← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14106

المنهل الحديث في شرح الحديث

موسى شاهين لاشين

Полный текст (1 103 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

-[المباحث العربية]- (أحب الصلاة إلى الله) لفظ "أحب" بمعنى المحبوب أي أكثر ما يكون محبوبا من الصلاة واستعمال "أحب" بمعنى محبوب قليل لأن الغالب في أفعل التفضيل أن يكون بمعنى الفاعل ولعل ال في (الصلاة) للعهد والمقصود منها صلاة الليل لكيلا يقال إن داود لم يكن يصلي بالنهار (كان ينام نصف الليل) هذا بيان لكيفية قيام داود المحبوبة (ويصوم يوما ويفطر يوما) بيان لكيفية صيام داود المحبوبة -[فقه الحديث]- كان هذا النظام أحب إلى الله تعالى لأنه أخذ بالرفق على النفوس التي يخشى منها السآمة المؤدية إلى ترك العبادة والله يحب أن يوالي فضله ويديم إحسانه وإنما كان ذلك أرفق على العباد لأن النوم بعد القيام يريح البدن ويذهب ضرر السهر وذبول الجسم بخلاف السهر إلى الصباح وكان نظام داود هذا أحب إلى الله أيضا لأن فيه مصلحة هامة وهي استقبال الصبح وأذكار النهار بنشاط وإقبال ولأنه أقرب إلى عدم الرياء لأن من نام السدس الأخير أصبح ظاهر اللون سليم القوى فهو أقرب إلى أن يخفى نوم سدس الليل عمله الماضي على من يراه أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد وقد اختلفوا في أفضل الأوقات لمن يرغب أن يصلي بعض الليل على قولين أحدهما: أنه جوف الليل والثاني: وقت السحر ليصل به فريضة الفجر وكان نظام داود في الصيام أفضل لأن المكلف لم يتعبد بالصيام خاصة بل به وبالحج وبالسعي في الرزق وبالجهاد وغير ذلك فإذا استفرغ المرء جهده في الصوم خاصة انقطعت قوته وضعفت سائر العبادات ولكن إذا صام يوما وأفطر يوما كانت فيه قوة ومناعة واستطاع العمل

стр. 247

قال ابن المنير: كان داود ﵇ يقسم ليله ونهاره لحق ربه وحق نفسه فأما الليل فاستقام له فيه ذلك كل ليلة وأما النهار فلما تعذر عليه أن يجزئه بالصيام لأنه لا يتبعض جعل عوضا من ذلك أن يصوم يوما ويفطر يوما فيتنزل ذلك منزلة التجزئة في شخص اليوم -[ويدل الحديث]- ١ - على الاقتصاد والتزام حد الاعتدال في العبادة ٢ - وعلى أن صلاة التهجد في السدسين الرابع والخامس من الليل مرغوب فيها لأنه وقت تجلي الرحمن على عباده ٣ - واستدل به من قال بحصول السنة لمن نام السدس الأول مثلا وقام الثلث ونام النصف الأخير لأن الواو لا تقتضي ترتيبا ويرده رواية الترتيب بثم بدل الواو ٤ - وفيه الحث على المداومة على العمل وأن قليله الدائم خير من كثير ينقطع ٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب كل عقدة

стр. 248

عليك ليل طويل فارقد فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان" -[المعنى العام]- يحرص الشيطان على أن يحول بين العبد وبين قيامه بعبادة ربه لقد أقسم على إغواء بني آدم. ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِين﴾ إنه يتفنن في تزيين الكسل والخمول لمن يعتزم عبادة الله يثبط العزائم ويسوف ويستدرج وبخاصة عند النوم ليجتمع له مع إغوائه شهوة النفس وميلها إلى النوم إذا أراد المسلم أن يصلي صلاة الليل قبل أن ينام وسوس له وأتاه من زاوية الحق المراد به الباطل يقول له: قيام الثلث الأخير أفضل. فنم ثم قم ويؤكد له القدرة على القيام ويقسم له أن ذلك سيكون وأنه من السهل اليسير فإذا نام أثقل أذنيه حتى لا يسمع صوتا موقظا أو منبها وأوثق تغميض عينيه وعقد على عقله ثلاث عقد ليغلق عنه اليقظة والانتباه فإذا ما أفلت المسلم من هذا الحصار المنيع وتقلب في فراشه واستحضر في نفسه الرغبة لأداء الصلاة خدعه شيطانه وقال له نم ما زال الليل طويلا نم قليلا ثم قم فإذا ما استجاب لهذا الإغواء فنام ثم تيقظ عاوده الشيطان بالخدعة نفسها شيئا فشيئا ومرة بعد مرة يعده ويمنيه وما يعده الشيطان إلا غرورا حتى إذا ما فات وقت الصلاة وضاعت الفرصة على المسلم وتحقق للشيطان ما أراد بال في أذن صاحبه سخرية منه واستهزاء ﴿وقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم﴾

стр. 249

-[المباحث العربية]- (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم .... ثلاث عقد) قافية الرأس مؤخره وهي إشارة إلى المخ ومركز الإدراك والتعقل وقافية كل شيء مؤخره ومنه قافية القصيدة والخطاب في "أحدكم" للتعميم في المخاطبين ومن في معناهم ويخص من هذا العموم الأنبياء ومن قيل فيهم ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ وقد اختلف في هذه العقد فقيل: هو على الحقيقة وأنه كما يعقد الساحر لمن يسحره فيأخذ الخيط فيعقد عليه عقدا وهو يتكلم عليه بالسحر فيتأثر المسحور بذلك ومنه قوله تعالى ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾ فالمقصود شيء عند قافية الرأس نفسها وهل العقد في شعر الرأس أو في غيره؟ قال الحافظ ابن حجر: الأقرب الثاني إذ ليس لكل أحد شعر اهـ وقيل: إن هذا التعبير كناية وتصوير لوساوس الشيطان وتزيينه وتغريره بطول الوقت وانحلال العقد كناية عن مكافحته ودفع وساوسه والمقصود من كون العقد ثلاثا تقوية الإغواء فكأنه إغواء وإغواء وإغواء (إذا هو نام) أي إذا هو نام بدون صلاة هكذا قيده البخاري ويرى جمهور شراح الحديث أنه يعقد على رأس من صلى ومن لم يصل ولكن من صلى بعد ذلك تنحل عقده بخلاف من لم يصل (يضرب كل عقدة عليك ليل طويل فارقد) في رواية للبخاري "يضرب على مكان كل عقدة أي يضرب بيده على العقدة تأكيدا وإحكاما لها قائلا عليك ليل طويل فالضرب حقيقي وقيل إن الكلام كناية عن إحكام الوسوسة وإتيانها والايحاء للنائم بطول الوقت و"ليل طويل" بالرفع مبتدأ مؤخر و"عليك" خبر مقدم وفي رواية "ليلا طويلا" بالنصب على أن "عليك" اسم فعل بمعنى الزم ومراد الشيطان بهذه العبارة تسويفه بالقيام والإلباس عليه إذ ربما لو طلب منه عدم القيام كليا لدفع المؤمن هذه

стр. 250

المكيدة إما أن يستدرجه شيئا فشيئا فقد ينخدع المؤمن فكأنه يقول له: قم بعد قليل فمازال الليل طويلا. قم بعد قليل. قم بعد قليل. وبهذا الاستدراج يصل إلى ما يريد (فأصبح نشيطا طيب النفس) لسروره بما وفقه الله من طاعته وسروره بالثواب الموعود وسروره بإحباط كيد الشيطان وبانشراح صدره من ربه (وإلا) أي وإن لم يقم ويتوضأ ويصل وتنحل عقده ولو أتى ببعضها وترك بعضها بقي خبيث النفس كسلان لكنه يختلف عمن لم يأت بشيء منها بالقوة والضعف (أصبح خبيث النفس كسلان) لاستيلاء الشيطان عليه و"كسلان" ممنوع من الصرف للوصفية وزيادة الألف والنون -[فقه الحديث]- -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - فضل صلاة الليل وقد ادعى ابن العربي أن البخاري أومأ إلى وجوب صلاة الليل لقوله: باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل الليل قال الحافظ ابن حجر: ولم أر النقل في القول بإيجابه إلا عن بعض التابعين والذي عليه جماعة العلماء أنه مندوب إليه ٢ - الحث على ذكر الله تعالى عند الاستيقاظ وفي صيغه أحاديث كثيرة مشهورة في الصحيح جمعها الإمام النووي وما يتعلق بها في باب من كتاب الأذكار قال: ولا يتعين لهذه الفضيلة ذكر لكن الأذكار المأثورة فيه أفضل ٣ - التحريض على الوضوء عند القيام من النوم ٤ - أخذ بعضهم من قوله "عليك ليل طويل" اختصاص العقد بنوم الليل وهو كذلك لكن لا يبعد أن يجيء مثله في نوم النهار

