Полный текст (1 103 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
تعلم أنه قائد المسلمين وإمامهم وحاكمهم ونبيهم وتخيلت ما تسمع عن الملوك والأمراء وما يحيط بهم من هيبة وحشم وحراس وبوابين فأخذها الفزع والخوف أخذتها شدة مثل الموت فقيل لها: لا تخافي فهو سمح كريم حريص على المسلمين رءوف رحيم بهم قيل لها تعالى إليه تعتذرين له عن جفوتك في ردك عليه وسارت تقدم رجلا وتؤخر أخرى حتى وصلت إلى بيته ﷺ ولم يسبق لها أن عرفته فلما قيل لها هذا بيته عجبت لم تجد عند بابه حاجبا ولا بوابا سبحان الله إذن تستطيع أن تطرق الباب وأن تدخل دون أن تمنع أو توقف على الباب لقد طرقت فأذن لها فدخلت وهي ترتجف وهدأ ﷺ من روعها قالت معذرة فإني لم أعرفك قال: دعي الاعتذار فأنا لم أغضب من لهجتك وإنما أسفت لعدم استجابتك ولعدم صبرك قالت: صبرت وأصبر الآن قال: ليس ذلك هو المطلوب من كامل الإيمان إنما الصبر الكامل المستحق للأجر الوافر هو الصبر عند أول نزول الصدمة ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ و ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
-[المباحث العربية]-
(بامرأة تبكي عند قبر) البكاء يطلق على دمع العين وعلى ما يصاحب ذلك من رفع الصوت والنواح والثاني هو المراد هنا لأنه لا اعتراض شرعا على الأول ولم يقف العلماء على اسم المرأة ولا على صاحب القبر غاية الأمر أنه ورد في صحيح مسلم ما يشعر أن الميت كان ولدها ففيه "تبكي على صبي لها"
(اتقي الله واصبري) في فائدة ذكر "اتقي الله" قال القرطبي: الظاهر أنه كان في بكائها قدر زائد من نوح أو غيره اهـ أي خافي الله في عملك هذا قال الحافظ ابن حجر يؤيده رواية "فسمع منها ما يكره فوقف عليها" وقال الطيبي قوله "اتقي الله" توطئة لقوله "واصبري" كأنه قيل لها خافي
стр. 282
غضب الله إن لم تصبري ولا تجزعي ليحصل لك الثواب اهـ
(إليك عني) اسم فعل أمر بمعنى تنح وابتعد عني
(فإنك لم تصب بمصيبتي) الفاء تعليلية للمفهوم من كلامها أي تقول ولا تعذر لأنك لم تصب بمثل مصيبتي وهذه المماثلة ملاحظة لأن الإنسان لا يصاب بمصيبة غيره نفسها إلا إذا كان شريكا له فيها وهذه الجملة خطأ من المرأة لأن رسول الله ﷺ كان قد مات له ولدان قبل ذلك
(ولم تعرفه) جملة حالية من فاعل "قالت" أي قالت ذلك اللفظ الجارح جاهلة بشخصه غير عارفة له
(فقيل لها) في رواية "فمر بها رجل فقال لها: إنه رسول الله فقالت ما عرفته" وفي رواية "قال: فهل تعرفينه؟ قالت: لا" وفي رواية أن الذي سألها هو الفضل بن العباس وواضح أن هذا القول كان بعد انصراف رسول الله ﷺ
(فأتت النبي ﷺ لتعتذر إليه وهو معطوف على محذوف ففي رواية مسلم "فأخذها مثل الموت"
(فلم تجد عنده بوابين) الضمير "عنده" للنبي ﷺ وفائدة هذه الجملة إما بيان عذرها في أنها لم تعرفه وذلك أنه كان من شأنه أن لا يتخذ بوابا مع قدرته على ذلك تواضعا وكان من شأنه أنه لا يستتبع الناس وراءه إذا مشى كما جرت عادة الملوك والأكابر. قاله القرطبي: وهو بعيد لأن المناسب لهذا عدم المشي وراءه وليس عدم البوابين ولا تلازم وخير من هذا قول الطيبي إن فائدة هذه الجملة أنه لما قيل لها إنه النبي ﷺ استشعرت خوفا وهيبة في نفسها فتصورت أنه مثل الملوك له حاجب وبواب يمنع الناس من الوصول إليه فوجدت الأمر على خلاف ما تصورته
(فقالت: لم أعرفك) معطوف على محذوف أي فاستأذنت فدخلت عليه فقالت له
стр. 283
(فقال إنما الصبر عند الصدمة الأولى) هذا من الأسلوب الحكيم إذ ترك الرد على كلامها وآثر غيره أهم منه أي دعي الاعتذار فإني لا أغضب لنفسي واهتمي بالموضوع الأهم وهو ما ينبغي لك من صبر وقد روي أنها قالت "أنا أصبر أنا أصبر" فقال لها ليس الصبر الكامل المطلوب ما يقع بعد وقت من المصيبة بزمن إنما ما يقع عند ابتداء المصيبة وابتداء الصدمة وأصل الصدم ضرب الشيء الصلب بمثله فاستعير للمصيبة الواردة على القلب
-[فقه الحديث]-
روى البخاري هذا الحديث تحت باب زيارة القبور قال النووي اتفقوا على أن زيارة القبور للرجال جائزة اهـ وقد أخرج مسلم في صحيحه حديث "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" وزاد أبو داود والنسائي "فإنها تذكر الآخرة" وللحاكم "وترق القلب وتدمع العين فلا تقولوا هجرا" أي كلاما فاحشا وللحاكم أيضا "فإنها تزهد في الدنيا" واختلف في النساء فقيل دخلن في عموم الإذن إذا أمنت الفتنة والحديث يؤيد هذا القول لأن الرسول ﷺ لم ينكر على المرأة جلوسها عند القبر وتقريره حجة وقد روى الحاكم عن أبي مليكة أنه رأى عائشة ﵂ -تزور قبر أخيها عبد الرحمن فقيل لها: أليس قد نهى النبي ﷺ عن ذلك؟ قالت: نعم كان نهى ثم أمر بزيارتها وقيل: إن الإذن خاص بالرجال ولا يجوز للنساء زيارة القبور واستدل له بحديث أم عطية عند البخاري "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا" أي ولم يؤكد علينا في المنع كما أكد علينا في غيره من المنهيات قال القرطبي ظاهر سياق أم عطية أن النهي نهي تنزيه وبه قال جمهور أهل العلم ومال مالك إلى الجواز وهو قول أهل المدينة وقال المحب الطبري يحتمل أن يكون المراد بقولها "ولم يعزم علينا" أي كما عزم على الرجال بترغيبهم في اتباع الجنائز بحصول القراريط ونحو ذلك واستدل كذلك لمنع النساء بحديث الترمذي "لعن الله زوارات القبور" قال القرطبي هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة اهـ
стр. 284
ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج وما ينشأ منهن من الصياح ونحو ذلك فقد يقال إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - الحث على الصبر عند الصدمة الأولى قال الخطابي إن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة بخلاف ما بعد ذلك فإنه على الأيام يسلو وحكى الخطابي عن بعضهم أن المرء لا يؤجر على المصيبة لأنها ليست من صنعه وإنما يؤجر على حسن تثبته وجميل صبره اهـ والحق أن للمصيبة في نفسها أجرا لحديث "ما يصيب المسلم من هم ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كان له بها أجر" وللصبر عليها أجر آخر كما أن على الجزع منها وزرا
٢ - ما كان عليه ﵊ من التواضع والرفق بالجاهل فإنه لم يغلظ عليها ولم يرد غلظتها
٣ - ومسامحة المصاب وقبول اعتذاره
٤ - وفيه ملازمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
٥ - وأن القاضي ومن ولي من أمور المسلمين شيئا لا ينبغي أن يتخذ من يحجبه عن حوائج الناس
٦ - وأن من أمر بمعروف ينبغي له أن يقبل الأمر ولو لم يعرف الآمر
٧ - وأن الجزع من المنهيات لأمره لها بالتقوى مقرونا بالصبر
٨ - وفيه الترغيب في احتمال الأذى عند بذل النصيحة ونشر الموعظة
٩ - واستدل به على جواز زيارة القبور سواء كان المزور مسلما أم كافرا لعدم استفصاله ﷺ في ذلك قال النووي وبالجواز قطع الجمهور وقال بعضهم لا تجوز زيارة قبر الكافر لقوله تعالى ﴿ولا تقم على قبره﴾
стр. 285
وهو قول مردود
١٠ - جواز أمر الرجال النساء بالمعروف ووعظهم لهن
١١ - مهادنة الثائر المعترض على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرفق به لئلا يفضي التغليظ عليه إلى ما هو أشد وأكثر ضررا.
