← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14106

المنهل الحديث في شرح الحديث

موسى شاهين لاشين

Полный текст (1 103 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

يكفرون بالمعاصي كما زعمت الخوارج. ٤ - وفيه حجة على المعتزلة في مغفرة الذنوب إلا الكبائر. ٧٧ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" قالوا يا رسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: "تأخذ فوق يديه". -[المعنى العام]- اقتتل غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار فنادى المهاجر: يا للمهاجرين ونادى الأنصاري يا للأنصار، فخرج النبي ﷺ فقال: ما هذا؟

стр. 527

أدعوى الجاهلية؟ قالوا: لا يا رسول الله. إن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر، فقال: لا بأس "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" وكانت القبيلة في الجاهلية تنتصر لابنها فتهاجم معه، ولو كان ظالما، ولا تمنعه عن ظلمه كما قال شاعرهم. إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالم على القوم لم أنصر أخي حين يظلم وفهم أحد السامعين خطأ، وظن أن نصرة الظالم مساعدته وإعانته على زيادة الظلم والاعتداء على المظلوم، كما كانت الجاهلية تفعل، فقال: يا رسول الله واضح لنا أن ننصر المظلوم، فكيف ننصر الظالم؟ فبين له الرسول ﷺ أن المعتدي ظالم لنفسه قبل أن يظلم المعتدي عليه، فنصرته إنما تكون بنصره نفسه من جوارحه، ومنعه من الاعتداء، فقال "إن كان ظالما فينهه، فإن له نصرة، ويكفه عن الظلم فذاك نصره إياه". -[المباحث العربية]- (انصر أخاك) قال ابن بطال: النصر عند العرب بمعنى الإعانة فهو من باب تسمية الشيء باسم ما يئول إليه، وهو من عجيب الفصاحة ووجيز البلاغة، والمراد بالأخ الأخ في الإسلام، وكل شيئين بينهما اتفاق يطلق عليهما اسم الأخوة. (ظالما أو مظلوما) منصوب على الحال من المفعول. (قالوا: يا رسول الله) القائل أحد السامعين كما جاء في رواية أخرى "فقال رجل: يا رسول الله" وفي رواية "فقالوا يا رسول الله" لكنها تحمل على أن المتكلم واحد وغيره وافقه، بدليل قوله ﷺ في الرد "تأخذ" بالإفراد ولو كان المتكلمون جمعا لقال تأخذون. (هذا ننصره مظلوما) الإشارة إلى ما في ذهن المتكلم من الرجل الذي ينصرونه، ومظلوما حال من الضمير المنصوب في "ننصره" وكذلك "ظالما". (تأخذ فوق يديه) قيل: إن كلمة "فوق" مقحمة، وقيل إنها ذكرت إشارة

стр. 528

إلى الأخذ بالاستعلاء والقوة، وليس المراد اللفظ من التطويق بالذراعين فوق اليدين، وإنما المراد منعه من الظلم بالفعل إن لم يمتنع بالقول، فهو كناية عن المنع بأي طريق كان. -[فقه الحديث]- قال العلماء: نصر المظلوم فرض واجب على المؤمنين على الكفاية، فإن قام به أحد سقط عن الباقين، ويتعين فرض ذلك على السلطان، ثم على من له قوة على نصرته إذا لم يكن له من ينصره غيره من سلطان وشبهه. والمقصود من نصره كف المعتدي، والحيلولة بينه وبين إلحاق الأذى بالمظلوم، والشهادة له عند الحاكم، لا مهاجمة المعتدي ومقاتلته، لئلا ينتصر له آخرون وتتسع الدائرة فموقف الناصر كموقف صاحب المال من الصائل، عليه أن يدفع بالأخف، فإن لم يرتدع إلا بالأشد دفع به، فإن دفع بالأشد مع إمكانه الردع بالأخف أثم، وكيفية نصر الأخ الظالم كما وضحها الرسول ﷺ تكون بمنعه من الظلم إذ في ذلك نصر له على شيطانه الذي يغويه، وعلى نفسه الشريرة التي تدفعه إلى السوء وتطغيه، ثم هو إذا ترك على ظلمه أداه ذلك إلى أن يقتص منه، فمنعك له من وجوب القصاص نصرة له، فإذا حلت دون الظلم وكان الظالم والمظلوم مسلمين فقد نصرت المظلوم والظالم معا بالمعنى السابق، وإذا كان الظالم مسلما والمظلوم غير مسلم فقد نصرت أخاك الظالم بمنعه من ظلمه لنفسه، وإذا كان المظلوم مسلما والظالم غير مسلم فقد نصرت أخاك بدفع الأذى عنه، وإذا كان الظالم والمظلوم غير مسلمين فلا يجب عليك النصرة. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - الحث على التضامن والتعاون في دفع المظالم حفظا لسلامة المجتمع. ٢ - إلقاء المسئولية والتبعة على كل مسلم يستطيع منع الضرر عن غيره إذا لم يفعل.

стр. 529

٣ - قال ابن المنير: فيه إشارة إلى أن الترك كالفعل في باب الضمان. ٧٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه". -[المعنى العام]- يدعو الرسول ﷺ إلى أداء الحقوق في الدنيا قبل أن يعجز الظالم عن أدائها من نوعها، يوم لا ينفع مال ولا بنون، فمن ظلم أحدا في عرضه، أو ماله فليطلب البراءة من المظلوم في الدنيا، قبل أن يكون القصاص بالحسنات والسيئات، قبل أن يؤخذ من حسناته للغرماء، فإذا فنيت حسناته قبل أن تنقضي مظالمه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار. -[المباحث العربية]- (من كانت له مظلمة) اللام فيه بمعنى على، أي من كانت عليه مظلمة

стр. 530

لأخيه، أو بمعنى عند، ويؤيده رواية "من كانت عنده مظلمة لأخيه" والمظلمة قال ابن مالك: بفتح اللام وكسرها والكسر أشهر. (من عرضه) بكسر العين موضع المدح والذم من الإنسان، سواء كان في نفسه أو في سلفه أو فيمن يلزمه أمره. (أو شيء) من الأشياء وهو من عطف العام على الخاص، فيدخل فيه المال بأصنافه والجراحات حتى اللطمة ونحوها، وفي رواية الترمذي "من عرض أو مال". (فليتحلله منه) الضمير المنصوب للأمر الذي حصل به الظلم: والمجرور للأخ، ويصح العكس، والمراد بالتحلل من أخيه أن يجعل نفسه في حل مما فرط منه، بأن يطلب براءة ذمته منه، وقيل: معناه يستوهبه ويقطع دعواه عنه، وليس المراد منه أن يجعل الحرام حلالا، لأن ما حرم الله لا يمكن تحليله، فقد جاء رجل إلى ابن سيرين فقال: اجعلني في حل فقد اغتبتك. فقال: إني لا أحل ما حرمه الله، ولكن ما كان من قبلنا فأنت في حل منه. (اليوم) نصب على الظرفية، والمراد به أيام الدنيا لمقابلته بقوله "قبل ألا يكون دينار ... إلخ". (قبل ألا يكون دينار ولا درهم) "يكون" من كان التامة، أي قبل ألا يوجد، أو قبل ألا يغني دينار ولا درهم، ويعني يوم القيامة. (إن كان له عمل صالح) الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا، كأن سائلا سأل من أين يؤخذ هذا البدل يوم لا دينار ولا درهم؟ فقيل: إن كان له عمل صالح إلخ. (أخذ منه) أي من ثوابه ففي الكلام مضاف محذوف. (فحمل عليه) أي حمل المأخوذ من سيئات المظلوم على الظالم.