стр. 251

٥ - أخذ بعضهم من طلب الوضوء لحل العقدة أن التيمم لمن ساغ له لا يقوم مقام الوضوء لأن في الوضوء معاناة تعين على طرد النوم والحق إجزاء التيمم كما يجزئ الغسل للجنب فذكر الوضوء للغالب والله أعلم ١٠ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: دخل النبي ﷺ فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: "ما هذا الحبل؟ " قالوا: هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلقت فقال النبي ﷺ : "لا حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد" -[المعنى العام]- من رحمة الله بالأمة الإسلامية أن رفع عنها الحرج والمشقة في عبادتها وأراد لها اليسر دون العسر وأنزل على نبيه شفقة بالأمة ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ

стр. 252

تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ وتطبيقا وتنفيذا لهذه الرحمة الإلهية ترفق رسول الله ﷺ بالأمة ودعا المشددين على أنفسهم أن يرفقوا بها وأن لا يبالغوا في العبادة وها هو يرى زوجه السيدة زينب بنت جحش وقد وضعت حبلا مشدودا بين ساريتين من سواري المسجد تتعلق به إذا غلبها النوم أثناء قيامها بالليل فيقول حلوه ليصل أحدكم ما دام نشيطا وليترك الصلاة إذا فتر لا تكلفوا أنفسكم من العبادة إلا ما تطيقونه فإن الله لا يحب العبادة مع الملل ولا يثيب عليها الثواب الكريم ولا يتشدد في الدين أحد إلا غلبه وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. فليتعبد المؤمن بما لا يشق عليه وعلى الله القبول -[المباحث العربية]- (فإذا حبل ممدود بين الساريتين) أي العمودين اللذين في جانب المسجد النبوي (قالوا: هذا حبل لزينب) أي بنت جحش أم المؤمنين بهذا جزم أكثر الشراح (فإذا فترت) في رواية "فإذا كسلت" بكسر السين أي فترت (ليصل أحدكم نشاطه) اللام المكسورة لام الأمر و"نشاطه" بفتح النون منصوب على الظرفية أي مدة نشاطه (فإذا فتر فليقعد) عن الصلاة وليتركها وقيل فليقعد في صلاته وليصل من جلوس والأول أولى -[ويؤخذ من الحديث]- : ١ - الحث على الاقتصاد في العبادة واجتناب التعمق قال النووي وليس ذلك مختصا بالصلاة بل هو عام في جميع أعمال البر

стр. 253

٢ - كمال شفقته ﷺ ورأفته بأمته لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ولا ضرر فتكون النفس أنشط والقلب منشرحا فتتم العبادة بإحسان وروح بخلاف من تعاطى من الأعمال ما يشق عليه فإنه بصدد أن يتركه أو يترك بعضه أو يفعله بكلفة وبغير انشراح القلب فيفوته خير عظيم وقد ذم الله تعالى من اعتاد عبادة ثم فرط فقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ وقد ندم عبد الله بن عمرو بن العاص على تركه قبول رخصة رسول الله ﷺ في تخفيف العبادة ومجانبة التشدد قاله النووي ٣ - الحث على النشاط في العبادة وأنه إذا فتر قعد حتى يذهب الفتور ٤ - وإزالة المنكر باليد لمن تمكن منه ٥ - وجواز تنفل المرأة في المسجد فإنها كانت تصلي النافلة فيه فلم ينكر عليها ٦ - استدل به بعضهم من قوله "فليقعد" على جواز الافتتاح بالصلاة قائما والقعود في أثنائها وفيه خلاف وفي الاستدلال بالحديث نظر ٧ - كذلك استدل به بعضهم على جواز قطع النافلة بعد الدخول فيها وهو استدلال مردود ٨ - واستدل به على كراهة التعلق بالحبل في الصلاة لتكلف طول القيام في النافلة واختلف في الاستناد على عصا ونحوها والله أعلم

стр. 254

باب الاستخارة ١١ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: "إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني قال: ويسمي حاجته" -[المعنى العام]- ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ نعم سبحانه مقلب القلوب موجه النفوس محرك الإنسان على وفق مشيئته وحكمته ومن هنا كان الواجب على المسلم حين يهم بأمر من أمور الدنيا أن يطلب العون من ربه وأن يجهد نفسه في الاختيار ثم يترك الأمر للذي يخلق ما يشاء ويختار وحتى لا يغتر المسلم بتوقد فكره وصدق رؤيته وعمق خبرته دعاه الإسلام إلى أن يطلب من ربه أن يختار له وأن يتقرب إلى الله بالصلاة والدعاء ثم يناجي في صلاته ربه بدعاء علمنا إياه رسول الله ﷺ فيقول: [اللهم إني أستخيرك بعلمك] أي أطلب أن تختار لي الخير بعلمك الأزلي بما فيه خيري [وأستقدرك بقدرتك] أي وأطلب منك العون وأن تمنحني القدرة على تنفيذ ما توجهني إليه [وأسألك من فضلك العظيم] أي وأسألك بعض فضلك الكبير، أسألك فضلا منك وخيرا [فإنك تقدر] على كل شيء

стр. 255

[ولا أقدر] على شيء إلا بقدرتك [وتعلم] خيري وشري وما يأتي به غدي [ولا أعلم] ما ينفعني وما يضرني [وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر] ويصرح الداعي المستخير بالأمر الذي يعتزمه [خير لي في ديني] أي في صلاح ديني وطاعتي [ومعاشي] أي وفي دنياي وعيشتي [وعاقبة أمري] أي وعاقبته وآثاره [أو عاجل أمري وآجله] أي في دنياي وأخراي وفي أحوالي الدنيوية القريبة والبعيدة [فاقدره لي] أي هيئه لي [ويسره لي] وسهل لي وسيلة الحصول عليه وتنفيذه [ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان بهذا الأمر أو بغيره [ثم أرضني به] واغمرني بالرضى والقبول والارتياح لما تهيئني له وبعد هذه الصلاة وهذا الدعاء يتوجه إلى تنفيذ ما كان يعتزم أو يعرض عنه حسبما يشرح الله له صدره والمرجو من الرب الكريم أن يستجيب ويهدي إلى الصراط المستقيم والخير العميم -[المباحث العربية]- (يعلمنا الاستخارة) أي الطلب من الله أن يختار الله للعبد أو الطلب من الله أن يوفق العبد للاختيار فالسين والتاء للطلب والمقصود تعليمهم صلاة الاستخارة ودعاءها وتحفيظهم ذلك (في الأمور كلها) متعلق بالاستخارة وليس بفعل "يعلمنا" أي أن نطلب من الله التوفيق في كل أمر نعتزمه والمقصود الأمور الهامة كلها فأل في الأمور للكمال والتفخيم فلا تصلى الاستخارة للأمور التافهة كاختيار نوع من المأكل أو ثوب من الملبس مثلا (كما يعلمنا السورة من القرآن) بيان لاهتمامه ﷺ بالاستخارة والكاف صفة لمصدر محذوف أي يعلمنا الاستخارة تعليما مشبها تعليمه إيانا السورة من القرآن ووجه الشبه الاهتمام والدقة والحفظ (يقول ... ) الجملة للتعليم

стр. 256

(إذا هم أحدكم بالأمر) الهم القصد الذي لم يصل إلى العزم والتصميم والباء للتعدية وليست زائدة مثلها في قام بالعمل (فليركع ركعتين) أي يصلي ركعتين وإطلاق الركوع على الصلاة المشتملة عليه وعلى غيره من إطلاق الجزء وإرادة الكل (أستخيرك بعلمك) أي أطلب منك الخيرة بناء على علمك الأزلي بالخير والشر (وأستقدرك) أي أطلب أن تجعلني قادرا (بقدرتك) الباء للسببية أو للاستعانة (وأسألك من فضلك العظيم) "من" للتبعيض أي أسألك بعض فضلك أو للابتداء والمفعول الثاني محذوف أي أسألك الخير الذي مصدره فضلك وتفضلك (فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم) المفعول محذوف أي تقدر على كل شيء ولا أقدر على شيء إلا ما تشاؤه وتعلم كل شيء وعاقبة كل شيء ولا أعلم عاقبة أمر من الأمور (أن هذا الأمر) أل هنا للعهد الذهني والمقصود الأمر المستخار بشأنه ويستحضره المصلي في ذهنه أو يذكره بلسانه ويسميه (ومعاشي) المعاش والعيشة حياة الدنيا وما به يعيش الإنسان فهو مصدر واسم (أو قال عاجل أمري وآجله) بدلا من قوله (ديني ومعاشي) وعاجل الأمر الدنيا وآجله الآخرة والشك من الراوي في أي اللفظين صدر عن الرسول ﷺ (فاقدره لي) القاف ساكنة والدال مضمومة من قدره بتخفيف الدال بمعنى قدره بتشديدها والمراد هنا فيسره لي

