← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14103

التمهيد في أصول الفقه

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

قلنا: من سلم (لكم) أن الناسخ يفتقر (إلى تماثل) المنسوخ. جواب آخر: أن النسخ يتناول الحكم، والكتاب والسنة المتواترة في الحكم سواء لأن كل واحد منهما يوجب العلم ويقطع به في الحكم. فإن قيل: فخبر الآحاد والقياس (يتساويان) في الحكم وينسخ بالخبر دون القياس. قلنا: لا يساوي القياس الخبر في إثبات الحكم ولهذا إذا عارضه سقط القياس، ولهذا اختلف الناس في الأخذ بالقياس ولم يختلفوا في الأخذ بالخبر، على أن ما يوجب الظن يتزايد، فجاز أن ينسخ بالزائد دون الناقص، وما يوجب العلم لا يتزايد فكان (سواء في النسخ). ٩٧٧ - دليل آخر: أن المانع من ذلك لا يخلو إما أن يكون لأنه لا يصلح في القدرة أو لأن (الحكمة تمنع) منه، لا يجوز الأول لعلمنا أن الرسول ﷺ كان قادراً على أنواع الكلام، فلو أتى بكلام موضوع لرفع حكم لدل على ما هو موضوع له، ولا يجوز الثاني لأن (منع) الحكمة يحتاج أن يبين أن يبين ما وجهه؟

стр. 737

فإن قيل: وجه ذلك أن يكون منفراً عن النبي ﷺ وموهما أنه يأتي بالأحكام من قبل نفسه. قلنا: لو نفر ذلك لنفر إذا أخبر/٩٧ ب أنه أوحى إليه بإزالة هذا (الأمر أو) الحكم، أو إذا نسخ السنة بالسنة، أو القرآن بالقرآن، ولهذا كان المشركون ينسبون النبي ﷺ إلى الافتراء إذا نسخ القرآن بالقرآن ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾. ٩٧٨ - دليل آخر: أنه لا يخلو أن يكون المنع لأجل أن القرآن أكثر ثواباً، أو أن له إعجازاً. لا يجوز أن يمنع لكثرة الثواب (لأنه يجوز نسخ أكثر الآيتين ثواباً بأقلهما ولأن الثواب) يجوز أن يكون في حكم السنة الناسخة أكثر، ولا يجوز أن يمنع للإعجاز لأنه يجوز نسخ الآية التي فيها إعجاز بالآية التي لا إعجاز فيها، وإذا بطل الوجهان لم يكن للمنع وجه. فإن قيل: المانع رفع كلامه تعالى بغير كلامه. قلنا: هذا هو المسألة. ما الذي يمنع من رفع كلامه بغير كلامه؟ فإن قيل: لأنه كلامه الأصل والسنة الفرع والأصل لا ينسخ بفرعه.

стр. 738

قلنا: لا فرق بينهما في إثبات الحكم وفي أن كل واحد منهما (أوحى إلى الرسول به) (وقد) قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾. فإن قيل: فيجب أن يضاف النسخ إلى الوحي لا إليه. قلنا: بل يضاف إليه كما أضيفت أحكام الشرع إليه وإن كانت بالوحي. ٩٧٩ - احتج الخصم بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ فأخبر أنه يبدل الآية مكان الآية. الجواب: أنه أخبر أنه إذا بدل آية مكان آية ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ وليس فيه ما يدل على أنه (لا) يبدل آية إلا بآية، وهذا كما لو قال: إذا قصدت فلاناً راكباً (تكلم) فينا الأعداء (لا يدل على) أنه أراد لا يقصده إلا راكباً، على أن ظاهر الآية

стр. 739

يدل على أنه أراد تبديل (لفظ) الآية لا حكمها. فإن قيل: فقد أخبر أن المشركين يقولون للنبي ﷺ : ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ ثم أجاب عنه بقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ فقطع (إيهامهم بأن الرسول ﵇ ليس من عنده تبديل وإنما التبديل من عند الله). الجواب عنه: أن هذا لا يمنع قولنا لأن عندنا أن النبي ﷺ لا ينسخ القرآن بالسنة إلا إذا أوحى إليه بذلك فقد نزله روح القدس وعليه (يدل): ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ على أن قوله: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ يدل على (أن) المراد به ألفاظ القرآن دون أحكامه. ٩٨٠ - احتج بقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فمنها أدلة):

стр. 740

(أحدها: أنه أخبر أنه يأتي بخير منها) وذلك يفيد أنه يأتي من جنس القرآن (وجنسه) قرآن، ألا ترى أن الإنسان لو قال: ما آخذ منك من ثوب آتيك بخير منه يقتضي ثبوت خير منه. الثاني: أنه قال: "نأت بخير منها" والسنة لا تكون خيراً من القرآن. الثالث: أن قوله: ﴿نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ يدل على أنه هو المتفرد بالإتيان. الرابع: أنه قال: ﴿نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ناسخاً، بل لا يمتنع أن يكون الذي يأتي به مما هو خير منها في أنه حكم آخر من (بعد) نسخ الآية ويكون الناسخ غير الآية. فإن قيل: كل من أوجب (عند) نسخ الآية الإتيان/٩٨ أبآية أخرى قال: إنها هي الناسخة.

