Полный текст (1 103 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
الخطاب الشرعي على أغلب ما يكون للرجال، والنساء شقائق الرجال إلا فيما خصهن الشارع من أحكام.
(فضل ماء) من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي ماء فاضل عن حاجته و"فضل" اسم "كان" وجملة "كان" في محل رفع صفة رجل
(بالطريق) هذا القيد للغالب، ولإبراز شناعة الفعل، فإن الماء إذا كان في عرض الطريق ومنع منه ابن السبيل كان الفعل شنيعا، والحكم يشمل منع الماء الفاضل عن ابن السبيل وإن لم يكن الماء في الطريق.
(فمنعه من ابن السبيل) أي فمنع الماء الفاضل عن حاجته من المسافر الذي يحتاجه.
(بايع إماما) المراد به الإمام الأعظم، وفي رواية "بايع إمامه" والمراد من المبايعة هنا المعاقدة عليه وإعطاء العهد له، كأن كل واحد منهما باع ما عنده لصاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته، فمن جانب الرعية بذل الوعد بالطاعة ومن جانب الإمام بذل الوعد بالرعاية.
(لا يبايعه إلا لدنيا) أي إلا لأجل شيء يحصل له من متاع الدنيا والجملة حال من فاعل "بايع" والمعنى: بايع غير مبايع إلا لدنيا.
(فإن أعطاه) تفسير لمبايعته الإمام للدنيا.
(أقام سلعته) أي أنفق سلعته، أي باعها، أي أراد أن يبيعها، من قامت السوق إذا نفقت، ويحتمل أن يكون المعنى: أقام سلعته في السوق أي وضعها.
لقد أعطيت بفتح الهمزة، والمفعول الأول محذوف، والتقدير: لقد أعطيت بائعها كذا عوضا لها. أو بضم الهمزة مبنيا للمجهول أي أعطاني أي عرض على من يريد شراءها كذا. وتوكيد الجملة باليمين واللام وكلمة "قد" التي هنا للتحقيق مظهر من مظاهر شناعة الجرم.
(كذا وكذا) "كذا" كلمة واحدة مركبة من كلمتين، مكنيا بها عن العدد
стр. 492
لا تستعمل إلا معطوفا عليها مثلها، وهي هنا في محل النصب مفعول ثان لأعطيت، وتحتاج إلى تمييز، وهو محذوف تقديره: كذا وكذا درهما مثلا.
(فصدقه رجل) المراد به المشتري.
-[فقه الحديث]-
-[ويؤخذ من هذا الحديث: ]-
١ - أن صاحب الماء أولى به عند حاجته، إذ الحديث ينذر بالعقاب من منع الفضل، فدل ذلك على أنه أحق بالأصل.
٢ - أن في منع الماء الفاضل عن المستحق إثما، إذ لو لم يأثم المانع لما استحق هذا الوعيد.
٣ - حرمة نقض البيعة، والغضب لغير الله وحدوده.
٤ - الحث على اختيار الإمام الصالح للدين والدنيا.
٥ - النهي عن اليمين الفاجرة التي يقتطع بها مال المسلم، وقد ورد في ذلك الوعيد الشديد. أخرج الحاكم "من اقتطع مال امرئ بيمينه حرم الله عليه الجنة وأدخله النار، قالوا: يا رسول الله وإن كان شيئا يسيرا؟ قال: وإن كان سواكا، وإن كان سواكا".
٦ - النهي عن الأيمان الكاذبة عند البيع، سواء كان البيع بعد العصر أو قبله، وإنما خص الحديث بعد العصر بالذكر لأنه الوقت الغالب للبيع في تلك البلاد، أو لما فيه من زيادة الجرأة إذ هو وقت تعظم فيه المعاصي، لصعود الملائكة بالأعمال إلى الله، فيعظم أن يرتفعوا بالمعاصي، ويكون هذا الذنب آخر عمله، والعبرة بالخواتيم ولهذا يغلظ به في أيمان اللعان.
стр. 493
باب فضل سقي الماء
٦٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئرا فشرب منها ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له" قالوا يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: "في كل كبد رطبة أجر".
-[المعنى العام]-
يحث الرسول ﷺ على الإحسان إلى الحيوانات، ويشير إلى سعة فضل الله وإنه قد يغفر الذنب الكبير بعمل الخير اليسير، فيقول: كان رجل يمشي بصحراء بطريق مكة فعطش عطشا شديدا فوجد بئرا، فنزل فشرب، ثم خرج. فلقي كلبا يلهث، وقد ضاقت أنفاسه من شدة العطش، فأشفق الرجل على هذا الكلب، وقال في نفسه: وقد تذكر الألم الذي أصابه منذ قليل قبل أن يروى. قال في نفسه: إن هذا الكلب يعاني ما عانيت من الجهد والمشقة والظمأ، فنزع خفه ونزل البئر فملأه ماء ثم أمسكه بفمه ليعالج الصعود العسير بيديه، فصعد فوضع الخف أمام الكلب، وجعل يغرف له بخفه حتى
стр. 494
أرواه وانصرف، فغفر الله له، وأدخله الجنة بسبب إحسانه إلى هذا الحيوان، قال السامعون من الصحابة -وقد عجبوا لهذا الأجر العظيم -كأن لنا في سقي بهائمنا أجرا يا رسول الله؟ قال: نعم لكم أجر في سقي كل حيوان حي.
-[المباحث العربية]-
(بينا) مثل بينما والتقدير: اشتد العطش على رجل في وقت مشيه.
(رجل يمشي فاشتد) "رجل" مبتدأ و"يمشي" خبره، والفاء واقعة موقع الفجائية التي تقع بعد بينا و"اشتد" جواب بينا، وهو المفسر للعامل فيها.
(ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث) أي خرج من البئر، و"إذا" فجائية، وتختص بالجملة الإسمية، وهي حرف عند الأخفش، ظرف عند غيره، وعاملها قيل: مقدر مشتق من لفظ المفاجأة، أو نفس الخبر، ولفظ "هو" مبتدأ و"كلب" متعلق بالخبر المحذوف وجملة "يلهث" في محل جر صفة كلب، والتقدير: هو مفاجأ بكلب لاهث وقت خروجه، ويصح جعل الضمير للشأن مبتدأ أول والباء زائدة، و"كلب" مبتدأ ثان، وجملة "يلهث" خبره، والجملة خبر ضمير الشأن، ومعنى "يلهث" يرتفع نفسه بين أضلاعه وينخفض، أو يخرج لسانه، وقيل معناه: يبحث بيديه ورجليه في الأرض.
(يأكل الثرى) الجملة في محل جر صفة أخرى لكلب، أو في محل نصب على الحال من ضميره في "يلهث" أو منه باعتبار تخصصه بالوصف، والثرى هو التراب الندي.
(بلغ هذا مثل الذي بلغ بي) لفظ "مثل" ضبط بضم اللام على أنه فاعل بلغ واسم الإشارة مفعوله، وضبط بفتح اللام على أن اسم الإشارة فاعل "ومثل صفة لمصدر محذوف أو صفة لمفعول به محذوف، والتقدير: لقد بلغ هذا الكلب مبلغا مثل الذي بلغ بي أو عطشا مثل الذي بلغ بي.
(ثم رقي) بفتح الراء وكسر القاف على مثال صعد لفظا ومعنى أما رقى
стр. 495
بفتح القاف فمن الرقية، وليس هذا موضعه، وقيل: إنه روي كذلك، ويمكن تخريجه على لغة طيئ الذين يفتحون العين فيما كان من الأفعال معتل اللام كبنى ورضى، والأول أفصح وأشهر.
(فشكر الله له فغفر له) عطف "غفر" على "شكر" بالفاء أدى إلى تفسير الشكر بالثناء أو قبول العمل، وتكون الفاء للسببية، أي أثنى عليه عند ملائكته فغفر له، أو قبل عمله فغفر له ويجوز أن يكون الغفران هو نفس الشكر وتكون الفاء تفسيرية كقوله تعالى ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ على قول من فسر التوبة بالقتل، وقال القرطبي: معنى قوله "فشكر الله له" أظهر ما جازاه به عند ملائكته. أهـ. وكأن في الكلام تقديما وتأخيرا. والأصل فغفر الله له، فأظهر مغفرته له للملائكة.
(قالوا) أي الصحابة ومنهم سراقة بن مالك كما جاء في رواية ابن ماجه.
(وأن لنا في البهائم أجرا) الواو عاطفة على محذوف، وهمزة الاستفهام التعجبي مقدرة، وفي الكلام مضاف محذوف والتقدير، الأمر كذلك وإن في سقي البهائم أجرا؟ .