стр. 257

(فاصرفه عني واصرفني عنه) أي باعد بيني وبينه تنفيذا ورغبة أي فضع حائلا دون تنفيذه واقطع تعلق نفسي به (واقدر لي الخير حيث كان) في تنفيذ هذا الأمر أو في تركه أو في غيره من الأمور (ثم أرضني به) أي اجعلني راضيا بما تقدره لي من الأمور حيث كانت (ويسمي حاجته) وينطق بالأمر الذي يستخير بشأنه بعد الدعاء أو في أثنائه -[فقه الحديث]- صلاة الاستخارة مشروعة على سبيل الندب المؤكد وعلى هذا حمل الأمر في قوله ﷺ "فليركع ركعتين" وصرفه عن الوجوب قوله "من غير الفريضة" أما كيفيتها فكركعتي الصبح والأفضل ركعتان وإن جاز أن يصلي أربعا بتسليمة واحدة بل أكثر من أربع فإن فعل الأفضل أن يصليها مثنى سواء كانت في نهار أم في ليل وقد وضعها البخاري تحت باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى أي في صلاة الليل والنهار وتصلى في أي وقت فلا تشملها أوقات الكراهة أو الحرمة عند الجمهور ومنعها بعضهم في أوقات الكراهة أما مكان الدعاء الوارد فظاهر الحديث أنه خارجها عقب السلام لقوله "فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل ... إلخ" والتعبير بثم يفيد أنه لا يضر تأخير الدعاء عن الصلاة نعم إن طال الفصل كان دعاء مستقلا غير مرتبط بالصلاة والتحقيق أنه يجوز إيقاع الدعاء في الصلاة نفسها في آخر التشهد أو في السجود أو بعد الرفع من الركوع سواء أكان الأمر دنيويا صرفا أو للدين فيه نصيب وينوى عند التنفل الاستخارة. وهل صلاة الاستخارة ودعاؤها مرتبطان فلا ينفصل أحدهما عن الآخر؟ الظاهر أن الارتباط هو الصفة الأكمل لكن تجوز الصلاة وحدها بنية الاستخارة وإن لم يوجد الدعاء كما يجوز إيقاع الدعاء في أي وقت بدون

стр. 258

صلاة فكل من الأمرين مشروع وجمهور العلماء على أن صلاة الاستخارة ودعاءها إنما يشرع في الأمور الهامة والمشاريع الكبرى دون الأمور التفاهة فتشرع في نحو سفر وزواج ومشروع هدم أو بناء ونحو ذلك من الأمور ذات العواقب الكبرى والتأثير الكبير في مجريات الحياة -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - أن يتوجه المسلم في أموره إلى طلب العون من الله تعالى ٢ - وأن يكون في دعائه خاشعا وخاضعا ومستسلما ٣ - وأن ينفي عن نفسه في دعائه الحول والطول والقوة ٤ - وأن يثني على الله ثناء جميلا تقربا وتوطئة لقبول الدعاء ٥ - وأن يلجأ إلى الصلاة تطوعا كلما حزبه أمر أو شغلته الشواغل الدنيوية ٦ - وأن يحرص المسلم على فطم النفس وقطع تعلقها بالأمور التي لم تقدر لها وأن يطلب العون من الله على ذلك فقد ينصرف الشر عن الإنسان ولا ينصرف قلبه عن الرغبة فيه فلا يطيب خاطره ويبقى منكد العيش آسفا على ما فات ٧ - أن يختم الداعي طلبه لشيء بطلب الخير حيث كان فإنه لا يدري ما فيه خيره على الحقيقة وما فيه شره في المال ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾

стр. 259

باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة ١٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" -[المعنى العام]- كما فضل الله بعض الناس على بعض وكما فضل بعض الأزمنة على بعض فضل بعض الأماكن على بعض وإذا كانت البقعة التي تشرف بضم جسده ﷺ أفضل بقاع الأرض على الإطلاق عند المحققين فإن المقام هنا مقام تفضيل الصلاة في بعض الأماكن على بعض وتلك البقعة على هذا لا تدخل معنا في هذا المقام كما أن اختيار الرسول ﷺ للإقامة بالمدينة بعد فتح مكة ليس علامة للتفضيل بقدر ما كان علامة على الوفاء والمحبة لمن آووه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه وتكاد الآية الكريمة ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ فيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنا ... ﴾ تكاد تنطق بتفضيل المسجد الحرام على غيره من المساجد وعلى مسجد المدينة

стр. 260

وهذا الحديث يعلن فضل مسجد الرسول ﷺ بالمدينة وان الصلاة فيه لها من الأجر والثواب ما ليس لألف صلاة في مسجد آخر باستثناء المسجد الحرام بمكة فإن الصلاة فيه بمائة صلاة في مسجد المدينة فهي بمائة ألف صلاة في المساجد الأخرى غير مسجد المدينة وغير المسجد الأقصى كما جاء في الأحاديث ومن أجل هذا الفضل شرع السفر للصلاة في هذه المساجد وصح الحديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ بالمدينة ومسجد الأقصى" فيا سعادة من حظي بهذا الفضل وبالصلاة الخالصة المقبولة في هذه البقاع الشريفة الفاضلة -[المباحث العربية]- (صلاة في مسجدي هذا) ظاهر التنكير في "صلاة" يعم الفريضة والنافلة وخصها بعضهم بالفريضة وخصها آخرون بالنافلة وسيأتي التفصيل في فقه الحديث والمراد من المسجد في "مسجدي" مسجد الرسول ﷺ بالمدينة والإشارة حضورية للتأكيد (خير من ألف صلاة فيما سواه) "فيما سواه" الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة "صلاة" أي خير من ألف صلاة كائنة فيما سواه (إلا المسجد الحرام) أي المحرم كقولهم كتاب بمعنى مكتوب قيل: المراد به كل الحرم أي مكة وما يحيط بها بما يقرب من خمسة أميال في بعض الجهات وقيل المراد به الموضع الذي يصلي فيه دون البيوت وغيرها من أجزاء الحرم وخصه جماعة بالكعبة وهو بعيد وهذا الاستثناء يفيد صورا ثلاثا لأن معناه إلا المسجد الحرام فليس مسجدي خيرا منه بألف بل مسجدي خير منه بأقل من ألف أو بل مسجدي مساو له أو بل هو خير من مسجدي وسيأتي تحديد المراد في فقه الحديث

стр. 261

-[فقه الحديث]- اختلف العلماء في نوع الصلاة الفاضلة والمفضول عليها أهي الفرض؟ أم هي النفل؟ أم ما يعمهما؟ ذهب الطحاوي إلى أن التفضيل مختص بصلاة الفريضة لأن فضيلة النافلة في البيوت لا في المساجد لحديث "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" وذهب قوم إلى أن التفضيل مختص بالنافلة وقد يفهم هذا من صنيع البخاري إذ أورد هذا الحديث في أبواب التطوع والجمهور على أن المراد مطلق الصلاة فيعم الفريضة والنافلة ويمكن مع هذا أن يبقى العموم في حديث صلاة النافلة في البيت على معنى أن صلاة النافلة في بيت بالمدينة أفضل من صلاتها في بيت في غير المدينة وكذا صلاتها في مسجد المدينة أفضل من صلاتها في مسجد في غير المدينة وهذا لا يخالف قول الجمهور وقد ذكرنا في المباحث العربية أن الاستثناء يفيد احتمال صور ثلاث أولها إلا المسجد الحرام فليس مسجدي خيرا منه بألف بل مسجدي خير منه بأقل من ألف وحاصله أن مسجد المدينة أفضل من مسجد مكة ويعزى هذا القول إلى عبد الله بن نافع وغيره فقد روى ابن عبد البر عن طريق يحيى بن يحيى الليثي أنه سأل عبد الله بن نافع عن تأويل هذا الحديث فقال معناه أن الصلاة في مسجد الرسول أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بما دون ألف صلاة قال ابن عبد البر لفظ دون يشمل الواحد فيلزم أن تكون الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في مسجد مكة بتسعمائة وتسع وتسعين صلاة وحسبك بقول يئول إلى هذا ضعفا قال وزعم بعض أصحابنا أن الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في مسجد مكة بمائة صلاة اهـ وهذه الصورة وهذا القول أضعف الآراء الصورة الثانية تقديرها إلا المسجد الحرام فليس مسجدي خيرا

