. 670
٨٨٤ - احتج بأن البيان مع المبين كالجملة الواحدة ألا ترى أنهما بمجموعهما يدلان على المقصود (بهما) كالمبتدأ والخبر ولا خلاف أنه (لا يحسن) تأخير الخبر عن المبتدأ بأن يقول زيد ثم يقول بعد أيام "قائم"، فكذلك تأخير البيان.
الجواب: لا نسلم أنهما الجملة الواحدة/ ٨٧ ب ولا (أنهما) يدلان على المقصود بل أحدهما وهو المبين يدل على الحق والبيان يدل على صفته.
جواب آخر: أن التفريق بين الابتداء والخبر ليس من أقسام (الخطاب)، وليس كذلك إطلاق العموم والمجمل فإنه من أقسام خطابهم وأنواع كلامهم لأنهم يتكلمون بالعموم والمجمل وإن (افتقرا) إلى البيان فافترقا.
٨٨٥ - احتج بأنه إذا خاطب بلفظ والمراد به غير ظاهره فقد بالغ في الإشكال عليهم وهذا لا يجوز كما (لو) قال: اقتلوا المسلمين، ويريد به المشركين.
الجواب: أنه يبطل بتأخير بيان النسخ فإنه قد أتى بغير ما يقتضيه لفظه لأن لفظه يقتضي التأبيد، والنسخ يقتضي التأقيت ثم يجوز. فأما إذا قال اقتلوا المسلمين ويريد (به) المشركين فلا يجوز لأن أحدهما لا يستعمل في الآخر (بحال)، ولهذا لو فسره بذلك
стр. 671
لم يجز بخلاف البيان مع المبين فإنه إذا قال: اقتلوا المشركين، وقال: أردت (إلا أن) يعطوا الجزية (عن يد وهم صاغرون) أو أردت ثلاثة منهم فلاناً وفلاناً وفلاناً (حسن) ذلك، وكذلك إذا قال: آتوا حقه (يوم حصاده) يحسن أن يقول: وهو كذا وكذا فافترقا.
٨٨٦ - احتج بأنه لو جاز تأخير البيان لجاز تأخير التبليغ.
الجواب: أن شيخنا قد قال: يجوز تأخير التبليغ أيضاً، وهذا إنما يخرج عن الرواية التي تقول: إن الأمر على التراخي، والصحيح أنه لا يجوز لأن الله سبحانه (أمر بالتبليغ) فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (فأمر بالتبليغ) والأمر على الفور عندنا، والفرق بينهما أن التبليغ أمر به وتهدد عليه فقال: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾، والبيان قيل له: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ على التراخي فلم يجز أن يجمع بينهما.
стр. 672
الثاني: أن تأخير الخطاب يخل أن يعتقد المكلف شيئاً بحال فيصير إهمالاً وتأخير البيان لا يخل بالاعتقاد والعزم وإشعار المكلف فافترقا، ولهذا يجوز تأخير النسخ ولا يجوز (تأخير تبليغ) المنسوخ والله أعلم.
٨٨٧ - مسألة: يجوز أن يسمع الله المكلف الخطاب العام المخصوص وإن لم يسمعه الخاص وبه قال عامة العلماء وقال أبو الهذيل والجبائي لا يجوز ذلك إلا أ، هما وافقا أنه يجوز أن يسمعه العام المخصوص بأدلة العقل وإن لم يعلم أن في أدلة العقل ما يدل على تخصيصه.
٨٨٨ - لنا أن العموم المخصوص يمكن للمكلف اعتقاد تخصيصه إذا لم يسمع الدليل المخصص كما يمكنه إذا سمع فجاز إسماعه إياه لأنه ممكن فيما كلف.
стр. 673
فإن قيل: كيف يعتقد التخصيص إذا لم يسمع المخصص؟ قلنا: لأن الله ﵎، يخطر بباله جواز كون المخصص في الشرع فيجوز ذلك، وإذا جوزه طلبه، وإذا طلبه ظفر به كالمخصص إذا كان عقلياً ولأنه (قد) ثبت بإجماع أهل اللسان جواز تخصيص اللفظ العام، فإذا سمع العام كان/٨٨ أجواز تخصيصه مشعراً له بأنه يجوز أن يكون مخصوصاً (فيطلبه) كما في العقل.
فإن قيل: الدليل العقلي (حاضر) عند سماعه للعموم فأمكنه (العلم) بالتخصيص. بخلاف المخصص السمعي فإنه غير (حاضر) ولا سمعه.
قلنا: لا فرق بينهما فإنه يجوز أن لا يعلم المكلف أن في العقل دليلاً مخصصاً كما لا يعلم أن الشرع أتى بالمخصص وعلى هذا كثير من المذاهب لا يعلم الإنسان أن عليها دليلاً عقلياً حتى يفكر ويفحص كما لا يعلم أن عليها دليلاً شرعياً حتى يطلبه فكما جاز أن يكلف طلب أحدهما بالخاطر جاز طلب الآخر.
٨٨٩ - احتج الخصم بأن قال: إذا أسمعه العام دون الخاص فقد أغراه باعتقاد الجهل وذلك لا يجوز.
стр. 674
الجواب: أنه يبطل (به) إذا كان المخصص عقلياً على أنه لا يفضي (إلى اعتقاد) الجهل لأن المكلف قد علم جواز تخصيص العموم فلا يعتقد عمومه إلا بعد طلب المخصص وعدمه.
