Полный текст (1 103 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
في رواية "من أتى هذا البيت" وهي تشمل الإتيان للحج أو العمرة.
(فلم يرفث) الفاء عاطفة على فعل الشرط، وفاء "يرفث" مثلثة في الماضي والمضارع، من باب نصر، وضرب، وعلم، والأفصح فتحها في الماضي وضمها في المضارع، والرفث يطلق على الجماع، وعلى التعريض به، وعلى الفحش في القول، والجمهور على أن المراد به في الآية الجماع -قال ابن حجر: والذي يظهر أن المراد في الحديث ما هو أعم من ذلك، وإليه نحا القرطبي.
(ولم يفسق) أي لم يأت بمعصية، وقال سعيد بن جبير: لم يسب.
(رجع) بمنى عاد من حجه، أو بمعنى صار من ذنوبه، وهو جواب الشرط.
(كيوم ولدته أمه) "يوم" بالجر على الإعراب، وبالفتح على البناء، وهو المختار، لإضافته إلى مبنى، والجار والمجرور حال على كون "رجع" بمعنى عاد وخبر له على تضمينه معنى صار، أي صار مشابها لنفسه في يوم ولدته أمه في البراءة من الذنب.
-[فقه الحديث]-
فرض الحج سنة ست من الهجرة على رأي الجمهور، وقيل سنة خمس وقيل: سنة تسع، وشذ من قال: فرض قبل الهجرة -ولما كان قصد البيت قد يكون لغرض آخر غير أداء أعمال الحج خصص هذا الجزاء بمن قصده استجابة لأمر الله، فقال "من حج لله" وفي هذا يقول الرسول ﷺ "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" -وفي الحديث اكتفاء كما قيل: حيث لم يذكر الجدال اعتمادا على ذكره في الآية، أو على أن الجدال الفاحش داخل في عموم الرفث، والجدال الحسن وكذا المستوى الطرفين لا يؤثر في مغفرة ذنب الحاج، وظاهر قوله "كيوم ولدته أمه" يفيد غفران الصغائر والكبائر
стр. 387
والتبعات التي هي حقوق العباد وبهذا الظاهر قيل، ويؤيده ظاهر قوله ﷺ "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". وقوله: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد، وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة" وقال الطبري: إنه محمول على من مات وعجز عن الوفاء، وقال الترمذي: هو مخصوص بالمعاصي -أي بالذنوب -المتعلقة بحقوق الله تعالى خاصة دون العباد، فمن كان عليه صلاة أو كفارة أو نحوهما من حقوق الله لا تسقط عنه، لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنوب تأخيرها، فنفس التأخير يسقط بالحج، لا هي أنفسها. فلو أخرها بعد الحج تجدد إثم آخر، فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق. أهـ. وعليه فالذنوب المتعلقة بحقوق العباد كذنب الغصب والتعدي بالقتل والسب لا يسقطه إلا استرضاء صاحب الحق أو عفو الله.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - الحث على جعل الطاعات خالصة لله.
٢ - فضل الحج على سائر الطاعات.
٣ - الحث على صفاء العبادة من مكدرات الذنوب.
٤ - أن بعض الأعمال تكفر الذنوب.
стр. 388
باب التمتع والقران والإفراد
٣٩ - عن ابن عباس ﵄ قال: "كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفرا ويقولون إذا برا الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله أي الحل قال حل كله".
-[المعنى العام]-
خرج رسول الله ﷺ بأصحابه عام حجة الوداع ملبيا بالحج، فقدموا مكة صبيحة اليوم الرابع من ذي الحجة، وكان أهل الجاهلية يعتقدون أن العمرة في أشهر الحج من أعظم الذنوب، بل كانوا يضمون المحرم لأشهره بعد أن يستحلوه ويسمونه صفرا، وكانوا يقولون: لا تحل العمرة إلا إذا شفيت جروح الإبل التي حملت الحجيج، وإلا إذا انمحى أثر سيرها على الرمال، وذلك لا يكون إلا بعد انقضاء صفر. فأراد النبي ﷺ أن يحارب هذه العقيدة الفاسدة بالقول والعمل فأمر أصحابه أن يفسخوا الحج إلى العمرة، وأن يأتوا بأفعالها، ثم يتحللوا، ثم يهلوا بالحج، وكبر على الصحابة هذا الفعل، لما رسخ في أذهانهم من تحريم العمرة في أشهر الحج، فطيب الرسول قلوبهم، وتلطف بهم، وقال "افعلوا ما أمرتم، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم" ففعلوا، ثم سألوا عما يحل لهم بعد عمرتهم، فأجابهم ﷺ بأنه يحل لهم كل ما كان محرما عليهم حتى غشيان النساء.
-[المباحث العربية]-
(يرون) أي يعتقدون، والضمير لأهل الجاهلية.
(أن العمرة) في الكلام مضاف محذوف، والتقدير أن فعل العمرة.
стр. 389
(من أفجر الفجور) هو من باب أكذب الكذب، والقصد منه المبالغة في المعنى، حيث جعل الفجور كأنه يفجر، والمعنى أن ذلك من أعظم الذنوب والفجور الانبعاث في المعاصي.
(ويجعلون المحرم صفرا) أي يسمون المحرم صفر، وصفر في جميع الأصول من الصحيحين بدون ألف، على المشهور من لغة ربيعة، التي تكتب المنصوب بغير ألف، كصورة المرفوع. ومع هذا لا بد من قراءته منصوبا منونا، لأنه مصروف بلا خلاف. قاله النووي والقاضي عياض.
(ويقولون) جملتا "يجعلون" و"يقولون" معطوفتان على "يرون".
(إذا برأ الدبر) برأ بالهمزة وبدونها، ومعناه صح وشفي، والدبر بفتح الدال المشددة، والباء المفتوحة الجرح، وال فيه للعهد، أي إذا شفي جرح ظهور الإبل الحادث من عناء الحمل في الحج.
(وعفا الأثر) أل في الأثر للعهد، والمعنى ذهب وانمحى أثر سير الإبل من الطريق بعد رجوعهم من الحج بسبب الأمطار أو طول الأيام مع الهواء ويحتمل أن يكون المراد من الأثر أثر هذه الجروح، وفي رواية "وعفا الوبر" ومعناه وكثر وبر الإبل الذي نحلته الرحال في الحج، وهذه الألفاظ الأربعة الدبر. والأثر. صفر. اعتمر -تقرأ بتسكين الراء لإرادة السجع.
(حلت العمرة لمن اعتمر) أي صار الإحرام بالعمرة لمن أراد أن يحرم بها جائزا، ففي لفظ "اعتمر" مجاز مرسل.
(صبيحة رابعة) أي صبيحة ليلة رابعة من ذي الحجة.
(مهلين بالحج) نصب على الحالية، والمعنى محرمين ملبين به. وفي رواية "وهم يلبون بالحج".
(أن يجعلوها) الضمير المنصوب للحجة التي أهلوا بها.
(فتعاظم ذلك عندهم) أي كبر على الصحابة الاعتمار في أشهر الحج.
(أي الحل) "أي" اسم استفهام، منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل
стр. 390
محذوف، تقديره: نحل أي الحل؟ وفي رواية "أي الحل نحل" فأي مفعول مطلق مقدم للفعل المذكور.
-[فقه الحديث]-
روي عن ابن عباس قال: والله ما أعمر رسول الله ﷺ عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر الشرك، فإن هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون .... إلخ. فقد عينت لنا هذه الرواية الذين قالوا، وإنما جعلوا العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور لتعظيم أشهر الحج، فمنعوا أن يوقعوا فيها أي عمل يشبهه، وهذه المبالغة من مبتدعاتهم الباطلة التي لا أصل لها -وكانوا يفرون من توالي ثلاثة أشهر محرمة، القعدة والحجة والمحرم، فيضيق عليهم ما اعتادوه من إغارة بعضهم على بعض، فكانوا يسمون المحرم صفرا ويحلونه. ويؤخرون تحريم المحرم إما إلى صفر الحقيقي، وإما إلى شهر آخر غير معين، وهذا الذي ضللهم الله به في قوله تعالى: ﴿إنما النسيء﴾ -تأخير حرمه شهر إلى شهر آخر، أو الزيادة في الشهور والأيام- ﴿زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما﴾ الآية- ومرادهم من صفر في قولهم: "وانسلخ صفر" الشهر الذي سمي صفرا وحقيقته المحرم- ولما كانوا لا يستقرون ببلادهم في الغالب، ولا يبرأ وبر إبلهم إلا عند انسلاخه ألحقوه بأشهر الحج على طريق التبعية، وجعلوا أول أشهر الاعتمار الشهر الذي هو في الأصل صفر، وقد تسبب عن اعتقادهم الفاسد وقولهم الخطأ أن أمر النبي ﷺ بفسخ الحج وجعله عمرة في أشهره، لإبطال مدعاهم. ولذا جاء في بعض الروايات "فقدم" بإثبات فاء الترتيب وهو الوجه الصحيح كما يقول ابن حجر، ولا يلزم من كونهم مهلين بالحج ألا يكونوا قارنين، فلا وجه لمن يستدل بالحديث على أن النبي ﷺ كان مفردا، أو على تفضيل الإفراد.
