Полный текст (1 103 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
مهمته السامية الصعبة
قال له إنك ستكون بمثابة حاكم لليمنيين بقوانين الإسلام ناشر لتعاليم الدين بين قوم أكثرهم من أهل الكتاب من النصارى وهم أهل علم وجدل تحتاج دعوتهم إلى حكمة وسعة صدر وقوة حجة
فتدرج معهم في الدعوة وعاملهم بالتي هي أحسن وليكن أول شيء تدعوهم إليه هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا قالوها وأقروا بها واعترفوا بالله تعالى ووحدانيته وآمنوا برسوله فأعلمهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فصلها لهم وعلمهم كيفيتها وأمهم في صلاتهم فإن هم قبلوا وأذعنوا وصلوا فأعلمهم أن الله فرض على الأغنياء منهم زكاة تجمع من أموالهم وتفرق بين فقرائهم فإن استجابوا فخذ منهم صدقاتهم ولا تلزمهم إخراج كرائم أموالهم ونفائسها التي أحبوها واختصوها بفضل على غيرها فلم يجعل الله مواساة الفقراء على حساب الإجحاف بالأغنياء
وتجنب الظلم عامة وفي أخذ الصدقات خاصة واحرص على العدل واحذر دعوة المظلوم فإنها مستجابة وإن كان فاسقا تفتح لها أبواب السموات السبع ولا يحول بينها وبين القبول حائل أو حجاب
وحافظ معاذ على الوصية والتزمها وظل قائما على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر ثم توجه إلى الشام فمات بها بالطاعون سنة سبع عشرة من الهجرة ﵁ وأرضاه
-[المباحث العربية]-
(ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله) في رواية "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم ... " وفي رواية "إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله " والمراد من عبادة الله توحيده والمراد من توحيده الشهادتان
стр. 317
(فإن هم أطاعوا لذلك) أي للإتيان بالشهادتين والظاهر أن "أطاع" هنا ضمن معنى انقاد فعدى تعديته
(أن الله افترض عليهم) في رواية "أن الله فرض عليهم" وهما هنا بمعنى
(فإن هم أطاعوا لذلك) أي أقروا بوجوبها والتزموا بها وقيل أدوها ويؤيده رواية "فإذا صلوا" قال الحافظ ابن حجر والذي يظهر أن المراد القدر المشترك بين الأمرين فمن امتثل بالإقرار أو بالفعل كفاه أو بهما فأولى
(أن الله افترض عليهم صدقة) أي زكاة وفي رواية "أن الله فرض عليهم زكاة"
(تؤخذ من أغنيائهم) الجملة صفة لصدقة
(وترد على فقرائهم) ضمير "فقرائهم" لفقراء أهل اليمن فلا تخرج الزكاة عن بلدها أو فقراء المسلمين فيجوز نقلها سيأتي توضيحه في فقه الحديث
-[فقه الحديث]-
-[استدل بالحديث على أحكام هامة نجملها فيما يلي]-
١ - استدل الجمهور بالحديث على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله حتى يضيف إليها الشهادة لمحمد ﷺ بالرسالة وقال بعضهم يصير بالأولى مسلما ويطالب بالثانية وفائدة الخلاف تظهر في الحكم بالردة والقول الراجح قول الجمهور وأن المطالبة ابتداء تكون بالشهادتين ومن كان موحدا فالمطالبة له تكون بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة ومن كان معتقدا ما يستلزم الإشراك كمن يقول ببنوة عزير فإنه يطالب بالإقرار بالتوحيد وبالإقرار بالرسالة
٢ - كما استدل بالحديث على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة
стр. 318
من صلاة وصيام وزكاة لكونه ﷺ قال "فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن عليهم .... " فدل على أنهم إذا لم يطيعوا لا يجب عليهم ودل على أنهم يدعون أولا إلى الإيمان ولا يدعون إلى العمل إلا بعد أن يؤمنوا
ومذهب المحققين والأكثرين -وهو المختار -أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة [المأمورات والمنهيات] وغاية ما في الحديث أن مطالبتهم في الدنيا بالفروع لا تكون إلا بعد الإسلام لأنها لا تصح منهم بدونه ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها يزاد في عذابهم في الآخرة بسببها كمن أتلف ثوبا مخيطا فإنه مسئول عن الثوب وعن خياطته وإن لم يطالب عمليا بالخياطة إلا بعد تحصيل الثوب يؤيد هذا قوله تعالى ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِين * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ فالآية في المكذبين بيوم الدين وقد عددوا من أسباب دخولهم سقر عدم الصلاة ونحوها
٣ - كما استدل الخطابي وسائر أصحاب الشافعي بالحديث على أن الزكاة لا يجوز نقلها عن بلد المال لقوله ﷺ "وترد على فقرائهم" فإن معناه أن الصدقة ترد على فقراء من أخذت من أغنيائهم
ورد المخالفون بأن الضمير في "فقرائهم" يحتمل أن يكون لفقراء المسلمين كما يحتمل أن يكون لفقراء أهل تلك البلدة أو الناحية وحيث تطرق إلى الدليل الاحتمال يسقط به الاستدلال وعلى هذا أجاز أبو حنيفة النقل ورأى المالكية ترك النقل لكن إن خالف ونقل أجزأ أما عند الشافعية فالنقل لا يجزئ على الأصح إلا إذا فقد المستحقون لها في الناحية
٤ - استدل به الجمهور على إيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون لعموم قوله "من أغنيائهم" وذهب الحنفية إلى عدم إيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون لحديث "رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق" ولا يخفى أن المكلف بإخراج الزكاة من مال الصبي هو وليه ففي مال الصبي حق غير مكلف هو
стр. 319
بأدائه وإنما المكلف بأدائه هو الوصي فلا تنافي بين إيجاب الزكاة في ماله وبين رفع القلم عنه
٥ - واستدل بالحديث لقول مالك وغيره: أنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد وأجاب المخالفون بأنه يحتمل أن يكون ذكر الفقراء لأنهم الغالب أو للمقابلة بالأغنياء
٦ - واستدل بقوله "تؤخذ من أغنيائهم" على أنه إذا امتنع عن أداء الزكاة أخذت من ماله بغير اختياره وهذا الحكم لا خلاف فيه
٧ - واستدل بالحديث على أن الوتر غير واجب وأنه ليس على المسلم سوى خمس صلوات ورد الحنفية الموجبون للوتر بجواز وجوبه بعد وصية معاذ ويجوز عدم ذكر الراوي له على أن الوصية لم تشمل كل الفروض
٨ - استدل بالحديث على بعث السعاة لأخذ الزكاة
٩ - وأن الإمام ينبغي أن يعظ عماله ويزودهم بخطة العمل
١٠ - وعلى قبول خبر الواحد ووجوب العمل به
١١ - وأن الصلوات الخمس تجب في كل يوم وليلة
١٢ - وأنه ليس في المال حق سوى الزكاة
١٣ - وأن الفقير لا زكاة عليه
١٤ - وأن من ملك نصابا لا يعطى من الزكاة لأنه جعل المأخوذ منه غنيا وقابله بالفقير
١٥ - وأن الزكاة لا تدفع إلى كافر ولا تدفع إلى غني من سهم الفقراء
هذا وقد استشكل على الحديث بأنه لم يذكر الصوم والحج مع أن بعث معاذ كان في آخر الأمر وأجيب بأن عدم الذكر تقصير من بعض
стр. 320
الرواة أو لأن الشارع يهتم بالصلاة والزكاة ويجعلهما عنوان الأركان بعد الشهادتين وذلك لأن الأركان الخمسة تمثل ثلاثة أركان كبرى الركن الاعتقادي وهو الشهادتان والركن البدني وهو الصلاة والركن المالي وهو الزكاة وهذا واضح في تعبير القرآن الكريم فقد نزلت سورة براءة بعد فرض الصوم والحج بلا خلاف وجاء في موضعين منها قوله تعالى ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾
كما استشكل على الحديث في ترتيبه الدعوة للزكاة على الإطاعة بالصلاة مع أنها لا تتوقف عليها باتفاق وأجيب بأن الترتيب ترتيب بيان واهتمام لا ترتيب إيجاب وصحة
