← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14103

التمهيد في أصول الفقه

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وحرب: تجوز الرواية على المعنى، وما زال الحفاظ يحدثون بالمعنى. فأما إن بدله بما هو أظهر منه معنى أو أخفى، فلا يجوز، لأنه قد يجوز أن يكون مقصود الرسول أن يعرف الحكم باللفظ الجلي تارة وبالخفي أخرى، وبه قال عامة العلماء. وحكى عن ابن سيرين وجماعة من السلف، وبعض الشافعية وأبي بكر الرازي: أنه لا يجوز العدول عن لفظ العدول عن لفظ النبي ﷺ .

стр. 947

دليلنا: ما روى أبو محمد الخلال، بإسناده عن ابن مسعوتد قال: سئل النبي ﷺ فقيل: إنك تحدثنا حديثاً لا نقدر (نسوقه) كما نسمعه، فقال: "إذا أصاب أحدكم المعنى فليحدث"، وعن واثلة بن الأسقع: لا بأس إذا قدمت أو أخرت إذا أصبت المعنى، وعن عائشة نحو ذلك. دليل آخر: أنه لا يخلو أن يكون نقل الحديث، لأجل

стр. 948

لفظه، أو لأجل لفظه ومعناه، أو لأجل معناه فقط، لا يجوز أن يكون لأجل لفظه، لأن الإجماع يدفع ذلك، ولا لأجل اللفظ والمعنى، لأنه لو كان (كذلك) لوجب تلاوة اللفظ، ولا دليل في عقل ولا شرع يقتضي كوننا متعبدين بتلاوة لفظ النبي ﷺ ، فبقي: أنه يجب نقله لأجل المعنى، وهذا الغرض حاصل، إذا عدل الراوي إلى لفظ يقوم مقام لفظ الرسول ﵇. دليل آخر: الشهادة آكد من الخبر، ثم ثبت أنه لو أقر عند الشاهدين رجل بالفارسية، جاز لهما نقل إقراره إلى الحاكم بالعربية، وكذلك الإقرار بين يدي الحاكم. ولهم أن يقولوا: الشهادة حجتنا، فإنه لو أتى بغير لفظ الشهادة، فقال: أعلم أو أعرف أن لفلان على فلان كذا وكذا لم تقبل شهادته والفقهاء يسلمون هذا، ويقوى عندي أن الشاهد إذا قال: أعلم أو أعرف أو أتحقق أو أتيقن، أن لفلان على فلان كذا، أن الحاكم يقبل ذلك لأن ظنه يقوى بذلك، كما يقوى بقوله أشهد. دليل آخر: أن يجوز نقل (عن غير) النبي ﷺ بالمعنى، فكذلك (قول النبي ﷺ ولا فرق بينهما في الرواية، لأن الكذب محظور فيهما، والتبديل بما ليس في المعنى غلط فيهما.

стр. 949

فإن قيل: إلا أن الكذب على النبي ﷺ متوعد عليه بالنار. (قلنا): الكذب قبيح وفاعله مأثوم، سواء كان عن النبي ﷺ أو عن غيره، قال ﷺ : "علامة المنافق إذا حدث كذب"، وقال: "ويل لمن يكذب ليضحك الناس منه ويل له ثم ويل له"، على أن أكثر ما في كون أحدهما كبيرة، وهو الكذب على النبي ﷺ ، والكذب على غيره صغيرة. واحتج بقوله ﵇: "رحم الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه". الجواب: من حفظ المعنى فقد أدى الحديث كما سمعه، ألا

стр. 950

ترى أن المترجم والشاهد، يقال: أدى ما سمع وكذلك من أبلغ إنساناً رسالة فحفظ معناها. جواب آخر ذكرته: أن المراد بذلك على طريق الاحتياط في حق من لا يفهم المعنى، مخافة أن يبدله بما ليس في معناه ولهذا قال ﵇: "رب حامل فقه ليس بفقيه"، معناه لا يفهم معناه (فيبدله) بغيره، وكذلك: "رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"، معناه: يفهم منه ما لا يفهمه. قيل: المراد بهذا: الاستحباب، ولهذا رغب فيه بالدعاء، ولم يتوعد كما توعد في الكذب. احتج: بأنه لفظ صاحب الشرع، فلا يجوز (بغيره)، كلفظة في الأذان والتشهد. الجواب: أنه جمع بغير علة، ثم الفرق: أنا متعبدون بألفاظ التشهد والأذان ولهذا نؤمر بحفظها، وتلاوتها، ونثاب على ذلك، ولهذا (أمرنا) أن نقول: كما يقول المؤذن، (تعبدا، أو) لأن الإعلام يحصل بذلك، وقال ابن مسعود "كان النبي ﷺ يلقننا

