← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14106

المنهل الحديث في شرح الحديث

موسى شاهين لاشين

Полный текст (1 103 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة -أي يجذب النفوس المحتاجة وغير المحتاجة فتأخذ من شخص راض ومن شخص متأفف -فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع. يا حكيم. اليد العليا -أي المعطية المنفقة -خير من اليد السفلى -أي السائلة الآخذة -وابدأ في الإنفاق بنفسك، ثم زوجك ثم من تعول الأهم فالمهم، وأفضل الصدقة وأعلاها ثوابا ما كانت عن غنى من صاحبها عنها، فلا يتبع عينه ما أعطى، ولا يستكثر القليل ولا يمن على الفقير. يا حكيم. من يطلب العفة من الله، ويروض نفسه عليها ويمسك يده وماء وجهه عن الناس يعفه الله ويعزه، ويسد حاجته، ويقنعه بما رزقه ومن يطلب الغنى من الله، ويطلب من نفسه عد ما عنده من نعم، وينظر إلى من دونه يغنه الله ويحس بالغنى والرضا والسعادة. وهكذا جمع الحديث الشريف حث الأغنياء والقادرين على الصدقة، وحث الفقراء والمحتاجين على العفة والترفع عن ذل السؤال، وحث المنفقين على أن يبدءوا بالأهم فالمهم، وحث المتصدقين أن لا يتبعوا ما أنفقوا منا ولا أذى، وحث على القناعة والرضى وطلب الغنى من الله وحده. بذلك تكون السعادة في الدنيا والآخرة. -[المباحث العربية]- (اليد العليا خير من اليد السفلى) قيل: اليد العليا المنفقة المعطية، وقيل: المتعففة عن السؤال مع الحاجة، فالعلو بالنسبة للأولى حسي، وبالنسبة للثانية معنوي، كما في قولهم: ترفع عن الدنايا، أو ترفع عن السؤال. وأما اليد السفلى فقيل: هي الآخذة مطلقا، وقيل: هي السائلة وقيل: هي المانعة. وسيأتي مزيد لهذه المسألة في فقه الحديث. (وابدأ بمن تعول) الخطاب لكل منفق، والواو للاستئناف، أي ابتدئ أيها المنفق بأولويات الإنفاق وبالأهم فالمهم ممن يجب عليك نفقتهم.

стр. 352

يقال: عال الرجل أهله إذا قام بما يحتاجون. (وخير الصدقة عن ظهر غنى) الجار والمجرور "عن ظهر غنى" متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، أي خير الصدقة الكائن والواقع عن غنى من المتصدق عن الصدقة وكلمة "ظهر" مزيدة لإشباع الكلام وإعطاء الغنى رمز القوة، و"عن" للسببية، وفي المراد من الغنى أقوال. قيل: قدر الكفاية، فأفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من ماله بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية، وقال البغوي: المراد غنى يستظهر به على النوائب التي تنوبه. أهـ. وقيل: التنكير في "غنى" للتعظيم، فخير الصدقة صدقة الأغنياء الكبار، لأنها ستكون كثيرة تسد حاجة كثير من المحتاجين. وأبعد التأويلات قولهم: إن المعنى خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيته عن المسألة. وسيأتي مزيد بحث للمسألة في فقه الحديث. (ومن يستعف) بالإدغام، وروي "يستعفف" بفكه، أي يطلب العفة من الله ومن نفسه، ليكون عفيفا. (ومن يستغن) أي يطلب الغنى من الله، ويعمل ويسعى إليه بالطرق المشروعة، ولو بأن يأخذ حبلا فيحتطب. -[فقه الحديث]- يتعرض الحديث بصفة أساسية إلى نقطتين هامتين. الأولى المفاضلة بين المعطي والآخذ، والثانية صدقة المحتاج. أما عن النقطة الأولى: فالمعتمد عند الجمهور أن المراد من اليد العليا اليد المنفقة المعطية، وأن السفلى هي السائلة، وفي ذلك أثر لابن عمر. قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اليد العليا خير من اليد السفلى" ولا أحسب اليد السفلى إلا السائلة، ولا العليا إلا المعطية. فيكون الهدف من الحديث حض الغني على الصدقة، وحض الفقير على التعفف عن المسألة، والمقابلة موافقة لكيفية الإعطاء والأخذ غالبا.

стр. 353

أما من قال: إن المراد باليد العليا المتعففة عن السؤال فهي وإن كانت أعلى من السائلة لكن إرادتها لا تتوافق مع المقابلة، ولا مع مورد الحديث، وتقصر الهدف من الحديث على الحض على ترك السؤال. وأما أن اليد السفلى هي المانعة للصدقة فهي وإن كانت في الواقع سفلى لكي مساق الحديث والمقابلة تأباها. والإشكال في اليد الآخذة من غير سؤال. هل تعتبر سفلى؟ وتقابل باليد المعطية؟ جمهور العلماء يرفضون ذلك بشدة، فيقول ابن حبان: اليد المتصدقة أفضل من السائلة، لا الآخذة بغير سؤال، إذ محال أن تكون اليد التي أبيح لها استعمال فعل. محال أن تكون باستعماله دون من فرض عليه إتيان شيء فأتى به، أو تقرب به إلى ربه متنفلا، فربما كان الأخذ لما أبيح له أفضل وأورع من الذي يعطي. أهـ. وقال ابن العربي: التحقيق أن السفلى يد السائل، وأما الآخذ فلا، لأن يد الله هي المعطية، ويد الله هي الآخذة. وكلتاهما عليا، وكلتاهما يمين. أهـ. ورد عليه الحافظ ابن حجر بأن البحث في أيدي الآدميين، وأما يد الله فعليا على كل حال. وقال جماعة من المتصوفة: إن اليد الآخذة أفضل من المعطية مطلقا. حكاه ابن قتيبة عن جماعة، ثم قال: وما أرى هؤلاء إلا قوما استطابوا السؤال، فهم يحتجون للدناءة. والتحقيق ما قاله الحافظ ابن حجر: أن التفاضل هنا يرجع إلى الإعطاء والأخذ، ولا يلزم منه أن يكون المعطي أفضل من الآخذ على الإطلاق. أهـ. ومقصوده أن الإعطاء في حد ذاته أفضل من الأخذ في حد ذاته، أما من حيثيات أخرى قد يكون الآخذ أتقى وأورع من المعطي. وهو كلام جيد. ثم قال: ومحصل ما في الآثار أن أعلى الأيدي المنفقة، ثم المتعففة عن الأخذ، ثم الآخذة بغير سؤال: وأسفل الأيدي السائلة والمانعة. وأما عن النقطة الثانية: فقد قال البخاري: لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ومن تصدق وهو محتاج، أو أهله متحاجون أو عليه دين فالدين أحق أن يقضى من الصدقة، ليس له أن يتلف أموال الناس. وقال النبي ﷺ "من

стр. 354

أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله" -إلا أن يكون معروفا بالصبر، فيؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، كفعل أبي بكر ﵁ حين تصدق بماله، وكذلك آثر الأنصار المهاجرين، ونهى النبي ﷺ عن إضاعة المال، فليس له أن يضيع أموال الناس -يقصد من يعوله -بعلة الصدقة. أهـ. وقال ابن بطال: أجمعوا على أن المدين لا يجوز له أن يتصدق بماله، ويترك قضاء الدين. وقال الطبري: قال الجمهور: من تصدق بماله كله في صحة بدنه وعقله حيث لا دين عليه، وكان صبورا على الضيق، ولا عيال له، أو له عيال يصبرون أيضا فهو جائز، فإن فقد شيء من هذه الشروط كره. أهـ وقال النووي: مذهبنا أن التصدق بجميع المال مستحب لمن لا دين عليه، ولا له عيال لا يصبرون، ويكون هو ممن يصبر على الضيق والفقر، فإن لم يجمع هذه الشروط فهو مكروه. أهـ. والفرق بين ما يقوله الطبري وما يقوله النووي جواز التصدق عند الطبري بهذه الشروط، واستحبابه عند النووي مع الشروط نفسها. قال الحافظ ابن حجر: والمختار أن معنى الحديث: أفضل الصدقة ما وقع بعد القيام بحقوق النفس والعيال، بحيث لا يصير المتصدق محتاجا بعد صدقته لأحد، فمعنى الغنى في هذا الحديث حصول ما تدفع به الحاجة الضرورية، كالأكل عند الجوع، وستر العورة، والحاجة إلى ما يدفع به الأذى عن نفسه، وما هذا سبيله فلا يجوز الإيثار، بل يحرم، فمراعاة حقه أولى على كل حال، فإذا سقطت هذه الواجبات صح الإيثار، وكانت صدقته هي الأفضل، لأجل ما يتحمل من مضض الفقر، وشدة مشقته فبهذا يندفع التعارض بين الأدلة إن شاء الله. أهـ. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - تقديم نفقة النفس والعيال، لأنها معينة في الشخص، بخلاف الصدقة فهي على الكفاية.

