← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14106

المنهل الحديث في شرح الحديث

موسى شاهين لاشين

Полный текст (1 103 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الحمد لله رب العالمين حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه فقال ﷺ "ارتفع هذا على هذا تسع عشرة درجة" وأخرج الترمذي عن رفاعة ابن رافع قال صليت مع النبي ﷺ فعطست فقلت الحمد لله حمدا طيبا مباركا فيه مباركا عليه كما يحب ربنا ويرضى فلما انصرف قال من المتكلم ثلاثا فقلت أنا يا رسول الله فقال "والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكا أيهم يصعد بها" قال الحافظ ابن حجر ولا أصل لما اعتاده كثير من الناس من استكمال قراءة الفاتحة بعد قوله الحمد لله رب العالمين وكذا العدول عن الحمد إلى أشهد أن لا إله إلا الله أو تقديمها على الحمد وحكمة مشروعية الحمد أن العطاس يدفع الأذى عن الدماغ الذي بسلامته تسلم الأعضاء ويخرج الفضلات ويصفي الروح فهو نعمة جليلة يناسبها أن تقابل بالحمد ٢ - أما حكم التشميت فسيأتي تفصيله وتفصيل المواضع التي يشرع فيها والتي لا يشرع فيها في الحديث التالي رقم (٥١) ٣ - أما لفظ التشميت فقد قال ابن بطال أنه "يرحمك الله" يخصه بالدعاء وحده وأخرج الطبري عن ابن مسعود قال يقول يرحمنا الله وإياكم وعن ابن عباس يقول "عافانا الله وإياكم من النار يرحمكم الله" وحكمة مشروعيته تحصيل المودة والتأليف بين المسلمين وتأديب العاطس بتخلية نفسه من الكبر وتحليتها بالتواضع لما في ذلك من ذكر الرحمة والإشعار بالذنب لا يعرى عنه أكثر المكلفين ذكره ابن دقيق العيد ٤ - ويقول العاطس بعد التشميت يرحمنا الله وإياكم ويغفر الله لنا ولكم وقيل يقول يهديكم الله ويصلح بالكم قال ابن بطال ذهب مالك والشافعي إلى أنه يتخير بين اللفظين قال ابن رشد والجمع بينهما أحسن إلا للذمي ٥ - ومن آداب العاطس ١ - أن يخفض بالعطاس صوته

стр. 1017

٢ - وأن يرفعه بالحمد ٣ - وأن يغطي وجهه لئلا يبدو من فمه وأنفه ما يؤذي جليسه ٤ - وألا يلوي عنقه يمينا أو شمالا يتضرر بذلك ٦ - [ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - مشروعية الحمد للعاطس ٢ - طلب التشميت لمن حمد الله وهو مجمع عليه ٣ - جواز السؤال عن علة الحكم ٤ - بيان علة الحكم للسائل إذا كان في ذلك منفعة له ٥ - أن العاطس الكافر إذا لم يحمد لم يلقن الحمد ليحمد فيشمت. ٥١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقا

стр. 1018

على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك الله وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان" -[المعنى العام]- إن الله يحب العطاس لأنه ينشأ من خفة البدن وينشأ عنه النشاط في العبادة ويكره التثاؤب لأنه ينشأ عن امتلاء المعدة وكسل التفكير ويتبعه التراخي في العبادة فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان على كل مسلم سمع عطاسه وحمده أن يشمته فيقول له يرحمك الله وأما التثاؤب فهو من إغواء الشيطان ليفتح الإنسان فاه ويقول ها ويعوي كما يعوي الكلب فيتمكن الشيطان منه ومن تنحيته عن ذكر الله فليتجنب المسلم أسباب التثاؤب فإذا أشرف عليه فليدفعه وليكظم قدر استطاعته فإن لم يستطع فليضع يده أو ثوبه على فمه وليقبض شفتيه لئلا يضحك الشيطان من قبح شكله وهيئته ويفرح بنجاح خطته ويسخر من المسلم ومن ضعف عزيمته -[المباحث العربية]- (إن الله يحب العطاس) المحبة هنا باعتبار سبب العطاس الذي هو عدم التوسع في الأكل فتنفتح المسام وصمائم الأجهزة المخرجة للسموم والرطوبات من الدماغ وسائر الجسد فيخف البدن وينشط الفكر فيكون داعية إلى النشاط في العبادة وباعتبار ما يترتب على العطاس من الحمد والتشميت إلى غير ذلك (ويكره التثاؤب) وهو النفس الذي ينفتح منه الفم والكراهة هنا باعتبار السبب أيضا وهو التوسع في الأكل حيث يمتلئ الجسم ويزيد الضغط على الأوعية فتكثر فيها الأسدة وتتعطل الأجهزة المفرزة للسموم فيثقل الجسم ويضعف الفكر ويستولي الكسل وتنحط الهمة عن العبادة

стр. 1019

(كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول) أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر اسم كان "حقا" خبرها والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة "حقا" وجملة "سمعه" صفة "مسلم" وجملة "كان" جواب "إذا" وهو العامل فيها (فيرده ما استطاع) ما ظرفية مصدرية أي مدة استطاعته -[فقه الحديث]- نقاط الحديث تتلخص في ١ - حكم التشميت والأحوال التي لا يشرع فيها ٢ - توجيه كون التثاؤب من الشيطان ٣ - حكم التثاؤب وكيفية رده ٤ - توجيه ضحك الشيطان من المتثائب ٥ - ما يؤخذ من الحديث وهذا هو التفصيل ١ - استبدل جمهور أهل الظاهر وجماعة من المالكية بقوله "كان" حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له "يرحمك الله" على أن التشميت واجب عيني وقال الحنفية وجمهور الحنابلة وهو الراجح عند المالكية إن قوله (على كل مسلم) محمول على حال انفراد السامع فإذا سمع العاطس اثنان فأكثر كان التشميت واجبا على الكفاية فيسقط الإثم بتشميت بعضهم وقال الشافعية وبعض المالكية إن المراد من الحديث أن التشميت حق في حسن الأدب ومكارم الأخلاق فهو مستحب عينا إن انفرد السامع وإلا فعلى الكفاية والأمر بالتشميت ظاهر في عموم من حمد الله أما من لم يحمد الله فقد قال النووي يستحب لمن حضر من عطس فلم يحمد أن يذكره بالحمد ليحمد فيشمته وهو من باب النصيحة والأمر بالمعروف وزعم ابن العربي أن الذي يذكر بالحمد جاهل لأنه يلزم نفسه بما لم يلزمها ثم قال ابن العربي لو ذكر وشمت فقال الحمد لله يرحمك الله جمع جهالتين جهالة

стр. 1020

التذكير السابقة وجهالة إيقاع التشميت قبل وجود الحمد من العاطس وقد خطأ العلماء ابن العربي فيما زعم والصواب استحباب التذكير كذلك يشرع التشميت لمن حمد إذا عرف السامع أنه حمد الله وإن لم يسمعه لعموم الأمر به لمن عطس فحمد كذا قيل وقال النووي المختار أنه من سمعه دون غيره واستثنى العلماء ممن يشمت ١ - الكافر قال ابن دقيق العيد إذا نظرنا إلى قول من قال من أهل اللغة أن التشميت الدعاء بالخير دخل الكفار في عموم الأمر بالتشميت وإذا نظرنا إلى من خص التشميت بالرحمة لم يدخلوا وقد روى أبو موسى الأشعري قال كانت اليهود يتعاطسون عند النبي ﷺ رجاء أن يقول يرحمكم الله فكان يقول يهديكم الله ويصلح بالكم قال ابن حجر هذا الحديث يدل على أنهم يدخلون في مطلق الأمر بالتشميت لكن لهم تشميت خاص وهو الدعاء لهم بالهداية وإصلاح البال ٢ - والمزكوم الذي تكرر منه العطاس فزاد على الثلاث قال النووي إذا تكرر العطاس متتابعا فالسنة أن يشمته لكل مرة إلى أن يبلغ ثلاث مرات فيقول له في الثالثة أنت مزكوم ومعناه أنك لست ممن يشمت بعدها لأن الذي بك مرض وليس من العطاس المحمود الناشئ عن خفة البدن قال ابن حجر فإن قيل فإذا كان مريضا فإنه ينبغي أن يشمت بطريق الأولى لأنه أحوج إلى الدعاء من غيره قلنا نعم لكن يدعي له بدعاء آخر يلائمه كالدعاء بالعافية والشفاء لا بالدعاء المشروع للعاطس وذكر ابن دقيق العيد عن بعض الشافعية أنه يكرر التشميت إذا تكرر العطاس حتى يعرف أنه مزكوم ولو زاد على ثلاث ومعنى ذلك أن الأمر بالتشميت يسقط عند العلم بالزكام ولو بدون تكرار ٣ - ومن عرف من حاله أنه يكره التشميت فإنه لا يشمت إجلالا للتشميت أن يؤهل له من يكرهه ولا يقال كيف تترك السنة لذلك فإنما

