Полный текст (1 668 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
يوجب الغسل وإلى خبر رافع في المخابرة وقال ابن عمر: كنا تخابر أربعين سنة، لا نرى بذلك بأساً حتى أخبرنا رافلع بن خريج أن النبي ﷺ : نهى عن المخابرة.
ورجع ابن عباس عن قوله: إنما الربا في النسيئة، إلى خبر أبي سعيد الخدري. ورجع أهل قباء إلى خبر الواحد في (نسخ) القبلة.
ورجع جماعة في إراقة الخمر إلى خبر الواحد.
ورجع زيد بن ثابت إلى قول امرأة من الأنصار في ترك
стр. 842
الحائض طواف الوداع، وأمثال ذلك كثير فدل على إجماعهم.
فإن قيل: جميع هذه الأخبار آحاد، فلا يثبت بها (أصول).
قيل: هذه الأخبار وإن كان كل واحد منها خبر واحد، فجملتها متواترة، لا يجوز مع كثرتها أن يكون كلها كذباً، كما أن الأخبار عن (سخاء) حاتم وشجاعة عنترة، وحلم
стр. 843
الأحنف بن قيس، متواترة في الجملة، وإن نقلت إلينا نقل الآحاد، ولأنه لا يجوز أن يكون جميع ما روى عن الرسول ﷺ من (الأخبار كذباً)، كما لا يجوز أن يقال: إن الجماعة الكثيرة اتفقوا على الكذب في خبر نقلوه.
فإن قيل: يحتمل أنهم عملوا بهذه القضايا لسبب آخر غير الخبر، أما لأنهم ذكروا شيئاً سمعوا من النبي ﷺ ، أو لاجتهاد تجدد لهم.
قيل: لو كان (كذلك) لنقل، لأن العادة أن من اشتد (اهتمامه) بأمر التبس عليه ثم زال عنه (بتذكر أو اجتهاد أن) يظهر ذلك ويسر به، كما قال عمر في خبر الآذان: وعيشك لقد رأيت مثل ما رأى، ولأن سكوتهم عن ذلك وعملهم عند الخبر، يدل على أنهم أخذوا به، وإلا كان في ذلك تلبيس على الناس، وإيهام لهم ما لا يجوز، ولأن ما نقل في الأخبار يمنع من ذلك،
стр. 844
لأنه روي عن عمر: أنه قال في الجنين: "كدنا نقضي فيه بآرائنا"، وأبو بكر قال للمغيرة: "ائتنا معك بآخر" في ميراث الجدة، (فجاءه) بمحمد بن مسلمة.
وابن عمر قال: كنا نخابر ولا نرى بأساً حتى أخبرنا رافع: بأن النبي ﷺ : نهى عن المخابرة فانتهينا، والأنصار رجعت إلى قول عائشة بعد أن كانوا يفتون: الماء من الماء.
فإن قيل: فمن أين (نعلم) أن جميعهم عملوا بأخبار الآحاد؟
قيل: لأنهم كانوا بين عامل بها، وبين ساكت عن النكير فدل على رضاهم بالعمل بها، إذ لو كان بعضهم لا يرى ذلك، ويعتقده خطأ لأنكره، لأن الإقرار على الخطأ لا (يجوز، ولا) يحل السكوت عنه.
فإن قيل: فقد (نقل) عنهم أنهم ردوا خبر الواحد في بعض الحوادث كقول عمر في خبر فاطمة بنت قيس: لا ندع
стр. 845
كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة، لا ندري أصدقت أم كذبت. ورد حديث أبي موسى في الاستئذان، حتى شهد معه. أبو سعيد، ورد أبو بكر حديث المغيرة حتى شهد معه محمد بن مسلمة.
قيل: رد عمر لخبر فاطمة يحتمل أوجهاً، إما أن يكون نسخاً، والنسخ لا يجوز بخبر الواحد، أو يكون تخصيصاً وعنده لا يخص القرآن بخبر الواحد، أو يكون اتهمها، لأنها لم تكن عنده
стр. 846
ضابطة، ولهذا قال علي في بروع بنت راشق: لا أقبل شهادة الأعراب على رسول الله ﷺ وأراد (به) أنهم لا يضبطون.
أما رد خبر المغيرة، فإن أبا بكر ﵁ لم يرد خبره، ولكن استظهر بمحمد بن مسلمة، ولهذا لا فرق عندنا وعند مخالفينا بين خبر الواحد والاثنين، وكذلك خبر أبي موسى.