وقيل إنهم إذا أجابوا إلى الشهادتين ودخلوا بذلك في الإسلام ثم لم يذعنوا لوجوب الصلاة كان ذلك كفرا وردة عن الإسلام بعد دخولهم فيه فيصير ما لهم فيئا ولا يؤمرون بالزكاة بل يقتلون وهو جواب حسن
стр. 321
٢٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان" قال والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا فلما ولى قال النبي ﷺ : "من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا"
-[المعنى العام]-
يقول رجل من قيس: وصف لي رسول الله ﷺ فطلبته فلقيته بعرفات فتزاحمت عليه فقيل له: إليك عنه فقال لهم رسول الله ﷺ : دعوا الرجل فزاحمتهم عليه حتى خلصت إليه فأخذت بخطام ناقته فما تغير علي قال: ما تريد؟ قلت: يا رسول الله شيئان أسألك عنهما دلني بما يقربني من الجنة وما يباعدني من النار فقال ﷺ لئن كنت قد أوجزت العبارة فقد أعظمت وطولت فاعقل علي اعبد الله وحده ولا تشرك به شيئا من الأوثان وأقم الصلاة المكتوبة خمسا في كل يوم وليلة وأد الزكاة المفروضة وصم رمضان قال الرجل والذي نفسي بيده لا أزيد على هذه الأوامر شيئا ولا أنقص منها شيئا أبدا فلما أدبر قال رسول الله ﷺ لأصحابه: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا إن تمسك بما أمر به دخل الجنة
-[المباحث العربية]-
(أن أعرابيا) قيل: إنه لقيط بن صبرة وقيل هو سعد بن الأحزم
(إذا عملته دخلت الجنة) في بعض الروايات "أخبرني بما يقربني من الجنة وما يباعدني من النار" والمراد من التقريب من الجنة دخولها لا مجرد القرب منها فهي بمعنى الرواية التي معنا ولا شك أن ما قرب من الجنة
стр. 322
يباعد من النار فذكره تصريح باللازم لشدة الحرص
(تعبد الله لا تشرك به شيئا) العبادة الطاعة مع الخضوع فإن كان المراد منها هنا معرفة الله والإقرار بوحدانيته كان عطف الصلاة والزكاة عليها لإدخالهما فيما يدخل الجنة وإن كان المراد من العبادة الطاعة مطلقا دخلت جميع أمور الدين فيها ويكون عطف الصلاة والزكاة والصوم عليها من عطف الخاص على العام لمزيد عناية بهذا الخاص والجملة خبرية لفظا ومعنى أو خبرية لفظا إنشائية طلبية معنى
وعبادة الله عبادة حقة تستلزم عدم الإشراك به شيئا لكنه صرح باللازم للنهي عما كان عليه الكفار من عبادة الأوثان لتقربهم إلى الله وقد جاءت جملة "ولا تشرك به شيئا" في بعض الروايات معطوفة بالواو وفي بعضها بدون واو العطف فهي في محل النصب على الحال أي موحدا له توحيداً كاملا
(وتقيم الصلاة المكتوبة) تقييد الصلاة بالمكتوبة لاتباع القرآن في قوله ﴿إنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ وللاحتراز من النوافل
(وتؤدي الزكاة المفروضة) تقييد الزكاة بالمفروضة للاحتراز من صدقة التطوع
(والذي نفسي بيده) أي والله الذي روحي بقبضته ويده
(لا أزيد على هذا) المشار إليه الأوامر والفروض المذكورة واكتفى بنفي الزيادة عن نفي النقص وهو مراد كما جاء في بعض الروايات
-[فقه الحديث]-
اختلفت روايات هذا الحديث بالزيادة والنقصان ففي بعض روايات الصحيح لم يذكر الصوم وفي بعضها ذكر صلة الرحم وقد قال العلماء في هذا وفي مثله إنه من تقصير الرواة واختلافهم في الحفظ والضبط ومعنى هذا أن من زاد فقد حفظ ما لم يحفظه الآخر ومن حفظ حجة على من لم
стр. 323
يحفظ ويستبعد العيني اتهام الرواة بالتقصير وضعف الحفظ ويرجع الاختلاف إلى اجتهاد الرواة وتحديثهم حسبما يقتضيه المقام
ولم يذكر الحج في جميع روايات هذا الحديث ووجه بأن الرسول ﷺ ذكره للرجل فحذف من الرواة والصحيح أن الرسول ﷺ لم يذكره لأن الرجل كان حاجا وكان واقفا على عرفات
واستشكل على قوله ﷺ "من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا" بأنه كيف ساغ الرسول ﷺ أن حكم على هذا الرجل بأنه من أهل الجنة مع أنه قد لا يفي بوعده وأجاب النووي بأنه صلوات الله وسلامه عليه علم بطريق الوحي أنه يوفي بما التزمه وأنه يدوم على ذلك ويدخل الجنة
وقيل: إن الكلام فيه قيد ملاحظ حيث جاء هذا القيد مصرحا به في روايات صحيحة بلفظ "إن تمسك بما أمر به دخل الجنة" فيصبح المعنى من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا إن تمسك بما أمر به
أما الاعتراض بأن تبشير هذا الرجل بالجنة يتعارض مع أن المبشرين بالجنة معروفون فقد أجاب عنه العيني بأن التنصيص على العدد لا ينافي الزيادة قال: وقد ورد في حق كثير مثل ذلك كما جاء في الحسن والحسين وقيل العشرة بشروا بالجنة دفعة واحدة فلا ينافي المتفرق
وأما الاعتراض بأن الحديث رتب دخول الجنة على فعل المأمورات كيف مع أن دخول الجنة موقوف كذلك على الكف عن المحرمات المنهي عنها فقد أجيب عنه بأنه مقصود طوي للعلم به، وقيل إن عبادة الله شاملة لفعل المأمورات واجتناب المنهيات فإن تمسك بالعبادة الشاملة لهما دخل الجنة
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - قال القرطبي في هذا الحديث دلالة على جواز ترك التطوعات لكن من دوام على ترك السنن كان نقصا في دينه فإن كان تركها تهاونا بها
стр. 324
رغبة عنها كان ذلك فسقا لورود الوعيد عليه في قوله ﷺ " من رغب عن سنتي فليس مني" وقد كان صدر الصحابة ومن بعدهم يواظبون على السنن مواظبتهم على الفرائض ولا يفرقون بينهما في اغتنام ثوابهما وإنما احتاج الفقهاء إلى التفرقة لما يترتب عليها من وجوب الإعادة والحكم بالعقاب على الترك ثم قال ولعل أصحاب هذه القصص كانوا حديثي عهد بالإسلام
٢ - حلم الرسول ﷺ وسعة صدره وحسن معاملته
٣ - البشارة والتبشير للمؤمن
٤ - جواز الحلف على الاقتصار على الواجبات
٢٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ كان أبو بكر ﵁ وكفر من كفر من العرب فقال عمر رضي الله عنه
стр. 325
كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله فقال والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها قال عمر ﵁ فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر ﵁ فعرفت أنه الحق"
-[المعنى العام]-
في أواخر أيام الرسول ﷺ ارتد ناس من مذحج وعلى رأسهم الأسود العنسي الذي استولى على اليمن وأخرج عمال رسول الله ﷺ كما ارتد ناس من بني حنيفة وعلى رأسهم مسيلمة الكذاب الذي كتب إلى رسول الله ﷺ من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك فأجابه ﷺ "من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب أما بعد. فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين" وتوفي رسول الله ﷺ فارتد ناس من بني تميم قوم سجاح التي تنبأت وارتد غسان قوم جبلة بن الأيهم وفزارة وغطفان وبنو سعد كل هؤلاء وكثير غيرهم ارتدوا عن الإسلام أنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرهما من أمور الدين وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية
وانكمش المتمسكون بدينهم وخافوا بطش المرتدين وأخفوا عبادتهم حتى لم يعد يصلي في بسيط الأرض إلا في ثلاثة مساجد مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد عبد القيس بالبحرين
وهناك فريق آخر ظلوا مسلمين لكنهم فرقوا بين الصلاة والزكاة وأنكروا فرض الزكاة وأنكروا وجوب أدائها إلى الإمام وكان ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بالزكاة إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم في ذلك كبني يربوع فإنهم جمعوا صدقاتهم
