← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14106

المنهل الحديث في شرح الحديث

موسى شاهين لاشين

Полный текст (1 103 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

(أي الصدقة أفضل) في رواية أي الصدقة أعظم أجرا (أن تصدق) بفتح الصاد مخففة وتشديد الدال وأصله تتصدق فحذفت إحدى التاءين تخفيفا وفي رواية بتشديد الصاد والدال وأصله تتصدق أيضا فأدغمت إحدى التاءين في الصاد بعد قلبها صادا (وأنت صحيح حريص) في رواية وأنت صحيح شحيح والشح بخل مع حرص والحرص دافع إلى الشح فالمعنيان متقاربان والمراد من الصحة في صحيح من لم يدخل في مرض مخوف فيتصدق عند انقطاع أمله من الحياة وليس القصد أن الحرص أو الشح سبب في أفضلية الإنفاق فيكون ممدوحا ولكن أفضلية الإنفاق حينئذ لما فيه من مجاهدة النفس على إخراج المال مع قيام المانع وهو الصحة والشح أو الحرص (تأمل الغنى) بضم الميم أي تطمع في الغنى (ولا تمهل) بسكون اللام على الجزم بـ لا الناهية وبرفعها على أن لا نافية وبالنصب بأن مضمرة (حتى إذا بلغت الحلقوم) الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود على النفس والروح وإن لم يسبق لها ذكر اكتفاء بدلالة السياق والحلقوم مجرى التنفس وهو آخر مجرى النفس عند خروجها والمراد من بلوغها الحلقوم قرب بلوغها لأنها لو بلغت بالفعل لم يقبل منها (قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان) فلان الأول والثاني الموصى له وفلان الثالث الوارث والمعنى قلت أوصي لفلان بكذا ولفلان بكذا وأنه أصبح المال حقا لفلان الوارث ولم يعد حقا لك حتى توزعه ويحتمل أن يكون الأول والثاني المورث والثالث الموصى له أي قلت لفلان الوارث من مالي كذا ولي من مالي كذا ولفلان من الأقارب غير الورثة كذا ويحتمل أن يكون بعضها وصية وبعضها إقرارا أي أوصي لفلان من الأقارب غير الورثة بكذا وأقر أن لفلان عندي كذا وقد آل الأمر في المال للورثة إن أجازوه نفذ وإلا فلا

стр. 597

-[فقه الحديث]- وضع البخاري هذا الحديث تحت باب الصدقة عند الموت من كتاب الوصية وقال الشراح أي جوازها وإن كانت في حال الصحة أفضل ووضعه تحت باب فضل صدقة الشحيح الصحيح من كتاب الزكاة ولا خلاف أن الصدقة عند الموت قبل الغرغرة مقبولة فالكلام في المفاضلة بين الصدقة في الحالين ولا خلاف أيضا أن الصدقة في حال الحرص أفضل منها في مرض الموت لأن الإنسان في حال الصحة يصعب عليه إخراج المال غالبا لما يخوفه به الشيطان ويزين له من إمكان طول العمر والحاجة إلى المال فالسماح في هذه الحالة بالصدقة أصدق في النية وأعظم في الأجر بخلاف من يئس من الحياة ورأى مصير المال لغيره -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - حرص الصحابة على التسابق في الخيرات والمسارعة إلى الأفضل من الطاعات ٢ - التحذير من التسويف بالإنفاق استبعادا لحلول الأجل واشتغالا بطول الأمل ٣ - الترغيب في المبادرة بالصدقة قبل هجوم المنية وفوات الأمنية ٤ - أن المرض يقصر يد المالك عن بعض ملكه وأن سخاوته بالمال في مرضه لا تمحو عنه وصمة البخل والشح التي لحقته في صحته