стр. 741

قيل: نحن لا نوجب ذلك ويجوز النسخ إلى غير بدل وقد تقدم الكلام (فيه). ثم الجواب عن كل دليل على التفصيل. أما قوله: "نأت بخير منها لا يكون (إلا) من الجنس فلا نسلم ذلك بل إذا قال: ما آخذ منك من ثوب آتيك بخير منه يعني آتيك بشيء خير منه لستار دار، قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ ولا يقتضي من جنسها. وعن الثاني أنه يريد بخير منها (أي) (يريد) خيراً منها في النفع وحصول الثواب والمصلحة وليس يجب أن يكون خيراً في كل شيء لأنه ليس بلفظ عموم. وعن الثالث: أنه إذا دلت السنة على النسخ (فإن الله) تعالى هو الناسخ لأنه هو الذي أوحى إلى نبيه بالناسخ. وعن الرابع: أن المنفرد بأن يأتي بما هو أنفع (في الحكم)

стр. 742

(من الكلام) المنسوخ هو الله تعالى وحده لأنه هو المختص بعلم العواقب والمصالح. ٩٨١ - واحتج بأنه لا يخلو أن تقولوا: يجوز نسخ ألفاظ القرآن بالسنة أو لا يجوز، فإن قلتم: يجوز أفضى إلى نسخ القوى بالضعيف وذلك لا يجوز كما (لا) يجوز نسخ القرآن والسنة المتواترة بأخبار الآحاد، ولا يجوز نسخ (خبر) الآحاد بالقياس. وإن قلتم: لا يجوز، كما لا يجوز نسخ التلاوة بما هو أضعف منها، (كذلك) لا يجوز نسخ حكمها بما هو أضعف منها. الجواب: أنه لا يجوز نسخ التلاوة بالسنة، لأن اللفظ لا يمكن رفعه إلا أن يشاء الله فينزعه من الصدور بخلاف الحكم، ويحتمل أن يجوز ذلك وهو أن يقول الرسول ﵇ لا تقرأوا هذه الآية، وقد روى أنه كان في القرآن: "لو أن لابن آدم واديين يجريان ذهبا لابتغى لهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب". وقوله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" ومنع الرسول من قراءته، وقولهم يفضي إلى نسخ القوى بالضعيف لا يصح فإن السنة المتواترة صدرت من الوحي فلا تنسب إلى الضعف، ولهذا توجب العلم الضروري وتثبت بها الأحكام قطعاً بخلاف خبر الواحد والقياس.

стр. 743

٩٨٢ - فصل: واختلف من قال: يجوز نسخ القرآن بالسنة هل وجد ذلك؟ فقال بعضهم: (قد) وجد ذلك، وقال بعضهم: لم يوجد (ذلك) وهو الأقوى عندي لأن الأصل عدم ذلك فمن ادعى وجوده فعليه الدليل. قالوا: (والدليل على وجوده) أشياء: ٩٨٣ - منها (أن آية) الحبس في حق الزاني نسخت بقوله ﷺ : "خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب الجلد والرجم". الجواب: أن هذه الآية شرع فيها الحبس إلى غاية بقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾. فبين الرسول ﷺ (السبيل) بقوله: "قد جعل الله لهن سبيلا" وذلك لا يسمى نسخاً لأن النسخ يرد على ما كان ظاهره الإطلاق.

стр. 744

فإن قيل: الأحكام (المطلقة) كلها مقيدة بالنسخ أو العجز. (قلنا ذلك) يشترط فيها تجويزاً لا باللفظ لأن العبادة المقدرة بمدة (باللفظ) لا يسمى انقضاء مدتها نسخا، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ /٩٨ ب لا يجعل دخول الليل نسخاً. جواب آخر: أن الآية نسخت في الجلد بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وفي (الرجم) بقوله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة". فإن قيل: ذلك ليس بقرآن ولهذا قال عمر ﵁: "لولا أن يقول الناس زاد عمر في المصحف لكتبت في حاشيته، "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة". قلنا: ذلك كان قرآنا ونسخ رسمه فقال عمر: لولا أن يقال زاد في القرآن الثابت الرسم لكتبت ذلك.

стр. 745

٩٨٤ - ومنها قوله تعالى: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ نسخها النبي ﷺ بقوله: "لا وصية لوارث". الجواب: أنها نسخت بآية المواريث وبيان سهام الوالدين والأقربين، كذا روى عن ابن عمر وابن عباس ﵄ ولهذا قال ﷺ : إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث". ٩٨٥ - ومنها قوله تعالى: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فأمر النبي ﷺ بقتل ابن خطل (وكان) متعلقاً بأستار الكعبة. الجواب: أن ذلك نسخ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.

стр. 746

٩٨٦ - فصل: (فأما) نسخ القرآن والسنة المتواترة (بأخبار الآحاد) فإنه لا يجوز شرعاً ويجوز عقلاً وهو قول أكثر العلماء. وقال بعض أهل الظاهر ويجوز شرعاً أيضاً. ٩٨٧ - لنا أن الصحابة كانت تترك أخبار الآحاد في المواضع التي ترفع حكم الكتاب، قال عمر ﵁: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت". ٩٨٨ - دليل آخر: أن الكتاب والمتواتر معلوم بدليل مقطوع به فلا يرفع بما هو مظنون كما لا يرفع بالقياس. فإن قيل: الحكم بأخبار الآحاد معلوم بدليل قاطع. الجواب: أن العمل بها معلوم في الجملة، فأما في الموضع الذي يرد حكم الكتاب فالعمل بها غير معلوم والإجماع يرد ذلك. ٩٨٩ - احتج المخالف بأنه إذا جاز تخصيص القرآن بأخبار الآحاد فكذلك النسخ.

стр. 747

الجواب: أن التخصيص بيان المراد باللفظ العام، والنسخ رفع (حكم) ما اقتضى اللفظ دوامه (وبقاءه)، ولهذا لا يجوز النسخ بالقياس ويجوز التخصيص بالقياس. ٩٩٠ - احتج بأن ذلك قد وجد في الشرع قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ فنسخه (بالنهي) عن كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير. الجواب: عن قوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ معناه إلى الآن ولا يتناول ما بعد ذلك (ولا يكون نهيه ﵇ بعد ذلك) نسخاً. على أن الآية دلت على إباحة ما عدا المذكور من طريق العموم فورد الخبر بتخصيصه. ٩٩١ - احتج بأن الله تعالى قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وورد الخبر بتحريم الجمع بين المرأة وخالتها وعمتها، فكان ذلك نسخاً.