فإن قيل: فلم قبل أهل قباء خبر الواحد في نسخ القبلة، وذلك لا يجوز بالإجماع؟
قيل: (له خطأ) أهل قباء في ذلك لا يلزمنا، ثم
стр. 847
يحتمل أن الرسول ﷺ (علم بنسخها) فأخبرهم ووعدهم أن ينفذ إليهم إذا نسخت، ولهذا قبلوه.
دليل آخر: أنه إذا وجب على العامي الرجوع إلى فتوى العالم، وهي إما إخبار عن إمامه، كأحمد وأبي حنيفة، والشافعي، أو عن اجتهاده ورأيه، فلأن يرجع المجتهد إلى خبر الواحد عن الرسول ﷺ مع غلبة ظنه بصدق الراوي أولى.
دليل آخر: أنه قد يجب الحكم بشهادة الشاهدين (العدلين) فيجب أن يجب العمل بخبر العدلين عن الرسول ﷺ ، وما الفرق بينهما؟ وكلاهما يفيدان الظن.
(دليل آخر: أنه) لا بد للأحكام الشرعية من طريق، وقد يحدث من المسائل ما ليس في كتاب ولا سنة (متواترة)، ولا إجماع، ولا قياس، فلم يبق أن يكون طريقه إلا خبر الواحد.
стр. 848
فإن قيل: فالناس ينقلون اللغة ولا يمنعون، ولا فائدة فيها. تمسكنا بحكم العقل.
(قلنا): العقل ليس بطريق الأحكام الشرعيات)، (ثم) قد يحدث ما لا يدل عليه العقل.
دليل آخر: ذكره شيخنا: وهو لو لم نوجب العمل لوجب الإنكار على من تشاغل بحفظه ونقله وروايته، لأنه لا فائدة فيه (إلا تضييع) الزمان به، وقد رأينا الأمة مجمعة على أن ذلك حسن، والناس يسافرون (إلى) البلدان، وينفقون الأموال عليه، فدل على أن فيه فائدة، وليس ذلك إلا العمل.
فإن قيل: فالناس ينقلون اللغة ولا يمنعون، ولا فائدة فيها.
(قلنا): بل فيها (أهم) الفوائد، لأنها أصل كلام العرب، وبها تعرف معاني (القرآن) (وكلام) الرسول ﷺ ويتأدب الناس بها، فدل على ما ذكرنا.
стр. 849
وعندي أن فيه ضعفاً، لأن للمخالف أن يقول (فيه): فائدة وهو أن يتنبه بها المجتهد، ويبحث عن الحكم الوارد فيها، فيطلبه في معاني الكتاب أو التواتر أو في القياس، وهذا من أتم الفوائد.
(احتج المخالف): بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾.
(والعمل بخبر) الواحد اقتفاء لما لا نعلم، وقول بما لا نعلم، لأنه موقوف على الظن.
الجواب: أنا ما اقتفينا إلا ما علمنا بالدليل القاطع الدال على وجوب العمل بخبر الواحد، وقد ذكرنا ذلك (وأوضحناه)، وكذلك لم نقل إلا ما علمناه.
стр. 850
(احتج): بقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً﴾.
الجواب: أنا لا نتبع خبر الواحد بالظن، بل بالدليل الموجب للعلم، وإنما ذم الله تعالى: من اتبع مجرد ظنه من غير دليل، وعلى هذا يخرج قوله تعالى: ﴿إن الظن لا يغني عن الحق شيئاً﴾ (بمجرده) من غير دليل.
احتج: بأن المخبر الواحد يجوز أن يكذب (أو يغلط)، فلا يجوز العمل بخبره.
الجواب: أنه يلزم عليه خبر (الشاهدين) في الحقوق كلها، وخبر المفتي العامي، ورسول المفتي أيضاً، وقول الطبيب في المرض، والمخبر عن الطريق.
احتج: بأن طريق قبوله الشرع، ولم نجد في الشرع ذلك، ولو كان لوجدناه كما وجدنا الدليل على (قبول) الشاهدين في
стр. 851
الحقوق والمفتي بقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾.
الجواب: أنا قد بينا أن الشرع قد ورد بذلك في أدلتنا بما يغني عن الإعادة.
احتج: بأنا لا نقبل خبر الواحد في الأصول، (كذلك) في الفروع.
(الجواب: أنه جمع بغير علة، ثم الأصول عليها دلائل توجب العلم، فلا حاجة إلى قبول خبر الواحد بخلاف الفروع)، ولأن الأصول تقف على العلم، (وبخبر) الواحد لا يحصل (العلم) بخلاف الفروع.
واحتج: بأن من أخبرنا: أنه نبي، وخوفنا من مخالفته، لا يلزمنا قبول قوله من غير حجة، كذلك من أخبرنا بأحكام الشرع.
