← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14103

التمهيد في أصول الفقه

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

أبو سفيان عن أبي الحسن الكرخي: أنه لا يقبل. لنا: أن الحدود مما يثبت بغلبة الظن، ولهذا تثبت بالشهادة، فوجب أن يقبل فيها خبر الواحد كسائر أحكام الشرع، يوضح ذلك أن خبر الواحد قد دل على وجوب العمل به دليل قاطع من الكتاب والسنة والإجماع كالشهادة فوجب أن يستويا. واحتج: بأنه لما لم يجز إثبات القرآن بخبر الواحد، لأنه مما يعم فرضه، فكذلك غيره. الجواب: (إن القرآن) لم يقبل فيه خبر الواحد، لا لما ذكرتم، لكن لأنه يجب علينا (إثبات للعمل به) قطعاً ويقيناً، بخلاف هذه الأحكام، (فإن طريقها) الظن، ولهذا تثبت

стр. 877

بالاجتهاد والقياس، فجاز أن تثبت بخبر الواحد. احتج: بأن خبر الواحد مظنون غير مقطوع على صحته (فصار) ذلك شبهة، وقد دل عليه قوله ﵇: "ادرءوا الحدود بالشبهات". الجواب: أن هذا يوجب أن لا تقبل الشهادة في الحدود، لأنه غير مقطوع على صحتها، وقول الرسول ﷺ : مراد به غير ذلك من الشبهة في الفاعل، بأن يكون جاهلاً التحريم، أو زائل العقل، أو الشبهة في الفعل، بأن يظنها زوجته أو أمته، أو في المفعول به، بأن تكون أمة ابنه، أو أمة مشتركة، فأما الدليل المقطوع على وجوب العمل به، فلا يجوز أن يجعل شبهة مسقطة.

стр. 878

مسألة خبر الواحد مقدم على القياس وقد ترك أحمد ﵀ القياس في كثير من مسائله. وبه قال: عامة الفقهاء. وقال أصحاب مالك: لا يقدم على القياس، وبعضهم حكاه عن مالك. لنا: خبر معاذ لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، ثم قال: "بم تحكم؟، قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟، قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو فقال ﷺ : الحمد لله الذي وفق رسول الله ﷺ لما يرضاه رسول الله" فرتب العمل بالقياس على السنة وهذا خبر اشتهر وتلقته

стр. 879

للأمة بالقبول، فجرى مجرى التواتر، ولأنه إجماع الصحابة، روى أن عمر ﵁: ترك القياس لحديث حمل بن مالك، وقال: "لولا هذا لقضينا بغير هذا"، وروى: أنه كان يقسم ديات الأصابع على قدر منافعها، فلما روى له: عن النبي ﷺ أنه قال: "في كل أصبع مما هناك عشر من الإبل" رجع إلى الخبر، وترك القياس، وهذا بمشهد من الصحابة ﵃، ولم ينكره منكر، فثبت أنه إجماع.

стр. 880

فإن قيل: فقد خالف ابن عباس (ما) روى له أبو هريرة عن النبي ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً"، قال: فما نصنع بمهراسنا؟: وهو حجر كبير كانوا يتوضأون منه، لا يمكن أن يقلب منه على اليد، وهذا اعتراض على الحديث بالقياس. (قلنا): هذا ليس مقياس وإنما بين أن ذلك، متعذر في المهراس، أو حمل ذلك على أن النبي ﷺ : لم يرد به الوجوب، لأنه كان يشاهد الصحابة تتوضأ من المهراس فلا ينكر، فعلم: أنه أراد به الاستحباب، وهذا تأويل للخبر لا معارضة له بالقياس. دليل آخر: لو ورد عن النبي ﷺ : نصه على علة حكم، ونصه على ذلك بخلاف العلة، قدم نصه على الحكم على علته، فأولى أن يكون نصه على الحكم مقدماً على قياس استنبطناه باجتهادنا، مثال ذلك: لو قال: "تجلد الأمة خمسين لرقها"، ثم قال: "يجلد العبد مائعة"، كان المصير إلى جلد المائة مقدماً على القياس على الأمة بعلة الرق، لأن القياس يدل على مراد صاحب الشرع كناية وظناً واجتهاداً والخبر يدل على مراده، صريحاً فكان الرجوع إلى الصريح أولى ولأن القياس يفتقر إلى الاجتهاد في موضعين، في علة (أصله)، وفي إلحاق الفرع بتلك العلة،