стр. 748

الجواب: أن ذلك تخصيص وليس بنسخ. (وقد قيل): إن ذلك تلقى بالقبول فجرى مجرى التواتر في جواز وقوع النسخ به. ٩٩٢ - احتج بأن أهل قباء تحولوا عن القبلة بخبر الواحد. الجواب: أنه (يجوز) أن يكون قد وعدهم النبي ﷺ بذلك وقال: إذا جاءكم رسولي فاعلموا أن الله تعالى قد نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالكعبة فتحولوا لذلك لا لخبر الواحد. على (أن) ما ذكروه قد قيل كان (جائزاً) في صدر الإسلام ثم منع منه. وفي هذه المسألة نظر لأن دليل المخالف فيها قوى (ظاهر) والله أعلم. ٩٩٣ - مسألة: يجوز نسخ السنة بالكتاب وهو قول عامة الفقهاء ، خلافاً لأحد قولي الشافعي أنه لا يجوز.

стр. 749

٩٩٤ - لنا أن القرآن دليل مقطوع به، يجوز أن ينسخ القرآن (القرآن)، فنسخ السنة به أولى لأنه أعلى مرتبة من السنة. ٩٩٥ - دليل آخر: وهو ما تقدم من أنه لو امتنع ذلك لم يخل أن يكون امتناعه من حيث القدرة أو من حيث الحكمة، لا يجوز أن يكون العجز في القدرة لأن الله ﷻ قادر على جميع أقسام الكلام، فلا يجوز خروج كلامه من أن يكون دليلاً على ما وضع له من النسخ., فأما الحكمة فبأن يقال إن ذلك ينفر عن الرسول ﷺ ، ويوهم بأنه لم يرض بما سنه وهذا باطل بنسخ السنة بالسنة، لأن السنة الناسخة تصدر عن الوحي بالقرآن فيوهم ذلك، وكذلك نسخ القرآن بالقرآن يوهم أيضاً. ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾. جواب آخر: أن النسخ إنما يرفع الحكم بعد استقرار مثله وذلك يمنع من التوهم لأنه لو لم يرض بما سنة لم يقر عليه أصلاً. ٩٩٦ - دليل آخر: أنه قد وجد نسخ السنة بالقرآن لأن النبي ﷺ أخر الصلاة يوم الخندق حتى مضى هوى من الليل ثم صلى فنسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾.

стр. 750

وكذلك صالح أهل مكة على أن يرد (إلى الكفار) من جاءه مسلماً (من الرجال والنساء) فنسخ (في) النساء بقوله تعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ وكذلك قبلة بيت المقدس صلى إليها النبي ﷺ ستة عشر شهراً" ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وكذلك صلى النبي ﷺ على المنافقين فنسخ (ذلك) بقوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً﴾ وفيه ضعف. ٩٩٧ - واحتج (الخصم) بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فدل على أن كلام الرسول ﷺ بيان، فلو نسخ خرج عن كونه بياناً وذلك لا يجوز.

стр. 751

الجواب: أنه ليس في قوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ دليل على أنه لا يتكلم بالنسخ، كما إذا قلت: دخلت الدار (لأنام لا يدل) على أنك لا تفعل فعلاً آخر. جواب آخر: أن النسخ من البيان لأنه يبين قطع العبادة. جواب آخر: أن كلامه وإن كان بيانا، أليس يجوز نسخه بالسنة فبالكتاب أولى. ٩٩٨ - احتج بأن من شرط الناسخ أن يكون من جنس المنسوخ ولهذا لا ينسخ الكتاب بالعقل، قلنا: لا نسلم أن من شرط الناسخ أن يكون من جنس المنسوخ، ولهذا يجوز نسخ حكم العقل بالكتاب والسنة وهم لا يسمون ذلك نسخاً، والنسخ هو رفع وقد وجد، ثم ليس الكلام في الأسماء. ٩٩٩ - احتج بأن السنة تبين القرآن، فلو قلنا: (إن) القرآن يبين السنة أفضى إلى الاختلاط لأنه يحتاج البيان (إلى بيان له يبين به). الجواب: أنه يلزم التخصيص فإن القرآن يخص السنة، والسنة تخص القرآن، والتخصيص نوع بيان، فيجب أن يمنع من ذلك، وقد قال: يجوز. والله أعلم.

стр. 752

١٠٠٠ - مسألة: لا يجوز نسخ ما ثبت بالإجماع /٩٩ ب لأنه لو نسخ لنسخ بدليل شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع، والإجماع إنما ينعقد بعد وفاة النبي ﷺ ولا يجوز بعد ذلك ورود كتاب (ولا) سنة. فإن قيل: يجوز أن تظفر الأمة بعد اتفاقها بنص كان قد خفي عليها فينسخ به. قلنا: لا يجوز ذلك (لأن الأمة لا تذهب جميعها عن الحق، ولو جاز ذلك لما كان إجماعها حجة فأما نسخه بالإجماع فلا يجوز) أيضاً لأن الإجماع (الثاني) إنما يصدر عن دليل شرعي متجدد من كتاب أو سنة وقد بطل ذلك بموت الرسول ﷺ ، أو يدل الإجماع الثاني (على أن الأول) كان باطلاً وذلك لا يجوز لأن مثل ذلك يتطرق من (الخصوم) على الإجماع (الثاني) فيخرج (أن يكون الإجماع حجة).

