← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14106

المنهل الحديث في شرح الحديث

موسى شاهين لاشين

Полный текст (1 103 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

حرام، فرغب في أن يتقرب إلى الله بمنع هذا المحرم، ولا سبيل له على هذا العبد إلا أن يشتريه، فاشتراه من سيده، ثم أمر بالآلات التي يحجم بها فكسرت، مبالغة في منعه من مزاولة هذه المهنة، وسأله ابنه عن سر تكسير هذه الآلات؟ فقال: نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب، فلا يباع ولا يؤكل ثمنه، ونهى عن ثمن الدم، أي أجر الحجامة، فلا ينبغي أن تمتهن، ونهى عن الوشم، فلعن الواشمة والمستوشمة فلا ينبغي أن يغير أحد من خلق الله، ونهى عن الربا، أكله وإعطائه فهو حرب لله ورسوله، ولعن المصورين والمتشبهين بالخالق في تصوير ما خلق، إذ سيقال لهم يوم القيامة على سبيل التبكيت والتعجيز "أحيوا ما خلقتم" وفق الله الأمة الإسلامية إلى الطريق المستقيم. -[المباحث العربية]- (حجاما) أي صناعته الحجامة يتكسب منها لسيده. (فسألته) ظاهرة أن السؤال وقع عن سبب مشتراه، وذلك لا يناسب جوابه بحديث النهي، والتحقيق أن هذا السياق وقع فيه اختصار، بينه البخاري في رواية أخرى في آخر البيوع ولفظها "اشترى حجاما، فأمر بمحاجمة فكسرت، فسألته على ذلك". (وثمن الدم) أي أجرة الحجامة، وإطلاق الثمن عليها تجوز. (الواشمة) فاعلة الوشم، والتعبير بالمؤنثة لبيان الواقع والكثير والواشم مثلها. (الموشومة) التي وشم لها، ومثلها الموشم، والوشم أن يغرز الجلد بنحو إبرة، ثم يحشى بكحل أو نيلة فيتلون الجلد بالخضرة أو الزرقة والمقصود من النهي عن الواشمة والموشومة النهي عن فعلهما وهو الوشم. (وآكل الربا) في الكلام مضاف محذوف والتقدير: ونهى عن فعل آكل الربا.

стр. 457

-[فقه الحديث]- يمكن إجمال أحكام الحديث فيما يلي: أولا: حكم محترف الحجامة، وحكم أجره، وحكم معطي هذا الأجر. أما الحجامة فهي مباحة في حد ذاتها، وإذا كانت مباحة كان محترفها لا شيء عليه. نعم هي من المهن الدنيئة، كالكناسة، وينبغي أن يترفع عنها المسلم الحر، أما أجره فقد كرهه الأكثرون، وحملوا النهي في الحديث على التنزيه، مستدلين بأن النبي ﷺ احتجم، وأعطى الحجام صاعا من تمر، ولو كان أجره حراما لم يعطه، وإنما كره لخبثه من جهة كونه عوضا مقابلا لمخامرة النجس وأجازه كثير من العلماء من غير كراهة، كأجر البناء والكناس وقالوا في الحديث: إن النهي عن ثمن الدم السائل الذي حرمه الله، فلا يباع وقال أبو حنيفة: أجرة الحجام لا تجوز، مستدلا بأنه ﷺ نهى عن مهر البغي، وكسب الحجام فجمع بينهما، ومهر البغي حرام إجماعا، فكذلك كسب الحجام، وجعلوا النهي في حديثنا للتحريم وقال آخرون: يجوز للمحتجم إعطاء الحجام الأجرة، اقتداء بالنبي ﷺ في أفعاله، ولا يجوز للحجام أخذها عن كسبه، أما شراء أبو جحيفة للعبد فقد كان ليكسر محاجمه، ويمنعه عن تلك الصناعة فهما منه أن النهي عن ذلك للتحريم، فأراد حسم المادة. ثانيا: حكم بيع الكلب. وقد قال الشافعي وأحمد ومالك في رواية عنه: لا يجوز بيع الكلب، وإن ثمنه حرام ولو معلما، وذلك لنجاسته كالخنزير. وقال أبو حنيفة وبعض المالكية: يجوز بيع الكلاب التي ينتفع بها، وتباح أثمانها، وأجابوا عن هذا الحديث الذي معنا بأنه كان حين كان حكم الكلاب أن تقتل، وكان لا يحل إمساكها، ثم أبيح الانتفاع بها للاصطياد ونحوه. ونهي عن قتلها فيباح بيع ما ساغ الانتفاع به. ثالثا: حكم الواشم والموشوم: لا خلاف في حرمة الوشم، لأنه من فعل الجاهلية، وفيه تغيير لخلق الله تعالى، وقد ورد في فاعله اللعن.

стр. 458

روى الترمذي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة" وفي رواية البخاري "أن النبي ﷺ لعن الواشمات والمستوشمات والمتنمصات مبتغيات للحسن مغيرات خلق الله". رابعا: حكم آكل الربا وموكله، أي آخذه ومعطيه حرام بالإجماع، وقد ورد فيهما اللعن أيضا. واشتركا في الإثم، وإن كان الرابح أحدهما لأنهما في الفعل شريكان. خامسا: حكم التصوير، وقد خاض في هذا الموضوع كثير من الكتاب وخلاصة القول أن ظاهر لفظ الحديث العموم فيشمل جميع أنواع الصور سواء كانت ذات ظل أو لا ظل لها، وسواء كان لذي روح أو لغيره، وعلى هذا العموم حكم بعضهم بالتحريم، وقيل: إن النهي واللعن ورد على نوع خاص، هو النوع المعلوم وقتهما، وهو الرسم باليد والنحت، والعلة واضحة، هي خشية تعظيم الصور في يوم من الأيام لدرجة العبادة، وكان القوم قريبا عهدهم بعبادة الأصنام، وعلى ضوء ما تقدم وعلى ضوء اهتمام الشارع بما يؤدي إلى المفاسد وبما يجلب المصالح يمكن الحكم على الصور التي تترتب عليها المصالح ولا يخشى منها الضرر، كالصورة لتحقيق الشخصية ولتعليم الطب وصون الأمن ولعب الأطفال وصور ما لا روح فيه، بشرط ألا يكون له احترام ديني عند شعب من الشعوب. يمكن الحكم على هذه الصور وأمثالها بالإباحة، أما الصور الخلقية المخلة بالآداب والمثيرة للشهوة البهيمية، والصور في المعابد، وصور العظماء لقصد تقديس أشخاصهم، ونحو ذلك مما يخشى منها المفاسد فهي حرام. أما التماثيل فينبغي الحكم عليها بالتحريم، لا خشية من تعظيمها فحسب فالكثير منها يبصق عليها الناظرون كلما نظروها، ولكن لما فيها من إضاعة المال فيما لا نفع فيه، وتخليد العظماء لا يكون بأمثال من اللعب ذات اليدين والرجلين، وإنما يخلدهم عملهم وأثرهم، ولنا في محمد بن عبد الله ﷺ أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر.

стр. 459

-[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - جواز شراء العبد الحجام. ٢ - النهي عن بيع الكلب والنهي عن ثمنه. ٣ - النهي عن الوشم. ٤ - النهي عن ثمن الدم. ٥ - النهي عن الربا أخذه وإعطائه. ٦ - النهي عن التصوير. ٥٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد ولا تناجشوا ولا يبيع الرجل على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها". -[المعنى العام]- أصل عظيم من أصول الإسلام. وبعث لعوامل المحبة، واستئصال لأسباب الشقاق والشحناء، يتمثل في معاملات خمس، بينها الرسول صلى الله عليه وسلم

стр. 460

بقوله: لا يبيع حضري لبدوي، ولا يكون له سمسارا، ولا يزيد أحد في ثمن السلعة ما لم يرد الشراء، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب امرأة خطبها أخوه وقبلت خطبته، ولا تسأل امرأة طلاق امرأة أخرى لتحل محلها. -[المباحث العربية]- (أن يبيع حاضر لباد) الحاضر من كان من أهل الحضر، أي المدن والقرى والبادي من كان من أهل البادية أي المضارب والخيام، والمصدر مجرور بحرف محذوف، والمفعول محذوف، والتقدير نهى عن بيع حاضر متاعا لباد. (ولا تناجشوا) معطوف على معنى الجملة السابقة إذ معنى: نهى أن يبيع حاضر لباد، قال: لا يبع حاضر لباد، أو جملة "ولا تناجشوا" مقول لقول محذوف معطوف على ما قبله، أي نهى أن يبيع حاضر لباد، وقال: لا تناجشوا وأصله: تتناجشوا فحذفت إحدى التاءين، وذكره بصيغة التفاعل لأن التاجر إذا فعل ذلك لصاحبه كان بصدد أن يفعل له مثله، وأصل النجش في اللغة: تنفير الصيد من مكانه ليصاد، وفي الشرع الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها ليوقع غيره فيها، سمي بذلك لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة ليوقع المشتري كما يثير الصائد الصيد في الشباك. (ولا يبيع الرجل) بالرفع والجزم، أما الرفع فعلى أنه خبر بمعنى النهي وسياق النهي في صورة الخبر أبلغ في المنع، وأما الجزم فعلى النهي الصريح. (ولا يخطب) بالرفع والجزم كسابقه، ومثلهما "ولا تسأل المرأة" والفاعل في "ولا يخطب" يعود على الرجل، والخطبة بكسر الخاء اسم من خطب يخطب، من باب نصر فهو خاطب، وأما الخطبة بضم الخاء فهي من القول والكلام. (ولا تسأل المرأة طلاق أختها) مفعول "تسأل" الأول محذوف، والتقدير

