Полный текст (1 103 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
(كلوا ولم يأكل) المفعول محذوف أي كلوه ولم يأكله أو الفعل منزل منزلة اللازم أي حصلوا الأكل ولم يحصله
(ضرب بيده) أي شرع في الأكل مسرعا ومثله ضرب في الأرض إذا أسرع السير
-[فقه الحديث]-
يدل هذا الحديث على قبول الهدية وإنما لم يأكل ﷺ من الصدقة لأنها لا تحل له قال ابن بطال: لأنها أوساخ الناس لأن أخذ الصدقة منزلة دنية لقوله ﷺ اليد العليا خير من اليد السفلى وأيضا لا تحل الصدقة للأغنياء وقد قال تعالى ﴿ووجدك عائلا فأغنى﴾ ومحل ذلك إذا ظل الشيء على صفة الصدقة أما إذا تصدق به على شخص فأهداه للرسول ﷺ حل له أكله كما جاء في حديث بريرة وهي أمة اشترتها عائشة فأعتقتها وتصدق عليها بلحم فقدم لرسول الله ﷺ فقال هو لها صدقة ولنا هدية وذلك لأن الصدقة يجوز فيها تصرف الفقير بالبيع والهدية وغير ذلك لصحة ملكه لها كتصرف سائر الملاك في أملاكهم أما حكم السؤال عما يقدم إلى المرء من طعام أو شراب أمن حلال هو أم من حرام فهو من الورع إن كان في محل تكثر فيه الشبهات وتركه أولى إن بعدت الشبهات
стр. 562
٩ - عن النعمان بن بشير ﵄ قال وهو على المنبر: أعطاني أبي عطية فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ فأتى رسول الله ﷺ فقال إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله قال أعطيت سائر ولدك مثل هذا قال لا قال فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم قال فرجع فرد عطيته
-[المعنى العام]-
سألت أم النعمان أباه أن ينفله عن إخوته من أبيه وأن يعطيه عطية من ماله فماطلها سنة أو سنتين فلما كثر إلحاحها عليه وهبه غلاما فقال لا أرضى بهذه الهبة حتى تشهد عليها رسول الله ﷺ فأخذ بشير ولده النعمان يحمله بعض الطريق لصغره ويأخذ بيده بعضه حتى أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إني أعطيت ابني هذا عطية فأمرتني أمه أن أشهدك عليها قال ﵊ هل لك أولاد غيره قال نعم قال أكلهم أعطيتهم مثل هذا؟ قال لا قال أيسرك أن يكونوا إليك في البر كلهم سواء قال نعم قال فليس يصح هذا إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم في النحل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر أشهد على هذا غيري فإني لا أشهد على جور فرجع بشير فرد عطيته التي أعطاها لابنه النعمان
-[المباحث العربية]-
(عمرة بنت رواحة) عمرة بفتح العين وسكون الميم ورواحة بفتح الراء أخت عبد الله بن رواحة زوجة بشير وهي أم النعمان
(لا أرضى) مفعوله محذوف أي لا أرضى هذا الإعطاء حتى تشهد
(قال: أعطيت سائر ولدك) الكلام على تقدير همزة الاستفهام الذي للاستخبار
стр. 563
(مثل هذا) الإشارة إلى المعطي للنعمان
(فاتقوا الله) الفاء فصيحة أعربت عن شرط محذوف تقديره: إذا لم تكن أعطيت سائر ولدك مثله فاتق الله وأعدل بين أولادك وإنما جمع الضمير ليشمل كل من على شاكلته فكأنه يقول اتقوا الله يا من تفعلوا هذا الفعل واعدلوا بين أولادكم
(قال فرجع) فاعل قال ضمير يعود على النعمان راوي الحديث وفاعل رجع ضمير يعود على بشير معطي الهدية
-[فقه الحديث]-
الكلام عن هذا الحديث يتطرق إلى النقاط التالية
١ - نوع العطية وسببها والباعث على الإشهاد
٢ - آراء الفقهاء وأدلتهم في تفضيل بعض الأولاد على بعض
٣ - آراؤهم في الرجوع فيما أعطاه الوالد لولده
٤ - ما يؤخذ من الحديث وإليك البيان
١ - صرح في رواية مسلم بأن العطية كانت غلاما وفي رواية ابن حبان بأنها كانت حديقة ووفق ابن حبان بين الروايتين بحملهما على واقعتين لكن يبعده أن يرجع بشير ليشهد على عطيته الثانية بعد أن قيل له في الأولى لا أشهد على جور والأولى ترجيح رواية مسلم وأن العطية كانت غلاما
وسبب هذا الإعطاء ما رواه مسلم عن النعمان قال: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فالتوى بها سنة أي مطلها ثم بدا له فأعطى فأمرته أن يشهد رسول الله ﷺ قاصدة تثبيت العطية وعدم تمكن بشير من الرجوع فيها
٢ - وقد اختلف الفقهاء في تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطايا فذهب أحمد وبعض المالكية إلى وجوب التسوية واستدلوا
стр. 564
بقوله ﷺ اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم والأمر للوجوب وبقوله في رواية أخرى لا أشهد على جور وبأن التفضيل يؤدي إلى تقطيع الأرحام وإبقاء الشحناء بين الأخوة فيكون حراما واختلف هؤلاء فيما لو حصل التفضيل هل يفسد العقد أو يصح مع الحرمة؟ والمشهور الفساد نعم هؤلاء يجيزون التفاضل إن كان له سبب كاحتياج الولد لزمانته أو لصغره أو نحو ذلك وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة فإن فضل بعضا صح وكره وحملوا الأمر في الحديث اتقوا الله واعدلوا على الندب وقالوا في الرواية الأخرى: إن الجور هو الميل عن الاعتدال فيطلق على المكروه. واستشهد بزيادة مسلم أشهد على هذا غيري وهو إذن بالإشهاد فلا يكون حراما وامتناعه ﷺ عن الشهادة إنما كان على وجه التنزه كما استشهدوا بعمل الخليفتين أبي بكر وعمر ثم إن الإجماع منعقد على جواز إعطاء الرجل ماله لغير ولده فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله جاز له أن يخرج عن ذلك بعضهم ثم اختلف الفريقان في صفة التسوية الواجبة أو المستحبة فذهب أحمد وبعض الشافعية وبعض المالكية إلى أن العدل أن يعطي الذكر حظين كالميراث وقال غيرهم لا فرق بين الذكر والأنثى إنما اختلفا في الميراث بالعصوبة أما بالرحم المجردة فهما سواء كالأخوة والأخوات من الأم وظاهر الأمر بالتسوية في الحديث يشهد لهم
٣ - أما الرجوع فيما أعطاه الوالد لولده زيادة على إخوته فوجب عند أحمد لقوله ﷺ في رواية أخرى للبخاري فارجعه والأمر للوجوب وقال غيره إن الأمر بالرجوع ليس للإيجاب وإنما هو من باب الفضل والإنصاف والإحسان مثله ما جاء في رواية البزار أن رجلا كان عند النبي ﷺ فجاء ابن له فقبله وأجلسه على فخذه وجاءته بنية له فأجلسها بين يديه فقال رسول الله ﷺ ألا سويت بينهما وليس من باب الوجوب
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - جواز الميل القلبي إلى بعض الأولاد والأزواج دون بعض وإن طلبت التسوية بينهم في غير ذلك
стр. 565
٢ - جواز استفسار الحاكم والمفتي عما يحتمل الاستفصال أخذا من قوله أعطيت سائر ولدك
٣ - أن الإشهاد في الهبة مشروع وليس بواجب
٤ - جواز الرجوع عند التفضيل
٥ - كراهة تحمل الشهادة فيما ليس مباحا
٦ - وجوب المحافظة على ما فيه التألف بين الإخوة
٧ - أن للإمام الأعظم أن يتحمل الشهادة وتظهر فائدتها ليحكم في ذلك بعلمه عند من يجيزه أو يؤديها عند بعض قضاته
٨ - المبادرة إلى قبول قول الحق وأمر الحاكم والمفتي والناس بتقوى الله في كل حال
٩ - قال بعضهم فيه إشارة إلى سوء عاقبة التنطع لأن أم النعمان لو رضيت ولم تطلب الإشهاد ما ردت الهبة وهذا القول ضعيف لأن رد الهبة كان رفقا وعدلا فلا يكون من سوء العاقبة
стр. 566
١٠ - عن ابن عباس ﵄ قال قال النبي ﷺ العائد في هبته كالعائد في قيئه
-[المعنى العام]-