(في كل كبد رطبة أجر) يجوز في "كبد" ثلاثة أوجه: فتح الكاف وكسر الباء وفتح الكاف وسكون الباء للتخفيف، وكسر الكاف وسكون الباء، قال حاتم: الكبد يذكر ويؤنث ولهذا قال: رطبة. والمراد بالرطوبة رطوبة الحياة، ولفظ "أجر" مبتدأ مؤخر، وفي الكلام مضاف محذوف والتقدير، أجر حاصل في إرواء كل كبد حي.
-[فقه الحديث]-
فهم البعض من هذا الحديث أن الرجل كان مسافرا منفردا فاستشكل بالنهي عن سفر الرجل وحده، لكن الحديث لا يدل على أنه كان مسافرا، فقد قال "بينا رجل يمشي" فيجوز أن يكون ماشيا في أطراف المدينة، وعلى فرض كونه مسافرا فيحتمل أنه كان معه رفقة فانقطع عنهم في الفلاة لضرورة
стр. 496
فجرى له ما جرى فلا يفهم منه جواز السفر منفردا، وقد خصص بعض العلماء قوله "في كل كبد رطبة أجر" خصصه بالحيوان المحترم الذي لا ضرر فيه، وقالوا: كان الرجل من بني إسرائيل، وأما الإسلام فقد أمر بقتل الكلاب، وكل مأمور بقتله كالخنزير لا يجوز أن يقوى ليزداد ضرره، قال النووي: إن عمومه مخصوص بالحيوان المحترم وهو ما لم يؤمر بقتله، فيحصل الثواب بسقيه، ويلتحق به إطعامه وغير ذلك من وجوه الإحسان إليه، والذي ترتاح إليه النفس بقاء الحديث على عمومه، لأن أصل الحديث مبني على إظهار الشفقة لمخلوقات الله من الحيوانات، وإظهار الشفقة لا ينافي إباحة قتل المؤذي، فيُسقى، ثم يقتل، لأنا أمرنا أن نحسن القتلة ونهينا عن المثلة، وعلى قول مدعي الخصوص: الكافر الحربي والمرتد الذي استمر على ارتداده إذا قدما للقتل، وكان العطش قد غلب عليهما ينبغي أن يأثم من يسقيهما، لأنهما غير محترمين في ذلك الوقت، ولا يميل قلب شفوق فيه رحمة إلى منع السقي عنهما، بل يسقيان ثم يقتلان.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - الحث على الإحسان إلى الناس، لأنه إذا حصلت المغفرة بسبب سقي كلب فسقي بني آدم أعظم أجرا.
٢ - أن سقي الماء من أعظم القربات، قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء.
٣ - احتج به بعضهم على جواز صدقة التطوع على المشركين.
стр. 497
باب شرب الناس وسقي الدواب من الأنهار
٦٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الخيل لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال بها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات ولو أنه انقطع طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي كان ذلك حسنات له فهي لذلك أجر ورجل ربطها تغنيا وتعففا ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ستر ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر" وسئل رسول الله ﷺ عن الحمر؟ فقال: "ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ [سورة الزلزلة: الآيات ٧ - ٨]
-[المعنى العام]-
بين الرسول ﷺ أن النتائج الأخروية لتربية الخيل ثلاث، لأنها إما أن يؤجر من أجلها صاحبها، وإما أن يؤزر، وإما ألا يؤجر ولا يؤزر، أما الأول فهو مسلم رباها للجهاد في سبيل الله، وأعدها لقتال أعداء الإسلام، فله بإطعامها أجر وبسقيها أجر، سواء تعب أم لم يتعب، حتى لو قطعت حبلها وجرت أشواطا فأكلت من مباح أو شربت من مباح فله بهذا الأكل والشرب
стр. 498
أجر، حتى آثار حوافرها وأروائها على الأرض، له به حسنات. وأما الثاني الذي تكون عليه وزر فرجل رباها للرياء والفخر، أو لمناوأة المسلمين، يعدو عليهم بها، أو يطلقها على مزارعهم فهي إثم. وأما الثالث فرجل رباها ليستغني بنتاجها عن سؤال الناس وليتعفف بما يعمله عليها ويكتسبه على ظهورها عما في أيدي الناس، أو يتردد عليها إلى متاجره أو مزارعه ثم لم ينس حق الله في رقابها فيؤدي صدقتها أو زكاة تجارتها إن كانت للتجارة، ولا يحملها ما لا تطيقه، ويغيث بها الملهوف ومن تجب معونته فهذه تكون له سترا من الفقر والحاجة. وسئل الرسول ﷺ عن الحمر، وهل في تربيتها هذه الأوضاع الثلاثة: فأجاب السائلين إلى القاعدة الإسلامية العامة، وإلى آية جامعة فريدة، تغني عن كثير من التفاصيل ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ أي من أحسن النية وأحسن معاملة ما تحت يده رأى جزاء ذلك خيرا في الآخرة، ومن أساء النية أو أساء المعاملة لقي جزاء ما قدم شرا في الآخرة، وهكذا يبين الرسول ﷺ أن الشيء الواحد يكون سببا في الأجر عند شخص، وسببا في الوزر عند آخر، لا لأنه استعمل في الخير أو الشر، وإنما لأنه أعد وقصد به أحدهما، فالمدفع مثلا عند شخص يعده للدفاع عن الوطن وعن الإسلام وعن العرض غيره عند شخص لقطع الطريق وتخويف الآمنين، وإن لم يستعمل في أي من الجهتين. وفي هذا يقول ﵊ "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى".
-[المباحث العربية]-
(لرجل أجر) أي ثواب، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، "وأجر" مبتدأ مؤخر والجملة خبر "الخيل".
(ولرجل ستر) أي ساتر لفقره ولحاله.
(فأطال لها في مرج) أي شدها في حبل طويل، والمرج بفتح الميم وسكون الراء بعدها جيم، الأرض الواسعة فيها الكلأ الكثير، والجمع مروج.
стр. 499
(أو روضة) "أو" للشك من الراوي و"الروضة" الأرض المخضرة بأنواع النبات.
(فما أصابت في طيلها) الطول بكسر الطاء وفتح الواو، وكذلك الطيل بالياء موضع الواو حبل طويل يشد أحد طرفيه في وتد أو غيره، والطرف الآخر في يد الفرس ليدور فيه ويرعى ولا يذهب لوجهه.
(فاستنت) أفلتت، وقيل: لجت في عدوها إقبالا وإدبارا، وقيل: جرت بغير فارس.
(شرفا أو شرفين) بفتح الشين والراء ما شرف من الأرض وارتفع والمراد منه هنا الشوط أو الشوطان، سمي به لأن العادى به يشرف على ما وجه إليه.
(آثارها) أثر كل شيء بقيته، والظاهر أن المراد به أثر خطواتها في الأرض بحافرها.
(تغنيا) بفتح التاء والغين وكسر النون المشددة أي استغناء عن الناس وهو منصوب على أنه مفعول لأجله، ومثله "فخرا" وما عطف عليه.
(ونواء) بكسر النون أي معاداة لأهل الإسلام، وأصله من ينوء إلى غيره وينوء غيره إليه أي يميل إليه متثاقلا.
(عن الحمر) في الكلام مضاف محذوف أي عن صدقة الحمر.
(الفاذة) بالذال المشدة، أي المنفردة القليلة النظير في معناها، إذ جمعت على انفرادها حكم الحسنات السيئات، وقيل: لأنها ليس مثلها آية أخرى في قلة وكثرة المعاني. ﴿فمن يعمل مثقال ذرة﴾ الذر النمل الصغير، وقيل هو ما يرى في شعاع الشمس من الهباء.
стр. 500
-[فقه الحديث]-
مناسبة هذا الحديث للباب المذكور مأخوذة من قوله ﷺ "ولو أنها مرت بنهر فشربت منه" وهو يشير إلى أن ماء الأنهار الجارية غير مختص بأحد، وقد قام الاجتماع على جواز الشرب منها دون استئذان أحد، لأن الله خلقها للناس وللبهائم ولا مالك لها غير الله تعالى. فإذا أخذ أحد منها شيئا في وعائه صار ملكه يتصرف فيه بالبيع والهبة والصدقة ونحوها، ووجه حصر الخيل في هذه الثلاثة أن الذي يقتنيها إما أن يقتنيها للركوب أو للتجارة، وكل منهما إما أن يقترن به فعل طاعة وهو الأول أو يقترن به فعل معصية وهو الأخير، أو يتجرد عن هذا وذاك وهو الثاني.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - الحث على اقتناء الخيل إذا ربطها في سبيل الله، ويكفي أن أروائها تكون حسنات يوم القيامة.
٢ - أن الرياء مذموم، وأنه وزر ولا ينفع العمل المشوب به يوم القيامة.
٣ - ويؤخذ من قوله "ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي" فضل سقي الدواب، لأنه يشعر بأن من شأن البهائم طلب الماء ولو لم يرد ذلك صاحبها، فإذا أجر على ذلك من غير قصد فيؤجر إذا قصد من باب أولى.