стр. 461

ولا تسأل المرأة زوج أختها طلاقها. (لتكفأ ما في إنائها) أي لتقلب ما في إناء أختها لنفسها، واللام في لتكفأ علة للمنهي عنه، لا للمنهي، أي لا يكن قلبها ما في إناء أختها في إناء نفسها سببا في سؤالها طلاق أختها، وكفء ما في الإناء كناية عن سلب ما للزوجة من المنفعة والعشرة وكل ما لها من الحقوق عند الزوج. -[فقه الحديث]- نهى الحديث عن خمسة أشياء: ١ - بيع الحاضر للبادي. ٢ - التناجش. ٣ - البيع على البيع. ٤ - الخطبة على الخطبة. ٥ - سؤال المرأة طلاق أختها. ١ - أما بيع الحاضر للبادي فصورته أن يجيء البلد غريب بسلعة يريد بيعها بسعر الوقت في الحال، فيأتيه حضري فيقول له: ضعها عندي لأبيعها لك على التدريج بأغلى من هذا السعر، والمبيع مما تعم حاجة أهل البلد إليه. وهل يختص هذا بالبادي؟ أو يلحق به من شاركه في عدم معرفة السعر الحاضر؟ ويلحق به كل إضرار بأهل البلد ينشأ عن الإشارة بتأجيل البيع؟ بالأول قال مالك وبالثاني قال الشافعي وأحمد. والجمهور على أن النهي للتحريم بشرط العلم بالنهي. وأن يكون المتاع المجلوب مما يحتاج إليه، وأن يعرض الحضري ذلك على البدوي، فلو عرضه البدوي على الحضري كان من قبيل النصيحة: والبيع صحيح مع التحريم عند الشافعي والجمهور، لأن النهي راجح إلى أمر خارج عن نفس العقد، وعند أهل الظاهر: البيع باطل، وقيل إن المراد من النهي ألا يكون الحضري سمسارا للبدوي، أي لا يتولى له البيع والشراء بأجرة، وهذا المعنى أعم من سابقه لشموله الشراء.

стр. 462

٢ - وأما التناجش فهو حرام فإن كان بمواطأة البائع وهو الكثير كأن يأخذ معه من أصحابه من يزيد في الثمن ليخدع المشتري الحقيقي سواء كانت الزيادة ليساوي الثمن القيمة، أو ليزيد عليها، فهما مشتركان في الإثم لما في ذلك من الخديعة، وإن كان بغير علم البائع كأن كان يعلم رغبة رجل وحاجته لسلعة خاصة غير موجود سواها، فيذهب لمعاكسته وإيقاعه فيها بثمن أعلى من قيمتها ولا يريد الشراء، فالإثم على ذلك الناجش، وإن كان الناجش البائع وحده، كأن يخبر بأنه اشترى هذه السلعة بأكثر مما اشتراها به ليوقع المشتري فالإثم عليه. وحكم البيع صحيح مع الإثم عند الشافعية والحنفية، ولا خيار، وعند المالكية صحيح مع الخيار وعند الحنابلة باطل إذا كان بمواطأة البائع. ٣ - وأما بيع الرجل على بيع أخيه فصورته أن يقول لمن اشترى سلعة في زمن خيار المجلس أو الشرط: افسخ لأبيعك خيرا منها بمثل ثمنها أو مثلها بأنقص، ومثل ذلك الشراء على الشراء، كأن يقول للبائع: افسخ لأشتري منك بأكثر. وقد أجمع العلماء على أن البيع على البيع والشراء على الشراء حرام. وفي صحة البيع خلاف، واستثنى بعضهم من الحرمة ما إذا كان البائع أو المشتري مغبونا وهو مردود. أما السوم على السوم وهو أن يتفق صاحب السلعة والراغب فيها على البيع، وقبل أن يعقداه يقول آخر لصاحبها: أنا أشتريها بأكثر، أو يقول للراغب: أنا أبيعك خيرا منها بأرخص، فإنه حرام كالبيع على البيع والشراء على الشراء، بخلاف المزايدة والمناقصة فلا شيء فيها، لأنها تحدث قبل الاتفاق والاستقرار. ٤ - وأما خطبة الرجل على خطبة أخيه، فصورتها أن يخطب رجل امرأة، ويحصل التراضي والاتفاق، فيأتي رجل آخر -وهو يعلم- فيخطب هذه المرأة، فإن لم يحصل التراضي، بأن رفض، أو لم يصرح بالتراضي، كوقت المشورة فالأصح أن لا تحريم، قال بعض المالكية: لا يحرم حتى يرضوا بالزواج ويسمى المهر. ٥ - وأما سؤال المرأة طلاق أختها فصورته أن تسأل امرأة زوج امرأة

стр. 463

أخرى أن يطلق زوجته ويتزوج بها، وقيل صورته أن يخطب الرجل المرأة، وله امرأة فتشترط المخطوبة طلاق الأولى، لتنفرد به وذكر الأخ في البيع والخطبة، والأخت في سؤال الطلاق ليس للتقييد، بل للتلطف والعطف، والنهي يعم البيع على بيع الكافر، والخطبة على خطبته، وسؤاله طلاق الكتابية، فالمراد من الأخوة، الأخوة في الإنسانية، والمعنى في هذه المنهيات أنها توغر الصدور، وتورث الشحناء، ولهذا لو أذن له في ذلك صاحب الحق ارتفع الإثم على الأصح. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - النهي عن كل ما فيه تضييق على الناس. ٢ - النهي عن هذه المذكورات الخمس وما في حكمها مما يحدث الشقاق والتباغض.

стр. 464

٥٩ - عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء والفضة بالفضة إلا سواء بسواء وبيعوا الذهب بالفضة والفضة بالذهب كيف شئتم". -[المعنى العام]- يحذر الرسول ﷺ من الربا والتباسه بالبيع: "لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة إلا إذا كان متساويين" أي مع الحلول والتقابض المعبر عنهما في حديث آخر "الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء" أي "خذ وهات" أما إذا اختلف جنس الربويين مع اتحاد العلة كالفضة بالذهب فبيعوا كيف شئتم مع التفاضل بشرط أن يكون يدا بيد، فقد نهى الرسول ﷺ عن بيع الذهب بالورق دينا (والورق بفتح الواو وكسر الراء الفضة). -[المباحث العربية]- (إلا سواء بسواء) الاستثناء مفرغ، و"سواء" منصوب على الحالية على التأويل بمتساويين. (كيف شئتم) كيف حال، والمعنى على أي حال شئتم. -[فقه الحديث]- يشتمل الحديث على حكمين: ١ - بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، ومثلهما كل ربوي بمثله وشرط صحة بيعه التساوي والحلول والتقابض قبل التفرق، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وذهب مالك إلى وجوب التقابض عند الإيجاب بالكلام، فلو انتقل من ذلك الموضع إلى آخر لم يصح تقابضهما، أي لا يجوز عنده تراخي القبض في الصرف، سواء كانا في المجلس أو تفرقا، وإذا اشتمل

стр. 465

العقد على ربوي من الجانبين ومعه غيره فلا بد من التماثل بين الربويين، ولو كان ذلك الغير المصاحب للمقترن معه في العقد من غير نوعه، كمد عجوة ودرهم، بمد عجوة ودرهم، وعليه فلا يصح بيع مائتي دينار جيدة أو رديئة أو وسط بمائة دينار جيدة ومائة رديئة، ولا بيع مائة رديئة بمائة وسط، والمراد من الذهب والفضة جميع أنواعهما المضروب وغير المضروب. ٢ - بيع الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، ومثلهما كل ربويين اتحدا في العلة واختلف جنسهما، وشرط صحة هذا البيع الحلول والتقابض، فالمراد من قوله: "كيف شئتم" كيف شئتم من ناحية التفاضل، أي لا يشترط التساوي المشروط مع الربويين اللذين من نوع واحد، أما إذا اختلفت العلة كذهب وحنطة، أو كان أحد العوضين أو كلاهما غير ربوي كذهب وثوب، أو عبد وثوب حل التفاضل والتأجيل والتفرق قبل القبض. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - جواز بيع الربويات بعضها ببعض إذا تساويا مع القبض والحلول. ٢ - يجوز بيع الربويات مع التفاضل إذا اختلف الجنس مع القبض والحلول. ٦٠ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه ولا تبيعوا الثمر بالتمر" قال: وأخبرني زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غيره.

