Полный текст (1 103 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
كتاب الطب
الطب علاج الجسم والنفس والطبيب هو الحاذق في كل شيء وخصه العرف بالمعالج والطب نوعان طب القلوب ومعالجتها بما جاء به النبي ﷺ عن الله تعالى وطب الأبدان وهو المراد هنا وبعضه جاء عن النبي ﷺ وأكثره عن طريق التجربة
٣٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر وفر من المجذوم كما تفر من الأسد"
-[المعنى العام]-
كما بعث ﷺ لإنقاذ البشرية من الشرك بعث أيضا لإنقاذها من الجهالات والأوهام فحارب ما كان شائعا من أن ربط الأسباب بالمسببات أمر طبيعي فأصلح عقائدهم وأرشدهم إلى ما ينبغي لله من الكمال والتفويض فقال "لا عدوى" تؤثر بذاتها بل انتقال الداء من مريض إلى صحيح موقوف على إرادة الله ومشيئته ومع هذا ينبغي ألا يقلل من شأن الأسباب العادية فلا يوردن ذو إبل مريضة إبله على إبل صحيحة ويكلم أحدكم المجذوم وبينه وبينه قدر رمح أو رمحين ثم ضم إلى هذا إصلاحا آخر فأبطل ما كان فاشيا في ذلك الوقت من اعتقادهم وجود أشياء لا حقيقة لها مما يضر بتفكيرهم ويخل بنظام معيشتهم فقال ولا تأثير للتشاؤم
стр. 982
بالطير ولا وجود لطائر ينادي بالثأر ولا لحية في البطن تنهش عند الجوع فكل هذه الأمور جهالات مردها ضيق التفكير ولا نتيجة لها إلا تنغيص حياة الإنسان وحمله على العيش في عزلة وفي سجن من الخرافات والأوهام
-[المباحث العربية]-
(لا عدوى) لا نافية للجنس وخبرها محذوف والعدوى هي انتقال المرض من جسم إلى جسم وتطلق على انتقال الخلق من شخص إلى آخر
(ولا طيرة) على وزن عنبة من تطير بمعنى تشاءم بالطير
(ولا هامة) بتشديد الميم وتخفيفها وهي الرأس واسم طائر والمعنى الأخير هو المراد في الحديث وسيأتي بيانه
(ولا صفر) اسم للشهر المعروف واسم لحية عظيمة توهمتها العرب في بطن الإنسان قال الطيبي دخلت لا التي لنفي الجنس على المذكورات فنفت ذواتها وهي غير منفية فيتوجه النفي إلى أوصافها وأحوالها فالمنفي ما زعمت الجاهلية إثباته مما يخالف الشرع ونفي الذوات لإرادة نفي الصفات أبلغ لأنه من باب الكناية
(وفر من المجذوم) الذي أصابه الجذام وهو مرض ينتهي بتآكل الأعضاء وسقوطها عن تقرح
(كما تفر من الأسد) ما مصدرية والكاف اسم بمعنى مثل صفة لمصدر محذوف أي فرارا كفرارك من الأسد
-[فقه الحديث]-
تتلخص نقاط الحديث في:
١ - العدوى من حيث الجمع بين الأحاديث المثبتة والنافية لها وتحقيق المقام في الموضوع
стр. 983
٢ - والطيرة وكيفيتها وحكمها وحكم أشباهها
٣ - وصفر
٤ - وأمور أخرى ورد نفيها في بعض الروايات
٥ - والفرار من المجذوم
وهذا هو التفصيل
١ - يتعارض أول الحديث مع آخره فأوله ينفي العدوى وآخره يأمر بالفرار من المجذوم كما يتعارض نفي العدوى مع قوله ﷺ "لا يوردن ممرض على مصح" ومع أحاديث أخرى تثبت العدوى وأجيب عن هذا التعارض بأن إثبات العدوى في المجذوم ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى فيكون المعنى لا عدوى إلا من الجذام والجرب والبرص والطاعون وما يظهر من الأمراض المعدية
وقيل الأمر بالفرار لرعاية خاطر المجذوم ونحوه لأنه إذا رأى صحيح البدن سليما من الآفة التي به عظمت مصيبته وحسرته على ما ابتلي به ونسي سائر ما أنعم الله تعالى به عليه فيكون قرب الصحيح منه سببا لزيادة محنة أخيه المسلم وبلائه
وقيل لا عدوى أصلا والأمر بالفرار إنما هو لحسم المادة وسد الذريعة لجواز حدوث شيء من ذلك للمخالط فيظن أنه بسبب المخالطة فيثبت العدوى التي نفاها الرسول وهذا الرأي والذي قبله بعيدان عن الصواب لما علم من ثبوت العدوى ثبوتا لا يقبل الإنكار والتحقيق في المقام أن بعض الأمراض تنتقل من جسم إلى جسم بواسطة جراثيم تسمى "ميكروبات" وهي كائنات حية صغيرة جدا ولكل مرض ميكروب خاص به قد ينتقل إلى جسم السليم فيقبله فيكثر فيه وتظهر عوارض المرض عليه بإذن الله تعالى وقد ينتقل إلى جسم السليم ولا يقبله بل يدفعه أن تلتهمه الكرات الدموية البيضاء لقوتها في ذلك الجسم فتعدمه أولا فأولا فلا تظهر عوارض المرض وينجو بتقدير الله تعالى وكم من حذر وقع في
стр. 984
شرك هذه الأمراض وكم من مخالط للمرضى نجا من خطرها وذلك لنعلم أن أهم شروط العدوى إرادة الله فالأمراض المعدية من الأسباب الظاهرية التي لا تأثير لها بطبعها في إحداث المرض فإنه قد يتخلف مع حصول المخالطة كما يشاهد كثيرا ولو كان مؤثرا بطبعه لما تخلف المرض في بعض الوقائع وكانت العرب في جاهليتها الأولى تعتقد أن التأثير بالذات للأمراض المعدية متى وجدت المخالطة فنفى ﷺ أن تكون العدوى أثرا للمخالطة بذاتها فقال "لا عدوى" أي مسببة عن مرض المخالطة بطبعه وذاته بل بتأثير الله تعالى فالنفي ليس منصبا على ذات العدوى بل على وصفها
أما الطيرة فقد كانت العرب تعتقد أن من أراد البدء في عمل أو الشروع في سفر فإنه يحسن به أن يتوثق أولا من نجاحه أو إخفاقه بأن يزجر الطير الذي يلاقيه فإن انصرف إلى جهة اليمين تفاءل وشرع في عمله وإن انصرف إلى غيرها تشاءم ورجع عن عمله فنفى ﷺ شرعة التطير ليعلم أنه ليس لذلك العمل تأثير في جلب نفع أو دفع ضر ومثل الطير كل ما يتشاءم منه فيحول دون المضي في أمر كان يعتزم المضي فيه أما التفاؤل فقد رخص فيه لأنه لا يعطل المصالح
٢ - وأما الهامة فقد كانوا يعتقدون أن روح القتيل الذي لا يؤخذ بثأره تصير طائرا يطير بالليل ويصيح قائلا اسقوني من دم قاتلي ولا تزال هكذا حتى يثأر له فتستقر في مكانها -وهذا- فضلا عن أنه خيال لا أصل له -فيه إغراء بسفك الدماء وإثارة الفتن وإلهاب لحمية الجاهلية ومحاربة لما جاء به الدين وقيل إن المراد بالهامة البومة كانت إذا سقطت على دار أحدهم رأى أنها ناعية إليه نفسه أو بعض أهله والأول أولى لدخول الثاني في التطير
٣ - وأما صفر فقد كان العرب يتشاءمون من دخول هذا الشهر ويتوهمون فيه كثرة الدواهي لوقوعه بعد الأشهر الحرم فكانوا لا يعقدون فيه زواجا ولا يشرعون في عمل جديد ولا ينشئون سفرا لتجارة ولا لغيرها
стр. 985
وفي ذلك تعطيل للمصالح وإخلال بنظام الحياة وقيل المراد من صفر المنفي ما كانت العرب تعتقده من أن منشأ الألم الذي يشعر به الجائع هو وجود حية عظيمة في بطنه تنهش من أحشائه وأضلاعه فأبان لهم ﷺ أن هذا خرف لا يليق بالعاقل ولا مانع من إرادة الأمرين معا حيث كانا معروفين عند العرب
٤ - وقد زاد مسلم "ولا غول" وكانت العرب تعتقد أن الغيلان في الفلوات تتراءى للناس وتتلون لهم وتتشكل بأشكال مختلفة لتخيفهم وتضلهم عن الطريق فتهلكهم وزاد النسائي "ولا تولة" بكسر التاء وفتح الواو وهي ما كان يزعمه العرب من كل ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره كالخرزة التي تحملها المرأة لذلك
٥ - بقي إشكال ناشئ من أمره ﷺ بالفرار من المجذوم مع أنه روي عنه أنه أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة ثم قال "كل باسم الله وثقة بالله وتوكلا عليه" وأجيب بأن حديث الأخذ بيد المجذوم رواه أبو داود فلا يقاوم حديث الباب والمعارضة لا تكون إلا مع التساوي والأولى أن يقال أن الرسول أراد الرد على ما كانت الجاهلية تعتقده فأبطله بالأكل معه ليثبت أن الفاعل الحقيقي هو الله ونهاهم عن الدنو منه ليبين أن هذا من الأسباب التي أجرى الله العادة بأنها تفضي إلى مسبباتها ففي نهيه إثبات الأسباب وفي فعله إشارة إلى عدم استقلالها
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - إبطال المعتقدات الفاسدة بوجود أشياء لا حقيقة لها
٢ - نفي ترتب الآثار والنتائج على الأمور الخيالية.