ينهى الرسول ﷺ عن الرجوع في الهبة بعد القبض بتشبيه الراجع فيها بأخس الحيوانات في أخس أحوالها فهو يشبهه بالكلب الذي يقيء فيختلط قيئه القذر بقذارة الأرض والهوام ثم يعود إلى قيئه فيتناوله
-[المباحث العربية]-
(العائد في هبته كالكلب) الجار والمجرور الأول متعلق باسم الفاعل قبله والجار والمجرور كالكلب متعلق بمحذوف خبر المبتدأ وجوز الأخفش والفارسي أن تكون الكاف اسما في محل رفع خبر والكلب مخفوضا بالإضافة
(يقيء ثم يعود) الجملة في محل النصب على الحال أي كالكلب في هذه الحالة
-[فقه الحديث]-
احتج الشافعي وأحمد بهذا الحديث على أنه ليس للواهب زوجا كان أو غيره أن يرجع فيما وهبه إلا للذي ينحله الأب لابنه جمعا بين هذا الحديث وحديث النعمان الماضي فعموم لفظ العائد مخصوص بما رواه ابن ماجه عن جابر أن رجلا قال يا رسول الله إن لي مالا وولدا وأبي يريد أن يجتاح مالي قال ﵊ (أنت ومالك لأبيك) كما احتجا بما رواه البخاري قال النبي ﷺ (ليس لنا مثل السوء الذي يعود في
стр. 567
هبته كالكلب يرجع في قيئه) أي لا يجوز للمؤمنين أن يتصفوا بصفة ذميمة فهذا المثل ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة بعد إقباضها وذهب مالك إلى أن للأجنبي أن يرجع في هبته إذا قصد من الموهوب له الثواب ولم يثبه وذهب أبو حنيفة إلى أن للواهب الرجوع في هبته من الأجنبي ما دامت قائمة ولم يعوض عنها واستدلا بما رواه ابن ماجه والطبراني من قوله ﷺ (الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها) وأجابا عن حديث الباب بأنه ﵊ جعل العائد في هبته كالعائد في قيئه من حيث إنه ظاهر القبح مروءة وخلقا لا شرعا ولذا كان التشبيه بالكلب لا بالرجل والكلب غير متعبد بتحليل ولا تحريم فالقيء والعود فيه ليس حراما عليه فلا يثبت منع الواهب من الرجوع نعم فيه أنه أمر قذر كالقذر الذي يفعله الكلب
١١ - عن عائشة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي ﷺ تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ
-[المعنى العام]-
تحدث عائشة عن موقف الرسول ﷺ من زوجاته في الحضر والسفر أما في الحضر فكان يقسم لكل منهن يومها وليلتها بالعدل والسوية إلا أن
стр. 568
أم المؤمنين سودة ضحت بليلتها ويومها ووهبتهما لعائشة ﵄ ابتغاء مرضاة رسول الله ﷺ الذي أحست بميله نحو عائشة، وأما في السفر فكان ﷺ يقرع بينهن قبل أن يخرج فأي واحدة منهن خرج سهمها سافرت في صحبته ﷺ
-[المباحث العربية]-
(أقرع بين نسائه) من القرعة ومنه يقال تقارعوا واقترعوا والقرعة هي السهام التي توضع على الحظوظ فمن خرجت قرعته وهي سهمه الذي وضع على النصيب فهو له
(فأيتهن) أي أية امرأة منهن خرج سهمها الذي باسمها خرج بها معه
(تبتغي) الجملة في محل النصب على الحال من فاعل وهبت وجملة وهبت مستأنفة للتعليل
-[فقه الحديث]-
-[استدل بهذا الحديث على: ]-
١ - جواز هبة المرأة لغير زوجها وقد اختلف العلماء في إعطاء المرأة بغير إذن زوجها من مالها على قولين أحدهما أن المرأة البالغة الرشيدة ذات الزوج لا فرق بينها وبين البالغ الرشيد في التصرف وهو قول الشافعي والقول الآخر أنه لا يجوز لها أن تعطي من مالها شيئا بغير إذن زوجها وقال مالك لا يجوز إعطاؤها بغير إذن زوجها إلا من ثلث مالها خاصة قياسا على الوصية
٢ - وعلى القسم بين الزوجات في الأيام وليس على الزوج قسم في الميل والمحبة لأنه لا يملك ذلك فتصريف القلوب من الله ولذا ورد اللهم إن هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك
٣ - وعلى مشروعية القرعة لما فيها من تطييب النفس
стр. 569
٤ - وعلى فضيلة الإيثار
٥ - وعلى فضيلة التنازل عن هوى النفس لتحقيق هوى من يحب
باب فضل المنيحة
١٢ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : "أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة قال حسان فعددنا ما دون منيحة العنز من رد السلام وتشميت العاطس وإماطة الأذى عن الطريق ونحوه فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة خصلة"
-[المعنى العام]-
يرمي الرسول ﷺ إلى تكثير أبواب الخير وتسهيلها على الناس مع عظم الجزاء عليها إذ أخبر عن أربعين خصلة يسيرة أشدها على النفس حلبة العنز يمنحها صاحبها لمستحقها ابتغاء وجه الله تصديقا بثوابها من فعل واحدة من الأربعين التي ذكر أشقها ولم يرد من المخلوق جزاء ولا شكورا أدخله الله بها الجنة وصدق الله العظيم ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى﴾
-[المباحث العربية]-
(أربعون خصلة) أربعون مبتدأ وخصلة تمييز وفي رواية أربعون حسنة
стр. 570
(أعلاهن منيحة العنز) أعلاهن مبتدأ ثان و"منيحة العنز" خبره والجملة خبر "أربعون" والمنيحة على وزن عظيمة وهي في الأصل العطية من منح إذا أعطى وكذا المنحة وخصها العرف بالناقة أو الشاة تعار لينتفع بلبنها أو وبرها ثم ترد إلى صاحبها فهي كما يقول ابن بطال تمليك المنافع لا تمليك الرقاب والعنز الأنثى من المعز
(ما من عامل يعمل) ما نافية ومن زائدة وعامل مبتدأ وجملة يعمل صفة وجملة أدخله الله بها الجنة هي الخبر والضمير في بها يعود على أربعون
(رجاء ثوابها) رجاء منصوب على التعليل مفعول لأجله
(وتصديق موعودها) تصديق معطوف على رجاء فهو تعليل أيضا
-[فقه الحديث]-
حاول بعض العلماء عد الأربعين فذكروا منها تشميت العاطس والفيء على ذي الرحم وإطعام الجائع وإرواء الظمآن والسلام وإعطاء شسع النعل وإيناس الوحشان وكشف الكربة وستر المسلم والتفسح في المجالس وإدخال السرور على المسلم والدلالة على الخير والإصلاح بين الناس ورد المسكين بكلمة طيبة وأن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي وغرس المسلم وزرعه والشفاعة للمسلم ورحمة عزيز ذل وغني افتقر وعالم بين الجهال والتزاور في الله قال الكرماني وهذا رجم بالغيب لاحتمال أن يكون المراد غير المذكورات من سائر أعمال الخير وقال الحافظ ابن حجر الأولى في هذا أن لا يعد لأنه ﷺ أبهمه وهو عالم به وما أبهمه الرسول ﷺ كيف يتعلق الأمل ببيانه من غيره ولعل الحكمة في إبهامه ألا يحتقر شيء من وجوه البر وإن قل فإنه يخشى من تعيينها والترغيب فيها الزهد في غيرها من أبواب الخير وفي الحديث أن الثواب الكامل للعمل الصالح إنما يعطى لمن فعله ابتغاء وجه الله مصدقا بثوابه
стр. 571
كتاب الشهادات
الشهادات جمع شهادة والمشاهدة المعاينة مأخوذة من الشهود وهو الحضور لأن الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره ومعناها شرعا إخبار عن مشاهدة وعيان لا عن تخمين وحسبان
١٣ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: -"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" قال إبراهيم وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد"
-[المعنى العام]-
يرغب الرسول ﷺ أصحابه في الاستزادة من الخير بأنهم خير الناس ويستحث التابعين أن ينهضوا ليقربوا من الصحابة في الفضل بأنهم خير ممن يأتي بعدهم ويحذر من زمان يكثر فيه الجور ويقل فيه العدل وتباع فيه الشهادة ويفشو فيه الكذب ولا يتورع فيه عن الزور ويستهان فيه بالشهادة واليمين يجيء فيه أقوام يخونون ولا يؤتمنون وهانحن اليوم في هذا الزمن المقصود وإن نظرة واحدة إلى أفنية المحاكم اليوم لأكبر دليل
