← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14103

التمهيد في أصول الفقه

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

(والجواب): (أنه لا يجوز اتفاق خبرين متضادين) في شيء واحد، ولا وجد ذلك. (وجواب آخر هو): إن جميع ما ذكرتم يجري مجرى الشبه، والعلم بالتواتر يحصل ضرورياً فلا ينتفي بالشبه، ألا ترى أن مثل ذلك يحصل في الحسيات، وهو أن يختلف النظر فيها وتختلف الأسماع، ثم لا يوجب ذلك كون الحسيات غير موقعة (العلم). والله أعلم. مسألة اختلف الناس في (العلم) الواقع عند التواتر فقال شيخنا هو علم ضروري غير مكتسب، وهو قول

стр. 807

الجبائي وابنه، وأكثر الشافعية. وقال أبو القاسم البلخي وأبو الحسين البصري: إنه

стр. 808

مكتسب، وهو قول الدقاق من أصحاب الشافعي. والدليل عليه: إن الاستدلال (هو) ترتيب علوم يتوصل بها إلى علم آخر فكل ما وقف وجوده (على) ترتيب علوم فهو مستدل عليه، والعلم الواقع بالتواتر هذه سبيله، لأنا نعلم ما أخبرنها به، إذا علمنا أن المخبرين لم يخبروا عن رأيهم، وإنما أخبروا عن مشاهدة أو سماع، وإنه لا داعي لهم إلى الكذب فنعلم (أنهم) (لم يتعمدوا) الكذب، لعلمنا أنه لا داعي لهم إليه، وأنهم لا يتفقون مع اختلاف همسهم وتباين عقولهم على ذلك، فإذا فسد كونه كذباً ثبت كونه صدقاً، ومتى اختل شرط من هذه الشروط لم (نعلم) صحة الخبر، فثبت كونه مكتسباً. (ودليل آخر وهو): أنه لو وقع العلم به ضرورة لاشترك

стр. 809

الناس كلهم في إدراكه، ولما رأينا العقلان ينكرون العلم به، دل على أن العلم من جهته عن استدلال ولا يلزم ما يذكر عن (السوفسطائية) من إنكار (المشاهدات) لأنا لا نعدهم عقلاء. (ودليل آخر وهو): أن العلم لا يقع إلا على صفات تخصهم يستدل بها على صدقهم فصار كالاستدلال على (حدوث) الأجسام لما احتاج إلى صفات تعلم من حركة (وسكون) وافتراق كان (العلم) بها مكتسباً. (ودليل آخر وهو): إن خبر الله سبحانه، وخبر رسوله أقوى من أخبارنا، ثم العلم الواقع عن ذلك مكتسب من جهة الاستدلال (لا من جهة الضرورة)، فأولى أن تكون أخبار (غيرهما) كذلك. (ودليل آخر وهو): أنا نسمع الخبر من الواحد والاثنين

стр. 810

والثلاثة، فلا يقع لنا العلم (لتجويزنا) الكذب عليهم، حتى يبلغوا حداً لا يجوز اجتماعهم على الكذب، لا اتفاقا ولا تواطؤاً، فحينئذ نعلم هذا (من) نفس الاستدلال، فدل على أنه مكتسب. احتج من نصر الأول: أن الواحد منا يعلم وجود الصين ومصر، ولا نعلم أنه أخبره بذلك (كثرة). الجواب: أنا نعلم أنه قد أخبرنا كثرة لا يجوز عليهم الكذب لكثرتهم، (أو أخبرنا) من لا (داعي) له إلى الكذب وإن لم نعلم أعيانهم، ونعلم أيضاً أن كل من (سألناه) عن الصين ومصر يخبرنا بهما إما عن مشاهدة أو عن سماع (ممن شاهد، ونعلم) أيضاً أنه لا يجوز أن يكون لا أصل لوجود الصين ومصر وتتصل الأخبار عنهما الزمن الطويل ولا يظهر كذبها لأحد من الناس، ولا يقع في ذلك خلاف وتنازع. واحتج: (بأن) الإنسان يعلم البلاد النائية، والأمم السالفة علما لا يمكنه نفيه عن نفسه بالشك، وذلك يختص بالعلم الضروري، لأن المكتسب قد يدخله الشك.