стр. 986
٤٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال إن رسول الله ﷺ قال لا عدوى فقام أعرابي فقال أرأيت الإبل تكون في الرمال أمثال الظباء فيأتيها البعير الأجرب فتجرب قال النبي ﷺ فمن أعدى الأول
-[المعنى العام]-
لما نفى رسول الله ﷺ تأثير العدوى واستقلالها بنقل المرض بقوله "لا عدوى" قام إعرابي معترضا على هذا النفي فقال كيف تنفي العدوى يا رسول الله مع أننا نرى الإبل سليمة قوية نشطة تجري على الرمال نظيفة القوام كأنها الظباء فيدخل عليها البعير الأجرب فيختلط بها فينتقل الجرب منها إليها أو ليس ذلك دليلا على ثبوت العدوى وألزمه الرسول بأن الاختلاط وحده ليس كفيلا بنقل المرض بل لا بد من أن يصاحبه قضاء الله وقدره إذ قال له من الذي أعدى البعير الذي أصابه الجرب أولا دون أن يخالط المصاب بالجرب وسكت الأعرابي إذ الجواب بداهة أنه لم يعده شيء بل أصابه الجرب بإرادة الله تعالى
-[المباحث العربية]-
(إعرابي) لم يعرف اسم هذا الرجل
(فما بال إبلي) الفاء أفصحت عن شرط مقدر أي إذا لم تكن
стр. 987
عدوى فما بال إبلي وما اسم استفهام خبر مقدم و"بال" بمعنى شأن مبتدأ مؤخر
(تكون في الرمل) كان واسمها وخبرها والجملة حال من "إبلي"
(كأنما الظباء) جمع ظبي وهو الغزال المعروف والجملة في محل النصب على الحال من الضمير المستكن في خبر تكون "في الرمل" فهي حال متداخلة والتقدير ما شأن إبلي حالة كونها مستقرة في الرمل مشبهة الظباء ووجه الشبه نقاوة أرجلها ونظافتها فلا يعلق بها شيء من الرمل أو التراب علاوة على نشاطها وقوتها وخلوها من الداء
(فيأتي البعير الأجرب) الفعل معطوف على "تكون"
(فيجربها) أي ينقل إليها الجرب
(فمن أعدى الأول) الفاء فصيحة في جواب شرط مقدر أي إذا فرض أن البعير الداخل على أبلك أعداها فمن أعدى البعير الأول والاستفهام تقريري أريد منه حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه ليزول الإشكال
أورد البخاري هذا الحديث متصلا بالذي قبله وهو ظاهر في أن استشكال الأعرابي مبني على نفي العدوى وإنما أورد قصة إبله اعتمادا على أنها -حسب زعمه- تثبت العدوى بحيث لا تتخلف وفي رد الرسول ﷺ إلزام له في غاية البلاغة والرشاقة حاصله السؤال عمن أجرب البعير الأول فإن قيل بعير آخر إلى ما لا نهاية لزم التسلسل وإن قيل الله هو الذي أجرب الأول لزم القول بأن الذي فعل الجرب في الأول هو الذي فعله في الثاني إذ لولا إرادة الله التي أحدثت الداء ابتداء ما حدث الداء انتقالا وتتمة البيان مفهومة من الحديث السابق
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - جواز المراجعة والاستفسار فيما أشكل من الأحكام
٢ - قوة عارضة النبي وإقامة الدليل والحجة
стр. 988
٣ - جواز أخذ الجواب من فم السائل واعترافه.
٤١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا"
-[المعنى العام]-
إرشادا إلى أن الحياة هبة الله وأنه ينبغي أن تترك الروح لخالقها يسلبها متى يريد ويحملها الآلام إذا شاء يحذر الرسول ﷺ من الإقدام على التخلص من الحياة مهما كانت بواعثه ومهما قست بالمرء نوائب الزمان فمن المعلوم أن هذه الدنيا دار شقاء وليس للمصائب والمتاعب إلا الرجال وبقدر تحمل الرجل لكبار الأرزاء تكبر رجولته وبقدر جزعه وانهياره أمام بعضها يظهر صفعه وجبنه وقد علمتنا التجارب أن طريق السعادة مفروش بالأشواك ومن أراد القمة تسلق الصعاب ودون الشهد أبر النحل وبالجهاد والصبر والتفويض يبلغ الإنسان ما يريد ومن ظن أنه بانتحاره يتخلص من
стр. 989
آلامه فليعلم أنه إنما يدفع نفسه من ألم صغير إلى ألم كبير ومن ضجر محدود بزمن قصير إلى ضجر غير محدود فمن تردى من جبل أو من شاهق فقتل نفسه نصب الله له يوم القيامة جبلا من نار يكلف الصعود إليه ليهوي منه في نار جهنم خالدا على هذه الحال أبدا ومن شرب سما فقتل نفسه أعد الله له يوم القيامة سما يفوق سم الدنيا في صعوبة مذاقه وشدة تأثيره وإيلامه كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم يكلف أن يتجرعه خالدا على هذه الحال أبدا ومن طعن نفسه بسكين فقتل نفسه أعد الله له سكينا من نار ليطعن بها بطنه كلما فجرها عادت كما كانت خالدا مخلدا على هذه الحال أبدا فليتدبر العاقل ويؤمن بالقضاء والقدر وليثق بأن بعد العسر يسرا وبعد الضيق فرجا ومن يتق الله ويصبر ويجاهد يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا
-[المباحث العربية]-
(من تردى من جبل) أي أسقط نفسه منه
(فقتل نفسه) فائدة ذكرها توقف الجزاء المذكور عليها فإنما هي التي أفادت التعمد إذ التردي يكون عن عمد وعن غير عمد أما إذا تعمد الإلقاء ولم يحدث بذلك قتل فجزاء هذا الأمر إلى الله
(يتردى فيه) أي في الجبل والمراد في مثله والجملة في محل النصب على الحال
(خالدا مخلدا فيها أبدا) حال مقدرة من فاعل يتردى وفي ذكر "مخلدا" بفتح اللام بعد ذكر "خالدا" ما يشعر بالإهانة والتحقير و"أبدا" منصوب على الظرفية
(تحسى سما) أي تجرع سما وأصله من حسوت المرق إذا شربت منه شيئا فشيئا والتعبير بصيغة التفعل للمعالجة والتكلف
стр. 990
(يجأ) مضارع وجأ وأصله يوجئ بفتح الياء وكسر الجيم فحذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة ثم فتحت الجيم لأجل الهمزة ومعناه يطعن ويضرب
-[فقه الحديث]-
مناسبة هذا الحديث لكتاب الطب جعلها البخاري تحت باب شرب السم للتداوي وكأنه يستدل بذلك على عدم جوازه لأنه يفضي إلى قتل النفس قال الحافظ ابن حجر إن مجرد شرب السم ليس بحرام على الإطلاق لأنه يجوز استعمال اليسير منه إذا ركب معه ما يدفع ضرره إذا كان فيه نفع ويمكن جعل المناسبة من حيث أن المريض قد ييأس من الطب فيستعين على نفسه بذلك للتخلص من دائه كما هو مشاهد في هذه الأيام والحديث يدل على أن الجزاء من جنس العمل وعيدا وتحذيرا من الإقدام على الانتحار بأية وسيلة كانت فيقاس على ذلك من تردى في بحر فغرق ومن نصب لنفسه حبلا فخنق ومن أشعل في نفسه نارا فاحترق ولما كان ظاهر الحديث يفيد تخليد فاعل هذا الفعل في النار مع أنه قد يكون مؤمنا حمل الشراح الخلود في الحديث على المكث الطويل لكن هذا الحمل بعيد لتأكيده بلفظ التأبيد ولذا جعل بعضهم هذا الجزاء لمن استحل هذا الفعل الشنيع أو لمن سخط على القضاء وحمله بعضهم على التغليظ والتهديد والوعيد وهذان الرأيان أقرب من جعله لكافر بعينه أو لمن فعل ذلك من الكفار لأن الخلود حاصل للكافر وإن لم يقدر على الانتحار
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - التحذير من الانتحار مهما كانت أسبابه ودواعيه
٢ - أن الجزاء من جنس العمل
٣ - وجوب الصبر على الآلام وعدم السخط
٤ - الرضا بالقضاء وتسليم قبض الروح لواهب الحياة.