стр. 598

٢١ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات -[المعنى العام]- يستخدم رسول الله ﷺ أسلوب الإثارة والرعب والتخويف من الكبائر يدخل الهيبة يثير الفزع في نفوس أصحابه بالوصف الشنيع إجمالا فيتلهفون إلى التفصيل فيعطونه فيستقر في نفوسهم ويثبت عظمه في قلوبهم قال مرة ألا أنبئكم بأكبر الكبائر وما يقصد سؤالهم ليجيبوا ولكن يقصد تهيئتهم للأمر الكبير وفي هذا الحديث يقول اجتنبوا واحذروا القرب من السبع المهلكات ويرتاع الصحابة وتقشعر أبدانهم من هذا الوصف المخيف يقول قائلهم وما هن يا رسول الله يقول أولها الشرك بالله الخالق القادر واهب الحياة وسابغ النعم وثانيها السحر والتغرير وخداع المسلمين وتزوير خلق الله وثالثها قتل النفس المعصومة التي حرم الله قتلها ورابعها أكل مال اليتيم واستغلال ضعفه وعجزه عن الدفاع عن نفسه وخامسها أكل الربا واستغلال حاجة المحتاج والزيادة عليه في

стр. 599

القرض وسادسها الفرار جبنا أمام أعداء الإسلام حين القتال وسابعها الاستهتار بأعراض المسلمين وتناولهم باللسان وطعنهم وقذفهم بالزنا من غير بينة والحق أن كل كبيرة مما بعد الشرك تهز بنيان المجتمع وتنخر في عظامه وتقوض صرحه وتفتت تماسكه وتوقد النار التي تأتي عليه ولا تبقي فيه ولا تذر وما وصل المسلمون في هذه الأيام إلى ما وصلوا إليه من الذلة والهوان إلا ببعدهم عن تعاليم الدين الحنيف -[المباحث العربية]- (اجتنبوا السبع الموبقات) أي ابتعدوا عنها وهو أبلغ من اتركوا والموبقات المهلكات من وبق بفتح الباء إذا هلك ومنه قوله تعالى ﴿وجعلنا بينهم موبقا﴾ ووصفت الكبائر بالمهلكات لأنها سبب إهلاك مرتكبها (السحر) ويطلق على ما لطف ودق ومنه سحر العيون لاستمالتها النفوس والطبيعة ساحرة وحديث إن من البيان لسحرا ويطلق على ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها كما يفعل المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده (وأكل مال اليتيم) المراد من الأكل الاستيلاء لا خصوص الأكل وعبر عنه بالأكل لأنه الغالب واليتم لغة الانفراد واليتيم في الأناس من فقد أباه وفي البهائم من فقد أمه بشرط الصغر فيهما وقال الزمخشري ولا يشترط الصغر لغة وحديث لا يتم بعد بلوغ تعليم شريعة لا تعليم لغة (وأكل الربا) أي تعاطيه بالأخذ أو الإعطاء والربا لغة الزيادة من ربا يربو أي زاد (والتولي يوم الزحف) التولي الانصراف والفرار ويوم الزحف يوم القتال

стр. 600

(وقذف المحصنات) أي رميهن بالزنا وأصل القذف الرمي البعيد و"المحصنات" بكسر الصاد وفتحها قراءتان سبعيتان وقد ورد الإحصان في الشرع على خمسة أقسام العفة والإسلام والنكاح والتزويج والحرية والمراد هنا الحرائر العفيفات (الغافلات) عن الفواحش أو عما قذفن به ووصف الغافلات لتغليظ الذنب ليس قيدا للاحتراز يبيح قذف غير الغافلات -[فقه الحديث]- يتعرض الحديث لسبع من أكبر الكبائر أولها الشرك بالله ولا خلاف في أنه أكبر الكبائر على الإطلاق وإنما الخلاف فيما يليه من الكبائر ففي بعض الأحاديث يليه القتل بغير حق وفي بعضها يليه عقوق الوالدين وفي حديثنا يليه السحر قال بعضهم في الجمع بين الأحاديث يضم ما جعل ثاني الشرك في حديث إلى ما جعل ثانيا في الحديث الآخر ويجعلان في درجة واحدة من الإثم وكذا ما جعل ثالثا والتحقيق أن الشيء الواحد قد يختلف في الإثم باختلاف ظروفه وملابساته وما يترتب عليه من مفاسد فالعقوق بالضرب كبيرة ولا يساويه العقوق بمخالفة أمرهما في الأكل مثلا وقتل النفس الصالحة التي تختل بقتلها أمور المسلمين كبيرة ولا يساويه قتل نفس فاجرة ترتاح من شرورها كثرة من الآمنين فاختلف جوابه ﷺ في ترتيب الكبائر التي تلي الشرك لأن كلا مما يليه في بعض الروايات يكون أحق بأن يكون ثانيا في بعض الأحوال ولا انحصار لأكبر الكبائر ولا للموبقات في عدد معين كما أنه لا انحصار للكبائر كذلك في عدد محدود ومما ورد النص بكونه كبيرة غير ما ذكر في حديثنا عقوق الوالدين وشهادة الزور واليمين الفاجرة والإلحاد في الحرم أو استحلال البيت الحرام وشرب الخمر والسرقة وفراق الجماعة والغلول والزنا والغيبة والنميمة وكثير غير ما ذكر