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا يا رب العالمين
-[المباحث العربية]-
(خير الناس قرني) معناه خير الناس أهل قرني فحذف المضاف وقد
стр. 572
يسمى أهل العصر قرنا لاقترانهم في الوجود قال القرطبي القرن من الناس أهل زمان واحد وقال الخطابي واشتق لهم هذا الاسم من الاقتران في الأمر الذي يجمعهم وفي مقداره خلاف قيل أربعون سنة وقيل ثمانون وقيل مائة وهو المختار وقيل هو مقدار التوسط في أعمار الزمان والمراد بقرنه ﷺ أصحابه
(ثم الذين يلونهم) من وليه يليه والولي القرب والدنو والمراد منهم التابعون والمراد من الموصول الذي بعده أتباع التابعين
-[فقه الحديث]-
يقتضي هذا الحديث أن الصحابة أفضل من التابعين وأن التابعين أفضل من أتباع التابعين ولكن هل هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أم إلى الأفراد محل بحث ذهب الجمهور إلى الثاني وقال ابن عبد البر بالأول وظاهر قوله تسبق شهادته يمينه ويمينه شهادته يلزمه الدور إذ الشهادة ستكون سابقة ومسبوقة ولذا حمل على حالين لا على حالة واحدة أي تسبق شهادة أحدهم يمينه أحيانا وتسبق يمينه شهادته أحيانا وقال البيضاوي في توجيهه الذين يحرصون على الشهادة مشغوفون بترويجها يحلفون على ما يشهدون به فتارة يحلفون قبل أن يأتوا بالشهادة وتارة يعكسون ويحتمل أن يكون مثلا في سرعة الشهادة واليمين وحرص الرجل عليهما والتسرع فيهما حتى لا يدري بأيهما يبتدئ فكأنه يسبق أحدهما الآخر من قلة مبالاته بالدين وقد احتج به المالكية في رد شهادة من حلف معها والجمهور على أنها لا ترد وقد جاء في البخاري في آخر هذا الحديث قال الراوي وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار أي كان الآباء ينهون الأبناء عن المبادرة بالشهادة حتى لا تصير المبادرة بها عادة لهم عند الكبر ولا تنافي بين هذا النهي وبين ما جاء في مسلم ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها لأن الحديث محمول على من كانت عنده شهادة نسيها
стр. 573
صاحب الحق أو مات صاحبها العالم وترك أطفالا لهم على الناس حقوق ولا علم للوصي بها فيجيء من عنده الشهادة فيبذلها فيحيي الحق الضائع أو أن الأول حديث البخاري في حقوق الآدميين والثاني حديث مسلم في حقوق الله تعالى ونحوها مما شهد فيه حسبة وقال ابن بطال إن النهي عن الشهادة مع الإيمان يدل على قوله يضربوننا على الشهادة والعهد وإنما كانوا يضربونهم خشية أن تصير الإيمان عادة فيحلفون في كل ما يصلح وما لا يصلح
١٤ - عن أبي بكرة ﵁ قال قال النبي ﷺ ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا قالوا بلى يا رسول الله قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين وجلس وكان متكئا فقال ألا وقول الزور .. قال فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت
-[المعنى العام]-
كان الرسول ﷺ يحذر أصحابه من أمهات المعاصي بكثير من التنفير ويظهر عند ذكرها الاهتمام بها أكثر من سواها مراعيا في ذلك مقتضى
стр. 574
الحال ومناسبة القول للسامعين فهو يحذر من الكذب وشهادة الزور فيسترعي انتباههم ويستجمع فهمهم ويثير أحاسيسهم بقوله ألا أخبركم بأكبر الكبائر فيقولون بلى أخبرنا يا رسول الله فيكررها ثلاثا فيكررون بلى أخبرنا يا رسول الله فلا يبدأ بمطلوبه بل يقدم عليه ما رسخ في أذهانهم قبحه وما استقر في طبائعهم عظمه ليقترن المقصود بالمعلوم فيقول ألا وقول الزور ألا وقول الزور ألا وقول الزور يظل يكررها حتى يشفق عليه القوم ويقولون في أنفسهم تألما من انزعاجه ليته يسكت لا يقدرون على النطق تأدبا معه وتقديسا له ﷺ ورضي عن أصحابه الصادقين
-[المباحث العربية]-
(ألا أنبئكم) بالتشديد والتخفيف أي ألا أخبركم وألا بفتح الهمزة وتخفيف اللام للتنبيه ليدل على تحقيق ما بعدها
(بأكبر الكبائر) جمع كبيرة وهي الفعلة القبيحة فهي في الأصل صفة لموصوف محذوف وفي معناها الشرعي خلاف قيل كل معصية وقيل كل ذنب قرن بنار أو لعنة أو غضب أو عذاب والأقرب أنها كل ذنب ورد فيه وعيد شديد من كتاب أو سنة وإن لم يكن فيه حد
(ثلاثا) معمول لقال أي قال ذلك ثلاثا تنبيها للسامع على استحضار فهمه
(الإشراك بالله) خبر مبتدأ محذوف أي أكبر الكبائر الإشراك بالله والمراد به مطلق الكفر ويكون تخصيصه بالذكر لغلبته في الوجود ولا سيما في بلاد العرب فذكره تنبيها على غيره ويحتمل أن يراد به خصوصيته إلا أنه يرد عليه أن بعض الكفر أعظم قبحا من الإشراك وهو التعطيل لأنه نفي مطلق والإشراك إثبات مقيد فيترجح الاحتمال الأول
(وعقوق الوالدين) من العق وهو القطع والعاق هو الذي شق عصا الطاعة لوالديه قال النووي هذا قول أهل اللغة أما حقيقة العقوق المحرم شرعا فقل من ضبطه وقال ابن الصلاح: العقوق المحرم كل فعل يتأذى به
стр. 575
الوالدان تأذيا ليس بالهين وقال وربما قيل طاعة الوالدين واجبة في كل ما ليس بمعصية ومخالفة أمرهما في ذلك عقوق
(وكان متكئا) الجملة حالية على تقدير قد عند من يوجبها في الجملة التي فعلها ماض مثبت إذا وقعت حالا
(ألا وقول الزور) فصل بين التعاطفات بحرف التنبيه تعظيما لشأن قول الزور وإضافة القول إلى الزور من إضافة الموصوف إلى صفته
-[فقه الحديث]-
إنما جلس رسول الله ﷺ بعد اتكائه حينما أراد أن يحذر من قول الزور وكرره ثلاثا اهتماما به وتأكيدا لتحريمه وتعظيما لقبحه وليس ذلك لعظم قولة الزور بالنسبة إلى الإشراك والعقوق وإنما لكثرة المفاسد المترتبة على قول الزور والمتعدية إلى غير الشاهد وقول الزور أسهل وقوعا على الناس والتهاون به أكثر فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم والعقوق يصرف عنه الطبع وأما قول الزور فالحوامل عليه كثيرة كالعداوة والحسد وغيرهما فاحتاج إلى الاهتمام والمراد بقول الزور ما هو أعم من الشهادة فيشمل الكذب في المعاملات وقيل المراد به شهادة الزور خاصة ويؤيده ما رواه ابن ماجه من أن النبي ﷺ صلى الصبح فلما انصرف قام قائما فقال عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله ثلاث مرات ثم تلا قوله تعالى ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾ فقد حمل ﷺ قول الزور في الآية على شهادة الزور وإذا قلنا إن المراد من قول الزور الكذب فليس معنى ذلك أن أية كذبة كبيرة بل مراتب الكذب متفاوتة بحسب المكذوب عليه وبحسب المترتب على الكذب من المفاسد وإنما قال الصحابة ليته سكت شفقة عليه ﷺ وكراهية لما يزعجه أو لما حصل لهم من الرعب والخوف من هذا المجلس وهذا التكرار وليس المراد من الاقتصار على ذكر هذه الثلاثة انحصار أكبر الكبائر فيها بل ذكرها لمناسبتها للسامعين في ذلك الوقت ولا يلزم من كون المذكورات أكبر الكبائر استواء
стр. 576
رتبتها نفسها فإننا لو قلنا البطيخة والبرتقالة أكبر من التمرة لا يقتضي استواء البطيخة والبرتقالة في الكبر وهذا الحديث يدل على انقسام الكبائر في عظمها إلى كبير وأكبر ويؤخذ منه ثبوت الصغائر وأما قول بعضهم إن كل ذنب كبيرة فهو محمول على كراهية تسمية معصية الله صغيرة إجلالا له فالخلاف بينه وبين الجمهور خلاف لفظي.