стр. 466

-[المعنى العام]- تشريع هام يحفظ حقوق المتبايعين، ويمنع الغرر والمخاصمة: "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه" وينتفع به، ولا تبيعوا الثمر على الشجر، لأنه لا يمكن كيله، ولا وزنه، ولما كان العرب يعيشون على التمر والرطب، ولما اشتدت حالة القوم إلى المعاوضة بين الرطب واليابس رخص الشارع في بيع الرطب على النخيل خرصا بالتمر على الأرض كيلا -[المباحث العربية]- (الثمر) اسم جنس جمعي واحده ثمرة، وليس المراد به الجمع لأن النهي للجنس ولو ثمرة واحدة. (حتى يبدو صلاحه) حتى للغاية، فالتحريم المستفاد من النهي مغيا ببدو الصلاح و"يبدو" منصوب بأن مضمرة بعد حتى، وهو مشتق من البدو وهو الظهور، ومعنى ظهور صلاح الثمر بلوغه صفة يطلبه الناس فيها غالبا للانتفاع به كظهور حمرته أو صفرته، ويختلف باختلاف الثمر. (ولا تبيعوا الثمر بالتمر) الأول بالمثلثة والثاني بالمثناة، والباء للعوض فالتحريم يعم ما لو جعل التمر ثمنا، وهو الغالب في استعمال الباء، أو مثمنا. (رخص بعد ذلك) أي شرع حكما ذا سهولة. والمشار إليه هو النهي عن بيع الثمر بالتمر. (في بيع العرية) مفرد العرايا، كقضية وقضايا، والعرية لغة: النخلة التي يستثنيها مالكها، ويخرجها من البيع للأكل، سميت بذلك لأنها عريت عن حكم البستان من البيع، وبيع العرايا شرعا هو الرطب أو العنب على الشجرة خرصا بتمر أو زبيب على الأرض كيلا بشروط المماثلة بتقدير الجفاف. -[فقه الحديث]- سبب النهي عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه ما ورد في البخاري "أنهم

стр. 467

كانوا يتبايعون الثمار، فإذا جذ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب الثمر العفن والدمان (الفساد والتعفن) وأصابه قشام (عيب يمنع التمر من أن يرطب) عاهات يحتجون بها، فقال ﷺ لما كثرت عنده الخصومة: "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه" فضلا عما فيه من عدم الانتفاع بالثمر، ومذاهب العلماء في ذلك البيع أنه إذا اشترط القطع صح البيع بالإجماع، وإن باع بشرط التبقية فالبيع باطل بالإجماع، لأنه ربما تتلف الثمرة قبل إدراكها، فيكون البائع قد أكل مال أخيه بالباطل، أما إذا شرط القطع فقد انتفى هذا الضرر، وعلة النهي أولا عن بيع الثمر بالتمر (وهو المسمى بيع المزابنة) أن الثمر وهو الرطب على النخل أو العنب على الشجر لا يمكن كيله ولا وزنه، فتقديره بأي كيل أو وزن لا يخلو من الغرر، وعلة الترخيص فيه ثانيا (وهو المسمى بيع العرايا) شدة الحاجة إليه، وفي قول الراوي: بالرطب أو التمر قال بعض العلماء: إن "أو" للتخيير وعليه فيجوز بيع الرطب على النخل بالرطب على الأرض أو التمر الجاف، والجمهور على منع بيع الرطب على النخل بالرطب على الأرض، وحملوا "أو" في هذه الرواية على أنها للشك من الراوي، وقالوا: إن أكثر الروايات يدل على أنه ﷺ إنما قال: العرية بالتمر، وقاس العلماء العنب والبر على الرطب، بجامع أن الكل زكوي يمكن خرصه ويدخر يابسه وهو مشهور مذهب الشافعية، وألحق المالكية بالرطب كل ما يدخر يابسه، بخلاف ما لا يتحقق فيه هذا الجامع، كالمشمش والبرتقال، لأنها متفرقة مستورة بالأوراق، فلا يتأتى فيها الخرص، وهو المقصود بقوله: "ولم يرخص في غيره".

стр. 468

٦١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: قال الله ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعط أجره. -[المعنى العام]- حديث قدسي يرويه الرسول ﷺ عن ربه فيقول: قال الله : ثلاثة أنازعهم وأعاديهم فأقهرهم وأذلهم يوم القهر والجزاء. رجل يعطي العهد ويؤكده بذكر اسمي، ثم يغدر بصاحبه، ورجل يتحكم في تصرفات الأحرار التي شرعتها لهم فيحرمهم من حريتهم، ورجل يستخدم الناس ولا يدفع لهم أجورهم التي استحقوها، استغلالا لسلطانه ونفوذه، أو مماطلا في أداء الحقوق. -[المباحث العربية]- (ثلاثة) مبتدأ سوغ الابتداء به وهو نكرة ملاحظة التخصيص بالإضافة والتقدير: ثلاثة أصناف من المكلفين. (أنا خصمهم) الخصم هو المنازع والمغالب، ويقع على المفرد وغيره والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، والمطابقة في التثنية والجمع لغة بعض العرب ومنها قوله تعالى: ﴿هذان خصمان﴾ والجملة خبر "ثلاثة". (يوم القيامة) التقييد بهذا الظرف مع أنه خصم لهم في جميع الأوقات لأنه وقت الجزاء.

стр. 469

(رجل) بدل من ثلاثة، والتخصيص به لا مفهوم له، فالحكم يشمل النساء، إنما ذكره لأن الغالب في خطاب الشرع أن يكون للرجال. (أعطى بي) مفعولا "أعطى" محذوفان اختصارا لظهورهما، والباء للملابسة، وفي الكلام مضاف محذوف، والجار والمجرور حال، والتقدير: أعطى أخاه العهد حال كونه متلبسا باسمي. (ثم غدر) أي نقض العهد ولم يف به. (باع حرا) الحر يستعمل في بني آدم على الحقيقة، وهو خلاف العبد. (فأكل ثمنه) المراد بالأكل الأخذ، من إطلاق الخاص على العام، أو إطلاق الملزوم وإرادة اللازم، أو إنه باق على حقيقته، وحمل غيره عليه على سبيل القياس بجامع الاستيلاء، ومثله قوله تعالى: ﴿لا تأكلوا الربا﴾ وقوله: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ وتخصيص الأكل بالذكر لأنه أعظم مقاصد الأخذ. (فاستوفى منه) المفعول محذوف، أي فاستوفى منه العمل. -[فقه الحديث]- ذكر هذا الحديث هنا لما فيه من حث على الوفاء بالعقود، ومنع بيع الحر وإعطاء الأجير أجره، وهو ينذر بالعذاب الشديد لهؤلاء الثلاثة، لأن من كان القاهر الجبار خصمه فالويل له. أما الأول فلأنه غدر بعباد الله، وهتك حرمة اسمه تعالى فكان غدره شنيعا وشرط ذلك أن يكون ذاكرا للعهد مختارا، وأما الثاني فليس المراد منه نفس البيع وأخذ الثمن، بل المراد الاستيلاء على الحر مطلقا، سواء باعه وأخذ ثمنه، أم لا ويشهد لذلك ما رواه أبو داود "ورجل اعتبد محررا" وهذه الرواية أعم مما هنا في الفعل، لأن الاعتباد يشمل البيع وغيره، وأخص منه في المفعول به، لأن المحرر هو من سبقت ملكيته، فالحر أعم منه فيحمل خصوص الفعل والمفعول في كل من الروايتين على العموم، واعتباد

стр. 470

المحرر، كما قال الخطابي: إما يعتقه مع كتمان ذلك أو جحوده، وإما باستخدامه كرها بعد عتقه، وشرطه: أن يكون عالما بحريته متعمدا استعباده. وإنما خاصم الله من استولى على الحر لأن المسلمين أكفاء في الحرية والذمة، وللمسلم على المسلم أن ينصره ولا يظلمه. وأن ينصحه ولا يغشه وليس في الظلم أعظم من الاستعباد ومنع التصرف فيما أباح الله له. وإلزام الحر الذلة والصغار، وفي هذا يقول ابن الجوزي: الحر عبد الله، فمن جنى عليه فخصمه سيده، وأما الثالث فهو داخل في بيع الحر، لأنه استخدمه بغير عوض وهذا عين الظلم، وذكر الثلاثة ليس للتخصيص، لأنه خصم لجميع الظالمين، وإنما هو لإرادة التشديد على هؤلاء الثلاثة والإنكار عليهم لبشاعة فعلهم.