стр. 601

ولنقتصر على شرح ما ورد في حديثنا بعد كبيرة الشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ١ - فالسحر اختلف في حقيقته الفقهاء فبعض الشافعية وبعض الحنفية وابن حزم الظاهري على أنه تخييل فقط ولا حقيقة له في المرائي ولا يغير حقائق الأشياء المرئية ويؤيدهم ظاهر قوله تعالى ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ وقال الجمهور إن للسحر حقيقة واختلفوا فذهب جمهورهم إلى أن حقيقته في الشخص المقصود بحيث يغير مزاجه ويؤثر في حواسه ووجدانه فيرى الحلو مرا والأبيض أصفر والساكن متحركا والجميل قبيحا والمحبوب مكروها وهذا الرأي قريب من الأول وذهبت طائفة قليلة إلى أنه يحول الشيء من حقيقة إلى حقيقة أخرى كأن يصير الجماد حيوانا مثلا وعكسه وهذا الرأي ضعيف والفرق بين السحر والكرامة على القول بأن للسحر حقيقة أن السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد أما الكرامة فلا تحتاج إلى ذلك هذا بالإضافة إلى أن السحر لا يكون إلا من فاسق عند الجمهور أما إنكار السحر إنكارا كليا فهو مكابرة فالآيات والأحاديث المثبتة له لا يسهل تأويلها ومع هذا ينبغي ألا نغفل عن أن كثيرا مما يطلق عليه سحر مما يفعله المشعوذة والدجالون في عصرنا لا حقيقة له وهو نصب واحتيال ينبني على خداع الجهلة والبسطاء بخفة في الحركة أو استخدام لخواص الأشياء التي يجهلها الراءون وأما حكم السحر فقد قال النووي عمل السحر حرام وهو من الكبائر ومنه ما يكون كفرا ومنه ما لا يكون كفرا وأما تعلمه وتعليمه فحرام وعن مالك الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب بل يتحتم قتله

стр. 602

كالزنديق قال عياض وبقول مالك قال أحمد وجماعة من الصحابة والتابعين وقال الحافظ ابن حجر وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين إما لتمييز ما فيه كفر عن غيره وإما لإزالته عمن وقع فيه ٢ - وأما أكل مال اليتيم ففيه يقول الله تعالى ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ ولا خلاف في أن أكل الأجنبي من مال اليتيم كبيرة، قل الأكل أو كثر وإنما الخلاف في ولي اليتيم والقائم على ماله هل له أن يأكل منه أو لا؟ وظاهر الحديث العموم وبه قال قوم والجمهور على أن للولي أن يأكل من مال اليتيم بقدر عمالته في مال اليتيم وإلى هذا الرأي نميل والتفاصيل والأدلة لا يتسع لها المقام وقد ذكرناها في كتابنا فتح المنعم شرح صحيح مسلم ٣ - وأما الربا ففي تحريمه يقول الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ ولا خلا ف بين العلماء في أن الربا من الكبائر آكله وموكله ويلحق بهما شاهداه وكاتبه لإعانتهم على أكله وقد جاء في صحيح مسلم من حديث جابر لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم في الإثم سواء ٤ - وأما التولي يوم الزحف ففيه يقول الله تعالى ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ وقد نزلت هذه الآية بشأن أهل بدر وقد أمر المسلمون أن يقف الواحد منهم أمام عشرة من الكفار بقوله تعالى ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون﴾ ثم خفف الله عن الأمة بقوله ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين﴾ فرفع الحرج عن المتولي يوم الزحف إذا بلغ عدد العدو أكثر من الضعف والتولي الذي هو كبيرة هو التولي ساعة القتال أو بعد دخول العدو أرض المسلمين أما