وقد أجمعوا على أن أول أشهر الحج شوال، وهي ثلاثة بكمالها عند مالك وأحمد، وشهران وعشر ذي الحجة بدخول يوم النحر عند أبي حنيفة،
стр. 391
ولا يدخل يوم النحر عند الشافعي على المشهور، والإهلال بالعمرة في أشهر الحج، ثم التحلل من تلك العمرة والإهلال بالحج في نفس السنة هو المسمى بالتمتع، والذي قال الله فيه ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ وفي تفضيله على أخويه أو تفضيل أحدهما عليه خلاف بين الفقهاء، وأما فسخ الحج إلى العمرة فقد نقل القاضي عياض عن جمهور الأئمة أنه كان خاصا بالصحابة في تلك السنة لإبطال اعتقاد الجاهلية، وليرد الرسول بذلك ردا عمليا على الذين يمنعون العمرة في أشهر الحج، وإنما كبر ذلك على الصحابة لمخالفته ما علق بأذهانهم ما ابتدعه لهم أسلافهم، من اعتقاد أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وقوله "أي الحل" مرتب على محذوف تقديره فتعاظم ذلك عندهم ثم اقتنعوا فجعلوا حجهم عمرة، فأتوا بأفعالها فأرادوا التحلل منها فقالوا: أي الحل؟ وهذا القول يشعر بأنهم كانوا يعلمون أن للحج تحللين، تحللا أصغر، وتحللا أكبر، وإنما سألوا عن أي التحللين مع أنهم معتمرون والعمرة ليس لها إلا تحلل واحد إما لأنهم كانوا محرمين بالحج أو لا فظنوه منسحبا، وإما لأنهم ظنوا أن العمرة كالحج لها تحللان.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - جواز الاعتمار في أشهر الحج.
٢ - جواز التمتع.
٣ - محاربة الاعتقادات الفاسدة بالقول والعمل.
٤ - منع التلاعب بالشهور وبأسمائها، لأنه عد من أعمالهم الخاطئة.
стр. 392
٤٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه حج مع النبي ﷺ يوم ساق البدن معه وقد أهلوا بالحج مفردا فقال لهم: "أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة وقصروا ثم أقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة" فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ فقال: "افعلوا ما أمرتكم فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله ففعلوا".
-[المعنى العام]-
يتحدث جابر عن حجة الوداع، وأن الرسول ﷺ ساق معه الهدي،
стр. 393
وأهل الصحابة بالحج مفردا، فأمر الرسول ﷺ أصحابه بأن يتحللوا من إحرامهم بالحج بعمل عمرة، فيطوفوا بالبيت، ويسعوا بين الصفا والمروة، ويقصروا، فإذا جاء اليوم الثامن من ذي الحجة أحرموا بالحج من مكة، ولما تعجب الصحابة من هذا الأمر قال لهم ﷺ لولا أني سقت الهدي لفعلت الذي أمرتكم به، أما وقد ساق الهدي فلا يتحلل حتى يذبح الهدي في محله، فطابت نفوسهم ورسخت عقيدتهم، وفعلوا ما أمروا به.
-[المباحث العربية]-
(أنه حج) أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر نائب فاعل فعل محذوف تقديره، روي عن جابر حجه مع النبي ﷺ .
(البدن) بضم الباء، وسكون الدال وضمها، جمع بدنه، وهي الناقة.
(وقد أهلوا بالحج مفردا) "مفردا" بفتح الراء حال من "الحج" والجملة حال أيضا.
(وبين الصفا والمروة) الظرف متعلق بمحذوف تقديره، وبالسعي بين الصفا والمروة.
(أقيموا حلالا) نصب على الحال، بمعنى محلين.
(إذا كان يوم التروية) "كان" تامة، ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي بذلك لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء، ويتزودون منه ليوم عرفة وما بعده.
(فأهلوا بالحج) بكسر الهاء، أي فأحرموا بالحج من مكة.
(واجعلوا التي قدمتم بها متعة) أي اجعلوا الحجة المفردة التي أهللتم بها عمرة، وقد أطلق على العمرة متعة مجازا مرسلا، لأن المتعة هي الإتيان بالعمرة ثم بالحج، والمراد هنا العمرة فقط.
(كيف نجعلها) كيف اسم استفهام في محل نصب على الحال والاستفهام للتعجب.
стр. 394
(ما أمرتكم) "ما" موصولة، والعائد محذوف، تقديره: ما أمرتكم به.
(لا يحل مني حرام) بكسر حاء "يحل" والمعنى: لا يحل شيء مني حرم علي، ورواية مسلم "لا يحل مني حراما" بالنصب على المفعولية، لكن بضم ياء "يحل" وكسر حائها، وفاعلها محذوف، تقديره: لا يحل طول المكث مني شيئا حراما.
-[فقه الحديث]-
موضوع حديث جابر هذا هو موضوع الحديث السابق، غير أنه نص فيه على أن الإهلال كان بالحج مفردا، وهذا النص يتعارض مع رواية عروة عن عائشة "فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج" وقد ضعف بعض المحدثين رواية عائشة، واعتمدوا رواية جابر، وجمع بعضهم بأن رواية جابر "أهلوا" ليس فيها نص على إجماعهم على الإفراد، فيحتمل أن كلامه عن البعض الذي كان حوله، قال النووي: والصواب الذي نعتقده أن النبي ﷺ كان قارنا، لأنه لم يؤثر أنه ﷺ اعتمر في تلك السنة بعد الحج، ولا شك أن القران أفضل من الإفراد الذي لا يعتمر في سنته، وإنما أمرهم ﷺ بالتقصير دون الحلق لأنهم كانوا سيهلون بعد قليل بالحج، فأخر الحلق ليتوفر الشعر، لأن بين دخولهم وبين يوم التروية أربعة أيام فقط.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - سؤال المتعلم وتعجبه إذا لقي أمرا غريبا عليه.
٢ - ما كان عليه ﷺ من تطييب قلوب أصحابه وتلطفه وحلمه عليهم.
٣ - فيه دليل للقائل بأن من اعتمر فساق هديا لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر.
стр. 395
باب ما ذكر في الحجر الأسود
٤١ - عن عمر ﵁ أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك.
-[المعنى العام]-
مقاصد سامية يرمي إليها عمر بن الخطاب بتقبيله الحجر الأسود، وقوله: والله إني لأعلم وأعتقد أنك حجر، ومن شأن الأحجار أنها لا تضر ممتنعا عنها، ولا تنفع مقبلا لها، وما أقدمني على تقبيلك إلا الاقتداء بالرسول ﷺ في فعله، يعود المسلمين على التسليم الحسن للشارع في أمور الدين، وأن العلم بها حجة على من بلغته وإن لم يقف على عللها، وينفي ضرره ونفعه ليحمي العقيدة الإسلامية من أن شوبها زيغ أو إشراك بسبب التقبيل، وينفي الشبهة عن المسلمين بإثبات علمهم بحقائق الأمور، حتى لا يرميهم المشركون بسوء الفهم وقلة الإدراك، فجزاه الله عن أمة الإسلام خير الجزاء.
стр. 396
-[المباحث العربية]-
(لا تضر ولا تنفع) الجملة في محل رفع صفة لحجر.
(يقبلك) الجملة في محل النصب على الحال.
-[فقه الحديث]-
يقال إن إبراهيم ﵇ لما بنى القواعد وبلغ مكان الركن قال: يا إسماعيل اطلب لي حجرا حسنا أضعه هنا فجاءه بهذا الحجر، الذي يختلف في لونه عن بقية الأحجار، فهو أسود مائل إلى الحمرة، ويختلف كذلك في خاصيته من الصلابة والنعومة، فقد قاوم الأجيال الطويلة عوامل الطبيعة، وقاوم احتكاك ملايين الأيدي وتمسحها، وقاوم الحريق، وقاوم المنجنيق، وقاوم تعدد الهدم والبناء، ولو كان حديدا لفنى مع هذه العوامل، وقد حافظ عليه بناة الكعبة جميعا، بل حافظوا على وضعه في المكان الذي وضعه فيه إبراهيم ﵇، وفي زاوية الكعبة من جهة الشرق على ارتفاع ذراعين وثلثي ذراع من الأرض، وعظموه تعظيما خاصا، حتى كادوا يقتتلون على وضعه لولا حكمة الرسول ﷺ وبسطه لردائه وحمل كل قبيلة له من طرف، وسواء كان هذا التعظيم لما ورد فيه من الأحاديث التي قالها عنها المحدثون: إنها لا تخلو من ضعف، أو كان للتعبد فهو تعظيم شرعي بلا خلاف.