стр. 326
وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر ﵁ فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم
استقبل أبو بكر الصديق في فجر خلافته هذه الصورة المزعجة بناء الإسلام الشامخ يتصدع ويتهاوى ويتفاقم في كل يوم صدعه ويتسع خرقه وترجف الأرض من تحته وهو خليفة رسول الله ﷺ المسئول أمام الله عن دينه في أرضه فماذا يفعل؟
إن من أبرز صفات أبي بكر لينه في خلقه ورقة قلبه وإرهاف حسه إلى حد اشتهر معه في المواقف المؤلمة بالبكاء وهذه صفات لا تؤثر إيجابيا في الظروف المحيطة بالإسلام
لكن شاءت إرادة الله أن يتحول أبو بكر من اللين إلى الصلابة ومن الرقة إلى الشدة ومن الإرهاف العاطفي إلى خشونة العقل وصرامة الحكمة ففكر وقرر لكنه ما كان له أن يمضي إلى ما رأى حتى يعرض الأمر على كبار الصحابة فجمعهم واستعرض الحالة معهم وأعلن لهم أنه يرى قتال كل من غير وبدل وأنه يرى العلاج في الحزم والحكم في السيف
فقال له عمر إذا قاتلنا من ارتد وكفر ومن ادعى النبوة ومن تابعه فكيف نقاتل من منع الزكاة وهو يشهد أن لا إله إلا الله وقد قال رسول الله ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد حقن مني دمه وحفظ مني ماله وحسابه على الله فيما وراء ذلك
فقال له أبو بكر أرأيت إذا لم يصلوا فسلم عمر بقتال من امتنع من الصلاة وسكت وسكت الناس فقال أبو بكر وقد سكن قلبه إلى الرأي وشرح الله صدره لتنفيذه قال بصوت الحكيم الحازم والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الصلاة حق النفس والزكاة حق المال فمن صلى عصم نفسه ومن زكى عصم ماله ومن لم يصل قوتل على ترك الصلاة ومن لم يزك أخذت الزكاة منه قهرا فإن نصب لنا الحرب قاتلناه والله لو
стр. 327
منعوني جديا أو حبلا كانوا يعطونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه
وشرح الله صدر الصحابة وشرح الله صدر عمر لرأي أبي بكر وبان له أنه الحق ووافق الجميع على القتال وجهز أبو بكر جيشا على رأسه خالد بن الوليد لقتال مسيلمة وأتباعه فنصر الله الإسلام وقتل مسيلمة باليمامة على يد وحشي قاتل حمزة ﵁ وكان وحشي يقول: قتلت خير الناس في جاهليتي وشرهم في إسلامي وقتل العنسي بصنعاء وانفضت جموعهم وهلك أكثرهم
ولم يحل الحول إلا وقد أعاد الإسلام نشر لوائه على ربوعه وتماسك بناؤه واستمسك به أبناؤه فنضر الله وجه أبي بكر وشكر له صالح سعيه ورضي عن شهداء المسلمين وجزى الله قادة الإسلام خير الجزاء
-[المباحث العربية]-
(لما توفي رسول الله ﷺ كان ذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة
(وكان أبو بكر) خبر "كان" محذوف أي خليفة وقد صرح به في بعض الروايات وفي بعض الروايات "واستخلف أبو بكر بعده" أي صار أبو بكر خليفة بعده فالسين والتاء في تلك الرواية للصيرورة
(وكفر من كفر من العرب) "من" موصولة و"من" حرف جر للتبعيض وعطف هذه الجملة بالواو لا يفيد ترتيبا فقد كفر بعضهم في أواخر حياته ﷺ اللهم إلا أن يكون المعنى وكثر من كفر
(فقال عمر ... ) الفاء فصيحة عاطفة على محذوف والتقدير فعزم أبو بكر على قتالهم فاستشار أصحابه فقال عمر
(كيف تقاتل الناس؟ ) الاستفهام إنكاري وأل في "الناس" للعهد والمراد بهم مانعوا الزكاة -كما سيأتي في فقه الحديث -وفي رواية "أتريد أن تقاتل العرب" فأل في "العرب" للعهد أيضا لأن عمر لا يتردد في قتال المرتدين
стр. 328
(وقد قال رسول الله) الجملة في محل النصب على الحال
(أمرت) بالبناء للمجهول أي أمرني ربي والفاعل المحذوف متعين وكذا إذا قال الصحابي أمرت فهم منه أن الرسول ﷺ هو الذي أمره على أرجح أقوال المحدثين لأن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم أن الرئيس هو الذي أمر
(أن أقاتل الناس) المصدر مجرور بحرف جر محذوف والتقدير أمرت بمقاتلة الناس، وأل في "الناس" للجنس يخرج عنه الجن فهم وإن كانت رسالته عامة لهم إجماعا لكنه غير مأمور بمقاتلتهم لتعذرها كذا قيل والكثيرون على أن أل للعهد والمراد بالناس الكافرون وقيل عبدة الأوثان دون أهل الكتاب
(حتى يقولوا لا إله إلا الله) "حتى" غاية للقتال والأصل دخول الغاية في المغيا بحتى كما في قولهم. أكلت السمكة حتى رأسها فإن الأكل شامل للرأس، ويؤدي هذا إلى وجود القتال مع الإتيان بالشهادتين ووجه الحديث بأن هذه القاعدة محلها إذا كان ما قبل "حتى" وما بعدها متجانسا ولم تقم قرينة تقتضي عدم دخول ما بعدها وهنا قامت القرينة بقوله ﷺ
(فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه) أي بحق الإسلام أو بحق ذلك أي بحق الدماء والأموال في الإسلام والعصمة في الأصل المنع والمراد هنا حقنوا دماءهم وحفظوا مالهم فلا تستباح بسبب من الأسباب إلا بسبب هذا الحق من قتل نفس محرمة أو زنا محصن أو ترك صلاة أو منع زكاة
(وحسابه على الله) أي فيما يسر ويخفي
(فقال) أي أبو بكر
(والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة) "فرق" بتخفيف الراء وتشديدها أي التزم واحدة وأنكر الأخرى
стр. 329
(والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها) العناق بفتح العين الأنثى من أولاد المعز وفي رواية "لو منعوني جديا أذوط" أي صغير الفك والذقن وفي رواية "لو منعوني عقالا" وهو في الأصل الحبل الذي يعقل به البعير ويربط ثم أريد قدر قيمته وذكر هنا على سبيل المبالغة في التقليل لا على سبيل الحقيقة لأنه لا يجب دفعه في الزكاة فلا يجوز القتال عليه وقيل العقال زكاة عام قاله جماعة من أهل اللغة ومن الفقهاء والأول هو الصحيح والأولى
(فوالله ما هو) أي الحال والشأن
(فعرفت أنه الحق) أي أن القتال هو الحق لا غيره أي ظهر لي ذلك عن طريق الحجة والبرهان لا عن طريق التقليد والإذعان
-[فقه الحديث]-
يمكن حصر الكلام عن الحديث في خمس نقاط:
الأولى: بيان حال مانعي الزكاة وشبهتهم وردها وحكمهم في الإسلام
الثانية: توضيح المناظرة بين أبي بكر وعمر وبسط حجة كل منهما
الثالثة: حكم أبي بكر فيهم بعد الغلبة عليهم وموقف عمر من هذا الحكم
الرابعة: موقف الروافض وإدانتهم أبا بكر في المسألة والرد عليهم
الخامسة: ما يؤخذ من الحديث
١ - أما عن النقطة الأولى فقد تبين في المعنى العام أن أهل الردة كانوا صنفين صنفا ارتدوا عن الإسلام وعادوا إلى الكفر وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله "وكفر من كفر من العرب" وصنفا بقوا على ما كانوا عليه من الإقرار بالشهادتين والتزام الصلاة والصيام والحج لكنهم أنكروا وجحدوا
стр. 330
فرض الزكاة ووجوب تسليمها للإمام بتأويل باطل سيأتي وهؤلاء هم موضوع المناظرة وإطلاق الردة على هؤلاء لدخولهم في غمار أهل الردة ومناصبتهم الإمام ومشاركتهم المرتدين في منع حقوق الدين فهو قريب من الإطلاق اللغوي دون الإطلاق الشرعي ولهذا لم يؤثر عن الصحابة أنهم سموا هؤلاء كفارا وحقيقة ما يتصفون به شرعا أنهم أهل بغي والبغاة قسمان أهل عناد وأهل تأويل وللإمام قتال الصنفين
وشبهة هذا الصنف أن الخطاب في قوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ خطاب خاص في مواجهة النبي ﷺ دون غيره وأنه مقيد بشرائط لا توجد فيمن سواه وذلك أنه ليس لأحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدق ما كان للنبي ﷺ