فإن قيل: فإذا قلتم هذا رجعتم إلى قول الأشعري في الوقف.
قلنا: الأشعري يقف مع (علمه بتجرد) العموم من (القرائن) ونحن إذا علمنا تجرده لم نقف. وإنما نطلب إذا لم نعلم التجرد على قدر الاجتهاد فإذا لم نجد اعتقدنا العموم، ثم هذا يلزمه مثله في المخصص العقلي.
٨٩٠ - احتج بأن المكلف يلزمه العمل بما علمه ولا يلزمه طلب مالا يعلمه ألا ترى أنه لا يلزمه أن يطلب، هل بعث الله تعالى رسولاً أم لا؟ بل يلزم ما هو عليه من دليل العقل أو الشرع.
والجواب أن مقتضى هذا الدليل (يدل على جواز) أن يسمع الله المكلف العام دون الخاص ويجوز له أن يعمل على العام من
стр. 675
غير أن يطلب الخاص كما يعمل على ما في عقله أو شرعه من غيره (نبي).
جواب آخر: أنه يلزمهم مثله في العموم إذا كان المخصص عقلياً، فأما السؤال عن بعثة نبي فإنه متى سمع أنه قد بعث نبي في بلده (لزمه) البحث عنه كما يلزمه هاهنا أن يطلب المخصص في بلده ولا يلزمه أن يجوب البلاد في طلب النبي ﷺ ولا في طلب المخصص.
فإن قيل: فما يقولون إذا سمع العموم المقتضى للعمل المؤقت وضاق الوقت عن طلب الخصوص.
قلنا: الأشبه أن يلزمه العمل بالعموم لأنه لو لم يجز ذلك لم يسمعه الله إياه.
قيل أن يمكنه (من) المعرفة بالمخصص لأنه وقت الحاجة إلى البيان، فإذا لم يبين له العمل عمل على عمومه، ومثل هذا قلنا في كفارة اليمين الواجب أحدها فإذا فعله المكلف علمنا أنه هو الذي أوجبه الله عليه، وإلا لم يوفقه لفعله وقد قال شيخنا إذا ورد لفظ العموم عمل عليه واعتقده (من) قبل أن يطلب الخصوص وهذا مع سعة الوقت، فمع ضيقه أولى ويحتمل أن يتوقف /٨٨ ب فلا يعمل حتى
стр. 676
يطلب (الخصوص) كما قلنا في المجتهد إذا ضاق عليه وقت الاجتهاد لا يقلد غيره.
٨٩١ - احتج بأنه لو جاز أن يسمعه العام دون الخاص لجاز أن يسمعه المنسوخ دون الناسخ والمجمل دون المبين.
الجواب: أنا كذا نقول، إنه يجوز ذلك ولا فرق بينهما.
فإن قيل: لو جاز ذلك لكان قد خاطبه بما لا يفهم، وذلك لا يجوز، كخطاب العربي بالزنجية وقد تقدم الجواب عن (هذا) في المسألة الأولى.
стр. 677
باب الكلام في الأفعال
٨٩٢ - مسألة: نقول إننا متعبدون باتباع الرسول ﷺ والتأسي به في أفعاله.
والتأسي: هو أن نفعل صورة ما فعل على الوجه الذي فعل (لأجل أنه فعل).
وإنما اشترطنا الصورة لأنه لو صام وصلينا لم نكن متأسين به. واشترطنا (الوجه) الذي فعل لأنه إن نوى الفرض ونوينا النقل لم نكن متأسين (به)، وكذلك إذا فعل الفعل في زمان أو مكان وعلمنا أن في ذلك غرضاً مثل صلاة الجمعة، وصوم رمضان الوقوف بعرفة، وإن لم نعلم أن فيه غرضاً مثل أن ينقل أنه تصدق بيمينه وقت الظهر بباب مسجده، فإن التأسي يحصل بالصدقة وإن تصدق بشماله في غير باب مسجده وغير وقت الظهر.
٨٩٣ - فعل هذا إذا فعل فعلاً نظرنا: فإن كان فعله على وجه الوجوب وجب أن نفعله على وجه الوجوب، وإن علمنا أنه تنفل
стр. 678
اعتقدنا أنه تنفل. وإن علمنا أنه فعله على وجه الإباحة اعتقدنا أنه مباح.
وقال أبو علي بن خلاد: ما تعبدنا بالتأسي به إلا في العبادات، دون غيرها من المناكح والعقود والأكل والشرب وغير ذلك.
٨٩٤ - لنا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾.
معناه يخاف الله، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ أي تخافون، وقال أبو ذؤيب:
стр. 679
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عوامل
معناه لم يخف لسعها: يصف من يشتار العسل، والنوب: النحل. وهذا يدل على وجوب التأسي به.
فإن قيل: الآية تدل على وجوب التأسي به وذلك يحصل بمرة واحدة في عبارة.
قلنا: الإنسان لا يوصف بأنه متأس بفلان إذا تبعه في فعل واحخد، بل إذا تأسى به في كل أفعاله يقال: زيد يتأسى بعمرو معناه يقتدي به، ثم إذا ثبت وجوب التأسي به مرة في مباح ثبت قولنا.
