Полный текст (1 668 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
وإنما وجب أن يقدم عليها فعلاً آخر فصار كزيادة الترغيب بعد الجلد لما لم يغير الجلد وإنما كان زيادة فعل آخر لم يكن نسخاً.
فإن قيل: التشهد موضعه آخر/١٠٢ ب الصلاة وهذا لم يتغير وإنما تغير آخر الصلاة فلم ينسخ موضع الجلوس، وقولهم زيادة عضو في الطهارة لم يغير الصلاة وإنما أوجب فعلاً آخر لا يمنع من إبطال علتكم لأنهما في الموضعين منعاً من الإجزاء.
جواب آخر: أن الركعة إذا زيدت على الركعتين لا تغير فعل الركعتين بل يفعلان على ما كانا عليه ويضم إليهما ركعة أخرى، وإنما يتأخر التشهد لأن موضعه آخر الصلاة الخروج منها.
جواب آخر: أنه إذا زيد التغريب على الجلد فقد غير حكم الجلد لأنه (كان) بانتهاء عدد الجلد يحصل التطهير، فصار لا يجعل بذلك التطهير وكان آخر (عدد) الجلد (آخر) الحد صار ليس بآخره، فيجب أن تقول: إنه نسخ، وكذلك إذا زيد في مدة العدة (حتى) صار آخرها وسطا، فصار ما كان "آخر العدة غير آخرها" ثم لا يكون نسخاً عنده.
١٠٢٧ - مسألة: نسخ شرط من شروط العبادة، أو جزء
стр. 772
من أجزائها ليس بنسخ لباقيها وبه قال الكرخي والبصري وأصحاب الشافعي.
وقال عبد الجبار: نسخ شرط منفصل ليس بنسخ لباقيها كنسخ الوضوء لا يكون نسخاً للصلاة. فأما شرط متصل بها كنسخ التوجه إلى بيت المقدس هو نسخ.
وكذلك (نسخ) جزء من أجزائها كنسخ سجدة أو ركعة.
١٠٢٨ - لنا أن النسخ هو الرفع والإزالة وذلك إنما يتناول الشرط أو الجزء خاصة، فأما (ما) سوى ذلك فهو باق بحاله، والصلاة كانت تفعل إلى بيت المقدس كما تفعل الآن إلى الكعبة وإنما تغيرت القبلة فكان ذلك نسخاً للقبلة دون الصلاة، وكذلك إذا نسخ منها ركعة فما بقى من الركعات بحالها لم تزل فلم توصف بالنسخ.
١٠٢٩ - دليل آخر: أن التخصيص لا يكون تخصيصاً للجميع فكذلك نسخ (بعضها) لا يكون نسخاً (للجميع)
стр. 773
١٠٣٠ - واحتج بأنه إذا نسخت ركعة فقد كانت لا تجزيء الصلاة دون هذا المنسوخ فصارت تجزيء وكان التشهد لا يجوز قبلها وهذا (تغيير لحكم العبادة) فكان نسخاً.
الجواب: أنها كانت لا تجزيء لوجوب الركعة، فلما سقط وجوب الركعة (سقطت) وبقيت بقية الصلاة مجزية على أصلها، ثم ينتقض ما ذكروه بالشرط المنفصل، كالطهارة فإن الصلاة كانت لا تجزيء بغير الطهارة فإذا نسخت الطهارة صارت تجزيء بغير طهارة فيجب أن يكون ذلك نسخاً، ولأن نسخ القبلة من بيت المقدس إلى (الكعبة) إما أن تكون نسخت صورة الصلاة أو وجوبها وكونها عبادة أو أجزاؤها وكل ذلك لم يزل فلم يكن ذلك نسخاً لها.
١٠٣١ - فصل: في معرفة طرق النسخ وكون الحكم منسوخاً، ويعلم ذلك بشيئين:
أحدهما: لفظ النسخ مثل أن يقول: هذه العبادة منسوخة، أو يقول: صوم رمضان نسخ صوم عاشوراء.
والثاني: التاريخ مع التنافي وذلك يحصل إما بأن ينافي أحدهما الآخر كقوله سبحانه: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. فنسخ
стр. 774
مصابرة العشرين للمائتين بمصابرة مائة/١٠٣ أللمائتين، وكذلك قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾ وكقول الرسول ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها وكنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروا".
فأما إن وقع التنافي من جهة المضادة نحو أن يأمر بصلاة في (وقت) مخصوص في مكان مخصوص، ثم يأمر بصلاة أخرى في ذلك الوقت في مكان آخر فيكون الثاني ناسخاً للأول (وكذلك إذا تعارض العمومان وعلم التأريخ فيهما فيكون الثاني ناسخاً للأول).
стр. 775
(شرع من قبلنا)
١٠٣٢ - (مسألة: شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يثبت نسخه ، اختاره شيخنا وأومأ إليه أحمد في رواية الأثرم وغيره، وقد سئل عن القرعة فقال في كتاب الله في موضعين: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ﴾، و ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ﴾ وهذا شرع يونس، وهذا شرع زكريا، وهي اختيار أبي الحسن التميمي، وقول الحنفية فيما حكاه الرازي وروى عنه أنه ليس بشرع لنا، قال في رواية أبي طالب: النفس بالنفس كتب على اليهود قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ولنا ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ وبه قال المعتزلة والأشعرية وروى عن الشافعية كالمذهبين، وروى عنهم وجهاً ثالثاً أنه متعبد بشريعة إبراهيم وقال قوم: بشريعة موسى.