١٢ - الحث على آداب الخطاب وإنزال الناس منازلهم
باب البكاء عن الميت وإظهار الحزن عليه
١٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين -وكان ظئرا لإبراهيم ﵇ فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمه ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأنت يا رسول الله فقال "يا ابن عوف إنها رحمة" ثم أتبعها بأخرى فقال ﷺ "إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون"
стр. 286
-[المعنى العام]-
توفي القاسم وعبد الله ابنا رسول الله ﷺ من خديجة بمكة وحزن عليهما حزنا شديدا وحرم أزواجه ﷺ من الولد حتى من كانت تلد قبله كأم سلمة سبحان الواهب الحكيم تسع من النساء لا تلد واحدة منهن وفيهن الولود وفي أواخر السنة السابعة أو أوائل السنة الثامنة أهدى المقوقس عظيم مصر رسول الله ﷺ جارية مصرية اسمها مارية القبطية فأسكنها رسول الله ﷺ في عوالي المدينة وكان يأتيها بالملك من غير قسم فحملت منه ﷺ وولدت له طفلا جميلا سماه إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة وكم كانت فرحة الرسول ﷺ به وتسابقت المرضعات تطلب شرف إرضاعه فاختار له رسول الله ﷺ مرضعة تسكن في عوالي المدينة مع زوجها الذي يعمل حدادا وكان يذهب إلى ابنه ليراه بين الحين والحين وكان يصحب معه كثيرا بعض أصحابه الذين كانوا يشفقون عليه من دخان الكير فيطلبون من زوج المرضعة أن يتوقف قليلا حتى تنتهي زيارة الرسول ﷺ وشاء الله -ولا راد لحكمه ومشيئته -أن يموت إبراهيم على رأس ثمانية عشر شهرا من ولادته وقبل وفاة الرسول ﷺ بثلاثة أشهر زاره رسول الله ﷺ ومعه أنس بن مالك وعبد الرحمن بن عوف وكان الطفل يحتضر وأنفاسه تعلو وتهبط وروحه عند الحلقوم فأخذه ﷺ وشمه وقبله ووضعه فلفظ أنفاسه الأخيرة فلم يملك رسول الله ﷺ عينيه فتساقطت الدموع فقال له عبد الرحمن بن عوف وأنت تبكي يا رسول الله إن الناس يبكون وأنت تنهاهم عن البكاء ما لنا نراك تبكي؟ فقال إن ما تشاهده أثر من آثار الرحمة ليس أثرا من آثار السخط ثم أتبع الدمع بدمع وقال إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير الشيطان وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان إنما هذه رقة قلب ورحمة
ومن لا يرحم لا يرحم إن العين تدمع وإن القلب يحزن وإنا لفراق إبراهيم لمحزونون ولا نقول ما يسخط الرب لله ما أعطى وله ما أخذ ولولا أنه أمر حق ووعد صدق وسبيل
стр. 287
نأتيه وإن آخرنا سيلحق بأولنا لحزنا عليك يا إبراهيم حزنا هو أشد من هذا و ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾
-[المباحث العربية]-
(دخلنا مع النبي ﷺ ضمير "دخلنا" لأنس بن مالك الراوي ومن معه من الصحابة
(على أبي سيف القين) بفتح القاف وسكون الياء هو الحداد وأبو سيف كنية لزوج المرضعة واسمه على ما قيل البراء بن أوس بن خالد من بني عدي بن النجار واسم المرضعة خولة بنت المنذر وكنيتها أم سيف وأم بردة
(وكان ظئرا لإبراهيم) أصل الظئر من ظأرت الناقة إذا عطفت على غير ولدها فأطلق على المرضعة التي ترضع غير ولدها وأطلق على زوجها لأنه يشاركها في تربيته غالبا أي كان أبو سيف الحداد زوج مرضعة إبراهيم بن رسول الله ﷺ
(فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمه) أي متع حاسة الشم وحاسة اللمس والقبلة والعين بابنه وهذه الزيارة غير الزيارة الثانية الآتية
(ثم دخلنا عليه بعد ذلك) ضمير "دخلنا" لأنس وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما من الصحابة وعلى رأسهم رسول الله ﷺ
(وإبراهيم يجود بنفسه) الجملة حال والمراد من النفس هنا الروح ومن الجود الدفع والإخراج شبه إخراج الروح إلى بارئها بالجود بالمال إلى مستحقه بجامع الدفع والتسليم والرضى في كل واستعير الجود للإخراج واشتق منه يجود بمعنى يدفع على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية
(وأنت يا رسول الله؟ ) الكلام على الاستفهام التعجبي والواو عاطفة على محذوف أي الناس لا يصبرون على المصيبة وأنت تفعل كفعلهم؟ كأنه يتعجب لذلك منه مع عهده منه أنه ﷺ يحث على الصبر وينهى عن
стр. 288
الجزع فأجابه ﷺ بأن الحالة التي شاهدتها يا ابن عوف هي
(رحمة) وناشئة عن رقة القلب على الولد لا ما توهمت من الجزع ومن لا يرحم لا يرحم إنما أنهى الناس عن النياحة وأن يندب الرجل بما ليس فيه
(ثم أتبعها بأخرى) قيل أراد به أنه أتبع الدمعة الأولى بدمعة أخرى وقيل أتبع الكلمة الأولى المجملة وهي قوله "إنها رحمة" بكلمة أخرى مفصلة وهي قوله "إن العين تدمع ... "
(وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون) في بعض النسخ "بفراقك" أي بسبب فراقك ولأجله لمحزونون وجاء بصيغة المفعول ليشير إلى أن الحزن ليس من فعلنا ولا بإرادتنا
(فائدة) قال ابن المنير: أسند ﷺ الدمع للعين فقال "العين تدمع" وأسند الحزن للقلب فقال "والقلب يحزن" ولم يسند النطق لجارحة اللسان فنسب الفعلين الأولين للجوارح التي تقوم بهما تنبيها على أن هذا لا يدخل تحت قدرة العبد ولا يكلف الانكفاف عنه وكأن الجارحة اندفعت فصارت هي الفاعلة لا هو والفرق بين دمع العين ونطق اللسان حيث نسب القول إلى نفسه ولم ينسبه إلى اللسان هو أن النطق يملك بخلاف الدمع فهو للعين كالنظر ألا ترى أن العين إذا كانت مفتوحة نظرت شاء صاحبها أو أبى فالفعل لها ولا كذلك نطق اللسان فإنه لصاحب اللسان اهـ وهو كلام جيد
-[فقه الحديث]-
موضوع الحديث البكاء عند الميت أو البكاء على الميت ولما كان البكاء يطلق على تساقط الدمع بدون صوت وعليه مع الصوت والشهيق والزفير والنحيب والتأوه ونحو ذلك من آثار الحزن الخالية عن الجزع والأسف وعليه مع الجزع وضعف التسليم بالقضاء وعلى كل ما سبق مضافا إليه النياحة والندبة وما يسخط الرب لما كان الأمر كذلك كان لا بد
стр. 289
من اختلاف الحكم الشرعي باختلاف كل حالة من الحالات الأربع
فالحالة الرابعة: لا خلاف بين العلماء في حرمتها وأنها من الكبائر لقوله ﷺ "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" وحديث "إن رسول الله ﷺ بريء من الصالقة والحالقة والشاقة" والصالقة الصارخة والصراخ هو المعروف عندنا بالصوات والخلاف بين العلماء في هل يعذب الميت بفعل ذلك من أهله أو لا يعذب؟ والبحث طويل ومتشعب ومتعارض الأدلة وأفضل ما قيل فيه إنه يعذب؟ إن أوصى به قبل موته أو تأكد قبل موته أن أهله سيفعلون ذلك ولم ينكر عليهم ويتفاوت عذابه بتفاوت درجة مسئوليته عن هذا الفعل
وبهذا نجمع بين حديث "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" وبين نفي عائشة وغيرها لتعذيب الميت ببكاء أهله مستدلة بقوله تعالى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وبين ما رواه أحمد "الميت يعذب ببكاء الحي فإذا قالت النائحة واعضداه وناصراه واكاسياه؟ جبذ الميت وقيل له: أنت عضدها أنت ناصرها أنت كاسيها ورواه الترمذي بلفظ "ما من ميت يموت فتقوم ناديته فتقول: واجبلاه؟ واسنده؟ أو شبه ذلك من القول إلا وكل به ملكان يلهزانه أهكذا كنت؟ فالعذاب هنا عذاب توبيخ فقط، أما إذا لم يوص بذلك، ولم يظن أن أهله سيفعلون ذلك أو نصح أن لا يفعل بعد موته ذلك فلا يعذب ولا يوبخ بفعل ذلك من أهله. والله أعلم
والحالة الأولى: وهي تساقط الدمع لحزن القلب بدون صوت لا خلاف في أنها جائزة بل ليست خلاف الأولى وهي التي حصلت هنا من النبي ﷺ وقد حاول بعضهم أن يجعلها خلاف الأولى بالنسبة لمقام النبي ﷺ فقال: إن ما حصل منه كان قبل الموت وهذا مردود بما ثبت في الصحيح من أنه ﷺ بكى على قبر بنت له رواه البخاري وزار أمه فبكى وأبكى من حوله رواه مسلم
