← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14106

المنهل الحديث في شرح الحديث

موسى شاهين لاشين

Полный текст (1 103 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قدر المستثنى منه لا تشد الرحال إلى مكان من الأمكنة لأجل ذلك المكان. وأما سر تخصيص هذه الثلاثة بهذه الخصوصية فقد قال القرافي: لا ينحصر سبب التفضيل في كثرة الثواب على العمل، بل يكون لأسرار يعلمها الله ويعلمها النبي ﷺ . -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - النهي عن سفر المرأة بدون زوج أو محرم. ٢ - النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى. ٣ - النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح. ٤ - النهي عن السفر للصلاة في مسجد غير هذه الثلاثة. ٥ - أفضلية هذه المساجد على غيرها. ٦ - سد الذرائع.

стр. 422

فضائل المدينة ٤٨ - عن علي ﵁ قال: ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي ﷺ : "المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل وقال ذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل ومن تولى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل" قال أبو عبد الله عدل فداء. -[المعنى العام]- جاء رجل إلى علي كرم الله وجهه فقال له: هل كان النبي ﷺ يخصك وآلك بشيء من العلم؟ أو هل كان يسر إليكم بشيء من دون الناس؟ فغضب علي ثم قال: ما كان يسر إلينا بشيء يكتمه عن غيرنا، إلا ما كان في قراب سيفي هذا وأخرج منه صحيفة كتب فيها: المدينة حرم من جبلها الجنوبي

стр. 423

إلى جبلها الشمالي، ولحرمتها غلظ إثم الذنب فيها، فمن ابتدع فيها بدعة ليست من الدين أو أوى المبتدع، أو عمل على نشر البدعة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه توبة على ذلك الفعل ولا فدية، وذمة المسلمين واحدة، فعهد الواحد منهم محترم عند جميعهم، كعهد الجميع، فمن خان مسلما أو نقض عهده فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه فرضا ولا نفلا، ومن خرج من ولاية المسلمين إلى ولاية أخرى من غير إذن أولياء أمره فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه وزنا ولا كيلا وفي ذلك تغليظ هذه الأفعال التي تضر بسمعة الإسلام وسمعة المسلمين. -[المباحث العربية]- (ما عندنا شيء) الضمير للمتكلم وأهله آل البيت، والمراد بالشيء المكتوب وإلا فقد كان عندهم أشياء من السنة سوى الكتاب، أو الشيء المنفي شيء اختصوا من دون الناس. (المدينة) علم بالغلبة على البلدة المعروفة التي هاجر إليها النبي ﷺ ودفن بها وكانت تسمى يثرب فسماها النبي ﷺ طيبة وطابة، وكان بعض المنافقين لا يذكرها إلا باسم يثرب، واسمها الذي يليق بها المدينة وطيبة. (ما بين عائر إلى كذا) "عائر" على وزن فاعل مهموز الوسط، وفي رواية "عير" اسم لجبل صغير بقرب المدينة، وقوله "إلى كذا" إبهام من البخاري لاسم الجبل المقابل الذي سمي في رواية مسلم: "ثور" والذي حمل البخاري على هذا الإبهام اعتماده على إنكار مصعب الزبيري، وجود "ثور" بالمدينة، لكنه ثابت بما لا يدع مجالا للشك والإبهام، فثور جبل صغير خلف أحد من جهة الشمال يميل إلى الحمرة بتدوير، وخلف أهل المدينة ينقلون هذا عن سلفهم. (من أحدث فيها حدثا) أي من عمل فيها عملا منكرا ليس بمعتاد ولا معروف في الكتاب والسنة.

стр. 424

(أو آوى محدثا) أوى بالقصر والمد في الفعل اللازم والمتعدي جميعا لكن القصر في اللازم والمد في المتعدي أشهر، قال تعالى ﴿إذ أوى الفتية إلى الكهف﴾ ﴿وآويناهما إلى ربوة﴾ و"محدثا" بكسر الدال صاحب الإحداث أي الذي أحدث أو جاء ببدعة في الدين وبفتح الدال الأمر المبتدع نفسه، والمعنى عليه آوى بدعة وتبناها أو رضي بها وأقر فاعلها ولم ينكرها عليه فعليه لعنة الله، والمراد بالمحدث قيل: الظالم، وقيل ما هو أعم. (لعنة الله) المراد باللعنة، العذاب الذي يستحقه على ذنبه، لا الإبعاد عن الرحمة الذي هو لعن الكافر. (لا يقبل منه صرف ولا عدل) اختلف في تفسيرها على أكثر من عشرة أوجه، منها: لا يقبل منه توبة ولا فدية- لا يقبل منه وزن ولا كيل- لا يقبل منه شفاعة ولا فدية- لا يقبل منه فريضة ولا نافلة: وهذا ما عليه الجمهور، وقد يكون نفي الفدية بمعنى أنه لا يجد في القيامة فداء يفتدي به، خلاف غيره من المذنبين الذين يتفضل الله على من يشاء منهم بأن يفديه من النار بيهودي أو نصراني كما في الصحيحين. (ذمة المسلمين واحدة) الذمة الأمان والعهد، سمي بذلك لأنه يذم متعاطيها على إضاعتها. (فمن أخفر مسلما) أي نقض العهد الذي حصل من أخيه المسلم، يقال: خفرته بغير همزة بمعنى أمنته، وبالهمزة بمعنى نقضت عهده، فالهمزة للسلب. -[فقه الحديث]- عن قتادة عن أبي حسان الأعرج إن عليا كان يأمر بالأمر فيقال له: قد فعلناه فيقول: صدق الله ورسوله، فقال له الأشتر: إن هذا الذي تقول أهو شيء عهد إليك رسول الله ﷺ قال: ما عهد إلي شيئا خاصا دون الناس إلا شيئا سمعته منه، فهو في صحيفة في قراب سيفي فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة فإذا فيها "المدينة حرم ..... إلخ الحديث". ومعنى كون المدينة

стр. 425

حرما كما قال مالك والشافعي وأكثر أهل العلم أنه يحرم صيدها وقطع شجرها، وهل فيه الجزاء أو لا؟ خلاف بينهم، وقال أبو حنيفة: لا يحرم، وعليه فمعنى "حرم" أن لها حرمة، فإثم الذنب فيها كبير، وعلى القول بأن شجرها محرم لا يتعارض مع قطع الرسول ﷺ النخل وجعله قبلة للمسجد، لأن النهي محمول على قطع الشجر الذي أنبته الله مما لا صنع للآدمي فيه، والنخل الذي قطعه الرسول كان ملكا لبني النجار، ومن زرعهم، وقيل: إن النهي عن قطع الشجر الذي يحصل بقطعه الإفساد، فأما من يقصد الإصلاح فلا يمنع عليه قطع ما كان بتلك الأرض من شجر، وقيل إن قطع الرسول للنخل كان في أول الهجرة وحديث التحريم كان بعد رجوعه ﷺ من خيبر، وهذا أوجه الأوجه. والغرض من لعنة الملائكة والناس أجمعين بعد لعنة الله المبالغة في تهديده وفي استحقاقه العذاب. وقد اعترض على قوله "لا يقبل منه صرف ولا عدل" حيث فسر الصرف بالتوبة واعترض بأن التوبة النصوح مقبولة بنص الكتاب والسنة وأجيب بأن المعنى: لا يقبل منه قبول رضى وإن قبل منه قبول جزاء، أو بأن فاعل هذا الذنب متعمدا قد يشتد سخط الله عليه، فلا يوفقه للتوبة النصوح، وقد يجاب أيضا بأن هذا جار مجرى التغليظ، إشعارا بفظاعة الجرم، فليس المقصود حقيقته، وهذا جواب حسن، فمثله كثير مستساغ في أساليب العرب، والمراد من قوله "ذمة المسلمين واحدة" إلخ أن عهد المسلمين سواء صدر من واحد أو أكثر، من شريف أو وضيع، محترم عند جميعهم، فإذا أمن أحد من المسلمين كافرا أو أعطاه ذمة موافقة لقواعد الشريعة لم يكن لأحد نقضه، فيستوي في ذلك الرجل والمرأة والحر والعبد، لأن المسلمين كنفس واحدة، والمراد من الولاء في قوله "ومن تولى قوما بغير إذن مواليه" ولاء العتق، فالمعنى عليه: من جعل من العبيد العتقاء له وليا غير المعتق بدون إذنه فعليه لعنة الله إلخ، واستشكل عليه بأن ولاء العتق ممنوع انتقاله عن موالي الرقيق ولو مع الإذن منهم، فلو أريد ولاء العتق لم يكن لقيد عدم الإذن فائدة، اللهم إلا أن يكون للتنبيه على أن

стр. 426

الغالب في المنع عدم الإذن، لهذا قيل إن المراد اتخاذ مواليه وأولياء أمره وحكامه من غير المسلمين، وعلى هذا التأويل تظهر فائدة تقييد الحكم بعدم الإذن وقصره عليه، وقد ورد في بعض الروايات أنه كان بالصحيفة "العقل وفكاك الأسير، ولعن الله من لعن والده" ويجمع بين هذه الأخبار بأن الصحيفة المذكورة كانت تشتمل على مجموع ما ذكر فقال كل راو بعضها. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - جواز لعن أهل المعاصي والفساد، لكن لا دلالة فيه على لعن فاسق معين. ٢ - أن المحدث والمؤوي للمحدث في الإثم سواء. ٣ - جواز كتابة العلم. ٤ - تحريم صيد المدينة وقطع شجرها. ٥ - أن نقض العهد حرام. ٦ - رد ما تدعيه الشيعة من أن عليا وأهل بيته كان عندهم من النبي ﷺ أمور كثيرة أعلمهم بها سرا تشتمل على كثير من قواعد الدين وأمور الإمارة. قال الشرقاوي: وهذا مسلم بالنسبة لأحكام الشرع الظاهرة، أما الباطنة كعلوم الحقائق والأسرار الإلهية فلا مانع من أن يخص علي بشيء حتى يتحقق قوله ﵊ "أنا مدينة العلم وعلى بابها" وفي هذا الكلام نظر. والله أعلم.