стр. 991
كتاب الأدب
٤٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي قال "أمك" قال ثم من قال "أمك" قال ثم من قال "أمك" قال ثم من قال "أبوك"
-[المعنى العام]-
سأل رجل رسول الله ﷺ عن أولى الناس بصحبته الحسنة فأجابه ﷺ بأن أحق الناس بالمواساة والإحسان أمك قال الرجل ثم من في المرتبة الثانية قال ﷺ أمك أيضا في المرتبة الثانية قال ﷺ أمك أيضا في المرتبة الثالثة قال الرجل ثم من في المرتبة الثالثة قال الرجل ثم من في المرتبة الرابعة قال ﷺ أبوك في المرتبة الرابعة ثم الأقرب فالأقرب
-[المباحث العربية]-
(جاء رجل) هو معاوية بن حيدة
(بحسن صحابتي) صحابة وصحبة مصدران بمعنى واحد وهو المصاحبة والكلام من إضافة الصفة إلى الموصوف أي بصحبتي الحسنة
(أمك) خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ لخبر محذوف أي أحق
стр. 992
الناس بحسن صحابتك أمك وروي بالنصب بإضمار فعل تقديره الزم أو احفظ أمك
(ثم من) مبتدأ والخبر محذوف والجملة معطوفة على جملة محذوفة والتقدير قال أحق الناس أمك ثم أحق الناس أمك وفي رواية بدون عاطف مع الأم في المرتين وذكره مع الأب
-[فقه الحديث]-
في الحديث دلالة على أن محبة الأم والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب لأنه ﷺ كررها ثلاثا وذكر الأب في الرابعة وكأن ذلك لصعوبة الحمل ويتبعه الوضع ثم الرضاع ويتبعه الفطام فهذان تنفرد بهما الأم وتشقى ثم تشارك الأب في التربية وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين﴾ فسوى بينهما في الوصاية وخص الأم بالحمل والفصال قال بعضهم ومن أسباب تقديم الأم على الأب ضعفها وعجزها فهي في حاجة إلى من يدافع عنها ويكفيها متاعب الحياة في الكبر هذا وتفضيل الأم على الأب في البر والطاعة، رأي جمهور العلماء حتى قال ابن بطال: إن لها ثلاثة أمثال ما للأب من البر وذهب بعض الشافعية إلى أن الأبوين سواء في الحق والبر وأجاب عن الحديث بأن التكرار للحث على عدم التهاون في حقها استنادا على ضعفها وشدة شفقتها والغرض من حسن الصحبة الطاعة والبر والإحسان ولو كان الأبوان كافرين إلا أن يأمرا بمعصية الله فقد قيل للحسن ما بر الوالدين قال تبذل لهما ما ملكت وتطيعهما فيما أمراك ما لم يكن معصية وهذا ما نص عليه التنزيل قال تعالى ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ وروي أن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال كنت رجلا بارا بأمي فلما أسلمت
стр. 993
قالت يا سعد ما هذا الذي أحدثت لتدعن دينك أو لا آكل ولا أشرب ولا يظلني سقف حتى أموت فتعير في فيقال لك يا قاتل أمك قال فقلت يا أماه لا تفعلي فإني لا أترك ديني هذا فمكثت يوما وليلة لا تأكل فلما أصبحت جهدت فمكثت يوما آخر وليلة كذلك فلما رأيت ذلك منها قلت تعلمين والله يا أماه ولو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا فكلي إن شئت أو لا تأكلي فلما رأت ذلك أكلت والمعنى في الوصية بالوالدين أنهما سبب في وجود الإنسان ربياه صغيرا وقاما على رعايته كبيرا فمن لم
يشكرهما بحسن صحبتهما كان جاحدا لكل من أنعم عليه من باب أولى ولا يظن أحد بالغ في برهما أنه أدى حقهما فقد أخرج الطبراني أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إني حملت أمي على عنقي فرسخين في رمضاء شديدة لو ألقيت فيها قطعة لحم لنضجت فهل أديت شكرها فقال ﷺ "لعله أن يكون بطلقة واحدة.
٤٣ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ " إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه" قيل يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه قال "يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه"
стр. 994
-[المعنى العام]-
بين الشرع في الحديث السابق ما ينبغي من بر الوالدين ومن العناية بالأم بصفة خاصة ويبين في هذا الحديث ما ينبغي أن يتقي من عقوقهما وإيذائهما بأي نوع من أنواع الإيذاء قل أو كثر قصد أو لم يقصد ووجها به أو لم يواجها به فيقول ﷺ إن من أكبر الذنوب أن يشتم الرجل والديه ويستعظم الصحابة هذا الفعل القبيح ويستبعدونه لأن الطبع السليم يأباه فيقول قائلهم أو يحدث ذلك يا رسول الله وكيف يحدث فيقول ﷺ ليس شرطا أن يتعاطى سبهما مباشرة فقد يتسبب فيه فيسب أبا رجل آخر فيسب هذا الآخر أباه ويزيد المسبوب شتم أم الساب أو يسب أمه فيسب أمه فمن فعل ذلك فكأنما سب والديه فما أرفع آداب الإسلام وما أبعد المسلمين عنها في هذا العصر الذي نسمع فيه عن ضرب الأمهات وذبح الأباء من أجل عرض حقير فاللهم العفو والعافية في الدين والدنيا يا رب العالمين
-[المباحث العربية]-
(إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه) المصدر المنسبك من أن والفعل اسم أن والجار والمجرور خبرها واللعن من الله الطرد من الرحمة والإبعاد عن الخير ومن الخلق الدعاء بذلك وقد لا يقصد الدعاء بذلك بل يقصد مطلق السب والشتم وهو المراد هنا
(وكيف يلعن الرجل والديه) كيف اسم استفهام مبني على الفتح في محل النصب على الحال والاستفهام استبعادي والمعنى على أية حال يلعن الرجل والديه نستبعد أن يحدث ذلك
-[فقه الحديث]-
يدل الحديث على أن الكبائر متفاوته بعضها أكبر من بعض وهو رأي الجمهور ويدل كذلك على انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر وهو
стр. 995
قول عامة الفقهاء وقيل ليس في الذنوب صغيرة بل كل ما نهي عنه فهو كبيرة وهو منقول عن ابن عباس وحمل على تميزه عن تسمية معصية الله صغيرة وإن كانت الذنوب من حيث ذاتها تنقسم إلى صغائر وكبائر وفي تحديد أكبر الكبائر أحاديث كثيرة منها "أكبر الكبائر ثلاثة الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقول الزور" وزيد في رواية "ومنع فضل الماء" وفي أخرى "اليمين الغموس" وفي أخرى "وقتل النفس المؤمنة بغير حق والفرار من الزحف" والتحقيق أنه أمر نسبي فكل كبيرة إذا قيست بما هو دونها كانت أكبر منها وفي ضابط الكبيرة قيل هي كل ذنب ختمه الله بنار أو لعنة أو غضب وقيل هي ما ورد فيه حد وقيل هي ما ورد فيه وعيد شديد وقيل غير ذلك وإنما كان السب من أكبر الكبائر لأنه نوع من العقوق وهو إساءة للوالدين وكفران لحقوقهما في مقابلة إحسانهما وإذا كان التسبب في لعن الوالدين من أكبر الكبائر فالتصريح بلعنهما أشد ولم يذكر العلماء للعقوق ضابطا يعتمد عليه وغاية ما قيل فيه أن ما يحرم في حق الأجانب فهو حرام في حقهما وما يجب للأجانب فهو واجب لهما وحكى الغزالي أن أكثر العلماء على وجوب طاعتهما في الشبهات بل قال بعض المالكية أنهما إذا نهيا عن سنة راتبة المرة بعد المرة أطاعهما وإن كان ذلك على الدوام فلا طاعة لهما لما فيه من إماتة الشرع
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - سد الذرائع
٢ - وأن من آل فعله إلى محرم حرم عليه ذلك الفعل وإن لم يقصد ذلك المحرم والأصل في ذلك قوله تعالى (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) ومن هنا استنبط العلماء منع بيع الحرير لرجل يتحقق أنه يلبسه ومنع بيع العصير لمن يعتقد أنه يتخذه خمرا ومنع بيع السلاح لمن يتيقن أنه سيقطع به الطريق
٣ - وعظم حق الأبوين
стр. 996
٤ - والعمل بالغالب لأن الذي يسب أبا الرجل يجوز أن يسب الآخر أباه ويجوز ألا يفعل
٥ - وجواز مراجعة الطالب لشيخه فيما يشكل عليه
٦ - أن الأصل يفضل الفرع بأصل الوضع ولو فضله الفرع ببعض الصفات.