стр. 1021

هي سنة لمن أحبها أما من كرهها ورغب عنها فلا ويطرد ذلك من السلام وعيادة المريض قال ابن دقيق العيد والذي عندي أنه لا يمتنع من ذلك إلا مع من خاف منه ضررا فأما غيره فيشمت امتثالا للأمر ومناقضة للتكبر في مراده وكسرا لسورته في ذلك وهو أولى من إجلال التشميت ٤ - ومن عطس والإمام يخطب فإن التشميت يتعارض والأمر بالإنصات لمن سمع الخطيب فتعين تأخير التشميت حتى يفرغ الخطيب أو يشرع له التشميت بالإشارة ٥ - ومن كان عطاسه في حالة يمتنع عليه فيها ذكر الله كما إذا كان على الخلاء أو في الجماع ثم يحمد الله بعد الفراغ من ذلك فيشمت ٦ - ومعنى كون التثاؤب من الشيطان أنه الذي يزين للنفس شهواتها من امتلاء المعدة بكثرة الأكل فينشأ عنه التكاسل وقال ابن العربي كل فعل مكروه نسبه الشرع إلى الشيطان لأنه واسطته وقال ابن بطال إضافة التثاؤب إلى الشيطان بمعنى إضافة الرضا والإرادة أي إن الشيطان يحب أن يرى الإنسان متثائبا لأنها حالة تتغير فيها صورته لا إن المراد أن الشيطان هو الذي فعل التثاؤب ٧ - والتثاؤب مكروه وكراهته في الصلاة أشد منها في غيرها والمسلم مأمور بالأخذ من أسباب رده بوضع يده على فمه وبإطباق الشفتين وبزجر النفس وبعدم رفع الصوت لأن التثاؤب إذا وقع فلا يمكن رده وإنما يمكن تخفيفه بما ذكر أو المعنى إذا أراد أحدكم أن يتثاءب ٨ - أما ضحك الشيطان من المتثائب فمحمول على التنفير ويؤيد ذلك ما جاء عند ابن ماجه "فليضع يده على فيه ولا يعوي" فإن التعبير بيعوي الذي هو فعل الكلب استقباح وأي استقباح وقيل الضحك مجاز عن الرضا لأن التثاؤب دليل الغفلة عن ذكر الله ونتيجة لإغواء الشيطان على التوسع في الأكل وقيل الضحك على حقيقته فرحا بتشويه صورة الإنسان وخروجه عن اعتدال الهيئة وقد رجحه الشرقاوي وعلله بأنه لا ضرورة تدعو إلى

стр. 1022

العدول عن الحقيقة ومن الخصائص النبوية ما أخرجه البخاري "ما تثاءب النبي ﷺ قط" وما أخرجه الخطابي "ما تثاءب نبي قط" -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - مشروعية العطاس ٢ - كراهة التثاؤب والتنفير منه ٣ - مشروعية حمد العاطس ٤ - مشروعية التشميت بعد الحمد ٥ - مشروعية رد التثاؤب جهد الاستطاعة ٦ - استحباب ما يؤدي إلى العطاس المحمود من خفة الأكل وغيرها ٧ - كراهة ما يؤدي إلى التثاؤب ككثرة الأكل وغيرها.

стр. 1023

كتاب الاستئذان الاستئذان طلب الإذن فيما لا يملكه المستأذن وهو واجب لدخول مكان غير مملوك بنص الكتاب قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ أي تستأذنوا وتسلمواوقرئ به وقيل معناه حتى تتنحنحوا وأصله طلب الإيناس ضد الإيحاش وظاهر الآية أن الاستئذان مقدم على السلام لكن جاء في السنة ما يفيد عكسه روى أبو داود "استأذن رجل على النبي ﷺ وهو في بيته فقال أألج فقال لخادمه أخرج لهذا فعلمه فقال قل السلام عليكم أدخل وأجمع العلماء بأن السلام يقدم إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل وإلا قدم الاستئذان ويستأذن ثلاثا الأولى ليسمع والثانية ليستعد له المالك والثالثة ليأذن له فإن لم يوجد أحد من الآذنين فلا ينبغي الدخول بل ينبغي الصبر حتى يوجد من يأذن فإن وجد المالك ولم يأذن سواء قال أرجع صراحة أو فهم عدم الإذن منه بالقرائن وجب الرجوع وعدم الوقوف على الأبواب وأصل مشروعيته الاحتراز من وقوع النظر إلى ما لا يريد صاحب المنزل النظر إليه لو دخل بلا إذن ومن هذا يعلم أنه واجب ولو تحقق خلو المنزل من النساء كما يجب عند الاستئذان صرف البصر وكف الأذى وعدم التضييق على المارين وعدم احتقارهم والاستهزاء بهم فإن قيل له من ذا فلا يقل أنا ويسكت بل يذكر ما يبين عن شخصيته قال النووي إذا لم يقع التعريف إلا بأن يكفي المرء نفسه لم يكره ذلك وكذا لا بأس أن يقول أنا الشيخ فلان إذا لم يحصل التمييز إلا بذلك أما الاستئذان في دخول بيت يملكه فهو مشروع إن كان

стр. 1024

فيه أهله ليتأهبوا له فلا يصادف حالا يكرهها ٥٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "يسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير" -[المعنى العام]- شرع الله السلام بين عباده ليستأنسوا فلا يستوحش مسلم من مسلم ولينمو الود وتزداد المحبة والتآلف وقد بين الرسول الكريم في هذا الحديث من يطلب منه البدء بالسلام لئلا يكون للناس حجة ولئلا يلقي بعضهم التبعة على بعض فقال ليسلم الصغير سنا على الكبير والمار ماشيا أو راكبا على القاعد والمضطجع والقليل عددا على الكثير -[المباحث العربية]- (يسلم الصغير على الكبير) خبر في معنى الأمر وقد ورد صريحا بلفظ "ليسلم" والسلام مصدر سلم وهو اسم من أسماء الله تعالى بمعنى أنه ذو السلامة من كل آفة ونقيصة ويطلق بمعنى التحية وهو المراد هنا والصغر والكبر أمر نسبي وهما إذا أطلقا أطلقا انصرفا إلى السن وقد يحملان على المقام الديني أو الدنيوي -[فقه الحديث]- يتناول شرح الحديث النقاط التالية ١ - حكم إلقاء السلام والرد عليه ٢ - لفظهما المطلوب شرعا وحكم ألفاظ التحيات الجارية ٣ - المواطن التي لا يشرع فيها ٤ - بيان المطالب بالبدء بالسلام والحكم إذا لم يبدأ

стр. 1025

٥ - متفرقات وهذا هو التفصيل أولا إفشاء السلام سنة عينية للواحد كفاية للجماعة على من يعرف وعلى من لا يعرف نعم ذكر الماوردي أن من مشى في الشوارع المطروقة كالسوق لا يسلم إلا على بعض من لقي لأنه لو سلم على الكل لتشاغل عن المهم الذي خرج لأجله ولشغل الناس عن مصالحهم وخرج بذلك عن العرف والمألوف كما قال لو دخل شخص مجلسا فإن كان الجمع قليلا يعمهم سلام واحد فسلم كفاه ولو كان كثيرا ينتشر فيهم السلام يبتدئ أول دخوله بمن شاهدهم وتتأدى سنة السلام في حق جميع من يسمعه وهل يستحب أن يسلم على من جلس عندهم ممن لم يسمعه وجهان أما رد السلام فواجب على من سمعه على الكفاية إن قام به البعض سقط الإثم عن الباقين واختص بالثواب من قام بالرد وإلا أثموا جميعا ولو سلم جمع مترتبون على واحد فرد مرة واحدة قاصدا جميعهم أجزاه ما لم يحصل فاصل ضار والظاهر وجوب الرد على من سمع السلام من المذياع أو قرأه في كتاب لأن السلام دعاء بالأمن والرحمة فإذا حيا المذيع السامعين بهذه التحية لزمهم أن يحيوه وأن يدعوا له بأحسن منها أو يردوها نعم يشترط إسماع المسلم الرد حيث أمكن لما في ذلك من تطييب الخاطر وشرح الصدر ومقابلة الإحسان بالإحسان ويشترط كون الرد على الفور فإن أخره ثم رد لم يعد جوابا وكان آثما بتركه ثانيا أما لفظه المطلوب شرعا فهو السلام عليكم فإن كان واحدا صح أن يخاطبه بالإفراد والأفضل الجمع ليتناول الملائكة ويقصدهم ليردوا عليه فينال بركة دعائهم وهذا أقل ألفاظه وأكمل منه زيادة ورحمة الله وبركاته اقتداء بقوله ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ ويكره أن يقول المبتدئ عليك السلام فقد روى الترمذي عن النبي ﷺ لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الموتى فإن قالها استحق الجواب على الصحيح والأفضل الأكمل في الرد أن يقول عليكم السلام ورحمة الله وبركاته ويأتي بالواو قال النووي فلو حذفها جاز وكان

