← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14103

التمهيد في أصول الفقه

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

السلام متراخياً يفيد (إزالة) مثل الحكم الثابت بالشرع على وجه لولاه لكان ثابتاً. وعلى هذا الحد يخرج الإجماع فإنه غير صادر عن الله وعن رسوله ﷺ ، وتخرج دلالة العقل لأن (دلالة) العقل/٩٢ ب ليس بقول أو فعل منقول، ويخرج العجز لما ذكرنا. ويخرج التقييد بشرط أو غاية أو استثناء لقولنا: متراخياً وذلك مقارناً فلا يسمى نسخاً. ولا يلزم البداء الثابت لأنه إزالة نفس الحكم الثابت بالشرع ونحن قلنا مثل الحكم. وهذا الحد يدخل فيه أخبار التواتر والآحاد. ٩٣٢ - وقد حد قوم النسخ بأنه: إزالة الحكم بعد استقراره وهذا لا يصح لأن استقرار الحكم كونه مراداً فإزالته بعينه بداء.

стр. 702

وحدوه بأنه: إزالة مثل الحكم (إلى خلافه) (ويلزم عليه أنه إذا أزال الحكم بالعجز) أن يكون نسخاً وحدوه بأنه: نقل الحكم إلى خلافه. ويلزم عليه أن يكون نقل الحكم إلى خلافه بالشرط والغاية أو بالعجز نسخاً وحدوه بأنه: بيان مدة الحكم الذي ليس في التقدير والتوهم جواز بقائه. وهذا يلزم عليه أن يكون النبي ﷺ لو أخبر زيداً أنه يعجز عن الفعل وقت كذا (أن) يكون ذلك نسخاً. ٩٣٣ - فصل: والفصل بين البداء والنسخ هو أن البداء الظهور، يقال: بدا لنا سور المدينة (أي) ظهر، قال الشاعر:

стр. 703

ولما بدا لي أنها لا تحبني ... وأن هواها ليس عني بمنجلي تمنيت أن تهوى سواي لعلها ... تذوق مرارات الهوى فترق لي أي ظهر لي أنها لا تحبني، وإنما يكون الشيء ظاهراً للإنسان إذا تجلى له وصار معه على وجه يعلمه أو يظنه (ولا يجوز ذلك في صفاته تعالى فإنه يعلم ما يكون إلى يوم القيامة لا تخفى عليه خافية ثبت ذلك بالدليل القاطع في صفاته). فأما الأمر والنهي فليسا من البداء، وإنما قد يدلان عليه، وذلك أن يأمر الرجل عبده أن يشتري له شيئاً في وقت بعينه ثم ينهاه عن ذلك (بعينه) فيكون بداء لأن النهي تعلق بما تعلق به الأمر على وجه واحد، فيدل على أن الآمر بدا له من الصلاح في ذلك ما لم يكن علمه فنهى عنه، أو يكون ما خفي عنه الصلاح، لكنه قصد أن (يأمر) بالقبيح أو أن ينهى عن الحسن وكل ذلك لا يجوز على الله تعالى، فأما إن نهاه عن غير ما أمره به فلا يكون بداء، وكذلك (إذا) نهاه عن الفعل (في وقت) آخر، مثل أن يأمخره بشراء الثياب بثمنها ثم ينهاه عن شرائها بأكثر من ثمنها، وكذلك

стр. 704

إن نهاه عن الفعل في وقت آخر كأن قال: اشتر لي الثياب ثم قال لا تشترها في غد، أو قال صل بطهارة ثم قال: لا تصل بغير طهارة، فإن هذا تغاير بين (أمرين). يمكن أن تكون المصلحة في أحدهما والمفسدة في الآخر، والنسخ من هذا القبيل، وذلك أنه لا يمتنع أن يعلم الله تعالى فيما لم يزل أن الفعل من زيد مصلحة في وقت، مفسدة في وقت آخر، فيأمر بالمصلحة في وقتها وينهى عن المفسدة في وقتها فلا يكون قد ظهر له ما كان خافياً عليه (ولا أمر) بالقبيح فلا يكون ذلك بداء، والله أعلم. ٩٣٤ - فصل: فأما شروط النسخ فهو أن يكون الناسخ والمنسوخ شرعيين لأن العجز يزيل التعبد الشرعي ولا توصف إزالته بأنه نسخ: وكذلك الشرع يزيل حكم العقل ولا توصف الإزالة بأنه نسخ. ومن شروطه أن يكون الناسخ متأخراً عن المنسوخ، فإن كان معه مثل أن يقول: /٩٣ أصلوا أيام الجمع إلا الجمعة الفلانية فذلك استثناء، ومثل قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فذلك تعليق بغاية، ومثل قوله: من دخل الدار فاضربه، فإذا دخل زيد فلا تضربه (فذلك) تخصيص وجميع ذلك ليس بنسخ.

стр. 705

ومن شرطه أن يكون رافعاً لحكم نفس الفعل دون نفس الفعل وصورته، لأن صورة الصلاة إلى بيت المقدس لا يمكن إزالتها بالأدلة الشرعية، وإنما تدل الأدلة الشرعية على زوال وجوبها. (وقد اشترط) أصحابنا أن يكون الناسخ مثل المنسوخ أو أقوى منه ولا يكون أضعف منه كخبر الآحاد في نسخ القرآن. واشترطوا أن لا يكون للعبادة المنسوخة مدة معلومة بل تكون مطلقة فيقطع دوامها، فأما إن كانت معلقة بمدة معلومة ففي نسخها كلام. ٩٣٥ - مسألة: يحسن نسخ الشرائع عقلاً وسمعاً وهو قول عامة (الفقهاء) (والمتكلمين) . وقال أبو مسلم بن الحسين الأصبهاني لا يحسن ذلك.