стр. 753

فإن قيل: أليس إذا اختلفت الأمة على قولين فقد أجمعوا على أن العامي له تقليد من شاء منهما والأخذ به، فإذا أجمعوا على أحد القولين فقد حرموا القول الآخر وهذا إجماع نسخ إجماعاً. قيل: (لا نسلم بل يجوز الأخذ بالآخر إذا ذهب إليه مجتهد وإن سلم) فذلك ليس بنسخ (لأنهم) إنما (جوزوا) الأخذ بكل واحد من القولين بشرط بقاء الخلاف، فلما أجمعوا على أحد القولين بطل حكم الخلاف فزال الشرط فلم يجز للعامي التقليد لمن يشاء منهما، ومثل ذلك لا يسمى نسخاً ألا ترى (أن) قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ لما علقه بغاية (لا) يسمى ارتفاعه لوجود غايته نسخاً، كذلك هاهنا، ولا (يجوز) نسخه بقياس أيضاً لأنه إنما يقاس على أصل ثبت بكتاب أو سنة أو إجماع ولا يجوز تجدد ذلك ولا يجوز أن يكون موجوداً، وقد ذهبت عنه الأمة على ما بيناه. ١٠٠١ - فصل: ولا يجوز النسخ بالإجماع لأنه إنما

стр. 754

ينسخ دليلاً شرعياً من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، لا يجوز أن ينسخ الكتاب والسنة، لأن الإجماع لا ينعقد على خلافهما إذ الأمة لا تجمع على خطأ، فلو أجمعوا على خلاف النص دل ذلك على بطلان النص أو (على) أن معهم نصا نسخ ذلك (فيضاف) النسخ إلى النص لا إلى الإجماع، ولا يجوز أن ينسخ الإجماع (على ما) بينا. ١٠٠٢ - فصل: ما ثبت بالقياس، لا يخلو إما أن يكون ثبت في وقت النبي ﷺ بنصه على العلة أو تنبيهه فيجوز نسخه بنصه أيضاً، مثال ذلك أن ينص على (تحريم) (الربا في) البر وينص على أن علة تحريمه الكيل، ويتعبد بالقياس عليه، فيجب علينا أن نقيس عليه الأرز، وكذلك إن كان شبهه على ذلك، ثم ينص بعد ذلك على إباحة الأرز ويمنع من قياسه على البر، فيكون ذلك نسخاً. وإما أن يكون (بأمر مستفاد) بعد وفاة النبي ﷺ فلا

стр. 755

(يصح) نسخه لأنه لا يجوز أن يتجدد بعد وفاته نص من كتاب أو سنة فيقاس عليها (ولا علة). فإن بان نص كان قد خفي أو علة خفيت هي أولى من القياس بان أن القياس لم يكن صحيحاً ولا يسمى ذلك نسخاً. ١٠٠٣ - فصل: وأما النسخ بالقياس فلا يجوز. لأن ما ثبت بالنص لا يرفع بالقياس لأن النص إذا عارض القياس أسقطه والصحابة كانت تترك آراءها بالنصوص ولهذا صوب النبي ﷺ معاذاً حيث قال: فإن لم تجد كتاباً أو سنة؟ قال: أجتهد رأيي/ ١٠٠ أفجعل الانتقال إلى رأيه عند عدم الكتاب والسنة. فإن قيل: أليس يجوز تخصيص (النص) بالقياس (فلم لا يجوز نسخه). قلنا: التخصيص يبين المراد باللفظ فجاز بالقياس، والنسخ رفع حكم اللفظ رأسا، ولأن الصحابة خصصت ولم تنسخ، وما ثبت بالقياس لا ينسخه القياس لما بينا، وكذلك ما ثبت بالإجماع لا ينسخه القياس لما تقدم.

стр. 756

١٠٠٤ - فصل: فأما التنبيه فإنه ينسخ وينسخ به، وبه قال أكثرهم خلافاً لبعض الشافعية لنا أن التنبيه يفهم من اللفظ فجرى مجرى النص، ثم النص ينسخ وينسخ به كذلك هاهنا. قالوا: (هو) قياس فأشبه الخفي. الجواب: أنه ليس بقياس وإنما هو مفهوم الخطاب في لغة العرب ولأنا قد بينا أن القياس إذا كانت علته منصوصاً عليها، أو منبهاً عليها في وقت الرسول ﷺ جاز نسخه ولأن أصحاب الشافعي قالوا هو قياس جلي يجري مجرى النطق وينقض به حكم الحاكم فجرى مجراه في النسخ. ١٠٠٥ - فصل: فأما دليل الخطاب فيجوز نسخه مع بقاء اللفظ لأنه لا ينقض الغرض به وهذا كما قالت الصحابة: أن قول النبي ﷺ "الماء من الماء" منسوخ، وإنما نسخ دليل خطابه بإيجاب الغسل من الإيلاج، وإنما يكون رفع حكم الدليل نسخاً بعد ثبوت حكمه واستقراره، ولو كان قد ورد لفظ يخالف دليل لفظ آخر لم يكن ذلك نسخاً، وإنما يكون مسقطاً لحكم دليل اللفظ لأنه يجوز

стр. 757

استعمال اللفظ مع دليل الخطاب، وهذا كما أن لفظ العموم إذا ورد لفظ يخالف بعض ما تناوله كان تخصيصاً ولو استقر حكم العموم فيه بتأخير البيان عن وقت الحاجة ثم ورد لفظ يخالف بعض ما تناوله كان ذلك نسخاً، والله أعلم. ١٠٠٦ - مسألة: إذا ثبت الحكم في عين من الأعيان بعلة نص عليها، وقيس عليه غيره ثم نسخ ذلك الحكم في تلك العين بطل الحكم في فروعه . وقال أصحاب أبي حنيفة لا يبطل الحكم في فروعه وذكروا ذلك في مسألتين. إحداهما: مسألة النبيذ: فإنهم احتجوا بخبر ابن مسعود، فلما قيل (كان) ذلك نيلئاً. قالوا: علة النيء موجودة في المطبوخ فقيس عليه المطبوخ ثم نسخ النيء وبقى (حكم) المطبوخ. والأخرى: صوم رمضان بنية من النهار يجوز بالقياس على صوم عاشوراء، فإن النبي ﷺ أمر أهل العوالي أن يصوموا نهاراً،