ولما كان الناس حديثا عهدهم بعبادة الأصنام خشي عمر ﵁ أن يظن الجهال أن استلامه وتقبيله من باب تعظيم الأحجار، كالذي كانت تفعله العرب، فأراد أن يعلمهم أن استلامه وتقبيله لا يقصد به إلا تعظيم الله والوقوف عند أمر نبيه، وأن ذلك من شعائر الحج التي أمر الله بتعظيمها، وأن استلامه وتقبيله مخالف لفعل الجاهلية في عبادتهم للأصنام، لأنهم كانوا يعتقدون فيها الضر والنفع، أراد عمر ذلك فجاءه في موسم الحج ليبلغ قوله أكبر عدد ممكن من المسلمين، فقبله، فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع والظاهر أنه خاطب الحجر بهذا وهو جماد لا
стр. 397
يخاطب ليسمع الحاضرين، فيشيع هذا في الموسم، فيشتهر في البلدان، ويحفظه من تأخر في الأقطار، ومراده بهذه العبارة أنه لا يضر ولا ينفع بذاته، فلا يمنع من أن المقبل والمستلم ينتفع بالثواب من حيث كونه ممتثلا لأوامر الشرع. قال الحافظ ابن حجر. وإنما شرع تقبيله اختبارا وابتلاء، ليعلم بالمشاهدة طاعة من يطيع، وذلك شبيه بقصة إبليس حيث أمر بالسجود لآدم. يقول عمر: (لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) ومعناه لولا الاقتداء لم يحصل مني تقبيل لك، فكأنه خرج من بين الأحجار باعتبار تقبيله ﷺ فصار جنسا آخر، لأنهم قد ينزلون نوعا من أنواع الجنس بمنزلة جنس آخر، باعتبار اتصافه بصفة خاصة به، لأن تغاير الصفات بمنزلة تغاير الذوات، والسنة أن يستلمه الزائر فيمسحه ويقبله بفمه من غير صوت، فقد كان الرسول يضع شفتيه عليه طويلا ولا يسمع له صوت.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - أن تقبيل الحجر الأسود سنة.
٢ - اتباع النبي ﷺ فيما يفعله ولو لم تعلم الحكمة فيه.
٣ - دفع ما وقع لبعض الجهال من أن في الحجر الأسود خاصية ترجع إلى ذاته.
٤ - بيان السنن بالقول والفعل.
٥ - أن الإمام إذا خشي من فعله فساد اعتقاد بادر ببيان الأمر وتوضيح الحكم.
٦ - منع تقبيل ما لم يرد الشارع بتقبيله من الأحجار وغيرها، فلا يجوز تقبيل الأعتاب والأبواب وما يوضع على القبور من الأستار.
стр. 398
باب سقاية الحاج
٤٢ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ جاء إلى السقاية فاستسقى فقال العباس: يا فضل اذهب إلى أمك فأت رسول الله ﷺ بشراب من عندها فقال: "اسقني" قال: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه قال: "اسقني" فشرب منه ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها فقال: "اعملوا فإنكم على عمل صالح ثم قال لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه -يعني عاتقه -وأشار إلى عاتقه.
-[المعنى العام]-
تواضع محمود، وتشريع سام أن يشرب الرسول الكريم مما تحركت فيه أيدي الناس، ومن الدلو الذي يشرب منه الناس، وأن يصر على ذلك أمام عروض التكريم، جاء ﷺ إلى سقاية الحاج وعليها العباس فقال: اسقني: قال العباس لابنه: اذهب يا فضل إلى البيت فأت رسول الله بشراب أطيب من هذا، فقال النبي الكريم: لا تفعل.
اسقني من هذا، قال: يا رسول الله، إن الناس يجعلون أيديهم فيه، أفلا نسقيك من بيوتنا؟ قال: لا، ولكن اسقني مما يشرب الناس، ونزل العباس على رغبة الرسول ﷺ وناوله الدلو فشرب، ثم أتى زمزم وبنو عبد المطلب يخرجون ماءها ويسقون الناس فشجعهم وامتدحهم بقوله: اعملوا وجدوا، فإنكم على عمل صالح، ولولا خشيتي من تزاحم الناس عليكم ليقتدوا بي لنزلت عن دابتي وعملت معكم،
стр. 399
ولحملت الحبل على عاتقي كما تحملون ولسقيت الناس بيدي كما تسقون.
-[المباحث العربية]-
(السقاية) بكسر السين تطلق على ما بيني للماء من الأحواض، وتطلق على إناء الشراب، ومنه قوله تعالى: ﴿جعل السقاية في رحل أخيه﴾ وهي الصواع الذي كان الملك يشرب فيه، وتطلق بمعنى المصدر الذي هو السقي، ومنه قوله تعالى: ﴿أجعلتم سقاية الحاج ... ﴾ والسقاية المرادة هنا هي سقاية الحاج وكانت حياضا من أدم- جلد مدبوغ -في فناء الكعبة. كان عبد مناف يحمل الماء في القرب إلى مكة ويسكبه فيها ليشرب الحجاج، ثم فعل ذلك ابنه هاشم من بعده ثم عبد المطلب، فلما حفر زمزم كان يشتري الزبيب فينبذه في ماء زمزم ويسقي الناس، ثم ولي السقاية من بعده ولده العباس، وهو يومئذ من أحدث إخوته سنا فلم تزل بيده حتى قام الإسلام، فأقرها رسول الله ﷺ ، فلما مات العباس أراد على أن يأخذها من عبد الله ابنه فقال طلحة: أشهد لقد رأيت أباه يقوم عليها وإن أباك أبا طالب لنازل في إبله بالأراك بعرفة. فكف علي عن السقاية، فهي اليوم لبني العباس.
(فاستسقى) لسين والتاء للطلب، أي طلب الشراب.
(يا فضل. اذهب إلى أمك) الفضل بن العباس شقيق عبد الله، وأمه لبابة بنت الحارث الهلالية. (زمزم) بفتح الزايين وسكون الميم بينهما، وهي العين التي نبعت بركضة جبريل تكريما لإسماعيل ﵇، سميت بذلك لأنها زمت بالتراب لئلا يأخذ الماء يمينا وشمالا، ولو تركت لساحت على وجه الأرض، وقيل سميت بذلك لكثرة مائها، يقال: ماء زمزوم وزمزام أي كثير، قال ابن هشام. الزمزمة عند العرب الكثرة والاجتماع. ثم دفنتها جرهم عند نفيهم من مكة، فاندرس موضعها، فمنحها الله عبد المطلب، فحفرها بعد أن بينها الله له في المنام بعلامات ولم تزل ظاهرة إلى الآن.
стр. 400
(وهم يسقون) مفعوله محذوف، تقديره، يسقون الناس، والضمير المرفوع لبني عبد المطلب، كما جاء في رواية جابر "أتى النبي ﷺ بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم، فقال: انزعوا بني عبد المطلب .... " الحديث وجملة "وهم يسقون" حال.
(ويعملون فيها) أي ينزحون الماء منها.
(لولا أن تغلبوا) بالبناء للمجهول، أي لولا أن يغلبكم الناس على هذا العمل إذا رأوني قد عملته لرغبتهم في الاقتداء بي فيغلبوكم بالمكاثرة لنزلت عن راحلتي وشاركتكم، وكأن الرسول ﷺ أراد قصر السقاية عليهم، وألا يشاركوا فيها.
-[فقه الحديث]-
كرر الرسول ﷺ طلب الشرب وكرر العباس الاعتذار. كرر الرسول طلب الشرب رغبة منه في مشاركة الناس شرابهم تواضعا منه ﷺ ، وتطييبا لنفوسهم وترغيبا لهم فيه، وكرر العباس الاعتذار ترفعا بالنبي الكريم عن أن يشرب مما لاقته أيدي الناس، فقد روي عن عكرمة أن العباس قال للرسول ﷺ : إن هذا قد مرث -أي حرك باليد حتى تفتت الزبيب وتفرق في الماء: أفلا أسقيك من بيوتنا؟ قال الرسول ﷺ : لا، ولكن اسقني مما يشرب الناس، فناوله العباس الدلو، فذاقه فقطب لحموضته، ثم دعا بماء فكسره، ثم شرب، ثم قال: "إذا اشتد نبيذكم فاكسروه بالماء" وعلى هذا فلا تعارض بين قوله هنا "فشرب" وما ورد في رواية أخرى "فقطب بعد أن ذاقه ثم مجه" وقد روي في فضل ماء زمزم أحاديث كثيرة، ففي مسلم "ماء زمزم طعام طعم" زاد الطيالسي "وشفاء سقم" وفي المستدرك "ماء زمزم لما شرب له" وروى البيهقي "آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم".
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - أن سقاية الحاج خاصة ببني العباس.