стр. 471

كتاب الوكالة الوكالة بفتح الواو، ويجوز كسرها، لغة التفويض، وشرعا تفويض -شخص أمره إلى آخر فيما يقبل النيابة، والأصل فيها قوله تعالى: ﴿فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها﴾ ٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا أتى النبي ﷺ يتقاضاه فأغلظ فهم به أصحابه فقال رسول الله ﷺ "دعوه فإن لصاحب الحق مقالا ثم قال أعطوه سنا مثل سنه" قالوا يا رسول الله لا نجد إلا أمثل من سنه فقال "أعطوه فإن من خيركم أحسنكم قضاء". -[المعنى العام]- جاء أعرابي جاف إلى رسول الله ﷺ يطالبه برد ما استقرضه منه. طالب فأغلظ في المطالبة. وتكلم فعنف في الكلام، فغضب الصحابة من هذا التهجم على الحرم النبوي، خصوصا أنه ليس له ما يبرره، إذ لم يسبق لهذا الأعرابي أن طالب، ولم يبد من الرسول ﷺ فور المطالبة ممانعة أو مماطلة، فهموا بإيذائه، أرادوا أن يتناولوه بالسوء، ولكن الرسول ﷺ أمرهم أن يتركوه، لأنه -وإن أساء -صاحب حق ثم أمرهم أن يعطوه بعيرا مثل بعيره الذي اقترضه منه، فلم يجد الصحابة عندهم في إبل الصدقة بعيرا في سن بعيره، فقالوا: لم نجد يا رسول الله إلا أحسن من بعيره سنا، قال لهم: أعطوه، فإن خيركم في المعاملة أحسنكم في القضاء، فلما أخذ الرجل البعير

стр. 472

نظر إلى الرسول ﷺ نظرة سرور وإعجاب وشكر، وقال: أوفيتني أوفى الله بك، وصلى الله وسلم على صاحب الأدب الرفيع ورضي عن أحبابه الغيورين. -[المباحث العربية]- (يتقاضاه) أي يطلب منه أن يقضيه دينا له عليه، وهو بعير في سن معينة والجملة في محل النصب على الحال. (فأغلظ) أي شدد في المطالبة، ومفعوله محذوف تقديره: فأغلظ القول. (فهم به أصحابه) في الكلام مضاف محذوف، أي فهم بإيذائه أصحاب النبي ﷺ . (فإن لصاحب الحق مقالا) أي صولة الكلام وقوة الحجة، لكن ينبغي أن يكون ذلك على من يمطله أو يسيء معاملته. (سنا مثل سنه) أي بعيرا له سن مثل سن بعيره، وأصله: ذو سن: وأسنان الإبل معروفة في كتب اللغة. (لا نجد إلا أمثل) أي إلا أحسن في المثلية، والاستثناء مفرغ، وأمثل صفة لمفعول "نجد" والتقدير: لا نجد إلا بعيرا أمثل من بعيره. (أعطوه) مفعوله الثاني محذوف، والتقدير: أعطوه الأمثل. (فإن خيركم أحسنكم قضاء) نصب على التمييز، والمراد بالخيرية الخيرية في المعاملات. -[فقه الحديث]- مناسبة هذا الحديث لكتاب الوكالة قوله ﷺ لأصحابه "أعطوه سنا" لأن أمره بإعطاء السن وكالة في قضاء الدين، ولم يقف الحفاظ على اسم هذا الرجل، لكن قيل إنه يهودي، والصحيح أنه كان مسلما، وشدد في

стр. 473

المطالبة من غير قدر زائد يقتضي الكفر، بل جرى على عادة الأعراب من الجفاء في المخاطبة، ووقع في المعجم الأوسط للطبراني ما يفهم منه أنه العرباض بن سارية، ولكن رواية النسائي والحاكم تدل على غيره، وكأن القصة وقعت للأعرابي، ووقع للعرباض نحوها، وسبب هذا التقاضي ما ثبت من أنه ﷺ كان قد استقرض منه بعيرا للمساكين على الصدقات، فلما جاءت إبل الصدقة جاء هذا يطلب بديل بعيره، وقد اختلف الفقهاء في حكم استقراض الحيوانات، فذهب مالك والشافعي والجمهور إلى جواز استقراض جميع الحيوانات، ومنع ذلك الحنفية، لحديث النهي عن بيع الحيوانات نسيئة، وجمع الشافعي بين هذا الحديث وحديث النهي بحمل النهي على ما إذا كان نسيئة من الجانبين، والجواز على ما إذا كان ذلك من أحدهما، على أن حديث النهي مرسل عند الحفاظ، واستشكل إعطاؤه سنا خيرا من سنه بأن في ذلك ربا، لأن هذا القرض جر نفعا للمقرض، وأجيب بأن المنهي عنه هو ما كان مشروطا في القرض، كشرط رد صحيح عن مكسر، أو رد زيادة في القدر أو الصفة. أما لو فعل ذلك بدون شرط كما هنا استحب حسن القضاء، ولم يكره للمقرض الأخذ خلافا للمالكية. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - جواز توكيل الحاضر الصحيح، وهو مذهب الجمهور، ومنعه أبو حنيفة إلا بعذر أو سفر أو برضى الخصم، واستثنى مالك من بينه وبين الخصم عداوة. ٢ - وجواز توكيل الغائب أيضا، لأنه إذا جاز توكيل الحاضر مع إمكان مباشرة الموكل بنفسه فجوازه للغائب مع الاحتياج إليه أولى. ٣ - وجواز الأخذ بالدين، ولم يختلف العلماء في جوازه عند الحاجة. ٤ - وجواز الوكالة في قضاء الدين. ٥ - وفيه حجة لمن قال يجوز قرض الحيوان. ٦ - وفيه ما يدل على أن القرض إذا أعطاه المستقرض أفضل مما

стр. 474

اقترض جنسا أو كيلا أو وزنا جاز، وطاب له أخذه منه، لأنه ﷺ أثنى فيه على من أحسن القضاء، وأطلق ذلك ولم يقيده. ٧ - وفيه دليل على أن للإمام أن يقترض للمساكين على الصدقات ولسائر المسلمين على بيت المال، لأنه كالوصي لجميعهم والوكيل عنهم. ٨ - وفيه دليل على أن للإمام إذا اقترض للمساكين أن يرد من أموالهم أكثر مما أخذ على وجه النظر والصلاح إذا كان على غير شرط. ٩ - وفيه حسن خلقه وكرمه وقوة صبره على الجفاة مع قدرته على الانتقام منهم. ١٠ - وفيه أن من أذى السلطان فلأصحابه أن يعاقبوه وينكروا عليه. ٦٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر برني فقال له النبي ﷺ : "من أين هذا؟ " قال بلال كان عندنا تمر ردي فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "عند ذلك أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر

стр. 475

ببيع آخر ثم اشتر به". -[المعنى العام]- رغب بلال مؤذن رسول الله ﷺ في أن يطعم رسول الله ﷺ أجود أنواع التمر، فذهب إلى السوق بصاعين من التمر الرديء الموجود لديه، وباعهما بصاع جيد، وقدمه لرسول الله ﷺ فارتاب في الأمر، إذ لا عهد له بهذا اللون عند بلال فسأله من أين لنا هذا التمر الجيد يا بلال؟ فأجاب: كان عندنا تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع من هذا، فأسرع الرسول ﷺ بإعلان التألم والضجر: أوه. أوه. هذا عين الربا يا بلال. كيف يخفى عليك هذا الأمر؟ لا تفعل مثل هذا أبدا انطلق فرده على صاحبه وخذ تمرك وبعه بحنطة أو شعير أو نحو ذلك، ثم اشتر به من هذا التمر، ثم جئني به. -[المباحث العربية]- (بتمر برني) بفتح وسكون الراء وكسر النون بعدها ياء مشددة، نوع من التمر أصفر مدور، وهو أجود الأنواع، قال بعضهم: قيل له ذلك لأن كل تمرة تشبه البرنية. (كان عندي) وفي رواية (كان عندنا). (ردي) بالياء المشددة بدون همزة في آخره، وأصله رديء بالهمزة على وزن فعيل، ورديء الشيء يردأ فهو رديء أي فاسد، ولما كثر استعماله حسن فيه التخفيف بأن قلبت الهمزة ياء لانكسار ما قبلها وأدغمت في الياء. (ليطعم النبي) روي بالياء المفتوحة والعين المفتوحة، ولفظ النبي مرفوع على الفاعلية، وروي بضم الياء وكسر العين ولفظ النبي منصوب على المفعولية، والفاعل يعود على بلال، كأنه جرد من نفسه شخصا وأخبر عنه، وروي بالنون المضمومة بدل الياء وكسر العين ولفظ النبي منصوب، وروي "لمطعم النبي" بالمصدر بدل الفعل.