стр. 881

والخبر يفتقر الاجتهاد في موضع واحد: وهو عدالة راويه، فكان تقديم ما قل الاجتهاد فيه أولى، كشهادة الأصل مع شهادة الفرع، ولأن الخبر أصل بنفسه فقدم على القياس، كالقرآن والمتواتر. فإن قيل: (ذلك) يوجب العلم: بخلاف خبر الواحد. قلنا: (لا اعتبار) بوقوع العلم في ذلك، لأن هذا عمل (يلزمه بخبر) الواحد كما يلزم بخبر التواتر والقرآن، فهو سواء في ذلك، يؤكد هذا: أن القياس فرع فلا (يقدم على) أصله. احتج المخالف: بأن الخبر قول الغير، والقياس يتعلق (باستدلاله) وهو بفعله أوثق منه بفعل غيره، ولهذا قدمنا (اجتهاده) على اجتهاد غيره من العلماء فكان الرجوع إلى فعله أولى.

стр. 882

الجواب: أنه لا فرق بينهما، لأنه يرجع في عدالة الراوي ومعرفة صدقه إلى أفعاله التي قد شاهدها منه، كما يرجع إلى المعنى الذي ورد عن صاحب الشرع في الأصل، فنحكم به في الفرع، بل طريق معرفة العدالة أظهر، لأنه رجوع العيان والمشاهدة وطريق معرفة العلة الفكر والنظر، فكان الرجوع إلى الخبر أولى، ثم يلزم على هذا، علم الحاكم بنفسه، فإنه أقوى مما يحصل له من شهادة الشهود، وهو علم نفسه ويقينها، ثم لا يحكم به عند مالك، ورواية لنا، ويحكم بقول الشهود، وهو قول الغير. احتج: بأن خبر الواحد يوجد فيه عدة وجوه توجب الرد، منها: جواز غلط راويه وفسقه وكذبه، وأن يكون منسوخاً أو مجازاً، أو مجملاً، ولا يوجد في القياس ذلك، وإنما يوجد فيه جواز (الغلط) في علته، وذلك وجه (واحد)، فلم يقدم عليه ما يوجب رده لوجوه.

стр. 883

الجواب: أن الخبر المستنبط منه القياس، جميع هذه الأحوال موجودة فيه، والوجه الذي يرد به القياس، فقد زاد عليه الخبر بوجه في الرد، فيجب أن يتأخر عنه. جواب آخر: (أنه) يلزم عليه (رد) الخبر إذا عارض مقتضى العقل في براءة الذمم (فإنه يحتمل) جميع هذه (الوجوه) وبراءة الذمة بالعقل لا تقتضي الخطأ إلا من وجه واحد، ثم يقدم الخبر على مقتضى العقل. جواب آخر: أن ما يوجب الرد لا فرق فيه بين كثرة الوجوه وقلتها، ألا ترى أن المغفل لا يقبل خبره، وإن كان عدلاً ديناً، كما لا يقبل خبره مع الفسق وقلة الدين، وإنما كثرة الوجوه ترجح بها (الإثبات والصحة، وأما في الرد فلا، ثم يلزم: القرآن يجوز أن يكون منسوخاً ومجملاً ومجازاً)، ثم لا يقدم عليه القياس.

стр. 884

احتج: بأن الإجماع يجوز أن ينعقد على حكم القياس، ولا ينعقد على خبر الواحد، لأنه إذا انعقد عليه صار تواتراً. الجواب: أنه إذا انعقد على حكم القياس لم يلتفت إلى الناس، وصار الإجماع هو الحجة (أيضاً) لا القياس، كما يصير الخبر تواتراً في المعنى، فلا فرق بينهما.