стр. 531

-[فقه الحديث]- قام الإجماع على أن الظالم إذا بين مظلمته لأخيه واستبرأه منها فأبرأه فهو نافذ، واختلفوا فيمن بينهما ملابسة أو معاملة، ثم حلل بعضهما بعضا من كل ما جرى بينهما فقال قوم: إن في ذلك براءة له في الدنيا والآخرة، وإن لم يبين مقداره، وقال آخرون: إنما تصح البراءة إذا بين له وعرف ما له عنده أو قارب ذلك بما لا مشاحة في ذكره، وقال قوم: إن بيان مظلمة العرض غير لازم خصوصا إذا كان يترتب على البيان مفسدة، ولهذا قال الخطابي: إذا اغتاب رجلا فإن كان بلغ القول صاحبه فلا بد أن يستحله، وإن لم يبلغه استغفر الله ولا يخبره أما مظلمة المال فالبيان لازم لتصح البراءة. وقال بعض أهل العلم: إنما يصح التحلل في المنافع التي هي أعراض، كأن يكون قد غصب دارا فسكنها، أو دابة فركبها، أو ثوبا فلبسه، أو في الأعيان التي تلفت، فإن كانت الدار قائمة، أو الدابة موجودة، أو الثوب باقيا، أو الدراهم في يده حاصلة لم يصح التحلل منها إلا أن يستوهبه أعيانها، وقد فهم البعض من قوله ﷺ أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه، تعارضا بين الحديث وبين قوله تعالى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وهو فهم قاصر، إذ معنى الآية: لا تحمل نفس لم تذنب وزر نفس أذنبت، وهذا الظالم حين تطرح عليه سيئات المظلوم إنما يحمل وزر نفسه وسيئة جرمه، فحقيقة العقوبة مسببة عن ظلمه، وهو لم يعاقب بجناية غيره، أما كونها رفعت من سيئات المظلوم، فلأن هذا الرفع في مقابلة الحسنة التي كان يستحقها مقابل وقوع الظلم عليه. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - طلب المبادرة إلى أن يتصافح الناس ويصفو ما بينهم قبل أن يقفوا للحساب. ٢ - أن في الآخرة مقاصة بعدل الله أو فضله. ٣ - أن مقاصة الآخرة بالحسنات والسيئات.

стр. 532

٧٩ - عن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ أنه سمع خصومة بباب حجرته فخرج إليهم فقال: "إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صدق فأقضي له بذلك فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها". -[المعنى العام]- بينما الرسول ﷺ في حجرة زوجته أم سلمة إذ سمع صوت متخاصمين قريبين من باب حجرته، فبادر بالخروج إليهم، وسمع مقالتهما، وكل منهما يدعي أن الحق له، فنصحهما الرسول ﷺ باتباع الصدق، وابتغاء الصواب، وعدم الاعتماد على فصاحة القول وقوة البيان، في الوصول إلى أموال الناس بالباطل، فقد يصدق الرسول الخصم الكاذب، ويقضي له بما ليس من حقه، فالرسول بشر لا يعلم الغيب في كل الأحوال، وإنما يحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، فمن اقتطع بفصاحته قطعة من مال أخيه، فقد اقتطع لنفسه قطعة من النار، وإن كان شيئا يسيرا وإن كان قضيبا من أراك، فليفعل الظالم

стр. 533

ما يحلو له وليعمل ما شاء: ﴿ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار﴾ -[المباحث العربية]- (أنه سمع خصومة بباب حجرته) اسم "أن" ضمير للرسول ﷺ والمراد من الخصومة صوت التخاصم والتشاحن: والباء الجارة للإلصاق المجازي والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لخصومة، أي سمع صوت خصومة قريبة من باب حجرته التي هي مسكن زوجته أم سلمة، وذكر ابن حجر أن الخصومة كانت في مواريث وأشياء قد درست. (خرج إليهم) أي إلى الخصوم المفهومين من الخصومة ولم تعرف أسماؤهم. (فقال: إنما أنا بشر) هذا حصر إضافي، أي أنا مقصور على البشرية لا أتعداها إلى علم بواطن الأمور في جميع الأوقات، وجاء به ردا على من زعم أن من كان رسولا يعلم الغيب فيطلع على بواطن الأمور في كل حال، ولا يخفى عليه المظلوم، فأشار إلى أن الوضع البشري يقتضي ألا يدرك من الأمور إلا ظاهرها، فإذا ترك على ما جبل عليه، ولم يؤيد بالوحي السماوي طرأ عليه ما يطرأ على سائر البشر. (وإنه يأتيني الخصم) اسم "إن" ضمير الحال والشأن، و"الخصم" بسكون الصاد في الأصل مصدر سمي به المخاصم والمنازع، ويطلق على الواحد والجمع، وقد يثنى ويجمع فيقال: خصمان وخصوم، أما الخصم بفتح الخاء وكسر الصاد فهو المولع بالخصومة الماهر فيها، ومنه قوله تعالى: ﴿بل هم قوم خصمون﴾ (فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض) قال في مغني اللبيب: ويقترن خبر لعل بأن المصدرية كثيرا حملا على عسى. أهـ و"أبلغ" أفعل تفضيل من بلغ الرجل يبلغ بلاغة فهو بليغ إذا كان يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه، هذا ما قاله الزجاج، وقال غيره البلاغة، إيصال المعنى إلى القلب في أحسن

стр. 534

صورة من اللفظ، وفي رواية "لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض" أي ألسن وأفصح وأبين كلاما وأقدر على الحجة، وهو أفعل تفضيل من "لحن" يقال: لحن كفرح إذا فطن لحجته وانتبه والألحن الأشد فهما والأحسن قراءة، ويقال: لحن كفتح إذا أخطأ في الإعراب وخالف وجه الصواب. (فأحسب) بفتح السين وكسرها لغتان، وهو منصوب عطفا على "يكون" أو مرفوع عطفا على جملة "لعل" أي يأتيني الخصم فأتوقع بلاغته فأحسب أنه صدق، وفي الكلام حذف تقديره وهو في الباطن كاذب. (فأقضي له بذلك) أي فأحكم له بسبب ذلك الذي سمعته منه. (فمن قضيت له بحق مسلم) لفظ "مسلم" خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له فيشمل الذمي والمعاهد، وإنما خص المسلم بالذكر اهتماما بحاله، أو لأن الخطاب في قوله "فلعل بعضكم" للمؤمنين. (فإنما هي قطعة من النار) أي القضية، والمراد المقضي به قطعة من النار، وهو من قبيل تسمية الشيء باسم ما يئول إليه، أو تسمية السبب باسم المسبب. (فليأخذها أو ليتركها) الفاء فصيحة، أفصحت عن شرط مقدر، أي إذا كان الحكم له، وهو كاذب فليأخذها أو ليتركها. والأمر هنا في جملته للتهديد والوعيد كقوله تعالى ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ فالمقصود: إذا ثبت أن المحكوم به قطعة من النار فليفعل المحكوم له ما شاء. وقيل: إن الأمر الأول للتهديد والثاني للإيجاب، و"أو" للإضراب لا للتخيير، أي بل ليدعها. وقد قال سيبويه: إن "أو" تأتي للإضراب بشرطين. ١ - سبق نفي أو نهي. ٢ - وإعادة العامل. والشرطان موجودان هنا لأنا إذا حملنا "فليأخذها" على التهديد كان

стр. 535

معناها فلا يأخذها بل يدعها. -[فقه الحديث]- -[في هذا الحديث: ]- ١ - عظم إثم من خاصم في أمر باطل، وهو يعلم أنه باطل ويكفي أن يكون ما يحصل عليه من هذه المخاصمة كقطعة من النار تحرق آخذها. ٢ - وفيه دلالة على الحكم بالظاهر. ٣ - وفيه نهي للقوي على البيان البليغ في تأدية حجته أن يستغل استعداده ومواهبه في الوصول إلى غير حق، وأكل ما حرم الله وهو معنى قوله تعالى: ﴿وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾ ٤ - وفيه دلالة على حكمه ﷺ بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه شيء فيخصص قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى﴾ ٥ - وفيه دليل على أنه ليس كل مجتهد مصيبا وإثم الخطأ مرفوع عنه إذا بذل وسعه. ٦ - وفيه العمل بالظن لقوله "فأحسب أنه صدق فأقضي له". ٧ - وفيه أن قضاء القاضي لا يحرم حلالا ولا يحل حراما. ٨ - وفيه أن من احتال لأمر باطل بوجه من وجوه الحيل حتى يصير حقا في الظاهر ويحكم له به فإنه لا يحل له تناوله في الباطن ولا يرتفع عنه الإثم بصدور الحكم في جانبه. ٩ - وفيه موعظة الإمام إلى الخصوم ليتحروا الحق. ١٠ - وفيه حجة لمن قال: إن الحاكم لا يحكم بعلمه حيث جعل القضاء مرتبا على ما سمع من ألفاظ الخصوم.