ووجهة نظر هذا القائل أنه كره تسمية معصية الله صغيرة إجلالا له وذلك لا يساير ما وافق عليه من أن الجرح لا يكون بمطلق المعصية وأن من الذنوب ما يكون قادحا في العدالة ومنها ما لا يقدح وهذا مجمع عليه وإنما الخلاف في التسمية والصحيح التغاير والتخالف بين الذنوب لورود القرآن والأحاديث بذلك ولأن ما عظم فساده أحق باسم الكبيرة بل نص القرآن في انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر ولذا قال الغزالي لا يليق إنكار الفرق بينهما وقد عرف من مدرك الشرع
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - عظم حرمة قول الزور وفي معناه كل ما كان زورا من تعاطي المرء ما ليس له أهلا
٢ - ما كان عليه الصحابة من كثرة الأدب معه ﷺ والمحبة له والشفقة عليه
стр. 577
١٥ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ﵁ قال أثنى رجل على رجل عند النبي ﷺ فقال ويلك قطعت عنق صاحبك قطعت عنق صاحبك مرارا ثم قال من كان منكم مادحا أخاه لا محالة فليقل أحسب فلانا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدا أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه
-[المعنى العام]-
سمع رسول الله ﷺ رجلا يثني على رجل في مدحه فخشي على المسلمين من فتح باب المدح على مصراعيه أن يؤدي إلى كذب المادح أو إلى مراءاته أو إلى مجازفته بما لا يعلم أو إلى اغترار الممدوح وفتوره عن الخير اتكالا على ما قيل فيه فقيد باب المدح بقوله عجبا لك أيها المادح أهلكت صاحبك الممدوح أهلكت صاحبك الممدوح لا تمدحوا الناس في وجوههم لا تكثروا الثناء لا تقطعوا بخيرية أحد لأن علم بواطن الأمور عند الله فإن أبيتم إلا أن تمدحوا وكنتم واثقين مما تقولون فقولوا نحسب ونظن فلانا كذا وكذا والله حسيبه وكافيه وعالم بحقيقته ولا نزكي على الله أحد
-[المباحث العربية]-
(رجل على رجل) قيل: المثني محجن بن الأدرع الأسلمي والمثنى عليه عبد الله ذو البجادين بكسر الباء صحابي جليل مات في غزوة تبوك ودفنه النبي ﷺ بيده في قبره وقال اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه وقال ابن مسعود فليتني كنت صاحب الحفرة
стр. 578
(ويلك) لفظ الويل في الأصل الحزن والهلاك والمشقة ويستعمل بمعنى التفجع والتعجب وها هنا كذلك وينتصب عند الإضافة ويرتفع عند القطع وناصبه عامل مقدر من غير لفظه أي هلكت هلاكا أو أتعجب منك تعجبا
(قطعت عنق صاحبك) مستعار من قطع العنق الذي هو القتل لاشتراكهما في الهلاك أي أهلكت صاحبك بإدخال الغرور عليه
(مرارا) يريد أن النبي ﷺ كررها مرارا وجاء في رواية ثلاثا وهو معمول لقال
(لا محالة) أي لا حيلة له في ترك ذلك فالميم زائدة ومعناه لا بد
(أحسب) بكسر السين وفتحها ومعناه أظن أما أحسب بضم السين فهي للعدد
(فلانا) مفعول أحسب الأول ومفعولها الثاني كذا وكذا وأحسبه الثانية تأكيد للأولى أعيدت لطول الفصل
(والله حسيبه) أي كافيه فعيل بمعنى فاعل والجملة لا محل لها من الإعراب معترضة هي والجملة التي بعدها بين معمولي أحسب وهما أيضا من مقول القول
(ولا أزكي على الله أحدا) أي لا أقطع على الله بعاقبة أحد بخير ولا غيره لأن ذلك مغيب عنا لكن نقول نحسب ونظن والله يعلم الحقائق، وعدى فعل التزكية بعلى مضمنة معنى الجرأة أي لا أمدح متجرئا على غيب الله
(وإن كان يعلم ذلك منه) اسم الإشارة يعود على صفات الكمال التي هي منشأ المدح وجواب الشرط محذوف أي إن كان يعلم فليقل أحسب والعلم مراد به الظن لئلا يقال إذا كان يعلم ذلك منه فلم يقول أحسبه
-[فقه الحديث]-
ظاهر الحديث يقتضي النهي عن المدح وقد حمله العلماء على
стр. 579
المدح في الوجه الذي يؤدي إلى غرور الممدوح وإعجابه بنفسه وافتتانه عن الرغبة في الخير اتكالا على ما ظنه في نفسه بسبب الإطراء وحمله البعض على الإفراط في المدح وحمله البعض على المدح بما ليس فيه وبهذه التوجيهات أول العلماء قوله ﷺ احثوا في وجوه المادحين التراب وقول عمر إياكم والمدح فإنه من الذبح أما مدح من لا يخاف عليه بما فيه من غير إفراط فلا يدخل في النهي فقد مدح ﷺ في الشعر والخطب وكل ما هنالك أنه نهى مادحيه عن الإطراء لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم وقد يستحب المدح إن حصل به مصلحة كأن يشجع الممدوح فيزداد في الخير أو يستنهض به همم الغير ليقتدوا به كما قال النووي في شرح مسلم ويستحب للممدوح حينئذ أن يقول اللهم اغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون واجعلني خيرا مما يظنون وقد احتج أبو حنيفة بهذا الحديث على الاكتفاء في التزكية بواحد لأن الرسول ﷺ لم يعب على الرجل إلا الإغراق والغلو في المدح والراجح عند الشافعية والمالكية اشتراط اثنين في التزكية كما في الشهادة
-[ويستنبط من الحديث: ]-
١ - أن الثناء على الشخص في وجهه عند الحاجة لا يكره وإنما يكره الإطناب في ذلك
٢ - الندب إلى مراعاة الحيطة والدقة عند التحدث عن الغير
стр. 580
باب الإصلاح بين الناس
١٦ - عن أم كلثوم بنت عقبة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا
-[المعنى العام]-
يقول الرسول ﷺ ليس الذي يأثم بكذبه ويعاقب عليه هو الذي يكذب ليصلح بين المتخاصمين فيبلغ كل فريق خيرا عن الفريق الآخر لأنه حينئذ لم يضر بكذبه أحدا بل نفع وأصلح وإنما الأعمال بالنيات
-[المباحث العربية]-
(أم كلثوم بنت عقبة) بن أبي معيط كانت تحت زيد بن حارثة ثم تزوجها عبد الرحمن بن عوف ثم تزوجها الزبير بن العوام ثم تزوجها عمرو بن العاص وهي أخت عثمان بن عفان لأمه وأسلمت وهاجرت وبايعت وكانت هجرتها سنة سبع
(ليس الكذاب) ليس المراد نفي الكذب بل نفي إثمه فالكذب كذب سواء كان في الإصلاح أو غيره
(الذي يصلح بين الناس) الموصول خبر ليس والجملة بعده صلته
стр. 581
وكان حق السياق أن يقول ليس من يصلح بين الناس كذابا لكنه ورد على سبيل القلب وهو جائز
(فينمي) بفتح الياء من نمى الحديث إذا رفعه وبلغه على وجه الإصلاح فإذا بلغه على وجه الإفساد والنميمة قيل نمى بالتشديد
(أو يقول خيرا) شك من الراوي
-[فقه الحديث]-