стр. 355

٢ - حض الغني على التصدق. ٣ - استدل به بعضهم على تفضيل الغني إذا قام بحقوقه، لأن العطاء يكون مع الغني، وفي المسألة خلاف طويل: الغني الشاكر؟ أم الفقير الصابر؟ ليس هذا محلها. والله أعلم. ٤ - حض الفقير على التعفف. ٥ - الحث على التوجه إلى الله بالطلب سواء بالغنى أم بالعفة. ٦ - أن من لجأ إلى الله وطلب منه استجاب، وصدق الله العظيم حيث يقول ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم).﴾ باب من تصدق في الشرك ثم أسلم ٣١ - عن حكيم بن حزام ﵁ قال: قلت يا رسول الله أرأيت أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم فهل لي فيها من أجر؟ فقال النبي ﷺ "أسلمت على ما سلف من خير".

стр. 356

-[المعنى العام]- الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، ولقد كان كثير من العرب قبل الإسلام على صفات حميدة، يصلون الرحم، ويحملون الكل، ويكسبون المعدوم، ويقرون الضيف، ويعينون على نوائب الدهر، ويعتقون العبيد، ويفكون الأسير، ويوفون بالعهد، ويحفظون الأمانة. من هؤلاء الأخيار حكيم بن حزام، أعتق في الجاهلية مائة رقبة، وحمل على مائة بعير للفقراء، وكان كثير الصدقة، عظيم الصلة لرحمه، فلما أسلم سأل رسول الله ﷺ عن أجر ما قدم من خير في الجاهلية. وكان من الطبيعي أن يسأل هذا السؤال، كما سأل غيره ممن أسلم عن شر آثامه وشروره التي ارتكبها في الجاهلية، فأجيبوا بأن الإسلام يهدم ما قبله، وأجاب رسول الله ﷺ حكيم بن حزام بأنه لن يعدم خير ما قدم، فقد اكتسب به ثناء جميلا وذكرا حميدا، وأن خلال الخير تطبع صاحبها على الخير فتساعده على فعل الخير في إسلامه، والإسلام يضاعف حسنات البر، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. وأحس حكيم بأن ما قدم في الجاهلية كان نفعه دنيويا جميلا، وأحس حاجته إلى الثواب الأخروي بعد إسلامه، فقام يفعل في إسلامه من الخير مثل ما فعل في الجاهلية، فأعتق مائة رقبة وتبرع للمحتاجين بمائة بعير محملة بالطعام والثياب، وهكذا كان خيره في الجاهلية موصولا بخيره في الإسلام. -[المباحث العربية]- (عن حكيم بن حزام) صحابي جليل، من مناقبه أنه ولد في الكعبة، قال بعض العلماء: ولا يعرف أحد شاركه في هذا، عاش ستين سنة في الجاهلية أسلم عام الفتح، ومات بالمدينة سنة أربع وخمسين. (أرأيت أشياء) أي أخبرني عن أشياء، والمراد منها أمور الخير والمعروف.

стр. 357

(كنت أتحنث بها) التحنث التعبد، كما فسره في الحديث بالتبرر، وهو فعل البر والطاعة، قال أهل اللغة: أصل التحنث أن يفعل فعلا يخرج به من الحنث وهو الإثم، وكذا تأثم وتحرج وتهجد أي فعل فعلا يخرج به من الإثم والحرج والهجود. (في الجاهلية) أي قبل إسلامه، وليس المراد قبل ظهور الإسلام، فكأنه قال: في جاهليتي. (أسلمت على ما سفل من خير) أي على ما قدمت من خير، وفي القاموس: الخير كل عمل صالح قدمته. -[فقه الحديث]- قضية الحديث: هل يثاب الكافر إذا أسلم وحسن إسلامه على ما فعله من خير في حال كفره؟ . ذهب ابن بطال من المالكية وكثير من المحققين إلى أنه إذا أسلم الكافر وحسن إسلامه، ومات على الإسلام يثاب على ما فعله من الخير في حال كفره واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة زلفها، ومحا عنه كل سيئة زلفها، وكان عمله بعد -أي بعد إسلامه -الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله " ذكره الدارقطني، وثبت في بعض طرقه "أن الكافر إذا حسن إسلامه يكتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك" قال ابن بطال بعد ذكره الحديث: ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما شاء، لا اعتراض لأحد عليه. أهـ. وعلى هذا القول يكون المراد من "أسلمت على ما سلف من الخير" على ظاهره، أي أسلمت وقد ثبت لك أجر ما أسفلت من خير. وقال بعض العلماء: إن الكافر إذا أسلم لا يثاب على ما فعل من خير في حال كفره، لأن الكافر لا يصح منه التقرب، لأن شرط المتقرب أن

стр. 358

يكون عارفا بالمتقرب إليه، وهو في حين فعله للخير لم يحصل له العلم بالله بعد، وحيث لا يصح منه التقرب فلا يثاب على ما فعل، ولهذا قال الفقهاء: لا يصح من الكافر عبادة، ولو أسلم لم يعتد بها، وعلى هذا القول يفسر قول الرسول ﷺ "أسلمت على ما سلف من خير" على معنى اكتسبت طباعا جميلة، وأنت تنتفع بتلك الطباع في الإسلام، وتكون تلك العادة تمهيدا لك، ومعونة على فعل الخير، أو معناها اكتسبت بذلك ثناء جميلا فهو باق عليك في الإسلام ومعناها أنه ببركة ما سبق لك من خير هداك الله تعالى إلى الإسلام، وأن من ظهر منه خير في أول أمره فهو دليل على سعادة آخره وحسن عاقبته. ونحن نرجح الرأي الأول ونعتمده، فإنه يشجع الإحسان والإصلاح للإنسانية في كافة مجتمعاتها، فالعمل الذي يساير مطلوب الإسلام -وإن اختل شرطه -لا يتساوى مع العمل الذي ينفر منه الإسلام ويحاربه، إذ لا يستوي الخبيث والطيب ثم من ذا الذي يمنع فضل الله وكرمه من أن يلحق من أسلم ورجع إليه وأناب؟ وإذا كنا نجيز أن يبدل الله سيئات التائب حسنات أفلا تجيز أن يكافئ على حسنات العاصي التي فعلها حال عصيانه؟ وهي ولا شك مكافأة دون مكافأة المطيع، ونجيز أن يتفضل الله على عبده ابتداء من غير عمل، كما يتفضل على العاجز بثواب ما كان يعمل وهو قادر، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل ألا يجوز أن يكتب له ثواب ما عمله غير مستوف للشروط؟ أما قول الفقهاء: لا تصح العبادة من الكافر، ولو أسلم لا يعتد بها فمرادهم أنه لا يعتد بها في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرض لثواب الآخرة، بل إن بعض الفقهاء اعتدوا بعبادة الكافر في أحكام الدنيا، فقد قال بعض الشافعية، إذا أجنب واغتسل في حال كفره ثم أسلم لا يجب عليه إعادة الغسل، بل بالغ بعضهم وقال: يصح من كل كافر كل طهارة من غسل ووضوء، وإذا أسلم صلى بها. وفي الأم. وتصح نية التقرب من الكافر، وما عللوا به من الجهل بالمتقرب إليه إن عنوا به أنه يجهله مطلقا منع، لأنه

стр. 359

لا ينكر الصانع، وإن عنوا به أنه يجهله من وجه فهو غير مسلم، ثم الذي يقضي بصحة النية منه اتفاقهم على التخفيف، لأنه لو لم تصح النية لم يصح التخفيف، وأيضا القياس يقتضي الإثابة، لأن الإسلام إذا جب السيئات صحح الحسنات. والله أعلم. باب مثل المتصدق والبخيل ٣٢ - عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو أثره وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا لزقت كل حلقة مكانها فهو يوسعها ولا تتسع". -[المعنى العام]- كثير من الجاهلين يمنع الصدقة خشية نفاد المال أو نقصه، وكثير من