стр. 401
٢ - وأن السقايات العامة كالآبار والصهاريج يتناول منها الغني والفقير، لأن الرسول ﷺ شرب منها، ولا تحل له الصدقات، فهي للغني هدية وللفقير صدقة.
٣ - وأنه لا يكره طلب السقي من الغير.
٤ - ولا يكره رد ما يعرض على المرء من الإكرام إذا عارضه مصلحة أولى منه.
٥ - وفيه الترغيب في سقي الماء خصوصا ماء زمزم.
٦ - وتواضع النبي ﷺ .
٧ - وحرص أصحابه على الاقتداء به.
٨ - وكراهة التقذر والتكره للمأكولات والمشروبات.
٩ - وأن الأصل في الأشياء الطهارة لتناوله ﷺ من الشراب الذي غمست فيه الأيدي.
стр. 402
كتاب العمرة وفضلها
٤٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
-[المعنى العام]-
يرغب الرسول ﷺ في الإكثار من الاعتمار بأن كل عمرة تكفر الذنوب الواقعة بينها وبين سابقتها كما يرغب في الحج المبرور الذي يخلص لوجه الله فيخبر بأن جزاءه الجنة، وأعظم به من جزاء لعمل ميسور خصوصا في هذه الأزمان التي كثر فيها المال، وتوفرت فيها وسائل الانتقال.
-[المباحث العربية]-
(العمرة) في اللغة: الزيارة. يقال: اعتمر فهو معتمر، أي زار وقصد، وقيل: إنها مشتقة من عمرة المسجد الحرام بالناس، وفي الشرع: زيارة البيت الحرام بشروط مخصوصة.
(إلى العمرة) إلى بمعنى "مع" قاله ابن التين، كما في قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ وقوله ﴿من أنصاري إلى الله).﴾
(ليس له جزاء إلا الجنة) بنصب الجنة على الاستثناء، وبرفعه على البدلية من جزاء، لأن الكلام تام منفي.
стр. 403
-[فقه الحديث]-
قال الشافعي العمرة سنة، لا نعلم أحدا رخص في تركها: وعن أحمد أنها واجبة استدلالا بقوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ أي أقيموها، والأمر للوجوب، وبما روي "الحج والعمرة فريضتان". وبما جاء في حديث سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام، إذ وقع فيه "وأن تحج وتعتمر" وكان ابن عباس يقول: والله إنها لقرينتها في كتاب الله، والمشهور عن المالكية أن العمرة تطوع وهو قول الحنفية، احتجاجا بما رواه الترمذي من حديث جابر "أن النبي ﷺ سئل عن العمرة، أواجبة هي؟ قال: لا وأن تعتمروا أفضل" وبما رواه ابن ماجه" الحج جهاد، والعمرة تطوع" ويقولون في الآية: إنها تعرضت لإكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما، على أن شعبة قرأ "والعمرة لله" برفع العمرة -قال ابن عبد البر: والمراد من الحديث تكفير الصغائر دون الكبائر، وذهب بعض العلماء إلى التعميم "راجع الحديث ٣٨" وعلى القول بتكفير الصغائر فقط فهناك إشكال بأنها مكفرة باجتناب الكبائر بنص القرآن، ورفع بأن تكفير العمرة مقيد بزمنها وتكفير الاجتناب عام لجميع عمر العبد، فتغايرا من هذه الحيثية، وظاهر الحديث أن العمرة الأولى هي المكفرة لأنها هي التي وقع الخبر عنها أنها تكفر، ولكن الظاهر من حيث المعنى أن العمرة الثانية هي التي تكفر ما قبلها إلى العمرة السابقة فإن التكفير قبل وقوع الذنب خلاف الظاهر. والتحقيق أن التكفير بهما معا، فقد سبق أن قلنا: إن "إلى" بمعنى مع، والحج المبرور هو الذي لا يخالطه شيء من المأثم، وقيل هو المتقبل، وقيل هو الذي لا رياء فيه ولا سمعة ولا رفث ولا فسوق وقيل: هو الذي لا تعقبه معصية، وروي "ما بر الحج يا رسول الله؟ قال: إفشاء السلام، وإطعام الطعام" وفي رواية "وطيب الكلام".
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - أن الأعمال الصالحة تكفر الذنوب.
٢ - الحث على الإكثار من العمرة.
стр. 404
٣ - الحث على تصفية الحج من شوائب الذنوب.
٤ - أن الحج لا يقتصر ثوابه على تكفير الذنوب بل يدخل الجنة.
٤٤ - عن أنس ﵁ أنه سئل: كم اعتمر النبي ﷺ ؟ قال: أربع عمرة الحديبية في ذي القعدة حيث صده المشركون وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة حيث صالحهم وعمرة الجعرانة إذ قسم غنيمة -أراه - حنين قلت: كم حج؟ قال: واحدة؟
-[المعنى العام]-
سئل أنس بن مالك الصحابي الجليل الكثير الملازمة للرسول ﷺ عن عدد عمر الرسول ﷺ التي اعتمرها بعد الهجرة، فقال: أربعا: عمرة الحديبية التي أحرموا بها ولم يتموها لصدهم عنها من قريش، وعمرة السنة التالية التي قاموا بها بناء على نصوص صلح الحديبية. وعمرة الجعرانة عقب قسمة غنائم حنين بعد فتح مكة، وعمرة مع حجته، قال السائل: وكم مرة حج الرسول ﷺ ؟ وأجابه أنس: حجة واحدة هي حجة الوداع. وفي هذا دليل واضح على حرص الرسول ﷺ على إحراز أكبر عدد ممكن من العمر، فما تركها عاما منذ قدر عليها ومكن منها مع مشقة السفر وعسر الطريق، فما أعظم الفارق بين حرص الرسول ﷺ وبين تقصير المسلمين القادرين الذين
стр. 405
يقضون الصيف في بلد شمالي والشتاء في بلد استوائي ثم لا يفكرون في الاعتمار.
-[المباحث العربية]-
(أنه سئل) السند في الأصل: حدث همام عن قتادة قال: سألت أنسا ﵁ فالمسئول أنس، والسائل قتادة بن دعامة.
(كم اعتمر) "كم" اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول مطلق والتقدير: كم عمرة اعتمر.
(قال أربعا) أي اعتمر أربعا. وفي رواية "أربع" بالرفع، أي الذي اعتمره أربع، وتمييز العدد محذوف أي أربع عمر.
(عمرة الحديبية) "عمرة" بالنصب والرفع، لأنها بدل من "أربع" المنصوبة أو المرفوعة، والحديبية قريبة من مكة بينهما عشرون ميلا تقريبا من جهة جدة.
(وعمرة الجعرانة) عمرة بالنصب والرفع كسابقتها، والجعرانة بكسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء، وأهل المدينة يكسرون العين ويشددون الراء، وهي أقرب إلى مكة منها إلى الطائف، إذ تبعد عن مكة نحو ثلاثين ميلا.
(قسم غنيمة -أراه -حنين) كذا وقع بنصب "غنيمة" بغير تنوين، وكأن الراوي طرأ عليه شك، فأدخل بين المضاف والمضاف إليه لفظ "أراه" بضم الهمزة، أي أظنه، وقد رواه مسلم بغير شك، فقال "حيث قسم غنائم حنين" و"حنين" واد بينه وبين مكة ثلاثة أميال.
(قلت كم حج؟ ) ضمير "قلت" للراوي عن أنس، وهو قتادة والمقول له أنس.
стр. 406
-[فقه الحديث]-
كانت عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف. وإنما عدت عمرة مع أنهم صدوا عن البيت باعتبار حصول ثوابها، حيث شرعوا فيها ولم يكن التقصير من جانبهم، ووقعت العمرة الثانية بمقتضى شروط صلح الحديبية في ذي القعدة من العام السابع الهجري فقوله "حيث صالحهم" معناه، حيث كانت على وفق الصلح الذي حصل في العام قبله، وتسمى عمرة القضاء، إما لأنها وقعت قضاء عن العمرة التي صدوا عنها بناءا على وجوب القضاء على المحصر، كما هو مذهب الحنفية، وإما لأنها بمعنى القضية، لما وقع بين المسلمين والمشركين من المقاضاة في الكتاب الذي كتب بينهم بالحديبية الأولى، فالمراد بالقضاء الفصل، وتعليل التسمية بذلك مبني على عدم وجوب القضاء على المحصر، كما هو مذهب الشافعية والمالكية، ويؤيده تسميتها بعمرة القضية، وهذا هو الوجه، إذ لو كانت بدلا عن عمرة الحديبية كما يقول الحنفية لكانتا عمرة واحدة، ووقعت العمرة الثالثة في ذي القعدة سنة ثمان من الهجرة عام فتح مكة، ودخل ﷺ بهذه العمرة إلى مكة ليلا، وخرج منها ليلا إلى الجعرانة، فبات بها، ومن هنا خفيت هذه العمرة على كثير من الناس، أما العمرة الرابعة فقد سقطت من الراوي، ولهذا استظهرها البخاري بالرواية الأخرى التي ألحقها بها، وهي المذكورة في قوله "وعمرة مع حجته" أي حجة الوداع -وقد استشكل في الرواية إذ قال "ومن القابل عمرة الحديبية" مع أن عمرة الحديبية كما ذكر من قبل هي التي صد عنها، وقد جعله ابن التين وهما من الراوي، ووجهه الحافظ ابن حجر، بأنه لا وهم في ذلك، لأن كلا منهما كان في الحديبية، فإذا أطلقت عمرة الحديبية انصرفت إلى الأولى، وإذا قيدت بالعام القابل كانت الثانية.