قال الطبري اختلف العلماء في هذا الباب فقالت طائفة الكذب المرخص فيه هو جميع معاني الكذب وأجازوا قول ما لم يكن لما فيه من المصلحة فإن الكذب المذموم إنما هو ما فيه مضرة للمسلمين ويحتج لذلك بما روى الترمذي لا يحل الكذب إلا في ثلاث: يحدث الرجل امرأته ليرضيها والكذب في الحرب والكذب ليصلح بين الناس فيحدث الرجل امرأته عن جمالها وعن حبه لها وعن اغتباطه بصنعها وتحدثه بمثل ذلك ويتحدث الرجل عن قوته وصبره ويخدع عدوه في خططه ويكيد له ويقاس على هذه الثلاثة أمثالها من كل ما فيه مصلحة وإن كان فيه إخبار بخلاف الواقع كما لو قصد رجل ظالم قتل رجل هو مختف عنده فله أن ينفي كونه عنده ويحلف على ذلك ولا يأثم ومنع بعضهم الكذب مطلقا فلا يجوز الإخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه واختلف هؤلاء في تأويل ما ورد مما يبيح ظاهره الكذب فحمله بعضهم على التورية وطريق المعاريض كأن يقول للظالم دعوت لك أمس ويقصد أنه قال: اللهم اغفر للمسلمين ويعد زوجته بعطية ويريد إن قدر الله أو إلى مدة ويظهر من نفسه قوة في الحرب وإن كان ضعيفا ويؤيد هذا الحمل حديث إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب وحمله بعضهم على قول ما علم من الخير والسكوت عما علم من الشر فيسهل المصلح ما صعب ويقرب ما بعد بإبراز وجوه الخير والسكوت عما يحمله النزاع من شر ويحدث الرجل امرأته بأوجه حسنها ويصمت عما يؤذيها ويتكلم عن مناحي قوته
стр. 582
وقوة جيشه ويسكت عن نقاط الضعف أو يأتي بألفاظ تحتمل وجهين فلا يصل العدو إلى مأربه ولكن لا يخبر عن شيء على خلاف ما هو عليه وأما الكذب عند طلب ظالم لمختف ليقتله ونحوه فهو من باب احتمال أخف الضررين كالذي يضطر إلى الميتة فليأكل ليحيي نفسه
١٧ - عن عائشة ﵂ قالت: سمع رسول الله ﷺ صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء وهو يقول والله لا أفعل فخرج عليهما رسول الله ﷺ فقال أين المتألي على الله لا يفعل المعروففقال أنا يا رسول الله وله أي ذلك أحب
-[المعنى العام]-
بينما كان الرسول ﷺ في بيت عائشة إذ سمع أصوات متخاصمين قريبين من باب حجرته يقول أحدهما للآخر رفقا بي وإمهالا لبعض حقك أو تنازلا عن شيء مما لك فإني قد أصابني في مالي كيت وكيت ويرد عليه صاحب الحق بقوله والله لن أرفق بك ولن أحط عنك ولن أمهلك وكره الرسول ﷺ أن يسمع القطع بمنع الخير والحلف على ذلك اليمين فخرج مغضبا فقال أين المتجبر؟ ليقسم بالله ألا يفعل المعروف قال الدائن أنا يا رسول الله أعترف بخطئي وأعتذر وأتوب إلى الله
стр. 583
ولخصمي ما أحب إن شاء الإمهال أمهلت وإن شاء التنازل تنازلت وإن شاءهما فعلت فقبل رسول الله ﷺ عذره ورضي عن حسن استعداده
-[المباحث العربية]-
(صوت خصوم) الخصوم بضم الخاء جمع خصم بفتحها قال الجوهري الخصم يستوي فيه الجمع والمفرد والمذكر والمؤنث لأنه مصدر ومنه قوله تعالى ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب﴾ ومن العرب من يثنيه ويجمعه ومنه قوله تعالى ﴿هذان خصمان﴾
(عالية أصواتهما) عالية يجوز فيه الجر والنصب أما الجر فعلى أنه صفة الخصوم وأما النصب فعلى الحال من خصوم لتخصصه بمتعلق الجار والمجرور أو من ضميره المستكن في متعلق الجار والمجرور وأصواتهما بالرفع فاعل عالية لأن اسم الفاعل يعمل عمل فعله والتثنية فيه باعتبار الخصمين المتنازعين والجمع في خصوم باعتبار من حضر من أنصار الطرفين أو التثنية باعتبار طرفي الخصومة والجمع باعتبار تعدد أفراد كل طرف كقوله تعالى ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ أو على أن الجمع ما فوق الواحد
(وإذا أحدهما يستوضع الآخر) إذا للمفاجأة وأحدهما مرفوع بالابتداء ويستوضع خبره وهو العامل في إذا على الصحيح ومعنى يستوضع يطلب أن يضع عنه من دينه شيئا
(ويسترفقه في شيء) أي يطلب منه أن يرفق به في الاستيفاء والمطالبة
(والله لا أفعل) مفعوله محذوف تقديره لا أفعل شيئا من الحطيطة أو الرفق
(أين المتألي على الله) بضم الميم وفتح التاء والهمزة واللام المشددة المكسورة أي الحالف المبالغ في اليمين وأين خبر مقدم والمتألي مبتدأ مؤخر وضمن لفظ متألي معنى حاكم فعداه بعلى
стр. 584
(أنا يا رسول الله) الضمير خبر مبتدأ محذوف أي المتألي أنا
(فله أي ذلك أحب) أي فلخصمي أي الأمرين أحب الحط أو الرفق والجار والمجرور خبر متقدم وأي مبتدأ مؤخر أي مضاف واسم الإشارة مضاف إليه والإشارة إلى المذكور من الرفق أو الحط وجملة أحب على أنها فعل صلة أي وعلى أنها اسم خبر مبتدأ محذوف أي هو أحب والجملة صلة أي
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - الحض على الرفق بالغريم والإحسان إليه بالوضع عنه
٢ - الزجر عن الحلف على ترك فعل الخير نعم يرد عليه قوله ﷺ للأعرابي الذي قال والله لا أزيد على هذا ولا أنقص أفلح إن صدق إذ لم ينكر عليه حلفه على ترك الزيادة وهي من فعل الخير وأجيب بأن قصة الأعرابي كانت في مقام الدعوة إلى الإسلام والاستمالة إلى الدخول فيه فكان ﷺ حريصا على ترك حضهم على ما فيه نوع مشقة بخلاف حال من تمكن في الإسلام فيحضه على الازدياد من نوافل الخير وقد أجابوا عن تكفير الرجل المتألي عن يمينه الذي حنث فيه بأنه يحتمل أنه كفر ولم يرد ويحتمل أن يمينه كانت قبل نزول الكفارة قال النووي ويستحب لمن حلف ألا يفعل خيرا أن يحنث فيكفر عن يمينه
٣ - سرعة فهم الصحابة لمراد الشارع وطواعيتهم لما يشير إليه وحرصهم على فعل الخير
٤ - الصفح عما يجري بين المتخاصمين من اللغط ورفع الصوت عند الحاكم
٥ - جواز سؤال المديون الحطيطة من صاحب الدين خلافا لمن كرهه من المالكية واعتل بما فيه من تحمل المنة وقال النووي لا بأس بالسؤال
стр. 585
بالوضع والرفق لكن بشرط ألا ينتهي إلى الإلحاح وإهانة النفس أو الإيذاء ونحو ذلك
٦ - الشفاعة إلى أصحاب الحقوق وقبول الشفاعة في الخير
стр. 586
كتاب الشروط
١٨ - عن عقبة بن عامر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج
-[المعنى العام]-
يحث الرسول ﷺ على الوفاء بالشروط على وجه العموم ويحث بصفة خاصة على الوفاء بشروط النكاح لأن أمره أحوط وبابه أضيق فيقول أحق الشروط بالوفاء الشروط التي استحللتم بها فروج النساء
-[المباحث العربية]-
(أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) أحق مبتدأ والشروط مضاف إليه وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف والجار والمجرور متعلق بأحق وما موصولة خبر المبتدأ والتقدير أحق الشروط بالوفاء الذي استحللتم به الفروج
-[فقه الحديث]-
الشروط التي تشترط في النكاح لا تخرج عن أنواع ثلاثة
الأول شرط من مقتضيات عقد النكاح ومن مقاصده كاشتراط المهر والعشرة بالمعروف والكسوة والسكنى والنفقة والقسم ونحو ذلك
стр. 587
وحكمه أنه يجب الوفاء به باتفاق العلماء وعلى هذا النوع حمل بعض العلماء الحديث وفسروا أحق الشروط بأوجب الشروط وألزمها واستشكل ابن دقيق العيد حمل الحديث على هذا النوع وقال إن تلك الأمور واجبة في ذاتها فلا تأثير للشروط في إيجابها فلا تشتد الحاجة إلى تعليق الحكم باشتراطها وحمل الحديث على النوع الثالث الآتي بيانه