стр. 951

التشهد، كما يلقننا السورة من القرآن" وليس كذلك الخبر، فإن الغرض ما يتعلق به (من) الأحكام، دون لفظه، ولهذا ليس في تكرار لفظه بغير حفظ ثواب يتعلق بعينه، ثم ليس قياسكم على التشهد بأولى من قياسنا على الشهادة. واحتج: بأنه قد يكون في لفظ النبي ﷺ (معان) تتضح لقوم وتخفى على آخرين، ولهذا روى البراء بن عازب "سمعني النبي ﷺ أقول: آمنت بكتابك الذي أنزلت، ورسولك الذي أرسلت فقال: ونبيك الذي أرسلت". الجواب: أنا إنما نجيز الرواية بالمعنى لمن أحاط علماً بمعناه، ولم

стр. 952

يكن مما يختلف فيه (المقصد)، كالذي بينا في أول المسألة، فأما نقل كلام الرسول في قوله: زوجتكها، فروى ملكتكها، لا يجوز لأنه يتعلق (به) (أنه) يجوز النكاح بغير لفظ التزويج والإنكاح، وأما قوله مكان نبيك رسولك، فهو جائز في باب الإخبار عنه، وإنما رد عليه ها هنا، لأن المعنى يختلف، لأن الرسالة (طرأت) على النبوة، فكان نبياً ثم أرسل، فقيل: ونبيك الذي أرسلت، ولم يكن رسولاً (وأرسل)، (وكانت) رسالته طرأت على إرساله، كما روى أن شعيباً ﵇ أرسل إلى أصحاب مدين، وإلى أصحاب الأيكة. (والله أعلم بالصواب).

стр. 953

مسألة إذا رأى سماعه في كتاب، ولم يذكر سماعه ولا قراءته، لكن غلب على ظنه (سماعه) كما يراه من خطه، فإنه يجوز له روايته، نص عليه في مواضع، فقال في رواية [أحمد بن) الحسين بن حسان: في الرجل يكون له السماع مع الرجل، فلا بأس أن يأخذه بعد سنين (إذا عرف الخط) وبه قال أبو يوسف ومحمد والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يرويه، إلا أن يذكر سماعه. لنا: ما روى من إجماع الصحابة: أنها كانت تعمل على كتب النبي ﷺ ، نحو عملها على كتاب عمرو بن حزم، وكتب الصدقات وغير ذلك.

стр. 954

دليل آخر: أن (مبنى) الأخبار على حسن الظن، ولهذا تقبل من العبيد والنساء (والغلمان) ولا تعتبر فيها العدالة الباطنة، ولا ترد بالتدليس والعنعنة، فدل على خفتها، وجاز أن يخبر بها إذا رأى سماعه، وغلب على ظنه أنه سمعه. واحتج المخالف: بأنه لما لم يجز أن يؤدي الشهادة معتمداً على خطه، كذلك الحديث، لأن كل واحد منهما يحتاج فيه إلى معرفة المخبر به. الجواب: أنا لا نسلم على إحدى الروايتين، ونقول: يجوز أن يشهد إذا عرف خطه، ولم يخرج عن يده، وعلى الرواية الأخرى: لا يجوز، لتأكد الشهادة على الخبر بما بينا في غير موضع. فإن قيل: (إذا) قال: حدثني فلان، وهو لا يذكر

стр. 955

ذلك، فهو كذب، كما لو قال: أشهدني فلان، وهو لا يذكر. (قلنا): ليس بكذب، لأنه يخبر عن غلبة ظنه، ومعه أمارة دالة، وهو خطه الذي يعرفه، فليس ذلك بدون الضرير في معرفة الصوت، وإن جاز أن يشتبه، وقد قالوا: تجوز روايته، وكذلك الصبي يسمع صغيراً ثم يروى وهو شيخ. فصل إذا ناوله، أو أجاز له، أو كتب إليه جاز أن يقول: أخبرني مناولة أو إجازة أو فيما كتب إلي، نص عليه في رواية المروزي وأبي داود وغيرهما، وبه قال أصحاب الشافعي، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا تجوز الرواية بذلك.

стр. 956

لنا: أنه لو قرئ على المحدث الكتاب، فأقر به جاز لمن قرأه أن يرويه، ولم يوجد من المحدث أكثلر من إقراره، (وكذلك): يجوز ها هنا إذا أقر بأن هذا حديثه، وأذن له في روايته. (قلنا): إلا أنه لم يحدث حقيقة ولا وجد من جهته فعل سوى إقراره، وها هنا وجد إقراره وإذنه، ولأن أمر الإخبار على حسن الظن والظاهر، وإذا كتب خطه الذي يعرف وناوله كتابه فالظاهر أنه (حديثه) فيجب أن يقبل. احتج المخالف: بأن الشهادة على الشهادة لا تجوز بالمكاتبة والمناولة والإجازة، كذلك الإخبار. الجواب: أن الشهادة آكد، ولذا لا يجوز أن يشهد شاهد الفرع مع حضور شاهد الأصل، وتعتبر فيها العدالة الباطنة، وتسقط بالتدليس والعنعنة بخلاف الخبر. فصل معرفة من يقع عليه اسم الصحابي، ظاهر كلام أحمد ﵀، أنه يقع على كل مؤمن رأى النبي ﷺ وصحبه متبعاً له، ولو ساعة، لأنه قال في رواية عبدوس ابن مالك العطار: أفضل