٤٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه"
-[المعنى العام]-
يعلم كل منا رحمة الأم بولدها وتعاطف الوحش على ابنه وحضانة الطير لفراخه وما هذا التراحم المنبث بين الخلق جميعا بالنسبة إلى رحمة الله بعباده إلا كجزء واحد من مائة جزء أمسك الله عنده وادخر لعباده تسعة وتسعين ومنحهم هذا الجزء ليتراحموا فيما بينهم فمن نزعت من قلبه
стр. 997
الرحمة للمخلوقين عامة ولأصوله خاصة حرم رحمة الخلق ورحمة أرحم الراحمين
-[المباحث العربية]-
(مائة جزء) في رواية (في مائة جزء) فتجعل في متعلقة بمحذوف لإفادة ظرفية الجنس في أنواعه قصدا إلى المبالغة وقال الكرماني "في" زائدة لأن المعنى يتم بدونها
(وأنزل في الأرض) وكان القياس أن يقال وأنزل إلى الأرض ولكن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض أو ضمن أنزل معنى وضع للمبالغة يعني أنزلها في جميع الأرض
(يتراحم الخلق) التفاعل ليس على بابه أي يرحم بعضهم بعضا أو على بابه من حيث أن الراحم ينبغي أن يرحم
(حتى ترفع الفرس حافرها) الحافر للفرس كالظلف للشاة والفعل بالنصب في جميع النسخ
(خشية أن تصيبه) المصدر الصريح مفعول لأجله والمنسبك من أن والفعل مجرور بالإضافة
-[فقه الحديث]-
قال المحدثون أن رحمة الله عبارة عن القدرة المتعلقة بإيصال الخير والقدرة صفة واحدة والتعليق غير متناه فحصره في مائة على سبيل التمثيل تسهيلا للفهم وتقليلا لما عندنا وتكثيرا لما عند الله وقيل العدد على الحقيقة وخص بذلك لمناسبة عدد درج الجنة التي هي محل الرحمة فكانت كل رحمة بإزاء كل درجة وهذا الرأي لا يلتفت إليه والأول جدير بالقبول وإنما خص الفرس بالذكر لأنها أشد الحيوان المألوف نفورا ولما فيها من الخفة والسرعة في التنقل فإذا تجنب ذلك أن يصل الضرر منها إلى ولدها رحمة به كان غيرها من باب أولى
стр. 998
-[ما يؤخذ من الحديث: ]-
١ - الحث على التراحم بين الخلق وإن كان عريزيا بين الأصول والفروع
٢ - وبعث الرجاء في واسع الرحمات على إلا يخل ذلك بالخوف المطلوب قال تعالى ﴿ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون﴾
٣ - قال ابن أبي جمرة فيه إدخال السرور على المؤمنين لأن العادة أن النفس يكمل فرحها بما وهب لها.
٤٥ - عن النعمان بن بشير ﵄ قال قال رسول الله ﷺ "ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى"
-[المعنى العام]-
يشبه الرسول الكريم صفة المؤمنين التي ينبغي أن يتخلقوا بها بصفة الجسد الواحد فكما أن الجسد إذا مرض عضو من أعضائه تأثر جميعه ومرض كله وكما أن الدماغ يتأثر بشوكة في أصبح القدم مع تباعد ما بينهما ينبغي أن يتأثر المؤمنون بما يصيب أحدهم مهما بعد وكما تعطف اليد على اليد لتغسل إحداهما الأخرى ينبغي أن يتعاون المؤمنون علىتحصيل خيري الدنيا والآخرة وكما يشد بعض البنيان بعضا وتتماسك أعضاء الجسد
стр. 999
لتؤدي مهمتها ويدافع بعضها عن بعض ينبغي أن يتكاتف المؤمنون ليعيشوا في قوة ومنعه
بفضل هذه الصفات ساد المسلمون وعزوا وقهروا وحكموا ويتناسيها والبعد عنها ضعفوا وذلوا وقهروا وحكموا فما أوضح النار لذي عينين ﴿إنما يتذكر أولوا الألباب﴾
-[المباحث العربية]-
(ترى المؤمنين في تراحمهم) الخطاب لكل من يتأتى له الخطاب والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من المؤمنين والتراحم من باب التفاعل الذي يستدعي اشتراك الجماعة في أصل الفعل والرحمة رقة القلب وفي للسببية أو للظرفية المجازية
(وتوادهم) أي تحابهم وأصله تواددهم فأدغمت الدال في الدال وهو تفاعل من الود
(وتعاطفهم) أي تعاونهم كما يعطب الثوب على الثوب والحبل على الحبل ليقويه قال بعضهم هذه الألفاظ الثلاثة متقاربة في المعنى لكن بينها فرق لطيف أما التراحم فالمراد به أن يرحم بعضهم بعضا بأخوة الإيمان لا بسبب شيء آخر ويكون ممن الأعلى للأدنى غالبا وأما التواد فالمراد به التواصل الجالب للمحبة كالتزاور والتهادي ويكون بين المتقاربين غالبا وأما التعاطف فالمراد به إعانة بعضهم بعضا في الملمات والشدائد ويكون من الأدنى إلى الأعلى وبالعكس فالأوصاف الثلاثة تربط بين طوائف المؤمنين في حالات الشدة وحالات الرخاء
(كمثل الجسد) الكاف اسم بمعنى مثل مفعول ثان لترى على جعلها علمية وحال على جعلها بصرية أي ترى المؤمنين في حالة كذا وكذا مشبهين صفة الجسد ووجه الشبهة التوافق والتأثر بالتعب والراحة قال القاضي عياض تشبيه المؤمنين بالجسد الواحد تمثيل صحيح وذلك بأن شبهت الهيئة الحاصلة من الجسد وأعضائه وارتباط كل عضو بالآخر بجامع
стр. 1000
مشاركة المجموع للفرد وارتباط كل بالآخر والغرض من ذلك هو التنبيه على عظم نتيجة التعاطف والحث على التمسك بالاتحاد والتآلف
(إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده) أصل الضمائر إذا اشتكى الجسد ألم عضو تداعى لهذا العضو سائر جسده ففاعل "اشتكى" يعود على الجسد وضمير "له" و"جسده" يعودان على العضو ومعنى "تداعى" دعا بعضه بعضا إلى المشاركة في الألم ومنه قولهم تداعت الحيطان أي تساقطت أو كادت أن تتساقط
(بالسهر والحمى) والمراد من الحمى الألم والحرارة التي تنبث في جميع البدن فالمعنى إذا تألم عضو من الجسد تأثرت جميع الأعضاء بسبب السهر والألم الذي يسري من مركز الإحساس إلى سائر البدن
-[فقه الحديث]-
ظاهر الحديث يتعارض مع ما نراه من تقاطع وتدابر بين المسلمين ولهذا قال العلماء إن المراد من الحديث بيان الشأن والحالة التي ينبغي أن يكونوا عليها ليستحقوا وصف الإيمان أي من علامات إيمان المرء أن يشعر بالألم الذي يحل بإخوانه المؤمنين فإذا فقد هذا الشعور فقد علامة الإيمان ومن فقد علامة الإيمان يخشى عليه فقدان الإيمان نفسه
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - جواز ضرب الأمثال لتقريب المعاني للأفهام
٢ - تعظيم حقوق المسلمين
٣ - الحض على تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم وملاطفة بعضهم بعضا.