стр. 885

فصل ويقدم خبر الواحد، وإن خالف الأصول، وقال أصحاب أبي حنيفة: (لا يقبل خبر الواحد إذا خالف الأصول). فيقال لهم: تريدون بذلك قياس الأصول؟ فإن أرادوا ذلك فهو مثل قول أصحاب مالك، وقد مضى الكلام معهم، ثم ناقضوا مذهبهم، فإن أبا حنيفة قال: القياس فيمن أكل ناسياً في رمضان أن يفطر، لكن ترك القياس بحديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 886

قال الذي (أكل) ناسياً: (الله أطعمك وسقاك) وكذلك عمل بخبر ابن مسعود في النبيذ، وهو مخالف لقياس الأصول، وهو جميع المائعات، وكذلك نقض الوضوء بالقهقهة في الصلاة بخبر الواحد، وخالف القياس فيه، وكذلك في القسامة: حلف المدعي عليهم خمسين وألزمهم الدية، وذلك

стр. 887

مخالف لسائر الدعاوى. فإن قالوا: لا نرده لقياس الأصول، وإنما نرده لمخالفة الأصول. قلنا: الأصول: هي الكتاب، والسنة، والإجماع، وخبر الواحد إذا خالف هذه لم نقبله، وإنما تردون خبر الواحد في المصراة والتفليس والقرعة ولا شيء فيها من الأصول. فإن قيل: خبر المصراة يخالف الأصل المجمع عليه، فإن اللبن لا يضمن إلا بمثله أو بقيمته عند التعذر، وقد ضمنتم اللبن بغير مثله، ولا قيمته، وإنما ضمنتم بصاع من تمر، (وذلك خلاف) الإجماع.

стр. 888

(قلنا): الإجماع إنما يحصل/ في اللبن الذي أتلف، وعرف قدره، وفي المصراة لا طريق للمتعاقدين إلى معرفته، فإن اللبن يختلط في الضرع بلبن ما تناوله العقد، وهو اللبن الذي حدث على ملك المشتري، فورد الشرع بتقدير عوضه لتعذر مماثلته وتقويمه للمصلحة وقطع الخصومة، كما ورد فيمن ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً ميتاً بغرة عبد أو أمة، لأجل ذلك لما اشتبه الأمر فلم يعلم: هل كان حياً وقت الضربة فيضمن بكمال الدية، أو ميتاً فلا يكون له ضمان؟، ثم أكثر ما فيه أن يكون اللبن المأخوذ من (من الضرع كاللبن المأخوذ) من الإناء، والخبر ورد بخلاف (هذا) القياس، فإما أن يكون (خلاف) الإجماع فلا. قالوا: أليس القياس يخص به (عموم) الكتاب؟ فلأن يترك لأجله خبر الواحد أولى، لأنه أضعف. والجواب: أنا لا نسلم أن (القرآن) يخص (بالقياس) على رواية لنا وإن سلمنا، فإنا بالتخصيص لا نكون تاركين للعموم رأساً، وليس كذلك تقديم القياس على خبر الواحد، فإنكم تتركون الخبر رأساً، فلا يجوز ذلك.

стр. 889

قالوا: إذا اتفقت الأصول على شيء واحد دل على صحة العلة قطعاً (ويقيناً) فلو قبلنا خبر الواحد في مخالفته، لنقضنا علة صاحب الشرع، وهذا لا يجوز، فيجب حمل الخبر على أن الراوي سها. والجواب: أنا لا نسلم أن القياس إذا خالف النص يكون علة لصاحب الشرع، فيجب أن تثبتوا أنه علته، حتى لا نناقضها بالخبر، ثم يبطل إذا عارض (هذا القياس) نص كتاب، أو سنة متواترة، فإنه يؤدي إلى نقض علة صاحب الشرع على زعمكم، ثم يقدم ذلك على القياس، وعلى أنه متى خالف القياس (النص) زدنا فيه وصفاً، لأجل ذلك النص فيمنع من وجود النقض. فإن قيل: فيجب أن يقولوا في علل العقل: (إذا ورد الخبر بخلافها، أنا نزيد فيها وصفاً، ولا نرد الخبر. قلنا: علل العقل) لا يمكن الزيادة فيها بخلاف القياس الشرعي، والله أعلم. فصل فأما (صفة) من يقبل خبره، فأن يكون مسلماً بالغاً