وقال تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾.
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا
стр. 680
يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً﴾ فأخبر أنه زوجه امرأة زيد ليدل على أنه يجوز للأمة ذلك (ولا يكون عليهم حرج في أزواج أدعيائهم الذين تبنوهم، ولأن الأمة أجمعت على الرجوع إلى أفعاله ﵇. ولهذا رجعوا إلى أزواجه في قبلة الصائم، وفي الغسل من الإكسال، وفيمن أصبح (صائماً) جنباً لم يفسد صومه وفي أكله اللحم وصلاته ولم يتوضأ وفي تزويجه ميمونة وهو حلال أو محرم وغير ذلك فدل على وجوب التأسي به.
٨٩٥ - واحتجوا بأن ما يفعله يجوز أن يكون مصلحة له دوننا.
الجواب: أنه يجوز أن يكون مصلحة لنا أيضاً وقد أمرنا باتباعه فوجب ذلك لأن الظاهر أن المصلحة في الفعل تعمه، وإيانا، إلا
стр. 681
(أن) يرد دليل بتخصيصه والله أعلم.
٨٩٦ - مسألة: فإن فعل شيئاً ولم يعلم على أي وجه فعله فقد خرجه شيخنا على روايتين: إحداهما أنه يقتضي الوجوب، قال أحمد ﵀ يجب مسح الرأٍ كله كذا جاء الحديث "أن النبي ﷺ مسح على الرأس كله". وبه قال مالك.
والثانية: أنه يقتضي الاستحباب، قال في رواية الأثرم: أليس ينبغي أن نقول. كما يقول المؤذن إنما روى: "أن النبي ﷺ كان إذا سمع المؤذن قال كما يقول" فهو فضل ليس على أنه واجب (وبه) قال أصحابه أبي حنيفة فيما حكاه غنهم أبو سفيان السرخسي.
قلت: وقد روى عن أحمد ما يدل على أنه يقتضي الوقف حتى يعلم على أي وجه فعل (ذلك) عن وجوب أو ندب أو إباحة.
стр. 682
قال في رواية إسحق بن إبراهيم الأمر من النبي ﷺ سوى الفعل لأن النبي ﷺ يفعل الشيء على جهة الفضل، وقد يفعل الشيء هو له خاص، وإذا أمر بالشيء فهو للمسلمين، وهذا يدل على أنه جعل أمره متردداً بين الفضل وبين كونه (خاصاً)، وما هذه سبيله يوجب التوقف حتى يعلم على أي وجه فعله.
وكذلك قال ... وهو قول أبي الحسن التميمي لأنه قال: انتهى إلى من قول أبي عبد الله أن أفعال النبي ﷺ (لا تدل) على الإيجاب (إلا) أن يدل، فيكون ذلك الفعل الدليل الذي ضامه فجعل فعله موقوفاً على ما يضامه من الدليل. وحكاه عن أحمد وهو أقوى عندي وبه قال أكثر المتكلمين وعن الشافعية كالمذاهب الثلاثة.
стр. 683
٨٩٧ - والدليل على الوقف أن الرسول ﷺ يجوز أن يقع فعله واجباً وندباً ومباحاً وخصوصاً له دون - أمته، فإذا لم نعلم على أي وجه وقع لم يجز لنا الإقدام على اعتقاد أحدها لجواز أن يكون أوقعه على غير ذلك الوجه، ولا اعتقاد الجميع لأنه يتنافى فوجب الوقف وإلى هذا أشار أحمد ﵀ في رواية إسحق بن إبراهيم. فإن قيل: إذا ورد متجرداً فهو على الوجوب/٨٩ ب كالأمر المطلق.
قلنا: هذا غلط لأن الأمر له صيغة تدل على الوجوب. ولا صيغة للفعل ولهذا بينا أن الفعل لا يسمى أمراً.
جواب آخر: أنه لا خلاف أنه يجوز أن يكون أوقع فعله على الندب أو الإباحة أو الخصوص، بخلاف الأمر فإنه لا يجوز أن يأمر مطلقاً ويريد به الندب أو الإباحة أو الخصوص.
فإن قيل: (ما) أمر الله سبحانه باتباعه كان الاتباع واجباً علينا سواء فعله على وجه الوجوب أو غيره.
قلنا: إذا فعل الرسول ﷺ (فعلا) على وجه الندب أو الإباحة ففعلنا على وجه الوجوب لم نكن متبعين له بل قاصدين خلافه، ألا ترى أنا لو علمنا أنه فعله مباحاً فاعتقدنا (وجوب ذلك وفعلناه) على وجه الوجوب لم نعد متأسين به ولا متبعين له، كذلك إذا جوزنا ذلك واعتقدنا الوجوب.
стр. 684
فإن قيل: قد يقع الاتباع، وإن اختلف قصد التابع، وقصد المتبوع إذا استويا في صورة الفعل، ألا ترى أن المتنفل إذا صلى خلف المفترض فهو تابع له وقصده يخالفه.
قلنا: لا يكون التابع متأسياً بالمتبوع إذا خالفه في قصده، ولهذا لو صلى النبي ﷺ وصمنا لم نكن متأسين به، فأما المتنفل خلف المفترض فإن قلنا يكون تابعاً فلأن الصلاة المفروضة تجمع قرية وإسقاط فرض، والمتنفل (متقرب فهو تابع) في القربة دون إسقاط الفرض فلهذا جوزنا أن يسمى تابعا، ألا ترى أنه لو اقتدى المفترض بالمتنفل لم يجز ولم يعد تابعاً لأنه خالف في قصده ونيته.