الجواب: أنه جمع (بغير) علة، على أن الدليل لم يدل على قبول قول مدعي النبوة، ودل على قبول خبر الواحد في (العمل)، ولأنا قد بينا فيما تقدم: أن النبوة من
стр. 852
الرياسات العظيمة التي تدعو إليها النفوس، ويحمل عليها حب التعظيم والأمر والنهي، فلا يقبل قول المدعي لها بغير دليل، ألا ترى أنا لا نقبل قول من ادعى مالاً لنفسه من غير دليل، وتقبل شهادته لغيره.
واحتج: بأنه (قد) روى عن النبي ﷺ : أنه قال: "سيكذب علي"، وهذا خبر واحد.
فإن قبلتموه، فلا تقبلوا خبر الواحد، لأنه قد ثبت أن في ذلك كذباً، ولا يتميز لنا الكذب من الصدق، وإن رددتموه، فردوا جميع أخبار الآحاد.
(الجواب: أنا لا نعرف هذا الخبر)، (فبينوا إسناده)، (ولو صح) فإن هذا الخبر لا يثبت الكذب، (لأنه) لا يعلم هل كذب عليه أم لا؟
وجواب آخر: أنا لم نقبل جميع الأخبار، فنكون قد قبلنا الكذب وإنما قبلنا ما رواه الثقات، وغلب على الظن صدق الراوي
стр. 853
فيه، (ثم قد) روى أن النبي ﷺ : أنه قال: (شاهد الزور يتبوأ مقعده/ من النار). ولا يجعل ذلك سبباً لرد ١١٣ ب (الشهادة).
стр. 854
فصل
والدليل على قبول خبر الواحد من جهة العقل، أنه معلوم بالعقل، وجوب التحرز من المضار وحسن (اجتلاب) المنافع، فإذا ظننا صدق من أخبرنا بمضرة إن لم (تقصد)، (أو إن) لم نشرب الدواء، أو إن سلكنا في سفرنا طريقاً مخصوصاً، أو إن لم نقم من تحت هذا الحائط، لزمنا في العقل العمل على خبره، لأننا قد ظننا في التفصيل ما علمناه في الجملة من وجوب التحرز من المضار، فكذلك في الشرع إذا علمنا في الجملة وجوب الانقياد للنبي ﷺ فيما يخبرنا به من مصالحنا، ووجوب التحرز (مما) يخبرنا: بأنه من مضارنا، (فإذا ظننا بخبر الواحد: أنه ﵇ قد دعا إلى فعل أخبرنا: أنه مصلحة) أو نهانا عن فعل ما هو مفسدة، (فقد) ظننا تفصلا (لما) علمناه في الجملة، فوجب فعله، وهذا هو العلة، لأن الحكم يوجد بوجوده وينتفي بانتفائه، ويوضح ذلك، أنا إذا علمنا في الجملة وجوب التحرز في المضار، وظننا بالخبر: أن علينا في الفعل مضرة، (ولم) يمكن العلم وجب علينا
стр. 855
تجنبه، لما ذكرنا من علمنا في الجملة بوجوب دفع المضار، وأن خبر الواحد (أوقع) لنا ظناً: أن في هذ الفعل مضرة، إذ لو لم نظن، أن في الفعل مضرةلم يجب علينا تجنبه، فعلم أن العلة ما ذكرنا.
فإن قيل: إنما وجب قبول خبر الواحد في العقليات، لأنه من أمور الدنيا، وأمور الدنيا تدبر بالعقل، وأما الشرعيات فلا نعلم مصلحتها بالعقل، فلا تدبر بالعقل.
قلنا: لا فرق بينهما، لأن التحرز من المضار الدنيوية والدينية معلوم بالشرع، والعقل واجب فيهما.
فإن قيل: إنما قبلنا خبر الواحد في العقليات، لأنه يغلب على الظن وصول المضرة (عند مخالفته بخلاف خبر الواحد في الشرعيات، لأنه لا يغلب على ظننا وصول المضرة) إن لم نقبله.
قلنا: لا نسلم، لأن العدل إذا أخبرنا غلب على ظننا وصول المضرة بمخالفته.
فإن قيل: (قد) جرت العادة بنزول المضار فيما ذكرتم من الطريق والحائط بخلاف الشرع.
(قلنا): وقد جرت عادة الشرع بإلزام العبادات، ولا يمتنع في العقل أن يكون ذلك في خبر الواحد.