والحالة الثالثة: وهي البكاء بصوت من مظاهر الجزع وضعف التسليم
стр. 290
بالقضاء ويشبه أن يكون حكمها الحرمة أو الكراهة على اختلاف درجة الجزع وضعف الصبر
أما الحالة الثانية وهي البكاء بصوت الشهيق والأنين والنحيب والتأوه كأثر من آثار الحزن القلبي االكبير مع التسليم وعدم الجزع فهي خلاف الأولى ومكروهة على أصعب تقدير والله أعلم
-[ويؤخذ من الحديث فوق ذلك]-
١ - مشروعية تقبيل الولد ولو قارب الموت واستدل به بعضهم على تقبيل الميت وشمه ورد بأن القصة إنما وقعت قبل الموت لكن تقبيل الميت ثابت بأدلة أخرى كتقبيل أبي بكر لرسول الله ﷺ وتقبيل الرسول ﷺ لجعفر
٢ - جواز الجلوس عند المحتضر
٣ - ومشروعية عيادة المريض ولو كان طفلا صغيرا ففي ذلك مواساة لأهله
٤ - ومشروعية الإرضاع من غير الأم
٥ - واستفهام التابع من أمامه عما يشكل عليه مما يتعارض ظاهر فعله مع ظاهر قوله
٦ - وجواز الإخبار عن الحزن لمصلحة لكن الكتمان عند عدم المصلحة أولى
٧ - والترغيب في الشفقة على خلق الله والرحمة لهم
٨ - وجواز البكاء بالدمع واعتباره دليلا على رحمة القلب عند المقتضي وهو نقيض قساوة القلب وجمود العين
٩ - وقوع الخطاب لشخص وإرادة غيره بالخطاب أخذا من مخاطبة النبي ﷺ ولده إبراهيم مع أنه في تلك الحالة لم يكن ممن يفهم الخطاب
стр. 291
باب حمل الرجل الجنازة دون النساء
١٨ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت قدموني وإن كانت غير صالحة قالت يا ويلها أين يذهبون بها يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعه صعق"
-[المعنى العام]-
عند وفاة الإنسان وبلوغ الروح الحلقوم وقطع اتصاله بالأحياء يرى مقعده ومصيره إما إلى جنة وإما إلى نار فإن كان من أهل الجنة كان قبره روضة من رياضها وإن كان غير ذلك كان قبره حفرة من حفر النار لهذا إذا رفع على أعناق الرجال وساروا به نحو مثواه كان راغبا في سرعة
стр. 292
الوصول إلى قبره إن كان محسنا وكان نافرا من الوصول إلى قبره إن كان مسيئا فينادي الأول بصوت يسمعه جميع الخلائق إلا بني آدم يقول قدموني أسرعوا بي إني مشتاق وعجل للوصول إلى مقعدي وينادي الثاني بصوت يسمعه جميع الخلائق إلا بني آدم يقول أين تذهبون بي قفوا لا أحب الوصول يا للهول يا ويلتي يا هلاكي يستغيث ولا مغيث يتمنى ولات حين مناص
فليستحضر المؤمن هذا الموقف وهو في فسحة من أجله وليعمل في يومه لغده وليذكر ما كان يمكن أن يحصل له من الرعب والخوف إذا سمع صوت الميت لقد حجب الله هذا الصوت عن الإنسان رحمة به ورفقا وإبقاء عليه فقد يصعق من هول الموقف وقد يصاب بالذهول وقد يندفع نحو الطاعات إلجاء لا رغبة مما لا يتفق وهدف التكليف والتشريع فسبحان من خلق وعلم من خلق وما يصلحه وأرشده إلى طريق الهدى والرشاد
-[المباحث العربية]-
(إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال) الجنازة تطلق على الميت في سريره وقد تطلق على الميت وقد تطلق على السرير وهنا تحتمل نفس الميت باعتبار جثته ووضعها جعلها في السرير وتحتمل السرير والمراد وضعها على أعناق الرجال وعليه فجملة "واحتملها الرجال" تفسيرية والأول أولى لقوله بعد ذلك "فإن كانت صالحة قالت" فإن المراد به الميت ويؤيده رواية "إذا وضع المؤمن على سريره يقول قدموني" وعبر باحتملها بدل حملها لإفادة ما يصاحب الحمل من المشقة والتكلف
(على أعناقهم) الحمل يكون على الأكتاف لا على الأعناق ففي الكلام مضاف محذوف أي على أصول أعناقهم وهي أكتافهم
(قالت: قدموني) أي أسرعوا بي نحو قبري
(قالت: يا ويلها) مفروض العبارة: قالت: يا ويلي كما في "قالت
стр. 293
قدموني" فهل اللفظ الذي يصدر منها هو: يا ويلها بضمير الغائب؟ وأنها لنفورها من الويل لم تضفه إلى نفسها؟ أو اللفظ الذي يصدر منها هو يا ويلي بضمير المتكلم وكره النبي ﷺ النطق به كذلك بعدا من توهم إضافته إلى نفسه أو هذا التغيير من الرواة آثروا الرواية بالمعنى تحاشيا لإضافة الويل للمتكلم الظاهر الثاني لرواية الصحيح "قال: يا ويلتاه؟ أين تذهبون بي"؟ والويل الهلاك والحزن ونداؤه على معنى يا حزن ويا هلاك احضر فهذا وقتك ويسمى في اللغة بالندبة
(أين تذهبون بها) هي تعرف أين يذهبون بها فالاستفهام للتهويل أي تذهبون بها إلى مقر هائل مخيف أو إنكاري بمعنى النفي بمعنى النهي أي لا تذهبوا بها
(يسمع صوتها كل شيء) من العقلاء ملائكة وجن؟ أو من العقلاء وغير العقلاء قولان
(ولو سمع الإنسان لصعق) بفتح الصاد وكسر العين أي لغشي عليه من شدة ما يسمعه
-[فقه الحديث]-
وضع البخاري هذا الحديث تحت باب حمل الرجال الجنازة دون النساء وتحت باب قول الميت وهو على الجنازة قدموني أما ما يتعلق بالباب الأول فقد قال ابن رشيد ليست الحجة من حديث الباب بظاهرة في منع النساء لأنه من الحكم المعلق على شرط وليس فيه أن لا يكون الواقع إلا ذلك ثم دافع ابن رشيد عن البخاري ورد عن استشكاله وأجاب بأن كلام الشارع كلما أمكن حمله على التشريع لا يحمل على مجرد الإخبار عن الواقع قال: ويؤيده العدول عن المشاكلة في الكلام حيث قال: إذا وضعت فاحتملها الرجال ولم يقل فاحتملت فلما قطع "احتملت" عن مشاكلة "وضعت" دل على قصد تخصيص الرجال بذلك اهـ
وإذا تجاوزنا قوة دلالة الحديث على منع النساء من حمل الجنازة أو
стр. 294
عدم قوته إلى الحكم نفسه وجدنا أحاديث أخرى ليست على شرط البخاري صريحة في المنع فقد أخرج أبو يعلى من حديث أنس قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فرأى نسوة فقال: أتحملنه قلن: لا. قال: أتدفنه؟ قلن: لا قال فارجعن مأزورات غير مأجورات"
ونقل النووي في شرح المهذب أنه لا خلاف في هذه المسألة بين العلماء والسبب في ذلك أن الحمل على الأعناق والأمر بالإسراع مظنة الانكشاف غالبا وهو مباين للمطلوب منهن من التستر مع ضعف نفوسهن عن مشاهدة الموتى غالبا فكيف بالحمل مع ما يتوقع من صراخهن عند الحمل والوضع على أن الحمل يحتاج قوة وضعف النساء من الأمور المحسوسة التي لا تحتاج إلى دليل ثم إن الجنازة لا بد أن يشيعها الرجال فلو حملها النساء لكان ذلك ذريعة إلى اختلاطهن بالرجال فيفضي إلى الفتنة
وأما ما يتعلق بالباب الثاني وقول الميت الصالح قدموني فقد ذهب البعض إلى أن القول بلسان الحال لا بلسان المقال وهذا الرأي بعيد عن الصواب لا يستقيم مع قوله في آخر الحديث "يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعه لصعق" مما يؤكد أن القول بصوت يسمع
أما الجمهور فعلى أن هذا القول بصوت لكنهم اختلفوا هل الناطق الجسد في تلك الحال ليكون ذلك في بشرى المؤمن وبؤس الكافر قال ابن بطال إنما يقول ذلك الروح لأن الجسد لا يتكلم بعد خروج الروح منه وقال ابن المنير لا مانع أن يرد الله الروح إلى الجسد في تلك الحال ليكون ذلك زيادة في بشرى المؤمن وبؤس الكافر وقال الحافظ ابن حجر: ظاهر الحديث أن قائل ذلك هو الجسد المحمول على الأعناق ومن الجائز أن يحدث الله النطق في الميت إذا شاء واستبعد دعوى إعادة الروح إلى الجسد قبل الدفن وقال: إنه يحتاج إلى دليل ومع ذلك رجح الرأي الأول فقال: وكلام ابن بطال فيما يظهر لي أصوب وعندي أن الرأي الثالث أصوب حيث إن الحديث بنى القول على الحمل وجعل المحمول هو
стр. 295
القائل والمحمول هو الجسد بلا نقاش واستبعاد نطق الجسد من غير روح استبعاد عادي دنيوي لا يصلح في الأمور الأخروية فإذا أخبر الصادق انتهى كل استبعاد
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - أن العبد يرى مصيره وما أعد له قبل أن يصل إلى قبره
٢ - أن للميت كلاما يسمعه غير الإنس رحمة بهم.