стр. 360

عبدة المال يحصي كل يوم ما جمع، ويندفع نحو الزيادة كالمسعور، أو العطشان الذي يزيده شرب المالح عطشا. الحقيقة التي يغفلون عنها أن الله هو واهب المال، وأنه يرزق عبده من حيث لا يحتسب، وأنه قادر على أن يخسف بالمال وبصاحبه الأرض، وأنه الآمر بالصدقة، وأنه الذي يثيب على الإعطاء بغير حساب. هذه الحقيقة يغفل عنها البخلاء، ويؤمن بها الأسخياء ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ ولئلا يكون للغني عذر يضرب رسول الله ﷺ هذا المثل المحسوس لعل الذي لا يدرك المعقول يفهم عن طريق المحسوس. إن السخي الجواد المنفق على نفسه وعياله والأقربين والفقراء وفي سبيل الله يوسع الله عليه في الدنيا ويستره في الدارين، ويحميه من مصارع السوء في الدنيا، ومن النار في الآخرة كالذي يلبس درعا من حديد يوسعه على نفسه حتى يغطي أطراف أصابع يديه ورجليه ويزيد حتى يجر على الأرض وبهذا يكون في سعة، ويكون في مأمن من أعدائه ويكون مستور العورة في الدنيا، أما البخيل الشحيح الذي لا يؤدي حق الله في ماله فيضيق عليه الله في الدنيا ولو ضيقا نفسيا، ويفضحه بين الخلق في الدنيا والآخرة ويعرض نفسه لنكبات الزمان في الدنيا، وللنار في الآخرة. كالذي يلتصق درعه في أعلى صدره ولا يستر جسده، فيكشف أمام أعدائه ويتعرض للأخطار. ﴿ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم.﴾ -[المباحث العربية]- (مثل البخيل والمنفق) المفروض أن يقول: مثل البخيل والسخي، إذ مقابل البخل السخاء، ولكنه وضع المنفق موضع السخي إشعارا بأن مجرد الإنفاق فيما أمر به الشارع وندب إليه يزيل البخل، ويقابله، وليس شرطا لإزالة البخل العطاء الزائد.

стр. 361

(كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد) الجبة بضم الجيم ثوب معروف على هيئة مخصوصة، واسع وطويل عادة، لكن الأوصاف الآتية -كونها من حديد، وأنها في الأصل تستر الجزء الأعلى من الصدر فقط -أخرجتها عن الهيئة المعروفة، مما حدا بالبعض أن يريد من الجبة الدرع، وحدا بالبعض أن يرويه "جنتان" بالنون بدل الباء تصحيفا، والجنة بضم الجيم في الأصل الحصن، وسميت بها الدرع لأنها تجن صاحبها، أي تحصنه، لكن الحديث يقصد الجبة بهيئتها لأنها بعد أن يتم لبسها ويتم إسدالها تسبغ وتوفر، وقبل ذلك حين اللبس تكون متجمعة على الصدر، فمن غل يديه إلى عنقه لزقت على صدره، ومن بسط يديه بها غطت جسمه كله، وتقييدها بكونها من حديد إشارة إلى صلابة المشبه، وهو الطبيعة البشرية الحريصة، ولإفادة حمايتها لصاحبها المنفق ومضايقتها لصاحبها البخيل والثنية في مقابلة التثنية تفيد التوزيع، أي على كل منهما جبة. (من ثديهما إلى تراقيهما) بضم الثاء وكسر الدال وتشديد الياء المكسورة جمع ثدي بفتح الثاء وسكون الدال، و"تراقيهما" جمع ترقوة، ولكل إنسان ترقوتان، وهما العظمان المحيطان بالعنق من جهة الصدر، بينهما ثغرة النحر. (إلا سبغت) أي امتدت وغطت. (أو وفرت) "أو" شك من الراوي في أي اللفظين صدر، والفاء المفتوحة مخففة، من الوفور، وهو زيادة الامتداد. (حتى تخفي بنانه) أي تستر أطراف يديه، وفي رواية "حتى تغشى أنامله". (وتعفو أثره) "تعفو" منصوب عطفا على "تخفى" المنصوب بحتى، والمراد من الأثر أثر المشي، أي تصبح من الطول بحيث تغطي القدم وتزيد، فتزحف على الأرض، فتغطي وتمحو آثار المشي على التراب أو الرمل. و"عفا" تأتي لازمة فيقال عفا الأثر، أي تغطى بالتراب وعفوت الأثر، أي غطيته. وهي هنا من المتعدي.

стр. 362

(لزقت كل حلقة) من حلقات الدرع، وفي رواية لمسلم "انقبضت" وفي رواية "غاصت كل حلقة مكانها" وفي رواية "قلصت" أي تضامت واجتمعت والمفاد في الكل واحد. (فهو يوسعها) أي يحاول توسيعها. إجراء التشبيه، يعرف مثل هذا عند علماء البلاغة بتشبيه التمثيل وهو تشبيه هيئة بهيئة. والحاصل هنا تشبيه هيئتين بهيئتين. الأولى تشبيه هيئة المنفق الذي يعالج حرص النفس البشرية إلى السخاء، ويبذل من ماله إلى المستحقين ووجوه الخير، كلما بذل انشرح صدره للبذل، فداوم أو زاد، حتى يصبح السخاء طبيعة وحتى يغطي السخاء سلوكه، بهيئة من يلبس ثوبا من حلقات حديدية، يتجمع عند اللبس على أعلى صدره، فيحرك يديه وجوارحه، ويوسعه ويفرده ويمده ويبسطه ويشد أطرافه، حتى يغطي الثوب جميع جسده من أنامل يديه إلى حافة قدميه، بل يزيد حتى يزحف على الأرض، بهذا يأمن المنفق من عذاب الله، وبهذا يستر معاصيه، وبهذا يتقي النار، كما يتقي من يغطيه درعه أذى عدوه. الهيئة الثانية: تشبيه هيئة البخيل الذي غلبه الشح فلم يستطع علاج نفسه الحريصة، بل كلما هم أو فكر في الصدقة غلبه الشح وضاق صدره وزاد خوفه وحرصه، بهيئة من يبدأ لبس ثوب من حلقات حديدية، يتجمع الثوب حول رقبته وعلى أعلى صدره، كلما هم بتوسعته أو مده أو بسطه لا يقوى على ذلك، بل تزداد الحلقات انكماشا، وضغطا على صدره، والتصاقا بجسده، بهذا يتعرض البخيل لعذاب الله، وينكشف أمام معاصيه، ويودي بنفسه إلى النار، كما ينكشف من لا يستره درعه، ويمكن منه عدوه. قال المهلب: المراد أن الله يستر المنفق في الدنيا والآخرة، بخلاف البخيل فإنه يفضحه في الدارين. أهـ. وهو قريب مما قدمنا. وقيل: هو تمثيل لنماء المال بالصدقة، ولعدم نمائه بالبخل.

стр. 363

-[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث: ]- ١ - الترغيب في السخاء والإنفاق، والإنفاق الممدوح الذي يقصده الحديث ويبعد وصف البخل هو الإنفاق على صاحب المال وعلى العيال والضيفان أداء للواجبات والتطوعات قاله النووي، وقال القرطبي هو ما يعم الواجبات والمندوبات، لكن الممسك عن المندوبات لا يدخل في الجانب الآخر إلا أن يغلب عليه البخل المذموم بحيث لا تطيب نفسه بإخراج الحق الذي عليه. ٢ - الترهيب من البخل والشح، وآيته عدم الاستجابة للواجبات، والمداومة على ترك المندوبات. ٣ - التيسير على المنفق، والتعسير على البخيل، مصداقا لحديث البخاري "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا". وحديث البخاري أيضا أن النبي ﷺ قال لأسماء "لا توكي فيوكي الله عليك" أي لا تشدي الرباط على المال وتبخلي به عن حقه فيضيق الله عليك أبواب الرزق، ومصداقا لقوله تعالى ﴿فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى، وما يغني عنه ماله إذا تردى).﴾ ٤ - أن الصدقة تحمي صاحبها من السوء، وتطفئ غضب الرب، وتكفر الخطيئة، وتقي من النار، وفي الصحيح "اتقوا النار ولو بشق تمرة". ٥ - ضرب الأمثال، لإبراز المعقول في صورة المحسوس، ولزيادة الإيضاح، وليتمكن في النفس فضل تمكن.