الثاني شرط هو مناف لمقتضى عقد النكاح كاشتراط ألا يمسها أو أن تكون العصمة بيدها أو أن تخرج من المنزل بدون إذنه متى تشاء فهذا الشرط لا يجب الوفاء به فلو وقع في صلب العقد بطل الشرط وصح العقد عند الأكثر وفي قول للشافعي يبطل العقد
الثالث شرط لا يقتضيه العقد ولا ينافيه أي ليس واجبا بقطع النظر عن الشرط كالنوع الأول ولا منهيا عنه كالنوع الثاني بل هو جائز في ذاته كاشتراط ألا يتزوج عليها أو ألا يسافر بها وقد اختلف العلماء في حكمه فمن قائل يلزمه الوفاء به كالشافعي وأحمد وبعض أهل العلم ومن قائل شرط الله قبل شرطها فللزوج ألا ينفذ هذا الشرط إذا أراد
стр. 588
كتاب الوصايا
الوصايا جمع وصية كالهدايا جمع هدية وتطلق على فعل الموصي وعلى ما يوصي به من مال وغيره كالعهد والاستخلاف وفي الشرع عهد خاص مضاف إلى ما بعد الموت كما تطلق شرعا على ما يقع به الزجر عن المنهيات والحث على المأمورات ومنه قوله تعالى ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ والمقصود في هذا الكتاب المعنى الأول وهو العهد بحق مالي أو غيره مضاف إلى ما بعد الموت وهي المعنية بقوله تعالى ﴿يوصيكم الله في أولادكم ... بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ وقوله تعالى ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين﴾
١٩ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده
-[المعنى العام]-
لكل أجل كتاب والموت يأتي غالبا فجأة أسبابه كلا أسباب قد يشفى العجوز المريض وقد يموت الشاب السليم تلك حقيقة يعلمها جميع العقلاء ومن هنا يجب الاستعداد له في أي لحظة وتوقعه في كل حين إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء واعمل لدنياك
стр. 589
كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا
ومن هنا كان الواجب على كل مسلم أن يبادر بالوصية اليوم قبل الغد والغد قبل ما بعد الغد كان عليه أن لا يبيت ليلة أو ليلتين إلا ووصيته جاهزة تامة موثقة فيرفع بها الخلاف بعد موته فيما خلف من ضياع أو تبعات ويحل بهذه الوصية عقدا ومشاكل تنشأ غالبا بين الورثة وغيرهم فهو أعلم من غيره بما يصلح في ماله وهو أعلم من غيره بمن يستحق ومن لا يستحق وهو صاحب المال وصاحب التصرف فعليه أن يصفي ما له وما عليه في حدود الشرع الحنيف حتى إذا فاجأه الموت لقي الله وهو متخلص من تبعات الحياة
-[المباحث العربية]-
(ما حق امرئ مسلم) أي لا ينبغي لامرئ مسلم ولا يحق له إلا أن يكتب وصيته فـ "ما" نافية ولفظ مسلم خرج مخرج الغالب والمسلمون مخاطبون بالشريعة أولا فليس المقصود إخراج غير المسلم من الحكم وقيل إن لفظ مسلم ذكر تهييجا وإثارة للامتثال لما يشعر به من أن من لم يفعل لا يكون مسلما
(له شيء) جملة من خبر ومبتدأ وقعت صفة ثانية لامرئ وفي بعض الروايات له مال وفي رواية شيء وهي أشمل لأنها تعم ما يتمول وما لا يتمول كالاختصاصات فقد يوصي بالإشراف مثلا
(يوصي فيه) هو بفتح الصاد والجملة صفة لشيء
(يبيت ليلتين) الجملة صفة ثالثة لامرئ وقدر بعضهم محذوفا آمنا أو ذاكرا أو مريضا وعدم التقدير أولى أي يقع منه المبيت في حياة وذكر الليلتين للتقريب لا للتحديد ففي بعض الروايات يبيت ليلة أو ليلتين وفي بعضها يبيت ثلاث ليال والمراد لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلا إلا ووصيته مكتوبة قال الطيبي في تخصيص الليلتين والثلاث بالذكر تسامح في إرادة المبالغة أي لا ينبغي أن يبيت زمانا ما وقد سامحناه في الليلتين
стр. 590
والثلاث فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك
(إلا ووصيته مكتوبة عنده) قيل إن الواو زائدة والجملة من المبتدأ والخبر خبر حق وبعد رفع النفي والاستثناء يصبح التقدير حق امرئ مسلم بات ليلتين كتابة وصيته وقيل إن الواو للحال والجملة حال من فاعل يبيت وجملة يبيت خبر بتقدير أن المصدرية وقيل بدونها والتقدير ما حق امرئ مسلم أن يبيت ليلتين على حال من الأحوال إلا على حال كتابته وصيته وقد جاء في بعض الروايات حق على كل مسلم أن لا يبيت ليلتين وله ما يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده وفي بعضها لا ينبغي للمسلم أن يبيت وفي بعضها لا يحل لامرئ مسلم
-[فقه الحديث]-
في حكم الوصية وكونها واجبة أو مندوبة خلاف بين الفقهاء فقد حكي عن الشافعي في القديم أنها واجبة وبه قال الزهري وعطاء وإسحاق وداود وابن جرير وآخرون واستدلوا بظاهر الآية ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية ... ﴾ وبظاهر الحديث ما حق امرئ مسلم إلخ وبرواية لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده
واختلف القائلون بالوجوب فأكثرهم ذهب إلى وجوبها في الجملة وذهب بعضهم إلى وجوبها للقرابة الذين لا يرثون خاصة قالوا فإن أوصى لغير قرابته لم تنفذ ويرد الثلث كله إلى قرابته
وجمهور الفقهاء على نفي الوجوب ونسب ابن عبد البر القول بعدم الوجوب إلى الإجماع سوى من شذ
واستدل لعدم الوجوب بأن الميت لو لم يوص لقسم جميع ماله بين ورثته بالإجماع فلو كانت الوصية واجبة لأخرج من ماله جزء ينوب عن الوصية كما أجاب الجمهور عن الآية بأنها منسوخة ففي البخاري عن ابن عباس قال كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين فنسخ الله من ذلك
стр. 591
ما أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس وجعل للمرأة الثمن والربع وللزوج الشطر والربع
وأجاب القائلون بالوجوب بأن الذي نسخ الوصية للوالدين والأقارب الذين يرثون وأما الذي لا يرث فليس في الآية ولا في تفسير ابن عباس ما يقتضي النسخ في حقه
وأجاب القائلون بعدم الوجوب عن الحديث بأن قوله ما حق امرئ مراد به الحزم والاحتياط لأنه قد يفجؤه وهو على غير وصية ولا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له أو قالوا الحق لغة الشيء الثابت ويطلق شرعا على ما ثبت به الحكم والحكم الثابت قد يكون واجبا وقد يكون مندوبا وقد يطلق على المباح أيضا لكن بقلة فإن اقترن به لفظ على أو نحوها كان ظاهرا في الوجوب وإلا فهو على الاحتمال وعلى هذا فلا حجة في الحديث لمن قال بالوجوب بل اقترن هذا الحق بما يدل على الندب وهو تفويض الوصية إلى إرادة الموصي حيث قال في بعض الروايات له شيء يريد أن يوصي فيه فلو كانت واجبة لما علقها بإرادته