٣ - أن كلام الميت هذا مزعج للأحياء وأنهم يصعقون لو سمعوه.
٤ - فيه ترغيب في الطاعات وترهيب عن المعاصي
٥ - فيه حث على الإسراع بالجنازة تحقيقا لرغبة المطيع وإرغاما للعاصي وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "اسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن يك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم
стр. 296
باب فضل اتباع الجنائز
١٩ - عن ابن عمر ﵄ أن أبا هريرة ﵁ قال: "من تبع جنازة فله قيراط فقال أكثر أبو هريرة علينا فصدقت يعني عائشة أبا هريرة ﵄ وقالت سمعت رسول الله ﷺ يقوله فقال ابن عمر ﵄: لقد فرطنا في قراريط كثيرة"
-[المعنى العام]-
كرم الله ابن آدم حيا وميتا وقد شرع في الإسلام للميت حقوقا على الأحياء فمن حقه عليهم أن يغسلوه وأن يكفنوه وأن يحنطوه وأن يتبعوا جنازته حتى يصلوا عليه وبعد أن يصلوا عليه حتى يدفنوه ويدعوا له
تكريم يقصد به خير الميت وخير الحي خير الميت بذكر محاسنه وتذكر فضائله والدعاء له، وتكريم للأحياء من أهله بإشعارهم بالتعاون والتكافل والتعاضد والمشاركة في المصائب والأحزان وخير للأحياء المشيعين يتذكرون الموت ويستشعرون المصير وأنهم اليوم مشيعون غيرهم وغدا يشيعهم غيرهم وأن الموت حق وأنه أقرب للحي من حبل الوريد بهذا التذكر والتدبر يزدادون إيمانا على إيمانهم ويستعدون لآخرتهم فوق استعدادهم وينالون من وراء ذلك كله أجرا عظيما، وأي أجر هذا الذي يبلغ أضعاف جبل أحد؟
لقد حدث رسول الله ﷺ مرغبا في اتباع الجنائز مبينا فضل وثواب من يشيعها فقال: من تبع جنازة من بيتها إلى أن يصلى عليها فله عند الله قيراط وقدر عظيم من الأجر ومن يضيف إلى ذلك أن يشيعها بعد الصلاة وإلى أن توارى في قبرها فله قيراط آخر وحدث بذلك أبو هريرة بعد وفاته ﷺ ونقل هذا الحديث من سمعه من أبي هريرة إلى عبد الله بن عمر وكان
стр. 297
ابن عمر يكتفي بالتشييع حتى الصلاة ثم ينصرف ولا يشيع حتى القبر ولم يكن سمع بهذا الحديث فلما سمعه نكره وظن أن الأمر اشتبه على أبي هريرة لكثرة تحديثه فأراد أن يستوثق فأرسل إلى عائشة يسألها عن الحديث فأيدت أبا هريرة وقالت نعم سمعته من رسول الله ﷺ فأسف ابن عمر على زمن مضى لم يقم فيه بهذه الشعيرة فضيع على نفسه ثوابا كبيرا
-[المباحث العربية]-
(أنه قيل له) جاء في صحيح مسلم أن القائل لابن عمر جناب أبو السائب وقيل إن له صحبة
(من تبع جنازة فله قيراط) أي من الأجر كما جاء في رواية مسلم والمراد من اتباع الجنازة تشييعها والقيراط في استعمال البشر جزء من كل في أرض مصر جزء من أربعة وعشرين جزءا وفي الذهب جزء من عشرين جزءا من الدينار في أكثر البلاد وفي الشام جزء من أربعة وعشرين جزءا منه وفي بعض البلاد القيراط نصف دانق والدانق سدس درهم فالقيراط جزء من اثنى عشر جزءاً من الدرهم فالقيراط على أي حال جزء من كل والمراد منه هنا جزء من ثواب تجهيز الميت وتنوينه للتعظيم ففي بعض الروايات "مثل أحد" وليس المراد قيراطا من جنس أجور المؤمن على طاعاته حتى يدخل فيه ثواب الإيمان والأعمال الكبرى الصالحة وإنما المراد جزء من الأجر العائد على ما يتعلق بالميت من غسل وتكفين ودفن وتعزية ومواساة وغير ذلك من الآداب والحقوق
(أكثر أبو هريرة علينا) همزة "أكثر" للتعدية والتصيير أي جعل الشيء كثيرا والمراد أكثر التحديث عن رسول الله ﷺ بما لم نعلمه أو أكثر علينا الأجر على هذا الفعل بما لم نعهده
(فصدقت عائشة أبا هريرة) معطوف على محذوف أي فشك ابن عمر فأراد أن يستوثق فأرسل إلى عائشة يسألها
стр. 298
(سمعت رسول الله ﷺ يقوله) أي يقول الحديث الذي رواه أبو هريرة
(لقد فرطنا في قراريط كثيرة) قاله ابن عمر بعد أن استوثق من الحديث أسفا على أنه لم يلتزمه فيما مضى من عمره
-[فقه الحديث]-
سبق أن تناولنا اتباع الجنائز في الحديث رقم (١٣) وتناولنا الحكمة في مشروعيته واختصاصه بالرجال وحكمه وفصلنا القول في وضع المشيعين أمام الجنازة أو خلفها؟ والحديث هنا ظاهر في أن المشي خلفها أفضل من المشي أمامها لأن المشي خلفها هو حقيقة الاتباع حسا قال ابن دقيق العيد والذين رجحوا المشي أمامها حملوا الاتباع هنا على الاتباع المعنوي وهو المصاحبة وهو بهذا المعنى أعم من أن يكون أمامها أو خلفها أو غير ذلك وهذا مجاز يحتاج إلى دليل على تقديمه
وقد آثار الحافظ ابن حجر تساؤلا مؤداه هل يحصل القيراط لمن اتبع وصلى ثم رجع؟ أو اتبع وشيع من بعد الصلاة وحضر الدفن ولم يصل: أو لمن اتبع وشيع ورجج قبل الفن ولم يحضر الصلاة؟ واختار أن الأخير لا يحصل القيراط قال: لأن الاتباع إنما هو وسيلة لأحد مقصودين إما الصلاة وإما الدفن فإذا تجردت الوسيلة عن المقصد لم يحصل المرتب على المقصود وإن كان يرجى أن يحصل لفاعل ذلك فضل ما بحسب نيته ثم اعتمد حديث البخاري في رواية أبي هريرة الأخرى ولفظها "من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط -أي من بيتها حتى الصلاة عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن كان له قيراطان قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين" وفي لفظ "من تبعها من أهلها حتى يصلى عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن كان له قيراطان قيل: وما القيراطان قال: مثل الجبلين العظيمين" قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر لي أن القيراط حصل أيضا لمن صلى فقط لأن كل ما قبل الصلاة وسيلة لها لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من شيع وصلى مثلا واستدل بحديث
стр. 299
مسلم "من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط" قال: ففيه أن الصلاة تحصل القيراط وإن لم يقع اتباع ثم قال وهل يأتي نظير هذا في قيراط الدفن؟ فيه بحث اهـ
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - الترغيب في شهود الميت والقيام بأمره
٢ - الحض على الاجتماع له
٣ - التنبيه على عظيم فضل الله وتكريمه للمسلم في تكثير الثواب لمن يتولى أمره بعد موته
٤ - تقدير الأعمال بنسبة الأوزان إما تقريبا إلى الأفهام وإما على الحقيقة والله على كل شيء قدير
٥ - وفي هذه القصة دلالة على تمييز أبي هريرة في الحفظ
٦ - وفيه استغراب العالم ما لم يصل إلى علمه ورجوعه إلى من هو أعلم منه
٧ - وعدم مبالاة الحافظ بإنكار من لم يحفظ
٨ - وما كان عليه الصحابة من التثبيت في الحديث النبوي والتحرز فيه والتنقيب عليه
٩ - وفيه إنكار العلماء بعضهم على بعض مع المحافظة على آداب المخالفة ومما ينبغي مراعاته أن ابن عمر هنا لم يتهم أبا هريرة بأنه روى ما لم يسمع وإنما خاف أن يكون قد شبه عليه لكثرة مروياته
١٠ - وفيه فضيلة لابن عمر من حرصه على العلم وتأسفه على ما فاته من العمل الصالح
стр. 300
باب الصلاة على الشهيد
٢٠ - عن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال " إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض -أو مفاتيح الأرض -وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها"
-[المعنى العام /]-
١٦ - في أخريات حياته ﷺ كان يأتي أفعالا توحي بأنه يودع كأنه كان على علم أو إلهام ففي حجة الوداع قال "أيها الناس لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا" حتى أحس الأحياء أنه يودع وهنا نراه يخرج إلى أحد قبل أن يقعده المرض يخرج إليها فيقف عند شهدائها يستحضر أنه سيلقاهم