стр. 890

عاقلاً عدلاً ضابطاً، وسواء كان رجلاً أو امرأة أو عبداً. فأما الإسلام فمعتبر بالإجماع، (لأن) الكافر لا يتحرج من الكذب على رسول وتحريف دينه. فأما اعتبار بلوغه، فلأن غير البالغ لا رغبة له في الصدق، ولا خوف عليه من الكذب، (لأن القلم عنه مرفوع، والإثم في حقه مأمون، فحاله دون حال الفاسق، لأن الفاسق يرجو الثواب) (ويخاف) العقاب، ولأنا لا نقبل خبر الصبي على نفسه، وهو إقراراه، فلأن (لا يقبل إقراره) على الرسول ﷺ أولى، فأما تحمله إذا كان صبياً مميزاً، وروايته بعد بلوغه فجائز، لإجماع السلف على قبول خبر ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير،

стр. 891

ومات النبي ﷺ وهم صبيان، وقد روى البخاري عن محمود بن الربيع أنه قال: (عقلت مجة مجها النبي ﷺ في وجهي، وأنا ابن خمس سنين)، ولأنه إذا جاز أن يتحمل الشهادة صبياً ويشهد بها بعد البلوغ فالخبر أولى، ولأن الشهادة آكد وأضيق، ولهذا لا تقبل فيها العنعنة والتدليس، وخبر شاهد الفرع مع وجود شاهد الأصل، ويجوز في الخبر جميع ذلك وكذلك (الذكورية) فلا تعتبر، لأن السلف قبلوا خبر النساء، عائشة ﵂ وغيرها وكذلك لا تعتبر الحرية لأن العبيد عدول، وقد قال ﵇: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله" ولأن الخبر يقبل ممن يحسن فيه الظن، والعبد كالحر في ذلك، ولأنه مما يستوي فيه المخبر والمخبر، فلا يتهم فيه. وأما العقل فإنما اشترط (ليعلم) به ما ينقل ويميز (به) بين (خبر) الرسول ﷺ وغيره، ويعلم به قبح الكذب وحسن الصدق.

стр. 892

وأما العدالة فمعتبرة، لأن الله تعالى قال: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ﴾ فأمرنا بالتثبت في خبر الفاسق، ولأنه إذا أقدم على ارتكاب الفواحش، لم يؤمن (أن يقدم) على ارتكاب الكذب. فصل إذا ثبت هذا فالعدل: من لم يأت بكبيرة ولم يداوم على صغيرة، والكبائر روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "الكبائر سبع: الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حق، ورمى المحصنات، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم بدارا أن يكبروا، والفرار من الزحف، والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة، وروى: وعقوق الوالدين" ومثل ذلك الزنا وشرب الخمر والسرقة وقد حد أحمد ﵀ عليه الكبائر: بما يوجب حداً في الدنيا أو وعيداً في الآخرة، فيدخل (في ذلك) شهادة الزور، ورمي المحصنات، واليمين الغموس والسحر، فأما كونه ضابطاً، فلأجل أنه متى لم يضبط غير اللفظ والمعنى، وأسقط ما يحتاج إليه وأتى بما يفسد.