стр. 536

٨٠ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام فضربت بيدها فكسرت القصعة فضمها وجعل فيها الطعام وقال: "كلوا" وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة. -[المعنى العام]- حادثة في بيت رسول الله ﷺ بطلتها إحدى زوجاته، تبرز هذه الحادثة طبيعة المرأة وغيرتها التي قد تخرجها عن حد الاعتدال، كما تبرز حكمة الزوج وتقديره للموقف وتطييبه النفوس، هذه عائشة التي تدل بجمالها وشبابها، وتزهو على بقية زوجاته ﷺ بأنها الوحيدة التي تزوجها بكرا، يعز عليها وهذه حالتها أن يكون الرسول ﷺ مع أصحابه في بيتها وفي يومها تعد لهم طعاما فتسبقها ضرتها إحدى زوجاته ﷺ بإرسال طعام قد يكون أجود مما تصنع عائشة، فثارت ثورتها، وتقدمت إلى الخادم فخطفت القصعة من يده، ففلقتها بحجر كان في يدها، ثم ألقت بها على الأرض، ورأى الرسول

стр. 537

الكريم الدهشة على وجوه أصحابه، فأخذ في ضم أجزاء القصعة التي انكسرت، وأخذ يجمع الطعام الذي انتثر على الخوان -وكان حصيرا من خوص يفرش ليوضع عليه الطعام وقد استبدل به عند العرب هذه الأيام المشمع -وهو يقول "غارت أمكم عائشة غارت أمكم عائشة" ثم استبقى الخادم حتى أكل القوم، فأمر بإحضار قصعة عائشة السليمة، ودفعها للخادم، وهو يقول: قصعة بقصعة. وبهذا الحلم النبوي الكريم، وبهذه الحكمة الرشيدة طابت نفس صاحبة القصعة المكسورة، واعتذرت الكاسرة، وعاد الصفاء والهدوء والوئام. فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وزوجاته أمهات المؤمنين. -[المباحث العربية]- (مع خادم) يطلق على الذكر والأنثى، ولم يأت اسمه في أي من الروايات. (بقصعة) هي واحدة القصاع، وهي إناء يشبع العشرة. (فضربت بيدها) الضمير لبعض نسائه، وأنثه باعتبار المعنى. (فضمها) أي ضم الرسول ﷺ القصعة التي انكسرت. (وحبس الرسول) أي أوقف الخادم الذي هو رسول إحدى أمهات المؤمنين. -[فقه الحديث]- ورد في بعض الروايات أن التي أرسلت هي زينب بنت جحش، وفي بعضها: أنها صفية، وفي بعضها، أنها أم سلمة وفي بعضها: أنها حفصة والكل متفق على أن الإرسال كان إلى بيت عائشة وللجمع بين هذه الروايات قيل: يحتمل أن الحادثة تكررت، فإن كان ذلك في واقعة واحدة رجعنا إلى الترجيح، ورواية زينب بنت جحش أرجح الروايات كما قال ابن حجر، وإنما أبهمت عائشة مع اتفاق الروايات عليها تفخيما لشأنها وسترا عليها ما لا

стр. 538

يليق بمقامها، وأما نوع الطعام فهو المتخذ من التمر واللبن والسمن. وقد يضاف إليه الدقيق أو الفتيت، ويؤخذ من مجموع الروايات أن عائشة تعمدت كسر القصعة غيرة من مرسلتها، فقد ورد عن عائشة قالت: "ما رأيت صانعا طعاما مثل صفية. صنعت لرسول الله ﷺ طعاما فبعثت به فأخذتني رعدة فكسرت الإناء" وفي رواية "فجاءت عائشة متزرة بكساء ومعها فهر "حجر" ففلقت القصعة". وظاهر الحديث أن الرسول ﷺ لم يعاتب عائشة على صنعها هذا إما لأنها بادرت فاعتذرت كما جاء في بعض الروايات "فقلت يا رسول الله: ما كفارة ما صنعت"؟ قال: "إناء مثل إناء" وإما لأنه قد عذرها في حالة غيرتها كما جاء في بعض الروايات أنه ﷺ أخذ يجمع الطعام ويقول لأصحابه، "غارت أمكم. غارت أمكم" يكرر هذه العبارة، وإما لأنه فهم أن التي أرسلت الطعام كانت تقصد إساءة عائشة والمظاهرة عليها بإرسالها الطعام إلى بيتها وفي يومها. بقيت مسألة رد قصعة مكان قصعة، وبه احتج من يقضي في العروض بالأمثال، وهو المشهور عن مذهب أبي حنيفة والشافعي ورواية عن مالك، فيقولون: إن من استهلك عروضا فعليه مثل ما استهلك، ولا يقضي بالقيمة إلا عند عدم المثل، وأجاب من يقضي بالقيمة في العروض عن الحديث بجوابين. أولهما: أن القصعتين كانتا للنبي ﷺ في بيت زوجتيه، فنقل من ملكه إلى ملكه، لا على وجه الغرامة والحكم على الخصم، بل على سبيل تطييب قلب مرسلتها. ثانيهما: أن أخذ القصعة السليمة من بيت الكاسرة كان عقوبة، والعقوبة بالأموال مشروعة، وفي الحديث حسن خلقه ﷺ وإنصافه وحلمه والله أعلم.

стр. 539

والله أعلم

стр. 540

كتاب الشركة باب الشركة في الطعام والنهد والعروض الشركة بفتح الشين مع كسر الراء وسكونها ويجوز كسر الشين وسكون الراء وهي في اللغة الاختلاط وفي الشرع ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع وقد تحدث قهرا كالإرث وبالاختيار كالشراء ونحوه والنهد بفتح النون وكسرها مع سكون الهاء هو إخراج القوم نفقاتهم على قدر عددهم وخلطها عند المرافقة في السفر وقد يكون في الحضر قال البخاري ولم ير المسلمون في النهد بأسا بأن يأكل هذا بعضا وهذا بعضا مجازفة والعروض جمع عرض بسكون الراء وهو المتاع ويقابله النقد ١ - عن أبي موسى قال قال النبي ﷺ إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم -[المعنى العام]- يمتدح الرسول ﷺ الأشعريين لتراحمهم وإيثار بعضهم بعضا وبأنهم إذا نفد زادهم ولم يبق عند بعضهم إلا القليل سواء كانوا مسافرين أو مقيمين في هذه الحالة الضنكة التي تحرص فيها النفس على ما عندها