стр. 706

واليهود على ثلاث فرق: منهم من منع (منه) عقلاً، ومنهم من منع منه سمعاً (ولم يمنع منه عقلاً) ومنهم من أجازه وحسنه عقلاً وسمعاً (هم العيسوية وأقروا بأن محمداً ﷺ رسول الله إلى العرب لا إليهم). ٩٣٦ - فالدليل على جوازه عقلاً أن الناس في التكليف على قولين: منهم من يقول: لله تعالى أن يكلف عباده ما شاء لمصلحة، (ولغير مصلحة)، ومنهم من يقول لا يكلف إلا على وجه المصلحة، فمن قال بالأول يقول: النسخ بمنزلة ابتداء التكليف لا تراعي فيه المصلحة ومن قال بالثاني قال: لا يمتنع أن يكون مثل ما يتعبد الله سبحانه به (يجوز أن يقبح) في المستقبل، فإذا قبح

стр. 707

حسن النهي (عنه)، إذ النهي عن القبيح حسن، ويدل على أنه يجوز أن يكون قبيحاً أنه يحسن أن يقول سبحانه تمسكوا بالسبت ما عشتم إلا السبت الفلاني، فإذا جاز ذلك في المتصل جاز في المنفصل، ويجوز أن يكون الشيء مصلحة في وقت مفسدة في وقت (آخر)، كما يجوز كون الرفق بالصبي مصلحة في وقت مفسدة في وقت (آخر)، وكما يجوز أن تكون مصلحة لزيد (دون عمرو) في وقت واحد، ألا ترى أن بعضهم يكفيه اللوم وبعضهم لا تردعه إلا (العصا) قال الشاعر: العبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه الملامة كما يجوز كون (الصحة) والمرض والغنى والفقر مصلحة في وقت دون وقت كذلك يجوز أن يكون التمسك بالسبت مصلحة في وقت دون وقت ولا فرق في العقل بين هذه المواضع. ولأن النسخ تخصيص الأزمان، وتأخير بيان المراد باللفظ العام في الأزمان وذلك يجوز، كما يجوز تأخير تخصيص الأعيان من اللفظ العام فيها، وقد

стр. 708

تقدم الدليل على جواز (تأخير) تخصيص اللفظ العام عن الخطاب إلى وقت الحاجة كذلك في الأزمان. فإن قيل: لو كان النسخ كالتخصيص لجاز في القرآن بخبر واحد والقياس كما قلتم في التخصيص قلنا: كلامنا في العقل، والعقل لا يوجب الفرق بينهما وإنما منع من ذلك في النسخ الشرع على ما نبينه. وأيضاً فإنه لما حسن أن ينقلنا من حال إلى حال في الخلقة فينقل من الصغر إلى الكبر ومن الضعف إلى القوة ثم من (القوة إلى الضعف ثم من) الحياة إلى الموت حسن أن ينقلنا في التكليف لأنه /٩٣ ب لا فرق بين ما يفعله بنا وبين ما يأمرنا بفعله. وأيضاً فإن نبوة موسى ﵇ قبل بعثه لم يجب اعتقادها وقبول قوله فلما ظهرت على يده المعجزة وجب قبول قوله فيها، فلم لا (يجوز أن) يكون الشيء واجباً في (وقت) غير واجب في وقت آخر. ٩٣٧ - والدليل عليه من جهة (السمع) قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وقوله تعالى:

стр. 709

﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾. ولأن نكاح الأخوات كان جائزاً في شرع آدم ﷺ ، ثم حرم في شرع موسى ﵇. وكذلك الختان لم يكن واجباً ثم وجب في شرع إبراهيم ﵇. وكذلك ترك الإمساك في السبت كان مباحاً قبل موسى ثم حرم في زمن موسى ﵇ (تركه). (ولأنه لما جاز أن يطلق الأمر والمراد به إلى أن يعجز عنه بمرض أو غيره، جاز أن يطلقه والمراد به إلى أن ينسخه). ٩٣٨ - احتج المخالف أن جواز النسخ يفضي (إلى) جواز البداء على الله ﵎، وذلك مما تنزه الله عنه. الجواب: أنا قد بينا الفرق بين النسخ والبداء بما فيه كفاية، ثم ينتقض عليهم بتحريم الأخوات بعد إحلالهن وتحريم العمل في السبت بعد أن كان مباحاً. ٩٣٩ - احتج بأن قال: الله تعالى إذا أمر بعبادة دل على حسنها فإذا نهى عنها دل على قبحها (ولا يجوز أن يكون الشيء الواحد) حسناً قبيحاً، مصلحة مفسدة (في حالة واحدة)