стр. 476

(عند ذلك) أي عند قول بلال. (أوه. أوه) بفتح الهمزة وتشديد الواو وسكون الهاء، وهي كلمة تقال عند الشكاية والحزن، ومن العرب من يمد الهمزة ويجعل بعدها واوين. (عين الربا. عين الربا) بالتكرار أيضا، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا البيع عين الربا. (لا تفعل) مفعوله محذوف أي لا تفعل هذا مرة أخرى. (أن تشتري) مفعوله محذوف أي تشتري التمر الجيد، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول أردت. (فبع التمر) ال في التمر للعهد أي التمر الرديء. (ببيع آخر) البيع هذا بمعنى المبيع، من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول والمعنى: بأي مبيع آخر غير التمر، كالحنطة والشعير والنقد. (ثم اشتر به) مفعول (اشتر) محذوف، وفي الكلام مضاف أيضا والتقدير: اشتر الجيد بثمن الرديء. -[فقه الحديث]- وجه ذكر هذا الحديث في كتاب الوكالة أن بلالا في هذا البيع والشراء كان وكيلا عن النبي ﷺ . وإذا باع الوكيل بيعا فاسدا فبيعه مردود. وقول الرسول ﷺ "عين الربا لا تفعل" يعطي رد البيع، لأنه من المعلوم أن بيع الربا مما يجب رده، بل جاء في بعض الروايات الأمر بالرد، ولعل سكوت البعض للغفلة أو اعتمادا على أن ذلك معلوم. وإنما تأوه النبي ﷺ ليكون أبلغ في الزجر، وتألمه إما من هذا الفعل، وإما من سوء الفهم، وقوله: "لا تفعل" معناه لا تشتر الربوي بجنسه إلا مثلا بمثل، فقد أجمعوا على أن التمر بالتمر لا يجوز بيعه بعضه ببعض إلا مثلا بمثل، سواء في ذلك الطيب والدون، وكله على اختلاف أنواعه جنس واحد.

стр. 477

-[ويؤخذ من هذا الحديث: ]- ١ - البحث عما يستريب فيه الشخص حتى ينكشف حاله. ٢ - اهتمام التابع بأمر متبوعه، وانتقاء الجيد له من أنواع الطعام وغيرها. ٣ - جواز اختيار طيب المطعومات. ٤ - قيام عذر من لا يعلم التحريم حتى يعلمه. ٥ - اهتمام الإمام بأمر الدين وتعليمه لمن لا يعلمه. ٦ - إرشاده إلى التوصل إلى المباحات وغيرها. ٧ - جواز الوكالة في البيع والشراء. ٨ - أن البيوع الفاسدة ترد. ٩ - النص على تحريم ربا الفضل ١٠ - عظم أمر حرمة الربا. باب ما جاء في الحرث والمزارعة الحرث إثارة الأرض وطرح البذرة، والزرع في معناه، والمزارعة في الشرع هي المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها، ويكون البذر من المالك، فإن كان من العامل فهي مخابرة، وهما إن أفردتا عن المساقاة باطلتان، للنهي عن المزارعة في صحيح مسلم وعن المخابرة في

стр. 478

الصحيحين، ولأن تحصيل منفعة الأرض ممكن بالإجارة، فلم يجز العمل عليها ببعض ما يخرج منها، كالمواشي حين يكربها على أن يكون الكراء مناصفة أو أثلاثا بين المالك ومن يتعهد ذلك، فإنه لا يجوز للجهل بالمقدار، أما الأشجار فإنه لا يمكن عقد الإجارة عليها، ولذا جوزت المساقاة، وأجاز بعض الأئمة المزارعة والمخابرة منفردتين، وحمل النهي على ما إذا اشترط لأحدهما زرع قطعة معينة وللآخر أخرى، فإن لم تفرد المزارعة أو المخابرة من المساقاة جازت تبعا، بشرط أن تقوم المساقاة عليها، ولأحوالها تفاصيل في كتب الفقه. ٦٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة". -[المعنى العام]- يرغب الرسول ﷺ في الغرس والزرع، فيبين ثواب الغارس والزارع فيقول: من غرس أو زرع زرعا لم يأكل منه آدمي أو طير أو خلق من خلق الله إلا كان له به أجر قصد إطعام هذه المخلوقات أو لم يقصد، رضي بذلك الأكل أو كره، فقد يثاب المرء رغم أنفه. ومثل ذلك الترغيب يقول ﷺ : "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة" أي نخلة صغيرة "فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها فيغرسها" فله بذلك أجر. -[المباحث العربية]- (ما من مسلم) "من" زائدة داخلة على المبتدأ في سياق النفي لتأكيده. (يغرس غرسا أو يزرع زرعا) الغرس بمعنى المغروس، والزرع بمعنى المزروع، والغرس خاص بالشجر، والزرع بالنبات، و"أو" للتنويع. (أو بهيمة) هي كل ذوات أربع قوائم من دواب البر والماء ما عدا

стр. 479

السباع والطيور، وتطلق على كل حي لا نطق له، وذلك لما في صوته من الإبهام، والمعنى الثاني أنسب هنا، لعمومه وشموله السباع وغيرها مما ورد في روايات أخرى. -[فقه الحديث]- ورد في هذه الرواية "ما من مسلم" وفي أخرى "ما من رجل" وفي ثالثة "ما من عبد" فالمراد بالرجل والعبد المسلم، سواء كان حرا أو عبدا، مطيعا أو عاصيا، حملا للمطلق في "رجل" و"عبد" على المقيد، وهو المسلم، ويلحق به المسلمة، إذ المقصود من لفظ المسلم الجنس فيشمل كل من اتصف بهذا الوصف ذكرا كان أو أنثى، وعلى ذلك فالتقييد بالمسلم يخرج الكافر، فلا ثواب له في الآخرة، لأن القرب إنما تصح من المسلم، فإن تصدق الكافر أو فعل شيئا من وجوه البر لم يكن له أجر في الآخرة، وإنما يثاب عليه في الدنيا بزيادة مال أو ولد. وهكذا قال تعالى: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم﴾ وقال ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ وفي مسلم عن عائشة قالت: يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه؟ قال: لا ينفع. إنه لم يقل يوما ﴿رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ يعني لم يكن مصدقا بالبعث، ومن لم يصدق به كافر؟ ولا ينفعه عمل، وجاء في مسلم أيضا عن جابر أن النبي ﷺ دخل على أم معبد في نخل لها فقال "لا يغرس مسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة" وقال بعضهم: التقييد بالمسلم في حديثنا لأن الغالب في خطابه ﷺ أن يكون للمسلمين وليس للاحتراز به عن الكافر، أما الكافر فلا يبعد أن يخفف عنه عمل الخير من عذاب غير الكفر كالتخفيف الذي سيحصل لأبي طالب بسبب إكرامه لنبينا ﷺ ، أما عذاب الكفر فلا يخفف عنه منه شيء كما أنه لا ينعم ويخلد في النار، وقد رجح الشرقاوي هذا الرأي الثاني وحمل قول الرسول ﷺ في حديث عائشة في ابن جدعان "لا ينفع" حمله على عدم النفع في دخول الجنة، فلا ينافي أن ينفعه في

стр. 480

التخفيف، وقال: إن حمل المطلق على المقيد خلاف الظاهر، والإطلاق في قوله ﷺ "يغرس غرسا أو يزرع زرعا" يتناول من غرسه للتصدق به، ومن غرسه لعياله أو لنفقة، لأن الإنسان يثاب على ما يسرق منه، ولو لم ينو ثوابه، ولا يختص حصول الثواب بمن يباشر الغرس أو الزراعة، بل يتناول من استأجر لعمل ذلك، وللأجير منه أجر كذلك، كالبناء للمسجد يثاب على عمله كما يثاب المنفق على البناء، وذلك بشرط أن يحسن النية. ويبتغي بذلك وجه الله وإن أخذ أجرته أو أكثر، كذلك الإطلاق في قوله "فيأكل منه طير ... " إلخ يشمل ما لو أكلت هذه المخلوقات بسبب عجزه عن حصاده، أو تركه لبعض الحب في الأرض رغم أنفه، وقد جاء "من زرع زرعا أو غرس غرسا فله أجر ما أصابت منه العوافي" أي طالبات الفضل والرزق. وهذه الرواية تفسر لنا مدى ما يصل إلى الزارع من الثواب، وأنه باق ما بقي ذلك الزرع أو الغرس، أو ما بقي الانتفاع به لو مات زارعه أو غارسه، وبهذا التفسير فسرت رواية مسلم "إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة"، وليس هذا الأجر قاصرا على الغارس أو الزارع بل يعم كل ما في معناهما، فقد ورد "من بنى بيتا في غير ظلم ولا اعتداء كان له أجر جار ما انتفع من خلق الرحمن ﵎ أحد" كذلك من أقام صدقة جارية أو ترك علما ينتفع به أو ولدا صالحا يدعو له، أو علم قرآنا، أو حفر بئرا، أو أجرى نهرا، أو بنى مسجدا، أو مدرسة أو مستشفى، أو نحو ذلك. وللجمع بين هذا الحديث وبين ما رواه الترمذي عن ابن مسعود مرفوعا "لا تتخذوا الضيعة فتركنوا إلى الدنيا" قيل: إن النهي محمول على الاستكثار من الضياع والانصراف إليها بالقلب الذي يفضي بصاحبه إلى الركون إلى الدنيا، وللجمع بين هذا الحديث الذي يفهم منه تفضيل الزراعة على غيرها من المكاسب وبين الأحاديث الكثيرة الدالة على أفضلية الكسب باليد قيل: إن الزراعة إذا كانت باليد كانت أفضل المكاسب، وقيل إن الكسب باليد أطيبه من حيث الحل، والزراعة أفضل من حيث الانتفاع العام، فهو نفع متعد إلى الغير، وحيث أن الأمر كذلك ينبغي أن يختلف الحال باختلاف حاجة الناس، فحيث كان الناس محتاجين إلى الأقوات أكثر كانت الزراعة أفضل، للتوسعة

стр. 481

على الناس، وحيث كانوا محتاجين إلى المتاجر لانقطاع الطرق كانت التجارة أفضل، وحيث كانوا محتاجين إلى الصنائع أكثر كانت الصناعة أفضل. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - فضل الغرس والزرع. ٢ - أن الثواب المترتب على أفعال البر في الآخرة، يختص بالمسلم دون الكافر. ٣ - أن الأجر للغارس والزارع وإن لم يقصد الأجر. ٤ - أن الغرس والزرع واتخاذ الصنائع مباح وغير قادح في الزهد. ٥ - الحض على عمارة الأرض لنفسه ولمن يأتي من بعده. ٦ - جواز نسبة الزرع إلى الآدمي. ٧ - جواز اتخاذ الضيعة والقيام عليها.