стр. 301
ويرافقهم عند الرفيق الأعلى يستحضر رفقته لهم ورفقتهم قبل ثمان سنين يقف يدعو لهم بل قام يصلي عليهم صلاة الجنازة الشرعية وكأنه كان يودع قبورهم وأجسادهم قبيل أن تلتقي روحه مع أرواحهم في النعيم المقيم
ثم انصرف عنهم إلى المسجد إلى الأحياء ينصحهم ويحذرهم بما يفهم منه أنه وداع صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إني فرطكم إني سأتقدم عليكم إني سأسبقكم إلى آخرتي لكني سأبقى شهيدا عليكم تعرض علي أعمالكم فما وجدت فيها من خير حمدت الله عليه وما وجدت منها غير ذلك استغفرت الله له أيها الناس كأني في آخرتي وكأني والله أنظر إلى حوضي الآن يرده أناس منكم أو يذاد عنه أناس فاجتهدوا في التمسك بكتاب الله وسنتي ووالله ما أخاف عليكم بعدي أن تشركوا ولكني أخاف أن تقعوا في شرك الدنيا ومصيدة زينتها ومتاعها فتلهيكم عن ذكر الله وتنافسوا فيها كما تنافس فيها من قبلكم فتهلكوا مقصرين في دينكم كما هلكوا وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض وتفسير ذلك أنكم تملكون ملك كسرى وقيصر ومشارق الأرض ومغاربها وهذا هو الخطر الذي يتهددكم من بعدي أخشى إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم قال الراوي: كانت هذه آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ وهكذا بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة حتى أتاه اليقين فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سبيله إلى يوم الدين
-[المباحث العربية]-
(خرج يوما) كان ذلك بعد سبع سنوات ونصف السنة من غزوة أحد إذ كانت في شوال سنة ثلاث من الهجرة وكان خروجه ﷺ إلى الشهداء قبيل وفاته وتوفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة
(فصلى على أهل أحد) أي على شهداء المسلمين هناك
(صلاته على الميت) لعل الراوي يرفع بهذا إيهام أن المراد بالصلاة
стр. 302
الصلاة اللغوية بمعنى الدعاء فأراد صلاة الجنازة المشروعة
(فقال) معطوف على محذوف أي ثم انصرف إلى المنبر فصعده فحمد الله فأثنى عليه فقال
(إني فرطكم) أي سابقكم والفرط هو الذي يتقدم الورد ليصلح الحوض والدلو ونحو ذلك وفي رواية "فرط لكم" أي لأجلكم فاللام للتعليل
(وأنا شهيد عليكم) رفع إيهام أن يصبحوا بغير رقابة أو بغير اتصال بعد موته و"شهيد" بمعنى شاهد
(وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن) يحتمل الحقيقة وأن الله كشفه له ويحتمل المجاز أي أتخيل حوضي كأني أنظر إليه الآن وقد ورده ناس ويبعد عنه ناس لهذا أخاف عليكم أن يكون بينكم من يذاد ويبعد عن حوضي. والقسم واللام والمؤكدات لأهمية الخبر وغرابته
(وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض) أعطي المفاتيح في منامه وفسرها بإقبال الدنيا على أمته وامتلاكهم خزائن الأرض أو الكلام كناية عن امتلاك أمته كنوز الأرض
(ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي) أي ما أخاف على جميعكم الشرك فلا يمنع أن يخاف شرك فرد أو أفراد
(ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها) أي في مفاتيح خزائن الأرض أي في متعها وأموالها ومباهجها
-[فقه الحديث]-
صلاة الميت أو صلاة الجنازة أربع تكبيرات يقرأ الفاتحة بعد الأولى ويصلي على النبي ﷺ كما في التشهد بعد الثانية ويدعو للميت بعد الثالثة ويدعو للمؤمنين والمؤمنات بعد الرابعة ثم يسلم هكذا هي عند الجمهور والإجماع أنها لا ركوع فيها ولا سجود ويشترط فيها ما يشترط في أي
стр. 303
صلاة وتصلى فرادى وجماعة والأفضل فيها كثرة الصفوف لا طولها
والحديث يثير حكم الصلاة على الشهداء وقد ترجم له البخاري بباب الصلاة على الشهيد وذكر تحت الباب قبل هذا الحديث حديث جابر بن عبد الله قال "كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول أيهم أكثر أخذا للقرآن فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم"
قال الحافظ ابن حجر قال الزين ابن المنير والمراد بالشهيد قتيل المعركة في حرب الكفار قال وخرج بقوله "المعركة" من جرح في القتال وعاش بعد ذلك حياة مستقرة وخرج بحرب الكفار من مات بقتال المسلمين كأهل البغي وخرج بجميع ذلك من سمي شهيدا بسبب غير السبب المذكور وإنما يقال له شهيد بمعنى ثواب الآخرة وهذا كله على الصحيح من مذاهب العلماء
ثم قال والخلاف في الصلاة على قتيل معركة الكفار مشهور قال بعضهم يصلى عليه وهو قول الكوفيين وقال بعضهم لا يصلى عليه وهو قول المدنيين والشافعي وأحمد اهـ ثم اختلف القائلون بعدم الصلاة هل ذلك على الوجوب أو على الاستحباب الحنابلة وبعض الشافعية على الاستحباب
وقد استدل بالحديث من يقول بالصلاة على الشهداء قال قائلهم معنى صلاته ﷺ على شهداء أحد لا يخلو من معان ثلاثة إما أن يكون ناسخا لما تقدم من ترك الصلاة عليهم فهو تشريع لنا وإما أن يكون من سنتهم أن لا يصلى عليهم إلا بعد هذه المدة المذكورة -أي فهو خاص بشهداء أحد بخلاف غيرهم فيصلى عليه -وإما أن تكون الصلاة عليهم جائزة غير شهداء أحد فإنها واجبة وأيها كان فقد ثبت بصلاته عليهم الصلاة على الشهداء وإذا ثبتت الصلاة عليهم بعد الدفن كانت قبل الدفن أولى اهـ
стр. 304
ويرد الجمهور على الحنفية بأنه ثبت أن ذلك كان بعد ثمان سنين من استشهادهم والحنفية القائلون بالصلاة على الشهداء يقولون لا يصلى على القبر إذا طالت المدة فلا وجه لهم في الاستدلال بالحديث ولزم أن يراد بالصلاة الدعاء أما قوله "صلاته على الميت" فمعناه أنه دعا لهم بمثل الدعاء الذي كانت عادته أن يدعو به للموتى على أنه يمكن أن تكون هذه الصلاة من خصائصه ﷺ ثم إنها واقعة عين لا عموم فيها فلا ينتهض الاحتجاج بها لدفع حكم تقرر من وجوه كثيرة
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - معجزات النبي ﷺ
٢ - استدل به على أن الحوض مخلوق وموجود الآن وهذا على أن التعبير على الحقيقة
٣ - وفيه أن الأمة لا يخاف عليها الإشراك في مستقبل الزمان والمقصود أنه لا يخاف على جميعها أما البعض فقد يقع منه الإشراك وقد وقع والعياذ بالله
٤ - وفيه الحلف من غير استحلاف لتأكيد الخبر الغريب وتعظيمه
٥ - وفيه ما كان عليه ﷺ في آخر حياته في استشعاره بالمصير وتوديعه الأحياء والأموات
٦ - وفيه حرصه ﷺ على أمته لآخر لحظة من حياته وتحذيرهم من الاغترار بالدنيا في مستقبل أيامهم
٧ - وفيه ثبوت شهادة النبي ﷺ على من لم يشاهده من أمته عن طريق عرض الأعمال عليه الوارد في بعض الأحاديث
стр. 305
باب موت الطفل من أبوين غير مسلمين
٢١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" ثم يقول أبو هريرة ﵁ ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [سورة الروم: الآية ٣٠]
-[المعنى العام]-
قد يتساءل المرء: هل في نطفة اليهودي شيء من اليهودية؟ وهل في بويضة اليهودية شيء من اليهودية؟ حتى يرث ذلك مولودهما؟ إن العقلاء والعلماء يقولون: لا. لأن اليهودية عند الأبوين عقيدة يمكن أن تتغير في لحظة بكلمة أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وزيادة في الإيضاح نقول هل يتأثر ويرث مولود المعتزلي الاعتزال قبل أن يولد؟ وهل يرث ابني شيئا من عقيدتي ومعلوماتي قبل أن يولد؟ اللهم لا. فالله تعالى يقول ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ إنما الذي يورث