стр. 710

الجواب: إنما يصح هذا لو كان النهي تعلق بما تعلق به الأمر. فأما إذا قلنا (إن) النهي تعلق بما لم يتعلق به الأمر لم يرد، ونحن إذا نهى عن العبادة علمنا (أنه كان أمره بها إلى ذلك الوقت وأنه في علمه) أن ينسخها بعد ذلك الوقت فلا يتعلق الأمر به كما نقول في التخصيص في الأعيان إذا قال اقتلوا المشركين (اقتضى كل مشرك، فإذا قال: لا تقتلوا من أعطى الجزية علمنا أنه يراد بالأمر الأول المشركون) ممن لم يعط الجزية ولا يكون ذلك قبحاً. ٩٤٠ - احتج بأن قال: موسى ﵇ قال (لهم): أمسكوا السبت أبداً ما دامت السموات والأرض، وهذا يمنع جواز نسخه. (الجواب عنه أنا نقول: هذا تخرص وكذب على موسى لأنه لو صح ذلك عنه لوجب أن لا يظهر معجزة لأحد بعده، ونحن نعلم أنه قد ظهرت معجزات على يد عيسى ﵇ وثبت ذلك بالتواتر، كما ثبتت معجزات موسى، وجاء عيسى بإبطال يوم السبت فدل على أن ما نقلتموه عن موسى كذب منكم عليه)، ثم لو كان صحيحاً لوجب أن تحاجوا به عيسى ومحمداً ﵉. ولما لم ينقل عمن تقدم أنهم حاجوهما بذلك بطل دعواهم، وقد ذكر أن أول من لقنهم

стр. 711

ذلك ابن الراوندي بأصبهان. ثم لو كان ذلك صحيحاً لكان معناه ما لم ينسخ، ألا ترى أن المخاطبين بذلك يؤمرون به ما لم يعجزوا وما داموا أحياء، كذلك (أيضاً) يجوز أن يكون معنى ذلك ما كان ذلك مصلحة أو ما لم أنسخه عنكم. فإن قيل: فهذا يؤدي إلى اعتقاد الجهل لأنه إذا أمرهم به (أبدا) (اعتقدوا كونه مصلحة أبدا) وذلك جهل فلا يجوز أن يأمرهم به. والجواب عنه: أن من الناس من يقول: لابد أن يشعرهم بالنسخ، وقد قيل إنه أخبرهم بمجيء نبي بعده وذكر ذلك في التوراة وعلى أن إطلاقه يقتضي أن يكون مشروطاً بكونه مصلحة، كما يقتضي شرطه بكونه قادراً عليه. فإن قيل: فما ذكرتموه يؤدي إلى أن يقولوا: إنه لا قدرة إلى الإخبار بتأييد شريعة وأن يقولوا في (شريعتكم): إنها غير

стр. 712

مؤبدة، وأن قوله: "لا نبي بعدي" في زمان المصلحة أو (يكون لا نبي) بعدي إلا فلان. قلنا: يجوز أن يأتي بلفظ يدل على تأبيد/٩٤ أالشريعة بأن يقول: شريعتي باقية ما بقى التكليف لا يتطرق عليها لنسخ، أو يضطرنا الله إلى علم ذلك أو ينقطع الوحي، ونبينا ثبت عندنا (أنه) لا نبي بعده بقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. وهذا يحتاج إلى كشف زائد على هذا والله المستعان فإني لم أر من حقق جواب هذا. ٩٤١ - (وأما عمر بن يحيى فيرد عليه بأنه قد ثبت نسخ تحريم الخمر بعد أن كانت مباحة وثبت نسخ التوجه إلى بيت المقدس بعد أن كان واجباً، وغير ذلك، وقد دللنا بأن العقل لا يحيل ذلك وأن القرآن ورد به فلا يلتفت إلى قوله والله أعلم بالصواب). ٩٤٢ - مسألة: يجوز نسخ العبادة وإن كان الأمر بها

стр. 713

مقيداً بلفظ التأبيد، وبه قال أكثر العلماء خلافاً لمن قال: لا يجوز. ٩٤٣ - لنا أنه، إذا جاز نسخها إذا كان الأمر بها مطلقاً، وإن اقتضى ظاهره التأبيد، جاز، وإن اقترن به لفظ التأبيد لأنه لا فرق (بين ما) يدل الدليل على أن المراد به الدوام والتأبيد وبين أن يرد بلفظ الدوام والتأبيد. ٩٤٤ - دليل آخر: أن العادة أن يستعمل لفظ التأبيد في المبالغة لا في الدوام، ألا ترى أنك تقول: طالب غريمك أبداً، ولازم فلاناً أبداً، وألزم السوق أبدا، ولا يراد بذلك التأبيد فكذلك ههنا. ٩٤٥ - دليل آخر: أنه إذا جاز (أن يشترط) في قوله: افعل أبداً ما لم تعجز أو تمرض جاز أن يشترط ما لم أنسخه. ٩٤٦ - دليل آخر: أن ذكر التأبيد في الزمان كذكر كل في الأعيان، ثم لو قال: اقتل المشركين كلهم، جاز تخصيصه، كذلك إذا قال: صم أبداً يحسن نسخه. ٩٤٧ - احتج بأن قال: لو جاز النسخ مع ذكر التأبيد لم يكن إلى معرفة ما يتأبد ولا ينسخ طريق، ومن قال هذا يلزمه أن يقول إنه يجوز أن لا يكون محمد خاتم النبيين ولا يجب أن يعتقد أن شريعته مؤبدة.

стр. 714

الجواب: ما تقدم. ٩٤٨ - احتج بأن لفظ التأبيد يفيد وجوب دوام الفعل جميع أوقات الإمكان (أبداً) فنسخه (بداء). الجواب: أنا لا نسلم أن لفظ التأبيد يفيد (دوام وجوب الفعل) في جميع الأوقات من جهة العرف. فإن قيل: فأي فائدة في التأبيد. قلنا: الفائدة فيه التأكيد في المبالغة كقولنا في تأكيد لفظ العموم نحو أن يقول: اقتلوا المشركين كلهم أجمعين فإنه لا يمنع ذلك من التخصيص كذلك أبداً لا تمنع من النسخ. ٩٤٩ - احتج بأن قال: لفظ التأبيد يفيد في الخبر الدوام كذلك في الأمر. الجواب: أنه جمع من غير علة على أن (إفادة) الدوام (فيهما) لا تمنع من قيام الدلالة على أن المراد به غير ظاهره كما نقوله في جميع ألفاظ العموم ثم مطلق الخبر مثل المقيد بالتأبيد، يجب أن يكون مطلق الأمر مثل المقيد بالتأبيد، ثم مطلق الأمر يجوز نسخه فكذلك مقيده. والله أعلم بالصواب.