стр. 541

وتعض على ما تحت يدها بالنواجذ يجمعون ما عندهم ويخلطونه كأنه مال واحد ويجتمعون عليه كأنهم رجل واحد يتناولون منه كل حسب حاجته منه إن فعلهم هذا من الإسلام بل إن الإسلام هو فعلهم ولو اقتدى بهم المسلمون في أيامنا ما غلا طعام وما عز مطلوب ولكنه الشره وحب النفس سيطر على مشاعرنا فما نكاد نسمع بقلة استيراد متاع حتى نتكالب على شرائه ونتسابق في تخزينه حتى ينعدم من السوق وينعم بالإسراف فيه قلة بينما يعاني الكثير آلام الحرمان -[المباحث العربية]- (إن الأشعريين) جمع أشعري بتشديد الياء نسبة إلى الأشعر قبيلة من اليمن ويروى إن الأشعرين بدون ياء النسب (إذا أرملوا) أي إذا فنى زادهم من الإرمال وهو فناء الزاد وإعواز الطعام وأصله من الرمل كأنهم لصقوا بالرمل من القلة كما قال تعالى ﴿أو مسكينا ذا متربة﴾ أي لصقت يده بالتراب لفقره (في إناء واحد) في بمعنى الباء أي قسموا بإناء واحد حتى يأخذ كل واحد منهم مقدار نصيب الآخر وأكد هذا بقوله بالسوية (فهم من) ي الضمير المجرور للرسول ﷺ أي الأشعريون متصلون بي وكلمة من هذه تسمى اتصالية والمراد من هذه الجملة كما قال النووي المبالغة في اتحاد طريقهما واتفاقهما في طاعة الله تعالى وقيل المراد فعلوا فعلى في المواساة -[فقه الحديث]- -[ويؤخذ من الحديث]- استحباب خلط الزاد في السفر والحضر وليس المراد من قسمته ما عرف عند الفقهاء بل المراد إباحة البعض للبعض بموجوده

стр. 542

٢ - فضيلة الإيثار والمواساة ٣ - منقبة عظيمة للأشعريين قبيلة أبي موسى الأشعري بسبب إيثارهم ومواساتهم بشهادة سيدنا محمد ﷺ لهم وتشريفهم بإضافتهم إليه ٤ - جواز تحديث الرجل بمناقبه لأن المحدث بهذا الحديث أبو موسى الأشعري ولم ينكر عليه أحد ٥ - استدل به بعضهم على جواز هبة المجهول ظنا منه أن أخذ البعض من مال البعض هبة والحق أن الهبة تمليك والتمليك غير الإباحة وأيضا لا تكون الهبة إلا بالإيجاب والقبول وكل ما يدل عليه الحديث المواساة والإباحة ٢ - عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استسقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أننا أخرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا -[المعنى العام]- شبه الرسول ﷺ حالة المحافظ على حدود الله ومنها الأمر بالمعروف

стр. 543

والنهي عن المنكر والذي يقع في الذنوب أو لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر بقوم اقتسموا سفينة سكنوها بطريق القرعة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الأسفلون إذا أرادوا ماء مروا على من فوقهم فيتأذى سكان العلو من الخروج ومن رشاش الماء، ومن الحركة وقت الراحة وغير ذلك من أنواع المضايقات وأحس سكان الأسفل بأذاهم ورغبوا في تفاديه ففكروا تفكيرا سقيما فكروا لو أنهم خرقوا السفينة من الأسفل لاستطاعوا أن يحصلوا على الماء دون إلحاق الأذى بإخوانهم سكان العلو وما خطر ببالهم أن ذلك الخرق مهما صغر كفيل بإغراق السفينة وإهلاك الجميع وبدءوا في إخراج مشروعهم إلى عالم الوجود فأخذ أحدهم بفأسه وشرع ينقر وسمعه الأعلون فنزلوا فقالوا ما لك؟ قال تأذيتم بنا في مرورنا عليكم ولا بد لنا من الماء فإن تركوه يخرق هلكوا جميعا وإن منعوه نجا ونجوا جميعا وهكذا من يقيم حدود الله تحصل له ولغيره النجاة وأما من يهملها أو يقع فيها فله الهلاك للعاصي بمعصيته وللساكت بالرضى بها وعدم إنكاره لها -[المباحث العربية]- (مثل القائم على حدود الله) أي المستقيم على أمر الله وعلى ما منع من مجاوزته ويقال القائم بأمر الله الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر (استهموا على سفينة) أي اقترعوا فأخذ كل واحد منهم سهما أي نصيبا منها (فكان الذين في أسفلها) في بعض الروايات الذي في أسفلها بإفراد الموصول ويؤول موصوفه بالفريق (فإن تركوهم) الضمير المرفوع لمن فوق أي إن ترك الذين سكنوا الأعلى الذين تحتهم وإن شرطية جوابها جملة هلكوا (وما أرادوا) الواو بمعنى مع وما موصولة والعائد محذوف أو مصدرية

стр. 544

(هلكوا جميعا) الضمير في هلكوا للفريقين العلوي والسفلي (وإن أخذوا على أيديهم) كناية عن منعهم من تنفيذ إرادتهم من الخرق (نجوا ونجوا جميعا) الضمير الأول لأهل العلو والثاني لأهل السفل وصح العكس وجميعا حال على التأويل وفي الحديث تمثيل شبهت فيه الهيئة الحاصلة من انتباه الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وحيلولته بين مريد الذنب وبين اقترافه بالهيئة الحاصلة من سكنى قوم أعلى سفينة وقوم أسفلها ورغبة الأسفلين في خرقها ومنع الأعلين لهم بجامع النجاة في كل نجاة الآمرين والطائعين من عقاب الله ونجاة سكان السفينة المريدين للخرق والمانعين لهم من الغرق كذلك يقال في الحالة الثانية شبهت الهيئة الحاصلة من إهمال المسلم أمر المقدم على الذنب حتى يقع فيه بالهيئة الحاصلة من إهمال ساكني أعلى سفينة أمر ساكني أسفلها مريدي خرقها حتى ينفذوا الخرق بجامع الهلاك في كل هلاك المسلم الذي لم يأمر بالمعروف بسبب تقصيره وهلاك المذنب بسبب ذنبه هلاكهما بعقاب الله وهلاك سكان السفينة المهملين والخارقين بالغرق والغرض من هذا التمثيل الحث على إنكار المنكر والعمل على منعه قبل وقوعه -[فقه الحديث]- -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - جواز ضرب الأمثال ٢ - جواز القرعة لأن النبي ﷺ لم يذم المستهمين في السفينة ولم يبطل فعلهم بل رضيه وضرب به مثلا لمن نجا من الهلكة في دينه قال ابن بطال: القرعة سنة لكل من أراد العدل في القسمة بين الشركاء والفقهاء متفقون على القول بها ولم يخالف في ذلك إلا بعض الكوفيين وقالوا لا

стр. 545

معنى لها لأنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها وحكي عن أبي حنيفة أنه جوزها وقال هي في القياس لا تستقيم ولكنا نترك القياس في ذلك للآثار والسنة فقد ثبت أنه ﷺ كان إذا خرج أقرع بين نسائه كما أقرعت الأنصار سكنى المهاجرين ٣ - أنه يجب على الجار أن يصبر على شيء من أذى جاره خوف ما هو أشد ٤ - أنه ليس لصاحب السفل أن يحدث على صاحب العلو ما يضر به ٥ - أنه لصاحب العلو منعه من الضرر ٦ - تعذيب العامة بذنوب الخاصة وباستحقاق العقوبة بترك النهي عن المنكر مع القدرة كما حكى الله عن سبب أخذ بني إسرائيل بالعذاب بقوله ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه﴾ ويقول سبحانه ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ ٧ - وفيه جواز قسمة العقار المتفاوت بالقرعة وإن كان فيه علو وسفل