стр. 1001
٤٦ - عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال "ما زال يوصيني جبريل بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"
-[المعنى العام]-
يوصي الرسول ﷺ بالجار فيقول أوصاني جبريل بالجار وكرر وصيته مرة بنفي الإيمان عمن لا يأمن جاره بوائقه ومرة يعتبر إكرام الجار علامة من علامات الإيمان بالله واليوم الآخر ومرة يصف من يؤذي جاره بالخيبة والخسران ومرة يطلب الإهداء إليه وعدم احتقار الجارة لهدية جارتها ولو فرسن شاة فلم يزل يوصيني بأن أوصيكم بالجار حتى ظننت أنه سيأتيني من قبل الله بشرعة توريث الجار في جاره وجعله شريكا له في ماله
-[المباحث العربية]-
(حتى ظننت أنه سيورثه) أي ظننت أنه يأمرني عن الله بتوريث الجار من جاره وهذا خارج مخرج المبالغة في شدة حفظ حق الجار وقيل معناه ظننت أنه سينزل منزلة من يرث في البر والإحسان والأول أظهر
-[فقه الحديث]-
إطلاق الجار في الحديث يشمل المسلم والكافر والعابد والفاسق والصديق والعدو والغريب والمواطن والضار والنافع وقريب الدار
стр. 1002
وبعيدها واختلف في حد الجوار فعن علي ﵁ من سمع النداء فهو جار وقيل من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار وعن عائشة حق الجوار أربعون دارا من كل جانب وقيل لأعرابي النجدة يا جاري فقال نعم جوار ورب الكعبة قال القرطبي يطلق الجار ويراد به المجاور في الدار وهو الأغلب وهو المراد من الحديث ولا يغيب عنا أنه إذا أكد حق الجار مع الحائل بين الشخص وبينه فإنه يكون آكد حق من لا حائل بينه ولا جدار كالزوجة والخدم في المنزل والزملاء في العمل بل قال ابن أبي جمرة ينبغي أن يراعى حق الحافظين اللذين يكتبان على الإنسان أعماله فإنه يؤذيهما إيقاع المخالفات وللجار مراتب بعضها فوق بعض فقد أخرج الطبراني مرفوعا "الجيران ثلاثة جار له حق وهو المشرك له حق الجوار وجار له حقان وهو المسلم له حق الجوار وحق الإسلام وجار له ثلاثة حقوق وهو مسلم له رحم له حق الجوار وحق الإسلام وحق الرحم" وروى البخاري عن عائشة قالت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي قال "إلى أقربهما منك بابا"
وتفترق الحال في حق معاملة الجار باختلاف الصلاح وغيره ويشمل جميع الأنواع أن تعامله بطلاقة الوجه وإرادة الخير والموعظة بالحسنى والدعاء له بالهداية وترك الإضرار به أما حق الجار الصالح والتوصية به فقد وردت بها أحاديث كثيرة وأشملها ما أخرجه الطبراني "قالوا يا رسول الله ما حق الجار على الجار قال إن استقرضك أقرضته وإن استعانك أعنته إن مرض عدته وإن احتاج أعطيته وإن افتقر عدت عليه وإن أصابه خير هنأته وإن أصابته مصيبة عزيته وإذا مات اتبعت جنازته ولا تستطيل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه ولا تؤذيه بريح قدرك إلا أن تغرف له منها وإن اشتريت فاكهة فاهد له وإن لم تفعل فأدخلها سرا ولا تخرج بها ولدك ليغيظ ولده"
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - تأكيد حق الجار
стр. 1003
٢ - إن من أكثر من شيء من أعمال البر يرجى له الانتقال إلى ما هو أعلى منه
٣ - إن الظن إذا كان في طريق الخير جاز ولو لم يقع المظنون بخلاف ما إذا كان في طريق الشر
٤ - جواز الطمع في الفضل إذا توالت النعم
٥ - جواز التحدث عما يقع في النفس من أمور الخير.
٤٧ - عن ثابت بن الضحاك -وكان من أصحاب الشجرة- ﵁ قال أن رسول الله ﷺ قال "من حلف على ملة غير الإسلام فهو كما قال وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة ومن لعن مؤمنا فهو كقتله ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله"
-[المعنى العام]-
جمع هذا الحديث من الآداب ومحاسن الأخلاق خمسا
١ - ألا يحلف بملة غير ملة الإسلام لئلا يتشبه بأصحابها
٢ - وألا ينذر ما لا يملك إذ لا فائدة من هذا النذر وكأنه يعبث مع
стр. 1004
الله
٣ - وألا يحاول الإنسان التخلص من الحياة بأية وسيلة لئلا يعذب بنفس الوسيلة عذابا دائما في الآخرة
٤ - وألا يتعدى على المؤمن باللعن
٥ - ولا بالقذف بالكفر فمن فعل ذلك بالمؤمن فكأنما قتله ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾
-[المباحث العربية]-
(وكان من أصحاب الشجرة) أي شجرة الرضوان بالحديبية وهذه الجملة معترضة لبيان فضل الراوي والتوثيق من روايته
(من حلف على ملة غير الإسلام) الملة الدين والشريعة وهي هنا نكرة في سياق الشرط فتعم جميع الملل وعلى بمعنى الباء وغير الإسلام صفة ملة أي من حلف بملة مغايرة للإسلام والحلف بالشيء حقيقة في الإقسام به وقد يطلق على التعليق لمشابهته اليمين في قصد المنع وغيره كأن يقال إن فعل كذا كان كذا فالمعنى على الأول من أقسم بملة غير الإسلام كأن قال واليهودية مثلا وعلى الثاني علق ملة غير الإسلام على شيء كأن يقول إن فعل كذا فهو يهودي أو نصراني
(فهو كما قال) الفاء داخلة على جواب الشرط والضمير مبتدأ والجار والمجرور متعلق بمحذوف هو الخبر وما مصدرية أو موصولة والعائد محذوف أي فهو مثل قوله أو كالذي قاله
(وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك) أي وفاء نذر والجار والمجرور "فيما لا يملك" متعلق بنذر أو محذوف صفة له
(ومن قتل نفسه بشيء) أعم عن الحديدة والسم والتردي من الجبل المذكور في حديث ٤١
стр. 1005
(ومن لعن مؤمنا فهو كقتله) ضمير "هو" يعود على مصدر دل عليه الفعل أي فلعنه كقتله
-[فقه الحديث]-
اشتمل هذا الحديث على خمسة أحكام
الأول الحلف على ملة غير الإسلام
الثاني النذر فيما لا يملك
الثالث قتل الإنسان نفسه
الرابع لعن المؤمن
الخامس قذف المؤمن بالكفر
أما الأول فإن من أقسم بملة غير ملة الإسلام فإما أن يكون معظما لها وإما أن يكون غرضه تأكيد ما أقسم عليه دون تعظيم للمقسم به فإن كان الأول فمعنى "فهو كما قال" فهو كافر وإن كان الثاني فمعناه فهو يشبه من يعظم تلك الملة فهو آثم أو فهو معرض نفسه لاستحقاق مثل عذاب من اعتقد ذلك ومن علق ملة غير الإسلام على شيء كأن قال إن فعلت كذا أو إن لم أفعل كذا أو إن كنت فعلت كذا فأنا على اليهودية أو النصرانية مثلا فأما أن يقصد حقيقة التعليق بأن يؤيد الاتصاف بذلك على تقدير حصول المعلق عليه فهو كافر سواء علق على أمر وقع أو على أمر لم يقع لأن التعليق على واقع يشبه التنجيز ولأن إرادة الكفر كفر وأما ألا يقصد حقيقة التعليق بأن القصد الابتعاد مثلا -وهو الأغلب- فهو غير كافر لكن يحرم عليه ذلك ولا كفارة عليه وتلزمه التوبة لأنه ﷺ جعل عقوبته في دينه ولم يوجب في ماله شيئا حيث قال "من حلف فقال في حلفه والعزى فليقل لا إله إلا الله"
وأما الثاني فمثله أن يقول إن شفى الله مريضي تصدقت بدار فلان مثلا فليس عليه الوفاء بشيء من هذا النذر لأنه لا يملكها ولا يملك إجبار
стр. 1006
صاحبها على بيعها له بخلاف ما لو قال فعلي عتق رقبة وهو يملك ثمنها فإنه يعتبر مالكا لرقبة بالقوة
وأما الثالث فقد مضى الكلام عليه في الحديث رقم ٤١
وأما الرابع فالمراد أن لعن المؤمن كقتله في التحريم أو في العقاب والتقييد بالمؤمن للتشنيع وقيل للاحتراز عن الكافر فيجوز لعنه إذا كان غير معين كقولنا لعن الله الكفار وأما الشخص المعين فلا يجوز لعنه ما دام حيا لجواز أن يوفقه الله للهداية
وأما الخامس فالمراد أن من رمى مؤمنا بالكفر كأن قال له يا كافر أو أنت كافر كقتله في قطع المنفعة لأن القاتل يقطع عن المقتول منافع الدنيا والرامي للمؤمن بذلك يقطعه عن منافع الآخرة وقيل فهو كقتله في إثم لأنه بنسبته له إلى الكفر يحكم بقتله فكأنه قتله بناء على أن المتسبب كالفاعل والأولى حمل هذا والذي قبله على التغليظ والتخويف وهو كثير في الاستعمال كأن تسمع تأنيب زميل لزميله بكلمة جارحة فتقول له أنت قتلته بهذه الكلمة كذلك يحرم رمي المؤمن بالفسق فإن قصد نصحه سرا جاز ما لم يؤد ذلك إلى عناد الفاسق وإصراره على ذلك الفعل كما في طبع كثير من الناس وخصوصا إذا كان الآمر دون المأمور في المنزلة
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم: ]-
١ - مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية
٢ - وأن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم لأن نفسه ليست ملكا له بل لله تعالى
٣ - النهي عن سباب المؤمن ولعنه.