ورد هذه الشبهة بمنع كون الخطاب في الآية خاصا به وبمنع قصر الشرائط المذكورة في الآية عليه ﷺ وذلك أن خطاب كتاب الله تعالى على ثلاثة أوجه
أ- خطاب عام كقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ و ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَام﴾
ب- وخطاب خاص للنبي ﷺ لا يشركه فيه غيره وهو ما أبين به عن غيره وميز بعلامة التخصص وقطع التشريك كقوله تعالى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾
جـ- وخطاب مواجهة للنبي ﷺ وهو وجميع أمته في المراد به سواء كقوله تعالى ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ وقوله ﴿فإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾
ومن هذا الوجه قوله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ فعلى القائم بعده بأمر الأمة أن يحتذي حذوه في أخذها منهم
أما التطهير والتزكية لصاحب الصدقة ﴿تطهرهم وتزكيهم بها﴾ فإن مخرج
стр. 331
الصدقة ينالهما بطاعة الله وطاعة رسوله بإخراجها
أما الصلاة عليهم ﴿وصل عليهم﴾ أي الدعاء لهم فإنه يستحب للإمام ولعامل الصدقة ولآخذها أن يدعو للمتصدق بالنماء والبركة في ماله ويرجى أن يستجيب الله ذلك
وإنما قاتلهم أبو بكر ولم يعذرهم بالجهل لأنهم نصبوا القتال فجهز إليهم من يدعوهم إلى الرجوع وأقام عليهم الحجة فلما أصروا قاتلهم وهذا هو حكم الإسلام فيهم -أهل بغي وليسوا كفارا -وعلى ذلك فمن أقر بوجوب الزكاة وامتنع من أدائها أخذت منه قهرا فإن أضاف إلى امتناعه نصب قتال قوتل قتال البغاة
وفي ذلك يقول الإمام مالك في الموطأ الأمر عندنا فيمن منع فريضة من فرائض الله تعالى فلم يستطع المسلمون أخذها منه كان حقا عليهم جهاده. اهـ
٢ - وبسط المناظرة أن عمر رأى أن القتال منفي بقول لا إله إلا الله فإذا قيلت وجب الكف وهؤلاء المانعون للزكاة يقولونها ولم ينظر عمر إلى الاستثناء "إلا بحقه" أو أنه فهم قصر الحق على ما ورد في الحديث الآخر "الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه والمفارق للجماعة" فبين له أبو بكر أن الزكاة حق المال وأن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بإيفاء شرائطها ثم قايس الزكاة على الصلاة فقال: أرأيت إذا لم يصلوا؟ وكأن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعا من الصحابة فرد الزكاة إليها وبذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه
والظاهر من اعتراض عمر واستدلال أبي بكر بالقياس أنهما لما يحفظا عن رسول الله ﷺ ما جاء في الصحيح عن أبي هريرة بلفظ "ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا" وما جاء في الصحيح "ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا"
فإن عمر ﵁ لو سمع ذلك لما خالف وما احتج بالحديث فإنه بهذه الزيادة حجة عليه
стр. 332
ولو سمع أبو بكر ﵁ هذه الزيادة لاحتج بها ولم يلجأ إلى القياس فإنها نص في المطلوب والقول بأنهما لم يسمعا وتعدد التحديث بهذا الحديث مرة بالزيادة ومرة بدونها أولى من القول بأنهما سمعا ثم نسيا
٣ - وقد اختلف الصحابة فيهم بعد الغلبة عليهم هل تغنم أموالهم؟ وتسبى ذراريهم كالكفار؟ أو لا؟ كالبغاة؟ فرأى أبو بكر الرأي الأول وعمل به ولعله أخذ بمنتهى القسوة في ذلك الوقت إرهابا لمن تسول له نفسه مثل هذا الخروج وناظره عمر في ذلك وذهب إلى الرأي الثاني لكنه سلم لأبي بكر في حينها لما يجب عليه من طاعة الإمام فلما ولي عمر الخلافة عمل بالثاني ورد عليهم السبي ووافقه المسلمون على ذلك واستقر الإجماع عليه في حق من جحد شيئا من الفرائض بشبهة فيطالب بالرجوع فإن نصب القتال قوتل كالباغي فإن غلب لم تغنم أمواله ولم تسب ذراريه فإن رجع وأدى فبها ونعمت وإلا عومل معاملة الكافر حينئذ والإجماع اليوم على أن المرتد لا يسبى
والراجح أن عمر في رده السبي لم يكن نقضا لفعل أبي بكر لأنه فداهم من أيدي مالكيهم بما فتح الله به وأعتقهم تفضلا وصلة للقرابة ولم ينزع من يد أحد شيئا إلا بعوض ولو كان نقضا لأخذهم من أيدي مالكيهم بدون عوض
٤ - وقد زعم بعض الروافض أن قتال مانعي الزكاة كان عسفا واتهموا أبا بكر ﵁ بأنه أول من سبى المسلمين ودافع الخطابي وذهب إلى أن أبا بكر لم يسب ذراري مانعي الزكاة فقال واتفقوا على أن أبا بكر لم يسب ذراري مانعي الزكاة إلا في شيء روي عن بعض الروافض ولا يعتد بخلافهم اهـ
٥ - [ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - شجاعة أبي بكر وتقدمه في العلم وقد أجمع أهل الحق على أنه أفضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم
стр. 333
٢ - جواز مراجعة الأئمة والأكابر للوصول إلى الحق
٣ - الأدب في المناظرة بترك التصريح بالتخطئة والعدول إلى التلطف والأخذ في إقامة الحجة
٤ - جواز الحلف على أنه سيفعل الشيء لتأكيده
٥ - الاجتهاد في النوازل وردها إلى الأصول والرجوع إلى الراجح
٦ - القياس والعمل به
٧ - صيانة مال من أتى بالشهادتين وحقن دمه ولو كان عند السيف
٨ - استدل به على أن تارك الصلاة عمدا معتقدا وجوبها يقتل قاله النووي ورده الحافظ ابن حجر بالفرق بين صيغة أقاتل وأقتل وفي هذا الحكم خلاف واسع عند الفقهاء فعند الحنفية: يحبس إلى أن يحدث التوبة ولا يقتل وعند أحمد في إحدى الروايات يكفر ويخرج عن الملة ويقتل ولا يغسل ولا يصلى عليه وعند الشافعية يقتل حدا لا كفرا قيل: على الفور وقيل يمهل ثلاثة أيام
٩ - قتال مانعي الزكاة وتاركي الصلاة
١٠ - قتال أهل البغي
١١ - عدم تكفير أهل الشهادة من أهل البدع
١٢ - الحكم بالظاهر والله يتولى السرائر
١٣ - أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة ويطلع عليها آحادهم ﵃ وأرضاهم.
стр. 334
باب إثم مانع الزكاة
٢٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ "تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت إذا هو لم يعط فيها حقها تطؤه بأخفافها وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يعط فيها حقها تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها وقال ومن حقها أن تحلب على الماء قال ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يعار فيقول يا محمد فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغت ولا يأتي ببعير يحمله على رقبته له رغاء فيقول يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد بلغت"
-[المعنى العام]-
تحذير لمانعي الزكاة وترهيب لهم من عذاب الآخرة وبيان لهم أن عقابهم سيكون على النقيض من قصدهم المال الذي كنزوه ولم يؤدوا زكاته المال الذي نموه وأجهدوا أنفسهم في وفرته سيأتي يوم القيامة أوفر حال كان في الدنيا وأعظم حال وأجمل حال لكن لا ليتمتع به صاحبه بل ليعذب به إن كان ذهبا وفضة يحمى عليها في نار جهنم وتجعل صفائح من نار فتكوى بها جبهته وجنباه وظهره ويقال له: هذا ما كنزت لنفسك فذق ما كنت تكنز وإن كان إبلا أو بقرا أو غنما أو خيلا بعثها الله على أحسن حال كانت عند صاحبها في الدنيا عددا وسمنا وعظما وقوة وجعل لها ساحة كبيرة مستوية وسلمها صاحبها تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها وتعضه بأفواهها وهو على الأرض تمشي عليه إهانة وذلا وألما وكلما مر عليه أخراها رجع عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.