стр. 427

كتاب الصوم الصوم في اللغة الإمساك مطلقا، وشرعا: إمساك عن الفطر جميع النهار على وجه مخصوص، وقد فرض صوم رمضان في شعبان من السنة الثانية من الهجرة، والمشهور عند الشافعية والجمهور أنه لم يجب صوم قط قبل صوم رمضان، وفي وجه وهو قول الحنفية أن أول ما فرض من الصيام صيام عاشوراء فلما نزل الأمر بصيام رمضان نسخ. والصوم وصلة للصفاء الروحي، وتزكية للبدن، وتضييق لمسالك الشيطان وكسر للنفس, وصبر على مضض الجوع والعطش، وإحجام عن الشهوات. فهو بذلك يعلم التواضع والعطف على الفقراء والشكر للمنعم وكسر الشهوة. ثم هو فوق ذلك امتحان وابتلاء، ينظر الله للصائم ويباهي به ملائكته، ويجزل له الجزاء، وقد ورد في شأنه قول الرسول ﷺ : "الصوم نصف الصبر" مع قوله "الصبر نصف الإيمان". ٤٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الصيام جنة فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي الصيام لي وأنا أجزي به والحسنة بعشر أمثالها".

стр. 428

-[المعنى العام]- الصيام تشريع حكيم دعت إليه الشرائع السابقة والعقول السليمة وقد قصد به الإسلام الإمساك عن الشهوات ليستر صاحبه يوم القيامة من النار التي حفت بالشهوات، وليؤدي هذا الغرض المقصود منه يجب أن يخلو من الفحش في القول والسفه في الفعل ليتوافق ظاهر المرء وباطنه، فيكون إمساكا عن جميع ما نهى الله عنه، لا عن بعض ما حرم الله، فليس الصيام عن الأكل والشرب إنما الصيام الحقيقي عن اللغو والرفث، فإن اعتدى على الصائم وسبه إنسان أو دافعه فينبغي ألا يقابله بالمثل، بل يزجر نفسه والمعتدي بقوله "إني صائم" فلا أدنس صيامي ويقسم الرسول ﷺ بربه الذي بيده الأرواح أن رائحة الفم المتغير من أثر الصيام أزكى عند الله من ريح المسك، ويقول تعالى: "الصيام لي" فلا حظ للصائم إلا الخضوع لأمري، يترك طعامه وشرابه وشهواته ابتغاء وجهي، أنا الذي سأجزيه جزاء لا يشبه جزاء الأعمال الحسنة الأخرى، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، لكنه جزاء غير معين لأنه صابر، و ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.﴾ -[المباحث العربية]- (جنة) بضم الجيم وتشديد النون أي وقاية من النار، أو من الشهوات أو منهما. (فلا يرفث) راجع المادة في الحديث رقم (٣٨) والفاعل مستتر يعود على الصائم المفهوم من المقام، وفي رواية الموطأ "فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث". (ولا يجهل) أي لا يفعل شيئا من أفعال أهل الجهل، كالصياح والسفه والسخرية، وفي رواية "فلا يرفث ولا يجادل". (وإن امرؤ قاتله أو شاتمه) "امرؤ" فاعل فعل محذوف يفسره المذكور والمراد من المقاتلة المنازعة والمدافعة ولو بالقول.

стр. 429

(والذي نفسي بيده لخلوف) القسم للتأكيد ولغرابة الخبر، والخلوف بضم الخاء، وحكى بعض الشيوخ فتحها وهو خطأ، وهو تغير طعم الفم وريحه لتأخر الطعام، قال: خلف فمه بفتح الخاء واللام يخلف إذا تغير، واللغة المشهورة من الثلاثي. (شهوته) قيل: المراد بها شهوة الجماع لعطفها على الطعام والشراب ويؤيده رواية "ويدع زوجته من أجلي"، وقيل: هو من عطف العام على الخاص. (الصيام لي) الجملة مستأنفة وقعت موقع البيان لموجب الحكم المذكور وفي رواية "فالصيام لي" بزيادة الفاء المفيدة للسببية. (وأنا أجزي به) أي أنا المنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته لا غيري بخلاف غيره من العبادات، فإنه قد تطلع عليها الناس، وجاء القصر من تكرير المسند إليه بتقديمه على الفعل، والمفعول محذوف، والتقدير وأنا أجزي به صاحبه. (الحسنة بعشر أمثالها) كان الظاهر أن يقول: بعشرة أمثالها. لأن المثل مذكر، فحقه تأنيث العدد، ولكنه لاحظ أن مثل الحسنة هو الحسنة، وهي مؤنثة فكأنه قال: بعشر حسنات. -[فقه الحديث]- في كون الصيام جنة بالفعل أو بالقوة قال القرطبي: الصيام جنة بحسب مشروعيته، فينبغي للصائم أن يصونه مما يفسده وينقص ثوابه، وإليه الإشارة بقوله: "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث". ويصح أن يراد أنه ستره بحسب فائدته وهي إضعاف شهوات النفس، وإليه الإشارة بقوله "يدع شهوته إلخ" ولا يفهم من النهي عن الرفث والجهل مع الصيام أن غير الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم، وقال الأوزاعي: إن الغيبة تفطر الصائم وتوجب عليه القضاء، وأفرط ابن حزم فقال: يبطله كل معصية من متعمد لها ذاكر للصوم، سواء كانت فعلا أو قولا، لعموم

стр. 430

قوله "فلا يرفث ولا يجهل" ولقوله ﷺ : "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". والجمهور وإن حملوا النهي على التحريم قد خصوا الفطر بالأكل والشرب والجماع، ولا يشك أحد في أن من لم يعرض صيامه لشيء من ذلك طول نهاره ليس هو في الفضل كمن عرض صيامه للآثام. والمراد بالمفاعلة في قوله "قاتله أو شاتمه" التهيؤ أي إذا تهيأ امرؤ لقتال الصائم وتهيأ الصائم لقتاله، وقيل. المراد بها الفعل حقيقة من جانب المتعدي والتهيؤ من جانب الصائم، أي إن دفع امرؤ الصائم وتهيأ الصائم لقتاله فليقل إلخ وقيل: إن المفاعلة ليست على بابها، والمراد إن اعتدى عليه أحد فلا يجاره، بل يصرفه عن نفسه بقوله: إني صائم ويؤيده رواية "وإن شتمه إنسان" بدون مفاعلة، وقد اختلف العلماء في قوله "إني صائم" هل يقولها في نفسه أو بلسانه؟ ثلاثة أقوال: أحدها: أن يقول ذلك بلسانه حتى يعلم من يجهل أنه معتصم بالصيام عن اللغو والرفث والجهل. ثانيا: أن يقول ذلك لنفسه، أي إذا كنت صائما فلا ينبغي أن أخدش صومي بالجهل ونحوه فيزجر نفسه بذلك. ثالثا: التفرقة بين صيام الفرض وصيام النفل، فيقول ذلك بلسانه في الفرض، ويقول لنفسه في التطوع بعدا عن الرياء، وإنما أمر بتكرير "إني صائم" ليتأكد البعد عن الشر من نفسه وممن خاطبه، وقيل: المراد من "مرتين" مرة لنفسه ومرة لخصمه، وقد ورد في رواية "فإن سابك أحد فقل: إني صائم، وإن كنت قائما فاجلس". وفائدة هذا الجلوس تغيير الوضع إلى وضع أقل تهيؤا للمقاتلة، فإن ذلك التغيير يضعف الثورة النفسية، فإذا كان قائما جلس، وإذا كان جالسا اضطجع. وفي معنى قوله "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" قال ابن المنير: لا حاجة إلى تجوز ولا تأويل، لأن الله عالم بهذا النوع من الإدراك وكذا بقية المدركات والمحسات يعلمها الله على ما هي عليه بدون حاسة لأنه خالقها وهو يعلم ما خلق، وتمسك الشافعية بظاهر الحديث، فقالوا بكراهة السواك بعد الزوال، وأجاب المالكية بأن هذا كناية عن مدح نفس الصوم، وإن لم يوجد خلوف