وقد جمع بين قول أنس "وعمرة مع حجته" وبين ما ثبت عن عائشة من أن الرسول ﷺ كان مفردا جمع بينهما بأن الرسول ﷺ أحرم بالحج مفردا، ثم أدخل عليه العمرة بالعقيق، فما ثبت عن عائشة وصف لحالة الرسول الأولى وقول أنس ذكر لحالته الأخيرة، وقد تضاربت أقوال
стр. 407
المحدثين في زمن العمر الأربع فقال بعضهم إنها كلها كانت في ذي القعدة، ومنع بعضهم كون الرابعة فيه والتحقيق أن الرسول في حجة الوداع دخل مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة لكنه أحرم بالعمرة في ذي القعدة على الصحيح، لأنهم خرجوا لخمس بقين من ذي القعدة، فمن جعلها فيه اعتبرها بالإحرام، ومن منع كونها فيه اعتبر أداء أفعالها الذي كان في ذي الحجة بلا خلاف، كذلك اختلف أقوال الصحابة في عدد عمره ﷺ وقد علمنا وجه من جعلها أربعا، أما من جعلها ثلاثا فقد أسقط الأخيرة، مرجحا إحرام الرسول ﷺ بالحج مفردا، أو أسقط الأولى لأنها لم تتم، ومن قال: اعتمر عمرتين أسقط الأخيرة والأولى معا لما ذكر، وأثبت عمرة القضية وعمرة الجعرانة.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - حرص الصحابة على تعرف أعمال الرسول ﷺ ليقتدوا به.
٢ - اعتبارهم العمل الذي لم يتم في حكم التام حيث لا تقصير.
٣ - حرص الرسول ﷺ على كثرة الاعتمار.
٤ - الرد العملي على اعتقاد الجاهلية الفاسد من تحريمهم العمرة في أشهر الحج.
стр. 408
باب جزاء الصيد
قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام* أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون.﴾
نهت الآية الكريمة عن قتل الصيد، وهو حرام في حالة الإحرام بلا خلاف، ولما كان ظاهر الآية يشمل جميع الدواب بين الحديث المراد من هذا العام وأذن في قتل بعض الحيوان كما جاء في هذا الحديث.
٤٥ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحرم الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور".
-[المعنى العام]-
بعد أن حرم الله على المحرم قتل الصيد رفع الحظر على لسان نبيه عن
стр. 409
دواب تجلب الضر للإنسان: الغراب والحدأة والعقرب، والفأرة والكلب العقور، تلك الحيوانات التي تهدد المرء في صحته وأقواته وحياته أبيح للمحرم والمصلي أن يقتلها أثناء إحرامه وعبادته، فتبارك الله أحسن المشرعين، خوف العبد بصغار مخلوقاته ثم أعطاه حق الدفاع عن النفس حتى في أقدس الأماكن، وأباح له حتى في أدق الظروف محاربة الأعداء.
-[المباحث العربية]-
(خمس من الدواب كلهن فاسق) خمس مبتدأ، سوغ الابتداء به وهو نكرة تخصيصه بالصفة، وهي قوله "من الدواب" و"كلهن" مبتدأ ثان والضمير فيه يعود على "خمس" و"فاسق" خبر "كل" وإفراده لمراعاة لفظ "كل" إذ لفظه مفرد مذكر ومعناه بحسب ما يضاف إليه، والجملة صفة أخرى لخمس، والخبر جملة "يقتلن في الحرم" أو هما خبران عن "خمس"، وأما جعل "كلهن" تأكيدا فيرفضه البصريون، لامتناع توكيد النكرة عندهم والدواب جمع دابة، وهو ما يدب على الأرض، أي يمشي، ثم نقله العرف العام إلى ذوات القوائم الأربع من الخيل والبغال والحمير، والمذكور في الحديث باعتبار المعنى الأصلي، ولا يعترض عليه بالغراب والحدأة، لأنهما قد يمشيان على الأرض، أو إطلاق الدواب عليهما على سبيل التغليب.
(الغراب) خبر مبتدأ محذوف، إن لاحظناه وحده قدرناه: إحدى هذه الخمس الغراب، وإن لاحظنا المعطوفات قدرناه: هي الغراب والحدأة. قيل: سمي غرابا لأنه نأى واغترب لما أرسله نوح ﵇ ليختبر أمر الطوفان، فرأى جيفة فوقع عليها ولم يرجع.
(والحدأة) بهمزة من غير مد، وحكي مدها ندورا، وفي بعض اللغات (حدية) بالياء بدل الهمزة، ومن خواصها أنها تقف في الطيران، ويقال إنها لا تخطف إلا من جهة اليمين.
(والعقرب) هذا اللفظ للذكر والأنثى، وقد يقال: عقربا أو عقرباء ويقال: إن عينها في ظهرها، وإنها تتبع الحس، وإنها لا تضر ميتا ولا نائما حتى يتحرك.
стр. 410
(والفأرة) واحدة الفيران: وهي أنواع فأرة المنزل، وفارة الإبل وفارة المسك وفأرة الغيط. قال العيني: وكلها في تحريم الأكل وجواز قتلها سواء.
-[فقه الحديث]-
أطلق الحديث على هذه الخمس لفظ (فواسق)، والفسق في اللغة الخروج -إما لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله، أو حل أكله، كقوله تعالى: ﴿أو فسقا أهل لغير الله به﴾ أو لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد وعدم الانتفاع، ويؤيد الأخير ما ورد: قيل لأبي سعيد لم قال الرسول ﷺ "والفأرة الفويسقة"؟ قال: لأن رسول الله ﷺ استيقظ لها وقد أخذت الفتيلة عن السراج لتحرق بها البيت. أما الإفساد في الغراب ففوق نبشه الجيفة المدفونة ينقر ظهر الدواب، وينزع عين البعير، ويختلس أطعمة الناس وأما في الحدأة فكذلك تختلس اللحم والفراريج، وأما في العقرب فإنها تلدغ وتقتل أو تؤلم، وأما في الفأرة فإنها تسرق الأطعمة وتفسدها، وتقرض الثياب وتأخذ الفتيلة فتضرم النار، وتنشر الأمراض، وأما في الكلب العقور فإنه يجرح الناس ويقطع الطرقات. والتقييد في الحديث بخمس وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بذلك لكنه مفهوم عدد، وليس بحجة عند الأكثر.
فقد ورد في بعض الأحاديث "أربع" وفي بعضها "ست" وفي بعضها أكثر فيلحق بها ما في حكمها: وقالوا: إن الحكم بالقتل مترتب على ما جعل وصفا لها من حيث المعنى، وهو الفسق فيدخل فيه كل فاسق من الدواب، إلا أنهم اختلفوا في فسقها، من قال لكونها مؤذية ألحق بها كل مؤذ، وهذا قضية مذهب الإمام مالك كأنه نبه بالعقرب على ما يشاركها في الأذى باللسع ونحوه من ذوات السموم، كالحية والزنبور والبرغوث والبق والبعوض، وبالفأرة على كل ما يشاركها في الأذى بالنقب والقرض، كابن عرس، والغراب والحدأة على ما يشاركهما في الاختطاف، كالصقر والنسر، وبالكلب العقور على ما يشاركه في العدو أو العقر، كالأسد والفهد، وعلى هذا فاقتصار الحديث عليها لكثرة ملابستها للناس، بحيث يعم أذاها، ومن قال لكونها لا تؤكل ألحق بها ما لا
стр. 411
يؤكل إلا ما نهي عن قتله، وقد قسم الشافعي وأصحابه الحيوان بالنسبة إلى المحرم ثلاثة أقسام:
١ - قسم يستحب قتله كالخمس وما في معناه مما يؤذي.
٢ - قسم يجوز قتله كسائر ما لا يؤكل لحمه.