стр. 262

منه بل هما متساويان في الفضل قال صاحب هذا الرأي لو كان فاضلا أو مفضولا لذكر ذلك وهذا الرأي ضعيف وبعيد كسابقه لأن الاحتمال إنما يقبل حيث لا نص يخالفه وقد ثبت بالنص الصحيح الرأي الثالث والصورة الثالثة وهي أن المسجد الحرام خير من مسجد المدينة فقد أخرج الإمام أحمد من طريق عطاء عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا" وفي رواية لابن حبان "وصلاة في ذلك أفضل من مائة صلاة في مسجد المدينة" وروى ابن ماجه من حديث جابر مرفوعا "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه" وروى البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء رفعه "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة" فوضح بذلك تفضيل المسجد الحرام وفي المراد بالمسجد الحرام هنا خلاف بين العلماء فقد ذهب قوم أن المراد به الموضع الذي يصلى فيه دون البيوت وغيرها من أجزاء الحرم ويتقوى هذا القول بأن المسجد الحرام في الحديث مقابل لمسجد المدينة والمراد منه قطعاً مسجد الجماعة دون بقية مواضع المدينة فينبغي أن يكون المقابل كذلك وأن يراد المسجد وليس الحرم والجمهور على أن المراد به جميع الحرم ويؤيده ما رواه الطيالسي من طريق عطاء أنه قيل له هذا الفضل في المسجد وحده أو في الحرم؟ قال بل في الحرم لأنه كله مسجد بقي تحديد المراد من مسجد المدينة وهل يشمل التوسعة التي أضيفت وتضاف إليه أو هو مخصوص بالمكان الذي كان يصلي فيه في عهد

стр. 263

الرسول ﷺ ذهب قوم إلى الثاني بحجة قوله "مسجدي" فأضافه إلى نفسه وأكده بالإشارة بقوله "هذا" والذي ترتاح إليه النفس القول بأن المراد المسجد كله بما أضيف ويضاف إليه فالصلاة واحدة والجماعة واحدة وفضل الله أوسع من أن يضاعف لأحد المتجاورين المتلاصقين لتحديد كان غير مقصود نعم نقول -كما قال النووي -ينبغي أن يحرص المصلي [دون إحراج أو تضييق على الناس] على الصلاة في الموضع الذي كان في زمنه ﷺ ومما هو واضح أن الفضل المذكور إنما يرجع إلى الثواب ولا يتعدى إلى الإجزاء وهذا أمر متفق عليه عند العلماء كما نقله النووي وغيره فلو كان عليه صلاتان فصلى صلاة واحدة في أحد المسجدين المذكورين لم تجزه إلا عن واحدة وهذا الثواب وتلك المضاعفة غير التضعيف الحاصل بالجماعة فإنها تزيد سبعا وعشرين درجة كما تقدم في باب الجماعة قال الحافظ ابن حجر لكن هل يجتمع التضعيفان أو لا؟ محل بحث انتهى ونحن نرى اجتماع التضعيفين ولا مجال للبحث فلكل منهما أفضلية ومزية مبنية على سبب وفعل والوعد صريح في كل منهما ولا حجر على فضل الله -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - استدل بالحديث على تفضيل مكة على المدينة لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها مما تكون العبادة فيه مرجوحة وهو قول الجمهور ويؤيده ما أخرجه أصحاب السنن أن النبي ﷺ حين هاجر من مكة التفت إليها وقال "والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" وهو حديث صحيح وذهب جماعة إلى تفضيل المدينة على مكة وهو المشهور عن مالك وبعض أصحابه وذهب جماعة إلى تفضيل مكة على المدينة باستثناء البقعة التي دفن فيها النبي ﷺ فقد حكى الاتفاق على أنها أفضل البقاع

стр. 264

٢ - ويؤخذ منه تفضيل بعض الأماكن على بعض واختلاف أجر العبادة باختلافها كالأزمنة ٣ - فضل المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ بالمدينة على سائر المساجد في الأرض ٤ - الترغيب في شد الرحال إلى هذين المسجدين ابتغاء الأجر والثواب والله أعلم

стр. 265

كتاب الجنائز باب الأمر باتباع الجنائز ١٣ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: "أمرنا النبي ﷺ بسبع ونهانا عن سبع أمرنا باتباع الجنائز وعيادة المريض وإجابة الداعي ونصر المظلوم وإبرار القسم ورد السلام وتشميت العاطس ونهانا عن آنية الفضة وخاتم الذهب والحرير والديباج والقسي والإستبرق" -[المعنى العام]- حرص الإسلام أول الدعوة بمكة أن يحارب العقائد الفاسدة ويغرس العقائد الصحيحة وأن يكتفى من التشريع بالأهم، وتدرج في مدارج الكمال ومكارم الأخلاق بعد الهجرة فدعا إلى كل ما يؤكد أو يزيد الروابط الإنسانية قوة وتماسكا وعنى بالنهي عن كل ما يصدع أو يهز العلاقة المتينة بين أفراده ولم يضيع الرسول ﷺ فرصة أو مناسبة إلا بلغ ما أوحى إليه بشأنها وبشأن غيرها مما يماثلها ففي مناسبة الجنائز يأمر ﷺ بسبع وينهى عن سبع بعضها يتعلق بالجنائز تعلقا مباشرا كاتباع الجنائز بالصلاة على الميت وتشييعه إلى قبره ودفنه وبعضها يتعلق بالجنائز من حيث السبب كعيادة المريض ونصر المظلوم وبعضها لا علاقة له بالجنائز لكنه من الآداب العامة بين المسلمين تزيد من وحدتهم وتقوي من محبتهم وتكثر من مجاملتهم لبعضهم كإجابة الدعوة إلى الوليمة والأفراح والمصالح

стр. 266

العامة وإبرار قسم المقسم والاستجابة لحلف الحالف وبدء السلام ورده وتشميت العاطس وبعضها علاج للكبر والفخر والخيلاء وإحباط لمظاهر تعالي البعض على بعض كاستعمال أواني الذهب والفضة في الطعام والشراب ولبس الذهب والحرير بأنواعه للرجال وهكذا تبدو التعاليم الإسلامية شديدة الحرص على ترابط الإنسانية استجابة لقوله تعالى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانا﴾ -[المباحث العربية]- (أمرنا النبي ﷺ بسبع) أي بسبع خصال أو سبع فضائل والأمر بسبع في مجلس لا ينافي الأمر بغيرها في مجلس آخر فالعدد هنا لا يفيد تحديد المأمورات (ونهانا عن سبع) المعدود في المنهيات ست لا سبع قال الحافظ ابن حجر وسقط من المنهيات في هذا الباب واحدة سهوا إما من المصنف -أي البخاري -وإما من شيخه اهـ وقد ذكرها البخاري في موضع آخر وهي "ركوب المياثر" والمياثر الغطاء الذي يكون على السرج والمقصود مياثر الحرير التي توضع على ظهر الفرس ليجلس عليها الراكب (أمرنا باتباع الجنائز) بفتح الجيم جمع جنازة بفتح الجيم وكسرها والجنازة اسم للميت في النعش وهي مأخوذة من جنزه يجنزه إذا ستره ويطلق على الخشبة التي يحمل عليها الميت ويطلق عليها لفظ سرير أو نعش واتباع الجنائز الاتصال بها أعم من الصلاة عليها أو تشييعها أو دفنها (وعيادة المريض) سميت زيارة المريض عيادة لأن شأنها العود والتكرار (وإجابة الداعي) أل في الداعي للعهد الذهني والمراد الداعي إلى وليمة ونحوها