стр. 1007
٤٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا"
-[المعنى العام]-
هدي نبوي كريم وتشريع سماوي حكيم يحذرنا من ظن السوء ومن الاتهام بغير تحقق وبغير دليل "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" وينهانا عن أن نتبع خاطر السوء أو نحاول أن نتحقق الظن السيئ بأية حاسة من حواسنا "ولا تحسسوا ولا تجسسوا" ويرشدنا إلى الابتعاد عن كل ما يحدث الشقاق والضغائن لا ترفعوا ثمن السلعة لإيقاع الغير من غير رغبة لكم في شرائها ولا تتمنوا زوال نعمة إخوانكم فإن تمنيكم لن يزيلها ولن يثمر هذا الحسد إلا تآكلا في قلب الحاسد وإلا أسى في نفسه وكمدا وابتعدوا عن أسباب التباغض وعن أسباب التقاطع وتمسكوا بأواصر المحبة وتآلف القلوب فإنكم جميعا عباد الله وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها بالإسلام وكنتم أعداء فأصبحتم بنعمة الإيمان إخوانا فلا ترتدوا بعد هذا كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض واتقوا الله إن الله تواب رحيم
-[المباحث العربية]-
(إياكم والظن) أصله احذروا تلاقي أنفسكم والظن ثم حذفوا الفعل وفاعله وأقاموا عنه لفظ "ايا" ثم حذفوا المفعول به وهو "تلاقي" ثم
стр. 1008
حذف المضاف وهو "أنفس" فانفصل الضمير وانتصب فصار "إياكم" و"الظن" معطوف على هذا الضمير المنصوب
(فإن الظن أكذب الحديث) الفاء تعليلية والمراد من الحديث حديث النفس والمراد بالكذب لازمه وهو سوء الأثر
(ولا تحسسوا ولا تجسسوا) الأولى بالحاء من الحس وهو الإدراك بإحدى الحواس الخمس والثانية بالجيم من الجس وهو اختبار الشيء باليد فهو عطف الخاص على العام وقيل كلاهما بمعنى واحد فذكر الثاني للتأكيد كقولهم بعدا وسحقا والمراد لا تبحثوا عن عيوب الناس ولا تتبعوها
(ولا تناجشوا) من النجش وهو أن يزيد في السلعة أكثر من ثمنها دون أن يقصد شراءها بل ليغرر غيره فيوقعه فيها وكذلك في النكاح
(ولا تحاسدوا) الحسد تمني الشخص زوال النعمة عن مستحقها أما تمني مثل ما للغير فهو غبطة محمودة وأما تمني زوال النعمة عن ظالم استعمل النعمة في ظلم الناس فإنه لا يسمى حسدا
(ولا تباغضوا) أي لا تتعاطوا أسباب البغض لأن البغض نفسه لا يكتسب ابتداء
(ولا تدابروا) أصل التدابر أن يعطي كل واحد من المتدابرين أخاه دبره وقفاه والمراد هنا إعراض البعض عن البعض قال الهروي التدابر التقاطع يقال تدابر القوم أي أدبر كل واحد عن صاحبه والتفاعل في الأربعة ليس على بابه حتى يشترط وقوعه من متعدد بل النهي متوجه على الفعل ولو كان من جانب واحد
(وكونوا عباد الله إخوانا) عباد الله منصوب على النداء أو على الاختصاص "إخوانا" خبر "كونوا" أو "عباد الله" خبر أول "إخوانا" خبر ثان ويصح أن يكون "عباد الله" خبرا و"إخوانا" بدلا منه قال الحافظ هذه الجملة تشبه النتيجة لما تقدم كأنه قال إذا تركتم هذه المنهيات كنتم إخوانا
стр. 1009
مفهومه إذا لم تتركوها تصيرون أعداء
-[فقه الحديث]-
اشتمل هذا الحديث على جمل من الفوائد والآداب التي لا يستغنى عنها أولها الظن وليس المراد التحذير من العمل بالظن الذي هو محل الاجتهاد ومناط الأحكام الشرعية غالبا وهو إدراك الحكم إدراكا راجحا عن دليل شرعي بل المراد التحذير من ظن السوء بالمسلم من غير دليل أو من الظن الذي يضر بالمظنون به ومصداق ذلك قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ وقد استشكل وصف الظن بأنه أكذب الحديث مع أن تعمد الكذب الذي لا يستند إلى ظن أصلا أشد من الكذب الذي يستند إلى الظن وأجيب بأن اغترار صاحبه به أكثر فسوء أثره نفسه أعظم من سوء أثر الكذب الذي يتعمده وسوء أثره عند الناس أعظم أيضا لأن صاحبه قد يكون ممن لا يعهد الناس عليه كذبا فيصدقونه فتحدث العداوة والبغضاء بينهم وبين المظنون فيه
ثانيها التحسس والتجسس وفي ذكرهما بعد التحذير من الظن مناسبة لطيفة فقد يقول الظان أبحث لا تحقق فيقال له "ولا تجسسوا" ويستثنى من النهي عن التجسس ما لو تعين طرقا إلى إنقاذ نفس من الهلاك مثلا كأن يخبره ثقة بأن فلانا خلا بشخص ليقتله ظلما فيشرع في مثل هذه الصورة التجسس والبحث عن ذلك
ثالثها التناجش وقد مضى تفصيل حكمه في كتاب البيوع في مقرر السنة الثالثة الثانوية
رابعها التحاسد وظاهر الحديث النهي عن وقوع الحسد من الجانبين لكن النهي ليس مقصورا على وقوعه من اثنين فصاعدا بل هو مذموم ومنهي عنه ولو وقع من واحد سواء كان الدافع كراهية وجود النعمة عند الغير أو محبة انتقالها إلى الحاسد وسواء سعى في ذلك أو لا فإن
стр. 1010
سعى كان باغيا وإن لم يسع لعجزه فهو آثم وإن لم يسع لتقوى فقد يعذر لأنه لا يملك دفع الخواطر النفسية ويكفيه مجاهدة نفسه ويشكل على هذا الحديث ما روي ثلاث لا يسلم منها أحد الطيرة والظن والحسد ويجاب بما روي "قيل فما المخرج منهن يا رسول الله قال إذا تطيرت فلا ترجع وإذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ"
خامسها التباغض ولا يشترط وقوعه من جانبين والتبغض المذموم ما كان لغير الله أما التباغض في الله بأن تبغض شخصا لمعصيته فهو واجب يثاب عليه
سادسها التدابر بمعنى تولية الدبر وهو يتجه للمعاداة أو المهاجرة أو الاستبداد بالشيء أو الجدال أو عدم التعاون أو عدم إفشاء السلام ولهذا جاء تفسيره بكل هذه المعاني
سابعها كونوا عباد الله إخوانا أي اكتسبوا ما تكونوا به إخوانا كإخوان النسب وهذا أمر يشمل جميع ما ذكره وغيره من الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة والنصيحة وغير ذلك مما تقتضيه الأخوة وفي النداء بيا عباد الله إشعار بعلة هذا الأمر يعني كونوا إخوانا لأنكم مستوون في كونكم عبيدا لله تعالى وتجمعكم ملة واحدة ومن كان شأنهم كذلك لم يصدر عنهم ما يتنافى وما ينبغي فالواجب أن تكونوا كالإخوة من النسب.