стр. 811

(والجواب: أنا) لا نسلم أن هذا (يختص بالعلم) الضروري، فإن العلوم المجاورة للعلوم/ الضرورية لا تنتفي بالشبه وإن كانت مكتسبة كمعرفة الله تعالى وكالعلم بحكمة الباري وصدقه وقدرته، ونبوة رسوله محمد ﷺ ، (وعلى سائر الأنبياء). واحتج: (بأن) العوام والمراهقين، ومن ليس من أهل الاستدلال يقع لهم العلم بالبلدان، وذلك غير واقع عن نظر. (والجواب): أنه يقع لهم ذلك، كما يقع لهم بأن إلها عالماً قادراً، يحيى ويميت ورسولاً صادقاً جاء بالصدق، والزكاة وغير ذلك، وجميع ذلك مكتسب، ولأن الاستدلال يحصل للعامة بذلك، ولهذا يترتب في أنفسهم كثير من العلوم، ويحصل لهم عن ذلك علوم أخر. (واحتج بأن قال): اعتقادنا للاستغناء عن النظر في العلم بالبلدان (يصرفنا عن النظر في ذلك، فكان يجب أن لا يقع له العلم بالبلدان، والأمر بخلاف ذلك. (الجواب): أن الاستدلال على ذلك ليس أكثر من

стр. 812

ترتيب علوم (بأحوال) المخبرين، وذلك يحصل عند سماع الخبر المتواتر، وإن لم نقصد، لعلم كثرتهم، وامتناع وقوع الكذب منهم، اتفاقاً أو تواطؤاً. ونعلم ظهور المخبر به وارتفاع اللبس فيه، فلا يحتاج إلى استئناف نظر بعد ذلك. (والله أعلم). مسألة ليس في التواتر عدد محصور، سواء قلنا: العلم الواقع به ضروري أو مكتسب . وبه قال أكثرهم. وذهب قوم إلى أن خبر التواتر (يقع باثنين) كالشهادة و (عند) قوم أربعة، اعتباراً بأعلى الشهادات. وقال قوم: بخمسة (ليزيد) على أكثر عدد الشهود. وقال قوم: اثنا عشر بعدد (النقباء).

стр. 813

وقال قوم: عشرون لقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. وقال قوم: سبعون بعدد أصحاب موسى. وقال قوم: ثلاثمائة وكسر بهعدد أصحاب نبينا ﷺ يوم بدر. لنا: أن التقدير بهذا لا دليل عليه من جهة العقل، ولا من جهة الشرع. فإن قيل: قد ورد الشرع بقبول قول الاثنين والأربعة في الشهادة في الأنفس (وهي) أشرف الأشياء. (قلنا): ذلك لا يوجب العلم، وإنما يوجب غلبة ظن، بدليل: أنه لو وقع (بخبر) الأربعة العلم لوجب أن يقع بخبر كل أربعة، ولا يعلم الحاكم صدقهم، (ولهذا يسأل) عن عدالتهم، ولو وقع له العلم كان سؤاله (عن ذلك) باطلاً. ألا ترى أن الجماعة الذين يمتنع أن يتفق الكذب منهم

стр. 814

اتفاقاً أو تواطؤاً، ويكونوا فيما أخبروا به مضطرين، لا يسأل عن (حالهم) وعدالتهم إذا أخبروا. فإن قيل: لا يمتنع أن يفعل الله ذلك في الشهادة لضرب من المصلحة، (ويمتنع) العلم في الخبر الذي ليس بشهادة. (قلنا): الشهادة: هي إخبار بلفظ مخصوص، واختلاف الألفاظ لا يؤثر في وقوع العلم. ألا ترى أن الجماعة الذين يقع بهم العلم، لا فرق بين أن يأتي بلفظ الشهادة، أو بلفظ الخبر، وكذلك لا فرق بين أن يأتوا بلفظ الفارسية أو العربية في ذلك. (دليل آخر): لو اعتبر في العلم (عدد محصور)، لاعتبر صفات محصورة كما قلنا في الشهادات، وقد ثبت أنه لا تعتبر صفاتهم، من كفر، وإيمان، وفسق، وعدالة وغير ذلك. وذهب معتبروا الإعداد إلى ما ذكر من أعداد النقباء، وقوم موسى ونبينا ﵉، قالوا: ولم يعتبر ذلك العدد إلا (ليخبروا) فيقع العلم. يخبرهم (لمن) وراءهم.

стр. 815

(والجواب): إن ليس معهم أن هذه (الأعداد) في المواضع المذكورة/ جعلت ليقع بخبرهم العلم، ولا دليل لهم على ذلك، ويجوز أن يكون إخبارهم لذلك ولغيره، فلم يصح قولهم. مسألة من شرط العلم الواقع بالتواتر: (أن يكون المخبرون) كثرة (يمتنع) معها اتفاق الكذب والتواطؤ عليه، وأن يكونوا (فيما) أخبروا به مضطرين، وهذا إذا قلنا العلم بذلك مكتسب، وإنما شرطنا ذلك، لأنهم إذا جاز أن يتفقوا ويتواطؤا لم نأمن أن يكونوا (كذبوا) لهذين الوجهين، وإنما شرطنا الاضطرار، لأنا لو جوزنا أن يكونوا ظانين أو مخمنين، وهم يظنون أنهم محقون، لم يقع لنا العلم، فلهذا اعتبرنا أن يكونوا أخبروا عن يقين أو مشاهدة، أو سماع، أو حس، مثل الذي يجد الإنسان في نفسه من الألم والفرح، والغم، ولأن علم السامع فرع على علم المخبر، متى كان ظناً، فعلم السامع يجب أن يكون ظناً.