стр. 431

أصلا، وإنما كان خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ودم الشهيد ريحه ريح المسك فقط لا أطيب منه مع ما فيه من المخاطرة بالنفس وبذل الروح لأن الصوم أحد أركان الإسلام، وأيضا هو فرض عين، والجهاد فرض كفاية، وفرض العين أفضل من فرض الكفاية على الراجح كما نص عليه الشافعي. ووجه الربط بين قوله "يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي" بما قبله على تقدير يقول الله تعالى: يترك الصائم طعامه إلخ، وإنما قدرنا هذا ليصح المعنى لأن سياق الكلام يقتضي أن يكون ضمير المتكلم في لفظ "والذي نفسي بيده" وفي لفظ "من أجلي" من متكلم واحد وهو معنى فاسد، وفي معنى "الصيام لي" حيث إن الأعمال كلها لله، يقول القرطبي: لما كانت الأعمال يدخلها الرياء والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله أضافه إلى نفسه، وقيل معناه: لم يتعبد به أحد غيري. وقال ابن الجوزي: جميع العبادات تظهر بمجرد فعلها، وقل أن يسلم ما يظهر من شائبة الرياء، بخلاف الصوم، ويؤيد هذا قوله ﷺ "الصيام لا رياء فيه" وقوله "ليس في الصيام رياء" ومعناه أن الصوم لا رياء فيه من جهة فعله، فإن حال الممسك عن الطعام شبعا كحال الممسك تقربا من حيث الصورة، وإن كان الرياء يدخل الصوم بالقول والتحدث عن النفس، كما إذا قال الصائم متباهيا: إني صائم، والمراد من قوله "وأنا أجزي به" أن جزاء الصوم كثير من غير تعيين لمقداره، لأن الكريم إذا قال: أنا أتولى الإعطاء بنفسي كان ذلك إشارة إلى تعظيم هذا العطاء وتفخيمه، وهذا كقوله تعالى ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ والصابرون الصائمون في أكثر الأقوال، ويؤيده ما رواه الطبراني "وأما العمل الذي لا يعلم ثواب عامله إلا الله فالصيام" وظاهر الكلام عدم الارتباط بين قوله "والحسنة بعشر أمثالها" وبين ما قبله. ولهذا قيل: أن هذه الرواية مختصرة وأصلها كما في الصيام" وأنا أجزي به، كل حسنة يعملها ابن آدم عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به" فخص الصيام بالتضعيف على سبعمائة ضعف، وإنما عقبه بقوله "والحسنة بعشر أمثالها" إعلاما بأن الصوم مستثني من هذا الحكم فكأنه قال: الصوم لي وأنا أجزي به بغير حساب، والحسنة في غيره بعشر أمثالها. وقد اتفقوا

стр. 432

على أن المراد بالصيام الذي يستحق هذا الجزاء هو الصيام الذي سلم من المعاصي قولا وفعلا. وأدنى درجات الصوم الاقتصار على الكف عن المفطرات، وأوسطها أن يضم إليه كف الجوارح عن الجرائم، وأعلاها أن يضم إليهما كف القلب عن الوساوس. ٥٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". -[المعنى العام]- ينبه الرسول ﷺ إلى الغرض الأسمى من الصوم وأنه الإمساك عن المحرمات قبل الإمساك عن المفطرات، فيقول "من لم يترك الخنا" -وهو

стр. 433

الفحش في المنطق -والكذب والغيبة والنميمة ونحوها، من لم يترك هذه المحرمات وهو صائم فلا خير في صومه، وليس ينفعه، ولن يقبل الله تركه لطعامه وشرابه، نعم إن ترك الصوم انتهاك لحرمة الله وحقه، والزور وأمثاله انتهاك لحق الله وحق العباد، ولو وزن الصوم بإثم فحش اليد واللسان لرجح الإثم الثواب، وعاد الصائم من صومه صفر اليدين، وقد وضح الرسول ذلك لأصحابه حين قال: "أتدرون من المفلس؟ قالوا: من لا درهم له ولا دينار ولا متاع، قال: بل المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار". -[المباحث العربية]- (قول الزور) الزور الكذب والميل عن الحق، وفسر قول الزور بشهادة الزور وفهم بعض العلماء أن المراد الأمر بحفظ النطق فيعم الغيبة والرفث والصخب وكل ما يقبح النطق به. (والعمل به) في الكلام مضاف محذوف، أي والعمل بمقتضاه، والضمير يعود على قول الزور، وفي رواية "من لم يدع قول الزور والجهل والعمل به" فيحتمل عود الضمير على الجهل لقربه، ويحتمل عوده على قول الزور وإن بعد، لأن الروايات اتفقت عليه! ويحتمل أن يعود عليهما وأفرده لاشتراكهما في تنقيص الصوم. (فليس لله حاجة) مفهومه أن لله حاجة في الصيام إذا لم يكن معه قول الزور، ولكن هذا المفهوم غير مراد، لأن الله لا يحتاج إلى شيء، ولهذا كان التعبير مجازا عن عدم الالتفات والقبول، من قبيل نفي السبب وإرادة المسبب وقال ابن بطال: وضع الحاجة موضع الإرادة، يعني ليس لله إرادة في صيامه وعدم الإرادة كناية عن الرد وعدم القبول، فيرجع لما قبله، وجاء في رواية "فليس به حاجة" قال الحافظ ابن حجر: فإن لم تكن تحريفا فالضمير للصائم.

стр. 434

-[فقه الحديث]- هذا الحديث يحتمل أن يراد منه: من لم يدع قول الزور والعمل بمقتضاه مطلقا غير مقيد بصوم فماذا يصنع بصومه؟ كما يقال: من لم ينته عن الفحشاء والمنكر فلا فائدة من صلاته، ويحتمل أن يكون المراد: من لم يدع ذلك في حالة تلبسه بالصوم، وهذا هو الظاهر وقد صرح به في بعض الطرق، وليس معنى قوله "فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" أن يؤمر بترك صيامه، وإنما معناه التحذير من قول الزور وما ذكر معه. وهو مثل قوله ﷺ "من باع الخمر فليشقص الخنازير" أي فليذبح الخنازير، وليقطعها بالمشقص، وهو نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض، فليس المراد أمره بذبح الخنازير، ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم بائع الخمر، فكذلك من اغتاب أو شهد زورا أو منكرا لا يؤمر بأن يدع صيامه، ولكنه يؤمر باجتناب ذلك ليتم له أجر صومه، ومن هذا القبيل قوله ﷺ "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" وقد اختلف العلماء في أن الغيبة والنميمة والكذب والزور تفطر الصائم، وقد روى الغزالي "خصلتان تفسدان الصوم الغيبة والكذب" والجمهور من الأئمة -كما مر -على أنه لا يفسد الصوم بذلك، والمعروف في رواية الغزالي "خصلتان من حفظهما سلم له صومه: الغيبة والكذب" وقال ابن العربي مقتضى هذا الحديث أن فاعل ما ذكر لا يثاب على صيامه، ومعناه أن ثواب صيامه لا يقوم في موازنة إثم الزور وما ذكر معه وقال البيضاوي: ليس المقصود من مشروعية الصوم نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات وتطويع النفس الشريرة والأمارة بالسوء للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظرة القبول، وقال بعضهم لعل القصد بالصوم في الأصل الإمساك عن جميع المخالفات، لكن لما كان ذلك يشق خفف الله وأمر بالإمساك عن المفطرات، ونبه الغافل بذلك على الإمساك عن المخالفات، فيكون اجتناب المفطرات واجبا، واجتناب ما عداها من المخالفات من توابع الواجب والتحقيق، أن الصوم يتأثر بهذه الأشياء وينقص ثوابه بفعلها، لأنه إذا كان منهيا عنها مطلقا:

стр. 435

فتعلقها بالصوم دليل على زيادة قبحها من أجله، وتأثيرها في سلامته. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - النهي عن قول الزور والعمل به مطلقا، وزيادة قبحه في الصوم. ٢ - أن الصوم لا يسلم مع قول الزور. ٣ - الحث على التثبت من صحة الأنباء قبل العمل بمقتضاها حيث أشرك العامل بقول الزور مع قائله في الحكم. ٥١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم فقال له رجل من المسلمين إنك تواصل يا رسول الله قال: "وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقين" فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال "لو تأخر لزدتكم" كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا -وفي رواية عنه قال لهم: "فاكلفوا من العمل ما تطيقون".