стр. 758

والعلة أنه كان صوماً معيناً، ثم نسخ عاشوراء وبقى حكم النية في الصوم المعين من النهار. ١٠٠٧ - لنا أن الفرع تابع للأصل، فإذا سقط حكم الأصل سقط حكم الفرع كالحكم الثابت بالنص لما تبعه إذا سقط النص زال الحكم. ١٠٠٨ - دليل آخر: أن الحكم يفتقر إلى أصل وعلة ثم ثبت أن زوال العلة يوجب زوال الحكم، كذلك زوال الأصل يوجب زوال الحكم. قالوا: هذا إثبات ونسخ بالقياس (وهذا) لا يجوز. قلنا: نحن لا نقول (إن) ذلك نسخ بالقياس، وإنما هو إزالة حكم لزوال موجبه وذلك لا يسمى نسخاً، ألا ترى أن العلة إذا زالت زال الحكم تبعاً لها، ولا يقال إن ذلك نسخ. قالوا: الفرع إذا ثبت فيه الحكم بعلة صار أصلاً (فيجب أن لا يزول الحكم فيه بزواله في غيره). (قلنا: لا نسلم أنه صار أصلاً)، وإنما هو تابع لغيره، وهو الذي ثبت لجله، فمتى /١٠٠ ب زال ذلك المتبوع زال تابعه والله أعلم.

стр. 759

١٠٠٩ - مسألة: إذا نزل النسخ على الرسول ﷺ ولم يبلغنا لم يكن (ذلك) نسخاً في حقنا ، ذكره شيخنا، (وقال هو) ظاهر كلام أصحابنا لأن أحمد ﵁ أخذ بقصة أهل قباء لما بلغهم وبه قال عامة أصحاب أبي حنيفة. ويتوجه على المذهب أن يكون نسخاً لأنه قد قال في الوكيل (أنه) إذا عزله من غير أن يعلم العزل، وقال شيخنا (في مواضع) إن حكم الخطاب يلزم المعدوم ومن لم يوجد، وعن الشافعية كالمذهبين. ١٠١٠ - وجه الأول أن أهل قباء صلوا إلى بيت المقدس

стр. 760

فلما بلغهم النسخ استداروا في الصلاة، فلو كان حكم النسخ يلزمهم لوجب أن يبتدئوا في الصلاة لأن النبي ﷺ علم بالنسخ قبل صلاتهم. فإن قيل: القبلة يجوز تركها بالعذر وعدم علمهم عذر. قلنا: إلا أنه إذا علم أنه إذا أخطأ القبلة تلزمه الإعادة عندكم، ثم النسخ تكليف يلزم ابتداء فلا يعتبر فيه العذر وإنما يعتبر العذر فيما لا يؤمن مثله في قضائه. ١٠١١ - دليل آخر: إن من لا علم له بالخطاب لا يثبت الخطاب في حقه (كالمجنون). فإن قيل: النائم يخاطب عندكم وكذلك المغمى عليه ولهذا يؤمران بقضاء الصلاة والصيام وإن كانا لا يعلمان الخطاب. قلنا: هناك يؤمران بعد زوال (العذر الذي هو) النوم والمرض، ولو كان مأموراً في حال العذر لأثم وعصى كما يأثم إذا ترك في حال اليقظة والصحة. ١٠١٢ - دليل آخر: (إذا) ثبت النسخ في حقنا قبل علمنا لثبت في حق الرسول ﷺ قبل أن ينزل إليه جبريل بالنسخ (لأن كون) الناسخ مع جبريل ﵇ في حق الرسول ﷺ ككون الناسخ مع الرسول في حقنا ولا فرق بينهما.

стр. 761

١٠١٣ - دليل آخر: أنه مخاطب بالمنسوخ ولهذا لو تركه كان عاصياً فلا يجوز أن يكون مخاطباً بالناسخ لأنه يفضي إلى أن يخاطب بالشيء وضده (في) حالة واحدة. ١٠١٤ - احتج الخصم بأن قال: إسقاط حق لا يعتبر فيه رضي من يسقط عنه، فلا يعتبر فيه علمه كالطلاق والعتاق والإبراء. الجواب: أن النسخ ليس بإسقاط حق، وإنما هو تكليف، ولهذا يتعلق به الثواب والعقاب، فلا يلزم من لا يعلمه، ثم يلزم إذا كان الناسخ مع جبريل ﵇، والمعنى في الأصل أنه خالص حقه أسقطه، ولا يتعلق المسقط عنه. ١٠١٥ - احتج بأن الإباحة تارة من جهة الله تعالى وتارة من جهة (الآدمي)، ثم الآدمي يثبت حكم إباحته قبل العلم، وهو إذا حلف على (امرأته) لا خرجت إلا بإذني، ثم أذن من حيث لا تعلم، أو أباح ثمرة بستانه لكل من أكل منه فإنه يباح، كذلك في حق الله تعالى يجب أن يكون مثله. الجواب: أن هذا جمع من غير علة، ثم لا نسلم الإذن من جهة الآدمي فإنه إذا أذن "لامرأته" من غير أن تعلم وخرجت وقع به الحنث، وإذا أباح ماله من غير أن يعلم لم يزل الحظر في حقنا.