стр. 546

كتاب العتق العتق في اللغة القوة من عتق الطائر إذا قوي على جناحيه وفي الشرع عبارة عن قوة شرعية في المملوك بإزالة الملك عنه والرق ضعف شرعي يثبت في المحل فيعجزه عن التصرفات الشرعية ويسلبه أهلية القضاء ونحوها والعتق من أرفع الأعمال عند الله حث الشارع وتشوف إليه فجعله كفارة الحنث في اليمين وكفارة للظهار وكفارة للجماع في نهار رمضان وحكم به في القتل الخطأ ثم حث عليه حيث لا موجب له قال ﷺ أيما رجل أعتق امرءا مسلما استنقذ الله بكل عضو منه عضوا من النار بل أوجب على من أعتق بعض عبد وهو موسر أن يعتق كله ثم حث الشحيح الحريص على المال أن يكاتب عبده فقال ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ ولم يكتف بالحث على الكتابة بل حث على مساعدته لأداء ما كاتب عليه ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ وجعلهم مصرفا من مصاريف الزكاة ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب .... ﴾ وكان عمر بن الخطاب يضرب بالدرة السيد الغني الذي يرفض مكاتبة عبده الراغب في الكتاب ثم فوق هذا وذاك أمر بحسن معاملة العبيد إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم وإذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين فإنه ولي علاجه بل في الخطاب والحديث لا يقل أحدكم عبدي أمتي كلكم عبد الله وكل نسائكم إماء الله وليقل فتاي وفتاتي.

стр. 547

٣ - عن أبي ذر ﵁ قال سألت النبي ﷺ أي العمل أفضل قال إيمان بالله وجهاد في سبيله قلت فأي الرقاب أفضل قال أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها قلت فإن لم أفعل قال: تعين صانعا أو تصنع لأخرق قلت فإن لم أفعل قال تدع الناس من الشر فإنها صدقة تصدق بها على نفسك -[المعنى العام]- سأل أبو ذر الغفاري ﵁ رسول الله ﷺ عن أفضل الأعمال التي تقربه إلى الله تعالى فقال الرسول ﷺ أفضل الأعمال الإيمان بالله والجهاد ثم قال فأي العبيد أعتق؟ قال الرسول ﷺ : أغلاهم ثمنا وأحبهم إلى أسيادهم قال أبو ذر فإن لم أستطع الجهاد ولا العتق فأي الأعمال الصالحة أقدم؟ قال الرسول ﷺ تساعد الصانع الضعيف على صنعته بالنفس والمال أو تشغل عاطلا قال أبو ذر: فإن لم أستطع قال تكف أذاك عن الناس فإن كف أذى اللسان والجوارح عن الناس صدقة -[المباحث العربية]- (إيمان بالله) خبر مبتدأ محذوف أي أفضل الأعمال إيمان بالله (أي الرقاب أفضل) أي للعتق وعبر عن العتق بفك الرقبة لأن حكم السيد عليه وملكه كحبل في رقبة العبد وكالغل المانع له من الخروج فإذا أعتق أطلقت رقبته من ذلك (أغلاها ثمنا) أغلى خبر مبتدأ محذوف وثمنا تمييز وفي رواية أعلاها بالعين وفي رواية أكثرها (وأنفسها) أي أكثرها رغبة عند أهلها لمحبتهم فيها (فإن لم أفعل) أي إن لم أقدر على ذلك فأطلق الفعل وأراد القدرة

стр. 548

عليه وجاء في رواية فإن لم أستطع (تعين صانعا) بالصاد والنون من الصنعة أي تعينه على صنعته بالنفس أو بالمال وفي رواية ضايعا بالضاد والياء أو بالضاد والهمزة أي تعين ذا ضياع من فقر أو عيال (أو تصنع لأخرق) الأخرق بهمزة وراء مفتوحتين بينهما خاء ساكنة من لا يحسن صنعة ولا يهتدي إليها (تدع الناس من الشر) أي تتركهم من الشر وتدع من الأفعال التي أمات العرب ماضيها كما يقول الصرفيون (فإنها صدقة تصدق بها) الضمير في فإنها للمصدر الذي دل عليه الفعل وأنثه لتأنيث الخبر وتصدق بفتح الصاد وتشديد الدال أصله تتصدق فحذفت إحدى التاءين -[فقه الحديث]- قرن الرسول ﷺ الجهاد بالإيمان لأن الجهاد أفضل الأعمال إذ ذاك كان عليهم أن يجاهدوا في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي العليا على أن الجهاد ليس قاصرا على مجاهدة الكفار في ميادين القتال بل يشمل جهاد النفس الأمارة بالسوء وقهرها على طاعة الله وهذا ما عبر عنه الرسول ﷺ بالجهاد الأكبر حين عاد من الغزو فقال رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر هذه هي الدرجة الأولى في الأعمال الفاضلة إيمان بالله وجهاد في سبيله أما أفضل الرقاب عند العتق فأغلاها ثمنا وأحبها إلى صاحبها إن العتق على هذه الصفة لا يقع غالبا إلا خالصا لوجه الله وإليه الإشارة بقول الله تعالى ﴿لن تناولوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وكان لابن عمر ﵁ جارية يحبها فأعتقها لهذه الآية وفي تطبيق هذا الوصف وعدم تطبيقه قال النووي محله والله أعلم فيمن أراد أن يعتق رقبة واحدة أما إذا كان معه ألف درهم وأمكن أن يشتري بها رقبة نفيسة أو رقبتين مفضولتين فالرقبتان أفضل وهذا بخلاف الأضحية فإن

стр. 549

الواحدة السمينة أفضل كما اختلف فيما إذا كان النصراني أو اليهودي أكثر ثمنا من المسلم فقال مالك عتق الأغلى أفضل وإن كان غير مسلم وقيل عتق المسلم أفضل قال صاحب الفتح والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والضابط أن أيهما كان أكثر نفعا كان أفضل سواء قل أو كثر وإنما أمره بإعانة الصانع قبل الأخرق لأن إعانته أفضل من إعانة غير الصانع لأن غير الصانع مظنة الإعانة فكل أحد يعينه غالبا بخلاف الصانع فإنه لشهرته بصنعته يغفل عن إعانته فهو من جنس الصدقة على المستور وهذه الرواية أولى من رواية ضائعا بالضاد لأنها هي التي تقابل بإعانة الأخرق وقد اختلفت الروايات في أفضل الأعمال وللجمع بينها قيل: إن الاختلاف وقع بحسب اختلاف السائلين والجواب لهم بحسب ما يليق بالمقام -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان ٢ - حسن المراجعة في السؤال ٣ - صبر المفتي والمعلم على التلميذ والرفق به ٤ - فيه إشارة إلى أن إعانة الصانع أفضل من إعانة غير الصانع ٥ - فيه دليل على أن الكف عن الشر داخل في فعل الإنسان وكسبه فيؤجر عليه عند النية والقصد لا مع الغفلة والذهول

стр. 550

٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين فإنه ولي علاجه -[المعنى العام]- يأمر الرسول ﷺ السادة بأن يحسنوا معاملة الخدم بأن يجلسوهم معهم على مائدة الطعام ليأكلوا مما يأكلون ففي هذا هضم لنفس السيد واعتراف منه بالمساواة في الخلق والأخوة في الإنسانية وشكر لنعمة الله عليه وفيه الإحسان إلى خادمه الذي تحت يده وتطييب لنفسه وتعليمه لآداب المائدة وإعفافه عن السرقة والحقد. فيقول ﵊ إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فليجلسه معه ليأكل إن لم تكن ريبة بأن كان الخادم جميلا والمخدوم سيدة أو الخادمة جميلة والمخدوم رجلا أو كان هناك ضيف يشمئز من وجود الخادم فإن وجد ما يمنع إجلاسه فليناوله مما يأكله قبل أن يأكل ولا ينتظر حتى يقذف إليه بالفضلات ولا يجعل له طعاما خاصا أقل جودة مما يأكل فإن نفس الخادم تتعلق بما يقدم فإن لم يفعل لم يزك الطعام ولم ينتفع به آكله بل قد يعود عليه بالضرر والأمراض