стр. 816

مسألة ليس من شرط المخبرين في التواتر أن يكونوا مؤمنين، ولا عدولاً، ويقع العلم بتواتر الكفار والفساق . وقال بعض الشافعية: لا يقع تواتر غير المسلمين. وقال بعضهم إن لم يطل الزمان لم يعتبر الإسلام، وإن طال الزمان اعتبر ذلك، لأنه يمكن المراسلة والتواطؤ في طول الزمان. لنا: أن الخبر طريق العلم من حيث لم يكن للمخبرين داع إلى الكذب، ولا كان الحق فيه مكتسباً عليهم، (ومجموع) ذلك يمكن حصوله في الكفار، كما يمكن في المسلمين. (هذا) دليل من قال: العلم الواقع بذلك مكتسب. ومن قال: العلم (الواقع) ضروري، يقول: معلوم أن أهل بلاد الكفر يعلمون بالبلاد النائية، والأمم السالفة بتواتر أهل دينهم، كما نعلمه نحن، فدل على أنه لا اعتبار بالإسلام.

стр. 817

احتج: بأنه لما اختص المسلمون بالإجماع وجب أن يختصوا (بالتواتر). (الجواب): أنه جمع من غير علة، على أن الفرق: إن الإجماع إنما صار حجة بالشرع، والشرع مختص بالإسلام، فأما الخبر فيقع به العلم، لما ذكرنا من أنه لا يتفق فيه الكذب، ولا يصح التواطؤ عليه، وهذا موجود في الكفار. قالوا: لو وقع (العلم) بذلك لوقع لنا (العلم) بأخبار اليهود والنصارى بقتل المسيح وصلبه. (الجواب): أن خبرهم بذلك لم (تكتمل) فيه شرائط التواتر، من العدد الذي لا يتفق فيه الكذب في أوله ووسطه وآخره، وإنما (نقلوه) عن آحاد وكتب. مسألة لا يجوز على الجماعة العظيمة كتمان ما تحتاج إلى نقله

стр. 818

ومعرفته، خلافاً للإمامية: إن ذلك يجوز لداع يدعو إليه، وعليه بنوا كلامهم في ترك نقل الجماعة النص على علي ﵁. لنا: (على) فساد هذا القول: أن كتمان ما يحتاج إلى نقله يجري في القبح مجرى الإخبار عنه بخلاف ما هو (به، فلما لم يجز على الجماعة التي يصح بهم التواتر، أن يخبروا عن الشيء بخلاف ما هو به) مع علمهم بحاله، كذلك لا يجوز أن يجتمعوا على كتمان نقل ما يحتاج إليه، ألا ترى أنه لو حدث في الجامع وقت الصلاة حادثة عظيمة تظهر لجميع من حضر، لم يجز أن يترك نقلها جميع من حضر، كما لا يجوز أن يخبر عنها جميعهم بالكذب، ولا يلزم ترك نقل شرائع الأنبياء، نوح وهود وصالح وغيرهم صلى الله عليهم، لأن الحاجة (لم تدع) إلى نقل ذلك، ألا ترى أن شريعة موسى وعيسى لما دعت الحاجة إلى نقلها تتمسك قوم (بها) (نقلت). فإن قيل: قد ترك النصارى كلام عيسى في المهد فلم ينقلوه. قلنا: لأن كلامه في المهد، جار قبل ظهور أمره واتباعه).

стр. 819

احتج: بأنه قد يجوز أن تترك الجماعة نقل الشيء لتقية، أو خوف فتنة. الجواب: إنه لو جاز ذلك، لجاز أن يكذبوا، لما ذكرت، لأنهما سواء في القبح. (قال): قد تركت الصحابة نقل مسح (الخفين)، والقران، والإفراد والرجم، حتى اختلفوا بعد ذلك فنقلوا. الجواب: أنهم لم يتركوا ذلك، بل نقلوه وذكروه، لكن قوماً رجحوا القران في حكم غسل الرجلين والجلد، وكذلك القران والإفراد وقع لكل راو شبهة فيما نقل، لأن بعضهم سمعوه يلبي بالحج والعمرة، وبعضهم يلبي بالحج فقط، فنقل كل واحد ما سمع، (والله أعلم). مسألة يجوز التعبد بخبر الواحد شرعاً وعقلاً ، وبه قال أكثرهم وقالت طائفة من المتكلمين: لا يجوز التعبد به. (لنا): إن العقل لا يمنع أن يتعبدنا الله سبحانه (بالعمل) بخبر الثقة في الظاهر، كما تعبدنا بقبول الشاهدين،