стр. 1026

تاركا للأفضل ولو اقتصر علي وعليكم السلام اجزأه ولو اقتصر على عليكم لم يجزه قال النووي لو قال وعليكم بالواو ففي إجزائه وجهان فالمماثلة بين الرد والتحية واجبة والزيادة مندوبة ولا يعد نحو صبحك الله بالخير أو قواك الله أو مرحبا أو أهلا وسهلا أو نحو ذلك مما هو شائع في أيامنا لا يعد ذلك تحية شرعية ولا يستحق قائله جوابا والدعاء له بنظيره حسن إلا أن يقصد بإهماله له تأديبه لتركه سنة السلام ثالثا واستثنى ممن يسلم عليهم ١ - الكافر فلا يسلم عليه ابتداء لقوله ﷺ لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه ورخص بعض العلماء ابتداء أهل الكتاب بالسلام إذا دعت إليه داعية ونصوا على جواز الدعاء لهم بطول البقاء ولو سلم يهودي أو نصراني أو مجوسي فلا بأس بالرد عليه لكن لا يزيد في الجواب على قوله وعليك وإذا سلم على رجل ظنه مسلما فبان كافرا استحب أن يرد سلامه فيقول رد علي سلامي والمقصود من ذلك أن يوحشه ٢ - والفاسق لا يسلم عليه عند الجمهور بل يسن تركه على مجاهر بفسقه قال النووي إلا أن خاف ترتب مفسدة في دين أو دنيا إن لم يسلم ولا يجب رد سلام الفاسق زجرا له ولغيره ٣ - ولا يسلم الرجل على المرأة الشابة الأجنبية ويحرم عليها ابتداؤه ويكره له رد سلامها والفرق أن ردها يطمعه فيها أكثر بخلاف رده عليها ويدخل في المسنون سلام امرأة على امرأة وسلام محرم عليها وسلام الرجل على عجوز لا تشتهى وقال بعضهم لا يسلم الرجل على النساء مطلقا إذا لم يكن منهن ذات محرم ٤ - ولا يسلم على المشتغل بالأكل حال مضغه وبلعه ويشرع قبل وضع اللقمة في الفم إذا علم أن ذلك لا يؤذيه ٥ - ولا على مشتغل بجماع

стр. 1027

٦ - ولا على من كان في الخلاء ٧ - أو في الحمام ٨ - أو كان نائما ٩ - أو مصليا ١٠ - أو مؤذنا ١١ - أو مستمعا للخطبة ١٢ - أو في درس العلم ١٣ - أو مكشوف العورة ١٤ - أو معه امرأة شابة ١٥ - ولا يسلم الخصم على القاضي ولو سلم على هؤلاء لا يستحق الرد رابعا والبدء بالسلام مطلوب من الداخل على أهل المنزل لأنه هو الذي يتوقع منه الشر فإذا ابتدأ بالسلام أمن منه ذلك وأنس إليه ويشبهه القادم على الجالس والمار على القاعد والراكب على الماشي فإذا لم توجد هذه الأوصاف كأن حصل التساوي مشيا أو ركوبا طلب من المفضول بنوع ما إن يبدأ الفاضل من باب معرفة حق الفاضل وتوقيره والتواضع له فالصغير يسلم على الكبير والقليل يبدأ الكثير ولو تزاحمت جهات البداءة بالسلام كأن مر كبير على صغير فالمعتبر المرور كما قال النووي فالوارد يبدأ سواء كان صغيرا أم كبيرا ولو استوى المتلاقيان كأن كانا ماشيين أو راكبين وقد استويا في السن بدأ الأدنى منهما الأعلى قدرا في العلم أو الدين ولا ينظر إلى أعلاهما قدرا من جهة الدنيا إلا أن يكون سلطانا يخشى منه فإن استويا في القدر كذلك فكل منهما مأمور بالابتداء وخيرهما الذي يبدأ بالسلام فإن سلم كل على الآخر مرتبا كان الثاني جوابا فإن سلم كل على الآخر معا لزم كلا منهما الرد قال بعضهم إن هذه المناسبات لم تنصب منصب العلل

стр. 1028

الواجبة الاعتبار حتى لا يجوز أن يعدل عنها فلو ابتدأ الماشي فسلم على الراكب لم يمتنع لأنه ممتثل للأمر بإظهار السلام وإفشائه غير أن مراعاة ما ثبت في الحديث أولى لأنه دال على الاستحباب ولا يلزم من ترك المستحب الكراهة بل يكون خلاف الأولى فلو لم يسلم المأمور بالابتداء فبدأه الآخر كان الأولى تاركا المستحب والآخر فاعلا للسنة خامسا ومن المسائل المتفرقة التي تتعلق بالسلام ١ - أنه يشرع التسليم على الصبيان فإن النبي ﷺ كان يفعله إذ فيه تدريب لهم على تعلم السنة ورياضة لهم على آداب الشريعة ليبلغوا متأدبين بآدابها هذا إذا لم يكن الصبي وضيئا يخشى منه الافتتان ولو سلم الصبي على البالغ وجب عليه الرد على الصحيح ٢ - والتسليم بالإشارة وحدها لا يكفي حيث أمكن النطق والسماع بل ورد الزجر عنه في حديث "لا تشبهوا باليهود والنصارى فإن تسليم اليهود الإشارة وتسليم النصارى بالأكف" وتكفي من الأخرس الإشارة والظاهر أنها تكفي وحدها مع البعد الذي لا يبلغه الصوت ويجب في الرد على الأصم الجمع بين اللفظ والإشارة ولو أتى بالسلام بغير اللفظ العربي جاز وهو -مع القدرة على العربي- من باب ترك المستحب وليس بمكروه وفي استحقاقه الجواب خلاف ٣ - والمصافحة بأخذ اليد باليد سنة مجمع عليها عند التلاقي لأنها مما يولد المحبة ومن تمامها أخذ الكف بين الكفين ومن آدابها ألا ينزع يده حتى يكون البادئ بها هو الذي ينزع يده ولا يصرف وجهه حتى يكون هو الذي يصرفه ويستثنى من المصافحة المرأة الأجنبية والأمرد الحسن ٤ - قال ابن بطال اختلف الناس في المعانقة والتقبيل فكرههما مالك لما رواه الترمذي "قلنا يا رسول الله أينحني بعضنا لبعض قال لا قلنا أفيقبل بعضنا بعضا قال لا قلنا أفيصافح بعضنا بعضا

стр. 1029

قال نعم" والجمهور على أنهما لا بأس بهما عند القدوم من السفر ٥ - وأفتى البعض بكراهة الانحناء بالرأس أو الظهر وتقبيل الرأس أو اليد ولا سيما لنحو غني. وندب ذلك لنحو صلاح أو علم أو شرف لأن أبا عبيدة قبل يد عمر ﵄ وأنكر مالك تقبيل اليد وأنكر ما ورد فيه وهو محمول على ما إذا كان على وجه التكبر ٦ - والقيام على وجه البر والإكرام جائز ولا ينبغي لمن يقام له مهما كان كبيرا أن يعتقد استحقاقه لذلك حتى إن ترك القيام له حنق أو عاتب أو شكا -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - مشروعية السلام ٢ - ما ينبغي للكبير من التقدير والإجلال والدعاء بالذكر الجميل ٣ - حرص الإسلام على التآلف والتعاطف بين أفراده.