стр. 364

باب زكاة الإبل ٣٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن أعرابيا سأل رسول الله ﷺ عن الهجرة فقال: "ويحك إن شأنها شديد فهل لك من إبل تؤدي صدقتها؟ " قال: نعم. قال: "فاعمل من وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئا". -[المعنى العام]- وسع الله مجال الخيرات ليتنافس المتنافسون، فتح للرجال مجال الجهاد والجمعات وشهود الجنائز، وفتح للنساء مجال الحج والعمرة وحسن تبعل الزوج وفتح للمسلمين الأوائل باب الهجرة من مكة إلى المدينة. وكان خير ميدان وأفضل الميادين. فكان من الضروري أن يحدد زمانا ومكانا، فحدد زمانا بفتح مكة، ولا هجرة بعد الفتح، وحدد مكانا بأهل الحضر،

стр. 365

لأنهم الذين يستطيعون الإقامة في المدينة، ويصبرون على جوها وبعض أمراضها، ومن هاجر إليها لا يجوز أن يخرج منها، ويعود إلى وطنه، من هنا كان الأعراب سكان البوادي ليسوا من أهل الهجرة. وشاء الله أن يضع هذه القيود حماية للمدينة نفسها من أن تضيق بأهلها وحفاظا على نمط الحياة ومسالكها ليبقى الراعي حول غنمه، وصاحب الإبل في البادية حول أعطانها، وصاحب الزرع بجوار زرعه إلخ. أمام هذا كان جواب النبي ﷺ للأعرابي الذي جاء يرغب في الهجرة إلى المدينة. ويحك يا أعرابي، لا تستطيعها وقد تعودت الصحراء والبادية، وإن شأنها وأحكامها شديدة، ومطالبها قاسية، ما ترجع من معركة إلا وتستعد لأخرى، وأنت رجل ضعيف، وسكت العرابي حزينا آسفا أن حرم هذا الفضل، لكن الرسول الرحيم فتح له باب فضل وباب أجر، باب جهاد آخر لتحصيل الرزق الحلال، قال له: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: هل تؤدي حق الله فيها؟ قال: نعم. قال: فاعمل عليها، واسع على الرزق في أي مكان، قريبا كنت من المدينة أو بعيدا، حتى ولو كان بينك وبينها بحار، فإن الله لن ينقصك من أجر عملك هذا شيئا. فلئن حرمت جهاد السيف في المدينة فأمامك جهاد السعي الحلال، واقتنع الرجل ورضي، وآمن بذلك من سمع من الصحابة، حتى أثر عن أبي هريرة قوله: لأن أموت بين شعبتي رحل أبتغي من فضل الله الرزق خير من أن أموت مجاهدا في سبيل الله. -[المباحث العربية]- (أن أعرابيا) نسبة إلى الأعراب، وهم سكان البادية الذين لا يقيمون في الأمصار، ولا يدخلونها إلا لحاجة، والعربي منسوب إلى العرب. (عن الهجرة) أي بالنسبة له، أي طلب أن يهاجر من مضارب قومه إلى المدينة. (ويحك) اسم فعل يفيد الرحمة والتوجع والإشفاق، يقال: لمن وقع أو كاد أن يقع في الهلكة التي لا يستحقها.

стр. 366

(إن شأنها شديد) أي إن متطلباتها قاسية، لا تقدر عليها كأعرابي لم يألف المدينة، أو كضعيف عن الجهاد المفروض على المهاجرين. (فهل لك من إبل؟ ) السؤال عن الإبل خاصة لأنه ﷺ رأى بالقرائن أن الأعرابي من أهل الإبل. (تؤدي صدقتها) وزكاتها وصدقتها المندوبة؟ (فاعمل من وراء البحار) أي فاعمل في أي مكان، وابعد مكان الهجرة حتى لو كان بيننا وبينك بحار، فالجملة كناية عن البعد. (فإن الله لن يترك من عملك شيئا) أي لن ينقصك من أجر عملك شيئا، وعمل كهذا إذا أدى حق الله فيه كان عوضا عن الهجرة والجهاد. يقال: وتر يتر إذا نقص، وفي رواية "لن يترك من عملك شيئا" مضارع "ترك" أي لن يضيع من عملك شيئا، بل سيجازيك خيرا. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث: ]- ١ - وجوب الزكاة في الإبل، ومثلها البقر والغنم بأدلة أخرى. ٢ - فضل السعي على الرزق الحلال. ٣ - فضل أداء زكاة الإبل. ٤ - معادلة إخراج حق الله من الإبل والأموال لفضل الهجرة، فإن في الحديث إشارة إلى أن استقرار الأعرابي بوطنه إذا أدى زكاة إبله يقوم له مقام ثواب هجرته وإقامته بالمدينة، قاله الحافظ ابن حجر. ٥ - استدل به على أن الهجرة كانت على أهل الحاضرة، ولم تكن على أهل البادية، لكن قال القرطبي: يحتمل أن يكون ذلك خاصا بهذا الأعرابي، لما علم من حاله وضعفه عن المقام بالمدينة. ٦ - واستدل به على تعظيم شأن الهجرة والمهاجرين.

стр. 367

٧ - زيادة شفقته ﷺ بأمته، وحرصه عليها، وصدق الله العظيم ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم.﴾ باب لا يسألون الناس إلحافا ٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه". -[المعنى العام]- الإسلام دين العزة والكرامة، دين العمل ورفع الهامة، دين البناء للدنيا والآخرة، لا يحب الخنوع والدناءة، ويكره الكسل والتواكل، شعاره: إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم شجرة يمكنه أن يغرسها فليغرسها، مبدؤه: "ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده". من هذا المنطلق حذر من أكل السحت، ومن سؤال عن كسل وخمول

стр. 368

وصف يد الآخذ بعد السؤال بأنها اليد السفلى الهابطة الذليلة، وحرص على السعي والعمل والأكل من عرق الجبين، لقد قيل لرسول الله ﷺ : إن فلانا يصوم النهار ويقوم الليل. قال: فمن ينفق عليه؟ قالوا: أخوه. قال: أخوه خير منه. وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ يسأله الصدقة، فقال له: ما عندك شيء؟ قال لا، غير بردة، قال: هاتها. فجاء بها، فقال ﷺ لأصحابه: من يشتريها؟ فباعها بدراهم، ثم اشترى بالدراهم حبلا وفأسا، وقال للرجل: اذهب واحتطب. فذهب واحتطب وما هي إلا أيام حتى صار غنيا. وهكذا يقول ﷺ لأن يأخذ أحدكم حبله وفأسه فيذهب إلى البادية، فيقطع شجرا، ويجمع حطبا، فيحمله على ظهره، وكتفه، فيذهب به إلى السوق فيبيعه فيأكل من ثمنه خير له من أن يتسول ويمد يده إلى الناس طالبا إحسانهم، إن أعطوه كان ذليلا دنيئا، وإن منعوه كان كسيف البال خاسئا حقيرا. -[المباحث العربية]- (والذي نفسي بيده) أي والله الذي بيده نفسي وروحي. وأقسم على الشيء المقطوع بصدقه والتسليم به لتقوية الخبر وتأكيده وتمكينه في نفس السامع. (لأن يأخذ أحدكم حبله) أي وفأسه ليقطع الحطب ويضمه في الحبل و"أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ. (فيحتطب على ظهره) أي فيجمع الحطب من مكان الاحتطاب، فيحمله على ظهره، فيبيعه، فيأكل، ويتصدق. (خير له من يأتي رجلا فيسأله) قيل: إن السؤال لا خير فيه، فأفعل التفضيل على غير بابه، وقيل: قد يكون فيه خير إذا كان لحاجة مشروعة

стр. 369

ولضرورة، وقيل: إنه روعي فيه ما في السائل، فهو في نفسه خير، وإلا ما فعله باختياره، وإن كان شرا في الواقع ونفس الأمر، و"خير" خبر المبتدأ. وإتيان الرجل غير مقصود، فقد يمر الرجل على السائل وإنما القصد خير من سؤال رجل، ولفظ "رجل" ليس قيدا فقد يسأل امرأة، والكلام بني على الكثير والغالب. (أعطاه أو منعه) الجملة صفة لرجل، أي رجلا معطيا أو مانعا. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث: ]- ١ - الحض على التعفف عن المسألة، والتنزه عنها، والتنفير منها وتحقيرها، والمسألة ودوافعها ثلاثة أنواع. النوع الأول مسألة الفقير المحتاج العاجز عن الكسب عجزا لا دخل له فيه، وهذه المسألة مباحة، والمطلوب منه عدم الإلحاح، والرفق في السؤال، وعدم الاستكثار، والأولى له العفة والصبر ما أمكن على الحاجة، فقد مدح الله هذا الصنف بقوله ﴿وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون، للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم.﴾ والخلاف بين الفقهاء في حدود الفقير المحتاج الذي يباح له السؤال، وقد قال الرسول ﷺ في تحديده "ليس المسكين الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه" وقد اتفقوا على أن من استطاع ضربا في الأرض، وكان قادرا على الاكتساب فهو غني، وهو واجد نوعا من الغنى، وقد قال تعالى في وصف الفقراء ﴿لا يستطيعون ضربا في الأرض.﴾