стр. 820

وكما تعبد العامي بقبول قول المفتي، وقبول قول المرأة في حيضها وطهرها، وجواز قبول قول الهدية واستجلابها. فإن قيل: هذه الأمور من أمور الدنيا، ولهذا يجوز الصلح عليها، فجاز قبول شهادة الآحاد فيها، بخلاف العبادات، فإنها مصالح للعباد، فلا يجوز (تثبيتها بخبر الواحد). (قلنا): الشهادة تجوز فيما لا يدخله الصلح كالفروج، وإراقة الدماء، وما أشاروا إليه من كونها من أمور الدنيا، فهي كأمور الدين لأن الوجوب والقبح يدخل كل واحد منهما، على أن رؤية الهلال من أمور الشرع، يلزم بها العبادة من الصوم والحج، وكذلك إقامة الحدود عبادة شرعية، وكذلك قتل المشهود عليه شرع، (وقول المفتي شرع) فلا فرق بينهما. فإن قيل: إنما علمنا بالشهادة لدليل قاطع على وجوب العلم بها، بخلاف الخبر. (قلنا): (أخبار الآحاد) إنما نقبلها إذا دل على وجوب العمل بها دليل قاطع: فلا فرق بينهما. ودليل آخر: قد ثبت جواز التعبد بالأخبار المتواترة، ولا فرق بين أخبار الآحاد وبينها في جواز التعبد، وإنما يفترقان من حيث أن (التعبد) بخبر الواحد غير معلوم، وبخبر التواتر معلوم، وهذا يلزم أن نجيز (العمل) بخبر الواحد، إذا دل دليل قاطع على وجوب

стр. 821

العمل به، أول تكاملت شروطه، فيعلم بتكامل الشروط وجوب العمل، إذ لا فرق بين أن يقول سبحانه: إذا غلب على ظنكم صدق الراوي فاعملوا بخبره، وبين أن (يقول) فافعلوا كذا (وكذا) في إنا نعلم (وجوب الفعل). دليل آخر: لا يمتنع في العقل أن تكون لنا فيما يخبرنا به الواحد، مع جواز الكذب عليه، ألا ترى أن من خوفنا من سلوط طريق، حسن في العقل قبول قوله، والتوقف عن سلوكه، كذلك فيما يخبرنا الواحد من أخبار الديانات. فإن قيل: فيلزمكم قبول/ (خبر) الفاسق، لجواز المصلحة، كما قلتم في أخباره عن الطريق. (قلنا): لا يمتنع من ذلك عقلاً، وإنما الشرع منع من قبول (خبر) الفاسق. فإن قيل: فيلزمكم أن تقبلوا خبر الواحد في أصول (الدين) وإثبات القرآن. (قلنا): نقبله فيما كان عملاً، فإذا أخبرنا بقراءة شاذة فيها تحليل أو تحريم أخذنا به، ولم نثبته قرآناً، لأن طريقه، وطريق

стр. 822

أصول الدين العلم، والعلم لا يقع به. على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. (احتج المخالف): بأن الشرائع مصالح (للمكلفين)، وخبر الواحد لا يعلم صدقه فيه، (فالعمل) به لا نأمن أن يكون مفسدة. الجواب: أنه يلزم على ذلك (عدم) قبول قول المفتي، لأنه مخبر عن الشرع، وقبول قول الشاهد. (وجواب آخر: أنه) لا يمتنع أن يكون قبول قول الواحد العدل مصلحة مع غلبة ظننا أنه صادق، كما كانت العبادات المعلقة على شروط من زوال الشمس وغروبها، ووجود نصاب وحول، فعلها عند ذلك مصلحة. فإن قيل: وجود شروط العبادات معلوم متحقق بخلاف الخبر.

стр. 823

(قلنا): (يجوز) تعليق ذلك على غلبة الظن من زوال الشمس وغير ذلك. وقد قيل: أن خبر العدل معلوم لنا، إذا ظننا صدقه، ولسنا نشترط صدقه. فإن: قيل: ظنكم صدق الراوي، لا يخلو أن يكون طريقاً إلى المصلحة. أو شرطاً لا يجوز أن يكون طريقاً إلى المصلحة مع جواز الخطأ فيه وإن كان شرطاً فجوزوا أن يكون ظنكم كذبه شرطاً. (قلنا): ظننا بصدق المخبر يجوز أن يكون شرطاً بحكم العقل دون كذبه، ألا ترى أنه لو أخبرنا مخبر (بسلامة طريق،