стр. 1030

كتاب الرقاق الرقاق بكسر الراء جمع رقيقة وفي بعض الكتب كتاب الرقائق والمعنى واحد قال الراغب متى كانت الرقة في جسم فضدها الصفاقة كثوب رفيق وثوب صفيق ومتى كانت في نفس فضدها القسوة كرقيق القلب وقاسيه سميت الأحاديث المذكورة في هذا الكتاب بذلك لما فيها من الوعظ والتنبيه الذي يجعل القلب رقيقا فكأنه قال كتاب الكلمات المرققة للقلوب ٥٣ - عن ابن عباس ﵄ قال قال النبي ﷺ "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ" -[المعنى العام]- يدعو الرسول إلى المثابرة في عمل الدنيا والآخرة فيقول نعمتان لا يقدرهما كثير من الناس حق قدرها ولا ينظر في عاقبتهما حتى يخسرهما هما الصحة التي يتمتع بها والفراغ الذي يضيعه وقد كان يستطيع أن يستغل صحته وفراغه في طاعة ربه -[المباحث العربية]- (نعمتان) تثنية نعمة وهي الحالة الحسنة وقيل هي الفعلة على جهة الإحسان إلى الغير

стр. 1031

(مغبون فيهما كثير من الناس) إما مشتق من الغبن بسكون الباء وهو النقص في البيع وإما من الغبن بفتح الباء وهو النقص في الرأي فكأنه قال هذان الأمران إذا لم يستعملا فيما ينبغي فقد غبن صاحبهما أي باعهما ببخس لا تحمد عقباه أو ليس له في ذلك رأي و"كثير" مرفوع بالابتداء و"مغبون" خبر مقدم والجملة خبر "نعمتان" (الصحة والفراغ) خبر مبتدأ محذوف تقديره هما الصحة والفراغ والجملة استئناف لبيان النعمتين ففيه التفصيل بعد الإجمال -[فقه الحديث]- يرمي الحديث إلى التشمير والجد والعمل والحرص على النعمة والاستفادة منها واختار من النعم التي لا تحصى نعمتين خصهما من بينها لعظم فائدتهما وكثرة الغافلين عن استغلالهما بأنك لا تكاد ترى من يذكر الصحة إلا من فقدها حتى قال بعضهم الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى كما أن كثيرا من الناس لا يحسب للزمن حسابا فيقطعه في اللهو ويستكثر الفراغ ويؤخر الهام من الأمور إلى الغد وهو لا يدري أن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم موجود غدا وأن الأيام التي تمر محسوبة من العمر المحدود وكان الرسول في هذا الحديث يقول الصحة والفراغ إن لم يستعملا فيما ينبغي فقد غبن صاحبهما فيهما أي باعهما ببخس لا تحمد عاقبته فإن الإنسان إذا لم يعمل الطاعة في زمن صحته ففي زمن المرض من باب أولى وكذلك شأنه في الفراغ أيضا وقد يكون الإنسان صحيحا ولا يكون متفرغا للعبادة لانشغاله بالمعاش وبالعكس فإذا تهيأ للعبد الصحة والفراغ وقصر في نيل الفضائل فذلك هو الغبن كل الغبن لأن الدنيا سوق الأرباح وتجارة الآخرة فمن استغل فراغه وصحته في طاعة مولاه فهو المغبوط ومن استعملها في معصيته فهو المغبون لأن الفراغ يعقبه الشغل والصحة يعقبها السقم قال ﷺ "أغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك"

стр. 1032

-[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - أن الصحة والفراغ من النعم العظيمة التي يمكن أن تعود بالنفع الأكبر على الإنسان ٢ - أن الغافلين عن استغلال النعم فيما وضعت له كثير قال تعالى ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ ٣ - الحث على الاستفادة من الصحة قبل المرض ومن الفراغ قبل الانشغال. ٥٤ - عن ابن عباس ﵄ قال سمعت النبي ﷺ يقول "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب" -[المعنى العام]- طبع الله الإنسان على حب المال والسعي في طلبه وعدم الشبع منه حتى لو ملك جبلا من ذهب لتمنى جبلا ثانيا ولو ملك جبلين من ذهب وفضة لتمنى ثالثا وهكذا لا يقنع حتى يموت ويدفن وحتى يمتلئ فمه وعيناه وجوفه بعد الفناء بالتراب وخير الناس من عصمه الله من هذا الشر ورزقه غنى النفس وجعل دنياه في يده لا قلبه وإن خير الناس من إذا أعطي الدنيا جعلها وسيلة للآخرة وقال كما قال عمر حينما صبت أمامه كنوز

стр. 1033

كسرى اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينته لنا اللهم الهمنا الرضا وارزقنا أن ننفقه فيما يرضيك يا رب العالمين -[المباحث العربية]- (لو كان لابن آدم واديان) تثنية واد وهو كل منفرج بين جبال أو آكام وهو منفذ السيل وفي رواية "لو كان لابن آدم مثل واد مالا" وفي أخرى "لو أن ابن آدم أعطي واديا" وفي أخرى "لو أن لابن آدم واديين" قال الشرقاوي وهنا نكتة دقيقة فإنه ذكر ابن آدم ولم يقل لو كان للإنسان تلويحا إلى أنه مخلوق من التراب ومن طبعه القبض واليبس فيمكن إزالته بأن يمطر الله عليه توفيقه فيثمر حينئذ الخلال الزكية (من مال) وفي رواية "من ذهب" وفي أخرى "من ذهب وفضة" (لابتغى) أي لطلب وفي رواية "لأحب أن له إليه مثله" وفي أخرى لتمنى مثله ثم تمنى حتى يتمنى أودية (ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) وقعت هذه الجملة موقع التذييل والتقرير للكلام السابق كأنه قيل لا يشبع من خلق من التراب إلا بالتراب وفي رواية "ولا يملأ عين ابن آدم" وفي أخرى "ولا يسد جوف ابن آدم" وفي أخرى "ولن يملأ فا ابن آدم" قال الكرماني ليس المقصود من هذه التعبيرات الحقيقة بل هو كناية عن الموت لأنه مستلزم للامتلاء فكأنه قال لا يشبع من الدنيا حتى يموت فالغرض من العبارات كلها واحد وليس فيها إلا التفنن في الكلام قال الحافظ وهذا يحسن فيما إذا اختلفت مخارج الحديث وأما إذا اتحدت فهو من تصرف الرواة وقال بعضهم إن نسبة الامتلاء إلى الجوف والبطن واضحة أما نسبته إلى النفس التي عبر بها عن الذات وأريد منها البطن فمن قبيل إطلاق الكل وإرادة الجزء وأما نسبته إلى الفم فلكونه الطريق الموصل إلى الجوف وأما نسبته إلى العين فلأنها الأصل في الطلب لأنه يرى ما يعجبه فيطلبه ليحوزه وخص البطن في أكثر الروايات لأن أكثر ما يطلب المال لتحصيل المستلذات وأكثرها تكرار للأكل والشراب

стр. 1034

(ويتوب الله على من تاب) وقعت هذه الجملة موقع الاستدراك فكأنه قال حب المال جبل في الإنسان ولكن يمكن تهذيبه بتوفيق الله لمن يريد له ذلك -[فقه الحديث]- في معنى هذا الحديث يقول الله تعالى ﴿ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر﴾ حيث فسر كثير من المفسرين زيارة القبور بالموت يعني شغلكم التكاثر في الأموال إلى أن متم والمراد ذم الحرص على الدنيا والشره نعم جبل الإنسان على حب المال والسعي في طلبه وعدم الشبع منه لكنه مأمور بمخالفة طبعه وموافقة شرعه ولهذا كانت هذه الجبلة مذمومة جارية مجرى الذنب وجعل التخلص منها أو الحد من طغيانها رجوعا إلى الله وإلى شرعته ولا يفهم من هذا أن الإسلام يدعو أبناءه إلى الفقر والخمول ويباعد بينهم وبين السعي ويقصر هممهم عن بلوغ قمة الحياة فالإسلام الذي خرج بالبدو من العصا والعنز إلى قصور وكنوز كسرى وقيصر أبعد ما يكون عن هذا الفهم القاصر ولكنه يحذر من أن يأكل أهله التراث أكلا لما ومن أن يحبوا المال حبا جما يعميهم عن تخير مصدره ويطغيهم عن إحسان مصرفه يحذر من أن تستولي فكر المال على كل أهدافنا فلا نسعى إلا له ولا نفكر فيما بعده يوضح أن هذه الشهوات للقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ينبغي ألا يشغلنا عن حقوق الله وعن حقوق الناس وعما ينتظرنا في الدار الآخرة من جزاء فما هذه الشهوات إلا متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن الثواب ومن أجل هذا يلوح الحديث إلى المبدأ والنهاية بذكر التراب وبتذكيرنا بأننا أبناء آدم الذي خلق من التراب يدعونا إلى غنى النفس قل المال أو كثر وينأى بنا عن خسة بعض المتمولين فقراء النفس الذين هم لشدة شرههم وحرصهم على جمع المال يحسون بأنهم فقراء يأكلون ولا يشبعون بل كلما ازدادوا أكلا ازدادوا جوعا