وأجابوا أيضا عن رواية لا يحل باحتمال أن يكون راويها ذكرها بالمعنى وأراد بنفي الحل ثبوت الأعم بما يدخل تحته الواجب والمندوب
واختلف القائلون بأن الوصية مندوبة فذهب بعضهم إلى مشروعيتها في المال الكثير دون من له مال قليل بل قال ابن عبد البر أجمعوا على أن من لم يكن عنده إلا اليسير التافه من المال أنه لا تندب له الوصية
قال الحافظ ابن حجر وفي نقل الإجماع نظر فالثابت عن الزهري أنه قال جعل الله الوصية حقا فيما قل وكثر والمصرح به عند الشافعية ندبية الوصية من غير تفريق بين قليل وكثير نعم قال بعضهم إن كان المال قليلا والعيال كثيرا استحب له توفرته عليهم يعني لا يوصى لقريب غير وارث ما دام المال قليلا بالنسبة للورثة
стр. 592
وقد تكون الوصية بغير مال كأن يعين من ينظر في مصالح أولاده أو يعهد إليهم بما يفعلونه من بعده من مصالح دينهم ودنياهم وهذا النوع لا خلاف في ندبيته
وجمع بعضهم بين القائلين بوجوب الوصية والقائلين بندبيتها فقال إن وجوب الوصية يختص بمن عليه حق شرعي يخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوص به كوديعة ودين الله أو لآدمي إذا كان عاجزا عن تنجيز ما عليه وتكون مندوبة فيمن رجا منها كثرة الأجر وتكون مكروهة في عكس ذلك وتكون مباحة فيما استوى الأمران فيه ومحرمة فيما إذا كان فيها إضرار فقد ثبت عن ابن عباس الإضرار في الوصية من الكبائر
ويجرنا الحديث إلى الوصية لوارث وإلى تفضيل بعض الورثة على بعض وقد روى داود والترمذي وغيرهما قوله ﷺ في حجة الوداع إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ومعنى عدم صحة وصية الوارث عدم اللزوم لأن أكثر الفقهاء على أنها حينئذ موقوفة على إجازة الورثة والمعتمد إجازتهم لها بعد وفاة الموصي سواء أجازوا قبل وفاته أم لم يجيزوا فقد يكون الواحد منهم في حاجة إلى معروف الموصي وعطائه فيوافق حرجا على الوصية في حياته فإن لمثل هذا الرجوع فكذا يحق الرجوع بعد الوفاة لكل من أجاز في الحياة لوارث
ويصبح الحكم واضحا في تفضيل بعض الورثة على بعض فإن كان تنجيزها في حياة المورث صحت ونفذت مع الإثم عند جمهور الفقهاء وله باب خاص في كتاب الهبة وإن كان وصية محالة لما بعد الموت فقد وضحنا رأي جمهور العلماء وأنها لا تنفذ إلا بإجازة جميع الورثة والله أعلم
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - قالوا إن قوله ما حق امرئ مسلم بعد اعتبار قيد مسلم للتهييج لا للاحتراز لا يمنع من صحة وصية الكافر في الجملة
стр. 593
قال ابن السبكي مع أن الوصية شرعت زيادة في العمل الصالح والكافر لا عمل له بعد الموت لكنهم نظروا إلى أن الوصية كالإعتاق وهو يصح من الذمي والحربي
٢ - أخذ بعضهم من قوله إلا ووصيته مكتوبة عنده جواز الاعتماد على الكتابة والخط ولو لم يقترن ذلك بالشهادة قالوا لأن كتابة الرجل بخطه إن لم تكن أقوى من الشهادة فهي تعادلها وخص أحمد وبعض الشافعية ذلك بالوصية من بين المعاملات لثبوت الخبر فيها دون غيرها من الأحكام والجمهور على أن الكتابة لا تكفي عن الشهادة والكتابة ذكرت هنا لما فيها من ضبط المشهود به فهي مساعدة للشهادة لا نائبة عنها فمعنى ووصيته مكتوبة عنده أي بشروطها ومنها الإشهاد عليها يؤكد ذلك قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم﴾
٣ - استحباب التعجيل بالوصية ولو غيرها كل يوم بتغير الأموال ومصاريفها وقد ثبت في مسلم عن ابن عباس قال لم أبت ليلة أي منذ سمعت الحديث إلا ووصيتي مكتوبة عندي
٤ - ومن قوله ووصيته مكتوبة عنده أن الوصية تنفذ وإن كانت عند صاحبها ولم يجعلها عند غيره
٥ - فيه الحث على التأهب للموت والاحتياط له بالوصية ونحوها
٦ - أخذ بعضهم من قوله ما حق امرئ أن المراد بالمرء الرجل فمنع وصية الصبي المميز والجمهور على جوازها وأن التعبير بالمرء للغالب ولذا تصح وصية المرأة ولا يشترط إسلام ولا رشد ولا ثيوبة ولا إذن زوج وإنما اشترط في صحتها العقل والحرية والله أعلم
стр. 594
٢٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رجل للنبي ﷺ يا رسول الله أي الصدقة أفضل قال أن تصدق وأنت صحيح حريص تأمل الغنى وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من
стр. 595
الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون﴾ وهكذا ينسى الإنسان الموت في غمرة زينة الحياة الدنيا من المال والبنين ينسى أن يتصدق أو يصعب عليه أن يتصدق حتى إذا أحس بالموت وبمقدماته بدأ وأسرع في الصدقات ومثل هذا الإنسان كمن لا يعرف ربه إلا عند الغرق وما ينفقه في أواخر حياته ليس في الثواب كالذي ينفقه وهو في زهرة حياته وفي قوة حرصه على جمع المال وفي طول آماله لعمارة دنياه وفي ثورة تزيين الشيطان له من طول العمر والحاجة إلى المال وخشية الفقر إنها فرصة البخل وزمانه ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم﴾ نعم الصدقة بالقرش من الصحيح السليم خير من المائة من المريض المشارف على الموت وصدق التشبيه المروي عن أبي الدرداء مرفوعا مثل الذي يعتق ويتصدق عند موته مثل الذي يهدي إذا شبع وصدق ما رواه أبو سعيد الخدري مرفوعا لأن يتصدق الرجل في حياته وصحته بدرهم خير له من أن يتصدق عند موته بمائة
وهكذا يوضح الحديث فضل صدقة الصحة والحرص ويحذر من التراخي والإمهال فيها حتى يقرب الموت وفي هذا المعنى يقول الحديث القدسي عبدي أنى تعجزني وقد خلقتك من نطفة حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان كذا وتصدقوا بكذا أي أقر أن لفلان كذا أو تصدقوا على فلان بكذا أو أوصي لفلان من الأقارب من غير الورثة بكذا ولفلان بكذا وقد أصبح لفلان عندي كذا تقول عند الموت هذا القول في حين أن المال الذي توزعه وتتكلم عنه صار أمره إلى فلان من الورثة ولم يعد من حقك أن تتصرف فيه
-[المباحث العربية]-
(جاء رجل) يحتمل أن يكون أبا ذر ففي مسند أحمد أنه سأل أي الصدقة أفضل وفي الطبراني عن أبي أمامة أن أبا ذر سأل عن أي الصدقة أفضل فأجيب
стр. 596
(أي الصدقة أفضل) في رواية أي الصدقة أعظم أجرا
(أن تصدق) بفتح الصاد مخففة وتشديد الدال وأصله تتصدق فحذفت إحدى التاءين تخفيفا وفي رواية بتشديد الصاد والدال وأصله تتصدق أيضا فأدغمت إحدى التاءين في الصاد بعد قلبها صادا
(وأنت صحيح حريص) في رواية وأنت صحيح شحيح والشح بخل مع حرص والحرص دافع إلى الشح فالمعنيان متقاربان والمراد من الصحة في صحيح من لم يدخل في مرض مخوف فيتصدق عند انقطاع أمله من الحياة وليس القصد أن الحرص أو الشح سبب في أفضلية الإنفاق فيكون ممدوحا ولكن أفضلية الإنفاق حينئذ لما فيه من مجاهدة النفس على إخراج المال مع قيام المانع وهو الصحة والشح أو الحرص