стр. 893

فصل فأما الصغائر: فهي المستقبحات من المعاصي (والمباحات) كالتطفيف وتكرار النظر في النساء المستحسنات، والتكلم بالسفه، وكذلك الأكل على الطريق وتقبيل زوجته بين الناس، وما أشبه ذلك، وكذلك المشارط على أخذ الأجرة على الحديث أو الصلاة، قال أحمد في رواية جبيش وسلمة بن شبيب: لا يكتب عن هؤلاء الذين يأخذون الدراهم على الحديث، ويحدثون ولا كرامة. قال شيخنا: هذا على طريق الورع، لأن هذا مما يسوغ فيه الاجتهاد، وهذا غلط، لأن هذا أكثر في الدناءة من الأكل

стр. 894

والشرب على الطريق، ثم قد رددنا (حديث) من يكثر منه ذلك، فهذا المعنى: وهو أن من يقدم على هذه الأشياء لا يؤمن أن يقدم على الكذب، ويتسامح فيه، فيؤثر ذلك على ثقته، ولا يقوى الظن بخبره. وأما الكذب، فظاهر كلام أحمد ﵀: أنه جعله من الكبائر، قال في رواية علي بن سعيد في الرجل يكذب كذبة واحدة: لا يكون في موضع العدالة، الكذب شديد، وكذلك قال في رواية ابن منصور: يترك حديثه إذا كان الغالب عليه الخطأ، قال له: والكذب يترك من قليل وكثير؟ قال: نعم: فاعتبر كذبة واحدة في إسقاط العدالة، وهذا حد الكبيرة. ووجه ذلك ما روى إبراهيم الحربي بإسناده في كتاب النهي (عن موسى الجندي).

стр. 895

قال: "رد النبي ﷺ شهادة رجل في كذبة كذبها"، ولأن من يقدم على الكذب مرة، لا يؤمن منه الكذب في كل ما يخبر به، فيؤثر ذلك في ظننا صدقه فلا يقبل قوله. وقد روى عن أحمد، ما يدل على أنه من الصغائر، قال في رواية أحمد بن أبي عبدة. في الرجل يكذب، فقال: "إن من كثر كذبه لم يصل خلفه"، فظاهرة: / أنه اعتبر الكثرة والتكرار في تفسيقه، لأنه لم يرد في الشرع، أنه من الكبائر مع ذكر الكبائر، ولو كان منها لذكر، ولأن الإنسان لا يكاد يسلم من الكذب في الغالب، فمتى رددنا لكذبة واحدة، أفضى إلى أن لا يقبل خبر أحد ولا شهادته، وخبر الرسول إن ثبت، فلعله أراد أن يجعل ذلك زجراً لينتهي الناس عن الكذب، ويجوز أن يقال: أن الكذب أغلظ الصغائر وآكدها، أو أصغر الكبائر وأخفها، فهو

стр. 896

فهو منفرد بنفسه، وإنما عفونا عن الصغائر إذا لم تتكرر، لأنا لو لم نقبل إلا ممن (تتحمض طاعته) لم نقبل خبر أحد أبداً، لأنا لا نجد أحداً لم يخطئ، يدل عليه أن الأنبياء ﵈ قد وجد منهم الخطأ، قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ قال تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ أي علم أنما فتناه، وقال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ وقال النبي ﷺ : "ما أحد إلا عصى أو هم بمعصية إلا يحيى بن زكريا"، فأولى أن يكون غيرهم لا يسلم من الخطأ. فصل فأما أهل الأهواء، فمنهم من يفسق في اعتقاده، ومنهم من يكفر، فأما من يفسق في اعتقاده، مع كونه متحرجاً في أفعاله، فاختلف الناس في قبول خبرهم، فقال قوم: لا يقبل، (وقال

стр. 897

قوم: يقبل)، وقد روى عن أحمد ﵀ في رواية أبي داود قال: احتملوا من المرجئة الحديث، ويكتب عن القدري إذا لم يكن داعية، وقال المروزي: كان أبو عبد الله يحدث عن المرجئ إذا لم يكن داعية. وروى عنه خلاف ذلك. فروى الأثرم: أنه ذكر له أن فلاناً أمر أن يكتب عن سعد العوني فاستعظم ذلك، وقال: ذاك جهمي امتحن فأجاب فدل على أنه لا يجوز.