стр. 715

٩٥٠ - مسألة: يجوز نسخ العبادة لا إلى بدل، كما يجوز نسخها إلى بدل، وقال بعضهم: لا يجوز نسخ الشيء (إلا) إلى بدل . ٩٥١ - لنا أنه لا يخلو أن يمنعوا (من) ذلك تسمية، فهو باطل لأن النسخ هو الإزالة في الأصل، ولم يدل دليل على اشتراط بدل في الاسم، أو يمنعوا لقبح ذلك (وهو باطل لأنه يجوز في العقل) أن يكون مثل المصلحة مفسدة في وقت آخر من غير أن يقوم مقامها فعل آخر، أو يمنعوا/٩٤ ب (لأن) ذلك لم يوجد في الشرع فغلط لأن تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول نسخت لا إلى بدل، والاعتداد بالحول نسخ ما زاد على الأربعة أشهر وعشراً لا إلى بدل. ٩٥٢ - احتجوا بقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يدل على أنه لا ينسخ (إلا إلى بدل).

стр. 716

الجواب عنه: أنا نقول: الآية وردت في التلاوة وليس للحكم فيها ذكر، وعلى أنه يجوز أن يكون رفعها خيراً منها) في الوقت الثاني لأنها لو وجدت فيه لكانت مفسدة والله أعلم. ٩٥٣ - مسألة: يجوز نسخ العبادة إلى أشق منها ، وقال قوم من أهل الظاهر لا يجوز ذلك وهو قول أبي بكر بن داود. ٩٥٤ - لنا ما تقدم من الدليل، وأن الله تعالى نسخ الحبس في حق الزاني بالجلد، في حق البكر، والرجم في حق الثيب، وذلك أشق من الحبس، ونسخ التخيير (بين الإطعام والصوم) بانحتام الصيام وهو أشق. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ ونسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، وكذلك نسخ قوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ بآية السيف. ٩٥٥ - احتج الخصم بقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.

стр. 717

ومعلوم أنه لم يرد (بقوله) "بخير منها" فضيلة الناسخ على المنسوخ لأن الجميع سواء، فعلم أنه (أراد به) خيراً منها في حقكم لخفته عليكم. الجواب: أن ظاهرها أنه نسخ التلاوة، وقد يجوز أن يكون ثوابه أكثر، وقد ورد التفضيل في ثواب القرآن. (وجواب آخر وهو أن قوله: نأت بخير منها يريد به) ما كان أنفع منها وأصلح في الدين وذلك يحصل في الأِق، قال ﷺ :"أفضل العبادة أطولها قنوتاً" أي قياماً. ٩٥٦ - واحتج بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ والأشق إرادة العسر. الجواب: أنه لو صح هذا لما جاز أن يكلف الله سبحانه عبادة فيها مشقة، وهذا لا يقوله أحد. جواب آخر: أن اليسر ما هو أصلح وأبلغ في (التجرد) من الضرر وأكثر ثواباً وذلك قد يكون في الأشق، والعسر ما كان بضد ذلك وإن كان أخف.

стр. 718

٩٥٧ - احتج بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾. الجواب: أنه ليس فيه لفظ عموم حتى يقتضي التخفيف في كل شيء على (كل) وجه، على أن المراد (به) الأشق الذي يكون فيه الصلاح في الدين (وكثرة الثواب والبعد من المضار لأن ذلك يؤدي به إلى التخفيف في عاقبته). ٩٥٨ - (احتج بأنه سبحانه ينسخ الشيء رحمة للمكلف وتخفيفاً منه فلا ينسخه إلى الأثقل. الجواب: أنه يجب أن لا يكلفه شيئاً، أو لا يكلفه ما يشق ثم الأخف ما عاد نفعه) وكثر ثوابه على ما بينا. والله أعلم بالصواب. ٩٥٩ - مسألة: يجوز نسخ العبادة قبل فعلها وبعد دخول وقتها لأن مثل الفعل يجوز أن يصير في مستقبل الأوقات مفسدة ولا فرق في (العقل) بين أن يعصي المكلف أو يطيع، فإذا جاز أن يصير مفسدة (بعد/٩٥ أدخول الوقت الذي للفعل) جاز النهي عنه، وهذا ما لا أعلم فيه خلافاً.

стр. 719

٩٦٠ - فأما نسخ العبادة قبل وقتها فقال ابن حامد وشيخنا يجوز ذلك وبه قال أكثر الشافعية (والأشعرية)، (وقال أبو الحسن التميمي لا يجوز، وبه قال أكثر الحنفية والمعتزلة والصيرفي من أصحاب الشافعي). ٩٦١ - وجه الأول: قول الله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ فدل على أنه يمحو كل ما يشاء محوه على كل حال. فإن قيل: المراد به محو الكتابة أو ما يكتبه الملكان من (المباحات).