стр. 1035

-[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - أن حب المال وعدم الشبع منه جبلى في الإنسان ٢ - ذم هذه الصفة والحث على تهذيبها وتقويمها ٣ - التحول إلى المصالح وطلب توفيق الله لتقويم المعوج من الطباع. ٥٥ - عن عبد الله ﵁ قال قال النبي ﷺ "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله" قالوا يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه قال "فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر" -[المعنى العام]- يحث الرسول ﷺ على تقديم ما يمكن تقديمه من المال في وجوه القربات لينتفع به في الآخرة فيسأل أصحابه من منكم يحب مال وارثه أكثر من ماله فيجيبون لا أحد منا إلا وهو يحب ماله أكثر من حبه لمال وارثه فيقول ﷺ إنما المال الذي يصح أن ينسب إليكم في حياتكم ومماتكم ويستدعي محبتكم هو ما أنفقتموه في الخيرات وقدمتموه في سبيل الله فإنه هو الذي ينفعكم نفعا أبديا أما ما تدخرونه وتحرمون أنفسكم من

стр. 1036

التمتع الحلال به حتى تموتوا عنه فليس في الحقيقة مالا لكم وإنما هو مال ورثتكم فمن كان ماله أحب إليه من مال وارثه فليقدم ومن كان مال وارثه أحب إليه فليؤخر -[المباحث العربية]- (عبد الله) بن مسعود كما مر في الحديث ٤٩ (أيكم مال وارثه أحب إليه) أي مبتدأ ومال مبتدأ ثان و"أحب" خبر الثاني والجملة خبر أي والمراد بالاستفهام تقريرهم بما جبل عليه الإنسان من حب مال النفس ليبني عليه ﷺ ما يريد بيانه لهم زيادة في الإيضاح والمراد من المحبة لازمها من الحرص وعدم التفريط (فإن ماله ما قدم) الفاء أفصحت عن شرط مقدر أي إذا كان الأمر كذلك فإن ماله ما قدم وعائد الصلة مفعول "قدم" المحذوف والمراد من التقديم الإنفاق في وجوه الخيرات (ومال وارثه) نسبة المال إلى المورث في دنياه حقيقة ونسبته إلى الوارث حينئذ مجاز باعتبار المال و (مال) بالنصب عطفا على اسم إن وبالرفع على الابتداء -[فقه الحديث]- مال الإنسان باعتبار الانتفاع به على ثلاثة أنواع لأنه إما أن ينفقه في الملاذ والشهوات بطريق الإسراف والتبذير فلا ينبغي أن يقال إنه ماله بل الأولى أن يقال إنه مال الشيطان وإما أن ينفقه في وجوه الخيرات من الصدقة والبر والحج وفك العاني ونحوها فهذا هو الجدير بأن يطلق عليه أنه ماله حقيقة بل هو جدير بأن يقال عنه أنه حفظه بدلا من أن يقال إنه أنفقه قال تعالى ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾ وإما أن يكنزه ويدخره ويشح به ولا يؤدي حق الله فيه حتى يموت عنه ويتركه لورثته فلا ينبغي أن يقال إنه ماله بل هو مال وارثه وكل ماله فيه الكد والتعب والجمع

стр. 1037

دون الانتفاع لأن الوارث إن صرفه في وجوه الخير فالمنفعة له لا للمورث وإن صرفه في معصية فلا فائدة للمورث من باب أولى إن سلم من تبعته ولا يعارض هذا ما رواه الشيخان من قوله ﷺ لسعد "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة" لأن سعدا أراد أن يتصدق بماله كله في مرضه وكان وارثه بنتا ولا طاقة لها على الكسب فأمره أن يتصدق منه بثلثه ويكون باقيه لابنته وبيت المال وحديث الباب إنما خاطب به أصحابه في صحتهم ليحرضهم على تقديم شيء من مالهم لينفعهم يوم القيامة فكأنه طلب من المؤمن في هذين الحديثين أن يراعي مصلحة نفسه ومصلحة وارثه فلا يبذل كل ماله ولا يبخل بكل ماله بل يكون وسطا كما قال تعالى ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا﴾ -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - مراعاة مقتضى الحال وسؤال المخاطب وتقريره ليبني عليه الجواب ٢ - بيان جبلة الإنسان في حبه لنفسه فوق حبه لأولاده ٣ - الدعوة إلى البذل والإنفاق في وجوه الخير قبل أن يرحل عن المال ويتركه للغير.

стр. 1038

٥٦ - عن أبي موسى ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان فالنجا النجاء فأطاعته طائفة فأدلجوا على مهلهم فنجوا وكذبته طائفة فصبحهم الجيش فاجتاحهم" -[المعنى العام]- يرغب الرسول ﷺ في الإيمان به وتصديقه وإطاعته في كل ما جاء به عن ربه ويحذر من عصيانه وتكذيبه ومن ضرر مخالفته فيشبه حاله وحال ما جاء به ومن جاء إليهم بحال رجل تحقق عنده جيش العدو تحقق العيان وهو حريص على خير قومه راغب في إبعادهم عن كل مكروه فأقبل ينصحهم باتخاذ وسائل الهرب والنجاة مما لا قبل لهم بمواجهته فمن خاف العدو فسار ليلا سيرا لا ضرر معه ولا إزعاج فإنه ينجو من الهلاك والاجتياح وأما من تقاعس عن الهرب واشتغل بالملاذ حتى أدركه جيش الأعداء فإنه لا محالة هالك هلاكا يفوق كل تشف وكل انتقام وهكذا حال رسول الإسلام مع أمته بين لهم ما فيه خيرهم وما فيه هلاكهم فمن صدقه واستقام على شرعة الله السهلة التي لا مشقة فيها ولا إرهاق نجا من عذاب الله وفاز بالسعادة الأبدية والنعيم المقيم ومن كذبه وعصاه وطغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى -[المباحث العربية]- (مثلي) المثل بفتحتين هو الصفة العجيبة الشأن يوردها البليغ على سبيل التشبيه لإرادة التقريب والتفهيم (ومثل ما بعثني الله به) في بعض النسخ حذف العائد (أتى قوما) التنكير للشيوع (رأيت الجيش) أل للعهد والمراد الجيش المعهود عداوته للمخاطبين

стр. 1039

(بعيني) بالتثنية وفي رواية بالإفراد والغرض من ذكره الإرشاد إلى أنه تحقق عنده جميع ما أخبر به تحقق من رأى شيئا بعينه لا يعتريه وهم ولا يخالطه شك (وأنا النذير العريان) النذير المنذر والعريان بضم العين الذي تجرد عن ثيابه قال الطيبي في كلامه تأكيدات (١) قوله بعيني (٢) "وإني أنا" (٣) قوله "العريان" لأنه للغاية في قرب العدو ولأنه الذي يختص في إنذاره بالصدق والنذير العريان مثل قديم والأصل فيه أن رجلا لقي جيشا فأسروه وسلبوه وجردوه من ملابسه فانقلب إلى قومه فقال إني رأيت الجيش بعيني إني أنا النذير لكم وترونني عريانا إذ جردوني من ملابسي فتحققوا صدقه لأنهم كانوا يعرفونه ولا يتهمونه في النصيحة ولم تجر عادته بالتعري فالتحقق من صدق النذير المشبه به نتيجة لهذه القرائن والتحقق من صدق الرسول ﷺ بما أظهره الله على يده من المعجزة القاطعة بصدقه قال العيني وتنزيل الحديث على هذه القصة بعيد والأنسب لأن يتمثل به النبي ﷺ هو ما كان من عادة العرب من أن الرجل إذا رأى غارة فاجأت قومه وأراد أن يعلمهم يتعرى من ثيابه ليشير بها أنه فاجأهم أمر ثم صار مثلا لكل منذر مما يخاف مفاجأته ويؤيد هذا ما رواه أحمد "خرج النبي ﷺ ذات يوم فنادى ثلاث مرات أيها الناس مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا أن يأتيهم فبعثوا رجلا يتراءى لهم فبينما هم كذلك إذ أبصر العدو فأقبل ليذكر قومه فخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه فأهوى بثوبه أيها الناس أوتيتم (ثلاث مرات) (فالنجاء النجاء) روي بالهمزة فيهما وبالقصر فيهما وبمد الأولى وقصر الثانية تخفيفا وروي بتاء التأنيث والنصب في الكل على الإغراء أي اطلبوا النجاة بأن تسرعوا بالهرب فإنكم لا تطيقون مقاومته والتكرير للتأكيد والفاء فصيحة في جواب شرط مقدر أي إذا صدقتموني فاطلبوا النجاة (فأطاعته طائفة) الفاء لترتيب الإطاعة على القول وفي رواية "فأطاعة طائفة" بتذكير الفعل لأن الطائفة بعض القوم