стр. 1011
٤٩ - عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال "إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا"
-[المعنى العام]-
يحث الرسول ﷺ على تحري الصدق والاعتناء به ويحذر من الكذب والتساهل فيه فيقول إن الصدق في النية وفي القول يوصل إلى الخير والطاعة والخير والطاعة يوصلان إلى الجنة وإن الذي يصدق ويقصد الصدق ويحافظ عليه يكتبه الله في دواوين الحفظة صديقا ويلقي في قلوب الناس وعلى ألسنتهم الوثوق به والاطمئنان إليه فتربح تجارته ويعظم قدره وإن الكذب في القول أو في النية يوصل إلى الفساد والمعاصي والفساد والمعاصي يوصلان إلى النار وإن الذي يكذب ويتكرر منه الكذب ويتساهل فيه ينكت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه فيكتبه الله عند ملائكته من الكذابين ويلقي في قلوب أهل الأرض وعلى ألسنتهم عدم الثقة به فيفقد الاطمئنان إلى معاملته ويبوء في الآخرة بالنار وفي الدنيا بالخزي والخسران
стр. 1012
-[المباحث العربية]-
(عن عبد الله) بن مسعود ﵁ وهو المراد عند إطلاق البخاري إذا كان الراوي عنه كوفيا
(إن الصدق يهدي إلى البر) وفي رواية "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر" والصدق يطلق على صدق اللسان وهو مطابقة الخبر للواقع وعلى صدق النية وهو الإخلاص في القول والفعل وهذا يستلزم صدق اللسان لاقتضائه استواء سريرة المخلص وعلانيته (ويهدي) من الهداية وهي الدلالة الموصلة إلى البغية (البر) أصله التوسع في الخير والمراد به العمل الخالص من كل مذموم وهو اسم جامع للخيرات كلها
(وإن الرجل ليصدق) زاد في رواية (ويتحرى الصدق)
(حتى يكون) وفي رواية "حتى يكتب عند الله"
(صديقا) صيغة مبالغة قال ابن بطال أراد أنه يتكرر منه الصدق حتى يستحق اسم المبالغة في الصدق
(وإن الكذب يهدي إلى الفجور) قال الراغب أصل الفجر الشق فالفجور شق ستر الديانة ويطلق على الميل إلى الفساد وعلى الانبعاث في المعاصي وهو اسم جامع للشرور وهو والبر متقابلان قال تعالى ﴿إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم﴾
-[فقه الحديث]-
ظاهر قوله (حتى يكتب عند الله كذابا) يتعارض مع ما ثبت من أن حكم الله أزلي ولهذا قيل في معناه حتى يظهره الله للملأ الأعلى أو حتى يلقي الله ذلك في قلوب الناس وألسنتهم ويكتبوا اسمه مع أسماء الكذابين فيستحق بذلك صفتهم وعقابهم وزيادة (ويتحرى الصدق) و (يتحرى الكذب) في بعض الروايات تشير إلى أن من توقى الكذب بالقصد الصحيح إلى الصدق صار الصدق سجية له حتى يستحق الوصف به وكذلك عكسه
стр. 1013
وهذا الحديث يتعارض ظاهره مع ما روي (قيل لرسول الله ﷺ أيكون المؤمن كذابا قال لا) ومع حديث (يطبع المؤمن على كل شيء ليس الخيانة والكذب) وأجيب بأن المراد لا يكون المؤمن الكامل المستكمل لأعلى درجات الإيمان كذابا حتى يغلبه الكذب لأن كذابا من أبنية المبالغة لمن يكثر الكذب منه ويتكرر حتى يعرف به قال الغزالي الكذب من قبائح الذنوب وليس حراما لعينه بل لما فيه من الضرر ولذلك يؤذن فيه حيث يتعين طريقا إلى المصلحة وتعقب بأنه يلزم أن يكون الكذب إن لم ينشأ عنه ضرر مباحا وليس كذلك ويمكن الجواب بأنه يمنع من ذلك حسما للمادة فلا يباح منه إلا ما يترتب عليه مصلحة
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - الترغيب في الصدق وتحريه والاعتناء به
٢ - التحذير من الكذب والتساهل فيه
٣ - أن الخير لا يؤدي إلا إلى خير أكثر غالبا
٤ - وإن الشر ينتج شرا أكبر
٥ - عدم الاستهانة بالقليل فمعظم النار من مستصغر الشرر.
стр. 1014
٥٠ - عن أنس بن مالك ﵁ قال عطس رجلان عند النبي ﷺ فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر فقيل له فقال هذا حمد الله وهذا لم يحمد الله
-[المعنى العام]-
قدم عامر بن الطفيل بن مالك الفارس المشهور على رسول الله ﷺ وجرى بينه وبين ثابت بن قيس بحضرة النبي ﷺ كلام ثم عطس ابن أخيه فحمد الله فقال له ﷺ يرحمك الله ثم عطس عامر -وكان كافرا- فلم يحمد فلم يشمته فقال يا رسول الله شمت هذا ولم تشمتني وأنا أكبر منه سنا ومقاما فقال ﷺ هذا ذكر الله فذكرته وأنت نسيت الله فتناسيتك
-[المباحث العربية]-
(عطش رجلان) بفتح الطاء من باب ضرب وقتل والاسم العطاس وهو انحدار الرطوبة من تجويف في الجبهة إلى الأنف من قناة وأصله بينهما وبقاء هذه الرطوبة يفسد الدماغ ويثقل الجسم فالعطاس يوقظ الفكر وينشط الجسم والرجلان عامر بن الطفيل وابن أخيه كما جاء في رواية الطبراني وفي رواية للبخاري "أحدهما أشرف من الآخر وإن الشريف لم يحمد الله"
(فشمت أحدهما) من التشميت وأصله إزالة شماته الأعداء والتفعيل يأتي للسلب نحو قشرت الشجرة أزلت قشرتها فاستعمل للدعاء بالخير وهو قولك للعاطس "يرحمك الله" وقيل معناه صان الله شوامتك أي قوائمك التي بها قوامك فقوام الدابة مثلا بسلامة قوائمها التي تنتفع بها إذا سلمت وقوائم الإنسان التي بها قوامه الرأس وما اتصل به من عنق وصدر وفي رواية "فسمت" بالسين فيكون دعاء له بأن يكون على سمت حسن قال ابن العربي المعنى على كلا اللفظين -شمت وسمت- بديع
стр. 1015
وذلك أن العاطس ينحل كل عضو في رأسه وما يتصل به من العنق والصدر فإذا قيل له يرحمك الله كان معناه أعطاك الله رحمة يرجع بها كل عضو إلى حاله فالتسميت بالسين رجوع كل عضو إلى سمته والتشميت بالشين الدعاء بسلامة ما به قوام الإنسان
(فقيل له) القائل هو العاطس الذي لم يحمد الله كما جاء في بعض الروايات والمقول محذوف للعلم به أي قيل له يا رسول الله شمت هذا ولم تشمتني والمعنى على تقدير الاستفهام أي فلم فرقت في المعاملة
-[فقه الحديث]-
الكلام على الحديث يتناول النقاط التالية
١ - حكم حمد الله عند العطاس وكيفيته وحكمه مشروعيته
٢ - آراء الفقهاء في حكم التشميت والأحوال التي لا يشرع فيها
٣ - كيفية التشميت وحكمة مشروعيته
٤ - ما يقوله العاطس بعد التشميت
٥ - الآداب التي ينبغي أن يراعيها العاطس
٦ - ما يؤخذ من الحديث وهذا هو التفصيل:
١ - نقل النووي الاتفاق على استحباب الحمد للعاطس وأن يرفع به صوته وأما لفظه فنقل ابن بطال عن طائفة أنه لا يزيد على الحمد لله وعن طائفة يقول الحمد لله على كل حال وعن طائفة يقول الحمد لله رب العالمين وروي عن ابن عباس أنه قال إذا عطس الرجل فقال الحمد لله قال الملك رب العالمين فإن قال رب العالمين قال الملك يرحمك الله وعن طائفة ما زاد من الثناء فيما يتعلق بالحمد فهو حسن فقد أخرج الطبري عن أم سلمة قالت "عطس رجل عند النبي ﷺ فقال الحمد لله فقال له النبي ﷺ يرحمك الله" وعطس آخر فقال
стр. 1016
الحمد لله رب العالمين حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه فقال ﷺ "ارتفع هذا على هذا تسع عشرة درجة" وأخرج الترمذي عن رفاعة ابن رافع قال صليت مع النبي ﷺ فعطست فقلت الحمد لله حمدا طيبا مباركا فيه مباركا عليه كما يحب ربنا ويرضى فلما انصرف قال من المتكلم ثلاثا فقلت أنا يا رسول الله فقال "والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكا أيهم يصعد بها" قال الحافظ ابن حجر ولا أصل لما اعتاده كثير من الناس من استكمال قراءة الفاتحة بعد قوله الحمد لله رب العالمين وكذا العدول عن الحمد إلى أشهد أن لا إله إلا الله أو تقديمها على الحمد وحكمة مشروعية الحمد أن العطاس يدفع الأذى عن الدماغ الذي بسلامته تسلم الأعضاء ويخرج الفضلات ويصفي الروح فهو نعمة جليلة يناسبها أن تقابل بالحمد
٢ - أما حكم التشميت فسيأتي تفصيله وتفصيل المواضع التي يشرع فيها والتي لا يشرع فيها في الحديث التالي رقم (٥١)
٣ - أما لفظ التشميت فقد قال ابن بطال أنه "يرحمك الله" يخصه بالدعاء وحده وأخرج الطبري عن ابن مسعود قال يقول يرحمنا الله وإياكم وعن ابن عباس يقول "عافانا الله وإياكم من النار يرحمكم الله" وحكمة مشروعيته تحصيل المودة والتأليف بين المسلمين وتأديب العاطس بتخلية نفسه من الكبر وتحليتها بالتواضع لما في ذلك من ذكر الرحمة والإشعار بالذنب لا يعرى عنه أكثر المكلفين ذكره ابن دقيق العيد
٤ - ويقول العاطس بعد التشميت يرحمنا الله وإياكم ويغفر الله لنا ولكم وقيل يقول يهديكم الله ويصلح بالكم قال ابن بطال ذهب مالك والشافعي إلى أنه يتخير بين اللفظين قال ابن رشد والجمع بينهما أحسن إلا للذمي
٥ - ومن آداب العاطس
١ - أن يخفض بالعطاس صوته
стр. 1017
٢ - وأن يرفعه بالحمد
٣ - وأن يغطي وجهه لئلا يبدو من فمه وأنفه ما يؤذي جليسه
٤ - وألا يلوي عنقه يمينا أو شمالا يتضرر بذلك
٦ - [ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - مشروعية الحمد للعاطس
٢ - طلب التشميت لمن حمد الله وهو مجمع عليه
٣ - جواز السؤال عن علة الحكم
٤ - بيان علة الحكم للسائل إذا كان في ذلك منفعة له
٥ - أن العاطس الكافر إذا لم يحمد لم يلقن الحمد ليحمد فيشمت.