стр. 436

-[المعنى العام]- من الجلي أن يكون لإمام البشر خصائص وأعمال يقوم بها لا يستطيعها سائر المكلفين، ومن ذلك قيام الليل، ووصال الصيام، أما قيام الليل فقد احتجب به عنهم، وأما وصال الصيام فقد نهاهم عنه بعد ما حاولوه، نهاهم محافظة منه على صحتهم وقوتهم فإن الإسلام لم يعدهم للصلاة والصيام فحسب، وإنما يدخر قوتهم للحرب والجهاد، والكفاح في سبيل العيش، وتخليف جيل قوي شديد يرهب الأعداء، وراجع النهي مسلم غيور على الاقتداء بفعله ﷺ فقال: إنك تواصل يا رسول الله ولنا بك أسوة حسنة، وأجابه الرسول ﷺ بأن الله يعينه على الوصال أكثر مما يعينهم: أيكم مثلي؟ إني أظل عند ربي في ساحة ذكره ومعارفه، فكأنه يطعمني ويسقيني، ويطمع الصحابة في هذه المنزلة الرفيعة فيصرون على الوصال، ويرد عليهم الرسول ﷺ عمليا فيواصل بهم يوم الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من رمضان، فيهل هلال شوال وقد بلغ منهم الجهد كل مبلغ، وأصابهم الكلال، وأضعف من قوتهم الوصال، ويرى الرسول ﷺ حالهم وتجلدهم فيقول: لو لم يهل هلال شوال لواصلت بكم وصالا حتى يدع المتعمقون تعمقهم، لا تتطلبوا من العبادة ما يجهدكم، وتكلفوا من العمل ما تطيقون. -[المباحث العربية]- (نهى النبي ﷺ عن الوصال في الصوم) مفعول "نهى" محذوف تقديره: نهى أصحابه. وحقيقة الوصال في الصيام أن يصوم يومين أو أكثر، ولا يتناول مطعوما بالليل عمدا بلا عذر. واختلفوا في الجماع والاستقاءة ليلا. هل تخرج عن الوصال أو لا؟ (وأيكم مثلي؟ ) الواو عاطفة على جملة مفهومة من المقام تقديرها: هذا شأني، وأيكم مثلي؟ والاستفهام يفيد التوبيخ المشعر بالاستبعاد، وقوله "مثلي" أي على صفتي ومنزلتي من ربي. (إني أبيت) وفي رواية "إني أظل" والمراد بلفظ "أظل" مطلق الكون ولا

стр. 437

اختصاص لذلك بنهار دون ليل، كقوله تعالى ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا﴾ وذلك لأن المتحدث عنه الإمساك ليلا لا نهارا. (يطعمني ربي) الجملة في محل النصب خبر "أبيت": أو حال على جعلها تامة. (فلما أبوا أن ينتهوا) "أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول "أبوا". (واصل بهم يوما ثم يوما) ظاهره أن مدة المواصلة كانت يومين، وقد صرح بذلك في رواية أخرى، وتعبيره هذا يفيد من التراخي الذي يتناسب مع طول أيام الوصال على الصائمين ما لا يفيده التعبير بيومين، وهذا سر التعبير بثم. (ثم رأوا الهلال) هلال شهر شوال لأن الوصال كان في آخر رمضان. (لو تأخر لزدتكم) فاعل تأخر يعود على الهلال. وكأن الهلال بدا بعد تسع وعشرين من رمضان، فتمنى أن لو كمل رمضان ثلاثين يوما ليواصل بهم، ومفعول "زدتكم" الثاني محذوف تقديره: لزدتكم وصالا. (كالتنكيل) هذا من كلام الراوي، والمشبه مفهوم مما قبله أي هذا القول من الرسول ﷺ كالتنكيل والزجر والمعاقبة. (فاكلفوا) بدون همزة من الثلاثي من باب علم يقال: كلف بالأمر إذا أولع به. وحكى القاضي عياض أن بعضهم قاله بهمزة قطع وكسر اللام، قال: ولا يصح لغة، والمعنى هنا: فتكلفوا ما تطيقونه: وكلمة "ما" موصولة "وتطيقون" صلة: والعائد محذوف، والفاء في "فاكلفوا" أفصحت عن شرط تقديره: إذا تبين لكم إجهاد الوصال ومشقته فتكلفوا ما تطيقون. -[فقه الحديث]- سبب هذا النهي ما ورد أن النبي ﷺ واصل، فواصل الناس فشق عليهم، فنهاهم رحمة بهم، وإبقاء عليهم، وحفظا على سلامة أبدانهم

стр. 438

وقوتهم، وكراهة للتعمق في الدين، وتكلف ما لم يكلف، وخشية أن يفرض فيعجزوا عنها وقول الرجل "إنك تواصل يا رسول الله" لا ينافي الأدب، لأنه لم يكن على سبيل الاعتراض، ولكن على سبيل استخراج الحكم أو الحكمة أو بيان التخصيص. وقد اختلفوا في المعنى المراد من قوله "يطعمني ويسقيني" فقيل: هو على حقيقته، وأنه ﷺ كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له في ليالي صيامه. وتعقبه ابن بطال بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلا. وقيل: يخلق الله فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب، ورد أيضا بالنظر إلى حاله ﷺ فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع، ويربط الحجر على بطنه من الجوع، وبأنه لو خلق فيه الشبع والري لما وجد روح عبادة الصوم، وهو الجوع والمشقة وحينئذ يكون ترك الوصال أولى. وقيل: يحفظ الله عليه قوته من غير طعام ولا شراب كما يحفظها بالطعام والشراب، ويقوى على أنواع الطاعة من غير ضعف ولا كلال، فعبر بالطعام والسقيا عن فائدتهما، وهي القوة، وهذا قول الجمهور والفرق بينه وبين ما قبله أن ما قبله يعطى القوة مع الشبع والري، وهذا يعطى القوة من غير شبع ولا ري، بل مع الجوع والظمأ، وقال ابن المنير ما حاصله، إن استغراقه ﷺ في أحواله الشريفة، واستغراقه في مناجاة ربه يجعله بحيث لا تؤثر فيه الأحوال البشرية من الجوع والعطش، فقد يستغني الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الجسماني، وهذا مشاهد، يحس به من زاد سروره باشتغاله بمحبوبه، فإنه ينسى الطعام والشراب والجوع والعطش، وهذا رأي حسن نحا نحوه العلامة ابن القيم، ولم يكن امتناع الصحابة ناشئا عن مخالفتهم لحكم رسول الله ﷺ وإنما كان لفهمهم من النبي ﷺ أن هذا النهي للتنزيه، ولرغبتهم في التأسي بأفعاله ﷺ وإنما واصل بهم ﷺ بعد نهيه تقريعا وتنكيلا لا تقريرا. وكانت تلك المواصلة في مصلحة النهي لا ضده، لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمته، وكان ذلك أدعى إلى اطمئنان قلوبهم، لما سيؤدي إليه الوصال من الملل في العبادة، والتقصير فيما هو أهم من وظائف الصلاة،

стр. 439

والقراءة وغيرها وهذا كما أشار عليهم أن يرجعوا من حصار الطائف، فلم يعجبهم فأمرهم بمباكرة القتال من الغد، فأصابتهم جراح وشدة وأحبوا الرجوع، فأصبح راجعا بهم، فأعجبهم ذلك. وفي حكم الوصال لغير النبي ﷺ قال أهل الظاهر: إنه حرام، إذ حملوا النهي في قوله "لا تواصلوا" على التحريم، وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى كراهيته، واختلفوا في كونها كراهة تنزيه أو تحريم وذهب آخرون إلى جواز الوصال لمن قوي عليه ولم يقصد موافقة أهل الكتاب ولم يرغب عن السنة في تعجيل الفطر، وممن كان يواصل عبد الله بن الزبير وذهب أحمد وجماعة من المالكية إلى جواز الوصال إلى السحر، وهذا في الحقيقة ليس بوصال، لأنه بمنزلة تأخير العشاء لمن جعل لنفسه في اليوم والليلة أكلة واحدة. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - جواز مراجعة المفتي فيما أفتى به إذا كان بخلاف حاله ولم يعلم المستفتي سر المخالفة. ٢ - جواز الاستكشاف عن حكمة النهي. ٣ - أن الصحابة كانوا يرجعون إلى فعله ﷺ المعلوم صفته. ٤ - أنهم كانوا يبادرون إلى الاقتداء به إلا فيما نهاهم عنه. ٥ - ثبوت خصائصه ﷺ وأن عموم قوله ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة﴾ مخصوص. ٦ - إثبات قدرة الله تعالى على إيجاد المسببات العاديات من غير سبب ظاهر، حيث وجدت قدرة الرسول ﷺ بدون طعام ولا شراب. ٧ - استواء المكلفين في الأحكام، وأن كل حكم ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حق أمته إلا ما استثنى. ٨ - جواز قول "لو" وحمل النهي الوارد في ذلك على ما لا يتعلق بالأمور الشرعية.