والحالة شبيهة بالحالة عند الغال الذي سرق من الغنيمة في الحرب قبل قسمتها وتوزيعها فمن سرق منها شاة جاء يحملها يوم القيامة وهي تصيح بصوتها تفضحه بين الخلائق ولا منقذ ولا شفيع. بل يأس وتيئيس
стр. 335
يرى ذلك المذنب رسول الله ﷺ فيستغيث به ويناديه أنقذني يا رسول الله فيقول له أنت الذي جنيت على نفسك لا أملك لك من الله شيئا لقد بلغت وأنذرت والأمر اليوم كله لله
-[المباحث العربية]-
(تأتي الأبل) أي يوم القيامة
(على صاحبها) أي مستعلية صاحبها الذي كان يملكها في الدنيا مسيطرة عليه لا يملك منها فرارا
(على خير ما كانت) في الدنيا عددا وسمنا وعظما فمن تراوحت أبله في الدنيا بين الخمسة والمائة وبين الوليد والشاب والعجوز وبين المريض والسليم وبين الضعيف والقوي جاءت مائة شابة سليمة قوية بعد أن كانت عنده على حالات مختلفة فتأتي على أكملها ليكون ذلك أنكى له لشدة ثقلها
(إذا لم يعط فيها حقها) أي إذا لم يؤد زكاتها في الدنيا فالمراد حق الله المتعلق بها أو حق الفقراء المتعلق بها فالإضافة لأدني ملابسة
(تطؤه بأخفافها) أي يبسط لها مكان واسع مستو تجري فيه ويسقط تحتها فتخبط وجهه بأخفافها وتعضه بأفواهها كما جاء في الروايات الصحيحة والأخفاف جمع خف والخف للإبل كالظلف للغنم والبقر والحافر للمحار والبغل والفرس والقدم للإنسان وفي صحيح مسلم "كلما مرت عليه أولاها ردت عليه أخراها"
(وقال ومن حقها أن تحلب على الماء) أي ومن حق الفقراء فيها كرما ومواساة أن تحلب لهم حين ترد الماء لتشرب وخص الحلب بموضع الماء ليكون أسهل على المحتاج من قصد المنازل وأرفق بالماشية وهذه الجملة "ومن حقها ... " قيل مدرجة من كلام أبي هريرة فعليه يعود الضمير في "قال" وقيل " هي من كلام الرسول ﷺ ففاعل "قال" يعود عليه ورواية مسلم تدل على الرفع
стр. 336
(قال: ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته) قال الحافظ ابن حجر هذا حديث آخر متعلق بالغلول من الغنائم وجملة "ولا يأتي أحدكم" خبرية لفظا إنشائية معنى فالمراد منها النهي عن الغلول لا عن الإتيان أي لا تغلوا فتأتوا والغلول الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها
(لها يعار) بضم الياء صوت المعز وفي رواية "لها ثغاء" بضم الثاء بعدها غين وهو صياح الغنم
(فيقول: يا محمد) أغثني وأنقذني
(له رغاء) بضم الراء بعدها غين ممدودة صوت الإبل
(قد بلغت) تابع المقول ومفعول "بلغت" محذوف أي بلغت حكم الله لكم في الدنيا وأنذرتكم ويصح أن تكون مستأنفة غير داخلة في قول يوم القيامة أي احذروا أيها المسلمون قد بلغتكم فلا عذر لكم
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - إثم مانع الزكاة وعظم عقوبته في الآخرة
٢ - وجوب الزكاة في الإبل والغنم حيث لا يعذب العذاب الشديد إلا بترك واجب
٣ - أن عذاب الآخرة من جنس جريمة الدنيا وعكس ما قصد المذنب فقد أراد منها الخير فكانت هي الشر
٤ - أن الله يبعث الحيوانات التي منعت زكاتها ليعذب بها مانعها وهل تبعث كلها؟ أو القدر الذي وجب في الزكاة فقط؟ الظاهر أنها تبعث كلها ليكون العذاب بها أكثر وأشد ولأن الحق في جميع المال بدون تمييز ولأن المال الذي لم يخرج زكاته لم يتطهر فيعاد كله على أكمل حال ليتحسر قلب مانع الزكاة فيزداد ألما ويؤيده ما جاء في مسلم "ما من
стр. 337
صاحب إبل لا يؤدي حقها منها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر -أي بأرض فسيحة مستوية -أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلا واحدا تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مرت عليه أولاها ردت عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي الله بين العباد ويرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار"
٥ - استدل البعض بقوله "ومن حقها أن تحلب على الماء" على أن في المال حقا غير الزكاة ويؤيده ما جاء عند أبي داود "قلنا: يا رسول الله. ما حقها؟ قال: إهراق فحلها -أي التبرع بفحلها ليطرق إناثا أخريات -وإعارة دلوها -الذي تشرب به من البئر ونحوه -ومنيحتها -المنيحة اللبن الذي يهدى -وحلبها على الماء وحمل عليها في سبيل الله وأجاب الجمهور بأن هذا الوعيد كان قبل فرض الزكاة، فلما فرضت أصبح هذا الحق مكرمة ومواساة لا واجبا لكن يعكر على هذا الجواب أن أبا هريرة راوي الحديث أسلم بعد فرض الزكاة وأحسن الأجوبة أن في المال حقين -كما قال ابن بطال -فرض عين وغيره فالحلب من الحقوق التي هي من مكارم الأخلاق
٦ - التحذير من الغلول في الغنيمة وجمع البخاري بين حديثي منع الزكاة والغلول لاشتراكهما في نوع العذاب في الآخرة وأن الحيوانات التي منعت زكاتها والتي غلت ستبعث ويعذب بها صاحبها يوم القيامة.
стр. 338
٢٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه يعني بشدقيه ثم يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون﴾ الآية
-[المعنى العام]-
على العاقل أن يعلم أن المال مال الله هو الذي أعطاه إياه وأودعه أمانة عنده إن شاء زاده وإن شاء أخذ ما أعطى وهو جل شأنه حين أودعه عند الإنسان أمره أن يخرج منه ربع العشر للفقراء والمساكين وكان من السهل أن يعطي جل شأنه الفقير من غير واسطة الغني وكان من السهل أن يجعل الكل أغنياء لا يحتاج الناس إلى الناس ولكنها الحكمة اقتضت أن يكون البعض أغنياء والبعض فقراء ليمتحن الغني فيما عنده من وديعة أيعمل فيها بأمر المودع معترفا بحقه فيها وبفضله أم يقول عنها كما قال قارون ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ لذا نجد القرآن الكريم يذكر الغني دائما وكلما طلب منه الإنفاق -بأن المال ليس ماله وإنما هو مال الله منه بداية وله حالا ونهاية والإنسان فيه مستخلف ﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ ﴿أنفقوا مما رزقكم الله﴾ والحديث الشريف يبدأ بهذه الحقيقة "من آتاه الله مالا"
ولكن طبيعة الإنسان الجاهلة ونظره القاصر يخيل إليه أن ما في
стр. 339
حوزته ملك ثابت ودائم ويرغب في تنميته وزيادته ويحرص على أن لا ينقصه ويشح به حتى على واهبه ومودعه فيظن أن الزكاة تنقصه مع أن الحديث يقول "ما نقص مال من صدقة" فمانع الزكاة نسي أن المال مال الله وأنه وديعة ونسي أن الذي أعطى قادر على الأخذ قهرا وعلى المنع ونسي أن الاعتراف لله بالفضل وشكره يزيد النعمة ونسي أن الزكاة مطهرة للمال تمنح النماء الحسي والبركة المعنوية أمام هذا النسيان الكبير لم يكن بد من إيقاظه بالترهيب والوعيد وبما ينتظره من عذاب الله يوم القيامة مرة بأن المال الذي يكنزه من الذهب والفضة ولا يؤدي حق الله فيه يصفح يوم القيامة صفائح ويحمى عليها في نار جهنم حتى تصير نارا فتكوى بها جبهته وجنوبه وظهره ويقال له مقالة تبكيت: هذا ما كنزت لنفسك، فذق جزاء ما كنت تكنز، ومرة بأن المال الذي يكنزه، ولا يؤدي زكاته سيتحول يوم القيامة إلى حية متوحشة مليئة بالسم المؤلم، يحاول الفرار منها فتطوقه، وتلتف حول رقبته، ثم تأخذ بشدقيه فيفرغ سمها نارا مذابة، كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم، وتضيف إلى العذاب الجسمي عذابا نفسيا، تفزيعا وتوبيخا، تقول له: أنا مالك الذي كنزته لتتنعم به، أنا كنزك الذي حرمت منه الفقير ليزيدك نعيما. ها قد لقيت عاقبة كنزك عذابا بنفس كنزك. وصدق الله العظيم حيث يقول ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعملون خبير.﴾
-[المباحث العربية]-
(من آتاه الله مالا) المراد من المال هنا النقدان: الذهب والفضة فهو من إطلاق العام وإرادة الخاص.
(مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع) أي مثل له ماله حية، والمراد من التمثيل إما التصوير، وإما التصيير، والفرق أن التصوير يبقي المال في حقيقته مالا، أي ذهبا في صورة ثعبان، وأن التصيير تحويل لذات المال إلى ذات ثعبان. والظاهر الأول، لأن المال سيكون في صورة صفائح تارة، وفي صورة ثعبان أخرى. والشجاع الحية الذكر، وقيل: الذي يقوم على ذنبه ويواثب الفارس،
стр. 340
وقد يصل إلى وجهه، والأقرع الذي تقرع رأسه لكثرة سمه. وقال القرطبي: الأقرع من الحيات الذي ابيض رأسه من السم.
(له زبيبتان) تثنية زبيبة، والمراد غدتان في شدقيه مملوءتان سما، وقيل: نكتتان سوداوان فوق عينيه زيادة في قبح المنظر، وقيل نقطتان سوداوان يكتنفان فاه، وقيل: لحمتان على رأسه مثل القرنين، وقيل: نابان بارزان من فمه. والمقصود تقبيح الصورة وإن لم يكن لها مثيل في الدنيا.
(يطوقه) بضم الياء وفتح الطاء وفتح الواو المشددة، أي يصير له الثعبان طوقا حول عنقه.
(ثم يأخذ بلهزمتيه) بكسر اللام وسكون الهاء، وقد فسر في الحديث بالشدقين، وهما لحم الخدين الذي يتحرك إذا أكل الإنسان. قيل: المعنى أن مانع الزكاة يأخذ بشدقي الثعبان ليحول بينه وبين العض، ويساعده رواية مسلم "يتبع صاحبه حيث ذهب وهو يفر منه، فإذا رأى أنه لا بد منه أدخل يده في فيه، فجعل يقضمها كما يقضم الفحل".