стр. 267

(ونصر المظلوم) أي العمل على رفع الظلم عنه وإعادة الحق له (وإبرار القسم) بر القسم صدقة وعدم الحنث فيه وإبراره جعله بارا فالمراد تصديق الحالف في حلفه أو إجابة ما يحلف عليه (وتشميت العاطس) ينشأ العطاس غالبا من عدم التوسع في الأكل فتنفتح المسام وصمائم الأجهزة المخرجة للسموم والرطوبات من الدماغ وأنابيب التنفس فيخف البدن وينشط الفكر فهو محمود يستحق من صاحبه شكر الله تعالى عليه وتشميت العاطس الدعاء له بما أثر من قول "يرحمك الله" والأصل فيه كما قال بعض أهل اللغة الدعاء بالخير واشتقاقه من الشوامت أي من يشمت في الشخص ويفرح فيه بسبب ما يحصل له من ضر فمعناه أبعد الله الشماتة عنك وجنبك ما يشمت به عليك فالتشميت دعاء بعدم الشماتة (ونهانا عن آنية الفضة) في الكلام مضاف محذوف أي عن استعمال آنية الفضة أو الأكل أو الشرب فيها (وخاتم الذهب) أي ولبس وخاتم الذهب للرجال (والحرير والديباج والقسي والإستبرق) أي عن لبس هذه الأشياء "والديباج" نوع من الحرير كان مستعملا ومعروفا بهذا الاسم وكذا "القسي" بفتح القاف وكسر السين المشددة وكذا "الإستبرق" غليظ الحرير أو غليظ الديباج وقيل رقيقه -[فقه الحديث]- إذا أمر بأوامر أو نهى عن منهيات في مجلس واحد كان من الحكمة وجود جامع أو مناسبة بين المأمورات وجامع أو مناسبة بين المنهيات ويجمع المأمورات السبع والمنهيات السبع في حديثنا أنها عوامل تأليف القلوب وغرس المودة وإزالة عوامل البغضاء بين الناس ١ - فاتباع الجنائز مشاركة من المسلمين لآل المتوفي وتطييب

стр. 268

لخاطرهم ثم هي وفاء للمتوفي وشفاعة له والصلاة على الميت وتشييعه إلى قبره ودفنه ثلاثتها اتباع للجنازة نعم روى البخاري عن أم عطية ﵂ قالت: "نهينا عن اتباع الجنائز" فخصص حديثها حديث الباب وجعل الأمر فيه للرجال والجمهور على أن نهي النساء عن اتباع الجنائز للتنزيه إذا أمنت الفتنة أما اتباع الرجال لجنازة ففرض كفاية وكل ما كان فرض كفاية كان مستحبا للجميع وهذا مراد الحديث "اتباع الجنازة أفضل النوافل" رواه سعيد بن منصور عن طريق مجاهد واختلف الفقهاء في وضع المشيعين هل الأفضل مشيهم خلف الجنازة للاعتبار بها والاتعاظ؟ وهو حقيقة معنى الاتباع حسا؟ أو المشي أمامها لأنهم شفعاء ومقام الشفيع مقدم؟ والمراد من الاتباع الاتباع المعنوي بمعنى المصاحبة؟ أو الأمر على التوسعة كما قال أنس بن مالك حين سئل عن المشي في الجنازة فقال: أمامها وخلفها وعن يمينها وشمالها إنما أنتم مشيعون؟ أميل إلى هذا الأخير وإلى عدم الالتزام بمكان معين للتيسير وعدم المشقة بشرط القرب من الجنازة ما أمكن وستأتي بقية لهذه المسألة عند شرح الحديث رقم ١٩ ٢ - وعيادة المريض واجبة وجوبا كفائيا قال النووي في المجموع وسواء الرحم وغيره وسواء الصديق والعدو وسواء من يعرفه ومن لا يعرفه لعموم الأخبار قال والظاهر أن المعاهد والمستأمن كالذمي قال: وفي استحباب عيادة أهل البدع المنكرة وأهل الفجور إذا لم تكن قرابة ولم يكن رجاء توبة نظر فإنا مأمورون بمهاجرتهم اهـ وشرعت عيادة النساء للنساء وللمحارم كما شرعت عيادة الرجال للمحارم من النساء مع الأمن والحيطة الشرعية وفي صحيح مسلم في فضل عيادة المريض أن الرسول ﷺ قال: "إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في مخرفة الجنة حتى يرجع "أي في

стр. 269

بستان الجنة، أي يستحق بعمله هذا أن يقضي وقته في بساتين الجنة ولعيادة المريض آداب منها أن تكون غبا متقطعة فلا يواصلها كل يوم أو مرات في اليوم وذلك في غير القريب والصديق ونحوهما ممن يستأنس به المريض أو يشق عليه عدم رؤيته أو ممن يتعهده ومنها أن لا يطيل المقام عنده لما في ذلك من إحراجه والتضييق عليه، وأن تختار الأوقات المناسبة للعيادة وأن تدعو له بالشفاء ومن الآثار أن يقول في دعائه "أسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، أن يشفيك بشفائه" سبع مرات "أذهب البأس رب الناس اشف أنت الشافي. لا شافي إلا أنت. شفاء لا يغادر سقما" "حصنتك بالحي القيوم الذي لا يموت أبدا ودفعت عنك السوء بلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" ٣ - وإجابة الداعي إلى عرس أو وليمة واجبة وقيل مندوبة على أن تكون خالية من المحرمات ٤ - ونصرة المظلوم فرض كفاية على من قدر عليها وتكون بالقول وبالجوارح وبأية وسيلة مقدور عليها ٥ - وإبرار القسم فيما حل من مكارم الأخلاق ٦ - ورد السلام فرض كفاية إذا تعدد المسلم عليهم فإذا انفرد كان واجبا عينيا وأقل ما يجزئ في الرد "وعليكم السلام" وأكمله "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته" وللمسألة باب خاص واسع يأتي في محله ٧ - وتشميت العاطس واجب وجوبا عينيا على المنفرد وكفائيا على الجماعة بشرط أن يحمد العاطس ربه وأن لا يزيد عطاسه على ثلاث مرات متتالية فإذا زاد فهو مرض يدعى له بالشفاء فيقال عافاك الله وشفاك وكيفية التشميت أن يقول: يرحمك الله ويرد العاطس: يرحمنا ويرحمكم الله ويهديكم الله ويصلح بالكم أما عن آنية الفضة -وآنية الذهب من باب أولى -فيحرم استعمالها في أكل أو شرب على الرجال والنساء لما في ذلك من السرف والخيلاء وكسر

стр. 270

قلوب الفقراء وأما خاتم الذهب فيحرم على الرجال لبسه دون النساء خصص العموم في حديث الباب حديث آخر صحيح وهو أن النبي ﷺ أمسك الذهب في يد والحرير في اليد الأخرى وقال "هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم" وأما خاتم الفضة فجائز لبسه للرجال وأما الحرير وأنواعه فيحرم على الرجال لبسه ومن الواضح أن الحديث اشتمل على أمور واجبة وأمور مندوبة والكل داخل تحت "أمرنا النبي ﷺ " وكذلك اشتمل على أمور محرمة وأمور مكروهة والكل داخل تحت "ونهانا" وفي هذا استعمال لصيغة واحدة في معنيين مما يجعلها مرة محمولة على الحقيقة ومرة على المجاز واستعمال اللفظ الواحد في معنييه الحقيقي والمجازي ممنوع عند كثير من الأئمة ولهم أن يقولوا: إن الأمر لمطلق الطلب وإن النهي لمطلق الكف فاللفظان في معناهما الحقيقي وحدد المراد من الطلب أدلة أخرى والله أعلم. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - مشروعية الأوامر السبعة الواردة وجوبا أو ندبا ٢ - النهي عن السبع الواردة حرمة أو كراهة ٣ - حرص الشريعة الإسلامية على ما يوجب الألفة والمودة وعما يدفع البغضاء والشحناء

стр. 271

باب الكفن في ثوبين وغسل الميت المحرم ١٤ - عن ابن عباس ﵄ قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته أو قال فأوقصته قال النبي ﷺ "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا" -[المعنى العام]- في حجة الوداع بينما كان رسول الله ﷺ واقفا بعرفة عند الصخرات كان رجل محرم بالحج يركب ناقته ويقف بجواره ﷺ فوقع الرجل عن