٣ - وقسم لا يجوز قتله وفيه الجزاء إذا قتله المحرم، وهو ما أبيح أكله، أو نهي عن قتله. أما أبو حنيفة وأصحابه فقد اقتصروا على الخمس، إلا أنهم ألحقوا بها الحية، لثبوت الخبر بها، والذئب لمشاركته للكلب في الكلبية، ولوروده في بعض الروايات، وألحقوا بذلك ما ابتدأ بالعدوان والأذى من غيرها أما غير الجمهور فقد اعتمد مفهوم العدد وجمع بين الروايات المختلفة فيه بأن الرسول ﷺ قال العدد الأقل، ثم بين بعد ذلك غيره، وقالوا: إن المراد أعيان ما سمى، سواء أكان أربعا أم خمسا أم ستا أم أكثر، ولا يقاس عليها غيرها، لأن الرسول ﷺ نص على قتل خمس، وبين الخمس ما هن، فدل هذا على أن حكم غير هذه الخمس غير حكم الخمس، وإلا لم يكن للتنصيص فائدة، وإذا قال ﷺ "خمس" فليس لأحد أن يجعلهن ستا ولا سبعا.
وقد قيد الحديث الكلب بالعقور، أما غير العقور فإن كان مما أمر باقتنائه، ككلب الصيد وكلب الحراسة ومثلهما الكلاب "البوليسية" الموجودة الآن فلا خلاف في منع قتلها، وإن كان غير ذلك كالذي يربي للزينة فقد اختلف العلماء فيه، وقع للشافعي في الأم جواز قتله، لأنه غير محترم. وقال النووي في الحج: يكره قتله كراهة تنزيه. وكذا قاله الرافعي. والظاهر من قوله في الحديث "يقتلن في الحرم" ومن مجموع الروايات أن المراد إباحة القتل لا وجوبه ولا استحبابه فقد روي "خمس قتلهن حلال" وروي خمس من قتلهن وهو حرام فلا جناح عليه "وروي "لا حرج على من قتلهن". ويجيب الشافعية عن هذه الروايات بأنها لا تعارض تقسيمهم، إذ المستحب حلال ولا حرج فيه. وإذا كان حكمها جواز القتل أو استجابه في
стр. 412
الحرم فحكمها في الحل كذلك من باب أولى، وقد وقع حكمها في الحل صريحا في رواية مسلم "يقتلن في الحل والحرم".
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - جواز قتل هذه الخمس في الحل والحرم.
٢ - عدم جواز تربيتها.
٣ - عدم جواز أكلها.
باب الحج عن الميت
٤٦ - عن ابن عباس ﵄ أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج
стр. 413
عنها؟ قال: "نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية اقضوا الله فالله أحق بالوفاء".
-[المعنى العام]-
أقبلت امرأة من جهينة ترغب في بر والدتها بعد وفاتها بالحج عنها، فسألت رسول الله ﷺ فقالت: إن أمي قد نذرت أن تمشي لحج بيت الله الحرام، فلم تحج حتى ماتت. أفيجزئ حجي عنها؟ ويصلها ثواب حجتي؟ قال رسول الله ﷺ : نعم حجي عنها، ثم دلل لها على صحة قضائها الحج عن أمها، فقال: أخبريني لو كان على أمك دين مالي للناس أفلا تقضينه؟ قالت: نعم. قال: اقضوا حق الله. فالله أحق بالوفاء من الآدميين.
-[المباحث العربية]-
(جهينة) بضم الجيم وفتح الهاء قبيلة في قضاعة.
(أفأحج عنها) الهمزة للاستفهام على سبيل الاستخبار، والفاء عاطفة على محذوف، تقديره أتصح نيابة مولود عن والده فأحج عنها؟
(أرأيت) بتاء المخاطبة ومعناه أخبريني، بمجاز مرسل في همزة الاستفهام بإرادة مطلق الطلب من طلب الفهم، ومجاز في الرؤية بإرادة ما ترتب عليها، وهو الإخبار، فآل الأمر إلى طلب الإخبار، المدلول عليه بلفظ أخبريني.
(أكنت قاضية) على وزن فاعلة، محذوف المفعول، أي قاضية ذلك الدين عنها، وفي رواية "كنت قاضيته" بالضمير في آخره.
(اقضوا الله) في الكلام مضاف محذوف أي اقضوا حق الله.
-[فقه الحديث]-
قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم هذه المرأة ولا اسم أبيها.
стр. 414
ولكن قيل: إن اسمها غائثة بالثاء بعد الألف، وقيل بالنون امرأة سنان بن عبد الله الجهني وورد في رواية أن السائل كان زوجها. وقد جمع الحافظ بين الروايتين بأن نسبة السؤال إليها مجازية باعتبارها آمرة. والذي تولى السؤال لها حقيقة زوجها، ويؤيد هذا ما روي عن ابن عباس "أمرت امرأة سنان بن عبد الله الجهني أن يسأل رسول الله ﷺ عن أمها توفيت. إلخ -والحج المفروض حكمه حكم الحج المنذور، فكلاهما واجب الأداء، ولذلك كان عجز الحديث عاما "اقضوا الله فالله أحق بالوفاء". وقد روي عن مالك أنه لا يحج أحد عن أحد مطلقا، حيث يرى أن الحج عبادة بدنية كالصلاة، والصلاة فرضت على جهة الابتلاء، وهو لا يوجد فيها إلا بإتعاب البدن بخلاف الزكاة، فالابتلاء بنقص المال، وأجاب عن حديث الباب بأن ذلك وقع من السائل على جهة التبرع، وروي عنه أيضا: إن أوصى بذلك حج عنه وإلا فلا، ونقل الإجماع على أنه لا تجزئ النيابة في الحج الفرض إلا عن موت أو عضب- أي مرض لا يستطيع معه الثبوت على الراحلة- فلا يدخل المريض الذي يرجى برؤه، ولا المجنون، لأنه ترجى إفاقته، ولا المحبوس لأنه يرجى خلاصه، ولا الفقير لأنه يمكن استغناؤه، وأما النفل فتجوز النيابة فيه عند أبي حنيفة، خلافا للشافعي، وعن أحمد روايتان -وادعى قوم أن النيابة خاصة بالابن يحج عن أبيه، قال الحافظ ابن حجر: ولا يخفى أنه جمود -والحديث لا يتعارض مع قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ لأن الآية كما قيل مخصوصة بقوم إبراهيم، لأنها حكاية لما في صحفهم، وقيل: لما كان هذا لا ينفع إلا مبنيا على سعي نفسه بالإيمان كان سعي غيره كأنه سعيه، ويمكن أن يدخل الولد وما عمل في عموم سعي أبيه.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - الترغيب في الرحلة لطلب العلم.
٢ - صحة استفتاء المرأة من أهل العلم عند الحاجة.
٣ - صحة قضاء الحج الواجب على الميت.
стр. 415
٤ - جواز حج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل، ولا خلاف في ذلك لأن النبي خاطب المرأة بخطاب دخل فيه الرجال والنساء وهو قوله "اقضوا الله".
٥ - استدل بهذا الحديث على صحة نذر الحج ممن لم يحج، حيث لم تشر السائلة إلى أن أمها حجت الفرض -فإذا حج أجزأه عن حجة الإسلام عند الجمهور، وعليه الحج عن النذر، وقيل: يجزئ عن النذر ثم يحج حجة الإسلام، وقيل يجزئ عنهما.
٦ - وفي هذا الحديث ما يؤيد الشافعي من أنه يجب على ولي الميت أن يجهز من يحج عنه من رأس ماله، كما أن عليه قضاء ديونه، فقد أجمعوا على أن دين الآدمي من رأس المال، فكذلك ما شبه به في القضاء، ويلحق بالحج كل حق ثبت في ذمته، من كفارة أو نذر مالي أو زكاة أو غير ذلك. ومذهب أبي حنيفة أنه لا يلزم الورثة الحج عنه، سواء أوصى أو لا، أما النائب فيشترط أن يكون قد حج عن نفسه على رأي الجمهور، واستدلوا بما في السنن وصحيح ابن خزيمة وغيره من حديث ابن عباس "أن النبي ﷺ رأى رجلا يلبي عن شبرمة، فقال: أحججت عن نفسك؟ فقال: لا، قال: هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة" وعدم تبين حالة السائلة أحجت عن نفسها أم لا يصلح دليلا لجواز إنابة من لم يحج عن نفسه.
٧ - بر الوالدين والاعتناء بأمرهما، والقيام بمصالحهما من قضاء دين وخدمة ونفقة وغير ذلك من أمور الدين والدنيا.
٨ - استدل به على أن العمرة ليست بواجبة لأن المرأة لم تذكرها، ولا حجة فيه على ذلك، لأن مجرد ترك السؤال لا يدل على عدم الوجوب ولأن الكلام عن النذر، ولاحتمال أن تكون أمها قد اعتمرت، على أن السؤال عن الحج والعمرة وقع في حديث آخر.
٩ - ومن قوله "فالله أحق بالوفاء" استدل بعض الشافعية على أن حق الله مقدم على حقوق العباد، وقيل: بالعكس، وقيل: هما سواء.
стр. 416
١٠ - تشبيه ما اختلف فيه وأشكل بما اتفق عليه.
١١ - تشبيه المجهول بالمعلوم ليستقر في النفس.
١٢ - أنه يستحب للمفتي التشبيه بالدليل إذا ترتب على ذلك مصلحة وهو أطيب لنفس المستفتي وأدعى لإذعانه.