стр. 824

وغلب على ظننا صدقه حسن سلوكه، ولو غلب على ظننا) كذبه لم يحسن (بنا) سلوكه. واحتج: بأنه لو كان ما يخبرنا به الواحد عن النبي ﷺ مصلحة مع ظننا صدقه، جاز أن يكون ما يخبرنا الواحد عن الله تعالى من أنه أرسله مصلحة، (أو أن الله) أمر بفعل كذا مصلحة، وما الفرق بين (خبره) عن الله تعالى وعن رسوله؟ الجواب: إن الخبر نقبله ونعمل به، لأنه ورد بقبوله دليل مقطوع به، إما من قول الله تعالى، أو قول رسوله، أو إجماع الأمة. فإما قبول النبوة ممن يدعيها، فلم يرد بقبولها دليل، فلهذا لم نقبله. فإن قيل: فيجب أن تجوزوا، إذا قال نبي قد ثبتت نبوته بالمعجزة: إذا جاءكم نبي غلب على ظنكم صدقه (يجب) أن تقبلوا (منه). الجواب: أن هذا لا يجوز، لأنه يؤدي إلى مفسدة، لأن النبوة من الرياسات العظيمة، والأمور الجسيمة، فلو يجوز (قبولها) ممن يدعيها، كان ذلك سبباً إلى أن يدعيها كل راغب في رياسة، بخلاف الخبر، فإن الإنسان إذا سمع شيئاً فأداه، لا يحصل له بذلك وجوب طاعته،

стр. 825

وامتثال أمره، ولا تحصل له بذلك رياسة عظيمة، فجاز قبول قوله، إذا غلب على ظننا صدقه، كما قبلنا قول المفتي والشاهد والحاكم. وجواب آخر: إن تجويز كذب من يدعي النبوة من أقوى ما ينفر عنه، لأنه لا يجوز أن يكون من أكرمه الله بالرسالة كاذباً، بخلاف المخبر، فإن تجويز كذبه لا ينفر عنه، ولأن من أخبرنا عن الرسول: أنه شاهده وسمع منه كلاماً، لا يمتنع/ (قبوله) في عقولنا، لأن مثل ذلك قد جرت به العادة في حق جماعة. فإما من يخبرنا باستماع كلام الله، (ومشاهدته) من غير (بينة)، يمتنع في عقولنا قبول قوله، إلا أن يأتي (بمعجزة) تدلنا على أنه مؤيد مختار. واحتج: بأنه لو جاز التعبد بأخبار الآحاد في فروع الدين، لجاز في أصوله، حتى إذا أخبرنا: بأن أهل اللغة وضعوا هذا اللفظ للعموم، وهذا للخصوص، وجب أن يقطع بقوله. الجواب: إن ما كفلنا (فيه) العلم، لا يجوز أن نأخذ فيه (بقول) من يجوز عليه الكذب، لأنه لا يقع لنا العلم بذلك، وما طريقه العمل يصح أن يقع العمل بقوله.

стр. 826

فإن قيل: أليس بخبر الواحد تعتقدون وجوب الفعل؟ فقد أقدمتم على الاعتقاد بخبر الواحد. (قلنا): ما أقدمنا على اعتقاد الوجوب بخبر الواحد، (ولكن) بدليل قاطع دل على وجوب قبول قول الواحد، وهو الأدلة على قبول أخبار (الآحاد). فإن قيل: فهلا جوزتم ورود دليل قاطع على قبولها في الأصول؟ (والجواب): أن المعلوم حاصل في نفسه، لا يحصل بحسب ظننا صدق الراوي، لأن من يخبرنا: أن زيدا في الدار ليس يكون في الدار، بكوننا ظانين كونه في الدار، لأن كونه في الدار أمر في نفسه (ثابت) لا يتغير بظننا وعدم ظننا، فلم يجب إذا ظننا صدق الراوي، (إذا روى): إن الله تعالى غير عالم، أو غير متكلم، أن يعتقد ذلك، وإذا كان كذلك، فلم يجز أن يرد دليل قاطع على قبوله، بخلاف العمل، فإن كونه مصلحة يجوز أن يقف على أن نفعله ونحن على صفة، وهي (كوننا) ظانين صدق الراوي، لوجوب ذلك العمل، فجاز أن (يدل) دليل قاطع على

стр. 827

وجوب ذلك علينا، فيجوز لنا: أن نعتقد (وجوبه) علينا. (احتج: بأنه) لو جاز التعبد بخبر الواحد في الفروع، لجاز في (نقل) القرآن. (الجواب): (أن) هذا جمع (بغير) علة ثم القرآن المنقول بالآحاد، لا يخلو أن يظهر فيه الإعجاز، أو لا يظهر فإن ظهر (فيه الإعجاز) فهو (معجزة) النبوة، ولا يكون معجزاً إلا وقد ظهر في عصره، وتحدى به جميع أهل العصر، ولا يظهر للجميع إلا وقد تواتر نقله وإن لم يكن فيه معجز جاز أن يعمل بما تضمنه من عمل، كما نفعل في قراءة ابن مسعود وغيره. واحتج: بأن أخبار الآحاد قد تتعارض، فلا يمكن العمل