стр. 272

راحلته فاندقت عنقه ومات وكانت الحادثة الأولى لميت محرم يقف بعرفة أمام الرسول ﷺ وكان لا بد أن يعلم أصحابه ما ينبغي في مثل هذه الحالة كيف يغسلونه؟ وكيف يحنطونه وكيف يكفنونه وما مصير محرمات الإحرام وعلمهم الرسول الكريم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى قال لهم اغسلوه بماء وسدر كما تغسلون موتاكم وكفنوه في ثيابه التي كان يلبسها وقت إحرامه وقبل موته وأبقوا مظاهر الإحرام ومحرماته لا تحنطوه امتنعوا عن تطييبه وأبقوا رأسه مكشوفة لا تغطوها بكفنه فإنه يبعث يوم القيامة محرما يقول لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك -[المباحث العربية]- (بينما رجل واقف) "بين" ظرف زمان زيدت عليها "ما" وتضاف للجمل وهي منصوبة بمعنى المفاجأة في "إذ وقع" والتقدير فاجأ الوقوع رجلا وقت وقوفه والمراد من الوقوف الكينونة والوجود وليس ضد الجلوس لأنه كان على ناقته ويمكن أن يراد من الوقوف السكون عن الحركة بسكون ناقته عن المشي ولم يعرف اسم هذا الرجل قيل وكان وقوفه عند الصخرات في عرفة (إذ وقع عن راحلته فوقصته- أو قال فأوقصته) الشك من الراوي عن ابن عباس في أي اللفظين صدر عن ابن عباس والوقص كسر العنق وهو المعروف عند أهل اللغة أما "أوقصته" من الإيقاص فهو شاذ ومعناه صرعته فكسرت عنقه وفي رواية "فأقصعته -أو فأفصعته" بالقاف أو بالفاء والمعنى قتلته في الحال وضمير الفاعل يحتمل أن يكون للوقعة المفهومة من "وقع" والأولى أن يكون للراحلة لرواية للبخاري "أن رجلا وقصه بعيره" على معنى أنه كان سببا في وقوعه وكسر عنقه أو على معنى أنه أصابه بعد وقوعه (اغسلوه بماء وسدر) السدر ورق شجر النبق وكان يوضع في ماء

стр. 273

الغسل لإعطاء الماء رائحة طيبة ومادته الزيتية تقوم مقام الصابون وإذا خضخض السدر في الماء خرجت له رغوة كالصابون (وكفنوه في ثوبين) في بعض الروايات "في ثوبيه" (ولا تحنطوه) أي لا تطيبوا كفنه ولا جسمه بالحنوط وهو كل شيء يخلط من الطيب للميت خاصة (ولا تخمروا رأسه) أي لا تغطوا رأسه (فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا) أي محرما كحالته التي مات عليها والفاء للتعليل أي السبب في عدم تحنيطه وعدم تخمير رأسه بقاء حالة الإحرام و"ملبيا" حال -[فقه الحديث]- يتناول الحديث غسل الميت وحنوطه وكفنه أما غسله فهو فرض كفاية عند الجمهور وعند بعض المالكية سنة وقد توارد به القول والعمل وهل هذا الغسل للتنظيف أو للتطهير قولان والمشهور عند الجمهور أنه غسل تعبدي شرع للنظيف وغير النظيف للبالغ ولمن هو دون البلوغ ويشترط فيه ما يشترط في بقية الأغسال الواجبة والمندوبة وكيفيته الكاملة إعداد ماء يكفي لثلاث غسلات أو أكثر ويخلط هذا الماء بالسدر أو نحوه كورق الكافور ويكفي الصابون ويغسل أولا السبيلان كالاستنجاء ويوضأ ثم يصب الماء ليصل إلى جميع الشعر والبشرة ثلاثا ويوضع في ماء الغسلة الأخيرة شيء من الكافور أو الطيب ففي البخاري عن أم عطية قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته -المشهور أنها زينب توفيت أول سنة ثمان من الهجرة -فقال: "اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور" قال بعض العلماء يغسل ثلاثا فإن خرج منه شيء بعد

стр. 274

فخمسا فإن خرج منه شيء غسل سبعا وقال آخرون: يغسل ثلاثا فإن خرج منه شيء غسل موضعه ولا يعاد غسله ولا يزيد على الثلاث والمحرم بالحج أو العمرة يغسل كغسل غير المحرم أما الشهيد في معارك المسلمين فلا يغسل عند الجمهور لما روى البخاري عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ "ادفنوهم في دمائهم -يعني يوم أحد -ولم يغسلهم". وفي رواية "لا تغسلوهم فإن كل جرح -أو كل دم -يفوح مسكا يوم القيامة" وأما حنوطه فسنة ما لم يكن محرما عند الجمهور فإن النهي عن التحنيط في الحديث إنما وقع لأجل الإحرام استبقاء لشعار الإحرام كاستبقاء دم الشهيد وكأن الحنوط للميت كان مقررا عندهم وقال بعض المالكية إن هذا الحديث واقعة حال فلا يستدل لمفهومها ولا يستدل به على تحنيط غير المحرم ومن السنة التحنيط بالكافور يجعل في الماء في آخر غسلة كما يقول الجمهور أو يجعل بعد انتهاء الغسل والتجفيف كما يقول بعض الحنفية قيل: والحكمة في الكافور مع كونه يطيب رائحة الموضع أن فيه تجفيفا وتبريدا وقوة نفوذ وخاصية في تصليب بدن الميت وطرد الهوام عنه وردع ما يتحلل من الفضلات ومنع إسراع الفساد إليه وهو أقوى الأرايح الطيبة في ذلك قالوا وهل يقوم المسك مقامه وأجابوا إن نظر إلى مجرد التطييب فنعم وإلا فلا وقد يقال إذا عدم الكافور قام غيره مقامه ولو بخاصية واحدة مثلا وأما كفنه فالمستحب أن يكفن في ثلاث والواحد الساتر لجميع البدن جائز بالاتفاق فالثلاث ليست شرطا للصحة واختلف فيما إذا شحت الورثة بالثاني والثالث والذي أميل إليه أخذ الثلاث من التركة ولا يلتفت إلى شحهم وحديث -الباب يفيد التكفين في ثوبين فالإيتار ليس ضروريا لكن هل يغير للمحرم ثياب الإحرام أو يكفن في ثياب إحرامه؟ استدل بعضهم بحديث الباب على إبدال ثياب المحرم قال الحافظ ابن حجر وليس بشيء لأنه سيأتي في الحج بلفظ: "في ثوبيه" وللنسائي "في ثوبيه اللذين

стр. 275

أحرم فيهما" قال المحب الطبري إنما لم يزده ثوبا ثالثا تكرمة له كما في الشهيد -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - احتج به الشافعي وأحمد على أن المحرم إذا مات يبقى في حقه حكم الإحرام ولذا يحرم ستر رأسه وتطييبه وخالف في ذلك مالك وأبو حنيفة فقالوا: يصنع به ما يصنع بالحلال واعتمدوا القياس وانقطاع العبادة بزوال محل التكليف وهو الحياة لقوله ﷺ "إذا مات ابن آدم انقطع عمله ... " واعتبر بعضهم حديث الباب واقعة حال لا تتعدى صاحبها ولا يعمم حكمها وأورد بعضهم أنه لو كان إحرامه باقيا لوجب أن يكمل به المناسك ولا قائل به ورجح القول الأول بأن القياس إنما يصار إليه حيث لا نص أما وقد ثبت النص فلا موضع للقياس وقد ثبتت العلة في النص وأنها الإحرام فتعم كل محرم وتكفينه في ثوبي إحرامه وتبقيته على هيئة إحرامه أصلهما من عمله وشأنه في ذلك شأن الشهداء حين يزملون بثيابهم ودمائهم ٢ - استدل بالحديث على أن المحرم إذا مات لا يكمل عمله غيره ٣ - قال ابن بطال وفيه أن من شرع في عمل طاعة ثم حال بينه وبين إتمامه الموت رجي له أن يكتبه الله في الآخرة من أهل ذلك العمل ٤ - واستدل به على أن الكفن من رأس المال لأمره ﷺ بتكفينه في ثوبه ولم يسأل هل عليه دين يستغرق؟ أم لا؟ ٥ - وفيه التكفين في الثياب الملبوسة ٦ - واستحباب دوام التلبية ٧ - وأن الإحرام يتعلق بالرأس لا بالوجه بالنسبة للرجال ٨ - وفيه -بدليل المفهوم -استحباب تخمير رأس الميت غير المحرم والله أعلم

стр. 276

باب إحداد المرأة ١٥ - عن أم حبيبة زوج النبي ﷺ ورضي الله عنها قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا" -[المعنى العام]- كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي زوجها لبست شر ثيابها ودخلت بيتا صغيرا حقيرا ولم تغتسل ولم تمس ماء ولم تقلم ظفرا ولم تخرج منه إلا بعد حول فتخرج بعد الحول بأقبح منظر وجاء الإسلام بالعدة والحداد لكنه أباحه لغير زوج ثلاثة أيام وللزوج مدة العدة أربعة أشهر وعشرة أيام