стр. 856
فإن قيل: الفرق بينهما: أن الشرعيات يمكن التوصل إليها بطريقة تقتضي العلم، نحو الرجوع إلى الكتاب والسنة المتواترة، والإجماع والبقاء على حكم العقل، فلم يجز الرجوع إلى الظن، (بخلاف العقليات من أمور الدنيا، لأنه يتعذر الرجوع فيها إلى طريقة معلومة، فجاز الرجوع فيها إلى الظن).
(قلنا): إذا كان في المسألة ما ذكرتم، من الكتاب والسنة والإجماع، لم يقبل فيها خبر الواحد على ضد ذلك، إلا أن يكون مخصصاً، وكلامنا في خبر الواحد إذا لم يخالف ما ذكرتموه.
فأما البقاء على حكم العقل، فإنا نتركه في العقليات بخبر الواحد، وهو فيما ذكرنا من (الدليل)، (فكذلك) نتركه في الشرعيات بخبر الواحد.
واحتج: بأن الشرعيات مبنية على المصالح، فإذا لم نأمن كذب (المخبر) لم نأمن أن يكون فعلنا (ما أخبرنا) به مفسدة، بخلاف العقليات، فإنها مبنية/ على الظن، فلا (ينافيها) تجويز الكذب.
стр. 857
الجواب: أن المصالح وإن كانت معتبرة في الشرعيات، فالمضار والمنافع هما المعتبران في العقليات والمعاملات، لأنا إنما نقصد بما نفعله تحصيل المنافع، والخلاص من المضار، كما نقصد بالشرائع تحصيل المصالح، فإذا قام غالب الظن في المنافع والمضار العقلية مقام العلم، مع تجويز كذب المخبر، فكذلك غالب الظن بصدق المخبر في الشرعيات، (فلو جاز أن لا نقبل خبر الواحد في الشرعيات)، لجواز كذب المخبر فيكون ما (أخبر به) مفسدة، لجاز أن لا نقبل خبر الواحد في العقليات، (لجواز) كذب المخبر، فتلحقنا المضرة في اتباعه، على أن قوله: "لا نأمن أن يكون المخبر كاذباً فنكون باتباعه فاعلين المفسدة" (يوجب) أن نقول بقبح ورود (الشرع) بقبول خبر الواحد، لأن (فعل) لا يؤمن كونه مفسدة قبيح، ولم نقل ذلك.
واحتج: بأن العمل على غالب الظن في دفع المضار في الدنيا، هو الأصل للعمل على العلم بدفع المضار، لأن أمور الدنيا المستقبلة غير معلومة، وإنما هي مظنونة، بخلاف أمور الدين، فإن المظنون منها لا يقال هو أصل للمعلوم.
стр. 858
(الجواب): إن هذا فرق غير مؤثر في جمعنا، لأنه (لا يجب) إذا (أشبه) الظن (لأمور الدين الظن) لأمور الدنيا في وجوب العمل عليها، أن يشبتها (من) كل وجه، بل لا يمتنع أن يجب العمل (عليهما) ويكون العمل على الظن في [الدنيا] أصلاً للعمل على العلم في أمور الدنيا. ويكون العمل (على الظن) في أمور الدين أصلاً بنفسه.
стр. 859
فصل
ويقبل في العمل خبر الواحد الثقة خلافاً للجبائي: أنه لا يقبل أقل من اثنين (عن اثنين) إلى النبي ﷺ ، وحكى عنه أنه: لا يقبل في خبر يوجب حداً في الدنيا إلا أربعة.
لنا: ما تقدم من الكتاب، فإن الطائفة تقع على الواحد، والسنة: أن النبي ﷺ كان يبعث عماله وقضاته إلى البلاد النائية آحاداً، والإجماع، فإن الصحابة رجعت إلى قول عائشة وخبر عبد الرحمن، وخبر رافع، والمعنى: بأنه إخبار عن حكم شرعي، فقبل عن الواحد كالفتوى، ولأن ما لا يشترط في الفتوى لا يشترط في الخبر كالحرية والذكورية، ولأنه طريق لإثبات الأحكام، فلم يشترط فيه العدد، كالأصل الذي يقاس عليه، ولأن اعتبار اثنين إلى النبي ﷺ يتعذر غالباً فسقط اعتباره.
стр. 860
احتج المخالف: بأن النبي ﷺ : لم يقبل قول ذي اليدين في الصلاة، حتى قال لأبي بكر وعمر أحق ما يقول ذو اليدين؟ فقال: نعم.
الجواب: أنا لا نقول به، لأن النبي ﷺ رجع إلى قول ثلاثة (وهو لا يعتبر) ثلاثة.
(وجوب آخر وهو): أنه إنما لم يقبل قول واحد في السهو، لأنه (ليس أولى من ظنه، فلم يقدمه عليه، فإذا زاد آخر قبل قوله، لأنه) أقوى من ظنه، أو لأنه في التقدير كأنه خبر واحد.