стр. 828

بها، فلو جاز التعبد بها لجاز التعبد بما لا (يمكن) فعله. الجواب: لا نسلم أن التعارض يمنع من العمل بالخبر، بل قد يعمل (به) مع التعارض على ما يترجح من أحد الخبرين على الآخر، كما يعمل المسافر في طريقه (على ما يترجح من أمارة السلامة، وأمارة الهلال، ثم يبطل ما ذكروه بالعمل بالبينات والفتاوى مع التعارض) ثم ليس كل خبر (يرد) [له] ما يعارضه، فقولوا: يجوز التعبد بما لا يعارض. مسألة يجب العمل بخبر الواحد شرعاً وعقل اً، نص عليه في رواية جماعة منهم أبو الحارث: إذا جاء خبر الواحد، وكان إسناده صحيحاً (وجب) العمل به واحتج بخبر القبلة وخبر

стр. 829

إهراق الخمر، وفي لفظ آخر: إذا كان الخبر صحيحاً ونقله الثقات فهو سنة يجب العمل به على من عقله وبلغه، ولا يلتفت إلى غيره من رأى ولا قياس. وبه قال أكثر الفقهاء والمتكلمين، إلا أن منهم من يقول: (لا يجب) العمل به عقلاً ويجب العمل به شرعاً.

стр. 830

وقال القاشاني وابن داود والرافضة: لا يجوز العمل به. وقال قوم: يجوز ورود التعبد به، لكن لم يرد التعبد به. لنا على وجوب ذلك الشرع قوله: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ فتعبدنا بقبول خبر كل طائفة خرجت للتفقه، ثم أنذرت قومها، وهذه صفة خبر الواحد، لأن الفرقة تقع على الثلاثة، والطائفة منها واحد أو اثنان، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ

стр. 831

مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ فأوقع على الأخوين اسم الطائفتين. وقال: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ قال محمد بن كعب القرظي: [كان هذا رجلاً واحداً] فثبت أن الطائفة تقع على الواحد. واختلف أهل التفسير، فقال بعضهم: المتفقهة هي النافرة، وقال (بعضهم): هي الباقية لا تنفر في الجهاد والأسفار، ليتفقهوا في الدين وأي ذلك كان. فالدليل منه موجود. فإن قيل: (الآية) تقتضي أن يقبل خبر طائفة من كل فرقة، ومجموع ذلك (يحصل) به التواتر. قيل: لا يجوز ذلك، لأنه قال تعالى: ﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ وقوم كل طائفة بقية فرقتها، لأن الفرق مختلفة غير مجتمعة، فلا يمكن رجوع جميع الطوائف إلى فرقة ليسوا من قومهم، ولا عندهم.

стр. 832

فإن قيل: فليس في الآية ما يدل على قبول قول (المخبر)، وإنما يدل على أن المتفقه تنذر. قيل: الله تعالى سماهم منذرين، والمنذر: المحذر، ولهذا قال : ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ أي ليحذروا فدل على وجوب الحذر، كما قال: (لعلهم يتقون)، ولا يجب الحذر إلا إذا وجب قبول قول المخبر المحذر. فإن قيل: حذرهم، (ليسألوا) ويبحثوا عن ذلك، فإن وقع لهم صحة العلم بالخبر أخذوا (به). (قلنا): إنه أوجب الحذر بمجرد إنذار الطائفة، لا بمعنى آخر كما لو قال: "جالس الصالحين لعلك تصلح" أفاد أن مجالستهم سبب (الصلاح) لا شيء آخر. ولأن الطائفة يلزم قبول قولها قبل البحث، لأنها تخبرهم (بوجوب) فعل أو (تحريمه)، فيلزمهم المصير إلى ذلك، لأنا إن كنا نشرب النبيذ فخبرتنا الطائفة بتحريمه وجب علينا الإمساك عن شربه وذلك تحريم شربه، وإن كنا تاركين لبعض العبادات فأخبرتنا بوجوبها وجب إمساكنا عن (تركها) والإخلال بها، وذلك (هو) إيجاب (فعلها) فدل على إيجاب الرجوع إلى خبر الطائفة.