стр. 440

٥٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: قدم النبي ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: "ما هذا؟ " قالوا: هذا يوم صالح هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى قال: "فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه". -[المعنى العام]- كانت قريش تعظم يوم عاشوراء فتكسوا الكعبة فيه وتزينها، وكانت تصوم هذا اليوم، وكان النبي ﷺ يصومه شكرا لله على نجاة نوح وموسى وإغراق الكافرين فيه، فلما قدم المدينة وجاء يوم عاشوراء وجد اليهود صياما فسألهم عن سر صيامهم، قالوا: هذا يوم صامه موسى شكرا لله على نجاته ونجاة بني إسرائيل من عدوهم، ونحن نصومه تعظيما له، فقال لهم الرسول

стр. 441

صلى الله عليه وسلم أنا أحق منكم بموسى، ثم قال لأصحابه: أنتم أحق بموسى منهم فصوموا، فلما فرض صيام رمضان كان من شاء صام هذا اليوم ومن شاء أفطر، وفي فضل صومه قال ﷺ "صيام يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله". -[المباحث العربية]- (فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء) الفاء عاطفة على محذوف، لأن الرسول ﷺ قدم المدينة في ربيع الأول، ورأى اليهود في المحرم من العام القابل في السنة الثانية من الهجرة، والتقدير قدم المدينة، فأقام عشرة أشهر، فرأى اليهود "وعاشوراء" بالمد على المشهور، وحكي فيه القصر، علم على اليوم العاشر من شهر المحرم على الصحيح، وهو مقتضى الاشتقاق، والموافق للمعنى الموضوع له وقيل هو اليوم التاسع منه. (ما هذا؟ ) "ما" اسم استفهام خبر مقدم، و"هذا" مبتدأ مؤخر، والإشارة للصوم المفهوم من المقام. (يوم صالح) "يوم" خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا يوم صالح، ووصف اليوم بالصلاح باعتبار ما حدث فيه. (يوم نجى) يوم بالتنوين لعدم إضافته لما بعده، وجملة "نجى" إلخ صفته وعائد الصفة محذوف مع الجار، وبدون تنوين على أنه مبني لإضافته إلى مبني. (فصامه وأمر بصيامه) أي ثبت على صيامه له وداوم على ما كان عليه، فقد كان يصومه قبل قدومه إلى المدينة، ومفعول "أمر" محذوف تقديره وأمر المسلمين بصيامه. -[فقه الحديث]- / ١٦ تتلخص نقاط الحديث فيما يأتي:

стр. 442

أولا: دواعي اليهود لصيام هذا اليوم وتعظيمهم له، فقد روي أنهم كانوا يتخذونه عيدا، ويلبسون نساءهم فيه حليهن ولباسهن الحسن الجميل، واقتداء بموسى ﵇ في صيامه له، وسر هذا التعظيم ما ذكره وبقولهم: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله فيه بني إسرائيل من فرعون بإغراقه في اليم، وقيل في فضل هذا اليوم، إن سفينة نوح استوت فيه على الجودي، فصامه نوح شكرا لله وإن يونس نجي فيه من بطن الحوت، وتاب الله فيه على آدم، وأخرج يوسف فيه من الجب، وولد فيه عيسى، وفيه رفع، ورد إلى يعقوب فيه بصره، إلى غير ذلك من الفضائل التي لم يرد فيها أثر صحيح. ثانيا: ثبت أن الرسول ﷺ كان يصومه قبل الهجرة، وكان صيامه له إما عن اجتهاد أو أذن الله بصيامه على أنه فعل خير، أو صامه استنادا إلى شرع إبراهيم ﵇، أما أمره أصحابه بصيامه بعد أن سمع مقالة اليهود فلم يكن تصديقا لقولهم، بل لكونه كان يصومه، أو لعل الوحي نزل على وفق قولهم، أو أنه لم يبتدئ الأمر بصيامه فقد كانوا يصومونه، ولم يحدث بقوله تجديد حكم، أو أن هذا من قبيل استئلاف اليهود كما استألفهم باستقبال قبلتهم أو تواتر عنده الخبر أو صامه باجتهاده أو أخبره من أسلم منهم كابن سلام. ثالثا: أحقيته ﷺ بموسى منهم إنما هي باعتبار الاشتراك في الرسالة والأخوة في الدين، والقرابة الظاهرة، فضلا عن أنه أطوع وأتبع للحق منهم. رابعا: روي أن الرسول ﷺ قال في آخر أعوامه "إن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" ومات ﷺ قبل ذلك، وروي أنه قال لأصحابه "صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، وصوموا قبله يوما وبعده يوما" فإن قيل: إن رغبته هذه في المخالفة تتنافى مع موافقته لهم ومع قوله "نحن أحق بموسى منكم" قلنا: إنه ﷺ كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ولا سيما فيما يخالفون فيه أهل الأوثان فوافقهم وقال "نحن أحق بموسى منكم" واستمر على صيام يوم عاشوراء حتى فتحت مكة، ولما تم الفتح

стр. 443

واشتهر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضا فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله ويوم بعده. خامسا: آراء الفقهاء في حكم صوم يوم عاشوراء قبل فرض صوم رمضان وبعده، وقد اتفق العلماء على أن صوم عاشوراء سنة وليس بواجب واختلفوا في حكمة أول الهجرة، فقال أبو حنيفة: كان واجبا، بدليل أمره ﷺ أصحابه بصيامه، والأمر المجرد عن القرائن يدل على الوجوب، فلما فرض رمضان نسخ وجوب صوم عاشوراء وبقي الاستحباب، ويؤيده ما روي عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ قد أمر بصيام يوم عاشوراء، فلما فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر" وفي رواية "فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا ولم يتعاهدنا عنده" ومدة فريضة صيام عاشوراء على هذا سنة واحدة لأن فرض صوم رمضان كان في السنة الثانية من الهجرة، والمشهور عند الشافعية أنه كان قبل فرض رمضان مستحبا استحبابا آكد، فلما فرض رمضان ترك أكد استحبابه، وبقي مطلق الاستحباب، ورجح ابن حجر أن المتروك وجوبه، وقال: إن تأكد استحبابه باق، ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى في عام الوفاة، ولترغيبه ﷺ في صومه، وأنه يكفر سنة، ثم قال: وأي تأكيد أبلغ من هذا؟ سادسا: البدع المشتهرة في عاشوراء من صلاة مخصوصة، ودعاء مخصوص. واكتحال بالإثمد في ذلك اليوم لم تصح، ولم يرد فيها عن رسول الله ﷺ أثر صحيح, وهي من وضع قتلة الحسين ﵁. سابعا: -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - سؤال العالم غيره عن سر ما يفعل من العبادات. ٢ - استحباب الصيام في أيام الإنعام شكرا لله. ٣ - استحباب صيام يوم عاشوراء.

стр. 444

باب فضل ليلة القدر القدر بفتح القاف وسكون الدال، قال الحافظ ابن حجر: اختلف في المراد بالقدر الذي أضيفت إليه "ليلة" قيل: المراد به التعظيم، كقوله تعالى: ﴿ما قدروا الله حق قدره﴾ والمعنى أنها ذات قدر، لنزول القرآن فيها، وتنزل الملائكة ورحمة الله لعباده، ولأن كل عمل صالح فيها يكون له قدر عند الله، وقيل: القدر بمعنى القدر بفتحة القاف والدال، وهو الذي يقرن دائما مع القضاء ومعناه تفصيل ما جري به القضاء وإظهاره للملائكة، وشرع إحياؤها بالعبادة، وكان رسول الله ﷺ يقوم العشر الأوسط من رمضان ومعه أصحابه، فأري ليلة القدر وهيئ له زمنها وأنها في العشر الأواخر، فخرج صبيحة العشرين فخطب أصحابه، وقال: من اعتكف مع رسول الله في العشر الوسطى فليرجع إلى معتكفه التماسا لليلة القدر، واعتاد ﷺ اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، وفي ذلك ورد الحديث التالي: ٥٣ - عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليلة وأيقظ أهله.

стр. 445

-[المعنى العام]- كان النبي ﷺ يقوم بعض الليل، ويقوم ليالي خاصة، وكان أكثر ما يقوم في رمضان، وأكثر ما يقوم من رمضان العشر الأوسط، لأنها وقت غفلة عامة الناس، وفيها تفتر الهمم، فلما أبينت له ليلة القدر اهتم بالعشر الأواخر، وقام بإحيائها كلها، واعتزل نساءه فيها، وتخلص لعبادة ربه، وأيقظ من يستطيع القيام من أهله، ليشاركوه إحياءها التماسا لليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. -[المباحث العربية]- (كان إذا دخل العشر) "ال" في "العشر" للعهد، أي العشر الأواخر من رمضان كما جاء في رواية أخرى. (شد مئزره) المئزر والإزار كالملحفة واللحاف، وهو ما يأتزر به الرجل من أسفله، و"شد مئزره" كناية عن جده واجتهاده في العبادة فوق ما كان يجتهد عادة، وقد جاء في رواية أخرى "جد وشد المئزر" ولما كان العطف يقتضي المغايرة قالوا، شد المئزر كناية عن اعتزاله النساء، وبذلك فسره السلف والأئمة المتقدمون، واستشهد له بقول الشاعر: قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم عن النساء ولو باتت بإظهار ويؤيد هذا المعنى رواية الطبراني: "كان ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان طوى فراشه واعتزل النساء" ويحتمل أن يراد بشد المئزر الاعتزال والتشمير معا. (وأحيا ليله) إيقاع الإحياء على الليل مجاز عقلي، والمراد إحياء نفسه بالطاعة في الليل، لأن النوم أخو الموت، والقائم إذا حيى باليقظة فقد أحيا ليله بحياته، ويصح أن يكون استعارة، بأن شبه القيام بالإحياء الذي هو إدخال الروح في الجسد، بجامع حصول الانتفاع التام، واشتق منه أحيا بمعنى قام فيه بالعبادة.