وقيل: المعنى أن الثعبان يأخذ بشدقي مانع الزكاة، وقيل: المعنى أن الثعبان يأخذ يد مانع الزكاة بشدقيه، فالمأخوذ محذوف، والباء في "بشدقيه" للآلة.
(ثم يقول) الشجاع لمانع الزكاة، بلسان الحال، أو بلسان المقال.
(أما مالك. أنا كنزك) وفائدة هذا القول الحسرة والزيادة في التعذيب، حيث لا ينفعه الندم، وفيه نوع من التهكم.
-[فقه الحديث]-
قال جمهور العلماء: إن الشجاع الأقرع حقيقة، لأن الوعيد بالحقائق ممن هو قادر عليها كمال، وقلب الله للأعيان أهون من خلق الأعيان ابتداء، فليس في ظاهر الحديث أمر ينكر حتى يلجأ إلى المجاز.
стр. 341
كذا قالوا في نطق الشجاع الأقرع، وقوله: أنا مالك، أنا كنزك، فالله تعالى قادر على أن يخلق في الثعبان لفظا وكلاما يسمعه الإنسان ويفهمه، ككلام النملة إذ سمعها سليمان ﵇.
أما قول من قال: إن هذه الصورة كناية عن شدة ألوان العذاب التي يلاقيها مانع الزكاة، وكذا قول القائل: إن كلام الشجاع الأقرع بلسان الحال، فكل من القولين بعيد عن الصواب لأن الترهيب بهذا الظاهر والتوبيخ بالكلام الفعلي أدخل في الوعيد.
ولا تعارض بين قوله تعالى ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾ وبين قوله تعالى ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير.﴾
لا تنافي بين الوعيدين لاحتمال اجتماع النوعين من العذاب، أحدهما بعد الآخر، وما أكثر ألوان العذاب يوم القيامة. والله أعلم.
стр. 342
باب الصدقة من كسب طيب
٢٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل".
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ ويقول ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء﴾ ويقول ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون.﴾
آيات كثيرة تؤكد أن الله يربي الصدقة ويضاعفها لصاحبها أضعافا تزيد على سبعمائة ضعف.
وهذا الحديث الشريف يصور الزيادة والتكبير للصدقة بأن تصبح التمرة مثل الجبل، التمرة التي تزن درهما أو دراهم معدودة تعظم حتى يصبح وزنها في ميزان الحسنات عند الله وزن الجبل، يربيها الله تعالى عنده لصاحبها كما يربي الرجل منا فطيم فرسه الذي يعتز به، يحميه من الآفات ويحتضنه ويحيطه بالعناية والرعاية حتى يصير فرسا كبيرا ويسابق فيسبق، ومثل هذا الحديث يقول ﷺ "إن العبد ليتصدق بالكسرة تربو عند الله حتى تكون مثل أحد".
وعلى كل مسلم صدقة، غنيا كان أو فقيرا ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله﴾ عائشة أم المؤمنين ﵂ -جاءتها امرأة فقيرة معها ابنتاها، فلم تجد في بيتها إلا تمرة واحدة، لم تستنكف أن تقدمها لها، فشقت المرأة التمرة نصفين أعطت كل بنت نصفا.
стр. 343
تعمل ﵂ بحديث رسول الله ﷺ "اتقوا النار ولو بشق تمرة" لقد قالها لها يوما" يا عائشة. استتري من النار ولو بشق تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان"، أي إن اليسير يستر الفقير ويسد منه مسدا.
آمن الصحابة بهذه الحقيقة، فنافس الفقراء الأغنياء، لقد جاء عبد الرحمن بن عوف إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله عندي ثمانية آلاف، تركت منها أربعة لعيالي وجئت بأربعة أقدمها إلى الله تعالى، وسمعه عاصم بن عدي الأنصاري، فقال: يا رسول الله، عندي سبعون وسقا من تمر، أحتفظ بنصفها لعيالي، وأقدم نصفها في سبيل الله، وسمعهما الرجل الفقير، أبو عقيل الأنصاري، فقال: يا رسول الله. ما لي من مال، غير أني أجرت نفسي البارحة من بني فلان على صاعين من تمر، فتركت صاعا لعيالي، وجئت بصاع أتقرب به إلى الله تعالى.
وحينئذ قال ﷺ "سبق درهم مائة ألف درهم. فقال رجل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: رجل له مال كثير، أخذ من عرضه مائة ألف درهم تصدق بها، ورجل ليس له إلا درهمان، فأخذ أحدهما فتصدق به".
شرط واحد لقبول الصدقة قبولا حسنا، ومضاعفة ثوابها، هو أن تكون من مال حلال طيب، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا.
-[المباحث العربية]-
(من تصدق بعدل تمرة) جمهور أهل اللغة على أن العدل بفتح العين المثل، وبكسرها الحمل، لذا ضبط هنا للأكثر بالفتح، وقال الكسائي: بفتح العين وكسرها بمعنى، كما أن لفظ المثل لا يختلف. أهـ. واختار التمرة مثلا لأنها أقل قوت وأطيبه.
(من كسب طيب) المراد من الكسب المكسوب، أي من مكسوب طيب
стр. 344
سواء أكانت من مكسوب المتصدق وبجهده، أم كانت من مكسوب غيره الطيب كمال الميراث، والمراد بالطيب الحلال، قال القرطبي: أصل الطيب المستلذ بالطبع ثم أطلق على المطلوب بالشرع، وهو الحلال. أهـ. قال تعالى ﴿يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث.﴾
(ولا يقبل الله إلا الطيب) جملة معترضة بين الشرط والجزاء، تأكيدا للمطلوب على سبيل الحصر.
(فإن الله يتقبلها بيمينه) في رواية "إلا أخذها الله بيمينه" وفي رواية "فيتلقاها الرحمن بيده" وقد خاض كثير من العلماء في تأويل هذه العبارة، والأسلم إجراء الحديث على ظاهره، والإيمان بما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة من صفاته تعالى كما جاء على وجه الكمال من غير تشبيه. قال الحافظ ابن حجر: قال الترمذي في جامعه: قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة: نؤمن بهذه الأحاديث، ولا نتوهم فيها تشبيها، ولا نقول: كيف؟ هكذا روي عن مالك وابن عيينة وابن المبارك وغيرهم. والله أعلم.
(ثم يربيها لصاحبها) قيل: المراد التربية المعنوية بتعظيم ثوابها ومضاعفته وقال الحافظ ابن حجر: والظاهر أن المراد تعظيم عين الصدقة، وزيادة جرمها حتى تصير كالجبل لتثقل في الميزان.
(كما يربي أحدكم فلوه) بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو، وهو المهر لأنه يفلى، أي يفطم، وقيل: هو كل فطيم من ذات حافز، والجمع أفلاء كعدو وأعداء، وضرب به المثل لأنه يزيد زيادة بينة وسريعة، ولأن الصدقة نتاج العمل وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيما، فإذا أحسن العناية به انتهى إلى حد الكمال، وكذلك عمل ابن آدم، لا سيما الصدقة، فإن العبد إذا تصدق من كسب طيب لا يزال نظر الله إليها يكسبها نعت الكمال حتى تنتهي بالتضعيف إلى نصاب تقع المناسبة بينه وبين ما قدم نسبة ما بين التمرة إلى الجبل. وفي رواية "فلوه أو مهره" وفي أخرى "مهره أو فصيله" وفي ثالثة "مهره أو رضيعه أو فصيله".
стр. 345
-[فقه الحديث]-
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - فضل الصدقة من كسب حلال.
٢ - أن الله لا يقبل إلا الطيب الحلال، قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم.﴾
قال القرطبي: وإنما لم يقبل الله الصدقة بالحرام لأنه غير مملوك للمتصدق والمتصدق ممنوع من التصرف فيه، والمتصدق به متصرف فيه، فلو قبل منه لزم أن يكون الشيء مأمورا به منهيا عنه من وجه واحد، وهو محال. أهـ. على معنى أن المال الحرام غير مأذون بالتصرف فيه، وقبول الله للصدقة منه إذن بالتصرف فيه فيكون الشرع آذنا وغير آذن لشيء واحد في وقت واحد وهو تناقض محال.
٣ - أن الله يضاعف الصدقة الخالصة الطيبة أضعافا كثيرة، ومصداقه في القرآن كثير. يقول تعالى ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ ويقول ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون﴾ ويقول ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم.﴾
٤ - أن لا يستقل المتصدق ما يتصدق به ولو كان تمرة أو شق تمرة أو كسرة، ما دام ذلك الذي في قدرته.