واحتج: بأن أبا بكر ﵁ لم يقبل قول المغيرة في ميراث الجدة، حتى شهد معه محمد بن مسلمة، وعمر ﵁ لم يرجع إلى خبر أبي موسى في الاستئذان حتى شهد معه أبو سعيد الخدري.
стр. 861
الجواب: أنهما فعلا ذلك احتياطاً واستظهاراً، ولهذا روى عن عمر: أنه قال لأبي موسى: لا أتهمك، ولكني أردت أن لا يجترئ أحد على رسول الله ﷺ ، ولهذا رجع وغيره إلى خبر الواحد.
وجواب آخر: أنه يحتمل أن يكون الصديق لم يغلب على ظنه قول المغيرة، وكذا عمر فطلبا آخر، استظهاراً، ولهذا إذا لم (يقو) في قلب الحاكم قول الشاهدين جاز أن يلتمس شاهداً ثالثاً.
واحتج: بأن الشهادة لا يقبل فيها إلا قول اثنين، كذلك الخبر، (لا يقبل فيه إلا قول اثنين).
الجواب: أن الشهادة تتأكد على الخبر، ولهذا لا يقبل فيها العنعنة والإرسال، ولا تقبل شهادة النساء في الحد، والعبيد عندهم، ويقبل خبرهم، ولأن إلحاق الخبر بالفتوى أولى، لأن كل واحد منها إخبار عن حكم شرعي. (والله أعلم بالصواب).
стр. 862
مسألة
خبر الواحد لا يقتضي العلم ، قال في رواية الأثرم: إذا جاء الحديث عن النبي ﷺ بإسناد صحيح فيه حكم، أو فرض عملت به، ودنت الله تعالى به، ولا أشهد أن النبي ﷺ قال ذلك، فقد نص على أنه لا يقطع به، وبه قال جمهور العلماء.
وروى عنه حنبل: أنه قال في أحاديث الرؤية: نعلم أنها حق نقطع على العلم بها، وبه قال جماعة من أصحابنا وأصحاب الحديث وأهل الظاهر.
وقال النظام: يقتضي العلم إذ اقترن به قرينة، كرجل يخبر
стр. 863
(بموت) ابنه ويسمع في داره الواعية (وتحضر) الجنازة.
وجه الأول: أن خبر لو اقتضى العلم (لاقتضاه كل خبر واحد، سواء كان الراوي ثقة أو غير ثقة، ألا ترى أن خبر التواتر أوجب العلم)، لا فرق بين أن يرويه عدول أو فساق، ولوجب أن يقع العلم بخبر كل من يشهد على إنسان بمال أو كل من يدعي النبوة ولم (يقل) هذا أحد، ولأنه لو أوجب خبر الواحد العلم لجاز أن يعارض التواتر، وينسخ به القرآن، ولا يجوز ذلك، ولأن الواحد منا يسمع خبر الواحد، فلا يوجب له العلم، حتى أن منها ما لا يوجب سماعه غلبه الظن، ولأنه يجوز عليه الكذب والسهو الغلط، فلا يجوز أن يقع به العلم، وعكسه التواتر.
ويدل على النظام: (بأنه) لا يوجب العلم بمجرده، فلم يوجبه مع القرينة، لجواز الكذب في القرينة، لأن الإنسان قد يخبر بموت ابنه، ويأمر من في داره بالصراخ، ويحضر الجنازة ليوهم السلطان موته فيخلص منه، ومن عقابه ويهرب منه،
стр. 864
وقد يكون في الدار مريض فيموت غيره فجأة، فيكون الصراخ لموت ذاك، لا لموت المريض أو يصيب المريض سكتة، فيظن موته، فيخبر به، ويحمل النعش إلى بابه ولم يمت، فلم تكن القرينة موجبة للعلم مع الخبر، لكنها توجب قوة الظن.
احتج الأولون: بقوله تعالى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ثم أمرنا بالعمل بخبر الواحد، فثبت أن ذلك يوجب لنا العلم.
الجواب: أن التعبد بخبر الواحد لا يقتضي القول على الله سبحانه بما لا نعلم، لأنه قد قام عندنا الدليل القاطع/ على وجوب العمل بخبر الواحد، وإذا علمنا به، وقلنا قد تعبدنا بذلك، فقد قلنا على الله ما نعلم، وقفينا (ما) لنا به علم، ولأن العمل لا يقف على العلم، وإنما يجب بغلبة الظن، كما يجب على الحاكم أن يحكم بالشاهدين، والعامي أن يعمل بقول المفتي، وكما يعمل بالقياس.