стр. 306
صفات خلقية جسمية وصفات خلقية متأصلة لا تتغير في صاحبها بكلمة
نخلص من هذا بأن المولود يولد من حيث العقيدة الدينية على البراءة الأصلية على الصلاحية المطلقة يولد كالماء العذب إن أضيف إليه الملح أو المر صار ملحا أو مرا وإن أضيف إليه السكر صار حلوا وإن لم يضف إليه شيء وبقي بعيدا عن التلوث والتأثر بقي صالحا وهكذا كل مولود من بني آدم يولد متمكنا من الهدى متهيئا لقبول الدين الصحيح مستعدا للاتجاه الحق لكن بيئته تؤثر فيه إما تثبيتا على النقاء واستمرارا له وزيادة فيه وإما تحريفا وتلوينا وتغييرا البيئة تؤثر فيه منذ يفتح عينه وتسمع أذنه وتحس بقية حواسه فلو أخذنا مولودا مسلما ومولودا يهوديا منذ تلك اللحظة وربيناهما بين أبوين مسلمين أو بين أبوين يهوديين لكان التأثر العقائدي واحدا فيهما
وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول "كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" فيصبح يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا بالتربية لا بأصل الخلقة فأصل الخلقة من حيث العقيدة واحد ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾
قد يكون الوضع واضحا ومقبولا إلى لحظة الولادة ولكن ما هو الوضع من حين الولادة لحين التمييز ثم لحين البلوغ وهذه فترة ما قبل التكليف أيعتبر يهوديا إذا ربي بين يهوديين ويكون من أهل النار إذا مات قبل البلوغ على اعتبار أنه تلوث بالتربية أو لا يتحمل مسئولية ويكون من أهل الجنة؟ أو لا يكون من أهل هذه ولا تلك لأنه لم يعمل صالحا؟ ولم يبق على نقائه فيدخل الجنة؟ وليس مسئولا عن تلويثه فلا يدخل النار؟ تلك هي المشكلة الغيبية التي سنتعرض لها بالتفصيل في فقه الحديث
لكن الجدير بالإشارة أن هذه المسألة شيء والحكم عليه بالأحكام الدنيوية شيء آخر فما دام ابن يهودي لا يصلى عليه إذا مات ولا يدفن في مقابر المسلمين ويرث اليهودي وهو يرثه ويسبي ويملك في الحروب
стр. 307
وتجري عليه جميع الأحكام الدنيوية الجارية على اليهود لكن ماذا يحكم عليه في الآخرة أمر آخر نقول فيه ما نقول والله فوق ما نقوله بعلمه ومشيئته
-[المباحث العربية]-
(ما من مولود) أي من بني آدم و"من" زائدة في سياق النفي للتأكيد و "مولود" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد
(إلا يولد على الفطرة) الاستثناء مفرغ من عموم الأحوال على تقدير ما من مولود يكون على حال من الأحوال إلا على حال ولادته على الفطرة وأصل الفطرة النشأة والخلقة والمراد منها الملة أو الإسلام أو التهيؤ له
(فأبواه) الضمير للمولود والفاء إما للتعقيب أو للسببية أو جزاء شرط مقدر أي إذا تقرر ذلك كان التغير بسبب أبويه
(كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء) "تنتج" بضم أوله وسكون النون وفتح التاء قال أهل اللغة نتجت الناقة بضم النون وكسر التاء على صيغة المبني للمجهول وأنتج الرجل ناقته ينتجها إنتاجا جعلها تنتج بضم أوله وفتح ثالثه فالبهيمة هنا نائب فاعل و"بهيمة" حال وجمعاء حال أخرى أي مجتمعة الأعضاء متكاملتها ولكن الناس بعد ولادتها يجدعون أنفها أو أذنها والكاف في "كما" إما في موضع الحال والتقدير ما من مولود إلا يولد على الفطرة شبيها بالبهيمة تولد مكتملة وإما في موضع المفعول المطلق والتقدير يولد ولادة مشبهة ولادة البهيمة السليمة
(هل تحسون فيها من جدعاء) المراد من الإحساس العلم بأي وسيلة فهو من إطلاق الخاص وإرادة العام والجدعاء مقطوعة الأذن والاستفهام إنكاري بمعنى النفي
﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ جزء الآية رقم (٣٠) من سورة الروم وصدرها ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا﴾ و"فطرة" منصوب على الإغراء أي
стр. 308
الزموا فطرة الله
(ذلك) أي الإسلام ولما ذكر الإسلام قبل لفظ الفطرة وبعده دل على أنه المراد بالفطرة
(الدين القيم) أي المستقيم الذي لا عوج فيه ولا ضلال
-[فقه الحديث]-
استدل بالحديث على إسلام الطفل إذا كان من أبوين مسلمين أو كان أحد أبويه مسلما استصحابا لأصل الفطرة حيث لم يغيره أبواه فيصلى عليه إن استهل صارخا هذا رأي الجمهور وقيل: لا يصلى عليه حتى يبلغ وقيل لا يصلى عليه حتى يصلي ومن الآراء الشاذة الصلاة على جميع الأطفال وإن كان أبواهم كافرين
وقد ساق البخاري هذا الحديث تحت باب: ما قيل في أولاد المشركين وساق قبله تحت الباب نفسه حديث ابن عباس "سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين فقال: الله الذي خلقهم أعلم بما كانوا عاملين"
قال الحافظ ابن حجر واختلف العلماء قديما وحديثا في هذه المسألة على أقوال
-[وذكر عشرة أقوال أهمها]-
١ - أنهم يمتحنون في الآخرة ومال إليه البيهقي في كتاب الاعتقاد ورد بأن الآخرة ليست دار تكليف فلا عمل فيها ولا ابتلاء
٢ - أنهم مع آبائهم واستدل له بحديث ضعيف رواه أحمد
٣ - أنهم في برزخ بين الجنة والنار لأنهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها الجنة ولا سيئات يدخلون بها النار
٤ - أنهم خدم أهل الجنة واستدل له بحديث ضعيف رواه الطبري والبزار
٥ - أنهم في الجنة قال النووي وهو المذهب الصحيح المختار الذي
стр. 309
صار إليه المحققون لقوله تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ وإذا كان لا يعذب العاقل لكونه لم تبلغه الدعوة فلأن لا يعذب غير العاقل من باب أولى
٦ - أنهم في المشيئة نقله البيهقي في الاعتقاد عن الشافعي وهو مقتضى صنيع مالك ويؤيده حديث البخاري "الله أعلم بما كانوا عاملين" والذي تستريح إليه النفس ما ذهب إليه النووي فيمن مات قبل التمييز وأنهم في المشيئة من مات بعد التمييز والله أعلم
باب ثناء الناس على الميت
٢٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال النبي ﷺ "وجبت" ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال "وجبت" فقال عمر بن الخطاب ﵁ ما وجبت؟ قال: "هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض"
стр. 310
-[المعنى العام]-
بينما رسول الله ﷺ جالس بين أصحابه إذ مرت بهم جنازة يشيعها بعض المسلمين فقال ﷺ ما هذه الجنازة قالوا: جنازة فلان الفلاني كان يحب الله ورسوله ويعمل بطاعة الله ويسعى فيها وقالوا لنعم المرء هو. لقد كان عفيفا مسلما فقال ﷺ : وجبت وبعد فترة مرت جنازة أخرى فقال ﷺ : ما هذه الجنازة قالوا جنازة فلان ابن فلان. بئس المرء هو إنه كان فظا غليظا لا يعمل بطاعة الله ولا يسعى فيها فقال ﷺ وجبت
وكان عمر في الجالسين وتحير في فهم كلمة "وجبت" وقد قالها رسول الله ﷺ بعد الثناء على جنازة الأول وقالها نفسها بعد الذم على جنازة الثاني ولم يكن بد من السؤال فقال: فداء لك أبي وأمي يا رسول الله ما الذي وجب حتى قلت عن الرجلين "وجبت"؟
قال ﷺ الأول أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة واستحقت وكتبه الله من أهلها والثاني أثنيتم عليه شرا وما شهدتم إلا بما علمتم والمؤمنون المتقون شهداء الله في الأرض يلقي الله في قلوبهم شهادة الحق وقول الصدق والدين المعاملة وما شهدتم بالشر إلا لأنه قدم شرا فوجبت له النار