١٣ - أن وفاء الدين المالي عن الميت كان معلوما عندهم مقررا حتى صح التشبيه.
٤٧ - عن أبي سعيد ﵁ -وقد غزا مع النبي ﷺ اثنتي عشرة غزوة- قال: أربع سمعتهن من رسول الله ﷺ أو قال يحدثهن عن النبي
стр. 417
صلى الله عليه وسلم فأعجبنني وآنقنني: أن لا تسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها أو ذو محرم ولا صوم يومين الفطر والأضحى ولا صلاة بعد صلاتين بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجدي ومسجد الأقصى.
-[المعنى العام]-
حكم أربع أعجبت أبا سعيد الخدري ﵁، وتعجب كل مسلم غيور على عرضه غيور على مظاهر دينه. غيور على أصل عقيدته.
١ - تحريم سفر المرأة بدون زوج أو رجل يحرم عليه زواجها على التأبيد وذلك لما في السفر من الأخطار التي قد يتعرض لها العرض والعفاف والمرأة لضعفها لا تستطيع الدفاع.
٢ - وتحريم صوم يومي العيدين. لما شرع فيهما من مظاهر الفرح والمتعة والسرور.
٣ - وتحريم الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد صلاة الصبح حتى تطلع، وذلك لقربهما من وقت الغروب نفسه ووقت الطلوع اللذين يسجد فيهما الكفار للشمس.
٤ - وتحريم السفر إلى أي من المساجد للصلاة فيه غير المسجد الحرام بمكة والمسجد النبوي بالمدينة والمسجد الأقصى ببيت المقدس تكريما لها لذكريات كريمة تتعلق برسل عند الله كرام.
-[المباحث العربية]-
(وقد غزا مع النبي ﷺ اثنتي عشرة غزوة) هذه الجملة لا محل لها من الإعراب معترضة بين كلامين متصلين لبيان كثرة مرافقة الراوي للرسول ﷺ وحرصه على الدين والجهاد، حتى تطمئن النفس إلى صحة ما روى.
(أربع) مبتدأ سوغ الابتداء به وهو نكرة مراعاة تمييزه المحذوف وتقديره: أربع حكم.
стр. 418
(فأعجبنني) بإسناد الفعل إلى نون النسوة التي تعود على الحكم الأربع.
(وآنقنني) بإسناد الفعل إلى نون النسوة أيضا. قيل معناه أعجبنني فهو مرادف لما قبله. ذكر تأكيدا كقوله تعالى ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ وقيل معناه: وزاد حسنهن في نظري، وهذا الأخير حسن، والمعنيان لغويان قال في المصباح: أنق الشيء من باب تعب زاد حسنه وأعجب، وشيء أنيق مثل عجيب لفظا ومعنى.
(أن لا تسافر) بنصب "تسافر" بناء على أن "أن" مصدرية، ورفعه على أنها مفسرة، و"لا" نافية فيهما.
(ليس معها زوجها) الجملة صفة لامرأة.
(أو ذو محرم) قيل: الظاهر أن لفظ "ذو" زائد والمعنى أو محرم من نسب أو رضاع أو مصاهرة، ويصح أن يكون "محرم" بمعنى المصدر أي الحرمة و"ذو" أصلية، ويقويه ما ورد "إلا مع ذي حرمة لها".
(ولا صوم في يومين الفطر والأضحى) في نسخة إسقاط "في" والمعنى عليها، ويحتمل أن يكون صوم مضافا إلى يومين والتقدير: ولا صوم يومين ثابت أو مشروع، و"الفطر" بدل من "يومين" على تقدير يوم الفطر.
(لا تشد) بلفظ النفي، والمراد النهي، وهو أبلغ من صريح النهي حيث صوره بصورة الشيء الذي وقع ويخبر عنه.
(الرحال) جمع رحل، وهو ما يوضع على البعير لتيسير ركوبه، وكنى بشد الرحال عن السفر لأنه لازمه. وخرج ذكر الرحال عند العرب مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والقطر والسيارات والبواخر والطائرات والمشي في المعنى.
(إلا إلى ثلاثة مساجد) الاستثناء مفرغ، والمستثنى منه محذوف سيأتي تقديره.
стр. 419
(مسجد الحرام) بالجر بدل من سابقه، وهو بمكة، والحرام بمعنى المحرم كالكتاب بمعنى المكتوب.
(ومسجدي) أي مسجد الرسول ﷺ بالمدينة، وهو المدفون فيه ﷺ .
(ومسجد الأقصى) أي الأبعد عن المسجد الحرام في المسافة، أو الأقصى عن الأقذار، وهو مسجد بيت المقدس، والإضافة في "مسجد الحرام" و"مسجد الأقصى" من إضافة الموصوف إلى الصفة، وقد جوزه الكوفيون، أي المسجد الحرام والمسجد الأقصى.
-[فقه الحديث]-
خص مالك سفر المرأة الممنوع بغير سفر الفريضة، وكذا روي عن أحمد، وقال البغوي: لم يختلف الفقهاء في أنه ليس للمرأة السفر في غير الفرض إلا مع زوج أو محرم إلا كافرة أسلمت في دار الحرب، أو أسيرة تخلصت، وزاد غيره: أو امرأة انقطعت من الرفقة فوجدها رجل مأمون، لأن هذه أسفار للضرورة، وتدفع ضررا متيقنا فيتحمل الضرر المتوهم، والمشهور عند الشافعية اشتراط الزوج أو المحرم أو النسوة الثقات في سفر الفرض كغيره، ويؤيده حديث الدارقطني "لا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم" فنص الحديث على منع الحج فبقية الأسفار من باب أولى، ولم يختلفوا في أن النساء كلهن في ذلك سواء لا فرق بين الصغيرة والكبيرة والقبيحة والجميلة، حتى الخنثى إلا ما نقل عن الباجي أنه خصه بغير العجور التي لا تشتهي، وتعقبوه بأن لكل ساقطة لاقطة، وقد حدد في هذا الحديث السفر بمسيرة يومين، وفي آخر بثلاثة أيام، وفي ثالث بيوم، وفي رابع ببريد، وفي خامس لم يحدد، وقال ابن المنير في الجمع بينها: وقع الاختلاف في مواطن بحسب السائلين وما وقع لهم، فإذا سأل السائل: هل تسافر المرأة بريدا بدون محرم؟ أجيب: لا تسافر المرأة بريدا بدون محرم. وإذا سأل آخر: هل تسافر المرأة مسيرة ثلاثة أيام بدون محرم؟ أجيب لا تسافر المرأة بدون محرم، وهكذا.
فكأن التقييد لبيان الواقع لا للاحتراز، فلا يعمل بمفهومه،
стр. 420
ولهذا عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق: قال النووي: ليس المراد من التحديد ظاهره، بل كل ما يسمى سفرا، فالمرأة منهية عنه إلا مع محرم لها، وقدره أبو حنيفة بمسافة القصر، وضابط المحرم عند العلماء من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها فخرج بالتأبيد أخت الزوجة، وبالمباح أم الموطوءة بشبهة بنتها، وبحرمتها الملاعنة وممن قال إن عبد المرأة الأمين محرم لها كالإمام أحمد وغيره يحتاج إلى أن يزيد في هذا الضابط ما يدخله، واختلفوا هل يقوم غير المحرم كالنسوة الثقات مقامه؟ والصحيح الجواز لضعف التهمة. وفرق، فقيل: يجوز لفرض حج ثقة واحدة، أما سفرها لنحو زيارة وتجارة فلا يجوز مع النسوة، لأنه سفر غير واجب.
أما صوم يوم الفطر فحرام لأنه للفصل من الصوم وإظهار تمامه، ويوم النحر لأجل النسك المتقرب بذبحه ليؤكل منه، ولو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى، ولما في صومهما من الإعراض عن ضيافة الله في أيام أمر الله الناس بالتمتع فيها بالأكل والشرب ونحوهما.
وأما الصلاة بعد العصر وبعد الصبح فقد خصها الشافعي بالنافلة التي لا سبب لها، وذهب أبو حنيفة إلى كراهة التنفل مطلقا بعد هذين الوقتين، وعلة النهي البعد عن التشبه بالكفار الذين يسجدون للشمس في هذين الوقتين تعظيما لطلوعها وغروبها.
أما قوله "لا تشد الرحال" إلا في آخره فلا ينبغي أن تقدر المستثنى منه خاصا، فيقدر مثلا لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه إلى هذه الثلاثة، وهذا تقدير إمام الحرمين وغيره من الشافعية ليجيزوا شد الرحال إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتا، وإلى المواضع الفاضلة لقصد التبرك، وقال الجويني: يحرم شد الرحال إلى غير هذه الثلاثة، عملا بظاهر هذا الحديث، وقد وقعت في هذا الموضوع مناظرات كثيرة، وصنف فيها وسائل من الطرفين، وقد ألزم فيها الشيخ تقي الدين ابن تيمية بتحريم شد الرحال إلى زيارة قبر الرسول ﷺ : فمن منع شد الرحال إلى زيارة القبر الشريف وغيره
стр. 421
قدر المستثنى منه لا تشد الرحال إلى مكان من الأمكنة لأجل ذلك المكان.