стр. 957

أفضل الناس القرن الذي بعث فيهم، كل من صحبه سنة، أو شهراً، أو يوماً، أو ساعة، أو رآه: فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه. وقال أكثر العلماء: لا يقع هذا الاسم إلا على من أطال المكث معه على وجه التتبع له، وشرط/ الجاحظ وغيره مع ذلك أن يأخذ عنه العلم أيضاً. وجه قول أحمد ﵀: أن الصحابي اسم مشتق من الصحبة، فعم القليل والكثير كالضارب والشاتم يقع على من وجد منه ذلك وإن قل: والصحبة تقع على القليل والكثير. يقال: صحبت فلاناً شهراً ويوماً وساعة، وصحبته إلى موضع كذا، فدل على أن من صحبه يوماً سمي صاحبه، وقيل صحابي، قال ﵇ "إنكن صويحبات يوسف".

стр. 958

ووجه القول الآخر: أن هذا الاسم لا يطلق في العرف على من رأى النبي ﷺ ، أو أقام عنده يوماً ألا ترى أن الرسل والوفود لا يشملهم اسم الصحابة؟ وكذلك من صحب عالماً في طريق، أو جالسه يوماً، لا يقال: صاحب فلان، وإنما يقال: ذلك لمن صحبه طويلاً وأخذ عنه العلم. الجواب: إنا قد بينا أن الاسم في اللغة مشتق من الصحبة، فأما الوفود إذا كانوا مؤمنين، فإنه يقع عليهم اسم الصحابة، فأما من صحب عالماً في طريق أو جالسه ساعة، لا يسمى صاحبه، لأنه غير فاعل لذلك على وجه التتبع والاقتداء به، فأما من كان في وقت الرسول ﷺ من المؤمنين (فقد) كانوا أتباعه. فنظير الأول من مسألتنا الكفار الذين شاهدوا الرسول، لا يسمون صحابة، ولا أقاموا مع النبي ﷺ سنة لأنهم لم يتبعوه.

стр. 959

وأما أخذ العلم فليس بشرط في تسمية الصاحب، ولهذا من خدم إنساناً قيل: صاحب (فلان)، ولو لم يأخذ منه علماً (قط). فصل إذا ثبت (هذا) فطريقنا إلى معرفة كون الصحابي صحابياً من وجهين. أحدهما: يوجب العلم، وهو خبر التواتر، بأن فلاناً صحب النبي ﷺ ورآه. والثاني: يوجب غلبة الظن، وهو إخبار الثقة بذلك، إما هو، أو غيره وحكى أبو سفيان عن بعض أصحاب أبي حنيفة: أنه لا طريق إلى ذلك إلا ما يوجب العلم، إما ضرورة، أو اكتساباً. وقال بعضهم: لا يقبل منه، ويقبل من غيره، وإن كان واحداً.

стр. 960

لنا: أن إثبات الصحبة له خبر يترتب عليه حكم شرعي بما يوجب العمل: وهو (هل) قوله حجة في مسألة فرع؟ أو إذا قال: أمرنا أو نهينا، يحمل ذلك عن النبي ﷺ ، وخبر الثقة في الحكم الشرعي مقبول، فكذلك فيما يترتب عليه، ولأن العقل لا يمنع قبول خبر غيره في كونه صحابياً لثقته عندنا وظننا صدقه، يجب أن نقبل خبره عن نفسه (لذلك) أيضاً. فإن قيل: قوله شهادة لنفسه، ولا تقبل شهادة الإنسان لنفسه، وتقبل شهادة غيره له. (والجواب): إنه ليس بشهادة، وإنما هو خبر عن نفسه بما لا يلزم (غيره به) مضرة، ولا تلحقه فيها شبهة: بخلاف الشهادة، فإنه يلزم غيره مضرة وتلحقه في ذلك تهمة. فإن قيل: في ذلك إلزام حق الغير، لأنه إذا ثبت أنه صحابي، (ألزم غيره) أن يأخذ بقوله. (قلنا): لا يلزم غيره ذلك، لأن قوله ليس بحجة، (ثم يجب) أن لا يقبل (خبره) لأنه (يلزم) غيره حكما