стр. 762

فإن قيل: (أليس) إذا عزل الوكيل ولم يعلم بعزله وقع تصرفه باطلاً؟ قلنا: لا نسلم في إحدى الروايتين ونقول يصح تصرفه وبيعه/١٠١ أ، وكذلك إن مات الموكل ولم يعلم الوكيل. ومن سلم قال: بالفرق بينهما لأن أوامر الله تعالى يتعلق بها الثواب والعقاب فاعتبر فيها علم المأمور بخلاف تصرف الوكيل. وللخصم أن يقول وإذن الموكل يتعلق به صحة التصرف وفساده وذلك (يعتبر) فيه علم الوكيل، فلا فرق بينهما، والله أعلم بالصواب. ١٠١٦ - مسألة: الزيادة في النص ليست بنسخ ، وبه قال أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم وأصحاب الشافعي. وقال أبو الحسن الكرخي وأبو عبد الله البصري: إن

стр. 763

كانت الزيادة مغيرة حكم المزيد عليه في المستقبل كانت نسخاً كزيادة التغريب على الجلد يكون نسخا، وكذلك زيادة النية والترتيب في الطهارة، وإن كانت لا تغير المزيد عليه مثل أن يجب ستر الفخذين ثم يوجب ستر الركبيتين لم يكن نسخاً. وقال بعضهم: إن أفاد النص من جهة دليل الخطاب أو الشرط خلاف ما أفادته الزيادة، (كانت الزيادة) نسخا، نحو قوله ﵇: "في سائمة الغنم الزكاة". (فإن) دليله يفيد (أن) لا زكاة في المعلوفة، فمتى أوجبت الزيادة الزكاة في المعلوفة كانت نسخاً. وقال عبد الجبار: إن كانت الزيادة قد غيرت المزيد عليه (تغييراً شرعياً حتى صار المزيد عليه) لو فعل الزيادة على صفة ما كان يفعل قبل الزيادة كان وجوده كعدمه ووجب استئنافه، كان ذلك نسخاً، (نحو) زيادة ركعة على ركعتين، ومتى كانت الزيادة لا تمنع الاعتداد بما زيد عليه نحو زيادة التغريب على الجلد لم يكن نسخاً.

стр. 764

وقال أبو الحسين البصري: إن كانت الزيادة أزالت حكماً ثبت بدليل شرعي كانت نسخاً وإن أزالت حكماً ثبت بالعقل لا في الشرع لم تسم الزيادة نسخاً، لكن هي في معنى النسخ، فعنده زيادة التغريب في (الحد) ليست بنسخ لأن نفي وجوب الترغيب (في الحد) ثبت من طريق العقل لا من جهة الشرع. ١٠١٧ - وفائدة الخلاف في هذه المسألة أن من لم يجعل الزيادة نسخاً فإنه يجيز إثباتها بالقياس وخبر الواحد، ومن جعلها نسخاً لم يجز ذلك إلا أن يكون طريق ثبوت الزيادة مثل طريق المزيد عليه في القوة والمعنى. ١٠١٨ - وجه القول الأول: أن النسخ هو الرفع والإزالة وبالزيادة لا يحصل الرفع ولا الإزالة، ألا ترى أن زيادة عبادة على العبادات لا يسمى نسخاً لأنه ليس برفع. فإن قيل: الجلد كان مجزياً في الحد وحده: (فلما شرع التغريب خرج وحده أن يكون مجزياً فزال حكم كونه مجزياً فكان ذلك نسخاً). (قلنا: قولنا إنه غير مجزيء وحده) هو أنه يجب ضم شيء آخر إليه لأن حكم الجلد ارتفع فعاد ذلك إلى تعليل الشيء.

стр. 765

وهذا الجواب عن قولهم إن الجلد قبل الزيادة كان جميع الحد فصار بعدها بعض الحد فقد أزالت الزيادة كون الجلد كمال الحد، يقال لهم معنى هذا أن قبل الزيادة لم يجب أن يضم إلى الجلد غيره، وبعدهما وجب أن يضم إلى الجلد غيره فمعنى العبارتين (واحد)، فكأنكم قلتم: إنما كانت الزيادة نسخاً لأنها زيادة على الواجب، وهذا تعليل الشيء بنفسه كما ذكرنا. ويلزم على ما ذكروه/١٠١ ب زيادة عبادة على العبادات فإنها كانت قبل زيادة العبادة مجزية في التكليف فصارت غير مجزية وكانت جميع الواجب على المكلف فصارت بعض الواجب عليه. وقد أجيبوا بأن الجلد جميع الحد من أحكام العقل لأن ما زال على ذلك ممنوع منه عقلاً، فالزيادة أثرت في حكم العقل، والنسخ إنما يقع في أحكام الشرع. ١٠١٩ - دليل آخر: أن النسخ ما لم يمكن الجمع بينه وبين المنسوخ في اللفظ (وهاهنا) إن جمع بين الزيادة والمزيد عليه صح ووجب الجمع بينهما فدل على أن ذلك ليس بنسخ. ١٠٢٠ - دليل آخر: أن النسخ إخراج ما وجب دخوله (بمقتضى) اللفظ بدليل متأخر وهذا مفقود في مسألتنا لأن القياس الموجب للزيادة مقارن فلم يكن نسخاً.