стр. 446

-[فقه الحديث]- اختار الرسول ﷺ العشر الأواخر للتشمير عن ساعد الجد في العبادة بعد أن أبينت له ليلة القدر وأنها فيه -وليس معنى اجتهاده ﷺ فيها أنه كان في غيرها غير مجتهد، بل المراد أنه كان يزيد من اجتهاده، ويعتكف هذه الأيام، وإيقاظه لأهله يجوز أن يكون قبل اعتكافه، ويجوز أن يكون من المسجد من باب الخوخة التي كانت له إلى بيته في المسجد. ويحتمل أن يوقظهن إذا دخل البيت لحاجته والمراد من أهله من يطيق القيام كما جاء في بعض الروايات. وظاهر الحديث أنه كان يحيي الليل كله، وأما قول بعض الفقهاء: يكره قيام الليل كله فمعناه الدوام، دون قيام ليلة وليلتين وعشر، وقيل: المراد من قولها: "وأحيا ليله" أحيا معظمه لا كله، لقول عائشة في حديث صحيح "ما علمته قام ليله حتى الصباح". -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - استحباب إحياء الليل. ٢ - استحباب إحياء العشر الأواخر من رمضان استحبابا آكد. ٣ - استحباب إشراك الأهل مع الرجل في العبادات المستحبة وأن ذلك مطلوب منه. ٤ - الحرص من الرسول ﷺ على مداومة القيام في العشر الأواخر.

стр. 447

كتاب البيوع لما فرغ من بيان العبادات المقصود منها التحصيل الأخروي شرع في بيان المعاملات المقصود منها التحصيل الدنيوي، والبيوع جمع بيع، وجمع لاختلاف أنواعه، وهو لغة مطلق المبادلة، ويطلق أيضا على الشراء، يقال: باعه الشيء وباعه منه، وابتاع الشيء اشتراه، وشرى الشيء باعه، قال تعالى: ﴿وشروه بثمن بخس﴾ والبيع شرعا مبادلة بالمال على وجه مخصوص. ٥٤ - عن المقدام ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده". -[المعنى العام]- يرغب الرسول ﷺ في السعي والعمل والأكل من طريق حلال، بل من طريق أحل، وهو طريق عمل اليد، طريق الكفاح من عمل مباح، كسرة من هذا الطريق بدون ملح أطيب وألذ من الضأن من غيره عند سليم الإحساس، ولكن هذه الدعوة الإسلامية السامية لم تلق عند المسلمين في عصرنا آذانا صاغية فضعف إنتاجهم في الدنيا وفشا فيهم الجهل والفقر والمرض، وكثر فيهم التسول مع صحة الجسم ووجاهة المنظر، تحت أسماء مختلفة قارئ للكف وضارب للرمل وشيخ متصوف وعابر سبيل، فوق النصب والنشل

стр. 448

والاحتيال وغير ذلك، مما هو سبة في جبين الإسلام والمسلمين، وتقدم غيرهم، وأنتجوا وعملوا بهذه الحكمة بل جعلوا في دستورهم "من لم يعمل لم يأكل". وبهذا ساد المشركون ورموا الإسلام بأنه دين التواكل والضعف والذل والتأخر، والإسلام من هذا الوصف وممن كان السبب في وصمه به بريء، فهذا عبد الرحمن بن عوف يهاجر صفر اليدين وقد آخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع، فقال له سعد: إنني أكثر الأنصار مالا، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجتها، فإذا الإسلام في شخص عبد الرحمن يقول: لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة، قال: سوق قينقاع. فغدا إليه عبد الرحمن بأقط وسمن، أي والله صحابي جليل لا يستحي أن يبيع الجبن والسمن في السوق، وإنما يستحي أن يكون عالة على الناس، ثم تابع الغدو فما لبث أن بدا عليه النعيم. وغيره وغيره من مثل الإسلام الرائعة التي تعبر تعبيرا صادقا عن الإسلام، وأنه اليوم مظلوم، ومظلوم من أهله قبل أعدائه فاللهم وجه المسلمين إلى الطريق المستقيم. -[المباحث العربية]- (ما أكل أحد طعاما قط) أي من بني آدم كما جاء في بعض الروايات و"قط" بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة ظرف زمان لاستغراق ما مضى ويختص بالنفي وهو مبني على الضم، واشتقاقه من قططت الشيء بمعنى قطعته. (خيرا من أن يأكل) "خيرا" صفة لمصدر محذوف، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بمن، والمعنى: ما أكل أحد طعاما أكلا خيرا من أكله من عمل يده، ويجوز أن تكون "خيرا" صفة لطعاما، وعليه يلزم أن يكون المصدر المنسبك "من أن يأكل" مرادا به اسم المفعول، والمعنى: ما أكل أحد طعاما خيرا من طعام "مأكول" من عمل يده.

стр. 449

-[فقه الحديث]- وجه الخيرية في قوله ﷺ "خيرا من أن يأكل من عمل يده" ما في عمل اليد من إيصال النفع إلى الكاسب وإلى غيره، والسلامة من البطالة المؤدية إلى الفضول، وكسر النفس به، والتعفف عما في أيدي الناس. والبعد عن ذل السؤال. وقد روى ابن المنذر "ما أكل رجل طعاما قط أحل من عمل يديه" وروى النسائي "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه" ويؤخذ من مجموع الروايات أن الخيرية من ناحية الحل والطيب واللذة- وعدم شعور البعض بالفرق في الطعم بين لقمة الكسب ولقمة السحت إنما هو من ضعف الإدراك وقلة الذوق وانعدام الإحساس، وقد ضرب الرسول ﷺ مثلا لمرهفي الشعور بنبي الله داود ﵇، واختاره من بين الأنبياء مع أن آدم كان حراثا، ونوحا كان نجارا، وإدريس كان خياطا، وموسى كان راعيا إلخ، اختاره لأن اقتصاره في أكله على ما يعمل بيده لم يكن لاحتياجه لأنه كان خليفة الله في أرضه. ومع ذلك اختار الأكل من الطريق الأفضل وهو عمل يده، وفي عمل داود عظمة أخرى، وهي أنه كان يعمل الدروع من الحديد ويبيعها ويأكل من ثمنها، وقيل: إنه كان يعمل القفاف أو كان يعمل زرادا "حدادا" أو ضافر خوص مما يحتقره الناس في زماننا ويستكثرون على أنفسهم أن يأكلوا منه، ويفضلون الأكل من السحت وبسيف الحياء، ومن هذا الوادي قوله ﷺ "لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه". -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - أن الاكتساب لا ينافي التوكل. ٢ - أن ذكر الشيء بدليله أوقع في نفس السامع. ٣ - تقديم ما يباشره المرء بنفسه على ما يباشره بغيره. ٤ - فضل الأكل من عمل اليد حتى مع الغنى.

стр. 450

٥٥ - عن حذيفة ﵁ قال: قال النبي ﷺ "تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم قالوا أعملت من الخير شيئا؟ قال: كنت آمر فتياني أن ينظروا ويتجاوزوا عن الموسر قال: قال فتجاوزوا عنه". -[المعنى العام]- يروى أن الله تعالى يأتي بعبد من عباده يوم القيامة، آتاه الله مالا، يقول له: ماذا فعلت في دار الدنيا في الخير؟ ﴿ولا يكتمون الله حديثا﴾ فيقول: ما عملت من الخير إلا أني كنت ذا مال وكنت أبايع الناس فكنت آمر غلماني وأقول: خذوا ما تيسر واتركوا ما تعسر، وتجاوزوا لعل الله يتجاوز عنا، فيقول الله : أنا أحق بذا منك، تجاوزوا عن عبدي. وصدق الله العظيم: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم.﴾ -[المباحث العربية]- (تلقت الملائكة روح رجل) أي استقبلتها، و"ال" في "الملائكة" للعهد، والمراد بهم ملائكة قبض الروح. (ممن كان قبلكم) أي من بني إسرائيل.