стр. 961

(ولو لم) يشاركه في ذلك الحكم وقد غلب: أنه يقبل. واحتج بأن قولنا: (فلان) صحابي إخبار عما يوجب العلم واليقين، فلم يقبل فيه الآحاد. الجواب: إنا لا نسلم، أنه يوجب القطع والعلم، وإنما يجب عليه غلبة الظن يخبره عن النبي ﷺ . فصل إذا ثبت هذا فمتى قال الصحابي: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، وأوجب علينا كذا، وأبيح لنا كذا، (وحظر) علينا كذا، ومن السنة كذا، أفاد أن الآمر والناهي الموجب الخاطر المبيح رسول الله ﷺ ، وكذا قوله من السنة يفيد سنة الرسول ﷺ وبه قال الشافعي، وبعض الحنفية وأبو عبد الله البصري، وعبد الجبار، وقال الكرخي والرازي، والصيرفي:

стр. 962

لا يضاف ذلك إلى الرسول ﷺ في أمرنا ونهينا ومن السنة. لنا: إن المفهوم من (قول) من التزم طاعة رئيس إذا كان تحت طاعته، إذا قال: أمرنا أو نهينا عن كذا، أن الذي أمره هو الذي لزمته طاعته، ألا ترى أن الرجل من أولياء السلطان إذا قال في دار السلطان: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا عقل منه، إن السلطان هو الذي أمره. دليل آخر: إن غرض الصحابي بقوله ذلك: هو أن يعلمنا الشرع ويفيدنا الحكم، أو يحتج على من خالفه، فيجب أن يحمل قوله على من يصدر الشرع (من عنده)، والدليل من جهته، وهو الرسول ﵇، دون الأئمة والولاة، فإن الشرع لا يصدر عنهم، ولا هم المتبعون فيه. فإن قيل: (يحتمل) قوله إن الله أمرنا، فلا يحمل على أمر النبي ﷺ .

стр. 963

(قلنا): أمر الله تعالى لا يختص بالصحابي دون السامع منه، لأنه كلامه تعالى لا يختص (به واحد دون واحد، فثبت أن قوله: أمرنا يريد به الإخبار لمن لم يسمع من الرسول ﷺ . فإن قيل: يحتمل (أن يريد) بقوله: أمرنا أن الإمام والأمة معه أمروا. قلنا: لا يجوز ذلك، لأن قوله: أمرنا إشارة إلى جميع الصحابة، وهي لا تأمر نفسها. دليل آخر: (أن قوله): أوجب علينا، وأبيح لنا، وحظر علينا، لا تجوز إضافته حقيقة إلا إلى المشرع، فأما من سواه فليس إليه إباحة، ولا حظر، ولا إيجاب، لأنه لو كان إليه ذلك لم يكن بينه وبين المشرع فرق، وهذا لا يقوله أحد، وكذلك (قوله) أمرنا، ولأن ذلك لا يضاف إلا إلى من يعلم المصالح، وهذا لا يعلمه إلا الله تعالى، ويوجبه إلى الرسول ﵇، ومن سواهما غير عالم بذلك. احتج المخالف: بأن الأمر والنهي والسنة، لا تختص بالرسول ﵇ بدليل قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني: الولاة، وقيل: العلماء، وقال عليه

стр. 964

السلام: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، وقال: "من سن سنة حسنة كان له سنة أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة"، وإذا ثبت ذلك، (جاز) أن لا ينصرف الأمر والنهي والسنة إلى الرسول، ووجب الوقف. الجواب: إنا لا نمنع من ذلك مع التقييد بأن فلاناً أمر، وفلاناً سن، فأما إذا أطلق الأمر في الشرع، وأطلقت السنة، لم يعقل منها إلا سنة الرسول ﷺ ، كما لو قال: هذا الفعل طاعة، لا يعقل إلا طاعة الله سبحانه، وطاعة رسوله، وإن كان يجوز أن يطيع غيرهما من الأئمة والخلفاء. وقيل: المراد بقوله: وأولي الأمر، فيما نقلوه من أمري، وما رووه عني من السنة على سبيل المجاز.

стр. 965

احتج: بقول علي ﵁: (جلد رسول الله ﷺ في الخمر أربعين، وجلد أبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة)، فسمي سنة غير النبي ﷺ سنة مطلقة. الجواب: أن المراد بذلك سنة النبي ﷺ لأن الزيادة على الأربعين عندنا حد ثبت بسنته ﵇، ولأنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى فعليه حد المفتري بهذا القياس، والقياس دليل في إثبات سنة الرسول ﷺ ، وعلى الرواية الأخرى أن الزيادة على الأربعين فعلها تعزيراً، وللإمام أن يعزر إذا رأى ذلك، والتعزير سنة سنها الرسول ﷺ . احتج: بأن الصحابي قد يجتهد (فيؤديه) القياس إلى حكم فيقول: هذا سنة رسول الله ﷺ وأمره، لأنه قاسه على أمر أمر به، كما يقول: هذا حكم الله، لا أن الله (أمر به) وقاله، وإنما أداه إليه (اجتهاده) بالقياس على حكمه تعالى. الجواب: إن الظاهر من حالهم (غير ذلك)، لأنهم