стр. 720

قلنا: هو عام ثم يمحو ذلك إذ لا يفرق بينه وبين محو الحكم إذا شاء سواء كان قبل وقته أو بعده. ٩٦٢ - دليل آخر: أن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح (ولده) ثم نسخ عنه (ذلك) قيل وقت فعله بدليل وقله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. فإن قيل: من أين قلتم إنه أمره بالذبح: قلنا: من قوله: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. فإن قيل: رؤية المنام لا تسمى أمراً. قلنا: رؤيا الأنبياء في المنام وحي وقد قال: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ فسماه أمراً. فإن قيل: (قوله) ما تؤمر؛ أراد به في المستقبل. قلنا: لا يصح هذا لأنه وصف نفسه بالصبر على المأمور (به)، وما يؤمر في المستقبل لا يعلم هل يحتاج إلى الصبر أم لا؟

стр. 721

فثبت أنه أظهر الصبر على ما أمر به من الذبح (وقد) قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي انقادا إلى أمر الله تعالى ورضيا بحكم الله فيهما: (يوضح هذا أن إسحق لا يأمر أباه ولا ينهاه ابتداء، وإنما أخبر إبراهيم بأنه قد أمر بذبحه) لينظر طاعته، ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ أي أمرت وذلك شائع قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً (٨٩) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً﴾ أي كادت. فإن قيل: الذي أمر به إبراهيم مقدمات الذبح وهو إضجاعه وتله للجبين، وقد فعله ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾. قلنا: المأمور به الذبح وهو الشق والفتح قال الشاعر: كان بين فكها والفك ... فأرة مسك ذبحت في سك

стр. 722

هذا في اللغة وهو في العرف عبارة عن قطع (مكان) مخصوص تبطل معه الحياة. والثاني: أنه قال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾، وليس في المقدمات ما يحتاج إلى الصبر ولا يوصف بالبلاء المبين. الثالث: أنه قال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، فلو كان قد فعل المأمور (به) لم يحتج إلى الفداء، فأما قوله: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (أي) اعتقدت امتثال الأمر وعزمت على فعله. فإن قيل: قد فعل الذبح لكنه كلما قطع موضعاً من الحلق وجاوزه وصله الله تعالى. قلنا: لو كان كذلك لكان (ذكره) أشهر وإعجازه أظهر، ولما احتاج إلى الفداء ولأن حقيقة الذبح ما تبطل معه الحياة (مع) قطع الحلق.

стр. 723

فإن قيل: المأمور به صورة الذبح وقد فعله لكن جعل الله على عنقه صفيحة حديد تمنع أن تعلم السكين (فيه). قلنا: هذا ما لا يجوز لأهل العلم قوله لأنه تعالى قادر على منع السكين من غير صفيحة ثم قد تقدم الجواب عنه. ٩٦٣ - دليل آخر: أن الله تعالى أمر بتقديم الصدقة على مناجاة الرسول بقوله تعالى/٩٥ ب: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ ثم نسخ ذلك قبل وقت الفعل. فإن قيل: قد روى أن علياً ﵁ ناجى رسول الله ﷺ وقدم صدقة ثم نسخ بعد ذلك فوقع النسخ بعد وقت الفعل. قلنا: إن صح ذلك فلم يتعلق الأمر بواحد بل كان خطاباً لجماعة المؤمنين بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ﴾ فمن لم يرد مناجاته فما وقع وقت تقديم الصدقة ف يحقه وإن كان قد حصل في حق غيره ثم نسخ عنه. ٩٦٤ - دليل آخر: أن النبي ﷺ صالح أهل مكة على رد من جاءه مسلماً من الرجال والنساء، ثم نسخ الصلح في النساء

стр. 724

بقوله: ﴿إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ إلى قوله- فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ وهذا نسخ قبل وقت الفعل. فإن قيل: يحتمل أن يكون قد مضى زمان يمكن أن يجئن فيه (فيردهن). قلنا: الصلح وقع على ردهن إن جئن، وقبل مجيئهن لا يكون وقتاً للرد فيثبت أنه قبل الفعل. ٩٦٥ - دليل آخر: أن النبي ﷺ لما عرج به إلى السماء فرضت الصلاة خمسين فأشار عليه موسى ﵇ بالرجوع (فرجع) مراراً (حتى جعلت خمسة)، وذلك نسخ قبل (وقت الفعل). فإن قيل: هذا خبر واحد فلا دليل فيما يجب أن يعلم. قلنا: هذا خبر اشتهر وتلقته الأمة بالقبول فصار كالتواتر وقد شهد له القرآن بقوله : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾

стр. 725

فإن قيل: هذا نسخ قبل علم المكلف بالمأمور به وذلك لا يجوز عندكم لأنه لابد أن يعلم المكلف فيعزم على المأمور به ويعتقد وجوبه فينسخ. والجواب عنه أنا نقول: الرسول قد علمه (وهو) أحد المكلفين. ٩٦٦ - دليل آخر: لو قال تعالى: واصلوا الفعل سنة ثم نسخه بعد مضي شهر جاز وإن كان ذلك نسخاً قبل وقت الفعل في بقية السنة. فإن قيل: نسخه يدل على أنه لم يرد السنة كلها، وإنما أراد الشهر فصار ذلك بياناً للمراد بخلاف نسخ الكل قبل (وقت فعله) لأنه يكون قد نسخ ما تناوله الأمر وذلك بداء. الجواب: أن السنة لا يعبر بها عن الشهر لا حقيقة ولا مجازاً بل هي عبارة عن اثني عشر شهراً، فنسخه قبل ذلك هو النسخ قبل الوقت. جواب آخر: إن جاز أن يأمر بسنة ويريد (به) الشهر جاز أن يأمر بالعبادة ما لم ينسخها. جواب آخر: أن الأمر قد يتضمن (وجوب) الفعل