стр. 370

فقال بعضهم: إن الفقير هو من لا يملك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب، واستندوا إلى حديث ضعيف رواه الترمذي من حديث ابن مسعود مرفوعا "من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش. قيل: يا رسول الله. وما يغنيه؟ قال: خمسون درهما أو قيمتها من الذهب". وقال بعضهم: إن الفقير هو من لا يملك قوت يومه، واستندوا إلى حديث رواه أبو داود وصححه ابن حبان عن سهل بن الحنظلية قال: قال رسول الله ﷺ "من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار. فقالوا: يا رسول الله. وما يغنيه؟ قال قدر ما يغذيه ويعشيه". وقال أبو حنيفة: إن الغني من ملك نصابا. وقال الشافعي: قد يكون الرجل غنيا بالدرهم مع الكسب، ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله. النوع الثاني: مسألة الفقير المحتاج القادر على الكسب، وهي المقصودة من الحديث، والأصح عند الشافعية أن سؤال من هذا حاله حرام. وينظر فيمن يعطيه. هل يكون معينا ومساعدا على الحرام؟ أميل إلى هذا إذا تأكد من حاله. وإنما قبح الشارع السؤال، سواء أعطى المسئول السائل أم منعه لما يدخل على السائل من ذل السؤال، وعظم المنة إذا أعطي، ومن ذل السؤال والخيبة والحرمان إذا لم يعط، ولما يدخل على المسئول من الضيق في ماله إذا أعطى، ومن الحرج إذا لم يعط. النوع الثالث: من يسأل ليجمع الكثير من غير احتياج إليه، وهذا النوع حرام باتفاق، وورد فيه وعيد شديد، ففي البخاري "ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة" أي قطعة لحم، وفي مسلم "من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا" وعند الترمذي "ومن سأل الناس ليثري ماله كان خموشا في وجهه يوم القيامة، فمن شاء فليقل، ومن شاء

стр. 371

فليكثر" وعند الطبري "لا يزال العبد يسأل وهو غني حتى يخلق وجهه -أي يبلى -فلا يكون له عند الله وجه". ملحوظة: يمكن أن يدخل في هذا النوع كثير من حاشية السلطان الذين يستكثرون عن طريقه من مال المسلمين دون عمل أو جهد يقابل ما حصلوا عليه وللمسألة تتمة تأتي في الحديث الآتي. ٢ - كما يؤخذ من الحديث الحض على التكسب والسعي على الرزق من أي طريق مشروع، وإنما خص الاحتطاب بالذكر لتيسره وسهولته على عامة الناس في بيئة المخاطبين بالحديث، وله أشباه في البساطة وعدم الحاجة إلى رأس مال في كل بيئة، فذكره كمثل فقط، فلا يستدل بالحديث على شرف مهنة الاحتطاب، كما فهم البعض، إذ غاية ما في الحديث تفضيل الاحتطاب على السؤال، وليس فيه تفضيل الاحتطاب على بقية وسائل المكاسب. وقد تكلم الفقهاء في تفضيل بعض الحرف على بعض، فقال الماوردي: أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصناعة، قال: ومذهب الشافعي أن التجارة أطيب، ثم قال: والأشبه عندي أن الزراعة أطيب، لأنها أقرب إلى التوكل. انتهى. ويمكن أن يضاف لما قال: أنها أنفع للآدمي وغيره، ولأنه لا بد في العادة أن يأكل من الزرع إنسان وحيوان وطير بغير عوض، فيحصل الزارع على أجر وإن لم يشعر. والذي نميل إليه أن الحرف لا تفاضل بينها لذاتها، وإنما تفضل الواحدة الأخرى بمقدار ما يحصل عليه صاحبها من أجر، حتى الذي يقوم بتدريس التفسير والحديث قد لا يفضل غيره إذا داخله عجب أو رياء أو نحو ذلك. ٣ - حرص الإسلام على القوة المادية، وبناء الدنيا، بقدر حرصه على الطاعات والعمل للآخرة.

стр. 372

٣٥ - عن عمر ﵁ يقول: كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء فأقول أعطه من هو أفقر إليه مني فقال: "خذه إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك". -[المعنى العام]- قد يعطي السلطان غنيا علم أنه يصرف ما يعطاه في سبيل الله، فيكون من السلطان إنفاقا في وجوهه المشروعة بواسطة، فتثاب الواسطة والسلطان معا، وكانت هذه وجهة نظر عمر بن الخطاب حينما فرض لأزواج النبي ﷺ لكل واحدة ألفين، وفرض لعائشة عشرة آلاف، فلما سئل عن ذلك أرسل من يتحسس ما تفعل عائشة في عطائها، فرآها وقد فتحت الكيس، وأخذت

стр. 373

تقبض منه وتقول لجاريتها. أعطي هذا فلانة. أعطي هذا بيت فلان. حتى نفد ما في الكيس، فقالت لها جاريتها: ما أبقيت لنا شيئا نشتري به لحما نفطر عليه ونحن صائمتان؟ قالت لها: لو أذكرتني لفعلت. لقد استقى عمر بن الخطاب هذا المبدأ من رسول الله ﷺ ، فقد كان حين يأتيه المال غير الزكاة يعطي منه بعض الأغنياء، فكان إن أعطى عمر بعض المال فقال عمر -تعففا -أعطه من هو أحوج مني إليه يا رسول الله. قال ﷺ : لم أعطكه زكاة لفقرك، ولكن لتتموله وتتصدق منه. فقبله عمر وهو غير مستريح فأراد رسول الله ﷺ أن يزيل ما في صدر عمر، فقال: إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير متطلع إليه، ولم تسأله فخذه حلالا طيبا، وإذا أعطي سواك من هو أغنى منك ولم تعط أنت فلا تغضب، ولا تمكن عينيك إليه، ولا توجه نفسك نحوه ولا تقل في سرك: لماذا لم يعطني؟ ولا ليته أعطاني. -[المباحث العربية]- (كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء فأقول) هذا التعبير يفيد ظاهره التكرار وكأن عمر كان يرد ما يعطاه بعد أن أمره الرسول ﷺ بالأخذ لكن هذا الظاهر غير مراد، فقد أوضحته رواية البخاري في الأحكام، ولفظها "حتى أعطاني مرة مالا فقلت: أعطه من هو أفقر مني فقال: خذه فتموله وتصدق به" فكان عمر يأخذ دون اعتراض، فلما اعترض وأجيب عاد يأخذ من غير اعتراض. (إذا جاءك من هذا المال) أي المال الذي يقسمه الإمام. (وأنت غير مشرف) الإشراف على الشيء التعرض له، والتطلع إليه، والحرص عليه. من قولهم أشرف على كذا إذا تطاول له، وقيل للمكان المرتفع: شرف. لذلك. (وما لا فلا تتبعه نفسك) فعل الشرط محذوف للعلم به من الكلام السابق أي وما لم يأتك فلا تتطلع إليه.

стр. 374

-[فقه الحديث]- قال الطحاوي: ليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام، وليست من جهة الفقر، ولكن من الحقوق. أهـ ونعتقد أن عمر كان يعلم ذلك، لكن عبارته "أعطه من هو أفقر مني" هي التي جعلت الرسول ﷺ يرد عليه، وعمر لم يقصد الفقر الشرعي، وإنما قصد من هو أقل غنى عني. يؤكد أن المال ليس من الصدقات رواية "خذه فتموله فتصدق به" وقد اختلف العلماء في حكم أخذ العطية من السلطان بعد إجماعهم على أن الأمر في "خذه" أمر ندب لا وجوب. فقيل: يندب قبول عطية السلطان بشرط عدم إشراف النفس وعدم السؤال. وقيل: يندب قبول عطية السلطان وغير السلطان بالشرطين المذكورين ورجحه الحافظ ابن حجر، وقيل يحرم قبول عطية السلطان. قال الحافظ ابن حجر تعليقا على هذا الرأي: وهو محمول على ما إذا كانت العطية من السلطان الجائر. قال: وكراهة السلف أخذ عطية السلطان مطلقا جائرا أم غير جائر محمول على الورع. والتحقيق أن من علم كون ماله حلالا فلا ترد عطيته، ومن علم كون ماله حراما تحرم عطيته، ومن شك فيه فالاحتياط رده وهو الورع. اهـ ورخص جماعة في قبول عطية السلطان ولو كان جائرا، وكان ماله من حرام. قال ابن المنذر. واحتج من رخص فيه بأن الله تعالى قال في اليهود ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾ وقد رهن الشارع درعه عند يهودي مع علمه بذلك، وكذلك أخذ الجزية منهم مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخمر والخنزير والمعاملات الفاسدة. أهـ.