٤ - فيه حجة لمن يقول بعدم اجتهاد الأنبياء.
٥ - فيه إشارة إلى التمسك بالعموم.
٦ - استدل به أبو حنيفة على وجوب الزكاة في الخيل السائمة من قوله "ولم ينس حق الله في رقابها".
٧ - وفيه التنبيه للأمة على الاستنباط والقياس وكيف يفهم معنى التنزيل، لأنه نبه عما لم يذكر في كتاب الله وهي الحمر بما ذكر من جزاء
стр. 501
عمل مثقال ذرة خيرا أو شرا.
٨ - فيه دليل على عموم النكرة الواقعة في سياق الشرط نحو "من عمل صالحا فلنفسه".
стр. 502
كتاب الاستقراض والحجر والتفليس
الاستقراض طلب القرض، والقرض يطلق اسما بمعنى الشيء المقروض ومصدرا بمعنى الإقراض الذي هو تمليك الشيء على أن يرد بدله، والحجر لغة المنع، وشرعا: منع التصرف في المال، والتفليس من فلسه الحاكم تفليسا يعني حكم بأنه يصير إلى حالة يقال فيها عنه ليس معه فلس، وهو قطعة مضروبة من النحاس كان يتعامل بها تشبه المليم في زماننا، وقيل: المفلس من تزيد ديونه عن مورده، سمي مفلسا لأنه صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير، وشرعا حجر الحاكم على المفلس ليقضي ما عليه من دين الآدمي، وجمع المؤلف بين هذه الثلاثة لتلازمها في بعض الأحوال ولقلة الأحاديث الواردة فيها.
٧٠ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله".
-[المعنى العام]-
يبين الرسول ﷺ أن من أخذ من أموال الناس شيئا بأي وجه من وجوه المعاملات وهو ينوي الأداء يسر الله له ما يؤدي من فضله لحسن نيته فإن مات قبل الأداء أرضى الله غريمه، ومن أخذ من أموال الناس شيئا يعتزم إتلافه على صاحبه وعدم رده أتلفه الله من يده وأضاعه منه، فلا ينتفع به،
стр. 503
لسوء نيته، ويبقى عليه الدين يعاقب به يوم القيامة، وقد ورد "من تداين بدين وفي نفسه وفاؤه ثم مات تجاوز الله عنه، وأرضى غريمه بما شاء، ومن تداين بدين وليس في نفسه وفاؤه ثم مات اقتضى الله لغريمه منه يوم القيامة" وفي رواية "فيؤخذ من حسناته فتجعل في حسنات الآخر فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات الآخر فتجعل عليه".
-[المباحث العربية]-
(يريد أداءها) أي يريد ردها إلى صاحبها، والجملة في محل النصب على الحال.
(أدى الله عنه) مفعول "أدى" محذوف تقديره، أداها الله عنه، كما جاء مصرحا به في بعض الروايات.
-[فقه الحديث]-
الأداء والإتلاف قد يكونان في الدنيا وقد يكونان في الآخرة، فالأداء في الدنيا يكون بأن يفتح الله عليه باب الرزق والسعة حتى يؤدي، وفي الآخرة يكون بأن يتكفل الله عنه ويرضي غريمه بما شاء. وأما الإتلاف في الدنيا فقد يكون في المال أو في النفس، وفي الآخرة يكون بالعذاب الأليم.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - أن الثواب قد يكون من جنس الحسنة، وأن العقوبة قد تكن من جنس الذنب، لأنه ﷺ جعل مكان أداء الإنسان أداء الله عنه، ومكان إتلافه إتلاف الله له.
٢ - الحض على ترك أكل أموال الناس سواء كانت بطريق القرض أو بأي وجه من وجوه المعاملات. والترغيب في حسن التأدية إليهم عند المداينة.
٣ - الترغيب في تحسين النية لأن الأعمال بالنيات.
стр. 504
٤ - الترغيب في الدين لمن ينوي الوفاء. روى الحاكم وابن ماجه عن عبد الله بن جعفر أنه كان يستدين فسئل، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله مع المدين حتى يقضي دينه" كذا قيل، وفيه نظر. والله أعلم.
٧١ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرءوا إن شئتم ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٦] فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه".
-[المعنى العام]-
يدعو الرسول ﷺ إلى تحمل الميت في ديونه وفي ورثته إن كانوا ضياعا اقتداء به ﷺ ، نعم ولي الأمر أولى من عامة المسلمين، فإن لم يقم بهذا الواجب حسن بالمسلمين أن يتسابقوا إلى هذه الولاية. يقول الرسول ﷺ : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم في الدنيا والآخرة، أحرص عليهم، وأؤدي عنهم عند عجزهم بعد موتهم. واستدل على الولاية بقوله تعالى ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ ثم قال: فمن ترك من المسلمين مالا فلورثته من بعده، ومن ترك كلا أو دينا فأنا كفيل بالأداء فليأتني ورثته الضياع.
-[المباحث العربية]-
(ما من مؤمن إلا وأنا أولى به) "ما" نافية و"من" زائدة لتأكيد النفي
стр. 505
"مؤمن" مبتدأ والخبر محذوف والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال أي إلا في حال ولايتي له، وفي رواية "إلا أنا أولى به" بدون الواو، فإلا ملغاة وجملة "أنا أولى به" هي الخبر.
(اقرءوا إن شئتم: النبي أولى) جواب الشرط محذوف، دل عليه ما قبله والتقدير إن شئتم فاقرؤوا، وجملة الشرط وجوابه معترضة بين اقرءوا ومفعوله، والآية مقصود لفظها مفعول اقرءوا.
(فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته) "أي" اسم شرط مبتدأ زيدت عليها "ما" و"أي" مضاف و"مؤمن" مضاف إليه، وجملة "مات" صفة لمؤمن و"فليرثه" جواب الشرط، واقتصر على المال لأنه الغالب.
(من كانوا) "من" اسم موصول في محل رفع صفة لعصبة، وعبر بالموصول هنا لإفادة العموم والشمول لأنواع العصبة الثلاثة: العصبة بالنفس وبالغير ومع الغير، ويجوز إعراب "من" نكرة خبر كانوا مقدما، والمعنى أيا كانوا، أي أي أنواع العصبة كانوا.
(أو ضياعا) بفتح الضاد مصدر ضاع يضيع، أطلق على اسم الفاعل للمبالغة كالعدل والصوم، أي من ترك شيئا ضائعا كالأطفال، رواه بعضهم بكسر الضاد جمع ضائع كجائع وجياع.
(فليأتني) فاعل يأتي مفهوم من المقام أي من ترك دينا فليأتني دائنه ومن ترك ضائعا فليأتني الضائع.
(فأنا مولاه) الفاء للتعليل، ومولاه وليه.
-[فقه الحديث]-
فسر العلماء قوله تعالى ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ بأن طاعته أولى بهم من طاعة أنفسهم، بمعنى أنه إذا دعاهم النبي إلى شيء ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت الاستجابة إلى دعوته أولى، لأن النبي ﷺ يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم، وأنفسهم تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم، ويترتب على ذلك
стр. 506
إيثار طاعته على شهوات أنفسهم وإن شق ذلك عليهم، وأن يحبوه أكثر من حبهم لأنفسهم وقيل: معناه: طاعة النبي ﷺ أولى من طاعة بعضهم لبعض، وقيل: معناه إنه أولى بهم في إمضاء الأحكام وإقامة الحدود عليهم، وقد استنبط بعضهم من الآية أن له ﷺ أن يأخذ الطعام والشراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج النبي ﷺ إليهما. وعلى صاحبهما البذل وأن يفدي بمهجته مهجة النبي ﷺ . وإن قصده ﵇ ظالم وجب على من حضره أن يبذل نفسه دونه. والآية تشمل أنه أولى بأخذ غنمهم ودفع غرمهم، فمن ترك مالا ولا ورثة له فالأمر إليه، ومن ترك عيالا ولم يترك مالا فالأمر إليه، لكن الرسول لما ذكر الآية لم يذكر ماله من حظ، وإنما ذكر ما هو عليه، وذلك من كمال خلقه ﷺ . وقد كان الرسول في صدر الإسلام لا يصلي على من مات وعليه دين، ليحرض الناس على قضاء ديونهم في حياتهم والتوصل إلى البراءة منه، وليحرض أهل الميت وأصحابه وضامنيه على السداد عنه، لئلا تفوته صلاة النبي ﷺ ، فلما فتح الله تعالى عليه الفتوح صار يصلي عليهم ويقضي دين من لم يخلف وفاء، فصار فعله الأخير ناسخا لفعله الأول.