стр. 966

لا يطلقون السنة إلا على سنة (من) يحتذى ويتبع، وهو النبي ﷺ ولهذا قال ابن مسعود في قصة بروع بنت واشق، "أقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان" فلم يطلق أن قوله من الله ورسوله، وإن كان قد اجتهد فيها شهراً. فصل فإن قال التابعي: أمرنا بكذا، ومن السنة، ففي ذلك وجهان: أحدهما يكون حجة. والثاني: لا يكون حجة، وأصل ذلك المراسي، وفيها روايتان وقد مضى الكلام في ذلك. فصل إذا قال الصحابي: كنا نفعل كذا وكذا على عهد رسول الله ﷺ ، فهو كالمسند: خلافاً لبعضهم أنه لا يكون كالمسند. لنا: أن الظاهر من قول الصحابي: كنا نفعل على عهد رسول الله ﷺ ، أن يفيدنا بهذا الكلام شرعاً، ويعلمنا حكماً، ولا يكون كذلك إلا وقد علمه الرسول ﷺ فلم ينكره، ولأن الظاهر

стр. 967

أن الصحابة لا يقدمون على أمر من أمور الدين، والنبي ﷺ بين أظهرهم إلا عن أمره، فصار ذلك كالمسند إليه. احتج المخالف: بأنهم كانوا يفعلون ما لا يعلمه، ولهذا لما قالت الأنصار لعمر ﵃ في الإكسال: "أنه لا يوجب الغسل: كنا نفعل ذلك في عهد رسول الله ﷺ ، قال عمر: ورسول الله ﷺ يعلم بذلك؟ فقيل: لا فقال: فمه". الجواب: أن التقاء الختانين كان لا يوجب الغسل في ابتداء الإسلام/ ثم نسخ ذلك فلم يعلمه قوم، وعلمه آخرون، فكان من لم يعلم النسخ مستمراً على ذلك الحكم الذي كان في صدر الإسلام حتى تبين لهم خبر عائشة ﵂، والاستدامة على حكم عرفة الإنسان ما لم يعلم نسخه جائز، فأما الإقدام على ابتداء فعل يتعلق بالدين من غير استئذان الرسول فلا يظن بالصحابة فعله.

стр. 968

فصل (فإن) قال الصحابي (أو التابعي): "كانوا يفعلون"، حمل ذلك على جماعتهم، كقول عائشة ﵂: "كانوا لا يقطعون اليد في الشيء التافه" خلافاً لمن أنكر أن يكون ذلك إجماعاً. لنا: إن الراوي لا يقول ذلك إلا ويقصد به إقامة الحجة، فيجب أن يحمل (على) من قولهم حجة، وهو الإجماع. فإن قيل: (يحتمل أن يكون أراد البعض، وهم عنده حجة، قيل: إذا علم أن البعض فعل، والبعض امتنع، فقد تعارض الفعلان، فلا يكون حجة). فإن قيل: (أو تسوغون) مخالفة هذا الأمر؟ (قلنا إنما) سوغنا خلافه، لأنا ما علمناه يقينا لأنه خبر واحد وذلك لا يفيد العلم.

стр. 969

فصل إذا قال الصحابي: قال رسول الله ﷺ ، حمل على أنه سمعه منه ذكره شيخنا وبه قال الشافعية. وقالت الأشعرية: أنه لا يحمل على ذلك بل يجوز أن يكون بينهما واسطة، وهو ظاهر قول من نصر: أن المرسل حجة، ووجهه: أن يجوز أن يكون قد أخبره بذلك العدد الكثير فثبت عنده، فقال: قال رسول الله ﷺ ، ويحتمل أن يخبره الثقة، فيقول بغالب ظنه، ويحتمل أن يكون سمعه منه ﵇، فلم يجز القطع على أنه سمعه منه. احتج: بأنه لما قطع عن الرسول ﷺ (بالقول) دل على أنه سمعه منه. الجواب: ويحتمل أنه ثبت عنده بالتواتر أو بغلبة الظن، كقول التابعي: قال رسول الله ﷺ وحملناه على أنه ثبت عنده (بالتواتر).