стр. 375

والحق مع تحقيق الحافظ ابن حجر، وما ذكره ابن المنذر في المعاملات ذات المقابل، وموضوع النقاش في عطاء بدون مقابل، وشتان بين المسألتين، فلا تقاس هذه على تلك. -[ويؤخذ من الحديث فوق ذلك: ]- ١ - أن للإمام أن يعطي بعض رعيته إذا رأى لذلك وجها. وإن كان غيره أحوج إليه منه. قاله الحافظ ابن حجر، وينبغي أن يضاف إليه: إذا كان الإمام عدلا تقيا. ٢ - أن رد عطية الإمام ليس من الأدب، أي إذا كان كذلك عدلا نقيا. ٣ - أن رد عطية الرسول ﷺ لا تليق مهما كانت المعاذير. والله أعلم. باب أخذ الصدقة عند صرام النخل والصدقة على النبي ﷺ ٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يؤتى بالتمر عند صرام النخل فيجيء هذا بتمره وهذا من تمره حتى يصير عنده كوما من تمر فجعل الحسن والحسين ﵄ يلعبان بذلك التمر

стр. 376

فأخذ أحدهما تمرة فجعلها في فيه فنظر إليه رسول الله ﷺ فأخرجها من فيه فقال: "أما علمت أن آل محمد ﷺ لا يأكلون الصدقة". -[المعنى العام]- لما كانت يد المتصدق هي العليا، وكانت اليد الآخذة هي السفلى حرم على النبي ﷺ وعلى ذرية بني هاشم أن يأخذوا الصدقات، وحرم عليهم أن يأكلوا منها ولهذا كان ﷺ إذا دخل بيتا من بيوته فوجد طعاما أو شرابا سأل من أين؟ فيقال: من بني فلان، فيقول: بأي صفة جاء؟ فإن قيل: صدقة لم يمد يده فيه، وأرسله إلى أهل الصفة أو دعاهم إليه، وإن قيل: هدية أكل أو شرب منه وأرسل إلى أهل الصفة يشاركونه فيه غالبا. وكان المسلمون في موسم قطع ثمار النخيل يرسلون زكاتهم إلى رسول الله ﷺ بالمسجد، فينقلها إلى بيت المال، أو يوزعها في الحال، فتجمع عنده في المسجد يوما كومة كبيرة من التمر. وكان يصحب معه كثيرا أولاد بنتيه فاطمة وزينب، وصادف أن كان معه في هذه الحادثة الحسن والحسين ﵄ -والحسين طفل، والحسن طفل أكبر منه، أخذا يلعبان في كومة التمر وعليها، والرسول ﷺ مشغول عنهما، وبينما هم بالقيام حمل الحسن على كتفه ﷺ ، فسأل لعاب الحسن على رسول الله ﷺ فرفع رأسه إلى الطفل فإذا به يلوك تمرة في فمه، فأدخل ﷺ أصبعه في شدق الحسن وأخرج التمرة وهو يقول له: كخ كخ, ارم ارم, إنا لا نأكل صدقة. إنا لا تحل لنا الصدقة. إن الصدقة لا تحل لأهل محمد. صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. -[المباحث العربية]- (كان .... يؤتى بالتمر) "يؤتى" بالبناء للمجهول، أي يأتيه به أصحاب النخل بأنفسهم أو بعمالهم بصفة زكاة.

стр. 377

(عند صرام النخل) الصرام بكسر الصاد الجداد والقطاف وزنا ومعنى، أي قطع الثمر منه. (فيجيء هذا بتمره) الباء للمصاحبة، أي يجيء مصاحبا لتمره، أي لبعض تمره، مقدار الزكاة منه. (ويجيء هذا من تمره) "من" تبعيضية. (حتى يصير عنده كوما) بفتح الكاف وسكون الواو، معروف، والمراد هنا ما اجتمع من التمر، منصوب خبر "يصير" واسمها ضمير مستتر يعود على التمر، وروي بالرفع على أنه اسم "يصير" وخبرها "عنده". (فأخذ أحدهما تمرة فجعلها في فيه) في رواية للبخاري أن الآخذ الحسن ابن علي، وفيها عن أبي هريرة قال: أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال النبي ﷺ "كخ" بفتح الكاف وكسرها وسكون الخاء، وبكسر الخاء منونة وغير منونة. ست لغات اسم فعل، ومعناه ارتدع "وكخ" الثانية تأكيد للأولى. وفي نسخة "فجعله" أي المأخوذ. (أما علمت؟ ) همزة الاستفهام دخلت على ما النافية، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، ونفي النفي إثبات. أي علمت، أي اعلم. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث: ]- ١ - استدل به البخاري على أن صدقة التمر تؤخذ عند صرام النخل، وفي هذا يقول الله تعالى ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ وذهب البعض إلى أن هذه الكومة لم تكن زكاة واجبة، بل كانت من الصدقة المندوبة، قال الحافظ ابن حجر: وحديث الباب يشعر بأنه غير الزكاة. أهـ. ولعله يشير إلى أن الزكاة كانت تسلم للعاملين عليها, وما يأتي به الناس إلى المسجد صدقة مستحبة. ٢ - واستدل بالحديث على منع محمد ﷺ وآله من الأكل من الصدقة،

стр. 378

وينشأ عن هذا سؤالان: الأول: من المقصودون من آل محمد ﷺ ؟ الثاني: ما المراد من الصدقة وما حكم أكله منها؟ فعن السؤال الأول قال الشافعي: المراد هنا بنو هاشم وبنو المطلب أشركهم النبي ﷺ في سهم ذوي القربى، ولم يعط أحدا من قبائل قريش غيرهم من هذا السهم, وتلك العطية عوض عوضوه بدلا عما حرموه من الصدقة. وعن أبي حنيفة ومالك. هم بنو هاشم فقط، وعن أحمد في بني المطلب روايتان. وعن السؤال الثاني نقل الخطابي الإجماع على أنه كان يحرم على النبي ﷺ صدقة الفرض والتطوع جميعا. لكن حكى غير واحد من الشافعية في التطوع قولان، ولأحمد قول كذلك، ولفظه: لا يحل للنبي ﷺ وآل بيته صدقة الفطر وزكاة الأموال. والصدقة يصرفها الرجل على محتاج يريد بها وجه الله، فأما غير ذلك فلا. أليس يقال: كل معروف صدقة. قال الماوردي: يحرم عليه كل ما كان من الأموال متقوما، وقال غيره: لا تحرم عليه الصدقة العامة، كمياه الآبار وكالمساجد. واختلف: هل كان تحريم الصدقة من خصائصه ﷺ دون الأنبياء؟ أو كلهم في ذلك سواء؟ قولان. قال ابن قدامة. لا نعلم خلافا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة. كذا قال، لكن خلافا حكى، فقد نقل الطبري عن أبي حنيفة أنه يجوز لهم أخذ الصدقة إذا حرموا من سهم ذوي القربى، وهو وجه للشافعية، وحكي عن أبي يوسف أنه يحل من البعض منهم للبعض، لا من غيرهم، وعند المالكية في ذلك أربعة أقوال: الجواز، والمنع، والجواز في صدقة التطوع دون الفرض، والجواز في الفرض دون صدقة التطوع. قال الحافظ ابن حجر: وأدلة المنع ظاهرة من حديث الباب ومن غيره، ولم أر لمن أجاز مطلقا دليلا.

стр. 379

٣ - وفي الحديث دفع الصدقات إلى الإمام. ٤ - والانتفاع بالمسجد في الأمور العامة. ٥ - وجواز إدخال الأطفال المساجد. ٦ - وتأديبهم بما ينفعهم، ومنعهم مما يضرهم، ومن تناول المحرمات، وإن كانوا غير مكلفين ليتدربوا على ذلك. ٧ - وفيه الإعلام بسبب النهي. ٨ - ومخاطبة من لا يميز، لقصد إسماع غيره من المميزين، فإن الحسن كان إذ ذاك طفلا لا يميز. والله أعلم.

стр. 380

باب صدقة الفطر ٣٧ - عن ابن عمر ﵄ قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة". -[المعنى العام]- للمسلمين عيدان، عيد الفطر، وعيد الأضحى، والعيد من شرائعه الفرح والسرور، والتمتع بالمباح من زينة الحياة الدنيا، لبس الجديد، والتوسع في الطعام والشراب، وإدخال البهجة والانشراح على الأطفال والصبية، فإذا ما أضيف إلى ذلك أن الناس لا يعملون ولا يتكسبون أيام العيد غالبا كانت الحكمة تقتضي مواساة الفقراء والمساكين في العيدين مواساة فوق مواساة بقية العام. من هنا شرعت الأضحية في عيد الأضحى، وجعل للفقير حق فيها وشرعت زكاة الفطر في عيد الفطر، وجعلت حقا للفقير، وقد حددها رسول الله ﷺ وقدرها، كما حدد وقدر نصاب الزكاة في الأموال وما يخرج منها. ﴿وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.﴾ قدرها صاعا من القوت، من تمر أو شعير أو غيرهما من الأقوات، وهو ما يعادل "اثنين كيلو ونصف كيلو" تقريبا بالميزان المتعارف عليه في أيامنا، وما يعادل قدحين بالكيل المصري عن المسلم، وعن كل فرد يعوله المسلم، وتجب عليه نفقته صغيرا أو كبيرا، غنيا كان أو يملك قوت يومه.