٨٩٨ - دليل آخر: أنه لا يخلو أن يجب مثل فعله علينا باعتبار الوجه الذي أوقعه عليه فهو قولنا، أو يجب من غير اعتبار الوجه الذي أوقعه عليه فيجب أن يلزمنا مثل فعله حتماً، وإن علمنا أنه فعله على وجه الإباحة أو الندب، والإجماع ودليل (التأسي به) يمنعان من ذلك.
فإن قيل: ما تنكرون أن تكون مصلحتنا أن نفعل مثل (ما فعله) إذا لم نعلم الوجه الذي أوقع الفعل عليه. فأما إذا علمنا أنه أوقعه لا على وجه الوجوب كان فعلنا له واجباً مفسدة.
стр. 685
قلنا: لا يجوز أن يكون ذلك مصلحة لجواز أن يكون مباحاً فنعتقده ونفعله وجوباً، فيكون ذلك ضد التأسي كما لو علمنا أنه فعله على وجه الإباحة ففعلناه وجبواً.
٨٩٩ - دليل آخر: أنه لو دل فعله على وجوب مثله علينا لدل على أنه كان واجباً عليه: لأنا إنما (فعلناه) تبعاً له، فإذا لم يدل على أنه كان واجباً عليه فأولى أن لا يدل على أنه يجب علينا مثله.
فإن قيل: إنما يلزم هذا لو ثبت أنه لا يجوز أن يجب علينا مثل فعله إلا إذا أوقعه على وجه الوجوب وهذا نفس الخلاف.
قلنا: كذا (نقول) مقتضى التأسي أن يكون/٩٠ أفعلنا صورة ما فعل على الوجه الذي فعل.
٩٠٠ - دليل آخر: أنه لو وجب علينا مثل فعله لكان على وجوبه دليل عقلي أو سمعي ونحن نبين أنه لا دليل عقلي ولا سمعي على ذلك عند ذكر أدلتك وإبطالها إن شاء الله.
٩٠١ - احتج أبو الحسن التميمي بشيئين: أحدهما، أن فعله قد يكون مصلحة له دون أمته فلا يجوز الإقدام عليه إلا بأمره.
الثاني: أن الأنبياء قد يقع منهم الصغائر قال تعالى: ﴿وَعَصَى
стр. 686
آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ وقال عن موسى ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ حين قتل القبطي، وقال (في) داود: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ وإخوة يوسف، وإذا كان كذلك لم يجز لنا (أخذ) أفعالهم بمجردها.
٩٠٢ - دليل آخر: أنه لا يجب علينا ترك مثل ما ترك كذا فعل (مثل) ما فعل لأن الترك أحد قسمي الأفعال.
٩٠٣ - واحتج من قال بالوجوب من جهة السمع بأشياء منها قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ والأمر اسم للفعل والقول.
والجواب: أن الأمر لا يقع على الفعل وقد تقدم ذلك، ولو وقع عليه (فإن الأمر) ها هنا يراد به القول بالاتفاق فلا يجوز أن يراد به الفعل لأن اللفظة الواحدة لا يراد بها معنيان مختلفان.
جواب آخر: أن الأمر هاهنا لا يتناول غير القول لأنه قال في أول الآية: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ
стр. 687
بَعْضاً﴾ ثم قال ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ إذا دعاه.
جواب آخر: أن مخالفة الأمر هي العدول عن مقتضاه، فيجب أن يثبت أن مقتضاه الإيجاب حتى تحرم مخالفته ويجب فعله.
جواب آخر: أن المخالفة ضد الموافقة، وموافقة الفعل إيقاع مثله على الوجه الذي أوقع فثبت (أي وجه) وقع (فعله) حتى تلزم موافقته فيه.
وقيل: إن قوله سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، المراد به أمر الله ﵎ لأنه أقرب المذكورين.
٩٠٤ - ومنها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ وهو تهديد.
الجواب: أن التأسي هو إيقاعه على الوجه الذي أوقع عليه وهو ما نقوله نحن.
٩٠٥ - ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقوله ﴿وَمَا آتَاكُمْ﴾ (لم) يدخل فيه الفعل.
стр. 688
الجواب: يقال ما معنى ما آتاكم؟ فإن قالوا: معناه أعطاكم من الشرع وجاء به إليكم.
قلنا: فأثبتوا أن هذا من شرعه لأن هذه مسألة الخلاف على أن المراد به ما أمركم به ولهذا قابله ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ولا نسلم (على) أن الأمر يقع على الفعل لأن (الإتيان) إنما يكون في القول لأنا يمكنا حفظه (فأما الفعل) (فلا) يتأتى فيه ذلك (وكلا).
٩٠٦ - ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾.
الجواب: أن الطاعة موافقة مراده، والعصيان (مخالفة مراده)، وهذا إنما يكون فيما علم المراد به، ونحن لا نعلم المراد بالفعل فلا يدخل في الأمر.
٩٠٧ - ومنها قوله ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾.