стр. 726

والعزم (عليه) واعتقاد الوجوب، فلما نسخ الفعل تبينا أن الأمر تناول وجوب الاعتقاد والعزم. فإن قيل: لا يصح هذا لأنه لا يأمر باعتقاد الوجوب فيما ليس بواجب ولا العزم على فعل ما ليس بواجب. والجواب عنه أنا نقول: الاعتقاد فيه الوجوب ما لم ينسخه (والعزم) على فعله، كذلك (فلا) يكون اعتقاد وجوب ما لم يجب. فإن قيل: فلا فائدة (في ذلك). والجواب عنه: فيه فائدة (وهو) اختبار المكلف/٩٦ أفي عزمه واعتقاده. فإن قيل: إنما يحتاج إلى الاختبار من لا يعلم العاقبة والله عالم بما يكون فلا حاجة (له) إلى اختباره. والجواب عنه أنه تعالى عالم بما يكون إلا أنه علق باختيارنا الثواب والعقاب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ

стр. 727

مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ وقال سبحانه: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. ٩٦٧ - دليل آخر: أنه يجوز أن يأمر (بفعل الشيء) في غد ثم يعجز المكلف عنه بزمانة أو بموت، أو يكون الأمر مشروطاً بالقدرة، كذلك يجوز أن يكون مشروطاً بأن لا ينسخه. فإن قيل: لا يجوز هذا في حق الواحد أن يأمره ويعجزه فيكون (ذلك) تكليفاً بما لا (يطاق) لكنه إن أمر جماعة فأعجز بعضهم تبينا أنه أمر من لم يعجزه دون من أعجزه. والجواب عنه أنا نقول: الجماعة إذا كانوا مأمورين فكلهم كالواحد، فإذا عجز واحد منهم فقد عجز عما أمر به، وقولهم إنا نتبين أنه أراد من لم يعجزه خاصة لا يصح عندهم لأنه يكون تأخير البيان عن وقت الخطاب في العموم وذلك غير جائز عند (الخصم) وبعض أصحابنا رحمة الله عليهم. ٩٦٨ - احتج الخصم بأنه إذا قال في أول النهار: إذا

стр. 728

(غربت) الشمس من هذا اليوم فصلوا ركعتين بطهارة، ثم قال عند الزوال إذا غابت الشمس من هذا اليوم (فلا تصلوا) ركعتين بطهارة فقد تعلق النهي بما تعلق به الأمر على وجه واحد من مكلف واحد، وفي ذلك دليل على البداء، أو القصد بالأمر القبيح، وتعالى الله عن ذلك، وربما قالوا: أمره بالصلاة عند الغروب يقتضي حسن الفعل ونهيه عنه يقتضي قبحه والفعل الواحد لا يكون حسناً قبيحاً. الجواب: أن الدليل يبطل إذا قال صلوا سنة ثم نسخ ذلك بعد شهر لأن نهيه قد تناول ما تناوله الأمر على وجه واحد، ثم لا يعد (ذلك) بداء ولا قبيحا. جواب آخر: أنه إذا نسخه تبينا أنه أراد بقوله صلوا ما لم أنسخه عنكم. فإن قيل: فما الفائدة في ذلك وهو عالم بأنه ينسخه؟ قلنا: الفائدة أن يعتقد المكلف ويوطن نفسه على الفعل فيحصل بذلك مطيعاً مثاباً كما يأمره بعبادة شهر فإذا فعلها يوماً نسخها. فإن قيل: فعل الصلاة لا يعبر به عن الاعتقاد. وتوطين النفس.

стр. 729

قلنا: وكذلك اليوم لا يعبر به عن الشهر، والشهر لا يعبر به عن السنة، فكل جواب لكم (عن ذلك) فهو (جواب لنا). (جواب آخر: أن الأمر بالفعل) يتضمن العزم والاعتقاد فجاز أن يعبر به عنه. ٩٦٩ - واحتج بأنه لو جاز النسخ قبل وقت الفعل لحسن أن يقول: صلوا، لا تصلوا في وقت واحد. الجواب: أن هذا جمع بغير علة والفرق بينهما أن النهي إذا اتصل بالأمر لم يتعلق بالأمر فائدة، وإذا تأخر عنه إلى وقت آخر تعلق به فائدة وهو مقدمات الفعل من العزم واعتقاد الوجوب، وذلك مما يحسن تكليفه ويتعلق به الثواب وبتركه العقاب. ٩٧٠ - احتج بأن مقتضى الأمر (إيجاد) الفعل، فإذا لم يرد مقتضاه كان لغواً لا يجوز منه تعالى، كما لو قال: اقتلوا وأراد به (أن) لا تقتلوا. الجواب: أنا لا نسلم أن (مقتضى الأمر) إيجاد الفعل

стр. 730

لأن أوامره (سبحانه) مشروطة بما يقوم عليها الدليل/٩٦ ب من عجز ونسخ وزيادة ونقصان (فمتى قام) الدليل على النسخ علمنا أنه أراد منا اعتقاد ما أمر به فلا يعد ذلك لغوا، على أن هذا (لا) يبطل بالأمر بالصلاة سنة (إذا نسخه) بعد شهر. ٩٧١ - احتج بأن الأمر بالشيء يقتضي صلاح المكلف فلا يجوز أن ينهاه عما فيه صلاحه. الجواب: أن صلاحه فيه ما دام الأمر قائماً فإذا نهاه علمنا أن الصلاح كان إلى غاية هي النهي، ثم لو جاز أن يمنع هذا من النسخ قبل وقت الفعل جاز أن يمنع من النسخ أصلاً، وهم لا يقولون ذلك وعمدتهم هو الدليل الأول، وقد بينا جوابه. ٩٧٢ - فصل: يجوز نسخ الرسم دون الحكم، ونسخ الحكم دون الرسم، ونسخهما معاً. فأما الأول فمثل آية الرجم، روى عن عمر ﵁ (أنه قال): "لولا أن يقول الناس: زاد عمر في القرآن لكتبت على