وأما سر تخصيص هذه الثلاثة بهذه الخصوصية فقد قال القرافي: لا ينحصر سبب التفضيل في كثرة الثواب على العمل، بل يكون لأسرار يعلمها الله ويعلمها النبي ﷺ .
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - النهي عن سفر المرأة بدون زوج أو محرم.
٢ - النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى.
٣ - النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح.
٤ - النهي عن السفر للصلاة في مسجد غير هذه الثلاثة.
٥ - أفضلية هذه المساجد على غيرها.
٦ - سد الذرائع.
стр. 422
فضائل المدينة
٤٨ - عن علي ﵁ قال: ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي ﷺ : "المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل وقال ذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل ومن تولى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل" قال أبو عبد الله عدل فداء.
-[المعنى العام]-
جاء رجل إلى علي كرم الله وجهه فقال له: هل كان النبي ﷺ يخصك وآلك بشيء من العلم؟ أو هل كان يسر إليكم بشيء من دون الناس؟ فغضب علي ثم قال: ما كان يسر إلينا بشيء يكتمه عن غيرنا، إلا ما كان في قراب سيفي هذا وأخرج منه صحيفة كتب فيها: المدينة حرم من جبلها الجنوبي
стр. 423
إلى جبلها الشمالي، ولحرمتها غلظ إثم الذنب فيها، فمن ابتدع فيها بدعة ليست من الدين أو أوى المبتدع، أو عمل على نشر البدعة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه توبة على ذلك الفعل ولا فدية، وذمة المسلمين واحدة، فعهد الواحد منهم محترم عند جميعهم، كعهد الجميع، فمن خان مسلما أو نقض عهده فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه فرضا ولا نفلا، ومن خرج من ولاية المسلمين إلى ولاية أخرى من غير إذن أولياء أمره فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه وزنا ولا كيلا وفي ذلك تغليظ هذه الأفعال التي تضر بسمعة الإسلام وسمعة المسلمين.
-[المباحث العربية]-
(ما عندنا شيء) الضمير للمتكلم وأهله آل البيت، والمراد بالشيء المكتوب وإلا فقد كان عندهم أشياء من السنة سوى الكتاب، أو الشيء المنفي شيء اختصوا من دون الناس.
(المدينة) علم بالغلبة على البلدة المعروفة التي هاجر إليها النبي ﷺ ودفن بها وكانت تسمى يثرب فسماها النبي ﷺ طيبة وطابة، وكان بعض المنافقين لا يذكرها إلا باسم يثرب، واسمها الذي يليق بها المدينة وطيبة.
(ما بين عائر إلى كذا) "عائر" على وزن فاعل مهموز الوسط، وفي رواية "عير" اسم لجبل صغير بقرب المدينة، وقوله "إلى كذا" إبهام من البخاري لاسم الجبل المقابل الذي سمي في رواية مسلم: "ثور" والذي حمل البخاري على هذا الإبهام اعتماده على إنكار مصعب الزبيري، وجود "ثور" بالمدينة، لكنه ثابت بما لا يدع مجالا للشك والإبهام، فثور جبل صغير خلف أحد من جهة الشمال يميل إلى الحمرة بتدوير، وخلف أهل المدينة ينقلون هذا عن سلفهم.
(من أحدث فيها حدثا) أي من عمل فيها عملا منكرا ليس بمعتاد ولا معروف في الكتاب والسنة.
стр. 424
(أو آوى محدثا) أوى بالقصر والمد في الفعل اللازم والمتعدي جميعا لكن القصر في اللازم والمد في المتعدي أشهر، قال تعالى ﴿إذ أوى الفتية إلى الكهف﴾ ﴿وآويناهما إلى ربوة﴾ و"محدثا" بكسر الدال صاحب الإحداث أي الذي أحدث أو جاء ببدعة في الدين وبفتح الدال الأمر المبتدع نفسه، والمعنى عليه آوى بدعة وتبناها أو رضي بها وأقر فاعلها ولم ينكرها عليه فعليه لعنة الله، والمراد بالمحدث قيل: الظالم، وقيل ما هو أعم.
(لعنة الله) المراد باللعنة، العذاب الذي يستحقه على ذنبه، لا الإبعاد عن الرحمة الذي هو لعن الكافر.
(لا يقبل منه صرف ولا عدل) اختلف في تفسيرها على أكثر من عشرة أوجه، منها: لا يقبل منه توبة ولا فدية- لا يقبل منه وزن ولا كيل- لا يقبل منه شفاعة ولا فدية- لا يقبل منه فريضة ولا نافلة: وهذا ما عليه الجمهور، وقد يكون نفي الفدية بمعنى أنه لا يجد في القيامة فداء يفتدي به، خلاف غيره من المذنبين الذين يتفضل الله على من يشاء منهم بأن يفديه من النار بيهودي أو نصراني كما في الصحيحين.
(ذمة المسلمين واحدة) الذمة الأمان والعهد، سمي بذلك لأنه يذم متعاطيها على إضاعتها.
(فمن أخفر مسلما) أي نقض العهد الذي حصل من أخيه المسلم، يقال: خفرته بغير همزة بمعنى أمنته، وبالهمزة بمعنى نقضت عهده، فالهمزة للسلب.
-[فقه الحديث]-
عن قتادة عن أبي حسان الأعرج إن عليا كان يأمر بالأمر فيقال له: قد فعلناه فيقول: صدق الله ورسوله، فقال له الأشتر: إن هذا الذي تقول أهو شيء عهد إليك رسول الله ﷺ قال: ما عهد إلي شيئا خاصا دون الناس إلا شيئا سمعته منه، فهو في صحيفة في قراب سيفي فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة فإذا فيها "المدينة حرم ..... إلخ الحديث". ومعنى كون المدينة
стр. 425
حرما كما قال مالك والشافعي وأكثر أهل العلم أنه يحرم صيدها وقطع شجرها، وهل فيه الجزاء أو لا؟ خلاف بينهم، وقال أبو حنيفة: لا يحرم، وعليه فمعنى "حرم" أن لها حرمة، فإثم الذنب فيها كبير، وعلى القول بأن شجرها محرم لا يتعارض مع قطع الرسول ﷺ النخل وجعله قبلة للمسجد، لأن النهي محمول على قطع الشجر الذي أنبته الله مما لا صنع للآدمي فيه، والنخل الذي قطعه الرسول كان ملكا لبني النجار، ومن زرعهم، وقيل: إن النهي عن قطع الشجر الذي يحصل بقطعه الإفساد، فأما من يقصد الإصلاح فلا يمنع عليه قطع ما كان بتلك الأرض من شجر، وقيل إن قطع الرسول للنخل كان في أول الهجرة وحديث التحريم كان بعد رجوعه ﷺ من خيبر، وهذا أوجه الأوجه.
والغرض من لعنة الملائكة والناس أجمعين بعد لعنة الله المبالغة في تهديده وفي استحقاقه العذاب. وقد اعترض على قوله "لا يقبل منه صرف ولا عدل" حيث فسر الصرف بالتوبة واعترض بأن التوبة النصوح مقبولة بنص الكتاب والسنة وأجيب بأن المعنى: لا يقبل منه قبول رضى وإن قبل منه قبول جزاء، أو بأن فاعل هذا الذنب متعمدا قد يشتد سخط الله عليه، فلا يوفقه للتوبة النصوح، وقد يجاب أيضا بأن هذا جار مجرى التغليظ، إشعارا بفظاعة الجرم، فليس المقصود حقيقته، وهذا جواب حسن، فمثله كثير مستساغ في أساليب العرب، والمراد من قوله "ذمة المسلمين واحدة" إلخ أن عهد المسلمين سواء صدر من واحد أو أكثر، من شريف أو وضيع، محترم عند جميعهم، فإذا أمن أحد من المسلمين كافرا أو أعطاه ذمة موافقة لقواعد الشريعة لم يكن لأحد نقضه، فيستوي في ذلك الرجل والمرأة والحر والعبد، لأن المسلمين كنفس واحدة، والمراد من الولاء في قوله "ومن تولى قوما بغير إذن مواليه" ولاء العتق، فالمعنى عليه: من جعل من العبيد العتقاء له وليا غير المعتق بدون إذنه فعليه لعنة الله إلخ، واستشكل عليه بأن ولاء العتق ممنوع انتقاله عن موالي الرقيق ولو مع الإذن منهم، فلو أريد ولاء العتق لم يكن لقيد عدم الإذن فائدة، اللهم إلا أن يكون للتنبيه على أن
следующие страницы →