стр. 603

التولي بعد الدخول في أرض العدو وقبل القتال ففي كونه كبيرة نظر والظاهر أنه وإن حرم لا يبلغ حرمة الكبائر ٥ - أما قذف المحصنات ففيه يقول الله تعالى ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾ والمراد القذف بالزنا خاصة أما القذف بغير الزنا كالرمي بالسرقة والقتل وشهادة الزور ونحوها فهو حرام لكنه ليس من هذا القبيل من الكبائر ولا يختص القذف بالمتزوجات بل حكم البكر كذلك بالإجماع كذلك انعقد الإجماع على أن حكم قذف المحصن من الرجال كحكم قذف المحصنة من النساء هذا وهناك ذنوب لم تذكر في أكبر الكبائر ولا في السبع الموبقات مع أنها أعظم من بعض ما ذكر كشتم الرب وشتم رسول الله ﷺ وإلقاء المصحف في قاذورة وكذا لو أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها أو أمسك مسلما لمن يقتله وكذا لو دل الكفار على عورات المسلمين مع علمه أنهم يستأصلون بدلالته فإن مفسدة ذلك أعظم من مفسدة أكل مال اليتيم مثلا وأمام هذا نحتاج إلى جواب عن الحكمة في الاقتصار على سبع وأجيب بأن مفهوم العدد ليس بحجة والأحسن أن يقال إن الاقتصار وقع بحسب المقام وما ذكر إنما هو تنبيه على ما لم يذكر وفي هذا يقول ابن عبد السلام إذا أردت أن تعرف الكبيرة فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها فإن نقصت على أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر وإن سايرت أدنى مفاسد الكبائر أو زادت عليه فهي من الكبائر -[يؤخذ من الحديث: ]- ١ - أن المعاصي مهلكة لصاحبها في الدنيا والآخرة ٢ - التشويق بذكر العدد والتخويف منه قبل بيانه وتفصيله ليتمكن في النفس فضل تمكن ٣ - التحذير من السبع الموبقات

стр. 604

كتاب الجهاد فضل الجهاد والسير ٢٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال دلني على عمل يعدل الجهاد قال لا أجده قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر قال ومن يستطيع ذلك قال أبو هريرة إن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسنات -[المعنى العام]- لما دخل الإسلام قلوب الصحابة وامتزج بأرواحهم ودمائهم أخذوا يتنافسون في عمل الصالحات ويسألون رسول الله ﷺ عن أفضل القربات التي ترفع من درجاتهم عند الله فأبو ذر يسأل رسول الله ﷺ عن أفضل الأعمال فيجيبه رسول الله ﷺ بقوله أفضل الأعمال الإيمان بالله فيقول له ثم ماذا؟ فيقول ثم جهاد في سبيل الله ويستقر في نفوسهم فضل الجهاد وأنه أعلى أعمال البر والخير لكن الجهاد ليس ميسورا لكل أحد فهو غير مشروع للنساء وقد رفع الحرج بالنسبة له على الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون فكيف يحصل هؤلاء من الثواب ما يعوضهم عن ثواب الجهاد إن النساء قد وعدهن رسول الله ﷺ بأن حسن تبعل المرأة لزوجها وقيامها على بيت المجاهد وحفظها لأمواله وأولاده يعدل