стр. 776
١٠٣٣ - وجه من قال ليس بشرع لنا قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾، فأخبر أن لكل نبي شرعة ومنهاجاً، فلم يكن شرع أحدهم شرعاً للآخر.
١٠٣٤ - دليل آخر: أن الشريعة تضاف إلى نبينا ﷺ فلو كان مخاطباً بشرع من تقدمه لم يضف إليه، كما لا يضاف شرع نبينا ﷺ إلى بعض أصحابه لما كان تابعاً له.
١٠٣٥ - مسألة: غير ممتنع في (العقل) أن يتعبد الله تعالى النبي الثاني بشريعة النبي الأول، وقال بعضهم: لا يحسن ذلك .
١٠٣٦ - لنا أنه غير ممتنع أن تكون مصلحة النبي الثاني ومصلحة أمته فيما كان مصلحة الأول، كما لا يمتنع أن يتفق زيد وعمرو فيما هو مصلحة لهما من الشرع وغيره، ولأنه لما لم يمتنع في العقل أن تكون مصلحة الثاني مع أمته مخالفة لمصلحة الأول، كذلك لا يمتنع أن تكون موافقة لمصلحة الأول لأنه لا فرق (في العقل) بين الأمرين (جميعاً).
فإن قالوا: مجيء الثاني بشريعة الأول عبث لأنها قد عرفت بمجيء الأول.
стр. 777
الجواب: أنه لا يفضي إلى ذلك لجواز أن تكون شريعة الأول قد درست ونسيت، فيجيء الثاني بإحيائها وإعادتها، أو يجيء الثاني بها إلى يغر من أتاه الأول من الأمم، أو يتعبد الثاني بما دعا إليه الأول، ويوحي إليه بعبادات زائدة أو شروط في العبادات لم تكن في شريعة الأول، وإذا حسن هذا بطل قولهم/١٠٣ ب: إن ذلك عبث والله أعلم.
١٠٣٧ - (مسألة): هل كان نبينا قبل بعثته متعبداً بشريعة من قبله أم لا ؟
قال شيخنا: كان متعبداً بشرع من قبله وبه قال أصحاب الشافعي.
وحكى أبو سفيان السرخسي عن أصحاب أبي حنيفة: أنه لم يكن متعبداً قبل بعثته بشيء من الشرائع، وتوقف (بعض) المعتزلة وغيرهم في ذلك منهم أبو هاشم وهو الأقوى.
١٠٣٨ - ووجه من قال (إنه) لم يكن متعبداً (أنه لو كان متعبداً) بشرع من قبله قبل البعث لكان يفعل ما تعبد به
стр. 778
الأنبياء قبله، ولو فعل ذلك لنقل ولوجب أن (يخالط) من ينقل ذلك الشرع من اليهود والنصارى وغيرهم ويفعل كفعلهم، وقد نقلت أفعاله قبل بعثته (وعرفت) أحواله ولم ينقل أنه خالط أهل الكتاب ولا فعل أفعالهم ولا سأل عن شرعهم (فاتضح) ما ذكرناه.
١٠٣٩ - ووجه من قال: إنه تعبد: أنه قد كان قبل البعثة يحج ويعتمر ويصوم ويطوف بالبيت ويعظمه ويأكل المذكي ويركب البهائم ويحمل عليها وكل ذلك لا يحسن إلا شرعاً، فدل على أنه كان يتبع (شرع) من قبله.
الجواب: أنه لم يثبت عنه فعل شيء من العبادات من حج أو عمرة أو صلاة أو صيام قبل البعثة بحال، وكذلك لم ينقل عنه (أنه) ذكى (ولا) أمر بالتذكية، ومن ادعى ذلك يحتاج إلى دليل عليه، وإن نقل عنه شيء من ذلك فإنما كان بعد البعث وقبل الهجرة في طول إقامه بمكة، (فأما أكل اللحم المذكي فحسن في العقل لأنه ليس فيه ضرر على أحد وفيه منفعة لمن يأكله، وأما ركوب البهائم، كذلك لا ضرر فيه عليها لأنها خلقت لذلك وفيه منفعة الراكب).
стр. 779
وقيل: إن ذلك حسن لأنه (ضرر) يؤدي إلى نفع أعظم منه وهو القيام بمصالحها وأقواتها، وأما تعظيم البيت فلأنه بناء الأنبياء إبراهيم، وإسماعيل، وتعظيم أماكن الأنبياء والتبرك بها حسن في العقل.
ومن نصر الثاني يقول: لا مدخل للعقل في تحسين ولا تقبيح في الشرعيات فثبت أنه كان متعبداً في فعل ذلك.