стр. 833

(جواب آخر) أن الإجماع وقع على (أنه لا يجب على) (أهل) الموضع الذي بلغهم خبر الطائفة: أن يخرجوا جميعهم، ويتركوا أوطانهم حتى يسمعوه من جماعة (خرجوا) فسمعوه من رسول الله ﷺ ، ولم ينقل أن أهل القرى كانوا يخرجون جميعهم إلى الرسول ﵇ فيسمعوا منه الخبر، وما سنه، و (ما) شرعه، ولا فعل ذلك (بعد) الرسول ﷺ . (وجواب آخر): أنه لو لزم ذلك، لكان فيه من الضيق والحرج مالا يحتمل، لأنهم لا يمكنهم الاستقرار في مواطنهم، /لأن شرع النبي ﷺ وأخباره كانت تحدث وقتاً فوقتاً، فكلما بلغهم خبر احتاجوا جميعهم إلى الخروج فتخرب أوطانهم، وتضيق معايشتهم، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. فإن قيل: فلا حجة في الآية، لأنها واردة في الفتوى، ولهذا قال: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ فيصيرون من أهل الاجتهاد، ثم لينذروا بالفتوى، والإنذار بالفتوى يجب قبوله على العامي. قلنا: كثير من (أهل) هذه الطائفة مذهبهم لا يلزم

стр. 834

العامي (قبول) قول الواحد في الفتوى، كما لا يلزمه في الخبر، ومن سلم ذلك لزمه مثله في الخبر، لأنه إذا أخبره عن ظنه واجتهاده، لزمه قبوله، فإذا أخبره عن عمله وسماعه أولى أن يلزمه. (وجواب آخر): أن التفقه كان في (الزمن) الأول بسماع الأخبار، وذلك نوع من التفقه، فإذا أنذره لزمه أن يقبله، سواء كان فتيا أو نقلاً، وحمله (عليهما) أولى، لأنه حمل اللفظ على عمومه في كل تفقه، ولأن الخبر يلزم العامي والمجتهد، والفتيا لا تلزم إلا العام فحمل الآية على ما يعم أولى. فإن قيل: لا يجوز الحمل على ذلك، لأن الفرقة لم يكن فيهم مجتهد، لأنه لو كان فيهم مجتهد لم يلزمهم أن ينفرقوا ليتفقهوا في الدين. (قلنا): الأحكام كانت في زمن النبي ﷺ تتجدد، والنسخ يجوز، فيجب على الفرقة أن ينفر منهم من (يتعرف) ذلك، وإن كان منهم مجتهد. (ودليل آخر): قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ

стр. 835

فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ فشرط في التثبيت والتبين على اختلاف القراءتين، كون المخبر فاسقاً، فبان من هذا أن خبر العدل لا تثبت فيه، لأنه لو كان (حالتهما) سواء، لم يكن لشرط الفسق معنى. فإن قيل: هذه الآية نزلت في شأن الوليد بن عقبة (ابن أبي معيط) بعثه النبي ﷺ مصدقاً، فعاد وأخبر أن الذين بعثه إليهم أرادوا قتله، فهم النبي ﷺ أن يغزوهم، فنزلت الآية تخبره: أنه غير عدل، فلا يكون فيها حجة على مسألتنا. (قلنا): لو ثبت ورودها في ذلك، فهي حجة من حيث أن النبي ﷺ قبل خبره، وهم بغزوهم، ومن حيث أن اللفظ أعم من سببه، فلا (يقتصر) عليه. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ﴾ وهنا يخاف في خبر الواحد العدل، كما يخاف في خبر الفاسق. (قلنا): الجهالة تصحب خبر الفاسق، لأنه لا يقوى في الظن خبره، فأما خبر العدل، فإنه يغلب على الظن صدقه، وغلبة

стр. 836

الظن (ضرب) من العلم، لأن العلم: (هو) ظنون تتزايد. (دليل آخر): أن النبي ﷺ كان يبعث إلى البلاد النائية ليعلمهم الأحكام، مثل ما بعث علياً ومعاذاً، وعمرو ابن حزم إلى اليمن، وبعث عتاب بن أسيد إلى مكة،

стр. 837

ومصعب بن عمير إلى المدينة، وبعث سعاته لجباية الصدقات، وتعليم أرباب الأموال ما يجب عليهم من الزكاة. فثبت أن خبرهم مقبول، ولو كان قول الواحد لا/ (يلزم قبوله لم يبعثهم). فإن قيل: قد بعث آحاداً يدعون إلى الإسلام، ولا يقبل قول الواحد في الإسلام، فكل عذر لكم في ذلك. فهو (عذر لنا). (قلنا): دعا النبي ﷺ إلى الإسلام، وكلمة التوحيد، كان قد استفاض وانتشر في (الآفاق)، وتحدثت به ملوك الطوائف وقبائل العرب في أماكنها، وعلموه، وإنما بعثه ﵇ (ليطالبهم) بالدخول في ذلك، والمصير إليه، فإن دخلوا فيها

стр. 838

أخبرهم بأحكامه، فإما أن يكون (الواحد) يخبرهم بالتوحيد وإثبات الرسالة فلا. على (أن) ذلك طريقة العقل عندكم، فبعث من (يثنيهم) على ما في عقولهم، وليس ذلك بدعاء إلى الإيمان. (دليل آخر): (أجمع) الصحابة ﵃ على قبول خبر الواحد، فقبل أبو بكر خبر المغيرة بن شعبة، ومحمد بن سلمة في توريث الجدة، وعمل عمر رضي الله عنه