الجواب أن الاتباع/٩٠ ب أن يفعل كما فعل على الوجه الذي فعل وذلك غير معلوم فيجب أن يدل عليه.
стр. 689
٩٠٨ - (ومنها: أن عمر ﵁ وقف حيال الحجر فقال: "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، لكني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك فقبلتك".
الجواب عنه أنا نقول: إنما فعل ذلك لقوله ﵇: "خذوا عني مناسككم" فكان قبوله الاتباع).
٩٠٩ - ومنها أن النبي ﷺ خلع نعله في الصلاة فخلع من كان خلفه نعالهم.
الجواب: أنه قال لهم ﷺ : "لِمَ، خلعتم؟ فقالوا: لأنك خلعت فقال: إن جبريل أخبرني أن فيهما أذى". فأعلمهم أنه ينبغي (أن يعرفوا) الوجه الذي أوقع عليه فعله ثم يتبعوه وهذا قولنا.
جواب آخر: أنه يحتمل أن يكونوا لما رأوه خلع نعله مع أمره بأخذ الزينة في الصلاة، ومع قوله ﵇:
"صلوا كما رأيتموني أصلي" علموا أن خلعهما متعبد به غير مباح لأنه لو كان مباحاً ما ترك به المسنون، والكمال في الصلاة أن لا نفعل ما ينافيها، على أنه قد قيل: إنه من أخبار الآحاد فلا يقبل في إثبات أصل من الأصول.
стр. 690
٩١٠ - ومنها أن الصحابة ﵃ رجعت إلى أفعاله ﷺ في التقاء الختانين وفيمن أصبح جنباً وهو صائم وغير ذلك.
الجواب: أنهم رجعوا لأنهم علموا أ، هـ فعل على وجه الوجوب بقوله، لأنها روت لهم (عنه): "إذا التقى الختانان وجب الغسل. ثم قالت: فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا"، وقصة الصائم إذا أصبح جنباً استدللنا على ذلك لأنه كان قد قال: "من أصبح جنباً فلا صوم له" فلما أصبح جنباً علمنا أنه (قد) نسخ ذلك لأنه لا يجوز له الفطر في رمضان. وكان ما روى من أفعاله ﵇ فإنما يرجع فيها إلى دليل دل على المراد بها.
٩١١ - احتج من جهة العقل بأشياء منها قوله: لو لم يجب اتباعه وجازت مخالفته كان ذلك تنفيراً عنه.
الجواب: أنه لا يخلو (إما) أن يكون التنفير إذا فارقناه (في بعض الأفعال أو في جميعها. فالأول لا تنفير فيه لأنا قد فارقناه) في المناكح وصلاة الليل وغير ذلك والثاني بالحل (أيضاً)
стр. 691
لأنه لو قال إني متعبد بما أؤديه إليكم وجميع الأفعال مصلحة لكم دوني لم يكن ذلك تنفيراً، ولأنه لو حصل التنفير لحصل إذا لم يجب علينا مثل ما وجب عليه. فإذا لم نعلم أن ما فعله واجب عليه فلا تنفير (عنه).
(الجواب أنه لا يخلو أن يكون النفير) إذا لم يجب علينا مخالفته، ومخالفته تحصل إذا لم نفعل ما أوجبه علينا، ونحن لا نعلم (وجوباً قبل فعله) علينا.,
٩١٢ - ومنها قولهم: الفعل آكد من القول في الدلالة، ولهذا كان النبي ﷺ يحقق أمره بفعله كما فعل في الحج والصلاة، فإذا أفاد الأمر الوجوب فالفعل أولى.
الجواب أنه: يجوز أن يكون الفعل آكد في البيان من القول لما (في) المشاهدة من (المزية) على الخبر، فأما في الإيجاب فليس الفعل وصفاً للوجوب ولا وضع له، بخلاف الأمر بالقول فإنه موضوع للوجوب في اللغة لأنهم وضعوا الأسماء للمعاني فوضعوا الأمر/٩١ أللوجوب والنهي للزجر والخبر للإعلام بحال المخبر عنه (والحكمة تقتضي) أن من خاطب قوماً بلغتهم فإنه يعني بخطابه ما عنوه، وهذا الطريقة غير حاصلة في الأفعال.
стр. 692
٩١٣ - ومنها أن الوجوب أعلى مراتب الفعل، فوجب حمله عليه للاحتياط.
(والجواب عنه أنا نقول: الاحتياط) أن نحمله على ما دلت الدلالة عليه فإذا (لم تدل عليه دلالة) فنحن مع التوقف آمنون من الضرر، والخطر حاصل في اعتقاد وجوبه لأنا لا نأمن أن يكون مباحاً فيكون اعتقادنا جهلاً.
٩١٤ - ومنها (أنه) ﵇ لا يفعل إلا حقاً وصواباً فاتباعه يوافق الحق.
الجواب عنه: أنا قد بينا أنه يجوز عليه خطأ الصغائر ﷺ ، ثم فعله إن كان حقاً إلا أنا لا نأمن (من) الخطأ في اتباعه باعتقاد ما لم يرده.
وقيل: يبطل (هذا) بما كان مخصوصاً به، ويبطل بالصلاة في حق الطاهر صواب، (وفي حق الحائض خطأ وبالحل) كذا يجوز أن يكون الفعل صواباً في حقه غير صواب في حقنا.