стр. 970

فصل إذا قال الصحابي أمر رسول الله ﷺ بكذا. ونهى (عن كذا)، وأوجب كذا، كفى في إقامة الحجة. وحكى الجزري عن داود: أنه لا حجة (فيه)، حتى ينقل لفظه ﵇، فينظر فيه، وهو قول بعض المتكلمين. لنا: أن تصديق الراوي واجب ما أمكن، فإذا قال: أمر ونهي وأوجب يجب (أن يحمل) على أنه قال: أمرتكم ونهيتكم وأوجبت

стр. 971

عليكم، وقد ورد ذلك في لفظه ﵇، فقال للوفد (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع)، (وصار) ذلك بمثابة قول الصحابي: زنا ماعز فرجمه رسول الله ﷺ ، وسهى، فسجد، يجب تصديقه، ويصير كأن النبي ﷺ قال: زنا ماعز فرجمته، وسهوت فسجدت، لأن الصحابة رجعوا إلى هذا اللفظ، ولهذا روى ابن عمر قال: "كنا نخابر أربعين عاماً، لا نرى بذلك بأساً حتى أخبرنا رافع بن خديج: أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة، فانتهينا". احتج المخالف: بأن الناس اختلفوا في الأمر (فمنهم) من حمله على الوجوب، ومنهم من حمله على الندب، ومنهم من حمله على الإباحة، فوجب نقل لفظ النبي ﷺ ، (فكذلك) إذا قال: أوجب/ فلعله سمعه بأمر فحمله على الوجوب، ويكون أمره ندباً. الجواب: أن هذا الاختلاف موجود في قوله: أمرت ونهيت، ثم هو حجة على أن الصحابة أهل فصاحة وفقه، فإذا قالوا: أمر، علمنا أنه أتى بلفظ الأمر، وكذلك في النهي، (وإذا قالوا:

стр. 972

أوجب)، فهم أعلم بمعاني كلامه، فإذا لم يقطعوا على فهم ذلك (أو أنه صرح) بالوجوب (أو أمر) بلفظ لا يحتمل غير الوجوب، لم يقدموا على روايتهم عنه أنه أوجب. فصل إذا روى الصحابي عن النبي ﷺ خبراً لزم السامع العمل به من غير أن يسأل الرسول ﵇. وقال بعضهم: إذا قدر على سؤال الرسول ﵇، لم يلزمه العمل حتى يسأله (عنه). لنا: أنه ﷺ كان يبعث سعاته وعماله وقضاته إلى البلاد لتبليغ الشرع وبيان الأحكام، ثم يقدمون أهل البلاد أو بعضهم على الرسول ﷺ ، فلا يسألونه عن ذلك، ولو وجب عليهم السؤال، لسألوا، ولم يقتصروا على العمل بما عرفوه من جهة السعاة والقضاة.

стр. 973

احتج: بأن لهم طريقاً إلى معرفة الحكم قطعاً من جهة الرسول، فلم يجز (ترك) ذلك والاقتصار على العمل على الظن. الجواب: إن ذلك غير ممتنع في أحكام الشرع، بدليل أن القائم على دجلة يجوز أن يتوضأ بما معه من الماء، وإن كان (طهارته) غير مقطوع بها، وطهارة دجلة مقطوع بها، وإنما كان كذلك، لأن الصحابة ﵃ مقطوع بعدالتهم، والرسول ﷺ أمرنا باتباعهم، فقال: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم))، ليبين بذلك فضلهم، فلو كلف السؤال عما يخبرون (به)، أوقع الشك (في إخبارهم) عنه. فصل إذا قال الصحابي: هذا الخبر منسوخ، وكان (يتضمن حكماً)، قبل قوله في ذلك، وقال بعضهم: لا يقبل.

стр. 974

لنا: أن الصحابي مع عدالته وتحريه، لا يقول ذلك إلا وقد تيقنه وسمعه من الرسول ﷺ (أو ثبت) عنده (عنه)، فيجب أن يقبل قوله فيه، كما لو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يستحب هذا. (فإن قيل): يجوز أن يسمع من الرسول ﷺ لفظاً فيظنه ناسخاً وليس بناسخ، فيجب أن ينقل اللفظ. والجواب: أنه لا يحمل أمره على أنه أقدم على ذلك إلا عن قطع ويقين، وهو أعلم بقول الرسول ﷺ ومقاصده منا، فيجب الرجوع إلى قوله. فصل تفسير الصحابي الراوي للخبر، إذا كان مجملاً أولى من غيره، وذلك مثل ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: ((الذهب بالذهب ربا، إلا هاء وهاء))، ثم فسر ذلك في حديث مالك

стр. 975

ابن أوس بن الحدثان. حين صارف طلحة بن عبيد الله، قال له لا تفارقه حتى يعطيك ورقك أو ترد عليه ذهبه، (ففسر هاء وهاء) بالتقايض في المجلس. وكذلك فسر ابن عمر: (المتبايعان بالخيار، ما لم يتفرقا)، بالافتراق عن المكان، وكان إذا باع مشى قليلاً، وكذلك فسر

стр. 976

قوله: (فاقدروا له) على ضيقوا (له)، فكان إذا كان في السماء علة ليلة الثلاثين صام وأمر أهله بالصيام. والوجه في ذلك: أنهم حضروا التنزيل، وعرفوا التأويل، وهم أعرف بمراد الرسول، لكونهم معه، وبحضرته، فيجب الرجوع إلى تفسيرهم. فإن قيل: فلم لم تقبلوا قول أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ الكلب: (إنه يغسل ثلاثاً)، وهو روى سبعاً، فتحملوا السبع على الاستحباب.