стр. 277

لغير الحامل وللحامل حتى تضع حملها وخفف من مظاهر الإحداد فطلب النظافة وأباح الخروج للحاجة إن إحداد الزوجة على زوجها رمز للوفاء من ناحية وإبعاد لها من دواعي الزواج بآخر مدة العدة من ناحية أخرى وتنفيس لأعماق حزنها ورفع الكبت عن مشاعرها ومسايرة لطبيعة الحزن في النفس البشرية من انصرافها عن المباهج والزينة وقت المصائب من ناحية ثالثة ولما كانت طبيعة المرأة المبالغة في هذه المظاهر وضع الشارع الحدود والضوابط فلا يحل لها الإحداد على غير زوج مهما كان عزيزا أكثر من ثلاثة أيام أما الزوج فيجب عليها الإحداد من أجله مدة العدة التي قررها الشرع الحكيم -[المباحث العربية]- (لا يحل لامرأة) الروايات برفع "يحل" على أن "لا" نافية قال أهل البلاغة أنه في المنع أبلغ من النهي الصريح لأنه يفرض أن الفعل اجتنب وأصبح يخبر عنه بالنفي والمرأة تشمل الصغيرة والكبيرة فتعم كل مكلفة (تؤمن بالله واليوم الآخر) جملة يقصد بها الحث والإثارة أي من كانت هذه حالها وجب أن تبادر للإجابة واختيار اليوم الآخر من بين ما يجب الإيمان به للتحذير والتخويف من الجزاء (تحد على ميت فوق ثلاث) "تحد" بضم التاء وكسر الحاء من أحدت المرأة وحكي فتح التاء وضم الحاء من حدت المرأة والفعل منسبك بمصدر من غير سابك وروي "أن تحد" بإظهار السابك والمصدر فاعل "يحل" أي لا يحل إحدادها وحذف التاء من "ثلاث" لمراعاة تمييز مؤنث أي ثلاث ليال أي مع أيامها (إلا على زوج) في رواية "إلا لزوج" وفي أخرى "إلا بزوج" قال الحافظ ابن حجر: وكلها بمعنى السببية اهـ أي لا يحل إحداد المرأة

стр. 278

بسبب ميت فوق ثلاث ليال إلا بسبب موت زوج فيحل وإثبات الحل يفيد احتمالات ثلاثة يجب أو يندب أو يباح إذ كلها حلال وسيأتي توضيح المراد في فقه الحديث -[فقه الحديث]- المقصود من الإحداد شرعا امتناع المرأة المتوفى عنها من الزينة كلها في اللباس والطيب ونحوهما من الكحل والمساحيق وتلوين الأظافر والأصباغ وغير ذلك مما يتعارف على أنه تتزين به المرأة -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - مشروعية الإحداد للمرأة على غير الزوج ثلاثة أيام قال الحافظ ابن حجر وليس ذلك واجبا لاتفاقهم على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحل لها منعه في تلك الحال اهـ قالوا: ويحل لها الإحداد ثلاثة أيام على أي ميت غير الزوج سواء أكان قريبا أو أجنبيا والإحداد على غير الزوج ليس واجبا باتفاق وحمل الحل هنا على المشروع المباح من أدلة أخرى ٢ - استدل به على مشروعية الإحداد لوفاة زوج أربعة أشهر وعشرا سواء كانت الزوجة مدخولا بها أم غير مدخول بها واتفق العلماء على حمل حل الإحداد للزوجة لزوجها على الوجوب قال القاضي عياض: واستفيد الوجوب في المتوفى عنها من اتفاق العلماء على حمل الحديث على ذلك مع أنه ليس في لفظه ما يدل على الوجوب ولكن اتفقوا على حمله على الوجوب لحديث أم عطية في الكحل والطيب واللباس ومنعها منه قال العلماء والحكمة في وجوب الإحداد في عدة الوفاة دون الطلاق أن الزينة والطيب يدعوان إلى النكاح ويوقعان فيه فنهيت عنه ليكون الامتناع من ذلك زاجرا عن النكاح لكون الزوج ميتا لا يمنع معتدته من النكاح ولا يراعيه ناكحها ولا يخاف منه بخلاف المطلق الحي فإنه يستغنى بوجوده عن زاجر آخر قاله النووي والحق أن الزوج المطلق لا يستحق في الغالب أن تبدي زوجته الأسف والحزن على فراقه بأي مظهر من

стр. 279

مظاهر الإحداد وإن منعت من الزواج بغيره مدة العدة استبراء للرحم ٣ - استدل أبو حنيفة وبعض المالكية بقوله "تؤمن بالله واليوم الآخر" على أنه لا يجب على الزوجة الكتابية الإحداد بل يختص الإحداد بالمسلمة وأجاب الجمهور بأن هذا قيد للإثارة والالتزام وبأن المؤمن هو الذي ينتفع بخطاب الشرع وينقاد له ٤ - حرمة الإحداد فوق المدة المسموح بها لزوج أو لغيره ٥ - استدل بعضهم من إطلاق الإحداد على الزوج أربعة أشهر وعشرا على أن الحامل لا يلزمها الإحداد بعد هذه المدة وإن لم تضع حملها والجمهور على أنه يلزمها الإحداد في جميع العدة حتى تضع سواء قصرت المدة أم طالت فإذا وضعت فلا إحداد عليها ولو كان الوضع بعد ساعة من وفاة الزوج وأجابوا بأن هذا التحديد خرج مخرج غالب المعتدات وأن المقصود به المعتدة بالأشهر.

стр. 280

باب زيارة القبور ١٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال: "اتقي الله واصبري" قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه فقيل لها إنه النبي ﷺ فأتت النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين فقالت لم أعرفك فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" -[المعنى العام]- لا يملك الإنسان إلا أن يحزن عند المصيبة وبالأخص إذا كانت موت حبيب بل موت وحيد وماذا تملك امرأة فقدت وحيدها غير البكاء؟ وماذا يطلب منها إذا جلست عقب دفنه في قبره تبكيه؟ لو أن الأمر وقف عند هذا الحد لعذرت وما توجه إليها لوم لكن صاحبة الحادثة تجاوزت البكاء إلى النوح والعويل وهو مظهر من مظاهر الجزع وعدم الرضا بالقضاء مظهر من مظاهر الهلع وضعف الإيمان وعدم التسليم لهذا قال لها رسول الله ﷺ يا أمة الله اتقي الله وسلمي إليه الأمر وآمني بالقضاء واصبري على مصيبتك لا تضيعي ثواب المصيبة بالسخط لا تجمعي على نفسك فقد الابن وفقد الأجر ولم تلتفت المرأة للقائل ولا لقوله بل غاظها أن يطلب منها الصبر وهي العاجزة عن الصبر بل لم تصبر على القول ولا على القائل فأجابته في غضب وانفعال وجهل بقولها إليك عني ابتعد عني. اذهب ودعني فماذا تحس من ناري؟ إنك لم تصب بمصيبتي إنك بعيد عن النار إنك خلو من مصيبتي أنا المجروحة الثكلى ولو كنت مكاني عذرتني وقدر رسول الله ﷺ حالتها وشدة مصابها وعذرها في لهجتها وردها وانصرف عنها لئلا تزداد نفورا وغلظة ورآه من بعيد يكلمها أحد الصحابة؟ فأقبل إليها فقال لها: هل علمت من كان يكلمك؟ قالت: ما علمته ومالي به؟ وماله بي؟ قال لها إنه رسول الله ﷺ وكانت تسمع به وكانت تسمع أن أصحابه يجلونه ولا يرفعون بصرهم فيه ولا يرفعون صوتهم عند مخاطبته وكانت