وهل كانت الصلاة على الميت المدين قبل الفتوح محرمة على النبي ﷺ أو لا؟ وهل كان يجوز له أن يصلي مع وجود الضامن أو لا؟
وهل قضاء النبي ﷺ دين من لم يخلف كان واجبا عليه أم كان يفعله تكرما؟
في كل ذلك خلاف بين الفقهاء ومرجعه كتب الفروع.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - أن الدين لا يخل بالمدين.
٢ - أن من ترك مالا ولا دين عليه فماله لورثته.
٣ - ومن كان عليه دين أخذ من تركته.
стр. 507
٤ - ومن ترك دينا ولا مال له فلا يلزم الورثة السداد.
٧٢ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال النبي ﷺ "إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال".
-[المعنى العام]-
من أكبر الكبائر عقوق الأمهات، فقد حملن كرها ووضعن كرها وربين كرها، ومن لم يشكرهن ويبرهن فليس أهلا للجميل، ومن أكبر الكبائر وأد البنات مخافة العار والحاجة، لأنه يدل على عدم الرضا بالله وبقضائه، وعدم الثقة في تكفله بمخلوقاته، وفيه قتل النفس التي حرم الله قتلها، ومن المحرمات منع الحقوق وطلب ما لا يستحق، وشغل المجلس بقيل كذا، وقال فلان كذا، من الغيبة والنميمة وما لا فائدة من ذكره، وإضاعة المال وإنفاقه في غير وجهه المشروع.
стр. 508
-[المباحث العربية]-
(عقوق الأمهات) أصل العقوق القطع كأن العاق لأمه يقطع حقوقها.
(وأد البنات) دفنها حية وكان من أفعالهم في الجاهلية.
(ومنع وهات) "منع" مفعول "حرم" ولم يصرف ملاحظة للإضافة فهو مضاف لمحذوف، والتقدير: حرم عليكم منع ما عليكم إعطاؤه، وحرم عليكم طلب ما ليس لكم أخذه، فكأنكم لا تكتفون بالانتصاف لأنفسكم، بل ولا تنصفون غيركم، وهذا من أقبح الخلال، وقيل تقديره: حرم عليكم منع الواجب من المال والأقوال والفعال، وتكليف الغير القيام بما لا يجب عليهم وقيل تقديره: حرم عليكم منع ما عندكم، فلا تتصدقون ولا تعطون، وحرم عليكم مد أيديكم للأخذ من الناس. وقال ابن التين: ضبط "ومنع" بغير ألف وصوابه "منعا" بالألف و"هات" بالكسر مبني على حذف الياء بناء على الصحيح من أنه فعل أمر، وعلى الكسر بناء على أنه اسم فعل بمعنى أعط.
(وكره لكم قيل وقال) فعلان، الأول مبني للمجهول، والتقدير: قيل كذا وقال فلان كذا، وهما مبنيان على أنهما فعلان، مع أنهما مفعول "كره" مقصودا حكايتهما، والمعنى: نهى عن فضول ما يتحدث به الجالسون من قولهم: قيل كذا وقال فلان كذا.
-[فقه الحديث]-
مناسبة الحديث للباب قوله "وإضاعة المال" وسيأتي بيانه، وقد تعرض الحديث إلى رعاية الأصول والفروع والمتعاملين والأموال فقال: إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، وكذلك عقوق الآباء، وإنما خص الأمهات بالذكر لأن العقوق إليهن أسرع من الآباء لضعف النساء. وللتنبيه على أن بر الأم يقدم على بر الأب في التلطف والحنو ونحو ذلك. ولأن ذكر أحدهما يدل على الآخر، فهو من قبيل تخصيص الشيء بالذكر إظهارا لتعظيم موقعه، والنهي عن القيل والقال إنما يصح في قول ما لا ينبغي ولا يعلم حقيقته. أما
стр. 509
من حكى ما صح وما يعرف حقيقته، وأسنده إلى ثقة صادق فلا وجه للنهي عنه، ولا يذم، وقيل المراد به النهي عن الغيبة والنميمة فإن تبليغ الكلام من أقبح الخصال والإصغاء إليه أقبح وأفحش، أما كثرة السؤال ففي تأويله وجوه: أحدها: السؤال عن أمور الناس وكثرة البحث عنها. وثانيها: مسألة الناس من أموالهم. ثالثها: كثرة السؤال في العلم للامتحان وإظهار المراء. رابعها: السؤال عما لا يعني. خامسها: كثرة سؤال النبي ﷺ ، وكان خشية أن يفرض ما ليس فرضا. قال تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ وأما إضاعة المال فبصرفه في غير وجهه وحاصل ما قيل فيه. أن كثرة الإنفاق على ثلاثة أوجه: الأول: إنفاقه في الوجوه المذمومة شرعا ولا شك في منعه. كثيرا كان المال أو قليلا. والثاني: إنفاقه في وجوه الخير المحمودة شرعا. ولا شك في كونه مطلوبا بشرط ألا يفوت حقا آخر هو أهم منه.
والثالث: إنفاقه في المباحات بالأصالة كملاذ النفس، فإن كان على وجه يليق بالمنفق وبقدر ماله، فهذا ليس بإسراف، وإلا فهو إسراف على الصحيح ما لم يكن لدفع مفسدة ناجزة أو متوقعة فهذا ليس بإسراف.
стр. 510
كتاب الخصومات
الخصومات جمع خصومة، والخصم معروف، يستوي فيه الجمع والمفرد والمؤنث والمذكر، لأنه في الأصل مصدر، ومن العرب من يثنيه ويجمعه.
٧٣ - عن عبد الله ﵁ قال: سمعت رجلا قرأ آية سمعت من النبي ﷺ خلافها فأخذت بيده فأتيت به رسول الله ﷺ فقال: كلاكما محسن قال شعبة أظنه قال لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا.
-[المعنى العام]-
يقول ابن مسعود ﵁: أقرأني رسول الله ﷺ سورة الرحمن فخرجت إلى المسجد عشية فجلست إلى رهط، فقلت لرجل: اقرأ علي، فإذا هو يقرأ حرفا لا أقرؤه، فقلت: من أقرأك؟ قال: أقرأني رسول الله ﷺ ، فأخذت بيده فأتيت به رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، أقرأتني آية كذا وكذا؟ قال: نعم. وفي رواية قال: "إن جبريل وميكائيل عليهما الصلاة والسلام أتياني فجلس جبريل عن يميني، وميكائيل عن يساري. فقال جبريل: يا محمد، اقرأ القرآن على حرف، وقال ميكائيل: استزده. فقلت: زدني فقال: اقرأ على حرفين فقال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبعة أحرف وقال: كل كاف شاف"، وفي رواية قال ابن مسعود: يا رسول الله اختلفنا في قراءتنا، فإذا وجه رسول الله ﷺ فيه تغير ووجد في نفسه حين ذكرت
стр. 511
الاختلاف وقال: "إنما هلك من قبلكم بالاختلاف، لا تختلفوا، لأن الخلاف شر كله".
-[المباحث العربية]-
(سمعت رجلا يقرأ) المسموع على الحقيقة صوت الرجل لا الرجل ولكنهم تسامحوا فأوقعوا السماع على صاحب الصوت اعتمادا على المقام وجملة "يقرأ" صفة لرجل، ولم يعرف اسم الرجل، وقيل: هو عمر.
(آية) في صحيح ابن حيان أنها من سورة الرحمن، وفي المبهمات للخطيب أنها من سورة الأحقاف.
(كلاكما محسن) إفراد الخبر باعتبار لفظ "كلا".
(لا تختلفوا) أي في القرآن.
فقه الحديث
مناسبة الحديث للباب قوله "لا تختلفوا" لأن الاختلاف الذي يورث الهلاك هو أشد الخصومة، وأشار بعضهم إلى أن المناسبة قوله "فأخذت بيده فأتيت رسول الله ﷺ " وفي توجيه "كلاكما محسن" قال بعضهم: إن إحسان الرجل راجع إلى قراءته، وإحسان ابن مسعود راجع إلى احتياطه وطلب تحريه من الرسول ﷺ ، لكن يعارض هذا التوجيه ما ورد في صحيح ابن حبان "فأمر عليا ﵁ فقال: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علم، فإنما أهلك من قبلكم الاختلاف". قال ابن مسعود: "فانطلقنا وكل رجل منا يقرأ حرفا لا يقرأه صاحبه" انتهى. فهذا يدل على أن كلا منهما محسن في القراءة، وهذا جائز، لأن كل لفظ جازت قراءته على وجهين أو أكثر لو أنكر أحد هذه الوجوه، فقد أنكر القرآن، ويجاب عنه بأن الممنوع إنكار المتواتر من وجوه القراءات. وهو الذي يؤدي إلى إنكار القرآن، وهذا لا يمنع من جواز القراءة بوجهين أو أكثر، فقد روى الترمذي قال النبي ﷺ "يا جبريل إني بعثت إلى أمة أمية منهم العجوز،
стр. 512
والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط.