стр. 482

٦٥ - عن ابن عمر ﵄ أنه قال: أجلى عمر اليهود والنصارى من أرض الحجاز وكان رسول الله ﷺ لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها وكانت الأرض حين ظهر عليها لله ولرسوله ﷺ وللمسلمين وأراد إخراج اليهود منها فسألت اليهود رسول الله ﷺ ليقرهم بها أن يكفوا عملها ولهم نصف الثمر فقال لهم رسول الله ﷺ "نقركم بها على ذلك ما شئنا" فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء. -[المعنى العام]- يحدث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ لما انتصر على أهل خيبر، وقد فتح بعضها عنوة وبعضها صلحا آلت الأرض المفتوحة عنوة لله وللرسول ﷺ وللمسلمين، والتي فتحت صلحا كانت لليهود، ثم صارت للمسلمين بعد الصلح، وأراد الرسول ﷺ أن يخرج اليهود من أرض خيبر جميعها، ولكنهم طلبوا أن يعملوا في أرض المسلمين على سبيل المساقاة، بأن يتحملوا عمل نخلها ومراعيها، والقيام بتعهدها وعمارتها، مقابل نصف تمرها، فأجابهم الرسول ﷺ إلى مطالبهم، وقال: نقركم بها. ونسكنكم إياها، على قيامكم بالعمل مقابل نصف التمر، لا دائما، بل ما شئنا، وعقد معهم عقد المساقاة، واستقروا بالديار حتى تولى عمر بن الخطاب أمر المسلمين، فنفذ وصية الرسول ﷺ التي أوصى بها عند موته بإخراجهم من أرض الحجاز، فأجلاهم عمر ﵁ إلى أطراف الجزيرة العربية من الشمال. -[المباحث العربية]- (أجلى) يقال: جلا القوم عن الوطن إذا خرجوا مفارقين، وأجلى لازم ومتعد.

стр. 483

(من أرض الحجاز) جزيرة العرب خمسة أقسام: تهامة ونجد وحجاز وعروض ويمن، فالحجاز شقة على ساحل البحر الأحمر تشمل مكة والمدينة. (لما ظهر على خيبر) أي تغلب وانتصر. (سألوا رسول الله ﷺ ليقرهم بها) يقال: قر في المكان بمعنى سكن، وأقره بمعنى أسكنه، أي فاوضوا رسول الله ﷺ ليسكنهم بخيبر. (أن يكفوا عملها) "أن" مصدرية، وحرف الجر محذوف، والتقدير بكفاية عملها، وفي رواية "أن يقرهم بها على أن يكفوا عملها". (على ذلك) أي على ما ذكر من كفاية العمل ونصف التمر. (ما شئنا) "ما" مصدرية ظرفية أي مدة مشيئتنا. (إلى تيماء) بفتح التاء وسكون الياء، من أمهات القرى شمال نجد قرية من الشام. (وأريحاء) بفتح الهمزة وكسر الراء، قرية بفلسطين. -[فقه الحديث]- تمسك بعض أهل الظاهر بقوله "نقركم بها على ذلك ما شئنا" على جواز المساقاة إلى أجل مجهول، وجمهور الفقهاء على أنها لا تجوز إلا لأجل معلوم ووجهوا الحديث بأن هذا القول من الرسول ﷺ كان أثناء الصلح، ثم أفرد عقد المساقاة وحدده، أي أنه ﷺ أجابهم إلى الإبقاء، ووقفه على مشيئته، وبعد ذلك عاملهم على المساقاة، وقال النووي: جازت المساقاة بغير أجل للنبي ﷺ خاصة أول الإسلام، وقال أبو ثور: إذا أطلقت المساقاة اقتضى ذلك سنة واحدة. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - أنه لا فرق في جواز المزارعة بين المسلمين وأهل الذمة، لأنه لما

стр. 484

جازت المزارعة مع اليهود جازت مع غيرهم من أهل الذمة كذلك. ٢ - وفيه مساقاته ﷺ على نصف التمر فتقتضي عموم الثمر، ففيه حجة لمن أجازها في الأصول كلها. وقال الشافعي: لا تجوز إلا في النخل والكرم خاصة. ٣ - وفيه إجلاء عمر ﵁ اليهود من الحجاز، لأنهم لم يكن لهم عهد من النبي ﷺ على بقائهم في الحجاز دائما، بل كان ذلك موقوفا على مشيئته، ولما عهد ﷺ عند موته بإخراجهم من جزيرة العرب، وانتهت الخلافة إلى عمر ﵁ أخرجهم إلى تيماء وأريحاء بالشام. ٤ - استدل به على أن صاحب الأرض إذا قال للمزارع: أقرك كما أقرك الله، ولم يذكر أجلا معلوما جاز. باب الشرب ٦٦ - عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: حلبت لرسول الله ﷺ شاة داجن وهي في داري وشيب لبنها بماء من البئر التي في داري فأعطى** رسول الله ﷺ القدح فشرب منه حتى إذا نزع القدح من فيه وعلى يساره أبو بكر وعن يمينه أعرابي فقال عمر: وخاف أن يعطيه الأعرابي أعط أبا بكر يا رسول الله عندك فأعطاه الأعرابي الذي على يمينه ثم قال الأيمن فالأيمن.

стр. 485

-[المعنى العام]- دعا أنس بن مالك ﵁ رسول الله ﷺ إلى داره وقدم إليه إناء فيه لبن مخلوط بماء، فشرب رسول الله منه، فلما أبان القدح عن فمه نظر إلى القوم، وفيهم أبو بكر عن يساره وعمر من أمامه وأعرابي عن يمينه، ورأى عمر أن الرسول ﷺ يميل الإناء نحو الأعرابي، فخشي أن يقدمه على أول مصدق في الإسلام، ثاني اثنين إذ هما في الغار، فقال: أعط أبا بكر بجوارك يا رسول الله وفطن الرسول إلى مقصد عمر، وكان ﷺ يقصد مقصدا أسمى، فناول الأعرابي كان يقصد أن يربي الأمة، وأن يغرس في نفوسهم أن الناس سواسية أمام الأحكام الشرعية، وأن اليمين مقدم على الشمال، ولئن طيب التشريع نفوس الكبراء بتقديمهم عند تساوي بعض الأوصاف، فقد طيب نفوس الضعفاء والفقراء بتقديمهم إذا هم سبقوا إلى الأماكن المفضلة الشرعية، فإن فاتتهم فرصة الجاه والمكانة، فأمامهم فرصة السبق إلى عمل الخير، وإلى المكان المقدم لينالوا الفضل والفضيلة. -[المباحث العربية]- (شاة داجن) الداجن شاة ألفت البيوت وأقامت بها، قال ابن الأثير الداجن الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم، ولم يقل: داجنة لأن الشاة تذكر وتؤنث. (وشيب لبنها بماء) الفل على صيغة المبني للمجهول، من شاب يشوب أي خلط (فأعطي رسول الله ﷺ القدح) فاعل "أعطى" ضمير يعود على أنس، وأصل الرواية بضمائر الغيبة، ولفظها "حدثني أنس بن مالك ﵁ أنه حلبت لرسول الله ﷺ شاة داجن -وهو دار أنس بن مالك -وشيب لبنها بماء من البئر التي في دار أنس، فأعطي رسول الله ﷺ القدح .... ". (إذا نزع القدح) أي قلعه من فمه وأبعده عنه، وجواب إذا محذوف

стр. 486

تقديره: مال نحو الأعرابي. (وعلى يساره أبو بكر وعن يمينه أعرابي) قيل: إنه خالد بن الوليد ورد بأنه لا يقال له أعرابي، وسبب تعبيره أولا بعلى وثانيا بعن أن موضع اليسار كان مرتفعا فاعتبر استعلاؤه، أو كان الأعرابي بعيدا عن الرسول ﷺ ، والجملة حال. (فقال عمر) الفعل معطوف على جواب "إذا" (وخاف أن يعطيه الأعرابي) فاعل "يعطي" يعود على الرسول ﷺ والهاء مفعوله الثاني ويعود على القدح، والأعرابي مفعوله الأول. وأن ما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول "خاف" وفاعلها يعود على عمر، وجملة خاف في محل النصب على الحال بتقدير "قد" عند من يشترط اقتران الماضي بها إذا وقع حالا. (أعط أبا بكر يا رسول الله عندك) مفعول أعط الثاني محذوف، أي أعط أبا بكر القدح، والظرف متعلق بمحذوف وقع حالا أي أعط أبا بكر حالة كونه عندك ومجاورا لك. (الأيمن فالأيمن) بالنصب على تقدير: قدموا أو أعطوا. وبالرفع على تقدير الأيمن أحق، ويدل على ترجيح رواية الرفع ما جاء في بعض الطرق "الأيمنون. الأيمنون. الأيمنون". -[فقه الحديث]- يمكن إجمال نقاط الحديث في: ١ - وجهة نظر عمر في طلبه. ٢ - آراء الفقهاء في تقديم الأيمن في الشراب مع توجيه الأحاديث. ٣ - وآرائهم في تقديمه في غير الشراب مع التوجيه. ٤ - الجمع بين الحديث وبين أحاديث معارضة.