стр. 977

(قلنا): ذلك ليس ببيان، وإنما هو مخالفة للخبر، ولأن من (يقول) السبع ندب، (يقول: الثلاثة ندب)، فلا يكون ذلك بياناً. فأما تفسير التابعين للخبر ففيه روايتان، إحداهما: يقبل، لأنه أقرب إلى الرسول ﷺ ، والثانية: لا يقبل، لأنه غير شاهد للحال، فصار وغيره من الفقهاء سواء. فصل إذا روى الصحابي شيئاً عن النبي ﷺ ، (وخالفه) لم يدل ذلك على ضعف الخبر، ولا على نسخه، (وهذا) كخبر عائشة ﵂ في ولاية المرأة لعقد النكاح، وبه قال الشافعية وقال الحنفية: يسقط العمل بالحديث وعن أحمد نحوه.

стр. 978

لنا: أن قول الرسول ﷺ حجة يجب العمل بها، فإذا ترك الراوي العمل، احتمل أن يكون (قد نسي الخبر) أو تأوله، (أو أن ذلك) قد نسخ، فوقف فعل الراوي حتى يتبين، وبقي قول الرسول ﷺ ، فوجب المصير إليه. احتجوا: بأن الصحابي مع فضله لا يجوز مخالفته للرسول ﷺ فإذا (عمل) بخلاف الخبر دل على أنه علم نسخه. الجواب: أنه يحتمل ذلك، ويحتمل ما ذكرنا فوقف، فلا يترك ما هو حجة لغير حجة، ثم لو كان عرف ما نسخه لذكره ورواه ولو مرة في العمر، لأنه لا يظن به كتمان العلم، فلما لم يذكر دل على أنه نسيه. فصل إذا قال الصحابي ما يخالف القياس، دل على أنه توقيف عن النبي ﷺ في أحد الوجهين، (وهذا) كقول عمر ﵁ فيمن فقأ عين نفسه على عاقلته دية العين، وفي عين الفرس سبع قيمته، وقول ابن عباس: فيمن نذر ذبح ولده يذبح شاة،

стр. 979

وقول عائشة: أبلغني زيداً: أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ ، وبه قال الحنفية. والوجه الآخر: لا يكون توقيفاً وهو الأقوى عندي، وبه قال أصحاب الشافعي. وجه الأول: أنه يجب (علينا) أن نحسن الظن بالصحابة ﵃، لأن الله تعالى أثنى عليهم بقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وغير ذلك، فإذا قال قولاً: لا مجال للاجتهاد فيه، فحسن الظن به يقتضي أن يكون قاله عن طريق، وإذا لم يكن فيه مجال للاجتهاد (ثبت) أنه سمعه من النبي ﷺ .

стр. 980

فإن قيل: لو وجب حمله على التوقيف، لوجب إذا خالفه صحابي آخر، فقال ما يوافق القياس، أن لا نعتد بخلافه. (قلنا): كذا (نقول). (فإن قيل: فيجب إذا عارضه خبر متصل عن الرسول ﷺ ، أن يتعارضا ولا يقدم المتصل عليه). (قلنا: إنما قدم المتصل (عليه)، لأنه ثبت بالنقل، فغلب فيه الظن، وقول الصحابي يكون توفيقاً من طريق الاجتهاد (والاستدلال)، فكان المتصل أولى، وعندي (أن المتصل إذا كان من واحد لا يقدم) لأنه عن النبي ﷺ (ظناً)، وكذا هذا مثله، وعلى هذا نقول: لا يقدم المتصل على المرسل. (والله أعلم).

стр. 981

ووجه الآخر: قالوا: قول الصحابي ليس بقول النبي ﷺ حقيقة. فلا يجوز إضافته إليه بالظن والتخمين، لأن الله تعالى قال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. الجواب: أنا نضيفه إليه بغلبة الظن، كما نضيف إليه خبر الواحد ظناً لا يقينا، والآية وردت فيما طريقه (العلم) لا ما طريقه (الظن). (فإن قيل): لو كان عندهم عن النبي ﷺ في ذلك توفيقاً، لنقلوه مع قوله ﵇: "رحم الله من سمع مقالتي فأداها"، مع قوله: "من كتم علما يعلمه ألجم بلجام من النار". الجواب: أنه يحتمل أنهم رووه ولم يبلغنا، ويحتمل أن يكونوا كرهوا الرواية، فإن جماعة منهم كانوا يكرهون ذلك. (فإن قيل): يجوز إن الصحابي برأيه، ولا يكون عنده في ذلك خبر، بدليل أن عمر ﵁ كان يفاضل في دية الأصابع، حتى أخبر أن النبي ﷺ قال: "في كل إصبع مما هناك عشر من الإبل" فرجع عن قوله، ولم يكن عنده في ذلك توقيف.