١٠٤٠ - ومن قال بالوقف: احتج بأنه لو تعبد لخالط أهل الملل ولسأل عن شرائعهم ولم ينقل ذلك (ولو لم) يتعبد لما طاف بالبيت وعظمه وتعبد وصام، وقد نقل عنه مستفيضاً أنه كان يتحنث بحراء الأيام المتتابعات حتى (أوحى الله إليه) وذلك لا يحسن إلا شرعاً، فدل على أنه (كان متعبداً بشرع) من قبله، وإذا تعارض الدليلان (وجب الوقف) حتى يتبين.
١٠٤١ - فصل: وهل كان متعبداً بعد (أن بعث) بشرع من قبله: وهل ذلك شرع لنا ما لم يثبت نسخه؟
стр. 780
فيه روايتان:
إحداهما: أنه لم يكن متعبداً بذلك ولا هو شرع (لنا) وبه قال المعتزلة والأشعرية.
والأخرى أنه كان متعبداًً بذلك وهو شرع لنا ما لم يثبت نسخه (وهو اختيار شيخنا، وحكى أنه أنه اختيار التميمي) وبه قال أصحاب أبي حنيفة فيما حكاه أبو سفيان عن الرازي عنهم. واختلف الشافعية/١٠٤ م فروى عنهم كالمذهبين. قوال بعضهم تعبد بشرع إبراهيم ﵇، وقال (قوم) تعبد بشرع موسى ﵇.
стр. 781
١٠٤٢ - وجه الأول قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾. ومعناهما: واحد وهو الطريق الواضح فدل على أن كلا منهم اختص بشريعة فإذا شاركه غيره (زال) الاختصاص.
١٠٤٣ - دليل آخر: ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "بعثت إلى الأحمر والأصفر وكل نبي بعث إلى قومه" فدل على أن كل نبي اختص بشرع لقومه، ومشاركتنا تمنع الاختصاص.
١٠٤٤ - دليل آخر: ما روى عن النبي ﷺ أنه خرج يوما فرأى بيد عمر قطعة من التوراة فغضب وقال: ما هذه؟ ألم آت بها بيضاء نقية؟ لو أدركني موسى ما وسعه إلا اتباعي فأنكر النظر في التوراة وأخبر أن موسى يجب أن يتبعه لو أدركه.
فإن قيل: إنما أنكر عليه (لأنها) مغيرة مبدلة، ونحن لا نرجع إليها وإنما نرجع إلى ما جاء به شرعنا منها.
وجواب عنه أن النبي ﷺ (قد) جعل العلة أن قد جاء بشريعة بيضاء (نقية) لا يحتاج معها إلى غيرها وأن موسى يلزمه اتباعه لو كان حياً فبطل تأويلهم.
стр. 782
١٠٤٥ - دليل آخر: أن النبي ﷺ لم يكن يرجع في الحوادث إلى حكم التوراة والإنجيل ولا يسأل عن شرع من قبله وإنما كان ينتظر الوحي ولهذا (انتظره) حين قذف هلال زوجته حتى نزلت آية اللعان، وكذلك حين حدث الظهار والإفك وغير ذلك.
فإن قيل: فقد رجع إلى التوراة في الرجم وكذلك في القصاص (في) السن فإنه قال (في) كتاب الله القصاص، وذكر السن في القصاص إنما ذكره الله تعالى في التوراة في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ - إلى قوله- والسن بالسن﴾.
قلنا: رجوعه إلى التوراة (في الرجم) موافقة لليهود وتعنيف لهم حين جحدوا الرجم في شرعهم، ألا ترى أنه لم يرجع في غير ذلك إليها من شرائط الرجم كالإحصان وغيره. وأيضاً (فإن) كون التوراة مغيرة يمنع من الرجوع إليها في استفادة الحكم منها، وقوله "كتاب الله القصاص" لم يرد به التوراة لأن كتاب الله إذا أطلق لم يعقل منه إلا القرآن يقال: هو أقرأنا لكتاب الله وحكمنا بكتاب الله
стр. 783
وحامل كتاب الله، ويراد به القرآن) لا غير، وقال في القرآن: وحامل كتاب الله، ويراد به القرآن) لا غير، وقال في القرآن: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ويحتمل أن يكون أراد حكم الله القصاص، ويحتمل أنه أوحى إليه (أن) ذلك شرع (له) فلهذا رجع إليه.
١٠٤٦ - دليل آخر: أن النبي ﷺ قال لمعاذ: "بم تحكم: فقال: بكتاب الله: قال: فإن لم تجد؟. قال: بسنة رسول الله ﷺ ، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ لما يرضى رسول الله" ولو كان متعبداً بشرع/ ١٠٤ ب من قبله لأمره بالرجوع إلى ذلك.
فإن قيل: فقد قال بكتاب الله، والتوراة كتاب الله.
قلنا: قد بينا أنه إذا أطلق لم يعقل منه إلا القرآن وعلى أن شرع من قبلنا لا يقف على كتابهم كما أن شرعنا لا يقف على كتابنا فكان يأمره بتصفح أحوال (الأنبياء) وشرعتهم.