احتج النظام: بأنه إذا جاء رسول من السلطان إلى الجيش
стр. 865
يخبرهم: بأنه أمرهم بالرجوع إليه، وعلمنا أن عقوبة السلطان تردعه عن الكذب، وأنه لا داعي له إلى الكذب، علمنا: أنه لم يكذب، وإذا لم يكذب، علمنا صدقه، وكذلك إذا كان مهتماً بأمر متشاغلاً به، فسئل عن غيره، فيخبر عنه في الحال، فيعلم: أنه لم يفكر فيه، فيدعوه إلى الكذب داع، علمنا صدقه، وكذلك. إذا أخبر عن نفسه بما يوجب قطعاً أو قتلاً، أو خرج مشقوق الثياب صارحاً، فأخبر بموت ابنه، وسمعنا الواعية في (داره) علمنا أنه لا يكذب في ذلك أوجب لنا العلم بصدقه.
الجواب: أن جميع ذلك لا يوجب العلم، لأن رسول السلطان، قد يشتبه عليه الذي أمره به السلطان، فيخبر بغيره، وإن لم يتعمد الكذب، وقد يرغب بالمال (الكثير) (أن يفعل ذلك)، فيفعله (متوخياً) أن يعتذر بما يقبله السلطان، أو لأن السلطان لابد له منه ويحتمل أن يكون السلطان أمره بذلك، ليعرف طاعة جنده، (وربما) أمره بذلك استهزاء، وإذا احتمل ذلك لم نعلم: أنه لا غرض له في الكذب فيعلم صدقه، وكذلك
стр. 866
قد يكون الإنسان مهتماً بما يسأل عنه، ويظهر أنه مهتم بغيره متشاغل (بسواه) فإذا سئل عنه، تنبه كأنه كان ساهياً عنه، ليوهم: أنه لم يتعمد الكذب، وقد تعمده وراعاه، وقد يقر الإنسان على نفسه بما يوجب العقوبات، لغرض وجهل يحمله على ذلك، وقد رأينا من غرق نفسه وصلبها، وقطع ذكره وأخبر بموت ابنه ليصل إلى أمر يلتمسه ويريده، وإذا احتمل ذلك لم يقع لنا العلم.
واحتج: بأنه لو لم يقع العلم بخبر الواحد، لم (يقع)، وإن انضم إليه الجماعة الكثيرة، لأن ما يجوز على الواحد يجوز على الثاني، والخامس والعاشر، ولما وقع العلم بخبر الجماعة، دل على وقوعه بالواحد.
الجواب: (أنه) يقال: ولم كان كذلك؟ وما أنكرتم أن يكون العلم الواقع بالتواتر، (إن) كان مكتسباً أن تكون شروط اكتساب العلم وجدت فيه، ولم توجد في خبر الواحد، وإن كان ضرورياً فهو فعل الله تعالى؟ فما يؤمنكم أن يوقعه عند التواتر لمصلحة يعلمها، ولا يوقعه عند أخبار الآحاد؟ فبطل ما ذكرتم.
стр. 867
فصل
فأما خبر الواحد إذا أجمعت الأمة على حكمه وتلقته بالقبول، فاختلفت الناس في ذلك.
فظاهر كلام أصحابنا: أنه يقع به العلم، وهذا كحديث عائشة ﵂: "طيبت رسول الله ﷺ ، لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت".
стр. 868
ومن الناس من قال: لا يقع به العلم.
وجه الأول: أنهم لا يجمعون على العمل به، إلا وقد قامت عندهم الحجة القاطعة بصحته، ولأنهم إذا تلقوه بالقبول وعملوا به/، وهم ممن لا يجوز عليهم الخطأ، (ثبت) بذلك صحته، وقد قال ﵇: "أمتي لا تجتمع على ضلالة".
وجه الثاني: أن الحكم بخبر الواحد إذا وجدت فيه شرائط النقل واجب، فإذا عملوا به فقد فعلوا ما يجب بخبر الواحد، وذلك لا يقتضي وقوع العلم بصحته، ألا ترى أنه يجوز وقوع الإجماع عن الاجتهاد، وإن كان (الاجتهاد) ليس بمعلوم.
الجواب: أنهم إذا أجمعوا على تلقيه بالقبول، فقد أجمعوا على صحته، وكذلك إجماعهم على الاجتهاد يدل على (صحته).