قال: يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف"، ويرجع اختلافها إلى الحركات أو الحروف مع تغيير في المعنى أو بدون تغيير، وقيل: يرجع إلى التقديم والتأخير أو الزيادة والنقص، وليس من الاختلاف الإظهار والإدغام ونحوهما، لأن هذه الصفات المتنوعة لا تخرج اللفظ عن كونه لفظا واحدا، وإنما ظهرت الكراهة في وجه الرسول ﷺ مع قوله: "كلاكما محسن" لأنهما تجادلا، ويخشى من هذا الجدال إنكار شيء من القرآن- وكان الواجب على ابن مسعود أن يقره على قراءته، ثم يسأل عن وجهها، وهذا الذي أهلك من قبلهم، فقد أنكر كل واحد منهم قراءة الآخر، وغيروا وبدلوا، فلم يعرف الأصيل من الدخيل.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - حرص الصحابة على تأدية ما سمعوا من القرآن كما سمعوه من الرسول ﷺ .
٢ - مشروعية التقاضي عند التخاصم.
٣ - حكمة الرسول ﷺ عند الفصل بين الخصوم.
٤ - الاعتبار بأحوال السابقين.
стр. 513
كتاب اللقطة
اللقطة بضم اللام وفتح القاف على المشهور، وجاز في القاف الإسكان ويقال لها أيضا لقاطة بضم اللام، وهي لغة اسم للمال الملتقط، وشرعا: ما وجد من حق ضائع محترم غير محرز، ولا ممتنع بقوته، ولا يعرف الواحد مستحقه. وفي الالتقاط معنى الأمانة والولاة، من حيث أن ** الملتقط أمين فيما التقطه، والشرع ولاه حفظه، وفيه معنى الاكتساب من حيث أن له التملك بعد التعريف.
٧٤ - عن أبي بن كعب ﵁ قال: أصبت صرة فيها مائة دينار فأتيت النبي ﷺ فقال: "عرفها حولا فعرفتها حولا فلم أجد من يعرفها ثم أتيته فقال عرفها حولا فعرفتها فلم أجد ثم أتيته ثلاثا فقال احفظ وعاءها وعددها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها فاستمتعت فلقيته بعد بمكة فقال لا أدري ثلاثة أحوال أو حولا واحدا".
-[المعنى العام]-
لما كان مال المسلم لا يحل إلا عن طيب نفس منه، وعن طريق حلال، ولما كانت اللقطة تحتمل أن تكون من أموال المسلمين خصوصا إذا كانت ببلاد الإسلام حافظ الشارع عليها، وبالغ في وسائل إيصالها لصاحبها فأمر بالتعريف عنها في الأماكن المطروقة مدة تصل فيها الأخبار عادة، وفي هذا يحدث أبي بن كعب أنه وجد صرة فيها مائة دينار فأخذها وجاء إلى
стр. 514
النبي ﷺ يسأله عن حكم الإسلام فيها، فأمره ﷺ أن يعرفها سنة بأن يعلن عن بعض أوصافها، ولا يذكر كل الأوصاف، يكرر هذا الإعلان في أوقات مختلفة من سنة كاملة، فمرة في الصباح، ومرة في المساء، ومرة في الظهيرة، ومرة في أول الأسبوع والشهر، ومرة في الوسط ومرة في الآخر وأعلن أبي بن كعب عنها سنة، فلم يأته صاحبها فرجع إلى الرسول ﷺ يخبره بالخبر فأمره أن يعرفها سنة أخرى زيادة في الاستيثاق وتورعا عن أموال الغير، فعرفها سنة فلم يأته صاحبها، فعاد إلى الرسول ﷺ يخبره الخبر فأمره أن يعرف وعاءها ورباطها وعددها ثم يستمتع بها، فإن جاء صاحبها ردها إليه، وإلا فشأنه بها شأن ما يصنع بأمواله.
-[المباحث العربية]-
(أصبت) وفي رواية "وجدت".
(صرة فيها مائة دينار) في نسخة "صرة مائة دينار" بنصب "مائة" بدل من "صرة" ورفعها على تقدير: فيها مائة دينار.
(فأتيت النبي ﷺ فقال: عرفها) في الكلام حذف للعلم به، والأصل فأتيت النبي فأخبرته بخبرها، فقال عرفها، بالتشديد أمر من التعريف.
(ثلاثا) أي ثلاث مرات والمعنى: أن مجموع إتيانه ثلاث مرات، وليس معناه: أنه أتى بعد المرتين الأولين ثلاث مرات. وإن كان ظاهر الحديث يقتضي ذلك، لأن "ثم" تخلفت عن معنى التشريك في الحكم والترتيب والمهلة فتكون زائدة لا عاطفة، قاله الكوفيون.
(احفظ وعاءها) بكسر الواو، وقد تضم، وهو ما جعل فيه الشيء سواء كان من جلد أو خرق أو خشب أو غير ذلك، وفي رواية "عفاصها" والعفاص الوعاء.
(فاستمتعت، فلقيته بعد بمكة، فقال: لا أدري. ثلاثة أحوال أو حولا واحدا) أصل السند: حدثنا شعبة عن سلمة سمعت سويد بن غفلة قال: لقيت
стр. 515
أبي بن كعب فقال ... قال الحافظ ابن حجر: لقي شعبة شيخه سلمة، فعند الطيالسي "قال شعبة: فلقيت سلمة بعد ذلك فقال: لا أدري. ثلاثة أحوال أو حولا واحدا".
(ووكاءها) بكسر الواو هو الذي يشد به رأس الكيس أو الصرة أو غيرهما.
(فإن جاء صاحبها) جواب الشرط محذوف للعلم به أي فارددها إليه.
(وإلا فاستمتع بها) فعل الشرط محذوف تقديره: وإن لم يجئ صاحبها.
-[فقه الحديث]-
الكلام عن هذا الحديث ينحصر في نقاط:
الأولى: حكم رفع اللقطة أو تركها.
الثانية: الغرض من حفظ الوعاء والعدد والوكاء، وهل يسبق التعريف أو يتأخر عنه؟
الثالثة: ما ينبغي للاقط: التعريف أو الدفع إلى السلطان؟
الرابعة: حكم لقطة الحقير من الأشياء.
الخامسة: حكم التعريف وكيفيته ومكانه، ومدته ومتى تبتدئ؟
السادسة: حكم دفع اللقطة لمن ذكر أوصافها ولم يأت بشهود.
السابعة: ضمان اللقطة لو تلفت قبل الحول أو بعده.
الثامنة: اللقطة بعد انقضاء مدة التعريف.
مع ذكر الأدلة وتوجيه الأحاديث المعارضة فيما ذكر.
أما عن النقطة الأولى: فقد روي عن مالك وأحمد كراهة أخذها استدلالا بقوله ﷺ "ضالة المسلم حرق النار" أي كحرق النار، فمن أخذها
стр. 516
ليمتلكها أدت به إلى النار. وروي عن الشافعي مرة وجوب رفعها، ومرة تفضيل أخذها. وروي عن أبي حنيفة أن كلا الأمرين مباح، والتحقيق التفصيل، فمن خشي عليها الضياع أو التلف إذا تركها، وهو يعتزم تعريفها وجب أو استحب له رفعها. ومن لم يخش عليها شيئا من ذلك وهو يرجح عودة صاحبها أو أخذ أمين آخر لها فالورع تركها، وأخذها لأكلها بدون تعريف حرام، وعليه يحمل الحديث "ضالة المسلم حرق النار".
وأما عن النقطة الثانية: فالغرض من حفظ الوعاء والعدد والوكاء وجوه من المصالح: منها أن العادة جارية بإلقاء الوعاء والوكاء إذا فرغ من النفقة، فإذا أمر بحفظ هذين فحفظ ما فيهما أولى، ومنها تمييز اللقطة عن ماله فلا تختلط به، ومنها أن صاحبها إذا جاء بعته فربما غلب على ظنه صدقه فيجوز له الدفع إليه، ومنها أنه إذا حفظ ذلك ساعده على التعريف لها، والأمر بالمعرفة للندب على الراجح، وقيل للوجوب، هذا عقب أخذها أما معرفتها عند التملك فواجبة اتفاقا.
وأما النقطة الثالثة: فالجمهور على أن الملتقط لا يجب عليه أن يدفع اللقطة إلى السلطان، سواء كانت قليلة أو كثيرة، لأن السنة وردت بأن واجد اللقطة هو الذي يعرفها دون غيره، لقوله "عرفها" ويجوز للسلطان أن يأخذها من غير الأمين، ويدفعها إلى أمين ليعرفها، وقيل: يفرق بين القليل والكثير، فإن كان قليلا عرفه وإن كان كثيرا دفعه إلى بيت المال، وفرق بعض المالكية وبعض الشافعية بين المؤتمن وغيره، فألزموا المؤتمن بالتعريف وأمروا غير المؤتمن بدفعها إلى السلطان ليعطيها لمؤتمن ليعرفها.