١٠٤٧ - دليل آخر: أن الصحابة ﵃ اجتهدوا
стр. 784
واختلفوا واحتج بعضهم على بعض ولم ينقل عن أحد منهم أنه رجع إلى شرع من قبل نبينا ﵇ في حكم من الأحكام ولا احتج به ولا سأل عنه.
فإن قيل: إنما لم يرجعوا إليهم لأن خبرهم لا (يقبل) في الشرع.
قلنا: إذا لم يقبل خبرهم وكتابهم مبدل فلا سبيل إلى التعبد بأحكامهم لأن طريق ثبوتها متعذر.
فإن قيل: إنما نثبت من ذلك ما جاء به شرعنا.
قلنا: فما ننكر أن يكون ما جاء به شرعنا (قد جعل شرعاً لنا بأمر مبتدأ ثم ليس جميع شرعهم جاء به شرعنا) فكان يجب أن يبحث أو يسأل من أسلم منهم عن ذلك فنتبعه ولا أحد فعل ذلك.
١٠٤٨ - دليل آخر: أنه لو تعبد بشرع من قبله لم يضف الشرع جميعه إليه كما لا يضاف الشرع إلى بعض أصحابه وإن كان له فيه (أثر) واجتهاد (لأنه) استفاد ذلك منه ﵇.
١٠٤٩ - دليل آخر: أن شرع من قبل موسى قد درس فلم يمكن التوصل إليه، وشرع موسى منسوخ بشرع المسيح،
стр. 785
ولا يجوز أن يكون متعبداً بشرع المسيح لانعقاد الإجماع على خلافه لأن الناس اختلفوا على (أقاويل) أربعة: فمنهم من قال: لم يتعبد بشرع أحد. ومنهم من قال: تعبد بشرع جميع الأنبياء، ومنهم من قال: بشرع إبراهيم ومنهم من قال: بشرع موسى، ولم ينقل عن أحد أنه (قال) تعبد بشرع المسيح ﷺ أجمعين.
١٠٥٠ - احتج المخالف بقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾ وشرعهم من هداهم فوجب اتباعه.
الجواب: أنه تعالى أمره بهدى مضاف إلى جميعهم وذلك هو التوحيد والدعاء إليه والصبر على ما تلقاه في تبليغ الرسالة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ﴾ فأما الشرائع فهم مختلفون فيها (فلا) يمكن الاقتداء بهم فيها (لاختلافهم في الأحكام فإن أخذ بشرع أحدهم خالف الآخر).
١٠٥١ - احتج بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ فبين أنها منزلة ليحكم بها النبيون ونبينا ﷺ من جملتهم.
стр. 786
الجواب: أنه يحتمل أنه أراد بذلك (أن يحكم النبيون) من بني إسرائيل إذ لا يمكن حمله على جميع النبيين لأن من قبل موسى لا يحكم بها ومن بعده لا يحكم بها أيضاً، لأن عيسى ونبينا ﵉ قد نسخ شرعهما كثيراً منها كالسبت وغيره.
جواب آخر: ظاهر الآية يقتضي أن يحكم بها جميع النبيين/١٠٥ أوبذلك يوجب حملها على الحكم بالتوحيد وتبليغ الرسالة ليدخل في ذلك الجميع، فأما الحكم في الشرائع فلا يمكن اجتماع النبيين على ما في التوراة (منها) لأن بعضهم قد نسخ بعض ما في التوراة (فثبت ما قلنا).
١٠٥٢ - احتج بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾.
الجواب: أن اسم الملة لا يقع إلا على أصل الدين من التوحيد والإخلاص لله بالعبادة دون الفروع ولهذا (لا) يقال: ملة أحمد وأبي حنيفة والشافعي يراد بذلك مذاهبهم، ولا يقال: ملة أحمد وأبي حنيفة مختلفة، ولهذا قال في آخر الآية "وما كان من المشركين" ولأن ملة إبراهيم انقطع نقلها فلا يجوز أن يؤمر بما لا سبيل إليه.
стр. 787
١٠٥٣ - احتج بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ معناه (بما) أوحينا إليهم.
الجواب: لا نسلم أن معناه ذلك بل (قال ذلك) ليزيل عجب من تعجب من وحي الله تعالى إليه وهذا كما يقول الإنسان (لغيره) كيف راسلني فلان؟ فيقول: كما راسلك فلان وفلان ولم يرد بما راسلك فلان وفلان على أن الآية لو دلت على أنه أوحى (إليه بما أوحى) به إلى غيره لكان المراد به من التوحيد وما يتعلق به أو يراد به أنه (تعبده) بما أوحى به إلى غيره بأمر مبتدأ.
١٠٥٤ - احتج بقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ الآية.
الجواب: أن الدين المراد به التوحيد والإخلاص وتبليغ الرسالة دون الفروع، ولهذا لا يقال: دين أحمد مخالف (لدين) الشافعي ويراد به مذهبه. وبهذا قال تعالى في الآية: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾
стр. 788
(والذي لا تقع فيه الفرقة هو ما ذكرنا من التوحيد والإخلاص، وكذلك هو الذي يكبر على المشركين) فأما بقية الأحكام فهم فيها مختلفون متفرقون نسخ بعضهم على بعض وخالف بعضهم بعضا، ثم لو دلت الآية على ما ذكروا من أنه تعبد بشرع من قبله لدلت على أنه تعبد بذلك بأمر مبتدأ أنزل في كتابه.