стр. 487

٥ - ما يؤخذ من الحديث من أحكام، وهذا هو التفصيل: أولا: قصد عمر بن الخطاب ﵁ بهذا العرض تذكير الرسول ﷺ وإعلام الأعرابي بجلالة قدر أبي بكر ﵁. ثانيا: وجمهور الفقهاء على استحباب تقديم من هو يمين الشارب في الشرب وإن كان مفضولا بالنسبة إلى من هو على يسار الشارب، لفضل جهة اليمين على جهة اليسار. قال القاضي عياض: وهذا لا خلاف فيه. وقال النووي: إنها واضحة، وخالف في ذلك ابن حزم فقال لا بد من مناولة الأيمن كائنا من كان، فلا يجوز مناولة الأيسر إلا بإذن الأيمن، ويؤيده ظاهر ما ورد في البخاري "أتى النبي ﷺ بقدح فشرب منه وعن يمينه غلام أصغر القوم، والأشياخ عن يساره فقال: يا غلام أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ؟ قال: ما كنت لأوثر بفضل منك أحدا يا رسول الله. فأعطاه إياه" وما ورد عن ابن عباس قال: "دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ على ميمونة فجاءتنا بإناء فيه لبن، فشرب رسول الله ﷺ وأنا معه وخالد عن يساره فقال لي: الشربة لك، وإن شئت آثرت خالدا، فقلت: ما كنت لأوثر بسؤرك أحدا" والجمهور يحمل هذه الأحاديث على الندب، لا على الوجوب، وإنما استأذن رسول الله ﷺ ابن عباس أن يعطي خالد بن الوليد ولم يستأذن الأعرابي في أن يعطي أبا بكر ائتلافا لقلب الأعرابي وتطييبا لنفسه، وشفقة عليه أن يسبق إلى قلبه شيء يهلك به، لقرب عهده بالجاهلية ولم يجعل ذلك لابن عباس لقرابته ﷺ ولصغر سنه، ولأن الأشياخ أقاربه فاستأذنه تأدبا ولئلا يوحشهم بتقديمه عليهم، وتعليما بأنه لا ينبغي أن يدفع لغير الأيمن إلا بإذنه. ثالثا: والجمهور على أن غير المشروب من الفاكهة واللحم وغيرها حكمه حكم الماء. ونقل عن مالك تخصيص ذلك بالشراب، ولعل ملحظه أن الشرب يكون خيره في أوله غالبا، ولأن النفس تعاف السؤر عادة، فرفعا لهذا الحرج احتجنا إلى مرجح شرعي، وهو تقديم الأيمن لفضل اليمين أما غير الشراب فالمتأخر يتساوى في الخير مع المتقدم، بل قد يفضله في النوع أو الكمية.

стр. 488

رابعا: وقد تعارض ظاهر الحديث مع ما ورد "ابدءوا بالكبراء" أو قال "بالأكابر" وجمع بينهما بأن البدء بالكبراء إنما يكون إذا لم يوجد أحد على جهة اليمين، بأن كان الحاضرون تلقاء وجه المناول أو وراءه: فتقديم الأفاضل والكبار هو عند التساوي في باقي الأوصاف. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - مشروعية تقديم من هو على يمين المناول. ٢ - جواز شرب اللبن بالماء لنفسه أو لأهل بيته أو لأضيافه، وإنما يمنع ذلك إذا أراد بيعه، لأنه غش حرام. ٣ - أن الجلساء شركاء في الهدية، وذلك على جهة الأدب والمروءة والفضل والأخوة، لا على الوجوب، لإجماعهم على أن المطالبة بذلك غير واجبة. ٤ - أن من قدم إليه شيء من الطعام أو الشراب استحب له قبوله إذا علم طيب مكسب صاحبه. ٥ - أن من سبق إلى مجلس عالم أو كبير أو إلى موضع من المسجد أو إلى موضع مباح فهو أحق ممن يجيء بعده كائنا من كان، ولا يقام أحد من مجلس جلسه. ٦ - فضيلة اليمين على غيرها. ٧ - أن من استحق شيئا من الأشياء لا يصرف عنه إلى غيره مهما كانت مرتبته.

стр. 489

باب إثم من منع ابن السبيل الماء ٦٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها رضي وإن لم يعطه منها سخط ورجل أقام سلعته بعد العصر فقال والله الذي لا إله غيره لقد أعطيت بها كذا وكذا فصدقه رجل ثم قرأ هذه الآية ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا﴾ [سورة آل عمران: الآية ٧٧]. -[المعنى العام]- يحذر الرسول ﷺ وينذر بالسخط الشديد والعذاب المؤلم يوم القيامة لثلاثة من الناس، ولغيرهم ممن ورد النهي عن أفعالهم، وبأنهم لا يقبلهم ربهم يوم الحساب ولا يغفر لهم إساءتهم وظلمهم، أول هؤلاء رجل عنده ماء فاضل عن حاجته في بئره، أو في حوضه، أو في قربته، وطلبه صاحب حاجة شديدة فمنعه عنه، سيغضب رب العزة على هذا الآثم وسيحرمه من فضله وإحسانه يوم القيامة ويقول له: اليوم أمنعك من فضلي كما منعت

стр. 490

فضل ما لم تعمل يداك، وثانيهم رجل لا يقصد من مبايعة الإمام الأعظم واختياره إلا دنيا يصيبها، إن هو أعطيها رضي ولو انتهكت حرمات الله واغتصبت أموال الآخرين، وإن لم يعطها سخط ونقض البيعة، وحاول إشعال الفتنة ولو كان الإمام أعدل الحكام، والثالث رجل يبيع آخرته بدنياه ويشتري بعهد الله وأيمانه ثمنا قليلا ومتاعا فانيا، ويقسم كاذبا ويؤكد القسم بالله الذي لا إله إلا هو أنه دفع في متاعه الذي يريد بيعه أكثر مما يعرضه عليه هذا المشتري. أو أنه عرض عليه ثمن أكثر مما يعرض عليه الآن، فيغتر المشتري وينخدع بالأيمان، فيشتري بما أقسم البائع عليه أو بأكثر منه، ألا فليذكر هذا الظالم قوله تعالى ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾ -[المباحث العربية]- (ثلاثة) مبتدأ سوغ الابتداء به ملاحظة الوصف المحذوف، أي ثلاثة من الناس، والتنصيص على العدد لا ينافي الزائد. (لا ينظر الله إليهم) يحتمل أن النظر المنفي نظر الرضى، أي لا ينظر إليهم نظرة رضى ورحمة، وإنما ينظر إليهم نظرة سخط وغضب. وقيل إن الكلام كناية عن الإعراض عنهم والاستهانة بهم وعدم الإحسان إليهم والتقييد بيوم القيامة لأنه يوم المجازاة وبه يحصل التهديد والوعيد. (ولا يزكيهم) أي لا يطهرهم من ذنوبهم التي اقترفوها أو لا يثني عليهم. (ولهم عذاب أليم) فعيل بمعنى اسم الفاعل أي عذاب مؤلم. وفائدة هذه الجملة بعد ما قبلها التخويف بالعذاب البدني بعد التخويف بالعقاب الروحي. (رجل) بدل من "ثلاثة" أو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أحدهم رجل والتخصيص بهذا الوصف لا مفهوم له فيشمل الحكم النساء، وإنما ذكره لأن