стр. 898

ووجه الأول: أنه فسق فرد به الخبر كالفسق بأفعال الجوارح، وهذا، لأن فسق الجوارح (يرد) لكونه فسقاً لا لأنه فعل الجوارح، لأن المباحات من أفعال الجوارح فلا يرد بها، (فإذا رد بالفسق)، فقد وجد في الفسق في الاعتقاد. وجه القول الثاني وهو الأقوى عندي: أن السلف اختلفوا ووقع بينهم الفرقة في زمن الصحابة والتابعين، وقبل بعضهم أخبار بعض، فدل على أنه إجماع، ولأنه إذا كان متحرجاً يظن في اعتقاده أنه على الحق قوي، (ولم) يظن فيه إقدامه على الكذب، فقوى الظن بصدقه. (فأما الجواب) عن دليلهم: فهو [أنا] إنما رددنا من فسق بأفعال الجوارح، لأنه يفعل وهو يعلم أنه فسق ومعصية، ومن أقدم على ذلك لم يؤمن (أن يقدم) على الكذب، فأثر ذلك في قوة الظن بصدقه، (بخلاف) المعتقد، فإنه قد اشتبه عليه، وهو يظن أنه على الحق، (وله تحرج) في أفعاله، فقوى الظن بصدقه.

стр. 899

فإن قيل: أليس لو فسق وهو (يعلم أنه) فاسق، لم يقبل خبره؟ فكيف يقبل وقد انضم إليه خطيئة أخرى، وهو اعتقاده أن ذلك حق وغير فسق؟ قيل: لأنه إذا اعتقد الفسق وأقدم عليه علمنا أنه غير متحرج، فأما إذا لم نعلم (لم يخرجه) ذلك عن تنزهه وتحرجه عن الكذب، فقوى الظن بصدقه. فصل فأما الكفر فعلى على ضربين: كفر يخرج (به الإنسان) عن الإسلام كاليهودية والنصرانية، فإنه يمنع من قبول الخبر (للإجماع على ذلك)، ولأن الخارج/ عن الإسلام يدعوه اعتقاده إلى التحريف والكذب على الرسول، فلا يقوى الظن بصدقه. وأما الكفر بتأويل فقال عبد الجبار: لا يقبل خبره، وهو (اختيار) شيخنا، وقد أومأ إليه أحمد في رواية الأثرم، وقال أبو الحسين البصري: يقبل خبره إذا لم يخرج من أهل القبلة، وكان متحرجاً، وهو ظاهر ما روى أبو داود عن أحمد، فإنه قال: يكتب حديث القدري إذا لم يكن داعية، وعنده القدرية كفار، ووجهه أن جل أصحاب الحديث قبلوا أخبار الخوارج والقدرية مثل

стр. 900

قتادة وعطاء بن يسار وهشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، ومكحول وغندر،

стр. 901

وعبد الوارث، وصالح المري وغيرهم. والمرجئة: مثل: إبراهيم التيمي، وحماد بن أبي سليمان

стр. 902

وأبي حنيفة، ومعاوية الضرير, والشيعة (مثل) الحارث الأعور، وعطية العوفي والأعمش وأبو إسحاق

стр. 903

السبيعي وسلمة بن كهيل، ومنصور بن المعتمر، والحسن بن صالح ووكيع، وهشيم، وسفيان

стр. 904

وشعبة، وعبد الرزاق، ومعمر وغيرهم. وأكثرهم روى عنه أحمد وغيره من أئمة أصحاب الحديث مع قول أصحاب الحديث أن القدرية والخوارج كفار، وكذلك الشيعة، ولأن المتحرج

стр. 905

الذي أخطأ بتأويل غير تارك للتحرج والتنزه عن الكذب، فقوى الظن بصدقه. قالوا: أجمعت الأمة على رد خبر الكافر. الجواب: أنهم أجمعوا على رد خبر من كفر لا بتأويل بل ابتغاء غير الإسلام ديناً، وأما المتمسك بالإسلام، فقد سمعوا حديثهم على ما بينا. فصل فأما الداعية، فلا يقبل خبره، لأنه إذا دعا إلى بدعة، لا يؤمن أن يضع لها حديثاً يوافقه، فأثر ذلك في صدقه. فصل ولا يقتنع في عدالة الراوي بمجرد الإسلام، حتى تختبر عدالته. وقال أبو حنيفة: يقتنع بذلك، لأن النبي ﷺ ، لما شهد الأعرابي برؤية الهلال، سأل عن إسلامه، فلما عرف أنه مسلم،