٥١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقا
стр. 1018
على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك الله وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان"
-[المعنى العام]-
إن الله يحب العطاس لأنه ينشأ من خفة البدن وينشأ عنه النشاط في العبادة ويكره التثاؤب لأنه ينشأ عن امتلاء المعدة وكسل التفكير ويتبعه التراخي في العبادة فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان على كل مسلم سمع عطاسه وحمده أن يشمته فيقول له يرحمك الله وأما التثاؤب فهو من إغواء الشيطان ليفتح الإنسان فاه ويقول ها ويعوي كما يعوي الكلب فيتمكن الشيطان منه ومن تنحيته عن ذكر الله فليتجنب المسلم أسباب التثاؤب فإذا أشرف عليه فليدفعه وليكظم قدر استطاعته فإن لم يستطع فليضع يده أو ثوبه على فمه وليقبض شفتيه لئلا يضحك الشيطان من قبح شكله وهيئته ويفرح بنجاح خطته ويسخر من المسلم ومن ضعف عزيمته
-[المباحث العربية]-
(إن الله يحب العطاس) المحبة هنا باعتبار سبب العطاس الذي هو عدم التوسع في الأكل فتنفتح المسام وصمائم الأجهزة المخرجة للسموم والرطوبات من الدماغ وسائر الجسد فيخف البدن وينشط الفكر فيكون داعية إلى النشاط في العبادة وباعتبار ما يترتب على العطاس من الحمد والتشميت إلى غير ذلك
(ويكره التثاؤب) وهو النفس الذي ينفتح منه الفم والكراهة هنا باعتبار السبب أيضا وهو التوسع في الأكل حيث يمتلئ الجسم ويزيد الضغط على الأوعية فتكثر فيها الأسدة وتتعطل الأجهزة المفرزة للسموم فيثقل الجسم ويضعف الفكر ويستولي الكسل وتنحط الهمة عن العبادة
стр. 1019
(كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول) أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر اسم كان "حقا" خبرها والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة "حقا" وجملة "سمعه" صفة "مسلم" وجملة "كان" جواب "إذا" وهو العامل فيها
(فيرده ما استطاع) ما ظرفية مصدرية أي مدة استطاعته
-[فقه الحديث]-
نقاط الحديث تتلخص في
١ - حكم التشميت والأحوال التي لا يشرع فيها
٢ - توجيه كون التثاؤب من الشيطان
٣ - حكم التثاؤب وكيفية رده
٤ - توجيه ضحك الشيطان من المتثائب
٥ - ما يؤخذ من الحديث وهذا هو التفصيل
١ - استبدل جمهور أهل الظاهر وجماعة من المالكية بقوله "كان" حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له "يرحمك الله" على أن التشميت واجب عيني وقال الحنفية وجمهور الحنابلة وهو الراجح عند المالكية إن قوله (على كل مسلم) محمول على حال انفراد السامع فإذا سمع العاطس اثنان فأكثر كان التشميت واجبا على الكفاية فيسقط الإثم بتشميت بعضهم وقال الشافعية وبعض المالكية إن المراد من الحديث أن التشميت حق في حسن الأدب ومكارم الأخلاق فهو مستحب عينا إن انفرد السامع وإلا فعلى الكفاية والأمر بالتشميت ظاهر في عموم من حمد الله أما من لم يحمد الله فقد قال النووي يستحب لمن حضر من عطس فلم يحمد أن يذكره بالحمد ليحمد فيشمته وهو من باب النصيحة والأمر بالمعروف وزعم ابن العربي أن الذي يذكر بالحمد جاهل لأنه يلزم نفسه بما لم يلزمها ثم قال ابن العربي لو ذكر وشمت فقال الحمد لله يرحمك الله جمع جهالتين جهالة
стр. 1020
التذكير السابقة وجهالة إيقاع التشميت قبل وجود الحمد من العاطس وقد خطأ العلماء ابن العربي فيما زعم والصواب استحباب التذكير كذلك يشرع التشميت لمن حمد إذا عرف السامع أنه حمد الله وإن لم يسمعه لعموم الأمر به لمن عطس فحمد كذا قيل وقال النووي المختار أنه من سمعه دون غيره
واستثنى العلماء ممن يشمت
١ - الكافر قال ابن دقيق العيد إذا نظرنا إلى قول من قال من أهل اللغة أن التشميت الدعاء بالخير دخل الكفار في عموم الأمر بالتشميت وإذا نظرنا إلى من خص التشميت بالرحمة لم يدخلوا وقد روى أبو موسى الأشعري قال كانت اليهود يتعاطسون عند النبي ﷺ رجاء أن يقول يرحمكم الله فكان يقول يهديكم الله ويصلح بالكم قال ابن حجر هذا الحديث يدل على أنهم يدخلون في مطلق الأمر بالتشميت لكن لهم تشميت خاص وهو الدعاء لهم بالهداية وإصلاح البال
٢ - والمزكوم الذي تكرر منه العطاس فزاد على الثلاث قال النووي إذا تكرر العطاس متتابعا فالسنة أن يشمته لكل مرة إلى أن يبلغ ثلاث مرات فيقول له في الثالثة أنت مزكوم ومعناه أنك لست ممن يشمت بعدها لأن الذي بك مرض وليس من العطاس المحمود الناشئ عن خفة البدن قال ابن حجر فإن قيل فإذا كان مريضا فإنه ينبغي أن يشمت بطريق الأولى لأنه أحوج إلى الدعاء من غيره قلنا نعم لكن يدعي له بدعاء آخر يلائمه كالدعاء بالعافية والشفاء لا بالدعاء المشروع للعاطس وذكر ابن دقيق العيد عن بعض الشافعية أنه يكرر التشميت إذا تكرر العطاس حتى يعرف أنه مزكوم ولو زاد على ثلاث ومعنى ذلك أن الأمر بالتشميت يسقط عند العلم بالزكام ولو بدون تكرار
٣ - ومن عرف من حاله أنه يكره التشميت فإنه لا يشمت إجلالا للتشميت أن يؤهل له من يكرهه ولا يقال كيف تترك السنة لذلك فإنما
следующие страницы →