стр. 839

(بخبر) عبد الرحمن بن عوف في المجوس، وأخذ الجزية منهم، وعمل علي ﵁ (بخبر) الضحاك بن سفيان في توريث المرأة من دية زوجها، وعمل بخبر

стр. 840

(حمل) ابن مالك بن النابغة في الغرة في الجنين، وعمل عثمان بخبر فريعة بنت مالك في سكن المتوفى عنها زوجها. وقال علي ﵁: ما حدثني أحد بحديث إلا استحلفته وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر، ورجع إلى خبر المقداد في المذى. ورجعت الصحابة إلى خبر عائشة في التقاء الختانين وأنه

стр. 841

يوجب الغسل وإلى خبر رافع في المخابرة وقال ابن عمر: كنا تخابر أربعين سنة، لا نرى بذلك بأساً حتى أخبرنا رافلع بن خريج أن النبي ﷺ : نهى عن المخابرة. ورجع ابن عباس عن قوله: إنما الربا في النسيئة، إلى خبر أبي سعيد الخدري. ورجع أهل قباء إلى خبر الواحد في (نسخ) القبلة. ورجع جماعة في إراقة الخمر إلى خبر الواحد. ورجع زيد بن ثابت إلى قول امرأة من الأنصار في ترك

стр. 842

الحائض طواف الوداع، وأمثال ذلك كثير فدل على إجماعهم. فإن قيل: جميع هذه الأخبار آحاد، فلا يثبت بها (أصول). قيل: هذه الأخبار وإن كان كل واحد منها خبر واحد، فجملتها متواترة، لا يجوز مع كثرتها أن يكون كلها كذباً، كما أن الأخبار عن (سخاء) حاتم وشجاعة عنترة، وحلم

стр. 843

الأحنف بن قيس، متواترة في الجملة، وإن نقلت إلينا نقل الآحاد، ولأنه لا يجوز أن يكون جميع ما روى عن الرسول ﷺ من (الأخبار كذباً)، كما لا يجوز أن يقال: إن الجماعة الكثيرة اتفقوا على الكذب في خبر نقلوه. فإن قيل: يحتمل أنهم عملوا بهذه القضايا لسبب آخر غير الخبر، أما لأنهم ذكروا شيئاً سمعوا من النبي ﷺ ، أو لاجتهاد تجدد لهم. قيل: لو كان (كذلك) لنقل، لأن العادة أن من اشتد (اهتمامه) بأمر التبس عليه ثم زال عنه (بتذكر أو اجتهاد أن) يظهر ذلك ويسر به، كما قال عمر في خبر الآذان: وعيشك لقد رأيت مثل ما رأى، ولأن سكوتهم عن ذلك وعملهم عند الخبر، يدل على أنهم أخذوا به، وإلا كان في ذلك تلبيس على الناس، وإيهام لهم ما لا يجوز، ولأن ما نقل في الأخبار يمنع من ذلك،

стр. 844

لأنه روي عن عمر: أنه قال في الجنين: "كدنا نقضي فيه بآرائنا"، وأبو بكر قال للمغيرة: "ائتنا معك بآخر" في ميراث الجدة، (فجاءه) بمحمد بن مسلمة. وابن عمر قال: كنا نخابر ولا نرى بأساً حتى أخبرنا رافع: بأن النبي ﷺ : نهى عن المخابرة فانتهينا، والأنصار رجعت إلى قول عائشة بعد أن كانوا يفتون: الماء من الماء. فإن قيل: فمن أين (نعلم) أن جميعهم عملوا بأخبار الآحاد؟ قيل: لأنهم كانوا بين عامل بها، وبين ساكت عن النكير فدل على رضاهم بالعمل بها، إذ لو كان بعضهم لا يرى ذلك، ويعتقده خطأ لأنكره، لأن الإقرار على الخطأ لا (يجوز، ولا) يحل السكوت عنه. فإن قيل: فقد (نقل) عنهم أنهم ردوا خبر الواحد في بعض الحوادث كقول عمر في خبر فاطمة بنت قيس: لا ندع

стр. 845

كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة، لا ندري أصدقت أم كذبت. ورد حديث أبي موسى في الاستئذان، حتى شهد معه. أبو سعيد، ورد أبو بكر حديث المغيرة حتى شهد معه محمد بن مسلمة. قيل: رد عمر لخبر فاطمة يحتمل أوجهاً، إما أن يكون نسخاً، والنسخ لا يجوز بخبر الواحد، أو يكون تخصيصاً وعنده لا يخص القرآن بخبر الواحد، أو يكون اتهمها، لأنها لم تكن عنده
следующие страницы →