стр. 381

وبهذه المواساة اليسيرة يتم التكافل الاجتماعي، وتتم الصلة بين أفراد الأمة ويستغني الفقراء عن أجر العمل أيام العيد، ويستغني الفقير عن ذل السؤال ويشارك الأغنياء هو وأولاده بهجتهم، يستطيع أن يبيع الأقوات ويشتري ما يحتاجه ويستطيع أن يشتري آجلا على أساس أنها مضمونة، ويلتقي المسلمون غنيهم وفقيرهم على مائدة البهجة والسرور. -[المباحث العربية]- (فرض رسول الله ﷺ الفرض القطع، فإن استعمل في قطع الطلب، أو جعل الطلب مقطوعا مؤكدا أريد به الوجوب الشرعي، وإن استعمل بمعنى التقدير كفرائض المواريث كان معناه التحديد، والمعنى على الأول أوجب رسول الله ﷺ تبليغا عن ربه زكاة الفطر، والمعنى على الثاني حدد رسول الله ﷺ مقادير زكاة الفطر مبلغا عن ربه. (زكاة الفطر) زاد مسلم "من رمضان" فالمقصود الفطر من صيام رمضان وأضيفت للفطر لكونها تجب بالفطر، وقال ابن قتيبة: المراد صدقة النفوس، مأخوذة من الفطرة التي هي أصل الخلقة. والأول أظهر. ومن أسمائها زكاة رمضان، وزكاة الصوم، وصدقة الرؤوس، وزكاة الأبدان. (صاعا) مفعول ثان لفرض على تضمينه معنى جعل، أو حالا، أو بدلا من "زكاة الفطر". (من تمر) تمييز كيل، مجرور بمن. (على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير) جاءت مزدوجة على التقابل للاستيعاب، لا للتخصيص. (من المسلمين) متعلق بمحذوف حال من (العبد) وما عطف عليه، أي فرض على جميع الناس من المسلمين. (قبل خروج الناس للصلاة) "أل" في الصلاة للعهد، أي لصلاة العيد.

стр. 382

-[فقه الحديث]- يتعرض الحديث لحكم زكاة الفطر, وعلى من تجب؟ ومن أي الأنواع تخرج؟ ومتى تجب؟ وما أفضل أوقات إخراجها؟ وجمهور علماء المسلمين على أن زكاة الفطر فرض، حتى نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك. لكن الحنفية يقولون بوجوبها بناء على قاعدتهم من التفرقة بين الواجب والفرض، وأن الواجب أقل من الفرض. ونقل المالكية عن أشهب أنها سنة مؤكدة وهو قول بعض أهل الظاهر وابن اللبان من الشافعية، وأولوا قوله "فرض" في الحديث، وقالوا: معناها قدر. قال ابن دقيق العيد: هو أصله في اللغة، لكن نقل في عرف الشرع إلى الوجوب، فالحمل عليه أولى. أهـ. قال الحافظ ابن حجر: ويؤيده تسميتها زكاة. وقوله في الحديث "على كل حر وعبد" من ألفاظ الإيجاب، والتصريح بالأمر بها في حديث "أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر" ولدخولها في عموم قوله تعالى ﴿وآتوا الزكاة﴾ وقوله تعالى ﴿قد أفلح من تزكى﴾ وثبت أنها نزلت في زكاة الفطر. والصحيح أن زكاة الفطر فرضت في السنة الثانية من الهجرة في شهر رمضان قبل العيد بيومين. أما على من تجب؟ فقد بدأ الحديث بالعبد، لأنه لا يجب عليه في الشرع ماليات، فنص عليه أولا لتأكيد هذا المعنى، ففي صحيح مسلم "ليس في العيد صدقة إلا صدقة الفطر" وفي رواية له "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر في الرقيق" ومقتضاه أنها على السيد، لكن هل تجب على السيد ابتداء، أو تجب على العبد ثم يتحملها السيد؟ وجهان. وتجب على المرأة بنص الحديث، سواء كان لها زوج أم لا. بهذا قال أبو حنيفة، وقال مالك والشافعي وأحمد: تجب على زوجها إلحاقا بالنفقة، واتفقوا على أن المسلم لا يخرج عن زوجته الكافرة. وتجب على الصغير والكبير، لكن المخاطب بزكاة الصغير وليه، فوجوبها على هذا الصغير، فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته.

стр. 383

هذا قول الجمهور، وفي رأي ضعيف أنها على الأب مطلقا، فإن لم يكن له أب فلا شيء عليه، وفي رأي أضعف لا تجب إلا على من صام. ولا تجب على الجنين وإن كان أحمد يستحب أن يخرج عنه ولا يجب. وتجب على من يملك مقدار الزكاة فاضلا عن قوت يومه وقوت من تلزمه نفقته في ذلك اليوم، فهي على هذا تجب على الفقير للفقير، وعن الحنفية لا تجب إلا على من ملك نصابا، واعتمدوا على حديث "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" وقالوا: الغني هو من ملك نصابا ورد عليهم بأن زكاة الفطر بدنية وليست مالية فلا يعتبر فيها النصاب. أما ما يخرج زكاة فالحديث ينص على التمر والشعير، وأخرج ابن خزيمة عن ابن عمر قال "لم تكن الصدقة على عهد رسول الله ﷺ إلا التمر والزبيب والشعير، ولم تكن الحنطة" وعند مسلم عن أبي سعيد "كنا نخرج من ثلاثة أصناف. صاعا من تمر، أو صاعا من أقط -هو الجبن أو اللبن الجاف المتجمد -أو صاعا من شعير" وعند البخاري عن أبي سعيد قال "كنا نعطيها في زمان رسول الله ﷺ صاعا من طعام أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب، فلما جاء معاوية، وجاءت السمراء -أي الحنطة -قال: أرى مدا من هذا عدل مدين" أي جعل القمح نصف صاع. قيل أراد أبو سعيد بالطعام الذرة فإنه المعروف عند أهل الحجاز. وقد اختلف الفقهاء في مقدار القمح، فالحنفية على أنه يكفي فيه نصف صاع، والشافعية على أنه كغيره صاع، وفي المسألة نقاش طويل نمسك عنه، ونفضل الأخذ بالأحوط دفع الصاع، فإن كان الواجب نصفه كان النصف الآخر تطوعا. وظاهر الحديث أن وقتها قبل خروج الناس إلى صلاة العيد. قالوا: وبعد صلاة الفجر، وحمله الشافعي على الاستحباب، وقال بجواز إخراجها طول يوم العيد، لصدق اليوم على جميع النهار، ووقع في صحيح ابن خزيمة عن أيوب "قلت متى كان ابن عمر يعطي؟ قال: إذا قعد العامل.

стр. 384

قلت: متى يقعد العامل؟ قال: قبل الفطر بيوم أو يومين" وفي رواية الموطأ" قبل الفطر بيومين أو ثلاثة" وأخرجه الشافعي، وقال: هذا حسن، وأنا أستحبه، وعند جمهور الشافعية: يجوز إخراجها من أول شهر رمضان وعند الحنفية: يجوز تقديمها وإخراجها قبل حلول رمضان. والله أعلم.

стр. 385

كتاب الحج باب فضل الحج المبرور ٣٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه". -[المعنى العام]- ما أشبه الحج بالموقف العظيم، إذ يترك الإنسان من أجله أهله ووطنه وولده، ويتحمل في سبيل إجابة أمر الله الصعاب والمشاق، ويتخلص من أعمال الدنيا ويدع الكثير من ملاذها وشهواتها، ويكتفي من لباسها بما يشبه الأكفان، وينشغل عن معاصيها بذكر الله في أيام معلومات. لهذا كان مكفرا للذنب، ولهذا جعله الشارع نافيا للسيئات نفي الكير لخبث الحديد، بشرط أن تراعي آدابه وأن تلاحظ الغاية المقصودة منه، وأن تنقي هذه العبادة السامية من الفحش في القول، ومن كثرة الجدال مع الرفيق والبائع والأجير، فمن حج حجا مبرورا، نقيا مقبولا صار كالطفل المولود في خلوه من الذنوب. -[المباحث العربية]- (من حج) الحج في اللغة القصد، وقال الخليل: هو كثرة القصد إلى معظم، وفي الشرع: القصد إلى البيت الحرام بأعمال مخصوصة، ومفعول "حج" محذوف تقديره كما جاء في رواية أخرى "من حج هذا البيت" وجاء