стр. 491

الخطاب الشرعي على أغلب ما يكون للرجال، والنساء شقائق الرجال إلا فيما خصهن الشارع من أحكام. (فضل ماء) من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي ماء فاضل عن حاجته و"فضل" اسم "كان" وجملة "كان" في محل رفع صفة رجل (بالطريق) هذا القيد للغالب، ولإبراز شناعة الفعل، فإن الماء إذا كان في عرض الطريق ومنع منه ابن السبيل كان الفعل شنيعا، والحكم يشمل منع الماء الفاضل عن ابن السبيل وإن لم يكن الماء في الطريق. (فمنعه من ابن السبيل) أي فمنع الماء الفاضل عن حاجته من المسافر الذي يحتاجه. (بايع إماما) المراد به الإمام الأعظم، وفي رواية "بايع إمامه" والمراد من المبايعة هنا المعاقدة عليه وإعطاء العهد له، كأن كل واحد منهما باع ما عنده لصاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته، فمن جانب الرعية بذل الوعد بالطاعة ومن جانب الإمام بذل الوعد بالرعاية. (لا يبايعه إلا لدنيا) أي إلا لأجل شيء يحصل له من متاع الدنيا والجملة حال من فاعل "بايع" والمعنى: بايع غير مبايع إلا لدنيا. (فإن أعطاه) تفسير لمبايعته الإمام للدنيا. (أقام سلعته) أي أنفق سلعته، أي باعها، أي أراد أن يبيعها، من قامت السوق إذا نفقت، ويحتمل أن يكون المعنى: أقام سلعته في السوق أي وضعها. لقد أعطيت بفتح الهمزة، والمفعول الأول محذوف، والتقدير: لقد أعطيت بائعها كذا عوضا لها. أو بضم الهمزة مبنيا للمجهول أي أعطاني أي عرض على من يريد شراءها كذا. وتوكيد الجملة باليمين واللام وكلمة "قد" التي هنا للتحقيق مظهر من مظاهر شناعة الجرم. (كذا وكذا) "كذا" كلمة واحدة مركبة من كلمتين، مكنيا بها عن العدد

стр. 492

لا تستعمل إلا معطوفا عليها مثلها، وهي هنا في محل النصب مفعول ثان لأعطيت، وتحتاج إلى تمييز، وهو محذوف تقديره: كذا وكذا درهما مثلا. (فصدقه رجل) المراد به المشتري. -[فقه الحديث]- -[ويؤخذ من هذا الحديث: ]- ١ - أن صاحب الماء أولى به عند حاجته، إذ الحديث ينذر بالعقاب من منع الفضل، فدل ذلك على أنه أحق بالأصل. ٢ - أن في منع الماء الفاضل عن المستحق إثما، إذ لو لم يأثم المانع لما استحق هذا الوعيد. ٣ - حرمة نقض البيعة، والغضب لغير الله وحدوده. ٤ - الحث على اختيار الإمام الصالح للدين والدنيا. ٥ - النهي عن اليمين الفاجرة التي يقتطع بها مال المسلم، وقد ورد في ذلك الوعيد الشديد. أخرج الحاكم "من اقتطع مال امرئ بيمينه حرم الله عليه الجنة وأدخله النار، قالوا: يا رسول الله وإن كان شيئا يسيرا؟ قال: وإن كان سواكا، وإن كان سواكا". ٦ - النهي عن الأيمان الكاذبة عند البيع، سواء كان البيع بعد العصر أو قبله، وإنما خص الحديث بعد العصر بالذكر لأنه الوقت الغالب للبيع في تلك البلاد، أو لما فيه من زيادة الجرأة إذ هو وقت تعظم فيه المعاصي، لصعود الملائكة بالأعمال إلى الله، فيعظم أن يرتفعوا بالمعاصي، ويكون هذا الذنب آخر عمله، والعبرة بالخواتيم ولهذا يغلظ به في أيمان اللعان.

стр. 493

باب فضل سقي الماء ٦٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئرا فشرب منها ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له" قالوا يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: "في كل كبد رطبة أجر". -[المعنى العام]- يحث الرسول ﷺ على الإحسان إلى الحيوانات، ويشير إلى سعة فضل الله وإنه قد يغفر الذنب الكبير بعمل الخير اليسير، فيقول: كان رجل يمشي بصحراء بطريق مكة فعطش عطشا شديدا فوجد بئرا، فنزل فشرب، ثم خرج. فلقي كلبا يلهث، وقد ضاقت أنفاسه من شدة العطش، فأشفق الرجل على هذا الكلب، وقال في نفسه: وقد تذكر الألم الذي أصابه منذ قليل قبل أن يروى. قال في نفسه: إن هذا الكلب يعاني ما عانيت من الجهد والمشقة والظمأ، فنزع خفه ونزل البئر فملأه ماء ثم أمسكه بفمه ليعالج الصعود العسير بيديه، فصعد فوضع الخف أمام الكلب، وجعل يغرف له بخفه حتى

стр. 494

أرواه وانصرف، فغفر الله له، وأدخله الجنة بسبب إحسانه إلى هذا الحيوان، قال السامعون من الصحابة -وقد عجبوا لهذا الأجر العظيم -كأن لنا في سقي بهائمنا أجرا يا رسول الله؟ قال: نعم لكم أجر في سقي كل حيوان حي. -[المباحث العربية]- (بينا) مثل بينما والتقدير: اشتد العطش على رجل في وقت مشيه. (رجل يمشي فاشتد) "رجل" مبتدأ و"يمشي" خبره، والفاء واقعة موقع الفجائية التي تقع بعد بينا و"اشتد" جواب بينا، وهو المفسر للعامل فيها. (ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث) أي خرج من البئر، و"إذا" فجائية، وتختص بالجملة الإسمية، وهي حرف عند الأخفش، ظرف عند غيره، وعاملها قيل: مقدر مشتق من لفظ المفاجأة، أو نفس الخبر، ولفظ "هو" مبتدأ و"كلب" متعلق بالخبر المحذوف وجملة "يلهث" في محل جر صفة كلب، والتقدير: هو مفاجأ بكلب لاهث وقت خروجه، ويصح جعل الضمير للشأن مبتدأ أول والباء زائدة، و"كلب" مبتدأ ثان، وجملة "يلهث" خبره، والجملة خبر ضمير الشأن، ومعنى "يلهث" يرتفع نفسه بين أضلاعه وينخفض، أو يخرج لسانه، وقيل معناه: يبحث بيديه ورجليه في الأرض. (يأكل الثرى) الجملة في محل جر صفة أخرى لكلب، أو في محل نصب على الحال من ضميره في "يلهث" أو منه باعتبار تخصصه بالوصف، والثرى هو التراب الندي. (بلغ هذا مثل الذي بلغ بي) لفظ "مثل" ضبط بضم اللام على أنه فاعل بلغ واسم الإشارة مفعوله، وضبط بفتح اللام على أن اسم الإشارة فاعل "ومثل صفة لمصدر محذوف أو صفة لمفعول به محذوف، والتقدير: لقد بلغ هذا الكلب مبلغا مثل الذي بلغ بي أو عطشا مثل الذي بلغ بي. (ثم رقي) بفتح الراء وكسر القاف على مثال صعد لفظا ومعنى أما رقى

стр. 495

بفتح القاف فمن الرقية، وليس هذا موضعه، وقيل: إنه روي كذلك، ويمكن تخريجه على لغة طيئ الذين يفتحون العين فيما كان من الأفعال معتل اللام كبنى ورضى، والأول أفصح وأشهر. (فشكر الله له فغفر له) عطف "غفر" على "شكر" بالفاء أدى إلى تفسير الشكر بالثناء أو قبول العمل، وتكون الفاء للسببية، أي أثنى عليه عند ملائكته فغفر له، أو قبل عمله فغفر له ويجوز أن يكون الغفران هو نفس الشكر وتكون الفاء تفسيرية كقوله تعالى ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ على قول من فسر التوبة بالقتل، وقال القرطبي: معنى قوله "فشكر الله له" أظهر ما جازاه به عند ملائكته. أهـ. وكأن في الكلام تقديما وتأخيرا. والأصل فغفر الله له، فأظهر مغفرته له للملائكة. (قالوا) أي الصحابة ومنهم سراقة بن مالك كما جاء في رواية ابن ماجه. (وأن لنا في البهائم أجرا) الواو عاطفة على محذوف، وهمزة الاستفهام التعجبي مقدرة، وفي الكلام مضاف محذوف والتقدير، الأمر كذلك وإن في سقي البهائم أجرا؟ . (في كل كبد رطبة أجر) يجوز في "كبد" ثلاثة أوجه: فتح الكاف وكسر الباء وفتح الكاف وسكون الباء للتخفيف، وكسر الكاف وسكون الباء، قال حاتم: الكبد يذكر ويؤنث ولهذا قال: رطبة. والمراد بالرطوبة رطوبة الحياة، ولفظ "أجر" مبتدأ مؤخر، وفي الكلام مضاف محذوف والتقدير، أجر حاصل في إرواء كل كبد حي. -[فقه الحديث]- فهم البعض من هذا الحديث أن الرجل كان مسافرا منفردا فاستشكل بالنهي عن سفر الرجل وحده، لكن الحديث لا يدل على أنه كان مسافرا، فقد قال "بينا رجل يمشي" فيجوز أن يكون ماشيا في أطراف المدينة، وعلى فرض كونه مسافرا فيحتمل أنه كان معه رفقة فانقطع عنهم في الفلاة لضرورة
следующие страницы →