وأما عن النقطة الرابعة: فقد رخص في أخذ اللقطة اليسيرة والانتفاع بها وترك تعريفها. وخص بما دون الدرهم، ولكنه يبقى على ملك مالكه، لأن التمليك من المجهول لا يصح، واستدل بما روي أنه ﷺ مر بتمرة في الطريق فقال "لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها" فإنه ﷺ لم يمتنع من أكلها إلا تورعا، خشية أن تكون من الصدقة التي حرمت عليه، لا لكونها ملقاة في الطريق، وروي عن مالك أن تركها أفضل.
стр. 517
أما عن النقطة الخامسة: فإن التعريف واجب لظاهر الأمر، وإن أخذها لحفظها، نعم إن غلب على ظنه أن سلطانا غير أمين يأخذها منه إن عرف امتنع عليه التعريف، وكانت أمانة تحت يده، وكيفية التعريف ترجع إلى العرف كأن ينادي أو يكتب: من ضاع له شيء فليطلبه عندي، ويكون ذلك في بلد اللقطة، في الأسواق ومجامع الناس، وأبواب المساجد، وعند خروج الناس من الجماعات ونحوها، ويكره التعريف في المساجد وطلب اللقطة فيها إذا وقع ذلك برفع الصوت، ومدة التعريف سنة لقوله ﷺ "عرفها حولا" والمعنى في ذلك أنها أطول مدة في العادة تستغرقها القوافل، وفيها تمضي الفصول الأربعة ولو التقط اثنان لقطة عرفها كل واحد منهما نصف سنة على الراجح، ثم اقتسماها عند التملك، ولا يشترط في التعريف الفور، ولا الموالاة، ولا استيعاب السنة، بل يرجع ذلك إلى العرف والعادة، نعم ظاهر الحديث أن أبي بن كعب أمر بالتعريف عامين، ولم يقل بهذا الظاهر أحد من أئمة الفتوى، لهذا قال ابن حزم: إن عامين ولم يقل بهذا الظاهر أحد من أئمة الفتوى، لهذا قال ابن حزم: إن الرواية إما أن تكون غلطا من الرواة وإما لكون المعرف عرفها تعريفا غير جيد كما قال للمسيء صلاته "ارجع فصل فإنك لم تصل" ويجوز أن يكون التكرار في الأمر بالتعريف محمولا على مزيد التورع عن التصرف في اللقطة، والمبالغة في التعفف عنها. وابتداء الحول من يوم التعريف، لا من يوم الأخذ، وقد ذهب مالك والشافعي وأحمد إلى تقدير الحول من غير تفصيل بين القليل والكثير، وقال بعضهم، إن كانت أقل من عشرة دراهم يعرفها أربعة أشهر، وإن كانت عشرة فصاعدا عرفها حولا. وقال بعضهم: إن الكثير في العرف يعرف سنة، والقليل يعرف مدة يغلب على الظن قلة أسف صاحبه عليه.
وأما النقطة السادسة: فقد جاء في بعض الروايات "فإن جاء أحد يخبرك بعدها ووعائها ووكائها فأعطه إياها" وهي ظاهرة في أن الوصف كاف في الرد، ولا يحتاج إلى شهود، ويجب الدفع حينئذ، وهو ما هب إليه مالك وأحمد وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما: لا يجب الدفع إلا بالبينة لعموم قوله ﷺ : "البينة على المدعي" وتأولوا الرواية السابقة بما إذا
стр. 518
علم صدقة، أو يحمل الأمر فيها على الإباحة أو على الندب، لا على الوجوب، نعم يجوز له بل يستحب أن يدفعها إليه إن ظن صدقه عملا بظنه.
وأما عن النقطة السابعة: فاللقطة كالوديعة، ويد الملتقط عليها يد أمانة، فإذا تلفت قبل الحول من غير تقصير فلا ضمان، وبالتقصير يضمن بدلها، فإن تلفت بتقصير بعد الحول فالضمان وعدمه تابع للخلاف الآتي في التملك.
أما عن النقطة الثامنة: فقد ذهب قلة من العلماء إلى أن اللقطة تملك بعد التعريف حولا استدلالا بقوله ﷺ "فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها" وبقوله "وإلا فتصنع بها ما تصنع بمالك" وذهب الجمهور إلى وجوب رد اللقطة إن كانت العين موجودة، وإن استهلكت أو تلفت بتقصير منه يجب البدل لصاحبها إذا جاء، وقال ابن بطال: وعلى هذا إجماع أئمة الفتوى، والحديث الذي معنا يؤيد رأي الجمهور، فإن الرسول ﷺ قال لأبي بن كعب بعد أن عرفها "فإن جاء صاحبها" أي فارددها ففيه الأمر بالرد بعد انتهاء مدة التعريف، وأصرح من هذا قوله ﷺ "لا تحل اللقطة، من التقط شيئا فليعرفه، فإن جاء صاحبها فليردها إليه، فإن لم يأت فليتصدق بها، فإن جاء فليخيره بين الأجر وبين الذي له".
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - الأمر بحفظ ثلاثة أشياء من اللقطة الوعاء والعدد والوكاء.
٢ - وجوب التعريف عن اللقطة.
٣ - الاستمتاع بها إذا لم يجئ صاحبها، ومنع أبو حنيفة أن ينتفع بها الغني دون الفقير، وحمل الحديث على أنه ﷺ عرف فقر أبي بن كعب فهو حكاية حال لا تعم.
٤ - وفيه شدة حرمة أموال المسلمين.
٥ - وفيه احتياط الصحابة في أمور دينهم.
стр. 519
كتاب المظالم
٧٥ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا نقوا وهذبوا أذن لهم بدخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم بمسكنه في الجنة أدل بمنزله كان في الدنيا".
-[المعنى العام]-
عدالة ورحمة، وقضاء وإرضاء في قول رسول الله ﷺ إذا نجا أصحاب التبعات من السقوط في النار واجتازوا الصراط، أوقفتهم الملائكة على جسر بين الجنة والنار، ليقتص المظلوم من الظالم، وليقتطع من حسناته بقدر مظلمته أو يعفو عنه، لأن أحدا لا يدخل الجنة وعليه تبعة لأحد، فإذا صفوا ما كان بينهم وتخلصوا مما كان عليهم وعاد الرضا إلى كل نفس ونزع ما في صدورهم من غل، أذن لهم بدخول الجنة التي عرفهم الله مساكنهم فيها فيقال لهم: تفرقوا إلى منازلكم فيقصد كل منهم منزله قصدا لا يحتاج إلى مرشد أو دليل، فهو أعرف به من أهل الجمعة إذا تفرقوا بعد الصلاة إلى مساكنهم في الدنيا.
стр. 520
-[المباحث العربية]-
(إذا خلص المؤمنون) بفتح اللام أي إذا سلموا أو نجوا من النار بعبورهم الصراط المضروب عليها.
(حبسوا بقنطرة) قال ابن التين: القنطرة كل شيء ينصب على عين أو واد، والجار والمجرور متعلق بحبسوا، والباء بمعنى في، أي منعتهم ملائكة في القنطرة من دخول الجنة.
(بين الجنة والنار) الظرف متعلق بمحذوف صفة القنطرة، أي قنطرة كائنة بين الجنة والنار.
(فيتقاصون) بتشديد الصاد من القصاص، يعني يتبع بعضهم بعضا فيما وقع بينهم من المظالم التي كانت بينهم في الدنيا، وفي رواية "فيتقاضون" بالضاد.
(مظالم) جمع مظلمة بكسر اللام وفتحها، والكسر أكثر، وهي اسم لما أخذ بغير حق.
(حتى إذا نقوا) بضم النون وتشديد القاف من التنقية، وهي إفراد الجيد من الرديء، وفي رواية "حتى إذا نقصوا" أي أكملوا النقاص الذي ابتدءوا فيه، لأن الشروع علم من قوله "فيتقاصون".
(وهذبوا) بالبناء للمجهول، أي خلصوا من الآثام بالمقاصة.
(أذن لهم) مبني للمجهول، والجار والمجرور هو نائب الفاعل، أي أذن الله لهم، أو أذنت الملائكة لهم بأمر الله.
(فو الذي نفس محمد بيده) الواو واو القسم، والموصول صفة لموصوف محذوف، أي والله الذي ... إلخ. والنفس تطلق على معان، والمراد بها هنا الروح، أو الذات مع الروح، واليد عند السلف من المتشابه الذي يفوضون فيما عني به، فيؤمنون بأن له يدا لا كالأيدي، لا يكيفون ولا يشبهون ولا يؤولون.