стр. 551

-[المباحث العربية]- (إذا أتى أحدكم خادمه) بنصب أحد على أنه مفعول مقدم ورفع خادم على الفاعلية والمراد بالخادم من يخدم سواء كان عبدا أو حرا ذكرا أو أنثى (فإن لم يجلسه معه) معطوف على محذوف تقديره فليجلسه معه وهو جواب إذا وقد ثبت ذلك عند أحمد وفي رواية فليقعده معه ليأكل وفي أخرى فليدعه فليأكل معه فإن لم يفعل فليناوله (لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين) رواه الترمذي بلفظ لقمة أو لقمتين بدون الأكلة والأكلة بضم الهمزة هي اللقمة وأو للشك من الراوي هل قال الرسول ﷺ لقمة أو لقمتين؟ أو أكلة أو أكلتين؟ فجمع بينهما وأتى بالشك ليحتاط في تأدية المقالة كما سمعها ويحتمل أن يكون من عطف أحد المترادفين على الآخر بكلمة أو وقد صرح بعضهم بجوازه وأما أو التي في قوله لقمة أو لقمتين وقوله أكلة أو أكلتين فهي للتقسيم بحسب حال الطعام وحال الخادم (فإنه ولي علاجه) الفاء للتعليل والفعل ولي إما من الولاية أي تولى ذلك وإما من الولي وهو القرب والعلاج مصدر عالج يعالج أي تولى صنع الطعام أو قرب من مكان صنعه وتحمل مشقة حره ودخانه وحمله وشم ريحه وعلقت به نفسه -[فقه الحديث]- محل إطعام الخادم لقمة أو لقمتين إذا كان الطعام قليلا أما إذا كان كثيرا فيلزمه أن يشبعه ويسن أن يقلب اللقمة في الدسم وأن تكون بحيث تسد مسدا ليست صغيرة تثير الشهوة ولا تقضي وطرا والأمر بالإجلاس والمناولة للندب على الراجح وليس قاصرا على من ولي علاج الطعام بل شمل كل خادم وهذا الوصف أشمل

стр. 552

-[ويؤخذ من الحديث]- ١ - الحث على حسن معاملة الخادم ٢ - الحث على مكارم الأخلاق والمواساة والتواضع وعدم الترفع على عباد الله ولو كانوا خدما ٣ - استحباب إعطاء الأجير شيئا من الذي يجنيه

стр. 553

كتاب الهبة الهبة في اللغة إيصال الشيء إلى الغير بما ينفعه وشرعا تمليك بلا عوض في الحياة وهذا يعم الصدقة والهدية والإبراء. لأنه إن ملك لاحتياج أو لثواب آخرة فصدقة أو لإكرام فهدية أو ملك المدين فإبراء نعم لا يشترط في الصدقة والهدية صيغة بل يكفي البعث والقبض ٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة -[المعنى العام]- يحض الرسول ﷺ على التهادي ولو باليسير لما فيه من استجلاب المودة وإذهاب الشحناء والتعاون على أمر المعيشة والهدية إذا كانت يسيرة أدل على المودة وأرفع للكلفة وأسقط للمؤنة وأسهل على المهدى إليه والكثير قد لا يتيسر كل وقت والمواصلة تصير كالكثير فلا تحتقر جارة هدية جارتها ولا تتحرج مهدية من صغر هديتها ولو كان المهدى من التفاهة كحافر الفرس وظلف الشاة -[المباحث العربية]- (يا نساء المسلمات) في إعرابه ثلاثة أوجه: أصحها وأشهرها نصب نساء وجر المسلمات على الإضافة وهو من باب إضافة الشيء إلى

стр. 554

نفسه والموصوف إلى صفته والأعم إلى الأخص كمسجد الجامع وجانب الغربي وهو عند الكوفيين جائز على ظاهره ويكتفون باختلاف الألفاظ في المغايرة وعند البصريين على تقدير محذوف أي مسجد المكان الجامع وجانب المكان الغربي وهنا يا نساء الطوائف أو الأنفس أو الجماعات المسلمات الوجه الثاني رفع نساء ورفع المسلمات على معنى النداء المفرد والمسلمات صفة مرفوعة على اللفظ الوجه الثالث رفع نساء ونصب المسلمات على أنه صفة بحسب الموضع وفي رواية يا نساء المسلمين وفي أخرى يا نساء المؤمنين (لا تحقرن جارة لجارتها) بنون التوكيد الثقيلة وفي الكلام محذوف أي لا تحقرن جارة هدية لجارتها وفي رواية جارة لجارة بحذف الضمير (ولو فرسن شاة) خبر لكان المحذوفة مع اسمها والتقدير ولو كان المهدى فرسن شاء والفرسن بكسر الفاء والسين بينهما راء ساكنة وحكي فتح السين وهو عظم قليل اللحم وهو للبعير موضع الحافر من الفرس ويطلق على ظلف الشاة مجازا -[فقه الحديث]- المقصود من الحديث الحث على الإهداء أو على قبول الهدية بنفس راضية وتأويله على الأول لا تحتقرن جارة مهدية شيئا لجارتها مهما كان حقيرا وعلى الثاني: لا تحتقرن جارة هدية مهما كانت حقيرة وحمل الحديث على ما يشمل الأمرين أولى والمراد من ذكر فرسن الشاة المبالغة في إهداء الشيء اليسير وقبوله لا حقيقة الفرسن لأنه لم تجر العادة بالمهاداة به أي لا تمتنع جارة من أن تهدي لجارتها ما وجد عندها مهما كان حقيرا فالوجود خير من العدم ولا تحتقر جارة ما أهدي إليها ولو كان حقيرا فهو دليل المودة ولغير العادة خاطب الشرع النساء في حكم يشمل الرجال وذلك لأنهن اللاتي يباشرن الإهداء والقبول غالبا لمطعومات المنازل التي هي أحقر الأشياء وغيرهن يشاركهن بطريق الإلحاق والتعبير

стр. 555

بالجارة لما هو الغالب والكثير وإلا فالنهي يشمل كل مهدية وكل مهدى إليها جارة كانت أو بعيدة أو غريبة -[ويفيد الحديث]- ١ - الحض على التهادي ولو باليسير ٢ - استحباب المودة وإسقاط التكلف ٣ - النهي عن ازدراء الهدية مهما صغرت ٦ - عن عائشة ﵂ أنها قالت لعروة: "يا ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار فقلت يا خالة ما كان يعيشكم قالت الأسودان التمر والماء إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار كانت لهم منائح وكانوا يمنحون رسول الله ﷺ من ألبانهم فيسقينا" -[المعنى العام]- تحدث عائشة ابن أختها عروة بن الزبير الذي شهدها في نعيمها بعد أن فتح الله على المسلمين بهجة الدنيا وأغدق عليهم من خيراتها تحدثه عن أيام مرت برسول الله ﷺ قاسى فيها من آلام الجوع ما جعله يربط الحجر