(تأمل الغنى) بضم الميم أي تطمع في الغنى
(ولا تمهل) بسكون اللام على الجزم بـ لا الناهية وبرفعها على أن لا نافية وبالنصب بأن مضمرة
(حتى إذا بلغت الحلقوم) الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود على النفس والروح وإن لم يسبق لها ذكر اكتفاء بدلالة السياق والحلقوم مجرى التنفس وهو آخر مجرى النفس عند خروجها والمراد من بلوغها الحلقوم قرب بلوغها لأنها لو بلغت بالفعل لم يقبل منها
(قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان) فلان الأول والثاني الموصى له وفلان الثالث الوارث والمعنى قلت أوصي لفلان بكذا ولفلان بكذا وأنه أصبح المال حقا لفلان الوارث ولم يعد حقا لك حتى توزعه ويحتمل أن يكون الأول والثاني المورث والثالث الموصى له أي قلت لفلان الوارث من مالي كذا ولي من مالي كذا ولفلان من الأقارب غير الورثة كذا ويحتمل أن يكون بعضها وصية وبعضها إقرارا أي أوصي لفلان من الأقارب غير الورثة بكذا وأقر أن لفلان عندي كذا وقد آل الأمر في المال للورثة إن أجازوه نفذ وإلا فلا
стр. 597
-[فقه الحديث]-
وضع البخاري هذا الحديث تحت باب الصدقة عند الموت من كتاب الوصية وقال الشراح أي جوازها وإن كانت في حال الصحة أفضل ووضعه تحت باب فضل صدقة الشحيح الصحيح من كتاب الزكاة ولا خلاف أن الصدقة عند الموت قبل الغرغرة مقبولة فالكلام في المفاضلة بين الصدقة في الحالين
ولا خلاف أيضا أن الصدقة في حال الحرص أفضل منها في مرض الموت لأن الإنسان في حال الصحة يصعب عليه إخراج المال غالبا لما يخوفه به الشيطان ويزين له من إمكان طول العمر والحاجة إلى المال فالسماح في هذه الحالة بالصدقة أصدق في النية وأعظم في الأجر بخلاف من يئس من الحياة ورأى مصير المال لغيره
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - حرص الصحابة على التسابق في الخيرات والمسارعة إلى الأفضل من الطاعات
٢ - التحذير من التسويف بالإنفاق استبعادا لحلول الأجل واشتغالا بطول الأمل
٣ - الترغيب في المبادرة بالصدقة قبل هجوم المنية وفوات الأمنية
٤ - أن المرض يقصر يد المالك عن بعض ملكه وأن سخاوته بالمال في مرضه لا تمحو عنه وصمة البخل والشح التي لحقته في صحته
стр. 598
٢١ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات
-[المعنى العام]-
يستخدم رسول الله ﷺ أسلوب الإثارة والرعب والتخويف من الكبائر يدخل الهيبة يثير الفزع في نفوس أصحابه بالوصف الشنيع إجمالا فيتلهفون إلى التفصيل فيعطونه فيستقر في نفوسهم ويثبت عظمه في قلوبهم قال مرة ألا أنبئكم بأكبر الكبائر وما يقصد سؤالهم ليجيبوا ولكن يقصد تهيئتهم للأمر الكبير وفي هذا الحديث يقول اجتنبوا واحذروا القرب من السبع المهلكات ويرتاع الصحابة وتقشعر أبدانهم من هذا الوصف المخيف يقول قائلهم وما هن يا رسول الله يقول أولها الشرك بالله الخالق القادر واهب الحياة وسابغ النعم وثانيها السحر والتغرير وخداع المسلمين وتزوير خلق الله وثالثها قتل النفس المعصومة التي حرم الله قتلها ورابعها أكل مال اليتيم واستغلال ضعفه وعجزه عن الدفاع عن نفسه وخامسها أكل الربا واستغلال حاجة المحتاج والزيادة عليه في
стр. 599
القرض وسادسها الفرار جبنا أمام أعداء الإسلام حين القتال وسابعها الاستهتار بأعراض المسلمين وتناولهم باللسان وطعنهم وقذفهم بالزنا من غير بينة
والحق أن كل كبيرة مما بعد الشرك تهز بنيان المجتمع وتنخر في عظامه وتقوض صرحه وتفتت تماسكه وتوقد النار التي تأتي عليه ولا تبقي فيه ولا تذر وما وصل المسلمون في هذه الأيام إلى ما وصلوا إليه من الذلة والهوان إلا ببعدهم عن تعاليم الدين الحنيف
-[المباحث العربية]-
(اجتنبوا السبع الموبقات) أي ابتعدوا عنها وهو أبلغ من اتركوا والموبقات المهلكات من وبق بفتح الباء إذا هلك ومنه قوله تعالى ﴿وجعلنا بينهم موبقا﴾ ووصفت الكبائر بالمهلكات لأنها سبب إهلاك مرتكبها
(السحر) ويطلق على ما لطف ودق ومنه سحر العيون لاستمالتها النفوس والطبيعة ساحرة وحديث إن من البيان لسحرا ويطلق على ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها كما يفعل المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده
(وأكل مال اليتيم) المراد من الأكل الاستيلاء لا خصوص الأكل وعبر عنه بالأكل لأنه الغالب واليتم لغة الانفراد واليتيم في الأناس من فقد أباه وفي البهائم من فقد أمه بشرط الصغر فيهما وقال الزمخشري ولا يشترط الصغر لغة وحديث لا يتم بعد بلوغ تعليم شريعة لا تعليم لغة
(وأكل الربا) أي تعاطيه بالأخذ أو الإعطاء والربا لغة الزيادة من ربا يربو أي زاد
(والتولي يوم الزحف) التولي الانصراف والفرار ويوم الزحف يوم القتال
стр. 600
(وقذف المحصنات) أي رميهن بالزنا وأصل القذف الرمي البعيد
و"المحصنات" بكسر الصاد وفتحها قراءتان سبعيتان وقد ورد الإحصان في الشرع على خمسة أقسام العفة والإسلام والنكاح والتزويج والحرية والمراد هنا الحرائر العفيفات
(الغافلات) عن الفواحش أو عما قذفن به ووصف الغافلات لتغليظ الذنب ليس قيدا للاحتراز يبيح قذف غير الغافلات
-[فقه الحديث]-
يتعرض الحديث لسبع من أكبر الكبائر أولها الشرك بالله ولا خلاف في أنه أكبر الكبائر على الإطلاق وإنما الخلاف فيما يليه من الكبائر ففي بعض الأحاديث يليه القتل بغير حق وفي بعضها يليه عقوق الوالدين وفي حديثنا يليه السحر قال بعضهم في الجمع بين الأحاديث يضم ما جعل ثاني الشرك في حديث إلى ما جعل ثانيا في الحديث الآخر ويجعلان في درجة واحدة من الإثم وكذا ما جعل ثالثا
والتحقيق أن الشيء الواحد قد يختلف في الإثم باختلاف ظروفه وملابساته وما يترتب عليه من مفاسد فالعقوق بالضرب كبيرة ولا يساويه العقوق بمخالفة أمرهما في الأكل مثلا وقتل النفس الصالحة التي تختل بقتلها أمور المسلمين كبيرة ولا يساويه قتل نفس فاجرة ترتاح من شرورها كثرة من الآمنين
فاختلف جوابه ﷺ في ترتيب الكبائر التي تلي الشرك لأن كلا مما يليه في بعض الروايات يكون أحق بأن يكون ثانيا في بعض الأحوال
ولا انحصار لأكبر الكبائر ولا للموبقات في عدد معين كما أنه لا انحصار للكبائر كذلك في عدد محدود ومما ورد النص بكونه كبيرة غير ما ذكر في حديثنا عقوق الوالدين وشهادة الزور واليمين الفاجرة والإلحاد في الحرم أو استحلال البيت الحرام وشرب الخمر والسرقة وفراق الجماعة والغلول والزنا والغيبة والنميمة وكثير غير ما ذكر
следующие страницы →