стр. 766

ويدل عليه أنه (تجوز) الزيادة بالآحاد والقياس، فنقول ما جاز أن يثبت به الحكم المنفرد جاز أن تثبت به الزيادة في الحكم كالقرآن والتواتر. ١٠٢١ - احتج الحنفية بأن النسخ هو تغيير الحكم عما كان عليه ومعلوم أنه إذا زاد في (حد القذف) عشرين صارت الثمانين بعض الواجب بعد أن كانت جميع الواجب وصارت لا يتعلق بها رد الشهادة (بعد أن كانت يتعلق بها رد الشهادة). الجواب: أنا قد بينا أن النسخ (هو) الرفع (والإزالة)، وما ارتفع بالزيادة حكم، وإنما وجب حكم منضم إلى ذلك الحكم الثابت، ثم يبطل بزيادة عبادة على العبادات فأما رد الشهادة فلا نسلم أنها تتعلق بالجلد، ثم يبطل بالفروض إذا كانت خمساً فإنها تقف الشهادة على أدائها واعتقادها. (فإن قيل زيادة) فرض آخر لم يقف (قبول الشهادة) على أدائها (وحدها بل على أدائها) وأداء الزيادة، ثم لا يكون ذلك نسخاً.

стр. 767

وقيل: إنه يبطل إذا نقص من الثمانين عشرين في حد القذف بأنه قد صار الباقي (كل الواجب) وكان بعضه، (وترد به) الشهادة عندهم بعد أن لم تكن ترد به، ثم لا يكون ذلك نسخاً وهم لا يسلمون ذلك على قول عبد الجبار. ١٠٢٢ - احتج بأن الزيادة إذا ثبتت صارت جزءاً من المزيد عليه (فيجب أن لا) تثبت إلا بما ثبت به المزيد (عليه). الجواب: أنه إن أراد بقوله (يصير) جزاء منه بمعنى (أنه) يجب ضمه إليه فهو مسلم، ولكن لا يجب أن يشترط في ثبوته ما شرط في ثبوت المزيد عليه، ولهذا زيادة عبارة قد صارت جزءاً من الواجب على (المكلف) ولا يجب أن يثبت بما ثبت به ما قبلها من العبادات، وإن أراد (أن) المزيد عليه ارتفع ووجب جملة أخرى تعم المزيد عليه (فلا نسلم ذلك وهو) مسألة الخلاف. ١٠٢٣ - احتج بأن الأمر بمائة جلدة موضوع للمنع من الزيادة عليها فإذا وردت الزيادة رفعت المنع فكانت حقيقة النسخ كما

стр. 768

لو قال تعالى: "المائة جلدة وحدها مجزئة في الحد وهي كمال الحد ثم (إن زاد) على المائة فإنه يكون نسخاً، كذا هاهنا. الجواب: أن التعليق بعدد لا يفيد عندكم منع الزيادة ولا النقصان، وهو قول أبي الحسن التميمي من أصحابنا، ومن جعله مانعاً من الزيادة قال ذلك نسخ للمنع من الزيادة التي ثبتت بدليل الخطاب/١٠٢ أ، ودليل الخطاب يجوز نسخه يخبر الواحد والقياس، وكلامنا هل الزيادة ناسخة للمزيد عليه؟ وليس فيما ذكروا ما يدل على ذلك. وقيل: بأنه إذا صرح بأن المائة كمال الحد ومجزية صار (الإجزاء) حكماً شرعياً، فإزالته بالزيادة عليه تكون نسخاً للآخر، فأما إذا أوجب المائة فإنه لم (يتعرض) للتغريب بنفي ولا إثبات وإنما لا تجوز الزيادة بحكم البقاء على الأصل وإزالة حكم الأصل ليس بنسخ. ١٠٢٤ - احتج بأن النقصان من المنصوص عليه يوجب النسخ، فكذلك الزيادة. الجواب: أن النقصان حجتنا لأنه لا يوجب نسخ الباقي من الحد وإنما ينسخ ما نقص، فكذلك يجب أن تكون الزيادة لا تنسخ الثابت من الحد، وإنما يضيف إليه حكماً آخر، ثم يلزم

стр. 769

(عليه أنه) لو أوجب عبادات ثم نسخ إحداهما كان ذلك نسخاً لما رفع حكمه، ولو زاد عليها عبادة أخرى لم تكن نسخاً (للعبادات). ١٠٢٥ - احتج بأن الحكم بالشاهد واليمين ورد فيه خبر وهو ناسخ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ لأنه حكم (ما لم يشرطه). الجواب: أن الآية أفادت الحكم بالرجلين، والرجل والمرأتين، ولم تنف الحكم بما عدا ذلك فإذا ورد الخبر بالحكم بمعنى آخر ضممناه إلى ذلك (المعنى) فلا يكون (ذلك) نسخاً ثم يلزمهم زيادة النبيذ في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ بخبر الواحد. واشتراط الفقر في ذوي القربى بالقياس على اليتامى وهو زيادة في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ ولم يشترط الفقر. فإن قيل: ذلك تخصيص وليس بزيادة.

стр. 770

قلنا: لا يجوز كونه تخصيصاً عندك لأن فيه تأخير البيان عن وقت الخطاب ولا تقول به، ثم يجب أن يكون اشتراط الإيمان في كفارة الظهار تخصيصاً وكذلك اشتراط النية في الطهارة. ١٠٢٦ - احتج من قال: زيادة ركعة على ركعتين يكون نسخاً بأن زيادة الركعة تجعل وجود الركعتين كعدمها لأنها توجب الاستئناف وترفع الإجزاء، ومن قبل هذه الزيادة كانت مجزية فدل على أنها نسختها. الجواب: أنه يبطل بزيادة عضو في الطهارة (أو طهارة أخرى) فإن ذلك ليس بنسخ للصلاة عنده، وإن جعل وجودها كعدمها. فإن قيل: تلك الزيادة منفصلة عن الصلاة والركعة متصلة بها. قلنا: وأي تأثير لانفصال الشرط واتصاله ونحن نعلم أن النسخ إزالة الأحكام من الإجزاء ونحوه، وقد زال الإجزاء في الموضعين. فإن قيل: إذا فرضت الصلاة ركعتين وجب التشهد عقيب الركعتين فإذا زيد فيها ركعة (صار) التشهد (عقيب) الثالثة وزال أن يكون عقيب الركعتين فكان ذلك نسخاً، فأما زيادة (عضو) في الطهارة فلا يغير فعل الصلاة لأنه يجب فعلها كما كان،