стр. 521
(لأحدهم بمسكنه في الجنة أدل بمسكنه كان في الدنيا) أصل التركيب لأحدهم أدل -أي أعلم -بمسكنه في الجنة من مسكنه الذي كان في الدنيا، فاللام داخلة على جواب القسم للتأكيد. و"أحد" مبتدأ وأدل خبر، "وبمسكنه" متعلق بأدل "وفي الجنة" متعلق بمحذوف صفة لمسكنه، أي بمسكنه الكائن في الجنة، وكان صلة لموصول محذوف هو صفة لمسكن الثانية، والباء فيه بمعنى من والتقدير من مسكنه الذي كان في الدنيا.
-[فقه الحديث]-
قال ابن بطال: المقاصة في هذا الحديث هي لقوم دون قوم، هم قوم لا تستغرق مظالمهم حسناتهم، لأنها لو استغرقت جميع حسناتهم لكانوا ممن وجب لهم العذاب، ولما جاز أن يقال فيهم: "خلصوا من النار" فهي لقوم لهم حقوق وعليهم تبعات يسيرة، إذ المقاصة مفاعلة لا تكون إلا من اثنين فكأن لكل واحد منهما على أخيه مظلمة، وعليه له مظلمة، ولا يرجع أحد منهم إلى النار. وهناك أقوام من المؤمنين لا يحبسون. بل إذا خرجوا بثوا على أنهار الجنة، وهناك أقوام من المؤمنين يلتقطهم عنق من النار. أما هذه القنطرة فيحتمل أن تكون طرفا من الصراط من جهة الجنة، كالجزء الواقع على اليابس من القنطرة المقامة على النيل، وقيل: هي قنطرة مستقلة غير متصلة بالصراط، وهو الظاهر وغايته مخالفة المشهور من أن في القيامة جسرا واحدا هو الصراط لا جسرين، وفي حقيقة المقاصة خلاف، قيل: إنها بالحسنات فمن كانت مظلمته أكثر من مظلمة أخيه أخذ من حسناته، فيدخلون الجنة ويقتطعون فيها المنازل على قدر ما بقي لكل واحد منهم من الحسنات، وقيل: إنها بالقصاص باللطمة ونحوها، فيقال للمظلوم: إن شئت أن تنتصف، وإن شئت أن تعفو، قيل معنى "يتقاصون" يتتاركون لأنه ليس موضع مقاصة ولا محاسبة، لكن يلقي الله في قلوبهم العفو لبعضهم عن بعض، ليدخلوا الجنة وليس في قلب أحد غل من أحد، والظاهر أن هذه المقاصة من المظالم المتعلقة بالأبدان والأموال معا.
стр. 522
وإنما يكون الواحد من المؤمنين أعلم بمسكنه في الجنة أكثر من علمه بمسكنه في الدنيا، لأن مسكنه من الجنة سيعرض عليه في القبر بالغداة والعشي.
وجاء في حديث عبد الله بن سلام "إن الملائكة تدلهم على طريق الجنة" وهو محمول على من لم يحبس بالقنطرة أو على الجميع، والمراد أن الملائكة تقول لهم ذلك قبل دخول الجنة، فمن دخل كانت معرفته بمنزله فيها كمعرفته بمنزله في الدنيا، والأولى أن تكون دلالة الملائكة بعد دخول الجنة مبالغة في التكريم.
-[ويستفاد من الحديث: ]-
١ - حض المؤمن على التخلص من المظالم والتبعات في الدنيا لينجو من مثل هذا الموقف.
٢ - أن المؤمنين في الآخرة على درجات متعددة.
٣ - أن الجنة لا يدخلها إلا طاهر نقي من الأكدار والتبعات.
٧٦ - عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول: أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب
стр. 523
كذا؟ فيقول: نعم أي رب حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطى كتاب حسناته وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: ﴿هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين﴾
-[المعنى العام]-
بينما كان ابن عمر يمشي إذ عرض له رجل فقال له: ماذا سمعت من رسول الله ﷺ في النجوى بين العبد وربه يوم القيامة؟ فقال ابن عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول: الحديث نعم موقفان رهيبان يحدث عنهما ابن عمر عن رسول الله ﷺ أما الأول: فإن الله يقرب العبد المؤمن، ويحيطه بسياج من الحفظ، ويستره عن أهل الموقف ويسر إليه: أتذكر ذنب كذا الذي فعلته يوم كذا في مكان كذا؟ فيرتجف المؤمن، ويطرق خجلا، ويقول: نعم يا رب أذكر، فيقول الله تعالى: ألا تذكر ذنب كذا؟ فيزداد خوفه وينخلع قلبه وهو يقول: نعم يا رب أذكر، وهكذا يعدد الله لعبده المؤمن الذنوب، ويقر العبد بها في اضطراب، وتمضي عليه فترة رهيبة يعتقد فيها أنه سيعذب بذنوبه لا محالة، وأنه هالك بما اقترفت يداه، وإذا البشرى من الغفور الرحيم تناجيه: عبدي سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم، أعطوه يا ملائكتي كتاب حسناته، وامضوا به إلى الجنة، وأما الموقف الثاني فموقف الكافر والمنافق، يؤخذ بناصيته ويخترق به الصفوف ويقاد إلى ربه كما يقاد الحيوان في ساحة الذبح، وأهل الموقف ينظرون إليه، حتى يصل إلى ساحة العدل والقضاء، ويقف بين يدي الله خاسئا وهو حسير.
فيسأله ربه ألم أنعم عليك؟ ألم أرسل إليك رسولا؟ ألم أوتك كذا وكذا، أما استحييت مني فبارزتني بالقبيح ألم تأكل خيري وتعبد غيري؟ ألم تفعل كذا يوم كذا فينظر عن يمينه فلا يجد إلا النار، فينظر عن شماله فلا يجد إلا النار وقد أحاطت به ملائكة غلاظ شداد، فيقول: يا رب لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني، فيقول الله تعالى ﴿كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾ فيختم على فيه، ويقال لأركانه، انطقي،
стр. 524
فتنطق بذنوبه وآثامه، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكن وسحقا، فعنكن كنت أناضل، وإذا الحكم من العادل الجبار يصدر إلى الملائكة ﴿خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه﴾ ويقول الأشهاد: ﴿هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين﴾
-[المباحث العربية]-
(يدني) مضارع أدنى من الإدناء، والمراد منه التقريب.
(فيضع عليه كنفه) الكنف بفتح الكاف والنون الجانب والستر والعون، ووضع الكنف عليه كناية عن حفظه وصونه عن الخزي.
(ويستره) أي يحجبه عن أهل الموقف بحيث لا يرونه، أو بحيث لا يسمعون ما يجري بينه وبينه.
(أتعرف ذنب كذا؟ ) الاستفهام للتقرير، و"كذا" كلمة واحدة مركبة من كاف التشبيه وذا الإشارة، كني بها عن معين غير عدد، وهي مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وتكرير الجملة للتعديد لا للتأكيد.
(أي رب) بفتح الهمزة وسكون الياء حرف نداء و"رب" منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة.
(ورأى في نفسه أنه قد هلك) "رأى" بمعنى علم، وفاعلها يعود على المؤمن وجملة "أنه" سدت مسد مفعوليها، والجملة معطوفة على "قرره" داخلة في حيز الغاية، أي حتى إذا اعتقد أنه قد هلك، أي استحق الهلاك بسبب ما ارتكب من الذنوب.
(وأنا أغفرها لك) تقديم المسند إليه وإسناد الفعل إلى ضميره يفيد التقوية والاختصاص، والجملة معطوفة على التي قبلها.
(وأما الكافر والمنافق) "أما" حرف شرط نائبة عن مهما يكن، وال في الكافر والمنافق للجنس فتفيد العموم، ولهذا أشير لهما بلفظ الجمع "هؤلاء".
стр. 525
(فيقول الأشهاد) الفاء واقعة في جواب أما، والأشهاد جمع شاهد مثل ناصر وأنصار وصاحب وأصحاب، ويجوز أن يكون جمع شهيد، بمعنى شاهد كشريف وأشراف، والمراد من الأشهاد الرسل أو الملائكة أو أمة محمد ﷺ يشهدون على الناس.
(ألا لعنة الله على الظالمين) "ألا" حرف استفتاح، واللعن الطرد والإبعاد، والمراد بالظلم هنا الكفر والنفاق، فأل فيه للكمال في الصفة، وليس كل ظلم يدخل في معنى الآية ويستحق اللعنة، والجملة خبرية أو دعائية، وهي من كلام الأشهاد أو من كلام الله تعالى.