стр. 906

قبل خبره، وكذلك الصحابة كانت تقبل أخبار من عرفت إسلامه فقط. ولنا: أن الخبر لا يقبل من الفاسق بالاتفاق، وفي المسلمين فساق وعدول، فاحتجنا إلى معرفة العدالة بمعنى زائد على الإسلام. والجواب عما ذكروه: أن زمن النبي ﷺ كانت الخيانات قليلة، والقلوب صافية (والخبث) والكذب قليل، فكان الظاهر من المسلمين العدالة، فلهذا اقتنع بمجرد الإسلام، فأما زماننا فقد كثرت فيه الخيانات من المسلمين، فليس الظاهر من المسلم كونه عدلاً. أما العدالة الباطنة، فهل تعتبر في الخبر؟ (يحتمل أن تعتبر) كما اعتبرت في الشهادة، ويحتمل أن لا تعتبر، وهو

стр. 907

اختيار شيخنا، لأن اعتبارها يشق، لأن أكثر الناس لا يحسنون أن يستخبروا عن العدالة (ولا يدرون) ما هي، ويسمع الحديث صبي، (وأعجمي) وعامي: بخلاف الشهادة، فإ، ها تختص (بمجلس الحاكم)، والحاكم عالم يفهم الاستخبار عن (العدالة)، فلا (يشق. ذلك عليه). فصل قال أحمد ﵀: الناس أكفار إلا الحائك والحجام، وهو ضعيف، والعمل عليه معنى قوله وهو ضيعف على طريقة أصحاب الحديث، لأنهم يضعفون بالإرسال والتدليس، والعنعنة، وقوله: والعمل عليه، على طريقة الفقهاء، لأنهم لا يضعفون بذلك.

стр. 908

فصل فأما التدليس فلا يمنع من قبول الخبر. والتدليس: أن يشتهر رجل باسم فيسمع منه، فيقول: حدثني فلان، ويذكر أسماء لذلك الرجل، لم يشتهر، ولم يظهر، أو يقول: روى الزهري، وهو في زمنه، فيوهم أنه سمع منه ولم يسمع منه، لأن المقصود: أن يروي عن العدل، فإذا عرفت عدالته فلا يضر اختلاف اسمه، ويكره ذلك، لأن فيه تزييناً، قال أحمد: أكره التدليس، لأن أقل ما فيه أنه يتزين للناس. وقد قال بعض أصحاب الحديث: لا يسمع خبر المدلس، لأنه يروي عمن لم يسمع منه، فهو كما لو قال: حدثني فلان، (ولم يحدثه).

стр. 909

الجواب: أنه لم يكذب في ذلك، لأن الزهري إذا كان قد روى ذلك وهو محفوظ من حديث، فما كذب حيث قال: روى الزهري: بخلاف قوله: حدثني، ولم يحدثه، (لأنه) كذب. فصل إذا روى العدل عن العدل خبراً، فقال (المروى) عنه: لا أذكره أو لا أعرفه، ففيه روايتان: إحداهما لا يرد، وبه قال أكثرهم، والثانية: يرد وبه قال أصحاب أبي حنيفة. وجه الأول: أن ثقة الراوي تقتضي قبول حديثه ما أمكن، ويمكن أن يكون ها هنا صادقاً، وإن لم يذكر (المروى) عنه لنسيان، (وقد يرى أحدنا يتحدث بشيء من أمر الدنيا، ثم ينساه ويذكر فلا يذكر، أو يذكر بعد حين)، وقد روى ربيعة بن

стр. 910

أبي عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح: حديث الشاهد واليمين، ثم نسيه سهيل فحدثه به ربيعة، فكان بعد ذلك، يقول: حدثني ربيعة عني عن أبي هريرة أن النبي ﷺ : "قضى بالشاهد واليمين" ويسمعه التابعون، فلا ينكر عليه منكر. احتج المخالف: بأن قال أنكر الأصل ذلك، فوجب أن لا يقبل كما لو قال: أعلم أني ما رويته، (وكما لو أنكر شاهداً الأصل شهادة الفرع.