١٠٥٥ - واحتج بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ الآية. ولم يأمرنا باتباعها ونحن نحكم بذلك.
(فثبت أنا نحكم به اتباعاً لشرعهم).
(الجواب أن في الآية ما يدل على وجوب الحكم علينا بذلك) وهو قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ وهذا يقتضي أنه أوجب الحكم علينا بذلك، فدل على أن الحكم (بذلك وجب) في شرعنا، ثم قلنا: إنا لم نحكم بذلك لهذه الآية وإنما حكمنا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي
стр. 789
الأَلْبَابِ﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.
١٠٥٦ - احتج بأن نبينا كان متعبداً بشرع من قبله قبل بعثته فلما بعث لم يرد النسخ عنه في شرعه فدل على بقائه في حقه.
الجواب: لا نسلم ذلك، وقد تقدم الكلام فيه.
١٠٥٧ - احتج بأن مجيء /١٠٥ ب نبينا ﵇ غير مناف لما تقدمه من الشرائع وكل شرع لم يرد عليه ما ينافيه وجب البقاء عليه كشرعنا.
الجواب: أنه ﵇ غير مناف لما تقدمه.
ولا ملغ ماله فمن أوجب عليه التزامه يحتاج إلى دليل.
١٠٥٨ - (احتج بأنه تعالى حكى شرع من قبلنا فلو لم يرد التسوية بيننا وبينهم فيه لم يكن لذكره فائدة).
(والجواب عنه أنه ذكره) ليأمرنا في مواضع، وليبين نسخه وإسقاطه عنا في مواضع وهذا مما (لا) يوجب أن يكون شرعاً لنا والله أعلم./١٠٦ أ
стр. 790
انتهى الجزء الثاني من كتاب "التمهيد" لأبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني الحنبلي المتوفى سنة ٥١٠ هـ.
ويتلوه الجزء الثالث إن شاء الله وأوله: "باب الكلام في الأخبار"
стр. 791
أهم نتائج البحث
بعد دراسة وتحقيق الجزء الأول من كتاب التمهيد يستطيع الباحث استخلاص النتائج التالية:
أولاً: أن نسبة هذا الكتاب للمؤلف ثابتة، لا شك فيها، وقد قرر هذا من ترجم له ونقل عنه.
ثانياً: أن كتاب التمهيد من أوائل الكتب التي وصلت إلينا في أصول فقه الحنابلة وهو الكتاب الثاني في المذهب بعد كتاب العدة لأبي يعلي.
ثالثاً: أن الكتاب حفظ لنا جملة من الروايات المنقولة عن الإمام أحمد بن حنبل وكانت هذه الروايات مصدراً أساسياً عند أبي الخطاب في استنباطه أصول مذهبه إمامه.
رابعاً: اعتنى المؤلف كثيراً بآراء شيخه وحافظ على نقلها في أغلب مسائل الكتاب سواء كان موافقاً له أو مختلفاً معه.
خامساً: يعتبر الكتاب من كتب أصول الفقه المقارنة، إذ اعتنى بنقل آراء المذاهب المشهورة وفحول علماء الأصول.
سادساً: ظهر في الكتاب روح الاستقلال لدى الشيخ أبي الخطاب، إذ كان يذكر الآراء ويرجح بينها ويدلل عليها ويناقش الأدلة وينتهي في كل مسألة إلى رأي يختاره ويدعمه بالدليل، وقد اختلف مع شيخه في عشرين مسألة تقريباً.
سابعاً: الشيخ أبو الخطاب في الكتاب منصف لخصمه، يذكر آراءه وأدلته واعتراضاته وأجوبته، ولم يقع في الكتاب كله عبارة واحدة فيها قدح بعالم من العلماء أو تجريح لمخالف.
стр. 792
ثامنا: يعتني أبو الخطاب بالأدلة النقلية والعقلية ويكثر منها، ويهتم بوجوه دلالتها حتى يصل إلى الغرض المطلوب، كما أنه يهتم بالشعر وبكلام أئمة العربية ويستشهد به.
تاسعاً: كتاب التمهيد من المصادر الأساسية التي اعتمد عليها مؤلفو الحنابلة المتأخرين في علم الأصول كابن قدامة والفتوحي، وآل تيمية وهم يهتمون بذكر آرائه في مسائل علم الأصول.
стр. 793
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
باب الكلام في الأخبار
الخبر لا يقع حقيقة إلا على قول مخصوص، فأما الإشارة (والدلالة) فلا تسمى خبراً، بدليل أن من وصف إنساناً بأنه مخبر، لم يسبق إلى فهم السامع إلا (أنه متكلم) بصيغة مخصوصة.
وحد الخبر (عند أهل اللغة): كلام يدخله الصدق والكذب.
فإن قيل: أليس قول القائل: محمد ومسيلمة صادقان (خبر)؟ وليس يصدق، ولا كذب.