стр. 869
فصل
فإن (عمل) بخبر الواحد أكثر الصحابة، وعابوا على من (خالفهم) مثل أخذهم بخبر أبي سعيد في تحريم بيع الدرهم بالدرهمين، وعيبهم على ابن عباس فهل يوجب العلم بصحة الخبر؟
(قال) عيسى بن أبان: يقطع (به)، لأنهم عملوا به، وعابوا على من خالفه، فدل على أنهم لم يسوغوا اجتهاده في مخالفته.
وقال أكثر الشافعية: لا يقطع على صحته، لأن مخالفة الواحد
стр. 870
تمنع انعقاد الإجماع، ويدل على أنه لم (يصح) عنده الخبر في الحكم، فلا يحصل به العلم، وكلا القولين (محتمل).
مسألة
يقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى ، كمس الذكر ورفع اليدين في الصلاة. وبه قال عامة الفقهاء وقال أكثر أصحاب أبي حنيفة: لا يقبل.
دليلنا: أن الصحابة ﵃ (رجعوا) في الغسل في التقاء الختانين إلى خبر عائشة ﵂، ورجعوا في المخابرة إلى خبر رافع بن خديج، ولهذا قال اب عمر: "كنا نخابر أربعين سنة، لا نرى بذلك بأساً، حتى أتانا رافع بن خديج فأخبرنا أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة فتركناها بقول رافع"، وذلك مما تعم به البلوى.
стр. 871
دليل آخر: إن هذا حكم شرعي لا طريق إلى معرفته من طريق العلم فيجب فيه قبول خبر الواحد، كسائر أحكام الشرع، ولأن كل حكم ثبت بالقياس يثبت بخبر الواحد، أصله ما تعم به البلوى، يؤكد هذا: أن القياس مستنبط من خبر الواحد وفرع له؛ فإذا جاز أن يثبت به ما تعم به البلوى، فلأن يجوز بخبر الواحد الذي هو أصله أولى، ولأن وجوب العمل بخبر الواحد يثبت بدليل مقطوع (به) وعليه (فيثبت به) ما تعم به البلوى، كالقرآن (وخبر التواتر).
واحتج المخالف: بأن ما تعم به البلوى كثر السؤال عنه والجواب، وإذا كثر انتشر وكثر نقله، فإذا رواه الواحد لم يقبل منه، كمن ادعى: أن النبي ﷺ وصى بالخلافة لعلي ﵁ لا يقبل
стр. 872
(منه، ولا يرجع في ذلك إلى الخبر الواحد، لأنه مما يكثر السؤال عنه).
والجواب: أنه يجوز أن يكثر السؤال (والجواب) ولا يكثر النقل، ألا ترى أن الأذان اختلف الناس في كلماته، وذلك مما يسمع في اليوم خمس مرات، ولم ينقل نقلاً عاماً، وكذلك حج النبي ﷺ ، وتعليم المناسك نقل إلينا آحاداً، وكذلك نقض الصلاة بالنجاسة الخارجة من غير السبيلين، وكذلك شروط البياعات من الخيار وغيره، وشروط الأنكحة ثبتت بخبر الواحد، وإن كان سؤال الناس عن ذلك (كثيراً) وكذلك رجم ماعز
стр. 873
وقطع سارق رداء صفوان وغير ذلك/، وكذلك وجوب الوتر، وهذا لمعنى: وهو إن كثيراً من الصحابة كانوا: لا يرون الرواية ويتشاغلون بالجهاد وغيره، قال السائب بن يزيد صحبت سعد ابن أبي وقاص زماناً، فما سمعت منه (حديثاً)
стр. 874
إلا حديث الخلطة، وكذلك رواية أبي بكر وعمر ﵄ قليلة، وإذا كان كذلك لم يلزمه.
فأما خبر الإمامة، فإن ذلك يجب عندهم على كل أحد أن يعلمه ويقطع به، فلا يجوز أن يثبت بنقل خاص، وليس كذلك ها هنا، فإنه من مسائل الاجتهاد، فجاز أن ينفرد البعض بعلمه، ويكون فرض الباقين: الاجتهاد والتقليد.
واحتج: بأن تعلق فرضه بالكافة (يفضي إلى أن يخاطب) به الكافة ويأمر بتواتر نقله، ليصل إلى من بعده وصولاً بعلمه، وإذا رواه الواحد شككنا (في قوله).
стр. 875
والجواب: إنما إشاعته إذا لزم العمل به على كل حال، وأما إذا لزمهم العمل به بشرط أن يبلغهم الخبر [وإلا) لم يلزمهم، لم تجب إشاعته، ثم يلزم على ذلك الوتر: تعم به البلوى ولم يتواتر نقل وجوبه، وكذلك الرعاف والقيء والقيح: تعم به البلوى ولم ينقل إيجاب الوضوء (منه) نقلاً متواتراً، وإن كان في ذلك تضييع فرض الصلاة.