стр. 451

(قالوا: أعملت) الهمزة للاستفهام، وفي رواية بدونها، وهي مقدرة فيها، وقد قيل: إن هذا السؤال في القبر، ففي الكلام حذف والتقدير: فقبض فأدخل القبر فقالوا. ويحتمل أن يكون بعد البعث، والتقدير فبعث فأرسل الله له ملائكة يسألونه فقالوا. (فتياني) بكسر الفاء جمع فتى وهو الخادم، حرا كان أو مملوكا. (أن ينظروا) بضم الياء من الإنظار وهو الإمهال. (ويتجاوزوا) التجاوز وهو التسامح والاقتضاء الاستيفاء. (الموسر) اختلفوا في حده فقيل من عنده مئونته ومئونة من تلزمه نفقته وقيل: من يملك نصاب الزكاة، وقيل: من لا تحل له الزكاة، وقال الشافعي: قد يكون الشخص بالدرهم غنيا بكسبه. وقد يكون فقيرا بالألف مع ضعفه من نفسه وكثرة عياله. والمعتمد هنا في الإنظار أن الموسر والمعسر يرجعان إلى العرف. -[فقه الحديث]- يرغب الحديث في إنظار المعسر والتجاوز عن الموسر، وقد اختلفوا في إنظار المعسر وإبرائه أيهما أفضل؟ والراجح أن إبراءه أفضل من إنظاره، لأنه يحصل به مقصود الإنظار وزيادة ويكون ذلك مما استثنى من قاعدة كون الفرض أفضل من السنة، لأن الإنظار واجب، والإبراء مستحب، وقيل إن الإنظار أفضل، لشدة ما يقاسيه من ألم الصبر مع تشوف القلب، وهذا ليس موجودا في الإبراء الذي فيه راحة اليأس. ومن ثم قال ﷺ : "من أنظر معسرا كان له بكل يوم صدقة" فوزع الأجر على الأيام، وجعل لكل يوم يمر عوضا جديدا. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - أن العبد يحاسب عند موته بعض الحساب. ٢ - إباحة الأكل من كسب عبده لقوله "كنت آمر فتياني".

стр. 452

٣ - أن إنظار المعسر أو الوضع عنه سائغ، ومن دواعي المغفرة. ٤ - يشير الحديث إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا، خصوصا إذا أيده شرعنا. ٥ - أن الرب ﷻ يغفر الذنوب باليسير من الحسنات إذا كانت خالصة لوجهه. ٦ - أن الأجر يحصل لمن يأمر بالخير وإن لم يتول ذلك بنفسه. قال في الفتح: وهذا كله بعد تقرير أن شرع من قبلنا إذا جاء في شرعنا في سياق المدح كان حسنا عندنا. ٥٦ - عن حكيم بن حزام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو قال -حتى يتفرقا- فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما". -[المعنى العام]- تشريعان ساميان يرمي إليهما الرسول الكريم: ١ - الإمهال في المعاملة حتي يتبين الطرفان المحاسن والمساوئ لما يتعاملان عليه فلا يؤخذ أحدهما على غرة ولا يقع في خديعة "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا".

стр. 453

٢ - والنصيحة فيما يبذلان والصدق فيه، ليبارك الله لهما في المبيع والثمن بالزيادة والنماء فإن لم يصدقا وكتما العيوب ذهبت بركة البيع، فإنه لا يحل لامرئ يبيع سلعة يعلم أن بها داء إلا أخبر به، و"المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه شيئا وبه عيب إلا بينه له" و"من باع بيعا لم يبينه لم يزل في مقت الله، ولم تزل الملائكة تلعنه". -[المباحث العربية]- (البيعان) بفتح الباء وتشديد الياء المكسورة تثنية بيع، وأراد بهما البائع والمشتري، وإطلاقه على المشتري بطريق التغليب، أو هو من باب إطلاق المشترك وإرادة معنييه معا، إذ البيع جاء لمعنيين كما قدمنا وجاء في رواية "المتبايعان". (بالخيار) الباء للملابسة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر "البيعان" والتقدير: البيعان متلبسان بالخيار. (ما لم يتفرقا) "ما" مصدرية ظرفية. وهي حرف، والتقدير: مدة عدم تفرقهما. وجاء في رواية "ما لم يفترقا" والافتراق والتفرق بمعنى، وقيل الافتراق بالكلام والتفرق بالأبدان. (فإن صدقا وبينا) مفعول "صدقا" و"بينا" محذوف والتقدير فإن صدقا في وصف ما يبذلان وبينا عيوبه. (محقت) من المحق وهو النقصان وقيل: أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه أثر، ومنه قوله تعالى ﴿يمحق الله الربا﴾ أي يستأصله ويذهب ببركته. (بركة بيعهما) المصدر مراد به اسم المفعول وقيل باق على مصدريته. -[فقه الحديث]- تعرض الحديث إلى نقطتين فقهيتين:

стр. 454

الأولى: خيار المتبايعين، والثانية نصيحة كل منهما للآخر. أما النقطة الأولى فقد اختلف الفقهاء في تأويل "ما لم يتفرقا" فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن المراد التفرق بالأقوال فإذا قال البائع: بعت وقال المشتري: قبلت، أو اشتريت، فقد تفرقا، ولا يبقى لهما بعد ذلك خيار، ويتم البيع، ولا يقدر المشتري على رد المبيع "لا بخيار الرؤية أو خيار العيب، أو خيار الشرط، وقالوا: إن إثبات خيار المجلس لأحدهما يستلزم إبطال حق الآخر، فينتفي بقوله ﷺ "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وقالوا: إن الحديث "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" محمول على خيار القبول، بمعنى أنه إذا أوجب أحدهما فقط ولم يقبل الآخر فلكل منهما الخيار ما داما في المجلس، وذهب الشافعي وأحمد وأهل الظاهر إلى أن المراد بالتفرق في الحديث التفرق بالأبدان فلا يتم البيع حتى يوجد التفرق بالأبدان، فلو أقاما في مجلس العقد مدة أو تماشيا مراحل فهما على خيارهما وإن زادت المدة على ثلاثة أيام، فإن اختلفا في التفرق فالقول قول منكره بيمينه -وإن طال الزمن -لموافقته الأصل. وأما النقطة الثانية: فقد شرحت نتيجة الصدق والنصيحة، وعاقبة الكذب والخديعة، فإن صدق كل منهما في الإخبار عما يتعلق به من محاسن المبيع والثمن، وبين كل منهما لصاحبه ما يحتاج إلى بيانه من عيب في السلعة والثمن بورك لهما في بيعهما فكثر نفع المبيع والثمن، وإن كتم البائع عيب السلعة، وكتم المشتري عيب الثمن، وكذب البائع في الإخبار عن سلعته وكذب المشتري في وصف ثمنه ذهبت بركة بيعهما من الزيادة والنماء الذي كان يحصل على تقدير الخلو من الكذب والكتمان، وليس المراد أن البركة كانت موجودة ثم محقت، بل المراد عدم إنشائها لوجود الكذب والكتمان، وهل تحصل البركة لأحدهما إذا وجد منه الصدق والبيان دون الآخر؟ ظاهر الحديث يقتضي ذلك، ولكن يحتمل أن يعود شؤم أحدهما على الآخر، فيقوم شؤم التدليس والكذب الذي وقع في ذلك العقد بمحق بركته، وإن كان الصادق مأجورا والكاذب مأزورا.

стр. 455

-[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - ثبوت الخيار للمتبايعين حتى يتفرقا. ٢ - أن نصيحة المسلم واجبة. ٣ - أن غش المؤمن وخديعته حرام. ٤ - أن الصدق والنصيحة تزيد في النعم وتبارك في الانتفاع بها. ٥ - فضل الصدق والحث عليه وذم الكذب والحث على اجتنابه. ٦ - أن عمل الآخرة يحصل خير الدنيا والآخرة. ٧ - أن النماء الذي يجب أن يعول عليه إنما هو النماء المعنوي الذي هو سبب البركة، لا النماء الحسي الذي يحصل بسبب الكذب والخداع. ٥٧ - عن عون بن أبي جحيفة ﵁ قال: رأيت أبي اشترى عبدا حجاما فسألته فقال "نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب وثمن الدم ونهى عن الواشمة والموشومة وآكل الربا وموكله ولعن المصور". -[المعنى العام]- رأى أبو جحيفة ﵁ عبدا يحترف الحجامة، وكان يعتقد أنها