стр. 771

وإنما وجب أن يقدم عليها فعلاً آخر فصار كزيادة الترغيب بعد الجلد لما لم يغير الجلد وإنما كان زيادة فعل آخر لم يكن نسخاً. فإن قيل: التشهد موضعه آخر/١٠٢ ب الصلاة وهذا لم يتغير وإنما تغير آخر الصلاة فلم ينسخ موضع الجلوس، وقولهم زيادة عضو في الطهارة لم يغير الصلاة وإنما أوجب فعلاً آخر لا يمنع من إبطال علتكم لأنهما في الموضعين منعاً من الإجزاء. جواب آخر: أن الركعة إذا زيدت على الركعتين لا تغير فعل الركعتين بل يفعلان على ما كانا عليه ويضم إليهما ركعة أخرى، وإنما يتأخر التشهد لأن موضعه آخر الصلاة الخروج منها. جواب آخر: أنه إذا زيد التغريب على الجلد فقد غير حكم الجلد لأنه (كان) بانتهاء عدد الجلد يحصل التطهير، فصار لا يجعل بذلك التطهير وكان آخر (عدد) الجلد (آخر) الحد صار ليس بآخره، فيجب أن تقول: إنه نسخ، وكذلك إذا زيد في مدة العدة (حتى) صار آخرها وسطا، فصار ما كان "آخر العدة غير آخرها" ثم لا يكون نسخاً عنده. ١٠٢٧ - مسألة: نسخ شرط من شروط العبادة، أو جزء

стр. 772

من أجزائها ليس بنسخ لباقيها وبه قال الكرخي والبصري وأصحاب الشافعي. وقال عبد الجبار: نسخ شرط منفصل ليس بنسخ لباقيها كنسخ الوضوء لا يكون نسخاً للصلاة. فأما شرط متصل بها كنسخ التوجه إلى بيت المقدس هو نسخ. وكذلك (نسخ) جزء من أجزائها كنسخ سجدة أو ركعة. ١٠٢٨ - لنا أن النسخ هو الرفع والإزالة وذلك إنما يتناول الشرط أو الجزء خاصة، فأما (ما) سوى ذلك فهو باق بحاله، والصلاة كانت تفعل إلى بيت المقدس كما تفعل الآن إلى الكعبة وإنما تغيرت القبلة فكان ذلك نسخاً للقبلة دون الصلاة، وكذلك إذا نسخ منها ركعة فما بقى من الركعات بحالها لم تزل فلم توصف بالنسخ. ١٠٢٩ - دليل آخر: أن التخصيص لا يكون تخصيصاً للجميع فكذلك نسخ (بعضها) لا يكون نسخاً (للجميع)

стр. 773

١٠٣٠ - واحتج بأنه إذا نسخت ركعة فقد كانت لا تجزيء الصلاة دون هذا المنسوخ فصارت تجزيء وكان التشهد لا يجوز قبلها وهذا (تغيير لحكم العبادة) فكان نسخاً. الجواب: أنها كانت لا تجزيء لوجوب الركعة، فلما سقط وجوب الركعة (سقطت) وبقيت بقية الصلاة مجزية على أصلها، ثم ينتقض ما ذكروه بالشرط المنفصل، كالطهارة فإن الصلاة كانت لا تجزيء بغير الطهارة فإذا نسخت الطهارة صارت تجزيء بغير طهارة فيجب أن يكون ذلك نسخاً، ولأن نسخ القبلة من بيت المقدس إلى (الكعبة) إما أن تكون نسخت صورة الصلاة أو وجوبها وكونها عبادة أو أجزاؤها وكل ذلك لم يزل فلم يكن ذلك نسخاً لها. ١٠٣١ - فصل: في معرفة طرق النسخ وكون الحكم منسوخاً، ويعلم ذلك بشيئين: أحدهما: لفظ النسخ مثل أن يقول: هذه العبادة منسوخة، أو يقول: صوم رمضان نسخ صوم عاشوراء. والثاني: التاريخ مع التنافي وذلك يحصل إما بأن ينافي أحدهما الآخر كقوله سبحانه: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. فنسخ

стр. 774

مصابرة العشرين للمائتين بمصابرة مائة/١٠٣ أللمائتين، وكذلك قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾ وكقول الرسول ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها وكنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروا". فأما إن وقع التنافي من جهة المضادة نحو أن يأمر بصلاة في (وقت) مخصوص في مكان مخصوص، ثم يأمر بصلاة أخرى في ذلك الوقت في مكان آخر فيكون الثاني ناسخاً للأول (وكذلك إذا تعارض العمومان وعلم التأريخ فيهما فيكون الثاني ناسخاً للأول).

стр. 775

(شرع من قبلنا) ١٠٣٢ - (مسألة: شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يثبت نسخه ، اختاره شيخنا وأومأ إليه أحمد في رواية الأثرم وغيره، وقد سئل عن القرعة فقال في كتاب الله في موضعين: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ﴾، و ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ﴾ وهذا شرع يونس، وهذا شرع زكريا، وهي اختيار أبي الحسن التميمي، وقول الحنفية فيما حكاه الرازي وروى عنه أنه ليس بشرع لنا، قال في رواية أبي طالب: النفس بالنفس كتب على اليهود قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ولنا ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ وبه قال المعتزلة والأشعرية وروى عن الشافعية كالمذهبين، وروى عنهم وجهاً ثالثاً أنه متعبد بشريعة إبراهيم وقال قوم: بشريعة موسى.
следующие страницы →