стр. 556

على بطنه وعانى فيها من الإعدام ما حرم منزل نسائه من النار الشهر والشهرين لعدم وجود ما ينضجونه عليها فيعجب عروة ويسأل خالته: بم كان يقتات حبيب الله وهو الذي عرضت عليه الجبال أن تكون ذهبا؟ وعلام كنتم تعيشون يا خالة فتجيبه: كنا نعيش على الماء والتمر وعلى بعض هدايا من الجيران كانت لهم نوق وشياه وكانوا يمنحون رسول الله ﷺ ألبانها فيسقينا -[المباحث العربية]- (أنها قالت لعروة) بن الزبير بن العوام أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق ولد في آخر خلافة عمر سنة ثلاث وعشرين هجرية ومات سنة أربع وتسعين (إن كنا لننظر) إن مخففة من الثقيلة واللام في خبرها للفرق بينها وبين إن النافية واسمها ضمير الشأن وهذا مذهب البصريين وقال الكوفيون إن نافية واللام بمعنى إلا. (ثم الهلال ثم الهلال) بالجر عطفا على السابق (ثلاثة أهلة في شهرين) ثلاثة بالنصب مفعول لفعل محذوف أي نرى ثلاثة أهلة وبالجر على البدلية وفي شهرين متعلق بمحذوف أي تكمل رؤيتها في شهرين باعتبار رؤية الهلال في أول الشهر الأول ثم رؤيته في أول الشهر الثالث فيصدق عليه ثلاثة أهلة في ستين يوما والمقصود من هذا التعبير الإشعار بكمال الشهرين (وما أوقدت) بضم الهمزة مبنيا للمفعول والجملة في محل نصب حال (يا خالة) بضم التاء على أنه منادى مفرد أو بكسرها على أنه مضاف لياء المتكلم المحذوفة مع بقاء الكسرة (ما كان يعيشكم) بضم الياء وكسر العين من أعاشه وضبطه النووي بفتح العين وكسر الياء المشددة وفي رواية ما كان يقيتكم من القوت

стр. 557

(الأسودان التمر والماء) أي كان يعيشنا الأسودان وهو من باب التغليب كالقمرين للشمس والقمر إذ الماء ليس أسود وأطلقت عائشة على التمر أسود لأنه تمر المدينة (كانت لهم منائح) جمع منيحة بفتح الميم وكسر النون وهي ناقة أو شاة تعطيها غيرك ليحتلبها ثم يردها عليك ولا يقال منيحة إلا للناقة وتستعار للشاة -[فقه الحديث]- ورد في بعض الروايات كان يأتي علينا الشهر وما نوقد فيه نارا وفي أخرى كان يأتي على آل محمد الشهر ما يرى في بيت من بيوته الدخان ولا منافاة بين حديثنا وبين هذه الروايات لأن ذلك يختلف باختلاف الأوقات وقد عنت عائشة بجيران الرسول ﷺ سعد بن عبادة وعبد الله بن عمر بن حزام وأبا أيوب الأنصاري وسعد بن زرارة وغيرهم ممن كانت بيوتهم قريبة من بيوته ﷺ وإن لم تكن ملاصقة ومناسبة هذا الحديث لكتاب الهبة أنه يدل على الإهداء للرسول ﷺ وفي الهدية معنى الهبة كما قدمنا -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - زهد النبي ﷺ ٢ - وصبره على التقلل من العيش ٣ - وإيثاره ﷺ الآخرة على الدنيا ٤ - وفيه حجة لمن آثر الفقر على الغنى ٥ - وفيه مشاركة الواجد للمعدم ٦ - وفيه جواز ذكر المرء ما كان فيه من الضيق بعد أن يوسع الله عليه تذكيرا بنعمة الله وليتأسى به غيره

стр. 558

٧ - عن أنس ﵁ قال أنفجنا أرنبا بمر الظهران فسعى القوم فلغبوا فأدركتها فأخذتها فأتيت بها أبا طلحة فذبحها وبعث إلى رسول الله ﷺ بوركها أو فخذيها فقبله قلت وأكل منه قال وأكل منه -[المعنى العام]- يقول أنس كنت غلاما شديدا قويا وخرجت مع بعض الصحابة فاستنفرنا أرنبا من مكانه وجحره الصخري فنفر وأخذ يعدو والقوم من خلفه يحاولون إمساكه واصطياده حتى أعياهم وأتعبهم فانقطعوا عنه وتبعته وحدي فأدركته فأمسكته وجئت به إلى زوج أمي أبي طلحة فذبحه وأرسلني بفخذيه إلى رسول الله ﷺ فقبل الهدية وأكل منها -[المباحث العربية]- (أنفجنا أرنبا) بالنون والفاء والجيم أي أثرناه ونفرناه من مكانه

стр. 559

والأرنب واحد من الأرانب يطلق على الذكر والأنثى ولذا عادت عليه الضمائر في الحديث مؤنثة (بمر الظهران) مر الظهران بفتح الميم وتشديد الراء وفتح الظاء علم على موضع بينه وبين مكة ستة عشر ميلا إلى جهة المدينة والعلم مجموع المضاف والمضاف إليه فالإعراب على الجزء الأول وهو مر وأما الجزء الثاني فمجرور بالإضافة أبدا وعلامة جره الكسرة بناء على أن المثنى إذا سمي به أعرب بالحركات (فسعى القوم) أي جروا نحوه ليصطادوه (فلغبوا) بفتح الغين وكسرها والفتح أشهر ومعناه تعبوا (بوركها أو فخذيها) الورك بفتح الواو وكسر الراء وبكسر الواو وسكون الراء ما فوق الفخذ وقوله أو فخذيها شك من الراوي عن أنس بين الوركين والفخذين (فقبله) الضمير يعود على المبعوث به -[فقه الحديث]- -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - إباحة السعي لطلب الصيد وجمع بينه وبين ما روي من تبع الصيد غفل بأن المراد من تمادى في طلب الصيد إلى أن فاتته الصلاة أو غيرها من مصالح دينه أو دنياه ٢ - وأنه إذا طلب جماعة الصيد فأدركه بعضهم وأخذه يكون ملكا له ولا يشاركه فيه من شاركه في طلبه ٣ - وأنه لا بأس بإهداء الصاحب لصاحبه الشيء اليسير وإن كان المهدى إليه عظيما إذا علم من حاله محبة ذلك منه ٤ - إباحة أكل الأرانب وهو قول الأئمة الأربعة

стр. 560

٥ - جواز هدية الصيد وقبولها من الصائد ٦ - أن ولي الصبي يتصرف فيما يملكه الصبي بالمصلحة ٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام سأل عنه أهدية أم صدقة؟ فإن قيل صدقة قال لأصحابه كلوا ولم يأكل وإن قيل هدية ضرب بيده ﷺ فأكل معهم -[المعنى العام]- لما كان رسول الله ﷺ يجتمع كثيرا بأصحابه الفقراء ويأكل معهم تكريما لهم وتطييبا لقلوبهم ولما كان الكثير منهم محلا للصدقة ولما كانت الصدقات لا تحل لمحمد ولا لآل محمد كان الرسول الكريم إذا جيء بطعام سأل عن مورده أعلى سبيل الهدية جاء؟ أم على سبيل الصدقة فإن قيل على سبيل الصدقة قال لأصحابه: كلوا ولم يمد يده إليه وإن قيل على سبيل الهدية أسرع في تناوله وأكل معهم ﷺ -[المباحث العربية]- (سأل عنه) المفعول محذوف أي سأل مقدمه عنه زاد أحمد من غير أهله (أهدية أم صدقة) بالرفع خبر لمبتدأ محذوف أي هذا هدية أم صدقة؟ ويجوز النصب بتقدير أجئتم به هدية أم صدقة