٥ - أن يتقبل المعطي ما يعطاه وإن كان قليلا، وأن يشكر عليه ويكافئ بالدعاء للمتصدق، ولا يسخر من المعطي ولا يحقره، فإن الله تعالى -وهو الغني -يتلقاها بيمينه ولو كانت عدل تمرة، ويثيب عليها وينميها حتى تصير كالجبل.
٦ - أن لا يهزأ أحد من متصدق بقليل، فتلك صفة المنافقين ﴿الذين
стр. 346
يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم﴾ إنه لا يدري درجة قبول هذا القليل، فقد يكون عند الله كثيرا، وقد قال رسول الله ﷺ "سبق درهم مائة ألف درهم".
٧ - الحث على الكسب الحلال، والبعد عن الحرام وعن المشبهات حتى يبارك الله فيما ينفق.
باب أجر المرأة إذا تصدقت من بيت زوجها وكذلك الخادم
٢٩ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما كسب وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا".
стр. 347
-[المعنى العام]-
حض الإسلام على التصدق، وبين فضله ومضاعفة أجره، ورغب في صدقة السر حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، وفي هذا الحديث يفتح الباب واسعا لتتعدد الصدقات، ويفسح مجال الخير للزوجة وللخادم وللخازن. يفسح المجال لرب المال إذا شغلته الشواغل عن التصدق بنفسه، ويفسح مجال التعاون على البر والتقوى.
وإذا كان الدال على الخير شريكا فيه كانت واسطة الخير كذلك، وإن اختلف نصيب كل شريك.
فالزوجة إذا أنفقت وتصدقت من مال زوجها صدقة يوافق عليها إن علمها. وتسخو بها نفسه إن شهدها كان لها أجر العطاء والمناولة والمساعدة على الخير ولزوجها أجر المال المنفق لأنه الذي اكتسبه أولا، ولأنه أذن للزوجة ولو إذنا عاما ثانيا.
وخازن المال وحارسه، سواء أكان خادما لصاحبه أم كان حارسا فحسب، إن تصدق في حدود ما يسمح له به، وفي حدود ما تجود به نفس صاحبه، وفي حدود الرضا مع العلم، كان له أجره، على أن يعلم صاحبه، وأن يكون أمينا صادقا مسلما. وهكذا يشجع الإسلام المحيطين بالمال والمتصرفين فيه على أن يتعاونوا على الإنفاق في سبيل الله، ولكل منهم أجره، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا.
-[المباحث العربية]-
(إذا أنفقت المرأة) أي الزوجة، بدليل قوله بعد "ولزوجها أجره" وحذف المنفق عليه ليعم إنفاقها على عيال زوجها، ومن يعولهم وذوي رحمه، وضيوفه، والسائلين، والفقراء والمساكين، وفي سبيل الله عامة. وعبر بالإنفاق ليعم الصدقة والهدية وغيرها.
(من طعام بيتها) "من" تبعيضية، وأضاف البيت لها لملازمتها له وأقامتها
стр. 348
فيه وإن كان بيت الزوج، وخص الطعام بالذكر، ولم يعمم بذكر المال، لأن الطعام مأذون لها فيه عادة غالبا بخلاف المال، وسيأتي إيضاح الفرق في فقه الحديث.
(غير مفسدة) أي غير متجاوزة القدر المسموح به من الزواج.
(كان لها أجرها بما أنفقت) أي كان لها أجر المناولة والإسهام في الخير فالباء للسببية، و"ما" موصولة أو مصدرية، أي كان لها أجر إنفاقها من مال الغير بإذنه ورضاه.
(ولزوجها أجره بما كسب) أي وكان لزوجها أجر هذه النفقة بسبب كسب مالها، ليس أجر الكسب، فهو ثابت قبل الإنفاق، وإنما أجر إنفاق ما كسبه.
(وللخازن مثل ذلك) المراد بالخازن الموكول إليه حفظ المال وإن لم يكن خادما، واسم الإشارة يعود على المفهوم من الكلام السابق، وهو أجر الزوجة، أي وللخازن إن فعل مثل الزوجة أجر مثل أجرها.
(لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا) استئناف بياني، كالجواب عن سؤال ينشأ مما قبله، كأن سائلا سأل: هل يشارك الخازن والمرأة أجر صاحب المال فينقصانه؟ والجواب لا ينقص بعضهم أجر بعض، والله ذو الفضل العظيم، وليس في هذا مساواة للأجرين، لكن الاشتراك في مطلق الأجر.
-[فقه الحديث]-
أورد البخاري هذا الحديث بروايات متعددة، هي بعد روايتنا "إذا تصدقت المرأة من طعام زوجها غير مفسدة كان لها أجرها، ولزوجها بما كسب، وللخازن مثل ذلك" فنصت هذه الرواية على جهة الإنفاق وهي الصدقة، وعلى نوع المتصدق به وهو الطعام.
الرواية الثانية "إذا أطعمت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة لها أجرها، وله مثله، وللخازن مثل ذلك، وله بما اكتسب، ولها بما أنفقت"
стр. 349
فلم تنص على جهة الإطعام ليشمل إطعامها أولاده وأهله وأصحابه والفقراء والمساكين. ونصت على الطعام.
ولا شك أن الزوجة والخازن والخادم كل منهم أمين على مال الغير، ليس له أن يتصرف فيه إلا بإذن المالك نصا أو عرفا، إجمالا أو تفصيلا وقد جاء التصريح بالإذن نصا بالنسبة للخازن في حديث البخاري عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال "الخازن المسلم الأمين الذي ينفذ ما أمر به كاملا موفرا طيبا بها نفسه فيدفعه إلى الذي أمر له به أحد المتصدقين" وكانت هذه الروايات المتعددة أساسا في تعدد الآراء.
قال ابن العربي: اختلف السلف فيما إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها، فمنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج ولو بطريق الإجمال، ومنهم من قال: المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال في مصالحه، وليس ذلك بأن يفتئتوا على رب البيت بالإنفاق على الفقراء بغير إذن، ومنهم من فرق بين المرأة والخادم، فقال المرأة لها حق في مال الزوج والنظر في بيته وتدبيره، فجاز لها أن تتصدق، بخلاف الخادم، فليس له تصرف في متاع مولاه، فيشترط الإذن فيه.
والذي تستريح إليه النفس أن تصدق الزوجة من الطعام لا يحتاج إلى إذن سابق، لأن الشأن والعادة والعرف موافقة الزوج عليه، والشرط الأساسي حينئذ أن لا تكون مفسدة مسرفة، بأن تنفق مالا يؤثر نقصانه، ولا يتجاوز ما تسمح به نفسه. أما تصدق الزوجة بالمال أو بالأعيان كالثياب والقدور والفرش ونحوها فلا بد فيه من الإذن السابق، إما نصا وصراحة، وإما ضمنا، فإذا لم يسبق مثل هذا الإذن، وشكت في رضا زوجها حرم عليها التصدق بمثل ذلك إلا بصريح أمره، محافظة على حسن عشرة الزوجين.
أما ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ولفظه "وما أنفقت من كسبه من غير أمره فإن نصف أجره له" فقد قال عنه النووي: معناه من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين، ويكون معها إذن عام سابق،
стр. 350
متناول لهذا القدر وغيره، إما بالصريح أو بالمفهوم. أهـ
وخلاصة القول أنه لا بد من الإذن الذي يختلف باختلاف البلاد، وباختلاف حال الأزواج من غنى أو فقر، وسخاء أو بخل، وسماحة أو غلظة، وباختلاف حال الشيء المنفق من تفاهة أو نفاسة، ومن قلة أو كثرة، ومن رطب لا يدخر وجاف مدخر. والله أعلم.
باب الاستعفاف عن المسألة
٣٠ - عن حكيم بن حزام ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول وخير الصدقة عن ظهر غنى ومن يستعف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله".
-[المعنى العام]-
كان حكيم بن حزام يسأل النبي ﷺ كثيرا، فيعطيه. يحدث عن نفسه فيقول: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: يا
стр. 351
حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة -أي يجذب النفوس المحتاجة وغير المحتاجة فتأخذ من شخص راض ومن شخص متأفف -فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع. يا حكيم. اليد العليا -أي المعطية المنفقة -خير من اليد السفلى -أي السائلة الآخذة -وابدأ في الإنفاق بنفسك، ثم زوجك ثم من تعول الأهم فالمهم، وأفضل الصدقة وأعلاها ثوابا ما كانت عن غنى من صاحبها عنها، فلا يتبع عينه ما أعطى، ولا يستكثر القليل ولا يمن على الفقير. يا حكيم. من يطلب العفة من الله، ويروض نفسه عليها ويمسك يده وماء وجهه عن الناس يعفه الله ويعزه، ويسد حاجته، ويقنعه بما رزقه ومن يطلب الغنى من الله، ويطلب من نفسه عد ما عنده من نعم، وينظر إلى من دونه يغنه الله ويحس بالغنى والرضا والسعادة.