стр. 456

حرام، فرغب في أن يتقرب إلى الله بمنع هذا المحرم، ولا سبيل له على هذا العبد إلا أن يشتريه، فاشتراه من سيده، ثم أمر بالآلات التي يحجم بها فكسرت، مبالغة في منعه من مزاولة هذه المهنة، وسأله ابنه عن سر تكسير هذه الآلات؟ فقال: نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب، فلا يباع ولا يؤكل ثمنه، ونهى عن ثمن الدم، أي أجر الحجامة، فلا ينبغي أن تمتهن، ونهى عن الوشم، فلعن الواشمة والمستوشمة فلا ينبغي أن يغير أحد من خلق الله، ونهى عن الربا، أكله وإعطائه فهو حرب لله ورسوله، ولعن المصورين والمتشبهين بالخالق في تصوير ما خلق، إذ سيقال لهم يوم القيامة على سبيل التبكيت والتعجيز "أحيوا ما خلقتم" وفق الله الأمة الإسلامية إلى الطريق المستقيم. -[المباحث العربية]- (حجاما) أي صناعته الحجامة يتكسب منها لسيده. (فسألته) ظاهرة أن السؤال وقع عن سبب مشتراه، وذلك لا يناسب جوابه بحديث النهي، والتحقيق أن هذا السياق وقع فيه اختصار، بينه البخاري في رواية أخرى في آخر البيوع ولفظها "اشترى حجاما، فأمر بمحاجمة فكسرت، فسألته على ذلك". (وثمن الدم) أي أجرة الحجامة، وإطلاق الثمن عليها تجوز. (الواشمة) فاعلة الوشم، والتعبير بالمؤنثة لبيان الواقع والكثير والواشم مثلها. (الموشومة) التي وشم لها، ومثلها الموشم، والوشم أن يغرز الجلد بنحو إبرة، ثم يحشى بكحل أو نيلة فيتلون الجلد بالخضرة أو الزرقة والمقصود من النهي عن الواشمة والموشومة النهي عن فعلهما وهو الوشم. (وآكل الربا) في الكلام مضاف محذوف والتقدير: ونهى عن فعل آكل الربا.

стр. 457

-[فقه الحديث]- يمكن إجمال أحكام الحديث فيما يلي: أولا: حكم محترف الحجامة، وحكم أجره، وحكم معطي هذا الأجر. أما الحجامة فهي مباحة في حد ذاتها، وإذا كانت مباحة كان محترفها لا شيء عليه. نعم هي من المهن الدنيئة، كالكناسة، وينبغي أن يترفع عنها المسلم الحر، أما أجره فقد كرهه الأكثرون، وحملوا النهي في الحديث على التنزيه، مستدلين بأن النبي ﷺ احتجم، وأعطى الحجام صاعا من تمر، ولو كان أجره حراما لم يعطه، وإنما كره لخبثه من جهة كونه عوضا مقابلا لمخامرة النجس وأجازه كثير من العلماء من غير كراهة، كأجر البناء والكناس وقالوا في الحديث: إن النهي عن ثمن الدم السائل الذي حرمه الله، فلا يباع وقال أبو حنيفة: أجرة الحجام لا تجوز، مستدلا بأنه ﷺ نهى عن مهر البغي، وكسب الحجام فجمع بينهما، ومهر البغي حرام إجماعا، فكذلك كسب الحجام، وجعلوا النهي في حديثنا للتحريم وقال آخرون: يجوز للمحتجم إعطاء الحجام الأجرة، اقتداء بالنبي ﷺ في أفعاله، ولا يجوز للحجام أخذها عن كسبه، أما شراء أبو جحيفة للعبد فقد كان ليكسر محاجمه، ويمنعه عن تلك الصناعة فهما منه أن النهي عن ذلك للتحريم، فأراد حسم المادة. ثانيا: حكم بيع الكلب. وقد قال الشافعي وأحمد ومالك في رواية عنه: لا يجوز بيع الكلب، وإن ثمنه حرام ولو معلما، وذلك لنجاسته كالخنزير. وقال أبو حنيفة وبعض المالكية: يجوز بيع الكلاب التي ينتفع بها، وتباح أثمانها، وأجابوا عن هذا الحديث الذي معنا بأنه كان حين كان حكم الكلاب أن تقتل، وكان لا يحل إمساكها، ثم أبيح الانتفاع بها للاصطياد ونحوه. ونهي عن قتلها فيباح بيع ما ساغ الانتفاع به. ثالثا: حكم الواشم والموشوم: لا خلاف في حرمة الوشم، لأنه من فعل الجاهلية، وفيه تغيير لخلق الله تعالى، وقد ورد في فاعله اللعن.

стр. 458

روى الترمذي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة" وفي رواية البخاري "أن النبي ﷺ لعن الواشمات والمستوشمات والمتنمصات مبتغيات للحسن مغيرات خلق الله". رابعا: حكم آكل الربا وموكله، أي آخذه ومعطيه حرام بالإجماع، وقد ورد فيهما اللعن أيضا. واشتركا في الإثم، وإن كان الرابح أحدهما لأنهما في الفعل شريكان. خامسا: حكم التصوير، وقد خاض في هذا الموضوع كثير من الكتاب وخلاصة القول أن ظاهر لفظ الحديث العموم فيشمل جميع أنواع الصور سواء كانت ذات ظل أو لا ظل لها، وسواء كان لذي روح أو لغيره، وعلى هذا العموم حكم بعضهم بالتحريم، وقيل: إن النهي واللعن ورد على نوع خاص، هو النوع المعلوم وقتهما، وهو الرسم باليد والنحت، والعلة واضحة، هي خشية تعظيم الصور في يوم من الأيام لدرجة العبادة، وكان القوم قريبا عهدهم بعبادة الأصنام، وعلى ضوء ما تقدم وعلى ضوء اهتمام الشارع بما يؤدي إلى المفاسد وبما يجلب المصالح يمكن الحكم على الصور التي تترتب عليها المصالح ولا يخشى منها الضرر، كالصورة لتحقيق الشخصية ولتعليم الطب وصون الأمن ولعب الأطفال وصور ما لا روح فيه، بشرط ألا يكون له احترام ديني عند شعب من الشعوب. يمكن الحكم على هذه الصور وأمثالها بالإباحة، أما الصور الخلقية المخلة بالآداب والمثيرة للشهوة البهيمية، والصور في المعابد، وصور العظماء لقصد تقديس أشخاصهم، ونحو ذلك مما يخشى منها المفاسد فهي حرام. أما التماثيل فينبغي الحكم عليها بالتحريم، لا خشية من تعظيمها فحسب فالكثير منها يبصق عليها الناظرون كلما نظروها، ولكن لما فيها من إضاعة المال فيما لا نفع فيه، وتخليد العظماء لا يكون بأمثال من اللعب ذات اليدين والرجلين، وإنما يخلدهم عملهم وأثرهم، ولنا في محمد بن عبد الله ﷺ أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر.

стр. 459

-[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - جواز شراء العبد الحجام. ٢ - النهي عن بيع الكلب والنهي عن ثمنه. ٣ - النهي عن الوشم. ٤ - النهي عن ثمن الدم. ٥ - النهي عن الربا أخذه وإعطائه. ٦ - النهي عن التصوير. ٥٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد ولا تناجشوا ولا يبيع الرجل على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها". -[المعنى العام]- أصل عظيم من أصول الإسلام. وبعث لعوامل المحبة، واستئصال لأسباب الشقاق والشحناء، يتمثل في معاملات خمس، بينها الرسول صلى الله عليه وسلم

стр. 460

بقوله: لا يبيع حضري لبدوي، ولا يكون له سمسارا، ولا يزيد أحد في ثمن السلعة ما لم يرد الشراء، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب امرأة خطبها أخوه وقبلت خطبته، ولا تسأل امرأة طلاق امرأة أخرى لتحل محلها. -[المباحث العربية]- (أن يبيع حاضر لباد) الحاضر من كان من أهل الحضر، أي المدن والقرى والبادي من كان من أهل البادية أي المضارب والخيام، والمصدر مجرور بحرف محذوف، والمفعول محذوف، والتقدير نهى عن بيع حاضر متاعا لباد. (ولا تناجشوا) معطوف على معنى الجملة السابقة إذ معنى: نهى أن يبيع حاضر لباد، قال: لا يبع حاضر لباد، أو جملة "ولا تناجشوا" مقول لقول محذوف معطوف على ما قبله، أي نهى أن يبيع حاضر لباد، وقال: لا تناجشوا وأصله: تتناجشوا فحذفت إحدى التاءين، وذكره بصيغة التفاعل لأن التاجر إذا فعل ذلك لصاحبه كان بصدد أن يفعل له مثله، وأصل النجش في اللغة: تنفير الصيد من مكانه ليصاد، وفي الشرع الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها ليوقع غيره فيها، سمي بذلك لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة ليوقع المشتري كما يثير الصائد الصيد في الشباك. (ولا يبيع الرجل) بالرفع والجزم، أما الرفع فعلى أنه خبر بمعنى النهي وسياق النهي في صورة الخبر أبلغ في المنع، وأما الجزم فعلى النهي الصريح. (ولا يخطب) بالرفع والجزم كسابقه، ومثلهما "ولا تسأل المرأة" والفاعل في "ولا يخطب" يعود على الرجل، والخطبة بكسر الخاء اسم من خطب يخطب، من باب نصر فهو خاطب، وأما الخطبة بضم الخاء فهي من القول والكلام. (ولا تسأل المرأة طلاق أختها) مفعول "تسأل" الأول محذوف، والتقدير
следующие страницы →