-[المباحث العربية]-
(مروا بجنازة فأثنوا عليها) ضمير "مروا" غير ضمير "أثنوا" لأن ضمير مروا للمشيعين للجنازة وضمير "فأثنوا" للجالسين مع النبي ﷺ والأصل مروا بجنازة على رسول الله ﷺ وأصحابه فأثنى الجالسون خيرا
(خيرا) قال النووي: منصوب بنزع الخافض أي أثنوا عليها بخير وقال ابن مالك "خيرا" صفة لمصدر محذوف أي أثنوا ثناء خيرا ومثال هذا يقال في "شرا"
стр. 311
(وجبت) في الموضعين فعل ماض وفاعله ضمير مستتر معهود للمتكلم يرجع إلى الجنة في الأول وإلى النار في الثاني، والمراد بالوجوب هنا الثبوت المؤكد البالغ حد الوجوب ولما كان الله لا يجب عليه شيء أريد منه الثبوت المؤكد
(فأثنوا عليها شرا) قال أكثر أهل اللغة الثناء بالمد ذكر المحاسن وتعداد المآثر ولا يستعمل إلا في الخير وعلى هذا فاستعماله هنا للمشاركة والمجانسة كما في قوله تعالى ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ فجزاء السيئة ليس سيئة وأطلق عليه لفظ سيئة للمشاكلة وقال بعضهم: إن الثناء يستعمل في الخير والشر فلا إشكال
(ما وجبت؟ ) أي ما الذي وجب في كل من الجنازتين فالسؤال عمن قام به الوجوب لا عن معنى الوجوب بدليل جوابه ﷺ
(أنتم شهداء الله في الأرض) الخطاب لجماعة معينة من الصحابة الذين أثنوا ويدخل في الحكم من على صفتهم من الإيمان والتقوى بالقياس وحكى ابن التين أن ذلك مخصوص بالصحابة لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة بخلاف من بعدهم فالخطاب على هذا للصحابة كأنه قال أنتم معشر الصحابة شهداء الله في الأرض وهذا بعيد والصواب الأول
-[فقه الحديث]-
ثناء الناس على الميت وذكرهم لمحاسنه مشروع وجائز مطلقا بخلاف الحي فإنه منهي عنه إذ كثيرا ما يفضي إلى الإطراء وكثيرا ما يفضي إلى الزهو وكثيرا ما يحمل على النفاق
والظاهر أن شيوع الثناء بالخير على الميت من الثقات المتقين دليل على أنه من أهل الجنة وأن شيوع ذم الميت وإسناد الشر إليه من الثقات المتقين دليل على أنه من أهل النار بصفة عامة خلافا لمن زعم بأن ذلك خاص بالميتين المذكورين لغيب أطلع الله نبيه عليه بل هو خبر عن حكم أعلم الله به نبيه ويؤكده ذلك التعميم الأخير "أنتم شهداء الله في الأرض"
стр. 312
ويزيده تأكيدا رواية مسلم "من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة" ورواية البخاري في كتاب الشهادات "المؤمنون شهداء الله في الأرض" ورواية أبي داود "إن بعضكم على بعض لشهيد" وحديث البخاري "أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة فقلنا وثلاثة قال وثلاثة فقلنا واثنان قال واثنان" قال الحافظ والمعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق لا الفسقة لأنهم قد يثنون على من يكون مثلهم ولا من بينه وبين الميت عداوة لأن شهادة العدو لا تقبل اهـ وفي هذا الأخير نظر لأن شهادة العدو بالخير أقوى من شهادة الصديق فالفضل ما شهدت به الأعداء
والظاهر أنها شهادة على معنى أن القول ينبغي أن يطابق الواقع فالثناء بالخير يكون على خير وقع بالفعل وليس مجرد ثناء ولم يرتض النووي هذا التفسير إذ قال قال بعضهم معنى الحديث أن الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل -وكان ذلك مطابقا للواقع -فهو من أهل الخير فإن كان غير مطابق فلا وكذا عكسه قال: والصحيح أنه على عمومه وأن من مات فألهم الله تعالى الثناء عليه بخير كان دليلا على أنه من أهل الجنة سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا فإن الأعمال داخلة تحت المشيئة وهذا الإلهام يستدل به على تعيينها وبهذا تظهر فائدة الثناء اهـ قال الحافظ ابن حجر: وهذا في جانب الخير واضح ويؤيده ما رواه أحمد وابن حبان والحاكم عن أنس مرفوعا "ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون عنه إلا خيرا إلا قال الله تعالى قد قبلت قولكم وغفرت له ما لا تعلمون"
أما الثناء بالشر فظاهره يتعارض مع النهي عن سب الأموات ففي البخاري عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" قال الزين ابن المنير: والجواب أن عمومه مخصوص بالحديث السابق حيث قال ﷺ عند ثنائهم بالخير والشر "وجبت" و"أنتم شهداء الله في الأرض"
وقال القرطبي حديث "وجبت" يحتمل أجوبة الأول أن الذي كان
стр. 313
يحدث عنه بالشر كان مستظهرا به -قيل كان منافقا وقد جاء أن النبي ﷺ صلى على الأول ولم يصل على الثاني -فيكون من باب لا غيبة لفاسق
ثانيها يحمل النهي على ما بعد الدفن والجواز على ما قبله ليتعظ به من سمعه
ثالثها يكون النهي العام متأخرا فيكون ناسخا وهذا ضعيف
وقال ابن رشد إن السب ينقسم في حق الكفار وفي حق المسلمين أما الكفار فيمنع إذا تأذى به الحي المسلم وأما المسلم فحيث تدعو الضرورة إلى ذلك كأن يصير من قبيل الشهادة وقد يجب في بعض المواضع وقد يكون فيه مصلحة للميت كمن علم أنه أخذ ماله بشهادة زور ومات الشاهد فإن ذكر ذلك ينفع الميت إن علم أن ذلك المال يرد إلى صاحبه وقال ابن بطال سب الأموات يجري مجرى الغيبة فإن كان أغلب أحوال المرء الخير -وقد تكون منه الفلتة -فالاغتياب له ممنوع وإن كان فاسقا معلنا فلا غيبة له، فكذلك الميت. ويحتمل أن يكون النهي على عمومه فيما بعد الدفن والمباح ذكر الرجل بما فيه قبل الدفن ليتعظ لذلك فساق الأحياء فإذا صار إلى قبره أمسك عنه لإفضائه إلى ما قدم وقد عملت عائشة -راوية هذا الحديث -بذلك في حق من استحق عندها اللعن فكانت تلعنه وهو حي فلما مات تركت ذلك ونهت عن لعنه
وقال الحافظ ابن حجر وأصح ما قيل في ذلك أن أموات الكفار والفساق يجوز ذكر مساويهم للتحذير منهم والتنفير عنهم وقد أجمع العلماء على جواز جرح المجروحين من الرواة أحياء وأمواتا اهـ
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - فضيلة هذه الأمة باعتبارهم شهداء الله في أرضه
٢ - قبول الحكم بالظاهر من غير بحث عن السرائر
٣ - جواز الشهادة قبل الاستشهاد
стр. 314
٤ - قبول الشهادة من غير استفصال
٥ - والحديث أصل في قبول الشهادة بالاستفاضة
стр. 315
كتاب الزكاة
باب وجوب الزكاة
٢٣ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ بعث معاذا ﵁ إلى اليمن فقال "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم"
-[المعنى العام]-
خلع معاذ جزءاً كبيرا من ماله لغرمائه سنة عشر من الهجرة فرأى رسول الله ﷺ أن يعوضه بتعيينه واليا أو قاضيا على اليمن يجمع الزكاة ويصرفها في وجوهها ويقوم على بيت المال وقال له إني عرفت بلاءك والذي قد ركبك من الدين وقد طيبت لك الهدية لعل الله يجبرك ويخلف عليك ما غرمت
ولم يكن أساس اختيار معاذ لهذا المنصب مجرد التعويض فإنه كفء له أهل لتحمل هذه المسئولية لما عرف عنه من العلم والفضل والورع وقد شهد بدرا وهو ابن إحدى وعشرين سنة
وزوده رسول الله ﷺ بوصية تحدد له الخطوات الواجب اتباعها في
стр. 316
مهمته السامية الصعبة
قال له إنك ستكون بمثابة حاكم لليمنيين بقوانين الإسلام ناشر لتعاليم الدين بين قوم أكثرهم من أهل الكتاب من النصارى وهم أهل علم وجدل تحتاج دعوتهم إلى حكمة وسعة صدر وقوة حجة