стр. 982

الجواب: أن عمر قال ذلك بالقياس الصحيح، وهو: أن منافع الأصابع تختلف فجعل ديتها على قدر منافعها، فلما روى له الخبر، ترك القياس وخلافنا فيما لا قياس فيه. احتج: بأ، عمر وعثمان ﵄ جعلا دية المجوسي ثمانمائة درهم، وهذا لا يقتضيه القياس، ولم يجعلوه توقيفاً، وهذا يلزم أصحاب أبي حنيفة ونحن نقول به، لأن أصحاب أبي حنيفة ناقضوه فقالوا: خبر الواحد، وإذا خالف الأصول لم يعمل به، كخبر القرعة والمصراة والتفليس، وهو قول الرسول ﷺ ، فأولى أن يكون قول الصحابي إذا خالف الأصول لا يحتج به. فأما الجواب عن دليلهم: فيحتمل أن يكون ذهب إلى قياس فاسد، لأ، هـ ليس بمعصوم من الخطأ، ويحتمل أن يكون استحسن ذلك لعادة استدل بها، كما قدر أبو حنيفة ربع الرأس بالمسح، والنجاسة بقدر الدرهم، وليس في ذلك قياس، ولا توقيف، وهذا لا يلزمنا، لأن الأول ظاهر الروايتين والثاني لا نقول به (والله أعلم).

стр. 983

فصل في ترجيح أحد الخبرين على الآخر إذا تعارض الخبران، فلا يخلو أن يمكن الجمع بينهما أو لا يمكن، فإن أمكن الجمع بينهما، فلا يخلو: أن يكون ذلك في وقت واحد أو في وقتين. فأما الجمع بينهما في وقت واحد، فبأن (يحمل) أحدهما (لمكان) الآخر على المجاز، إما بالتخصيص أو بغيره. وإما في وقتين، فبأن يعلم تقدم أحدهما على الآخر، فيكون المتقدم منسوخاً (بالمتأخر). (وما لا يمكن) الجمع بينهما فذلك على ضربين: أحدهما: لا يمكن لقرينة، أو لأنفسهما. فما لا يمكن للقرينة، مثل خبر ابن عباس: "لا ربا إلا في النسيئة"، وخبر أبي سعيد: "لا تبيعوا البر بالبر"، إلى قوله: "إلا يدا بيد سواء بسواء".

стр. 984

(هذان) يمكن الجمع بينهما، فيحمل خبر ابن عباس على الجنسين، وخبر أبي سعيد على الجنس الواحد، ولكن الأمة اتفقوا على أن هذين الخبرين متعارضان، لكن الأكثر أخذ بخبر أبي سعيد وترك حديث ابن عباس، والأقل أخذ بخبر ابن عباس على عمومه. ومالا يمكن ذلك فيه لأنفسهما، مثل: أن يكون حكم أحدهما ضد حكم الآخر، أو يكون حكم أحدهما نفيا لحكم الآخر على وجه لا يمكن فيه التأويل السائغ، مثل: أن يتعلق كل واحد منهما بما تعلق/ به الآخر، على الحد الذي تعلق به الآخر، في الوقت الذي تعلق به ولا يكون أحدهما عاماً والآخر خاصاً، بل يكونان خاصين أو عامين، أو يكون كل واحد منهما خاصاً من وجه وعاماً من وجه، ولا يكون أحدهما بأن يكون مخصصاً للآخر أولى من العكس، ولا يعلم تقدم أحدهما على الآخر.

стр. 985

وإذا وجد التعارض على هذا الوجه فيجب الترجيح والعمل على ما ترجح به، لأنه (يقوى) بالترجيح، وتقديم الأقوى يجب. فإن قيل: التنافي في الأخبار لا يوجد، لأن ما من لفظ إلا ويمكن تأويله على موافقة غيره والجمع بينهما. (قلنا): قد يكون فيها ما لا يمكن إلا بتأويل متعسف، لا يحسن أن يريده الحكيم، وذلك مثل: ما قاله أصحاب أبي حنيفة في قوله ﵇: "إذا زادت الإبل على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقه": إنا نحمل ذلك عليه، إذا بلغت مائعة وتسعين خاصة يكون فيها ثلاث حقاق وبنت لبون: لأن ذلك يجب عندهم في مائعة وستة وثمانين: يكون بنت لبون في ستة وثلاثين، وثلاث حقاق في مائعة وخمسين. هذا تأويل لا يجوز أن يكون الحكيم أراده، لا سيما (إذا كان) نبياً يريد بيان الشرع؛
следующие страницы →