стр. 1040

(فأدلجوا) أي ساروا أول الليل أو كله (على مهلهم) بفتح الهاء الأولى وبسكونها وهو السكينة والتؤدة والرفق (وكذبته طائفة) كان الظاهر أن يقول "وعصته" ليقابل "فأطاعته" أو يقول فصدقته بدل "فأطاعته" ليقابل "كذبته" ولكنه عدل عن ذلك ليفيد أن النجاة موقوفة على الطاعة ولا يكفي فيها التصديق مع العصيان وإن الاجتياح الذي هو الإهلاك والاستئصال إنما يتناسب مع التكذيب ويكفي لحصوله التكذيب وحده وإن وجدت معه طاعة ظاهرية كحال المنافقين وقال الطيبي عبر في الأولى بالطاعة وفي الثانية بالتكذيب ليؤذن بأن الطاعة مسبوقة بالتصديق ويشعر بأن التكذيب مستتبع للعصيان (فصبحهم الجيش) أصله أتاهم صباحا ثم كثر استعماله حتى استعمل فيمن طرق بغته ولو في غير الصباح شبه الرسول حاله وحال ما جاء به وحال المبعوث إليهم شبه هذه الصفة كلها بصفة رجل مقطوع بصدقه جاء ينصح قومه بما ينفعهم وينجيهم من هلاك ودمار على يد جيش لا قبل لهم به فصدقه جماعة فاتخذوا وسائل النجاة فنجوا وكذبه آخرون فتقاعسوا حتى أدركهم العدو فأبادهم -[فقه الحديث]- أفاد هذا الحديث ١ - وجوب المبادرة بالاعتصام بحبل الله والإيمان بالرسول وطاعته والانتهاء عن المعاصي لتحقق النجاة للمرء من عذاب الله ٢ - فضل الرسول ﷺ على أمته إذ هداهم إلى الله وأنار لهم السبيل وبصرهم بالعواقب وأنذرهم عذاب يوم كبير ٣ - ضرب الأمثال تقريبا لإفهام المخاطبين بما يألفونه ويعرفونه.

стр. 1041

٥٧ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه" -[المعنى العام]- طبع الإنسان على حب المال والطمع فيه وعدم الوقوف منه عند حد وطبع على النظر إلى ما في يد الغير والرغبة فيه لكنه مأمور بتهذيب هذا الطبع وتقويمه بما يوافق الشرع فإذا نظر إلى من فضل عليه في المال أو الجاه أو الأولاد أو الأتباع أو غير ذلك من متاع الحياة الدنيا فليتبع هذه النظرة بنظرة إلى من هو أقل منه في ذلك فهو أجدر ألا يتحسر وألا يعيش في هم ونكد وأجدر ألا يزدري نعمة الله تعالى عليه -[المباحث العربية]- (من فضل عليه) بالبناء للمجهول أي فضله الله عليه بأن أعطاه أكثر منه

стр. 1042

(والخلق) بفتح الخاء وسكون اللام الخلقة والصورة وقد يراد به المخلوق فيشمل الأولاد والأتباع وكل ما يتعلق بزينة الحياة الدنيا (إلى من هو أسفل) "هو" مبتدأ و"أسفل" خبره والجملة صلة "من" ويجوز في "أسفل" الرفع على الخبرية والنصب على الظرفية فيتعلق بمحذوف هو الخبر وهو في الأصل صفة لظرف محذوف والتقدير هو كائن في مكان أسفل منه قال تعالى ﴿والركب أسفل منكم﴾ -[فقه الحديث]- يوجهنا الحديث إلى وسائل الرضا والسعادة النفسية ومحاربة التحسر والجزع والهم والنكد ولا شك أن الشخص إذا نظر إلى من هو فوقه لم يأمن أن يؤثر ذلك فيه أسى وحسرة فدواؤه أن ينظر إلى من هو أسفل منه ليكون في ذلك شعور بأن نعمة الله وصلت إليه فوق كثير من الناس فيعظم اغتباطه ويشكر وكل إنسان في حالة خسيسة من الدنيا يجد من أهلها من هو أخس حالا منه وتقييد التفضيل بالمال والخلق للاحتراز عن التفضيل بالعلم والتقوى فإنه ينبغي للمرء أن ينظر إلى من فضل بشيء من ذلك ليستصغر حال نفسه فيطلب اللحاق به فيكون أبدا في زيادة تقربه من ربه فقد روى الترمذي "خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرا صابرا ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله شاكرا ولا صابرا من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به ومن نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به عليه كتبه الله شاكرا صابرا ومن نظر في دينه إلى من هو دونه ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فآسف على ما فاته لم يكتبه الله شاكرا ولا صابرا" وأخرج الحاكم والبيهقي "أقلوا الدخول على الأغنياء فإنه أحرى ألا تزدروا نعمة الله " ومن رواية الترمذي والبيهقي تتبين علة الأمر بالنظر إلى من هو دوننا في المال وإنها خوف الأسف على ما فات وازدراء نعمة الله ولا يبعث الحديث على الكسل في طلب الرزق ولا يمنع من التأسي بالعاملين للوصول إلى حالة أفضل إنما يطلب أن يأخذ الإنسان في

стр. 1043

الأسباب ثم يحمد الله على ما رزق ولا يحزن على ما فقد ولا يكون نظره إلى من هو أعلى منه في المال باعثا له على التكالب عليه وعلى جمعه من الحل وغير الحل تاركا بذلك حرث الآخرة ومضيعا حق الله فيما جمع -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - جواز النظر إلى من فضل على الإنسان في المال ليبعثه ذلك إلى الجد والسعي على أن ينظر لمن هو دونه ليشكر على ما هو فيه ٢ - وأنه لا يكون أحد على حال سيئة من الدنيا إلا وجد من أهلها من هو أسوأ حالا منه ٣ - وأن الشكر على النعم واجب مهما صغرت هذه النعم بالنسبة لغيرها ٤ - وأن الرضا النفسي بما قسم الله هو الغنى الحقيقي وهو المحصل للسعادة الروحية. ٥٨ - عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ "تحشرون حفاة عراة غرلا" قالت عائشة فقلت يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض فقال "الأمر أشد من أن يهمهم ذاك" -[المعنى العام]- يحدث الرسول ﷺ أصحابه عن الحشر بعد البعث من القبور فيقول

стр. 1044

تحشرون إلى الموقف عارية أقدامكم لا يسترها خف ولا تعتمد على نعل عارية أجسامكم لا يخفي عورتكم إزار ولا رداء ويعود إلى أعضائكم ما قطع منها في الدنيا حتى ما يقطعه الخائن وكان في القوم عائشة فتعجبت من هذا الوصف وبما طبع في نفسها من استقباح كشف العورة واستنكار النظر إليها قالت يا رسول الله كيف يحشر الرجال والنساء جميعا وكيف ينظر بعضهم إلى سوأة بعض وأجابها رسول الله اطمئني يا عائشة نعم يحشر الرجال والنساء جميعا عراة ولكنهم لا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض لهول ما هم فيه ﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ -[المباحث العربية]- (تحشرون) الخطاب للصحابة ومن على شاكلتهم في الإنسانية والحشر إخراج الجماعة عن مقرهم وإزعاجهم عنه ولا يقال الحشر إلا في الجماعة والحشر منه ما هو في الدنيا كحشر جنود سليمان وحشر يهود بني قريظة إلى خيبر ومنه ما هو في الآخرة وهو سوق الأموات من قبورهم بعد البعث إلى الموقف وهذا هو المراد في الحديث (حفاة) أي بلا نعل ولا خف ولا شيء يستر أرجلهم (عراة) جمع عار أي بلا شيء يستر عورتهم (غرلا) بضم الغين وسكون الراء جمع أغرل وهو الأقلف الذي لم يختن والمقصود أنهم يحشرون كما خلقوا أول مرة ويعادون كما كانوا في الابتداء لا يفقد منهم شيء حتى الغرلة وهي ما يقطعه الخاتن من ذكر الصبي (الرجال والنساء) الكلام على تقدير الاستفهام والرجال مبتدأ والخبر محذوف والتقدير هل الرجال والنساء يحشرون جميعا (ينظر بعضهم إلى بعض) الجملة حالية أو هي خبر الرجال وفي الكلام مضاف محذوف أي سوأة بعض كما جاء في رواية أخرى "فقالت