٩١٥ - احتج من حمله على الندب بأن الندب متيقن لأنه أقل أحوال الفعل فوجب أن يحمل اللفظ عليه.
стр. 693
الجواب: أن أقل أحواله الإباحة فلا يصح ما قالوه، على أنه يلزم (عليه) أن يقول، في الأمر كذلك ثم من يقول بالوجوب يقول: (أعلى) الأحوال الوجوب وفيه احتياط.
٩١٦ - فصل: في معرفة أفعال الرسول ﷺ على أي وجه وقعت؟
أما الطريق إلى كون الفعل واجباً فأشياء:
منها: أني قول: هذا واجب.
ومنها: أن يكون امتثالاً لدلالة تدل على وجوب ذلك الفعل.
ومنها: أن يكون بياناً لكلام يدل على الوجوب.
ومنها: أن (ننظر) إلى قصده أنه أوقعه واجباً.
ومنها: أن يكون الفعل قبيحاً لو لم يكن واجباً نحو أن يزيد في الصلاة ركوعاً أو سجوداً وقد تقرر أنه لا تجوز الزيادة.
٩١٧ - وأما الطريق إلى أن فعله مندوب فأشياء:
منها: أن يقول: إنه مندوب.
ومنها: أن تدل دلالة على صفة زائدة على حسنه ولا تدل على وجوبه.
стр. 694
ومنها: أن يكون امتثالاً لدلالة تدل على كون الفعل مندوباً (إليه).
٩١٨ - وأما الطريق إلى أن فعله مباح فأشياء:
منها: أن يقول: (هو) مباح.
ومنها: أن نضطر (من) قصده إلى أنه مباح.
ومنها: أن تدل دلالة (على) حسنه.
منها: أن يكون امتثالاً لدلالة تدل على الإباحة.
٩١٩ - وأما ما نعلم (به) أن فعله وتركه نسخ فهو أن يصدر منه قول يقتضي (تكرار) الفعل (ودوامه) ويدخل هو فيه ثم يفعل ضده أوي تركه فنعلم أن حكمه منسوخ كقوله "من أصبح جنباً فلا صوم له ثم يصبح جنباً".
٩٢٠ - مسألة: إذا تعارضت أقوال النبي ﷺ وأفعاله، لم يخل إما أن يتعارضا من كل وجه أو من وجه دون وجه .
стр. 695
فإن تعارضا من كل وجه وعلمنا تقدم القول على الفعل مثل أن ينهى عن التوجه إلى بيت المقدس ويثبت دخوله في ذلك ثم رأيناه يصلي إلى بيت المقدس كان فعله ناسخاً لقوله عنا وعنه.
وإن علمنا تقدم الفعل على القول، مثل أن يصلي إلى بيت / ٩١ ب المقدس ويثبت أن (حكم غيره). حكمه ثم قال بعد ذلك الصلاة إلى بيت المقدس غير جائزة كان ذلك نسخاً للفعل عنا وعنه.
فأما إن لم يعلم تقدم أحدهما على الآخر فالتعلق بالقول (أولى).
وقال بعض الشافعية: التعلق بالفعل أولى، وذهب بعض المتكلمين إلى أنهما سواء.
٩٢١ - لنا أن القول يدل على الحكم بنفسه، والفعل لا يدل بنفسه، وإنما يستدل به على الحكم بواسطة أنه لو لم يجز (لما) فعله ﷺ فكان ما دل عليه الحكم بنفسه أولى مما دل بواسطة.
ولأنا إذا جوزنا أن يكون الفعل قد تقدم جوزنا (أن لا يكون قد تعدى إلينا بنفسه ولا بغيره لأن القول قد نسخه وإن جوزنا تقدم القول جوزنا تناوله لنا بصيغته وأن يكون الفعل قد نسخه فنحن نشك في تناول الفعل لنا ونقطع على تناول القول لنا فما قطعنا عليه أولى مما شككنا فيه).
стр. 696
٩٢٢ - واحتج من قال التعلق بالفعل أولى بأن الرسول ﷺ سئل عن مواقيت الصلاة فقال للسائل: صل معنا فبين بفعله ولم يبين بقوله.
الجواب أنه بين بالفعل (ولكن لم يقنع) حتى قال (للسائل): "الوقت ما بين هذين".
وكذلك جبريل ﵇ لما بين الأوقات قال: يا محمد الوقت ما بين هذين وكذلك النبي ﷺ قال: "خذوا عني مناسككم" و"صلوا كما رأيتموني أصلي" فبان بهذا أن الفعل يحصل به البيان لكنه غير مستغن عن القول في الإيضاح والتأكيد ولأنه إن حصل البيان بالفعل إلا أ، هـ مختلف فيه، والقول غير مختلف فيه، والفعل لا يتعدى بنفسه، والقول يتعدى بنفسه فهو أقوى. وهذا الجواب عن شبهة من سوى بينهما لأن كل واحد منهما يحصل به البيان.
٩٢٣ - احتج بأنه قد يبين بالفعل من الهيئات مالا يمكن بيانه بالقول، فتوقف على الغرض به فكان أولى.