стр. 561

(كلوا ولم يأكل) المفعول محذوف أي كلوه ولم يأكله أو الفعل منزل منزلة اللازم أي حصلوا الأكل ولم يحصله (ضرب بيده) أي شرع في الأكل مسرعا ومثله ضرب في الأرض إذا أسرع السير -[فقه الحديث]- يدل هذا الحديث على قبول الهدية وإنما لم يأكل ﷺ من الصدقة لأنها لا تحل له قال ابن بطال: لأنها أوساخ الناس لأن أخذ الصدقة منزلة دنية لقوله ﷺ اليد العليا خير من اليد السفلى وأيضا لا تحل الصدقة للأغنياء وقد قال تعالى ﴿ووجدك عائلا فأغنى﴾ ومحل ذلك إذا ظل الشيء على صفة الصدقة أما إذا تصدق به على شخص فأهداه للرسول ﷺ حل له أكله كما جاء في حديث بريرة وهي أمة اشترتها عائشة فأعتقتها وتصدق عليها بلحم فقدم لرسول الله ﷺ فقال هو لها صدقة ولنا هدية وذلك لأن الصدقة يجوز فيها تصرف الفقير بالبيع والهدية وغير ذلك لصحة ملكه لها كتصرف سائر الملاك في أملاكهم أما حكم السؤال عما يقدم إلى المرء من طعام أو شراب أمن حلال هو أم من حرام فهو من الورع إن كان في محل تكثر فيه الشبهات وتركه أولى إن بعدت الشبهات

стр. 562

٩ - عن النعمان بن بشير ﵄ قال وهو على المنبر: أعطاني أبي عطية فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ فأتى رسول الله ﷺ فقال إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله قال أعطيت سائر ولدك مثل هذا قال لا قال فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم قال فرجع فرد عطيته -[المعنى العام]- سألت أم النعمان أباه أن ينفله عن إخوته من أبيه وأن يعطيه عطية من ماله فماطلها سنة أو سنتين فلما كثر إلحاحها عليه وهبه غلاما فقال لا أرضى بهذه الهبة حتى تشهد عليها رسول الله ﷺ فأخذ بشير ولده النعمان يحمله بعض الطريق لصغره ويأخذ بيده بعضه حتى أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إني أعطيت ابني هذا عطية فأمرتني أمه أن أشهدك عليها قال ﵊ هل لك أولاد غيره قال نعم قال أكلهم أعطيتهم مثل هذا؟ قال لا قال أيسرك أن يكونوا إليك في البر كلهم سواء قال نعم قال فليس يصح هذا إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم في النحل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر أشهد على هذا غيري فإني لا أشهد على جور فرجع بشير فرد عطيته التي أعطاها لابنه النعمان -[المباحث العربية]- (عمرة بنت رواحة) عمرة بفتح العين وسكون الميم ورواحة بفتح الراء أخت عبد الله بن رواحة زوجة بشير وهي أم النعمان (لا أرضى) مفعوله محذوف أي لا أرضى هذا الإعطاء حتى تشهد (قال: أعطيت سائر ولدك) الكلام على تقدير همزة الاستفهام الذي للاستخبار

стр. 563

(مثل هذا) الإشارة إلى المعطي للنعمان (فاتقوا الله) الفاء فصيحة أعربت عن شرط محذوف تقديره: إذا لم تكن أعطيت سائر ولدك مثله فاتق الله وأعدل بين أولادك وإنما جمع الضمير ليشمل كل من على شاكلته فكأنه يقول اتقوا الله يا من تفعلوا هذا الفعل واعدلوا بين أولادكم (قال فرجع) فاعل قال ضمير يعود على النعمان راوي الحديث وفاعل رجع ضمير يعود على بشير معطي الهدية -[فقه الحديث]- الكلام عن هذا الحديث يتطرق إلى النقاط التالية ١ - نوع العطية وسببها والباعث على الإشهاد ٢ - آراء الفقهاء وأدلتهم في تفضيل بعض الأولاد على بعض ٣ - آراؤهم في الرجوع فيما أعطاه الوالد لولده ٤ - ما يؤخذ من الحديث وإليك البيان ١ - صرح في رواية مسلم بأن العطية كانت غلاما وفي رواية ابن حبان بأنها كانت حديقة ووفق ابن حبان بين الروايتين بحملهما على واقعتين لكن يبعده أن يرجع بشير ليشهد على عطيته الثانية بعد أن قيل له في الأولى لا أشهد على جور والأولى ترجيح رواية مسلم وأن العطية كانت غلاما وسبب هذا الإعطاء ما رواه مسلم عن النعمان قال: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فالتوى بها سنة أي مطلها ثم بدا له فأعطى فأمرته أن يشهد رسول الله ﷺ قاصدة تثبيت العطية وعدم تمكن بشير من الرجوع فيها ٢ - وقد اختلف الفقهاء في تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطايا فذهب أحمد وبعض المالكية إلى وجوب التسوية واستدلوا

стр. 564

بقوله ﷺ اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم والأمر للوجوب وبقوله في رواية أخرى لا أشهد على جور وبأن التفضيل يؤدي إلى تقطيع الأرحام وإبقاء الشحناء بين الأخوة فيكون حراما واختلف هؤلاء فيما لو حصل التفضيل هل يفسد العقد أو يصح مع الحرمة؟ والمشهور الفساد نعم هؤلاء يجيزون التفاضل إن كان له سبب كاحتياج الولد لزمانته أو لصغره أو نحو ذلك وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة فإن فضل بعضا صح وكره وحملوا الأمر في الحديث اتقوا الله واعدلوا على الندب وقالوا في الرواية الأخرى: إن الجور هو الميل عن الاعتدال فيطلق على المكروه. واستشهد بزيادة مسلم أشهد على هذا غيري وهو إذن بالإشهاد فلا يكون حراما وامتناعه ﷺ عن الشهادة إنما كان على وجه التنزه كما استشهدوا بعمل الخليفتين أبي بكر وعمر ثم إن الإجماع منعقد على جواز إعطاء الرجل ماله لغير ولده فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله جاز له أن يخرج عن ذلك بعضهم ثم اختلف الفريقان في صفة التسوية الواجبة أو المستحبة فذهب أحمد وبعض الشافعية وبعض المالكية إلى أن العدل أن يعطي الذكر حظين كالميراث وقال غيرهم لا فرق بين الذكر والأنثى إنما اختلفا في الميراث بالعصوبة أما بالرحم المجردة فهما سواء كالأخوة والأخوات من الأم وظاهر الأمر بالتسوية في الحديث يشهد لهم ٣ - أما الرجوع فيما أعطاه الوالد لولده زيادة على إخوته فوجب عند أحمد لقوله ﷺ في رواية أخرى للبخاري فارجعه والأمر للوجوب وقال غيره إن الأمر بالرجوع ليس للإيجاب وإنما هو من باب الفضل والإنصاف والإحسان مثله ما جاء في رواية البزار أن رجلا كان عند النبي ﷺ فجاء ابن له فقبله وأجلسه على فخذه وجاءته بنية له فأجلسها بين يديه فقال رسول الله ﷺ ألا سويت بينهما وليس من باب الوجوب -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - جواز الميل القلبي إلى بعض الأولاد والأزواج دون بعض وإن طلبت التسوية بينهم في غير ذلك

стр. 565

٢ - جواز استفسار الحاكم والمفتي عما يحتمل الاستفصال أخذا من قوله أعطيت سائر ولدك ٣ - أن الإشهاد في الهبة مشروع وليس بواجب ٤ - جواز الرجوع عند التفضيل ٥ - كراهة تحمل الشهادة فيما ليس مباحا ٦ - وجوب المحافظة على ما فيه التألف بين الإخوة ٧ - أن للإمام الأعظم أن يتحمل الشهادة وتظهر فائدتها ليحكم في ذلك بعلمه عند من يجيزه أو يؤديها عند بعض قضاته ٨ - المبادرة إلى قبول قول الحق وأمر الحاكم والمفتي والناس بتقوى الله في كل حال ٩ - قال بعضهم فيه إشارة إلى سوء عاقبة التنطع لأن أم النعمان لو رضيت ولم تطلب الإشهاد ما ردت الهبة وهذا القول ضعيف لأن رد الهبة كان رفقا وعدلا فلا يكون من سوء العاقبة
следующие страницы →