стр. 1045

وأسواتاه الرجال والنساء يحشرون جميعا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض (الأمر أشد) أي أمر القيامة وأهوال المحشر أشد (من أن يهمهم ذلك) بضم الياء من أهم الرباعي أي يشغلهم وبفتح الياء من همه الشيء إذا أذاه قال ابن حجر والأول أولى والإشارة إلى نظر بعضهم إلى سوأة بعض -[فقه الحديث]- وصفت أحاديث أخرى أرض المحشر بأنها ستكون بيضاء كأنها الفضة لم يسفك عليها دم حرام ولم يعمل فوقها خطيئة مستوية لا حدب فيها يرد البصر ولا بناء يستر ما وراءه ولا علامة يعلمها بها أحد ويصف هذا الحديث أهل المحشر بأنهم سيكونون حفاة عراة ولكل واحد ما كان له من الأعضاء يوم ولد فمن قطع عنه شيء رد إليه وقد تعارض ظاهر هذا الحديث مع حديثين أحدهما رواه أبو داود وصححه ابن حبان عن أبي سعيد أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها وقال سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها" وجمع بينهما بأنهم يخرجون من قبورهم بثيابهم التي دفنوا فيها ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر فيحشرون عراة وقيل في الجمع أن بعضهم يحشر عاريا وبعضهم كاسيا وهذا القول ليس بشيء وحمل بعضهم قول الرسول في حديث أبي سعيد "إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها" حمله بعضهم على العمل أخذا من قوله تعالى ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾ وثانيهما يفهم من قوله "حفاة" أنهم سيكونون مشاة وهذا صرح به في رواية وهذا يتعارض مع ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال "يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير" وجمع الكرماني فقال هذا الحشر في آخر الدنيا قبيل القيامة والتعبير بالاعتقاب

стр. 1046

على الإبل مجاز عن الحرص على الفرار والهرب من النار التي يبعثها الله عليهم يؤيد ذلك ما رواه الترمذي والنسائي عن النبي ﷺ أنه قال "إنكم تحشرون ونحا بيده نحو الشام رجالا وركبانا وتحشرون على وجوهكم" وعندي أنه يحتمل أن تكون هذه النار مجازا عما يخترعه العالم المتمدن من أسلحة الدمار والخرابمن القنابل الذرية والصواريخ الموجهة وأن هذا الحشر سيكون عبارة عن هجر الناس من المناطق المهدمة إلى مناطق نائية حتى يأتيهم أمر الله وإشارة الرسول نحو الشام ليست نصا في جعله أرض الهجرة والحشر -[ويؤخذ من الحديث فوق صفة الحشر السابقة: ]- ١ - أن أهوال الآخرة شديدة تشغل الناس عن كل ما يشتهون ٢ - أن النظر إلى العورة مستقبح وحرام ٣ - مراجعة المستمع للعالم إذا أشكل عليه الخبر. ٥٩ - عن النعمان بن بشير ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول "إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة رجل على أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل والقمقم"

стр. 1047

-[المعنى العام]- يحذر الرسول ﷺ العصاة بصفة عامة والمشركين بصفة خاصة من عذاب النار وشدته وبالغ أثره فيقول إن أخف أهل النار عذابا يوم القيامة رجل يقف في نار تبلغ الكعبين فكأنه يلبس نعلين من نار وأهون منه رجل يوضع تحت باطن قدميه الذي لا يصل إلى الأرض عند المشي جمرتان من نار يغلي منهما دماغه ويفور كما يغلي القدر بالماء فيقول الله ﵎ له لو أنك لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به فيقول نعم فيقول أردت منك أهون من هذا ألا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي -[المباحث العربية]- (رجل يوضع على أخمص قدميه جمرتان) الأخمص بفتح الهمزة والميم وقد تضم الميم ما لا يصل إلى الأرض من باطن القدم وعبر هنا بعلى من أن الجمرة تكون تحت القدم للإشارة إلى تمكن الجمرة من قدمه كتمكن المستعلي من المستعلى عليه وقد وقع في بعض الروايات "رجل توضع في أخمص قدميه جمرة" بالإفراد فيحتمل أن يكون الاقتصار على الجمرة للدلالة على الأخرى لعلم السامع بها بقرينة القدمين كما إذا قلت ضربت ظهر ترسيهما فإنه لا بد من إرادة الظهرين (كما يغلي المرجل والقمقم) المرجل بكسر الميم وفتح الجيم قدر من نحاس والقمقم بضم القافين إناء من نحاس ضيق الرأس له عروتان غالبا يسخن فيه الماء ويستقى به وهذه الرواية بواو العطف لا أشكال فيها إذ المقصود تشبيه غليان رأسه بغليان هذين الإناءين وكذلك جاء في رواية بلفظ "أو" بدل الواو فهي على الشك من الراوي أو على إرادة التنويع في التشبيه أي لك أن تشبه الرأس بالمرجل ولك أن تشبهه بالقمقم لكن المشكل رواية "كما يغلي المرجل بالقمقم" الذي هو إناء آخر وأجاب بعضهم عن هذا الإشكال بجعل الباء بمعنى مع وجوز بعضهم أن تكون

стр. 1048

الرواية "بالقمقم" بكسر القافين وهو يابس البسر ويكون المعنى يغلي منهما دماغه كما يغلي القدر بالبسر اليابس ويكون قد شبه تحرك أجزاء رأسه الداخلة بتحرك البسر في الماء عند الغليان -[فقه الحديث]- قال الحافظ ابن حجر وقع التصريح بأن المراد من الرجل أبو طالب في حديث ابن عباس عند مسلم ولفظه "إن أهون أهل النار عذابا أبو طالب" وسبب ذلك كما قال بعض العلماء أنه دافع عن الرسول ﷺ وعرض نفسه لمن أراد الرسول بسوء وكان يمدح ما جاء به إلا أنه كان يخشى العار إذا فارق ما كان عليه آباؤه مثبتا قدمه على ملتهم حتى قال عند الموت إنه على ملة عبد المطلب فهون الله عليه العذاب نظرا لقوة دفاعه عن النبي ﷺ في أيام ضعفه وسلط العذاب على قدميه خاصة لتثبيته إياهما على ملة آبائه من باب مشاكلة الجزاء للعمل واعترض هذا القول بأن حسنات الكفار تصير بعد الموت هباء منثورا ولهذا قيل إن التخفيف على أبي طالب بسبب شفاعة النبي ﷺ له فقد روى البخاري أنه ﷺ ذكر عنده عمه أبو طالب فقال لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه أم دماغه نعم يشكل عليه "فما تنفعهم شافعة الشافعين" وأجيب بأنه خصوصية لأبي طالب والنبي ﷺ ويفهم من هذا أن المراد من أهل النار ملازموها وهم الكفار ولا يشمل مرتكبي الكبائر من المؤمنين يدل لذلك ما رواه البخاري "أن الله يقول لأهون أهل النار أردت منك أهون من هذا أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي" -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - شدة عذاب النار ٢ - أن المعذبين به من الكفار ليسوا في درجة واحدة

стр. 1049

٣ - تحذير العصاة والكافرين من هول هذا العذاب ليبتعدوا عما يؤدي إليه.

стр. 1050

كتاب الفرائض الفرائض جمع فريضة بمعنى مفروضة وهي في الأصل مشتقة من الفرض وهو القطع والتقدير وخصت المواريث باسم الفرائض لما أنها مقدرات لأصحابها ومبينات في كتاب الله تعالى ومقطوعات لا تجوز الزيادة عليها ولا النقصان منها قال تعالى ﴿نصيبا مفروضا﴾ وقال ﷺ "أفرض أمتي زيد بن ثابت" أي أعلمهم بهذا العلم وقال "تعلموا الفرائض وعلموها للناس فإني امرؤ مقبوض وأن العلم سيقبض حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما" وقال "تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها نصف العلم وهو أول شيء ينسى من أمتي" ٦٠ - عن سعد ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول "من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام" فذكرته لأبي بكرة فقال وأنا سمعته أذناي ووعاه قلبي من رسول الله ﷺ -[المعنى العام]- كان الرجل في الجاهلية إذا رغب في استلحاق ولد لغاية من الغايات استلحقه وصار ابنه عرفا ونسب إليه وأخذ جميع حقوق الابن الحقيقي من إرث وغيره فجاء الإسلام بتحريم التبني وبحفظ مال الرجل لأبنائه الشرعيين وحرم على الابن المتبني أن يستحل حقا من حقوق الأبناء