стр. 794
(قيل): المراد بقولنا: يدخله الصدق والكذب: هو ما لا تحظره اللغة على من قال له: صدق أو كذب، وذلك موجود في هذا الخبر.
وإنما لا يقال صدق أو كذب، لقيام الدلالة على صدق محمد ﷺ ، وكذب مسيلمة، فأما في اللغة فلا دليل على ذلك.
وقيل: بأن هذا الخبر كذب، لأنه أضاف الصدق إليهما، وليس الأمر كذلك.
وحد الكذب: الإخبار عن الشيء (على خلاف) ما هو به، وهذا كما لو قال كل من في الدار أسود، وفيها سود وبيض كان كاذباً.
قيل: إن هذا جار مجرى خبرين متميزين، أحدهما صدق والآخر كذب، فلا يجوز أن يقال في مجموع خبرين (متميزين): إنهما صدق أو كذب.
стр. 795
فصل
(إذا) ثبت هذا.
فالصدق: (الإخبار) بالشيء على ما هو به، والكذب: الإخبار (بالشيء) على (خلاف) ما هو به.
وقال الجاحظ: إن الخبر المتناول للشيء على ما هو به، من شرط كونه صدقاً أن يعتقد فاعله أو يظن أنه كذلك، (والمتناول للشيء على خلاف ما هو به من شرط كونه كذباً أن يعتقد فاعله أو يظن كذلك).
ومتى لم يعتقد أو يظن أنه كذلك، لم يكن صدقاً، ولا كذباً.
стр. 796
ودليله على ذلك: أن زيداً إذا كان في الدار، فظن ظان أنه ليس فيها.
فقال: زيد في الدار، لم يصفه أحداً بأنه صادق وإن كان قد أخبر بالشيء على ما هو به.
وكذلك إذا قال: زيد "ليس" في الدار لم يصفه أحد بأنه كاذب، وإذا قال: زيد في الدار، وهو يعلم أو يظن أنه فيها، وصف بأنه صادق، ويكون كاذباً إذا أخبر أنه ليس فيها، وهو يعتقد أو يظن (أنه فيها).
وهذا لا يصح لأن يهودياً لو قال: محمد ليس بنبي لم يمتنع (أحد) في وصفه بأنه كاذب، وأن خبره كذب، وإن جاز أن يعتقد أو يظن أنه ليس بنبي.
ولو قال: هو نبي لم يمتنع من وصفه بأنه صادق، وأن خبره صدق، (وإن كان يعتقد أنه ليس بنبي) ولا يفسد (هذا)
стр. 797
بقوله تعالى ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، لأنه تعالى (يعلم) كذبهم في خبرهم عن شهادتهم (برسالته)، لا في قولهم: إنه رسول الله، فعلم أنه لا يؤثر ظن المخبر واعتقاده (في الخبر، وقد قيل إن ظن المخبر واعتقاده)، يرجع إليه لا إلى الخبر فلم يكن شرطاً في كونه صدقاً أو كذباً.
قال بعض المتكلمين: الكلام في هذا الفصل كلام في عبارة، وتحقيق القول فيه: إنه متى سأل سائل عن رجل، قال: زيد في الدار؟ وهو يظنه أو يعلمه فيها، ولم يكن فيها، قلنا: يجوز وصفه بأنه كاذب، لأنه أخبر بالشيء لا على ما هو به، ويجوز وصفه، بأنه ليس بكاذب، لأنه لم يقصد الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به.
стр. 798
فصل
ويعلم صدق الخبر بأشياء:
منها كون المخبر ممن لا يجوز عليه الكذب (لحكمته كالباري) ﷻ أو رسوله ﷺ لقيام دلالة المعجزات على صدقه، أو من يشهد له الباري، أو رسوله ﷺ بالصدق.
ومنها: أن يكون في المخبرين كثرة يمنع (معها) أن ينتظمهم (داعي) الكذب اتفاقاً أو تواطؤا.
стр. 799
ومنها: أن يخبر المخبر بحضرة من يدعي عليه العلم بصدقه، فلا ينكر خبره، مع العلم بأنه لو كان كاذب لأنكره، مثل أن يكون الذي ادعى عليه العلم نبياً، أو (يكون) جماعة داعي لهم إلى الإمساك عنه، من رغبة ولا رهبة.
ومنها: أن يكون الخبر تعلم صحته ضرورة كالإخبار بعلو السماء على الأرض، وأن الخمسة أقل من العشرة.
ومنها: أن يكون الخبر تعلم صحته استدلالاً بالعقل، كالخبر عن (حكمة) الله تعالى، أو بالسمع كالخبر المتواتر بالصلاة والصيام وغيرهما.
مسألة
يقع العلم بالأخبار المتواترة.
وقالت (البراهمة) لا يقع العلم بذلك، وإنما يقع بالمحسوسات فقط .