стр. 731

حاشيته: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم" وكذلك التتابع في كفارة اليمين في قراءة عبد الله، (ثم) نسخ وبقى حكمه. وأما الثاني فمثل قوله تعالى: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ نسخ بآية الميراث. (ومتاع الحول) نسخ بقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾. وأما الثالث: فمثل آية الرضاع قالت عائشة ﵂: "كان فيما أنزل الله تعالى عشر رضعات معلومات، فتوفى رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن فنسخن بخمس".

стр. 732

خلافاً لمن قال: لا يجوز نسخ الحكم دون التلاوة (ولا نسخ) التلاوة دون الحكم. ٩٧٣ - لنا أن الحكم والتلاوة عبادتان، فكل عبادتين فإنه يجوز نسخهما معاً ونسخ إحداهما دون الأخرى لأنه يجوز أن يصيرا مفسدتين في زمان آخر بعد أن كانا مصلحتين، ويجوز أن تصير إحداهما مفسدة دون الأخرى. فإن قيل: التلاوة دلالة على الحكم ويستحيل بقاء الدلالة مع عدم مدلولها، وثبوت المدلول مع نفي الدلالة. والجواب عنه أنا نقول: الدلالة تدل على الحكم في عموم الأوقات بشرط أن لا يعارضها ما يمنع مدلولها، كما نقوله في دلالة العموم تدل على الاستغراق بشرط أن لا تخص، كذا هاهنا تدل ما لم تنسخ، ولأن الحكم قد يثبت ولا تلاوة بفعل الرسول ﷺ أو بقياس أو ما أشبهه، فجاز أن ينسخ أحدهما ويبقى الآخر. ٩٧٤ - مسألة: يجوز نسخ القرآن بالقرآن، والسنة المتواترة (بمثلها) والآحاد بالآحاد .

стр. 733

فأما نسخ القرآن بالسنة المتواترة فقال شيخنا لا يجوز ذلك شرعاً، ويجوز عقلاً. (إلا أن) أحمد قال في رواية الفضل بن زياد وأبي الحارث: لا ينسخ القرآن إلا قرآن يجيء بعده، والسنة تفسر القرآن، فظاهره أنه منع من نسخه شرعاً وعقلاً وبه قال الشافعي، وقال أكثر الفقهاء والحنفية، والمالكية وعامة المتكلمين يجوز ذلك، وهو الأقوى عندي، (وقد) قال أحمد في رواية صالح فيما خرجه في الحبس "بعث الله نبيه وأنزل عليه كتابه وجعل رسوله الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه وخاصة وعامه وناسخه ومنسوخه" وهذا يدل على أنه ينسخه بقوله: إلا أن قوله في ذلك لا يكون إلا صادرا عن الوحي فيعلم به/٩٧ أأن الله تعالى الناسخ على لسان نبيه. ٩٧٥ - والدليل (على ذلك) قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ والنسخ ضرب من البيان لأنه يبين قطع المدة.

стр. 734

فإن قيل: المراد به التبليغ والإظهار لأن النسخ ليس ببيان وإنما هو رفع. قلنا: التبليغ استفيد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ فيجب أن يكون البيان هاهنا غيره، ولأن البيان إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي، وإنما يكون ذلك بعد أن يبلغنا ويشكل علينا فيبين لنا حتى يتجلى، وقيل: هو العلم الواقع من النظر والاستدلال والتبليغ لا يحصل به ذلك، وقولهم النسخ ليس ببيان غلط، لأنه بيان (انقضاء) مدة العبادة ورفع (مثل) حكمها في المستقبل وقد تقدم الكلام في البيان. ٩٧٦ - دليل آخر: أنه قول صدر من صاحب الشرع مقطوع به أو يوجب (العلم) فجاز أن ينسخ (القرآن) به كالقرآن. فإن قيل: يلزم الإجماع فإنه مقطوع به ولا ينسخ القرآن به. قلنا: إذا أجمع أهل العصر على خلاف حكم آية حكمنا بنسخها. فإن قيل: هناك يستدل على (النسخ بعد الإجماع ولهذا

стр. 735

لا يضاف النسخ إلى المجمعين)، (قلنا وهاهنا يستدل على) أن الله تعالى أوحى إلى نبيه بالنسخ فنسخ إلا أنه يجوز أن يضاف النسخ إلى الرسول ولا (يجوز أن) يضاف إلى الإجماع لأن الرسول ﷺ يضاف الشرع إليه فجاز أن يضاف النسخ إليه، وإذا أجمعت الأمة على حكم لم يقل هذا شرعها، فكذلك لا يقال إنها (قد) نسخت على أن النسخ من جهة الوحي، والإجماع انعقد بعد موت الرسول ﷺ وانقطاع الوحي، فلهذا لم يكن ناسخاً بخلاف قول الرسول ﷺ . فإن قيل: إن جاز نسخ القرآن بالقرآن لأنه ساواه في الإعجاز بخلاف السنة. قلنا: النسخ رفع الحكم وإزالته، ورفع الحكم يقف على أن يدل دليل على رفعه وليس من شرط الدليل أن يكون معجزاً ولهذا يكون الناسخ بعض آية مثل قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ولا إعجاز فيها، وينسخ (السنة) بالسنة ولا إعجاز فيها. فإن قيل: إلا أن ذلك مماثل ولا مماثلة بين القرآن والسنة.