стр. 911

الجواب: أنه لا يرد، وإن قال: أعلم أني ما رويته) وأما الشهادة فهي آكد وأضيق طريقاً من الخبر، ولهذا لا تقبل التدليس والعنعنة، وشهادة الفرع مع حضور الأصل. فصل إذا كان الراوي محدوداً في قذف فلا يخلو: أن يكون قذف بلفظ الشهادة أو بغير لفظها، فإن كان بلفظ الشهادة لم يرد خبره، لأن (نقصان) عدد الشهادة ليس من فعله، فلم يرد به خبره، ولأن الناس اختلفوا: هل يلزمه الحد أم لا؟ وإن كان بغير لفظ الشهادة رد خبره، لأنه أتى بكبيرة، (إلا أن يتوب).

стр. 912

فصل لا يقبل (الجرح) المطلق حتى يبين سببه، في إحدى الروايتين، وهو قول أكثرهم، وعنه يقبل من غير تفسير. وجه الأولى: أن ما يجرح به قد اختلف الناس في أسبابه، فيجب أن يذكره لننظر، هل هو مما يجرح ويفسق أم لا؟ ووجه الأخرى: أن أسباب الجرح معلومة، فالواجب حمل أمر الجارح على أنه لم يقل إلا ما علمه من السبب الصحيح. قلنا: إلا أن قوما يردون بفسق الاعتقاد، وقوما يردون بالتدليس، وتسبيل الإزار وبالعنعنة، وقوما يردون بالكذبة الواحدة في العمر، وجميع ذلك لا يرد به عند عامة العلماء. فلا يؤمن أن يكون الجارح جرحه لأحد هذه الأشياء، وكان يعتقدها دون غيره، فيجب أن يبين.

стр. 913

فصل يسمع الجرح من واحد، وكذلك التعديل، لأن العدد ليس (بشرط قبول) الخبر، لأن الجرح خبر، وكذلك/ التعديل: بخلاف الشهادة، فإن العدد مشروط فيها من جهة النص، ولأنها آكد على ما مضى. فصل رواية العدل عن رجل هل هي تعديل له؟ فيه روايتان، إحداهما: هي تعديل، اختارها شيخنا، والأخرى: ليس بتعديل، وهو قول الشافعية

стр. 914

ووجه الأولى: أن العدل ظاهر تحرجه، أن لا يحدث عمن يعلم كذبه أو فسقه أو يظنه، لأن ذلك يفضي إلى الكذب على رسول الله ﷺ فلما حدث ظهر لنا أنه قد عرف عدالته. (ووجه الثانية: أنه يجوز أن يروي عمن لا يعرف عدالته إلا) بمجرد إسلامه، فلا يكون ذلك تعديلاً. الجواب: أن الظاهر من تحرج أصحاب الحديث أكثر من ذلك، فوجب حمل أمرهم على ذلك. (والله أعلم). مسألة اختلف الراوية عن أحمد ﵀ في المراسيل، وهو أن يسمع من زيد عن عمرو حديثاً، فإذا رواه قال عمرو، وأضرب عن ذكر زيد، أو يقول: حدثني الثقة وما أشبهه. فروى عنه ما يدل على

стр. 915

قبولها، وهي اختيار شيخنا، وبه قال أبو حنيفة ومالك وجماعة من المتكلمين، وعنه: أنه لا يقبل إلا مراسيل الصحابة، وبه قال الشافعي وطائفة من أهل الظاهر والحديث. وجه الأولى: أن الراوي (مع ثقته) وعدالته، لا يستجيز أن يخبر: النبي ﷺ قال: وأن فلاناً قال: إلا وله الإخبار عنه، ولا يكون الإخبار بذلك إلا وهو عالم بثقته وعدالته، لأنه ليس (له
следующие страницы →