стр. 800
(لنا) إنا نجد أنفسنا عالمة (بالبلدان) النائية كمكة والمدينة ومصر (وخراسان) (وغيرها)، (والسير) الماضية (كأخبار) بني أمية، وبني العباس وغير ذلك، كما نجدها عالمة بالمحسوسات والمشاهدات، ومن دفع ذلك فقد دفع ما يجده، ولا وجه [لمكالمته) ويفارق ما ترويه الآحاد، لأنا لا نجد أنفسنا عالمة بذلك.
(فإن قيل): لو وقع العلم بالخبر لوقع عند الخبر الأول والثاني، كما يقع (بالحس) والمشاهدة الواحدة العلم، ولا يحتاج إلى التكرار.
(الجواب عنه إنا نقول) من يقول: العلم بالخبر المتواتر ضروري، يقول:
стр. 801
(إن) الله تعالى اختار أن يوقع لنا العلم عند التواتر دون الآحاد، (ومن قال هو مكتسب يقول: اكتسابه حاصل في التواتر دون الآحاد)، (وبيان) هذا إن الله تعالى أجرى العادة بحصول العلم إذا تكرر المخبر به، كما أجرى (عادة الحفظ) بتكرار الإعادة والدرس، وأجرى عادة السكر عند تكرر الشرب، فأما المشاهدة فإنه أجرى العادة: أن من كمل عقله إذا رأى شيئاً علمه وتحققه، وكذلك إذا سمع شيئاً من غير أن يتكرر، فكان (طريقهما) والعلم الواقع عنهما [غير] متفق.
احتج (المخالف): بأن كل واحد من الذين تواترت أخبارهم، يقدر على الكذب في حال الاجتماع، كما يقدر على الكذب في (حال) الانفراد، فإذا لم يقع العلم بخبرهم عند الانفراد لأجل (هذا) التجويز، كذلك حال الاجتماع.
(الجواب): إنهم وإن كانوا كذلك، إلا أنه لا يجوز مع كثرتهم، واختلاف هممهم وأديانهم، وعدم الداعي أن (ينتظمهم
стр. 802
حال واحد) في (الاجتماع) على الكذب، ألا ترى أن كل واحد منهم يقدر على الزنا، والسرقة، والقتل، ثم لا يجوز أن تجمعوا على ذلك.
(واحتج): بأنه (إذا) لم يقع العلم بخبر الواحد، لأنه يجوز عليه الصدق والكذب، فكذلك إذا انضم معه غيره أبداً، لأن حاله لا يتغير بانضمام غيره إليه.
(الجواب): (أنه) ليس لأجل ذلك، لكن لما ذكرنا من أن الله سبحانه لم يجر العادة بوقوع العلم بخبر الواحد، كما لم يجر العادة بالحفظ (بمرة) واحدة، والسكر بجرعة واحدة، وإنما أجرى العادة بذلك مع التكرار.
(وجوب آخر): أن الواحد يجوز أن (يدعوه) أمر إلى (الكذب) ولا يجوز أن يدعو الجم الغفير، والخلق العظيم
стр. 803
داع واحد إلى أن يكذبوا، ولا يجوز أن يتفقوا على ذلك أيضاً، ولهذا لو استدل غريب لى جامع المنصور، لم يجز أن يتفق عدد كبير على دلالته على غيره، ويجوز ذلك من الآحاد، فبان ما ذكرنا، ولأنه ليس إذا جاز ذلك على كل واحد يجوز على الجماعة. ألا ترى أن كل واحد يجوز أن يعجز عن حمل ألف رطل [و] لا تعجز الجماعة عن ذلك.
احتج: (بأنه) لو وقع العلم بخبر الجماعة، لوقع العلم بخبر اليهود عن موسى: أنه قال: لا نبي بعدي، وبخبر النصارى واليهود عن عيسى: أن اليهود قتلته وصلبته، (والرافضة) عن أئمتهم.
(والجواب): (إن) من شرط التواتر أن يكون رواية جماعة لا يجوز اتفاقهم وتواطؤهم على الكذب، وإن يستوى طرفاً (الخبر) ووسطه في ذلك، وهذا غير موجود في خبر هؤلاء، وإنما يروون عن كتب، وعدد يسير.
وقيل: إن أول من أمرهم أن يقولوا ذلك ابن الراوندي
стр. 804
بأصبهان ويدل على ذلك أنهم (لم يحتجوا) بذلك على عيسى وعلى محمد ﵉ ولو كان ذلك صحيحاً لاحتجوا عليهما.
(وجواب آخر): إن اليهود لم تكن (مجمعة) على هذا الخبر، ولهذا أسلم جماعة منهم بنبينا، وكذلك النصارى اختلفوا في قتل المسيح، وكذلك الرافضة.
(واحتج): بأنه إذا جاز اتفاق الجماعة على الخطأ وهم (الفلاسفة، والطبائعيون)، جاز اتفاقهم على الخطأ في الخبر.
стр. 805
(الجواب): إن ذلك يدرك بالاجتهاد فجاز أن يغلطوا فيه والخبر طريقه السماع (أو المشاهدة)، فلا يجوز أن يتفق الخلق العظيم على الخطأ فيه.
احتج: (بأنه) لو أوجب خبر الجماعة العلم، لوجب أن تقع لكل واحد العلم بنبوة محمد ﷺ لأنكم نقلتم نبوته قطعاً.