-[فقه الحديث]-
ظاهر الحديث أن هذا السؤال إنما هو عن الذنوب التي لم يطلع عليها العباد في الدنيا لقوله "سترتها عليك في الدنيا" ويمكن أن يكون عاما في كل الذنوب حتى التي اطلع عليها الخلق على أن يكون الستر كناية عن عدم المؤاخذة، نعم عموم قوله "وأنا أغفرها لك اليوم" مخصوص بحديث المقاصة السابق، فالغفران للذنوب التي لن يدخلها تقاص، وفائدة التقرير في هذا الموقف إبراز فضل الله ورحمته بالمؤمنين، حيث ستر في الدنيا وعفا في الآخرة. ويتبين من الحديث أن قوله تعالى ﴿ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾ أن السؤال عن النعيم الحلال إنما هو سؤال تقرير وتوقيف على نعم الله التي أنعم بها. لا سؤال حساب وانتقام. لأن السؤال عن الذنوب كان للتقرير بدليل قوله "وأنا أغفرها لك اليوم" وإذا كان كذلك فسؤال العباد عن النعيم الحلال أولى أن يكون للتقرير.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - فضل الله على عباده المؤمنين في الدنيا والآخرة.
٢ - عدل الله في حكمه على الكافرين.
٣ - فيه حجة لأهل السنة في قولهم بأن أهل الذنوب من المؤمنين لا
стр. 526
يكفرون بالمعاصي كما زعمت الخوارج.
٤ - وفيه حجة على المعتزلة في مغفرة الذنوب إلا الكبائر.
٧٧ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" قالوا يا رسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: "تأخذ فوق يديه".
-[المعنى العام]-
اقتتل غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار فنادى المهاجر: يا للمهاجرين ونادى الأنصاري يا للأنصار، فخرج النبي ﷺ فقال: ما هذا؟
стр. 527
أدعوى الجاهلية؟
قالوا: لا يا رسول الله. إن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر، فقال: لا بأس "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" وكانت القبيلة في الجاهلية تنتصر لابنها فتهاجم معه، ولو كان ظالما، ولا تمنعه عن ظلمه كما قال شاعرهم.
إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالم على القوم لم أنصر أخي حين يظلم
وفهم أحد السامعين خطأ، وظن أن نصرة الظالم مساعدته وإعانته على زيادة الظلم والاعتداء على المظلوم، كما كانت الجاهلية تفعل، فقال: يا رسول الله واضح لنا أن ننصر المظلوم، فكيف ننصر الظالم؟ فبين له الرسول ﷺ أن المعتدي ظالم لنفسه قبل أن يظلم المعتدي عليه، فنصرته إنما تكون بنصره نفسه من جوارحه، ومنعه من الاعتداء، فقال "إن كان ظالما فينهه، فإن له نصرة، ويكفه عن الظلم فذاك نصره إياه".
-[المباحث العربية]-
(انصر أخاك) قال ابن بطال: النصر عند العرب بمعنى الإعانة فهو من باب تسمية الشيء باسم ما يئول إليه، وهو من عجيب الفصاحة ووجيز البلاغة، والمراد بالأخ الأخ في الإسلام، وكل شيئين بينهما اتفاق يطلق عليهما اسم الأخوة.
(ظالما أو مظلوما) منصوب على الحال من المفعول.
(قالوا: يا رسول الله) القائل أحد السامعين كما جاء في رواية أخرى "فقال رجل: يا رسول الله" وفي رواية "فقالوا يا رسول الله" لكنها تحمل على أن المتكلم واحد وغيره وافقه، بدليل قوله ﷺ في الرد "تأخذ" بالإفراد ولو كان المتكلمون جمعا لقال تأخذون.
(هذا ننصره مظلوما) الإشارة إلى ما في ذهن المتكلم من الرجل الذي ينصرونه، ومظلوما حال من الضمير المنصوب في "ننصره" وكذلك "ظالما".
(تأخذ فوق يديه) قيل: إن كلمة "فوق" مقحمة، وقيل إنها ذكرت إشارة
стр. 528
إلى الأخذ بالاستعلاء والقوة، وليس المراد اللفظ من التطويق بالذراعين فوق اليدين، وإنما المراد منعه من الظلم بالفعل إن لم يمتنع بالقول، فهو كناية عن المنع بأي طريق كان.
-[فقه الحديث]-
قال العلماء: نصر المظلوم فرض واجب على المؤمنين على الكفاية، فإن قام به أحد سقط عن الباقين، ويتعين فرض ذلك على السلطان، ثم على من له قوة على نصرته إذا لم يكن له من ينصره غيره من سلطان وشبهه. والمقصود من نصره كف المعتدي، والحيلولة بينه وبين إلحاق الأذى بالمظلوم، والشهادة له عند الحاكم، لا مهاجمة المعتدي ومقاتلته، لئلا ينتصر له آخرون وتتسع الدائرة فموقف الناصر كموقف صاحب المال من الصائل، عليه أن يدفع بالأخف، فإن لم يرتدع إلا بالأشد دفع به، فإن دفع بالأشد مع إمكانه الردع بالأخف أثم، وكيفية نصر الأخ الظالم كما وضحها الرسول ﷺ تكون بمنعه من الظلم إذ في ذلك نصر له على شيطانه الذي يغويه، وعلى نفسه الشريرة التي تدفعه إلى السوء وتطغيه، ثم هو إذا ترك على ظلمه أداه ذلك إلى أن يقتص منه، فمنعك له من وجوب القصاص نصرة له، فإذا حلت دون الظلم وكان الظالم والمظلوم مسلمين فقد نصرت المظلوم والظالم معا بالمعنى السابق، وإذا كان الظالم مسلما والمظلوم غير مسلم فقد نصرت أخاك الظالم بمنعه من ظلمه لنفسه، وإذا كان المظلوم مسلما والظالم غير مسلم فقد نصرت أخاك بدفع الأذى عنه، وإذا كان الظالم والمظلوم غير مسلمين فلا يجب عليك النصرة.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - الحث على التضامن والتعاون في دفع المظالم حفظا لسلامة المجتمع.
٢ - إلقاء المسئولية والتبعة على كل مسلم يستطيع منع الضرر عن غيره إذا لم يفعل.
стр. 529
٣ - قال ابن المنير: فيه إشارة إلى أن الترك كالفعل في باب الضمان.
٧٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه".
-[المعنى العام]-
يدعو الرسول ﷺ إلى أداء الحقوق في الدنيا قبل أن يعجز الظالم عن أدائها من نوعها، يوم لا ينفع مال ولا بنون، فمن ظلم أحدا في عرضه، أو ماله فليطلب البراءة من المظلوم في الدنيا، قبل أن يكون القصاص بالحسنات والسيئات، قبل أن يؤخذ من حسناته للغرماء، فإذا فنيت حسناته قبل أن تنقضي مظالمه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار.
-[المباحث العربية]-
(من كانت له مظلمة) اللام فيه بمعنى على، أي من كانت عليه مظلمة
стр. 530
لأخيه، أو بمعنى عند، ويؤيده رواية "من كانت عنده مظلمة لأخيه" والمظلمة قال ابن مالك: بفتح اللام وكسرها والكسر أشهر.
(من عرضه) بكسر العين موضع المدح والذم من الإنسان، سواء كان في نفسه أو في سلفه أو فيمن يلزمه أمره.
(أو شيء) من الأشياء وهو من عطف العام على الخاص، فيدخل فيه المال بأصنافه والجراحات حتى اللطمة ونحوها، وفي رواية الترمذي "من عرض أو مال".
(فليتحلله منه) الضمير المنصوب للأمر الذي حصل به الظلم: والمجرور للأخ، ويصح العكس، والمراد بالتحلل من أخيه أن يجعل نفسه في حل مما فرط منه، بأن يطلب براءة ذمته منه، وقيل: معناه يستوهبه ويقطع دعواه عنه، وليس المراد منه أن يجعل الحرام حلالا، لأن ما حرم الله لا يمكن تحليله، فقد جاء رجل إلى ابن سيرين فقال: اجعلني في حل فقد اغتبتك. فقال: إني لا أحل ما حرمه الله، ولكن ما كان من قبلنا فأنت في حل منه.
(اليوم) نصب على الظرفية، والمراد به أيام الدنيا لمقابلته بقوله "قبل ألا يكون دينار ... إلخ".
(قبل ألا يكون دينار ولا درهم) "يكون" من كان التامة، أي قبل ألا يوجد، أو قبل ألا يغني دينار ولا درهم، ويعني يوم القيامة.
(إن كان له عمل صالح) الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا، كأن سائلا سأل من أين يؤخذ هذا البدل يوم لا دينار ولا درهم؟ فقيل: إن كان له عمل صالح إلخ.
(أخذ منه) أي من ثوابه ففي الكلام مضاف محذوف.
(فحمل عليه) أي حمل المأخوذ من سيئات المظلوم على الظالم.
следующие страницы →