الجواب: أنه ليس كذلك فإن القول والصفة يتوصل بها إلى معرفة المقصود أكثر ولهذا من رأى جوهرة لا يعلم خيرها فإذا وصفت (له) علمها، وكذلك نراه يصلي على صفة فلا نعلم ما الغرض
стр. 697
من تلك الصفة وما (السنة) وما التجويز، فإذا وصفت له بالقول علم ما لم يكن يعلم ولهذا ما بين للسائل عن الوقت، لو لم يفعل له جاز أن يظن أن الصلاة يجوز فعلها في الوقت الأول والوقت الأخير ولا يجوز فيما بينهما فلما قال له زال الشك.
٩٢٤ - فصل: (فإن) تعارض قوله وفعله من وجه دون وجه مثل نهيه عن استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط وجلوسه (للحاجة) على سطح بيت مستدبراً بيت المقدس فإن نهيه مخصوص بفعله، وبه قال الشافعية، وقال أبو الحسن الكرخي فعله يختص به ولا يختص به نهيه (وتوقف) عبد الجبار ابن أحمد الهمذاني في المسألة.
٩٢٥ - لنا أنه لما فعل ذلك وقد أمرنا بالتأسي به والاتباع له بأن فعله مع الأمر باتباعه أخص من نهيه وأقوى فكان الرجوع إليه/٩٢ أأولى، ولأن نهيه ﵇ عام في البيوت والصحاري، وفعله يختص بالبيوت فكان الاعتراض به أولى كالخصوص مع العموم.
стр. 698
فإن قيل: إلا أن فعله لا يتعدى إلينا وقوله يتعدى إلينا فكان (أقوى).
قلنا: إلا أن فعله قد قوى بقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ وبقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وذلك عام فجاز أن (يخصص به) نهيه.
٩٢٦ - احتج بأن قال: فعله لا ينسخ به قوله فكذا لا يخص به.
الجواب: ولم كان كذلك ثم يجوز أن ينسخ قوله بفعله على ما بينا، ومن سلم قال قد يجوز التخصيص بما لا يجوز به النسخ كخبر الواحد والقياس يجوز به تخصيص عموم القرآن ولا يجوز به نسخه.
٩٢٧ - احتج بأن قال فعله يجوز أن يخص به ويجوز أن نشاركه فيه، ونهيه عام والعام المتيقن أولى من الخاص المشكوك فيه.
الجواب: أنه إذا شاركنا في النهي ثم فعله من غير أن يدل دليل على تخصيصه فالظاهر من إقدامه تخصيص ما فعله من جملة العموم أو نسخه إن كان مخالفاً لقوله في كل أحواله على ما تقدم.
стр. 699
باب النسخ
٩٢٨ - النسخ في اللغة: عبارة عن الرفع والإزالة تقول العرب نسخت الشمس الظل ونسخت الريح آثارهم إذا أزالتها.
فأما قولهم: نسخت الكتاب فمعناه نقلت ما فيه وهذا مجاز، لأن النقل في الحقيقة لم يحصل وإنما كتب مثله فشبه بالنقل (وشبه النقل) بالإزالة، وإذا كان مجازاً في ذلك كان حقيقة في الإزالة لأنه غير مستعمل في سواهما، فإذا بطل كونه حقيقة في أحدهما كان حقيقة في الآخر وإلا بطل أن يكون الاسم حقيقة في اللغة.
فإن قيل: فما ذكرتم مجاز (أيضاً) لأن الله تعالى هو المزيل للظل والآثار لا الريح والشمس.
قلنا: إنه لما كان الريح والشمس سببين في ذلك أضاف (أهل اللغة الفعل إليهما حقيقة).
جواب آخر: أنه يحتمل أن يعتقد أهل الجاهلية بأن الريح والشمس يزيلان، فيكون الخطأ في معتقدهم لا في تسميتهم.
стр. 700
٩٢٩ - فأما النسخ في الشرع: فإنه رفع مثل الحكم الثابت. وذهب بعض المتكلمين إلى أنه منقول من اللغة إلى الشرع كما نقل اسم الصلاة والحج، والأظهر أنه مخصوص في الشرع برفع مثل الحكم وإن كان الرفع عاماً في اللغة كما خصت الدابة بالاسم وإن كان غيرها يدب مثلها ولا يقال: إن ذلك منقول وإنما هو مخصوص بالعرف.
٩٣٠ - فصل: الناسخ (هو) الناصب للدلالة الناسخة، يقال: إن الله تعالى نسخ التوجه إلى بيت المقدس فهو ناسخ ويوصف الحكم بأنه ناسخ، فيقال نسخ صوم رمضان كل صوم، ويوصف المعتقد لنسخ الحكم بأنه ناسخ فيقال: فلان ينسخ الكتاب بالسنة أي يعتقد ذلك، ويقال: القرآن ينسخ السنة.
٩٣١ - فأما الطريق الناسخ فحده كل قول صدر عن الله تعالى (أو عنه) رسوله ﷺ أو فعل منقول عن رسوله عليه
стр. 701
السلام متراخياً يفيد (إزالة) مثل الحكم الثابت بالشرع على وجه لولاه لكان ثابتاً.
وعلى هذا الحد يخرج الإجماع فإنه غير صادر عن الله وعن رسوله ﷺ ، وتخرج دلالة العقل لأن (دلالة) العقل/٩٢ ب ليس بقول أو فعل منقول، ويخرج العجز لما ذكرنا.