(والجواب): (إنا) نثبت نبوته قطعاً، ومن قال: لا (أعلمه) فهو يدعي ذلك عناداً، كما يدعي: أنه لا يقع (له العلم) بالبلدان النائية، والأمم السالفة بالخبر، وكما يدعي أن القرآن ليس (بمعجزة)، وهو يتحدى أن يأتي بمثله فعجز، وكما شاهد الكفار معجزات الرسول ﷺ ، ولم يؤمنوا.
(قيل جواب آخر): (إنا) لم نثبت نبوته قطعاً لأن المعجزات عرفت باستدلال ولم تعلم ضرورة وفيه ضعف.
(واحتجوا بأنه): لو وقع العلم بخبر التواتر، لوجب إذا (تعارض خبران متواتران) أن يقع علمان متضادان، (وهذا محال).
стр. 806
(والجواب): (أنه لا يجوز اتفاق خبرين متضادين) في شيء واحد، ولا وجد ذلك.
(وجواب آخر هو): إن جميع ما ذكرتم يجري مجرى الشبه، والعلم بالتواتر يحصل ضرورياً فلا ينتفي بالشبه، ألا ترى أن مثل ذلك يحصل في الحسيات، وهو أن يختلف النظر فيها وتختلف الأسماع، ثم لا يوجب ذلك كون الحسيات غير موقعة (العلم). والله أعلم.
مسألة
اختلف الناس في (العلم) الواقع عند التواتر فقال شيخنا هو علم ضروري غير مكتسب، وهو قول
стр. 807
الجبائي وابنه، وأكثر الشافعية.
وقال أبو القاسم البلخي وأبو الحسين البصري: إنه
стр. 808
مكتسب، وهو قول الدقاق من أصحاب الشافعي.
والدليل عليه: إن الاستدلال (هو) ترتيب علوم يتوصل بها إلى علم آخر فكل ما وقف وجوده (على) ترتيب علوم فهو مستدل عليه، والعلم الواقع بالتواتر هذه سبيله، لأنا نعلم ما أخبرنها به، إذا علمنا أن المخبرين لم يخبروا عن رأيهم، وإنما أخبروا عن مشاهدة أو سماع، وإنه لا داعي لهم إلى الكذب فنعلم (أنهم) (لم يتعمدوا) الكذب، لعلمنا أنه لا داعي لهم إليه، وأنهم لا يتفقون مع اختلاف همسهم وتباين عقولهم على ذلك، فإذا فسد كونه كذباً ثبت كونه صدقاً، ومتى اختل شرط من هذه الشروط لم (نعلم) صحة الخبر، فثبت كونه مكتسباً.
(ودليل آخر وهو): أنه لو وقع العلم به ضرورة لاشترك
стр. 809
الناس كلهم في إدراكه، ولما رأينا العقلان ينكرون العلم به، دل على أن العلم من جهته عن استدلال ولا يلزم ما يذكر عن (السوفسطائية) من إنكار (المشاهدات) لأنا لا نعدهم عقلاء.
(ودليل آخر وهو): أن العلم لا يقع إلا على صفات تخصهم يستدل بها على صدقهم فصار كالاستدلال على (حدوث) الأجسام لما احتاج إلى صفات تعلم من حركة (وسكون) وافتراق كان (العلم) بها مكتسباً.
(ودليل آخر وهو): إن خبر الله سبحانه، وخبر رسوله أقوى من أخبارنا، ثم العلم الواقع عن ذلك مكتسب من جهة الاستدلال (لا من جهة الضرورة)، فأولى أن تكون أخبار (غيرهما) كذلك.
(ودليل آخر وهو): أنا نسمع الخبر من الواحد والاثنين
стр. 810
والثلاثة، فلا يقع لنا العلم (لتجويزنا) الكذب عليهم، حتى يبلغوا حداً لا يجوز اجتماعهم على الكذب، لا اتفاقا ولا تواطؤاً، فحينئذ نعلم هذا (من) نفس الاستدلال، فدل على أنه مكتسب.
احتج من نصر الأول: أن الواحد منا يعلم وجود الصين ومصر، ولا نعلم أنه أخبره بذلك (كثرة).
الجواب: أنا نعلم أنه قد أخبرنا كثرة لا يجوز عليهم الكذب لكثرتهم، (أو أخبرنا) من لا (داعي) له إلى الكذب وإن لم نعلم أعيانهم، ونعلم أيضاً أن كل من (سألناه) عن الصين ومصر يخبرنا بهما إما عن مشاهدة أو عن سماع (ممن شاهد، ونعلم) أيضاً أنه لا يجوز أن يكون لا أصل لوجود الصين ومصر وتتصل الأخبار عنهما الزمن الطويل ولا يظهر كذبها لأحد من الناس، ولا يقع في ذلك خلاف وتنازع.
واحتج: (بأن) الإنسان يعلم البلاد النائية، والأمم السالفة علما لا يمكنه نفيه عن نفسه بالشك، وذلك يختص بالعلم الضروري، لأن المكتسب قد يدخله الشك.
следующие страницы →