مسألة
يقبل خبر الواحد في الحدود، وما يسقط بالشبهة . وحكى
стр. 876
أبو سفيان عن أبي الحسن الكرخي: أنه لا يقبل.
لنا: أن الحدود مما يثبت بغلبة الظن، ولهذا تثبت بالشهادة، فوجب أن يقبل فيها خبر الواحد كسائر أحكام الشرع، يوضح ذلك أن خبر الواحد قد دل على وجوب العمل به دليل قاطع من الكتاب والسنة والإجماع كالشهادة فوجب أن يستويا.
واحتج: بأنه لما لم يجز إثبات القرآن بخبر الواحد، لأنه مما يعم فرضه، فكذلك غيره.
الجواب: (إن القرآن) لم يقبل فيه خبر الواحد، لا لما ذكرتم، لكن لأنه يجب علينا (إثبات للعمل به) قطعاً ويقيناً، بخلاف هذه الأحكام، (فإن طريقها) الظن، ولهذا تثبت
стр. 877
بالاجتهاد والقياس، فجاز أن تثبت بخبر الواحد.
احتج: بأن خبر الواحد مظنون غير مقطوع على صحته (فصار) ذلك شبهة، وقد دل عليه قوله ﵇: "ادرءوا الحدود بالشبهات".
الجواب: أن هذا يوجب أن لا تقبل الشهادة في الحدود، لأنه غير مقطوع على صحتها، وقول الرسول ﷺ : مراد به غير ذلك من الشبهة في الفاعل، بأن يكون جاهلاً التحريم، أو زائل العقل، أو الشبهة في الفعل، بأن يظنها زوجته أو أمته، أو في المفعول به، بأن تكون أمة ابنه، أو أمة مشتركة، فأما الدليل المقطوع على وجوب العمل به، فلا يجوز أن يجعل شبهة مسقطة.
стр. 878
مسألة
خبر الواحد مقدم على القياس وقد ترك أحمد ﵀ القياس في كثير من مسائله.
وبه قال: عامة الفقهاء.
وقال أصحاب مالك: لا يقدم على القياس، وبعضهم حكاه عن مالك.
لنا: خبر معاذ لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، ثم قال: "بم تحكم؟، قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟، قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو فقال ﷺ : الحمد لله الذي وفق رسول الله ﷺ لما يرضاه رسول الله" فرتب العمل بالقياس على السنة وهذا خبر اشتهر وتلقته
стр. 879
للأمة بالقبول، فجرى مجرى التواتر، ولأنه إجماع الصحابة، روى أن عمر ﵁: ترك القياس لحديث حمل بن مالك، وقال:
"لولا هذا لقضينا بغير هذا"، وروى: أنه كان يقسم ديات الأصابع على قدر منافعها، فلما روى له: عن النبي ﷺ أنه قال: "في كل أصبع مما هناك عشر من الإبل" رجع إلى الخبر، وترك القياس، وهذا بمشهد من الصحابة ﵃، ولم ينكره منكر، فثبت أنه إجماع.
стр. 880
فإن قيل: فقد خالف ابن عباس (ما) روى له أبو هريرة عن النبي ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً"، قال: فما نصنع بمهراسنا؟: وهو حجر كبير كانوا يتوضأون منه، لا يمكن أن يقلب منه على اليد، وهذا اعتراض على الحديث بالقياس.
(قلنا): هذا ليس مقياس وإنما بين أن ذلك، متعذر في المهراس، أو حمل ذلك على أن النبي ﷺ : لم يرد به الوجوب، لأنه كان يشاهد الصحابة تتوضأ من المهراس فلا ينكر، فعلم: أنه أراد به الاستحباب، وهذا تأويل للخبر لا معارضة له بالقياس.
دليل آخر: لو ورد عن النبي ﷺ : نصه على علة حكم، ونصه على ذلك بخلاف العلة، قدم نصه على الحكم على علته، فأولى أن يكون نصه على الحكم مقدماً على قياس استنبطناه باجتهادنا، مثال ذلك: لو قال: "تجلد الأمة خمسين لرقها"، ثم قال: "يجلد العبد مائعة"، كان المصير إلى جلد المائة مقدماً على القياس على الأمة بعلة الرق، لأن القياس يدل على مراد صاحب الشرع كناية وظناً واجتهاداً والخبر يدل على مراده، صريحاً فكان الرجوع إلى الصريح أولى ولأن القياس يفتقر إلى الاجتهاد في موضعين، في علة (أصله)، وفي إلحاق الفرع بتلك العلة،
следующие страницы →