ويخرج التقييد بشرط أو غاية أو استثناء لقولنا: متراخياً وذلك مقارناً فلا يسمى نسخاً.
ولا يلزم البداء الثابت لأنه إزالة نفس الحكم الثابت بالشرع ونحن قلنا مثل الحكم.
وهذا الحد يدخل فيه أخبار التواتر والآحاد.
٩٣٢ - وقد حد قوم النسخ بأنه: إزالة الحكم بعد استقراره وهذا لا يصح لأن استقرار الحكم كونه مراداً فإزالته بعينه بداء.
стр. 702
وحدوه بأنه: إزالة مثل الحكم (إلى خلافه) (ويلزم عليه أنه إذا أزال الحكم بالعجز) أن يكون نسخاً وحدوه بأنه: نقل الحكم إلى خلافه.
ويلزم عليه أن يكون نقل الحكم إلى خلافه بالشرط والغاية أو بالعجز نسخاً وحدوه بأنه: بيان مدة الحكم الذي ليس في التقدير والتوهم جواز بقائه.
وهذا يلزم عليه أن يكون النبي ﷺ لو أخبر زيداً أنه يعجز عن الفعل وقت كذا (أن) يكون ذلك نسخاً.
٩٣٣ - فصل: والفصل بين البداء والنسخ هو أن البداء الظهور، يقال: بدا لنا سور المدينة (أي) ظهر، قال الشاعر:
стр. 703
ولما بدا لي أنها لا تحبني ... وأن هواها ليس عني بمنجلي
تمنيت أن تهوى سواي لعلها ... تذوق مرارات الهوى فترق لي
أي ظهر لي أنها لا تحبني، وإنما يكون الشيء ظاهراً للإنسان إذا تجلى له وصار معه على وجه يعلمه أو يظنه (ولا يجوز ذلك في صفاته تعالى فإنه يعلم ما يكون إلى يوم القيامة لا تخفى عليه خافية ثبت ذلك بالدليل القاطع في صفاته).
فأما الأمر والنهي فليسا من البداء، وإنما قد يدلان عليه، وذلك أن يأمر الرجل عبده أن يشتري له شيئاً في وقت بعينه ثم ينهاه عن ذلك (بعينه) فيكون بداء لأن النهي تعلق بما تعلق به الأمر على وجه واحد، فيدل على أن الآمر بدا له من الصلاح في ذلك ما لم يكن علمه فنهى عنه، أو يكون ما خفي عنه الصلاح، لكنه قصد أن (يأمر) بالقبيح أو أن ينهى عن الحسن وكل ذلك لا يجوز على الله تعالى، فأما إن نهاه عن غير ما أمره به فلا يكون بداء، وكذلك (إذا) نهاه عن الفعل (في وقت) آخر، مثل أن يأمخره بشراء الثياب بثمنها ثم ينهاه عن شرائها بأكثر من ثمنها، وكذلك
стр. 704
إن نهاه عن الفعل في وقت آخر كأن قال: اشتر لي الثياب ثم قال لا تشترها في غد، أو قال صل بطهارة ثم قال: لا تصل بغير طهارة، فإن هذا تغاير بين (أمرين). يمكن أن تكون المصلحة في أحدهما والمفسدة في الآخر، والنسخ من هذا القبيل، وذلك أنه لا يمتنع أن يعلم الله تعالى فيما لم يزل أن الفعل من زيد مصلحة في وقت، مفسدة في وقت آخر، فيأمر بالمصلحة في وقتها وينهى عن المفسدة في وقتها فلا يكون قد ظهر له ما كان خافياً عليه (ولا أمر) بالقبيح فلا يكون ذلك بداء، والله أعلم.
٩٣٤ - فصل: فأما شروط النسخ فهو أن يكون الناسخ والمنسوخ شرعيين لأن العجز يزيل التعبد الشرعي ولا توصف إزالته بأنه نسخ: وكذلك الشرع يزيل حكم العقل ولا توصف الإزالة بأنه نسخ.
ومن شروطه أن يكون الناسخ متأخراً عن المنسوخ، فإن كان معه مثل أن يقول: /٩٣ أصلوا أيام الجمع إلا الجمعة الفلانية فذلك استثناء، ومثل قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فذلك تعليق بغاية، ومثل قوله: من دخل الدار فاضربه، فإذا دخل زيد فلا تضربه (فذلك) تخصيص وجميع ذلك ليس بنسخ.
стр. 705
ومن شرطه أن يكون رافعاً لحكم نفس الفعل دون نفس الفعل وصورته، لأن صورة الصلاة إلى بيت المقدس لا يمكن إزالتها بالأدلة الشرعية، وإنما تدل الأدلة الشرعية على زوال وجوبها.
(وقد اشترط) أصحابنا أن يكون الناسخ مثل المنسوخ أو أقوى منه ولا يكون أضعف منه كخبر الآحاد في نسخ القرآن.
واشترطوا أن لا يكون للعبادة المنسوخة مدة معلومة بل تكون مطلقة فيقطع دوامها، فأما إن كانت معلقة بمدة معلومة ففي نسخها كلام.
٩٣٥ - مسألة: يحسن نسخ الشرائع عقلاً وسمعاً وهو قول عامة (الفقهاء) (والمتكلمين) .
وقال أبو مسلم بن الحسين الأصبهاني لا يحسن ذلك.
следующие страницы →