وهكذا جمع الحديث الشريف حث الأغنياء والقادرين على الصدقة، وحث الفقراء والمحتاجين على العفة والترفع عن ذل السؤال، وحث المنفقين على أن يبدءوا بالأهم فالمهم، وحث المتصدقين أن لا يتبعوا ما أنفقوا منا ولا أذى، وحث على القناعة والرضى وطلب الغنى من الله وحده. بذلك تكون السعادة في الدنيا والآخرة.
-[المباحث العربية]-
(اليد العليا خير من اليد السفلى) قيل: اليد العليا المنفقة المعطية، وقيل: المتعففة عن السؤال مع الحاجة، فالعلو بالنسبة للأولى حسي، وبالنسبة للثانية معنوي، كما في قولهم: ترفع عن الدنايا، أو ترفع عن السؤال. وأما اليد السفلى فقيل: هي الآخذة مطلقا، وقيل: هي السائلة وقيل: هي المانعة.
وسيأتي مزيد لهذه المسألة في فقه الحديث.
(وابدأ بمن تعول) الخطاب لكل منفق، والواو للاستئناف، أي ابتدئ أيها المنفق بأولويات الإنفاق وبالأهم فالمهم ممن يجب عليك نفقتهم.
стр. 352
يقال: عال الرجل أهله إذا قام بما يحتاجون.
(وخير الصدقة عن ظهر غنى) الجار والمجرور "عن ظهر غنى" متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، أي خير الصدقة الكائن والواقع عن غنى من المتصدق عن الصدقة وكلمة "ظهر" مزيدة لإشباع الكلام وإعطاء الغنى رمز القوة، و"عن" للسببية، وفي المراد من الغنى أقوال. قيل: قدر الكفاية، فأفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من ماله بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية، وقال البغوي: المراد غنى يستظهر به على النوائب التي تنوبه. أهـ. وقيل: التنكير في "غنى" للتعظيم، فخير الصدقة صدقة الأغنياء الكبار، لأنها ستكون كثيرة تسد حاجة كثير من المحتاجين. وأبعد التأويلات قولهم: إن المعنى خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيته عن المسألة. وسيأتي مزيد بحث للمسألة في فقه الحديث.
(ومن يستعف) بالإدغام، وروي "يستعفف" بفكه، أي يطلب العفة من الله ومن نفسه، ليكون عفيفا.
(ومن يستغن) أي يطلب الغنى من الله، ويعمل ويسعى إليه بالطرق المشروعة، ولو بأن يأخذ حبلا فيحتطب.
-[فقه الحديث]-
يتعرض الحديث بصفة أساسية إلى نقطتين هامتين. الأولى المفاضلة بين المعطي والآخذ، والثانية صدقة المحتاج.
أما عن النقطة الأولى: فالمعتمد عند الجمهور أن المراد من اليد العليا اليد المنفقة المعطية، وأن السفلى هي السائلة، وفي ذلك أثر لابن عمر. قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اليد العليا خير من اليد السفلى" ولا أحسب اليد السفلى إلا السائلة، ولا العليا إلا المعطية. فيكون الهدف من الحديث حض الغني على الصدقة، وحض الفقير على التعفف عن المسألة، والمقابلة موافقة لكيفية الإعطاء والأخذ غالبا.
стр. 353
أما من قال: إن المراد باليد العليا المتعففة عن السؤال فهي وإن كانت أعلى من السائلة لكن إرادتها لا تتوافق مع المقابلة، ولا مع مورد الحديث، وتقصر الهدف من الحديث على الحض على ترك السؤال.
وأما أن اليد السفلى هي المانعة للصدقة فهي وإن كانت في الواقع سفلى لكي مساق الحديث والمقابلة تأباها. والإشكال في اليد الآخذة من غير سؤال. هل تعتبر سفلى؟ وتقابل باليد المعطية؟
جمهور العلماء يرفضون ذلك بشدة، فيقول ابن حبان: اليد المتصدقة أفضل من السائلة، لا الآخذة بغير سؤال، إذ محال أن تكون اليد التي أبيح لها استعمال فعل. محال أن تكون باستعماله دون من فرض عليه إتيان شيء فأتى به، أو تقرب به إلى ربه متنفلا، فربما كان الأخذ لما أبيح له أفضل وأورع من الذي يعطي. أهـ. وقال ابن العربي: التحقيق أن السفلى يد السائل، وأما الآخذ فلا، لأن يد الله هي المعطية، ويد الله هي الآخذة. وكلتاهما عليا، وكلتاهما يمين. أهـ. ورد عليه الحافظ ابن حجر بأن البحث في أيدي الآدميين، وأما يد الله فعليا على كل حال.
وقال جماعة من المتصوفة: إن اليد الآخذة أفضل من المعطية مطلقا. حكاه ابن قتيبة عن جماعة، ثم قال: وما أرى هؤلاء إلا قوما استطابوا السؤال، فهم يحتجون للدناءة.
والتحقيق ما قاله الحافظ ابن حجر: أن التفاضل هنا يرجع إلى الإعطاء والأخذ، ولا يلزم منه أن يكون المعطي أفضل من الآخذ على الإطلاق. أهـ. ومقصوده أن الإعطاء في حد ذاته أفضل من الأخذ في حد ذاته، أما من حيثيات أخرى قد يكون الآخذ أتقى وأورع من المعطي. وهو كلام جيد. ثم قال: ومحصل ما في الآثار أن أعلى الأيدي المنفقة، ثم المتعففة عن الأخذ، ثم الآخذة بغير سؤال: وأسفل الأيدي السائلة والمانعة.
وأما عن النقطة الثانية: فقد قال البخاري: لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ومن تصدق وهو محتاج، أو أهله متحاجون أو عليه دين فالدين أحق أن يقضى من الصدقة، ليس له أن يتلف أموال الناس. وقال النبي ﷺ "من
стр. 354
أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله" -إلا أن يكون معروفا بالصبر، فيؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، كفعل أبي بكر ﵁ حين تصدق بماله، وكذلك آثر الأنصار المهاجرين، ونهى النبي ﷺ عن إضاعة المال، فليس له أن يضيع أموال الناس -يقصد من يعوله -بعلة الصدقة. أهـ.
وقال ابن بطال: أجمعوا على أن المدين لا يجوز له أن يتصدق بماله، ويترك قضاء الدين.
وقال الطبري: قال الجمهور: من تصدق بماله كله في صحة بدنه وعقله حيث لا دين عليه، وكان صبورا على الضيق، ولا عيال له، أو له عيال يصبرون أيضا فهو جائز، فإن فقد شيء من هذه الشروط كره. أهـ
وقال النووي: مذهبنا أن التصدق بجميع المال مستحب لمن لا دين عليه، ولا له عيال لا يصبرون، ويكون هو ممن يصبر على الضيق والفقر، فإن لم يجمع هذه الشروط فهو مكروه. أهـ.
والفرق بين ما يقوله الطبري وما يقوله النووي جواز التصدق عند الطبري بهذه الشروط، واستحبابه عند النووي مع الشروط نفسها.
قال الحافظ ابن حجر: والمختار أن معنى الحديث: أفضل الصدقة ما وقع بعد القيام بحقوق النفس والعيال، بحيث لا يصير المتصدق محتاجا بعد صدقته لأحد، فمعنى الغنى في هذا الحديث حصول ما تدفع به الحاجة الضرورية، كالأكل عند الجوع، وستر العورة، والحاجة إلى ما يدفع به الأذى عن نفسه، وما هذا سبيله فلا يجوز الإيثار، بل يحرم، فمراعاة حقه أولى على كل حال، فإذا سقطت هذه الواجبات صح الإيثار، وكانت صدقته هي الأفضل، لأجل ما يتحمل من مضض الفقر، وشدة مشقته فبهذا يندفع التعارض بين الأدلة إن شاء الله. أهـ.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - تقديم نفقة النفس والعيال، لأنها معينة في الشخص، بخلاف الصدقة فهي على الكفاية.
стр. 355
٢ - حض الغني على التصدق.
٣ - استدل به بعضهم على تفضيل الغني إذا قام بحقوقه، لأن العطاء يكون مع الغني، وفي المسألة خلاف طويل: الغني الشاكر؟ أم الفقير الصابر؟ ليس هذا محلها. والله أعلم.
٤ - حض الفقير على التعفف.
٥ - الحث على التوجه إلى الله بالطلب سواء بالغنى أم بالعفة.
٦ - أن من لجأ إلى الله وطلب منه استجاب، وصدق الله العظيم حيث يقول ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم).﴾
باب من تصدق في الشرك ثم أسلم
٣١ - عن حكيم بن حزام ﵁ قال: قلت يا رسول الله أرأيت أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم فهل لي فيها من أجر؟ فقال النبي ﷺ "أسلمت على ما سلف من خير".
следующие страницы →