فتدرج معهم في الدعوة وعاملهم بالتي هي أحسن وليكن أول شيء تدعوهم إليه هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا قالوها وأقروا بها واعترفوا بالله تعالى ووحدانيته وآمنوا برسوله فأعلمهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فصلها لهم وعلمهم كيفيتها وأمهم في صلاتهم فإن هم قبلوا وأذعنوا وصلوا فأعلمهم أن الله فرض على الأغنياء منهم زكاة تجمع من أموالهم وتفرق بين فقرائهم فإن استجابوا فخذ منهم صدقاتهم ولا تلزمهم إخراج كرائم أموالهم ونفائسها التي أحبوها واختصوها بفضل على غيرها فلم يجعل الله مواساة الفقراء على حساب الإجحاف بالأغنياء
وتجنب الظلم عامة وفي أخذ الصدقات خاصة واحرص على العدل واحذر دعوة المظلوم فإنها مستجابة وإن كان فاسقا تفتح لها أبواب السموات السبع ولا يحول بينها وبين القبول حائل أو حجاب
وحافظ معاذ على الوصية والتزمها وظل قائما على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر ثم توجه إلى الشام فمات بها بالطاعون سنة سبع عشرة من الهجرة ﵁ وأرضاه
-[المباحث العربية]-
(ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله) في رواية "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم ... " وفي رواية "إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله " والمراد من عبادة الله توحيده والمراد من توحيده الشهادتان
стр. 317
(فإن هم أطاعوا لذلك) أي للإتيان بالشهادتين والظاهر أن "أطاع" هنا ضمن معنى انقاد فعدى تعديته
(أن الله افترض عليهم) في رواية "أن الله فرض عليهم" وهما هنا بمعنى
(فإن هم أطاعوا لذلك) أي أقروا بوجوبها والتزموا بها وقيل أدوها ويؤيده رواية "فإذا صلوا" قال الحافظ ابن حجر والذي يظهر أن المراد القدر المشترك بين الأمرين فمن امتثل بالإقرار أو بالفعل كفاه أو بهما فأولى
(أن الله افترض عليهم صدقة) أي زكاة وفي رواية "أن الله فرض عليهم زكاة"
(تؤخذ من أغنيائهم) الجملة صفة لصدقة
(وترد على فقرائهم) ضمير "فقرائهم" لفقراء أهل اليمن فلا تخرج الزكاة عن بلدها أو فقراء المسلمين فيجوز نقلها سيأتي توضيحه في فقه الحديث
-[فقه الحديث]-
-[استدل بالحديث على أحكام هامة نجملها فيما يلي]-
١ - استدل الجمهور بالحديث على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله حتى يضيف إليها الشهادة لمحمد ﷺ بالرسالة وقال بعضهم يصير بالأولى مسلما ويطالب بالثانية وفائدة الخلاف تظهر في الحكم بالردة والقول الراجح قول الجمهور وأن المطالبة ابتداء تكون بالشهادتين ومن كان موحدا فالمطالبة له تكون بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة ومن كان معتقدا ما يستلزم الإشراك كمن يقول ببنوة عزير فإنه يطالب بالإقرار بالتوحيد وبالإقرار بالرسالة
٢ - كما استدل بالحديث على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة
стр. 318
من صلاة وصيام وزكاة لكونه ﷺ قال "فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن عليهم .... " فدل على أنهم إذا لم يطيعوا لا يجب عليهم ودل على أنهم يدعون أولا إلى الإيمان ولا يدعون إلى العمل إلا بعد أن يؤمنوا
ومذهب المحققين والأكثرين -وهو المختار -أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة [المأمورات والمنهيات] وغاية ما في الحديث أن مطالبتهم في الدنيا بالفروع لا تكون إلا بعد الإسلام لأنها لا تصح منهم بدونه ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها يزاد في عذابهم في الآخرة بسببها كمن أتلف ثوبا مخيطا فإنه مسئول عن الثوب وعن خياطته وإن لم يطالب عمليا بالخياطة إلا بعد تحصيل الثوب يؤيد هذا قوله تعالى ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِين * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ فالآية في المكذبين بيوم الدين وقد عددوا من أسباب دخولهم سقر عدم الصلاة ونحوها
٣ - كما استدل الخطابي وسائر أصحاب الشافعي بالحديث على أن الزكاة لا يجوز نقلها عن بلد المال لقوله ﷺ "وترد على فقرائهم" فإن معناه أن الصدقة ترد على فقراء من أخذت من أغنيائهم
ورد المخالفون بأن الضمير في "فقرائهم" يحتمل أن يكون لفقراء المسلمين كما يحتمل أن يكون لفقراء أهل تلك البلدة أو الناحية وحيث تطرق إلى الدليل الاحتمال يسقط به الاستدلال وعلى هذا أجاز أبو حنيفة النقل ورأى المالكية ترك النقل لكن إن خالف ونقل أجزأ أما عند الشافعية فالنقل لا يجزئ على الأصح إلا إذا فقد المستحقون لها في الناحية
٤ - استدل به الجمهور على إيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون لعموم قوله "من أغنيائهم" وذهب الحنفية إلى عدم إيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون لحديث "رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق" ولا يخفى أن المكلف بإخراج الزكاة من مال الصبي هو وليه ففي مال الصبي حق غير مكلف هو
стр. 319
بأدائه وإنما المكلف بأدائه هو الوصي فلا تنافي بين إيجاب الزكاة في ماله وبين رفع القلم عنه
٥ - واستدل بالحديث لقول مالك وغيره: أنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد وأجاب المخالفون بأنه يحتمل أن يكون ذكر الفقراء لأنهم الغالب أو للمقابلة بالأغنياء
٦ - واستدل بقوله "تؤخذ من أغنيائهم" على أنه إذا امتنع عن أداء الزكاة أخذت من ماله بغير اختياره وهذا الحكم لا خلاف فيه
٧ - واستدل بالحديث على أن الوتر غير واجب وأنه ليس على المسلم سوى خمس صلوات ورد الحنفية الموجبون للوتر بجواز وجوبه بعد وصية معاذ ويجوز عدم ذكر الراوي له على أن الوصية لم تشمل كل الفروض
٨ - استدل بالحديث على بعث السعاة لأخذ الزكاة
٩ - وأن الإمام ينبغي أن يعظ عماله ويزودهم بخطة العمل
١٠ - وعلى قبول خبر الواحد ووجوب العمل به
١١ - وأن الصلوات الخمس تجب في كل يوم وليلة
١٢ - وأنه ليس في المال حق سوى الزكاة
١٣ - وأن الفقير لا زكاة عليه
١٤ - وأن من ملك نصابا لا يعطى من الزكاة لأنه جعل المأخوذ منه غنيا وقابله بالفقير
١٥ - وأن الزكاة لا تدفع إلى كافر ولا تدفع إلى غني من سهم الفقراء
هذا وقد استشكل على الحديث بأنه لم يذكر الصوم والحج مع أن بعث معاذ كان في آخر الأمر وأجيب بأن عدم الذكر تقصير من بعض
стр. 320
الرواة أو لأن الشارع يهتم بالصلاة والزكاة ويجعلهما عنوان الأركان بعد الشهادتين وذلك لأن الأركان الخمسة تمثل ثلاثة أركان كبرى الركن الاعتقادي وهو الشهادتان والركن البدني وهو الصلاة والركن المالي وهو الزكاة وهذا واضح في تعبير القرآن الكريم فقد نزلت سورة براءة بعد فرض الصوم والحج بلا خلاف وجاء في موضعين منها قوله تعالى ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾
كما استشكل على الحديث في ترتيبه الدعوة للزكاة على الإطاعة بالصلاة مع أنها لا تتوقف عليها باتفاق وأجيب بأن الترتيب ترتيب بيان واهتمام لا ترتيب إيجاب وصحة
وقيل إنهم إذا أجابوا إلى الشهادتين ودخلوا بذلك في الإسلام ثم لم يذعنوا لوجوب الصلاة كان ذلك كفرا وردة عن الإسلام بعد دخولهم فيه فيصير ما لهم فيئا ولا يؤمرون بالزكاة بل يقتلون وهو جواب حسن
следующие страницы →