стр. 1051

الأصليين وفي ذلك يقول ﷺ "من انتسب إلى غير أبيه انتسابا يستحل به حقوق الغير وهو يعلم أنه غير أبيه حرم الله عليه الجنة" -[المباحث العربية]- (ادعى) بوزن افتعل أي انتسب (وهو يعلم) الجملة حالية (فذكر ذلك لأبي بكرة) وهو نفيع بن الحارث الكلدي أي ذكر الحديث والذي ذكره لأبي بكرة هو أبو عثمان الراوي عن سعد وفائدة هذه العبارة التوثيق من صحة الحديث حيث سمعه غيره أيضا ووعاه -[فقه الحديث]- حكمة هذا التحذير أن من نتائج انتساب الرجل إلى غير أبيه أنه قد يتزوج أخته من أبيه الحقيقي أو عمته أو غيرهما مما حرمه الشرع فوق إرثه من غير أبيه وأخذه مال الغير بغير حق وظاهر قوله "فالجنة عليه حرام" تخليده في النار ولهذا حمله بعضهم على المستحل لأن الجنة ما حرمت إلا على الكافرين وحمله بعضهم على التغليظ على الزجر للتنفير من هذا الفعل واستشكل بأن جماعة من خيار الأمة انتسبوا إلى غير آبائهم كالمقداد بن الأسود إذ هو ابن عمرو بن ثعلبة الزهري تبناه الأسود بن عبد يغوث الزهري فنسب إليه وأجيب بأن أهل الجاهلية كانوا لا يستنكرون أن يتبنى الرجل غير ابنه الذي خرج من صلبه فينسب إليه ولم يزل ذلك في أول الإسلام حتى نزل قوله تعالى ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم﴾ وقوله ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ فغلب على بعضهم النسب الذي كان يدعى به من قبل الإسلام فصار إنما يذكر للتعريف لا للانتساب الحقيقي فلا يقتضي الوعيد المذكور لأنه إنما يتعلق بمن انتسب إلى غير أبيه عن علم منه بأنه ليس أباه عامدا مختارا ليحصل على جميع حقوق البنوة -[ويستفاد من الحديث: ]- التحذير الشديد من الانتساب إلى غير الآباء لما في ذلك من المفاسد الكثيرة.

стр. 1052

كتاب الحدود الحدود جمع حد وهو لغة المنع وشرعا عقوبة مقدرة على مرتكب المعصية وإنما جمعه لاشتماله على أنواع وهي حد الزنا وحد القذف وحد الشرب وحد السرقة وفي كون الحدود زواجر أو جواير رأيان والراجح أنها جوابر لأن الله أكرم من أن يعاقب على ذنب مرتين ٦١ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده" -[المعنى العام]- يحذر الرسول ﷺ من السرقة قليلها وكثيرها فيقول إن السارق مستحق للطرد من رحمة الله لأنه ألغى عقله وفقد كرامته وعصى ربه وباع ثمينا ببخس باع يده التي يبطش بها والتي لا تقابل بمال بشيء حقير قد يكون أساسه بيضة رخيصة أو حبلا تافها فما أهون نفسه عليه وما أحقر ما سعى إليه وما أشقاه وما أبعده عن رحمة الله -[المباحث العربية]- (لعن الله السارق) اللعن الطرد من الرحمة ويحتمل أن يكون المراد به هنا الإهانة والخذلان (يسرق البيضة) قيل المراد بها بيضة الحديد وهي الخوذة التي تلبس

стр. 1053

على رأس الجند عند الحرب لوقايتهم وقيل المراد بها بيضة الحيوان -[فقه الحديث]- قبل أن نشرح الحديث نتكلم بإيجاز عن مذاهب الفقهاء في المقدار الذي نقطع من أجله يد السارق ١ - فالظاهرية يقولون بالقطع في القليل والكثير ولا نصاب له استدلالا بظاهر قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وبظاهر الحديث الذي معنا ٢ - والحنفية على أنه لا يقطع في أقل من عشرة دراهم (تعادل خمسة وعشرين قرشا مصريا تقريبا) ودليلهم أن قيمة المجن الذي قطع فيه رسول الله ﷺ كانت إذ ذاك عشرة دراهم يروى ذلك عن ابن عباس وغيره ٣ - والمالكية على أنه لا يقطع في أقل من ربع دينار إذا كان المسروق ذهبا (والدينار بالوزن درهم وثلاثة أسباع درهم بميزاننا) وإذا كان فضة فنصابه ثلاثة دراهم لأن ربع الدينار في صدر الإسلام كان يعادل ثلاثة دراهم وإن كان غيرهما قوم بالدراهم ٤ - والشافعية على أن المعتبر في القطع هو ربع الدينار فلو تباعدت النسبة بين الذهب والفضة كما في أيامنا لم تقطع اليد فيما قيمته أدنى من ربع دينار من الذهب الخالص وإن ساوى عشرين درهما من الفضة أو أكثر (ربع الدينار يساوي في أيامنا خمسين قرشا مصريا باعتبار أن ثمن الدرهم من الذهب مائة وأربعون قرشا) من هذا العرض السريع يتضح أن المذاهب الأربعة متفقة على تحديد نصاب للقطع لا ينطبق على بيضة الدجاجة ولا على الحبل التافه ولهذا احتاج الحديث إلى توجيه قال فيه بعضهم إن المراد من البيضة بيضة الحديد التي هي خوذة المحارب ومن الحبل حبل السفينة ونحوه وكل منهما يزيد على النصاب وقال بعضهم إن التأويل لا يجوز عند من يعرف صحيح كلام العرب إذ ليس من كلام العرب والعجم أن يقولوا قبح الله

стр. 1054

فلانا عرض نفسه للضرب في عقد جوهر وإنما العادة في مثل هذا أن يقال لعنه الله تعرض لقطع اليد في بيضة حقيرة وفي حبل رث وعلى هذا فالحديث محمول على المبالغة في التنبيه على عظم ما خسر وتحقير ما حصل فحقيقة البيضة والحبل غير مقصود كقوله ﷺ "من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاه" فمن المعلوم أن مفحص القطاة وهو قدر ما تحتضن به بيضها لا يتسع للجبهة فلا يتصور أن يكون مسجدا ومنه "تصدقن ولو بظلف محرق" وقال الخطابي إن الحديث من باب التدريج لأنه إذا استمر ذلك به لم يأمن أن يؤديه ذلك إلى سرقة ما فوقه حتى يبلغ فيه القطع فتقطع يده فليحذر هذا الفعل وليتركه قبل أن تملكه العادة ومعنى ذلك أن في الحديث حذفا اعتمادا على المعلوم من الأحاديث الأخرى والأصل يسرق البيضة فيعتاد السرقة فيسرق النصاب فتقطع يده وقال بعضهم لما نزل قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ مطلقا غير مقيد قال النبي ﷺ هذا الحديث على ظاهر ما نزل ثم أعلمه الله أن القطع لا يكون إلا في ربع دينار فصاعدا فأخبر الأمة بذلك في الأحاديث الأخرى ومعنى ذلك أن الحديث الذي معنا منسوخ وقد استدل بهذا الحديث على جواز لعن الفاسق غير المعين من العصاة مطلقا إذ لا ينبغي تعيير أهل المعاصي ومواجهتهم باللعن وإنما ينبغي أن يلعن في الجملة من قبل فعلهم ليكون ذلك ردعا وزجرا عن انتهاك شيء منها ويحتمل أن لا يراد به حقيقة اللعن بل التنفير فإذا وقعت من معين لم يلعن بعينه لئلا يقنط وييأس ولأن النبي ﷺ نهى عن لعن النعيمان بعد أن أقيم عليه الحد وأجاز بعضهم لعن من لم يقم عليه الحد سواء سمي وعين أم لا ما دام على الحالة الموجبة للطرد من رحمة الله فإذا تاب منها وطهره الحد فلا لعنة تتوجه إليه.

стр. 1055

كتاب الديات الديات جمع دية وأصلها مصدر مأخوذ من الودي وهو دفع المال يقال وديت القتيل أديه وديا فحذفت فاء الكلمة وعوض عنها الهاء ثم غلب استعمال الدية شرعا في المال الواجب بالجناية على الحر في نفس أو فيما دونها ٦٢ - عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والمارق لدينه التارك للجماعة" -[المعنى العام]- يحرم النبي ﵊ دماء المسلمين ويعظم شأنها ويوجب حقنها فلا يجوز قتل المسلم إلا بواحدة من ثلاث خصال أولاها أن يكون قد قتل مسلما عمدا عدوانا وظلما فإنه يقتل قصاصا والثانية أن يزني وهو محصن بالشروط اللازمة للرجم فإنه يقتل حدا والثالثة ارتداد المسلم وخروجه عن دينه القويم وما أبلغ الزجر عن هذه الخصال بهذا الأسلوب الحكيم -[المباحث العربية]- (عبد الله) هو ابن مسعود كما مر في حديث ٤٩
следующие страницы →