стр. 736

قلنا: من سلم (لكم) أن الناسخ يفتقر (إلى تماثل) المنسوخ. جواب آخر: أن النسخ يتناول الحكم، والكتاب والسنة المتواترة في الحكم سواء لأن كل واحد منهما يوجب العلم ويقطع به في الحكم. فإن قيل: فخبر الآحاد والقياس (يتساويان) في الحكم وينسخ بالخبر دون القياس. قلنا: لا يساوي القياس الخبر في إثبات الحكم ولهذا إذا عارضه سقط القياس، ولهذا اختلف الناس في الأخذ بالقياس ولم يختلفوا في الأخذ بالخبر، على أن ما يوجب الظن يتزايد، فجاز أن ينسخ بالزائد دون الناقص، وما يوجب العلم لا يتزايد فكان (سواء في النسخ). ٩٧٧ - دليل آخر: أن المانع من ذلك لا يخلو إما أن يكون لأنه لا يصلح في القدرة أو لأن (الحكمة تمنع) منه، لا يجوز الأول لعلمنا أن الرسول ﷺ كان قادراً على أنواع الكلام، فلو أتى بكلام موضوع لرفع حكم لدل على ما هو موضوع له، ولا يجوز الثاني لأن (منع) الحكمة يحتاج أن يبين أن يبين ما وجهه؟

стр. 737

فإن قيل: وجه ذلك أن يكون منفراً عن النبي ﷺ وموهما أنه يأتي بالأحكام من قبل نفسه. قلنا: لو نفر ذلك لنفر إذا أخبر/٩٧ ب أنه أوحى إليه بإزالة هذا (الأمر أو) الحكم، أو إذا نسخ السنة بالسنة، أو القرآن بالقرآن، ولهذا كان المشركون ينسبون النبي ﷺ إلى الافتراء إذا نسخ القرآن بالقرآن ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾. ٩٧٨ - دليل آخر: أنه لا يخلو أن يكون المنع لأجل أن القرآن أكثر ثواباً، أو أن له إعجازاً. لا يجوز أن يمنع لكثرة الثواب (لأنه يجوز نسخ أكثر الآيتين ثواباً بأقلهما ولأن الثواب) يجوز أن يكون في حكم السنة الناسخة أكثر، ولا يجوز أن يمنع للإعجاز لأنه يجوز نسخ الآية التي فيها إعجاز بالآية التي لا إعجاز فيها، وإذا بطل الوجهان لم يكن للمنع وجه. فإن قيل: المانع رفع كلامه تعالى بغير كلامه. قلنا: هذا هو المسألة. ما الذي يمنع من رفع كلامه بغير كلامه؟ فإن قيل: لأنه كلامه الأصل والسنة الفرع والأصل لا ينسخ بفرعه.

стр. 738

قلنا: لا فرق بينهما في إثبات الحكم وفي أن كل واحد منهما (أوحى إلى الرسول به) (وقد) قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾. فإن قيل: فيجب أن يضاف النسخ إلى الوحي لا إليه. قلنا: بل يضاف إليه كما أضيفت أحكام الشرع إليه وإن كانت بالوحي. ٩٧٩ - احتج الخصم بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ فأخبر أنه يبدل الآية مكان الآية. الجواب: أنه أخبر أنه إذا بدل آية مكان آية ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ وليس فيه ما يدل على أنه (لا) يبدل آية إلا بآية، وهذا كما لو قال: إذا قصدت فلاناً راكباً (تكلم) فينا الأعداء (لا يدل على) أنه أراد لا يقصده إلا راكباً، على أن ظاهر الآية

стр. 739

يدل على أنه أراد تبديل (لفظ) الآية لا حكمها. فإن قيل: فقد أخبر أن المشركين يقولون للنبي ﷺ : ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ ثم أجاب عنه بقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ فقطع (إيهامهم بأن الرسول ﵇ ليس من عنده تبديل وإنما التبديل من عند الله). الجواب عنه: أن هذا لا يمنع قولنا لأن عندنا أن النبي ﷺ لا ينسخ القرآن بالسنة إلا إذا أوحى إليه بذلك فقد نزله روح القدس وعليه (يدل): ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ على أن قوله: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ يدل على (أن) المراد به ألفاظ القرآن دون أحكامه. ٩٨٠ - احتج بقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فمنها أدلة):

стр. 740

(أحدها: أنه أخبر أنه يأتي بخير منها) وذلك يفيد أنه يأتي من جنس القرآن (وجنسه) قرآن، ألا ترى أن الإنسان لو قال: ما آخذ منك من ثوب آتيك بخير منه يقتضي ثبوت خير منه. الثاني: أنه قال: "نأت بخير منها" والسنة لا تكون خيراً من القرآن. الثالث: أن قوله: ﴿نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ يدل على أنه هو المتفرد بالإتيان. الرابع: أنه قال: ﴿نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ناسخاً، بل لا يمتنع أن يكون الذي يأتي به مما هو خير منها في أنه حكم آخر من (بعد) نسخ الآية ويكون الناسخ غير الآية. فإن قيل: كل من أوجب (عند) نسخ الآية الإتيان/٩٨ أبآية أخرى قال: إنها هي الناسخة.
следующие страницы →