стр. 386

في رواية "من أتى هذا البيت" وهي تشمل الإتيان للحج أو العمرة. (فلم يرفث) الفاء عاطفة على فعل الشرط، وفاء "يرفث" مثلثة في الماضي والمضارع، من باب نصر، وضرب، وعلم، والأفصح فتحها في الماضي وضمها في المضارع، والرفث يطلق على الجماع، وعلى التعريض به، وعلى الفحش في القول، والجمهور على أن المراد به في الآية الجماع -قال ابن حجر: والذي يظهر أن المراد في الحديث ما هو أعم من ذلك، وإليه نحا القرطبي. (ولم يفسق) أي لم يأت بمعصية، وقال سعيد بن جبير: لم يسب. (رجع) بمنى عاد من حجه، أو بمعنى صار من ذنوبه، وهو جواب الشرط. (كيوم ولدته أمه) "يوم" بالجر على الإعراب، وبالفتح على البناء، وهو المختار، لإضافته إلى مبنى، والجار والمجرور حال على كون "رجع" بمعنى عاد وخبر له على تضمينه معنى صار، أي صار مشابها لنفسه في يوم ولدته أمه في البراءة من الذنب. -[فقه الحديث]- فرض الحج سنة ست من الهجرة على رأي الجمهور، وقيل سنة خمس وقيل: سنة تسع، وشذ من قال: فرض قبل الهجرة -ولما كان قصد البيت قد يكون لغرض آخر غير أداء أعمال الحج خصص هذا الجزاء بمن قصده استجابة لأمر الله، فقال "من حج لله" وفي هذا يقول الرسول ﷺ "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" -وفي الحديث اكتفاء كما قيل: حيث لم يذكر الجدال اعتمادا على ذكره في الآية، أو على أن الجدال الفاحش داخل في عموم الرفث، والجدال الحسن وكذا المستوى الطرفين لا يؤثر في مغفرة ذنب الحاج، وظاهر قوله "كيوم ولدته أمه" يفيد غفران الصغائر والكبائر

стр. 387

والتبعات التي هي حقوق العباد وبهذا الظاهر قيل، ويؤيده ظاهر قوله ﷺ "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". وقوله: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد، وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة" وقال الطبري: إنه محمول على من مات وعجز عن الوفاء، وقال الترمذي: هو مخصوص بالمعاصي -أي بالذنوب -المتعلقة بحقوق الله تعالى خاصة دون العباد، فمن كان عليه صلاة أو كفارة أو نحوهما من حقوق الله لا تسقط عنه، لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنوب تأخيرها، فنفس التأخير يسقط بالحج، لا هي أنفسها. فلو أخرها بعد الحج تجدد إثم آخر، فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق. أهـ. وعليه فالذنوب المتعلقة بحقوق العباد كذنب الغصب والتعدي بالقتل والسب لا يسقطه إلا استرضاء صاحب الحق أو عفو الله. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - الحث على جعل الطاعات خالصة لله. ٢ - فضل الحج على سائر الطاعات. ٣ - الحث على صفاء العبادة من مكدرات الذنوب. ٤ - أن بعض الأعمال تكفر الذنوب.

стр. 388

باب التمتع والقران والإفراد ٣٩ - عن ابن عباس ﵄ قال: "كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفرا ويقولون إذا برا الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله أي الحل قال حل كله". -[المعنى العام]- خرج رسول الله ﷺ بأصحابه عام حجة الوداع ملبيا بالحج، فقدموا مكة صبيحة اليوم الرابع من ذي الحجة، وكان أهل الجاهلية يعتقدون أن العمرة في أشهر الحج من أعظم الذنوب، بل كانوا يضمون المحرم لأشهره بعد أن يستحلوه ويسمونه صفرا، وكانوا يقولون: لا تحل العمرة إلا إذا شفيت جروح الإبل التي حملت الحجيج، وإلا إذا انمحى أثر سيرها على الرمال، وذلك لا يكون إلا بعد انقضاء صفر. فأراد النبي ﷺ أن يحارب هذه العقيدة الفاسدة بالقول والعمل فأمر أصحابه أن يفسخوا الحج إلى العمرة، وأن يأتوا بأفعالها، ثم يتحللوا، ثم يهلوا بالحج، وكبر على الصحابة هذا الفعل، لما رسخ في أذهانهم من تحريم العمرة في أشهر الحج، فطيب الرسول قلوبهم، وتلطف بهم، وقال "افعلوا ما أمرتم، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم" ففعلوا، ثم سألوا عما يحل لهم بعد عمرتهم، فأجابهم ﷺ بأنه يحل لهم كل ما كان محرما عليهم حتى غشيان النساء. -[المباحث العربية]- (يرون) أي يعتقدون، والضمير لأهل الجاهلية. (أن العمرة) في الكلام مضاف محذوف، والتقدير أن فعل العمرة.

стр. 389

(من أفجر الفجور) هو من باب أكذب الكذب، والقصد منه المبالغة في المعنى، حيث جعل الفجور كأنه يفجر، والمعنى أن ذلك من أعظم الذنوب والفجور الانبعاث في المعاصي. (ويجعلون المحرم صفرا) أي يسمون المحرم صفر، وصفر في جميع الأصول من الصحيحين بدون ألف، على المشهور من لغة ربيعة، التي تكتب المنصوب بغير ألف، كصورة المرفوع. ومع هذا لا بد من قراءته منصوبا منونا، لأنه مصروف بلا خلاف. قاله النووي والقاضي عياض. (ويقولون) جملتا "يجعلون" و"يقولون" معطوفتان على "يرون". (إذا برأ الدبر) برأ بالهمزة وبدونها، ومعناه صح وشفي، والدبر بفتح الدال المشددة، والباء المفتوحة الجرح، وال فيه للعهد، أي إذا شفي جرح ظهور الإبل الحادث من عناء الحمل في الحج. (وعفا الأثر) أل في الأثر للعهد، والمعنى ذهب وانمحى أثر سير الإبل من الطريق بعد رجوعهم من الحج بسبب الأمطار أو طول الأيام مع الهواء ويحتمل أن يكون المراد من الأثر أثر هذه الجروح، وفي رواية "وعفا الوبر" ومعناه وكثر وبر الإبل الذي نحلته الرحال في الحج، وهذه الألفاظ الأربعة الدبر. والأثر. صفر. اعتمر -تقرأ بتسكين الراء لإرادة السجع. (حلت العمرة لمن اعتمر) أي صار الإحرام بالعمرة لمن أراد أن يحرم بها جائزا، ففي لفظ "اعتمر" مجاز مرسل. (صبيحة رابعة) أي صبيحة ليلة رابعة من ذي الحجة. (مهلين بالحج) نصب على الحالية، والمعنى محرمين ملبين به. وفي رواية "وهم يلبون بالحج". (أن يجعلوها) الضمير المنصوب للحجة التي أهلوا بها. (فتعاظم ذلك عندهم) أي كبر على الصحابة الاعتمار في أشهر الحج. (أي الحل) "أي" اسم استفهام، منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل

стр. 390

محذوف، تقديره: نحل أي الحل؟ وفي رواية "أي الحل نحل" فأي مفعول مطلق مقدم للفعل المذكور. -[فقه الحديث]- روي عن ابن عباس قال: والله ما أعمر رسول الله ﷺ عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر الشرك، فإن هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون .... إلخ. فقد عينت لنا هذه الرواية الذين قالوا، وإنما جعلوا العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور لتعظيم أشهر الحج، فمنعوا أن يوقعوا فيها أي عمل يشبهه، وهذه المبالغة من مبتدعاتهم الباطلة التي لا أصل لها -وكانوا يفرون من توالي ثلاثة أشهر محرمة، القعدة والحجة والمحرم، فيضيق عليهم ما اعتادوه من إغارة بعضهم على بعض، فكانوا يسمون المحرم صفرا ويحلونه. ويؤخرون تحريم المحرم إما إلى صفر الحقيقي، وإما إلى شهر آخر غير معين، وهذا الذي ضللهم الله به في قوله تعالى: ﴿إنما النسيء﴾ -تأخير حرمه شهر إلى شهر آخر، أو الزيادة في الشهور والأيام- ﴿زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما﴾ الآية- ومرادهم من صفر في قولهم: "وانسلخ صفر" الشهر الذي سمي صفرا وحقيقته المحرم- ولما كانوا لا يستقرون ببلادهم في الغالب، ولا يبرأ وبر إبلهم إلا عند انسلاخه ألحقوه بأشهر الحج على طريق التبعية، وجعلوا أول أشهر الاعتمار الشهر الذي هو في الأصل صفر، وقد تسبب عن اعتقادهم الفاسد وقولهم الخطأ أن أمر النبي ﷺ بفسخ الحج وجعله عمرة في أشهره، لإبطال مدعاهم. ولذا جاء في بعض الروايات "فقدم" بإثبات فاء الترتيب وهو الوجه الصحيح كما يقول ابن حجر، ولا يلزم من كونهم مهلين بالحج ألا يكونوا قارنين، فلا وجه لمن يستدل بالحديث على أن النبي ﷺ كان مفردا، أو على تفضيل الإفراد. وقد أجمعوا على أن أول أشهر الحج شوال، وهي ثلاثة بكمالها عند مالك وأحمد، وشهران وعشر ذي الحجة بدخول يوم النحر عند أبي حنيفة،
следующие страницы →