стр. 281

تعلم أنه قائد المسلمين وإمامهم وحاكمهم ونبيهم وتخيلت ما تسمع عن الملوك والأمراء وما يحيط بهم من هيبة وحشم وحراس وبوابين فأخذها الفزع والخوف أخذتها شدة مثل الموت فقيل لها: لا تخافي فهو سمح كريم حريص على المسلمين رءوف رحيم بهم قيل لها تعالى إليه تعتذرين له عن جفوتك في ردك عليه وسارت تقدم رجلا وتؤخر أخرى حتى وصلت إلى بيته ﷺ ولم يسبق لها أن عرفته فلما قيل لها هذا بيته عجبت لم تجد عند بابه حاجبا ولا بوابا سبحان الله إذن تستطيع أن تطرق الباب وأن تدخل دون أن تمنع أو توقف على الباب لقد طرقت فأذن لها فدخلت وهي ترتجف وهدأ ﷺ من روعها قالت معذرة فإني لم أعرفك قال: دعي الاعتذار فأنا لم أغضب من لهجتك وإنما أسفت لعدم استجابتك ولعدم صبرك قالت: صبرت وأصبر الآن قال: ليس ذلك هو المطلوب من كامل الإيمان إنما الصبر الكامل المستحق للأجر الوافر هو الصبر عند أول نزول الصدمة ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ و ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ -[المباحث العربية]- (بامرأة تبكي عند قبر) البكاء يطلق على دمع العين وعلى ما يصاحب ذلك من رفع الصوت والنواح والثاني هو المراد هنا لأنه لا اعتراض شرعا على الأول ولم يقف العلماء على اسم المرأة ولا على صاحب القبر غاية الأمر أنه ورد في صحيح مسلم ما يشعر أن الميت كان ولدها ففيه "تبكي على صبي لها" (اتقي الله واصبري) في فائدة ذكر "اتقي الله" قال القرطبي: الظاهر أنه كان في بكائها قدر زائد من نوح أو غيره اهـ أي خافي الله في عملك هذا قال الحافظ ابن حجر يؤيده رواية "فسمع منها ما يكره فوقف عليها" وقال الطيبي قوله "اتقي الله" توطئة لقوله "واصبري" كأنه قيل لها خافي

стр. 282

غضب الله إن لم تصبري ولا تجزعي ليحصل لك الثواب اهـ (إليك عني) اسم فعل أمر بمعنى تنح وابتعد عني (فإنك لم تصب بمصيبتي) الفاء تعليلية للمفهوم من كلامها أي تقول ولا تعذر لأنك لم تصب بمثل مصيبتي وهذه المماثلة ملاحظة لأن الإنسان لا يصاب بمصيبة غيره نفسها إلا إذا كان شريكا له فيها وهذه الجملة خطأ من المرأة لأن رسول الله ﷺ كان قد مات له ولدان قبل ذلك (ولم تعرفه) جملة حالية من فاعل "قالت" أي قالت ذلك اللفظ الجارح جاهلة بشخصه غير عارفة له (فقيل لها) في رواية "فمر بها رجل فقال لها: إنه رسول الله فقالت ما عرفته" وفي رواية "قال: فهل تعرفينه؟ قالت: لا" وفي رواية أن الذي سألها هو الفضل بن العباس وواضح أن هذا القول كان بعد انصراف رسول الله ﷺ (فأتت النبي ﷺ لتعتذر إليه وهو معطوف على محذوف ففي رواية مسلم "فأخذها مثل الموت" (فلم تجد عنده بوابين) الضمير "عنده" للنبي ﷺ وفائدة هذه الجملة إما بيان عذرها في أنها لم تعرفه وذلك أنه كان من شأنه أن لا يتخذ بوابا مع قدرته على ذلك تواضعا وكان من شأنه أنه لا يستتبع الناس وراءه إذا مشى كما جرت عادة الملوك والأكابر. قاله القرطبي: وهو بعيد لأن المناسب لهذا عدم المشي وراءه وليس عدم البوابين ولا تلازم وخير من هذا قول الطيبي إن فائدة هذه الجملة أنه لما قيل لها إنه النبي ﷺ استشعرت خوفا وهيبة في نفسها فتصورت أنه مثل الملوك له حاجب وبواب يمنع الناس من الوصول إليه فوجدت الأمر على خلاف ما تصورته (فقالت: لم أعرفك) معطوف على محذوف أي فاستأذنت فدخلت عليه فقالت له

стр. 283

(فقال إنما الصبر عند الصدمة الأولى) هذا من الأسلوب الحكيم إذ ترك الرد على كلامها وآثر غيره أهم منه أي دعي الاعتذار فإني لا أغضب لنفسي واهتمي بالموضوع الأهم وهو ما ينبغي لك من صبر وقد روي أنها قالت "أنا أصبر أنا أصبر" فقال لها ليس الصبر الكامل المطلوب ما يقع بعد وقت من المصيبة بزمن إنما ما يقع عند ابتداء المصيبة وابتداء الصدمة وأصل الصدم ضرب الشيء الصلب بمثله فاستعير للمصيبة الواردة على القلب -[فقه الحديث]- روى البخاري هذا الحديث تحت باب زيارة القبور قال النووي اتفقوا على أن زيارة القبور للرجال جائزة اهـ وقد أخرج مسلم في صحيحه حديث "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" وزاد أبو داود والنسائي "فإنها تذكر الآخرة" وللحاكم "وترق القلب وتدمع العين فلا تقولوا هجرا" أي كلاما فاحشا وللحاكم أيضا "فإنها تزهد في الدنيا" واختلف في النساء فقيل دخلن في عموم الإذن إذا أمنت الفتنة والحديث يؤيد هذا القول لأن الرسول ﷺ لم ينكر على المرأة جلوسها عند القبر وتقريره حجة وقد روى الحاكم عن أبي مليكة أنه رأى عائشة ﵂ -تزور قبر أخيها عبد الرحمن فقيل لها: أليس قد نهى النبي ﷺ عن ذلك؟ قالت: نعم كان نهى ثم أمر بزيارتها وقيل: إن الإذن خاص بالرجال ولا يجوز للنساء زيارة القبور واستدل له بحديث أم عطية عند البخاري "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا" أي ولم يؤكد علينا في المنع كما أكد علينا في غيره من المنهيات قال القرطبي ظاهر سياق أم عطية أن النهي نهي تنزيه وبه قال جمهور أهل العلم ومال مالك إلى الجواز وهو قول أهل المدينة وقال المحب الطبري يحتمل أن يكون المراد بقولها "ولم يعزم علينا" أي كما عزم على الرجال بترغيبهم في اتباع الجنائز بحصول القراريط ونحو ذلك واستدل كذلك لمنع النساء بحديث الترمذي "لعن الله زوارات القبور" قال القرطبي هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة اهـ

стр. 284

ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج وما ينشأ منهن من الصياح ونحو ذلك فقد يقال إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - الحث على الصبر عند الصدمة الأولى قال الخطابي إن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة بخلاف ما بعد ذلك فإنه على الأيام يسلو وحكى الخطابي عن بعضهم أن المرء لا يؤجر على المصيبة لأنها ليست من صنعه وإنما يؤجر على حسن تثبته وجميل صبره اهـ والحق أن للمصيبة في نفسها أجرا لحديث "ما يصيب المسلم من هم ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كان له بها أجر" وللصبر عليها أجر آخر كما أن على الجزع منها وزرا ٢ - ما كان عليه ﵊ من التواضع والرفق بالجاهل فإنه لم يغلظ عليها ولم يرد غلظتها ٣ - ومسامحة المصاب وقبول اعتذاره ٤ - وفيه ملازمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٥ - وأن القاضي ومن ولي من أمور المسلمين شيئا لا ينبغي أن يتخذ من يحجبه عن حوائج الناس ٦ - وأن من أمر بمعروف ينبغي له أن يقبل الأمر ولو لم يعرف الآمر ٧ - وأن الجزع من المنهيات لأمره لها بالتقوى مقرونا بالصبر ٨ - وفيه الترغيب في احتمال الأذى عند بذل النصيحة ونشر الموعظة ٩ - واستدل به على جواز زيارة القبور سواء كان المزور مسلما أم كافرا لعدم استفصاله ﷺ في ذلك قال النووي وبالجواز قطع الجمهور وقال بعضهم لا تجوز زيارة قبر الكافر لقوله تعالى ﴿ولا تقم على قبره﴾

стр. 285

وهو قول مردود ١٠ - جواز أمر الرجال النساء بالمعروف ووعظهم لهن ١١ - مهادنة الثائر المعترض على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرفق به لئلا يفضي التغليظ عليه إلى ما هو أشد وأكثر ضررا. ١٢ - الحث على آداب الخطاب وإنزال الناس منازلهم باب البكاء عن الميت وإظهار الحزن عليه ١٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين -وكان ظئرا لإبراهيم ﵇ فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمه ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأنت يا رسول الله فقال "يا ابن عوف إنها رحمة" ثم أتبعها بأخرى فقال ﷺ "إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون"
следующие страницы →