стр. 605

الجهاد ويتيح لها مشاركته في أجره فما هو البديل للرجال الذين لا يستطيعون الجهاد؟ هذا سائل يسأل رسول الله ﷺ فيقول يا رسول الله دلني على عمل يعدل الجهاد ويساويه في الأجر والثواب فيقول ﷺ لا أجده ولا أجد ما يسد مسد الجهاد ويعطي ثوابه لأنه لا يوجد العمل الذي يساوي بيع النفس والمال والأهل ويقف المعذور الذي حال حائل بينه وبين الجهاد آسفا يتحسر ويفتح له رسول الله ﷺ باب الأمل والعمل ويصور له أجر المجاهد ويقول له هل تستطيع أن تقضي المدة التي يقضيها المجاهد خارج داره صائما النهار قائما الليل صياما لا فطور فيه وقياما لا فتور فيه فيقول الرجل لا أستطيع ولا يستطيعه أحد فيقول فذلك مثل المجاهد -[المباحث العربية]- (دلني على عمل يعدل الجهاد) أي يساويه ويماثله في الأجر والجهاد في اللغة المشقة يقال جهدت جهادا أي بلغت المشقة وشرعا بذل الجهد في قتال الكفار ويطلق أيضا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين ثم على العمل بها ثم على تعليمها وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع إغوائه وتزيينه وأما مجاهدة الفساق فبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومجاهدة الكفار تكون باليد والقتال وتكون بالمال وتكون باللسان وتكون بالقلب والمراد هنا الأول (لا أجده) أي لا أجد العمل الذي يعدل الجهاد في الأجر أي لا يوجد أصلا وليس المعنى أنه موجود ولا أحصل عليه (أن تدخل مسجدك) الذي تصلي فيه فالإضافة لأدنى ملابسة (فتقوم) أي فتقوم فيه الليل كله بالصلاة والذكر والدعاء بنشاط وقوة ويقظة

стр. 606

(ولا تفتر) أي ولا تكسل ولا تضعف (وتصوم) أي النهار منذ يخرج المجاهد (ولا تفطر) يوما من أيام غيابه عن أهله هذا هو المراد وليس المقصود الصيام دون إفطار في الليل مدة غيابه لأنه لطول المدة مستحيل غير مقدور عليه فلا يسأل عنه وفي الكلام ذكر للبداية وحذف للنهاية اعتمادا على المقام والأصل إذا خرج المجاهد إلى أن يرجع (ومن يستطيع ذلك) استفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا يستطيع أحد ذلك وهذه الرواية أقوى في الدلالة على فضيلة الجهاد وعظمة أجره من رواية لا أستطيع ذلك -[فقه الحديث]- هذا الحديث وحديث عائشة في البخاري قالت يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد قال لكن أفضل الجهاد حج مبرور وفي رواية جهادكن الحج هذان الحديثان صريحان في أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله لكن يشكل عليهما حديث ابن مسعود في البخاري سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل قال الصلاة على ميقاتها قلت ثم أي قال ثم بر الوالدين قلت ثم أي قال الجهاد في سبيل الله فقد جعل هذا الحديث الجهاد بعد الصلاة وبعد بر الوالدين وحديث ابن عباس مرفوعا ما العمل في أيام أفضل منه في هذه يعني أيام العشر قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء وحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء مرفوعا ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم أو يضربوا أعناقكم قالوا بلى يا رسول الله قال ذكر الله

стр. 607

قال الحافظ ابن حجر في رفع إشكال الحديث الأول الذي يظهر أن تقديم الصلاة على الجهاد والبر لكونها لازمة للمكلف في كل أحيانه وتقديم البر على الجهاد لتوقفه على إذن الوالدين وقال في رفع إشكال الحديث الثاني يحتمل أن يكون عموم حديث لا أجد عملا يعدل الجهاد خص بحديث العمل في أيام العشر كأنه قال: لا أجده إلا أن يكون عمل صالح في أيام العشر قال: ويحتمل أن يكون فضل الجهاد في حديثنا وعدم وجود معادل له مخصوصا بمن خرج قاصدا المخاطرة بنفسه وماله فلم يرجع بشيء فمفهومه أن من رجع بذلك لا ينال الفضيلة المذكورة أ. هـ وعندي أن الجهاد تختلف مراتبه وأحواله فدرجته حين دخول الكفار بلادنا غير درجته حين مهاجمتنا ديارهم ودرجته في العسر غير درجته في اليسر ودرجته مع وفرة عدد المسلمين وتفوقهم على أعدائهم غير درجته عند قلة المسلمين وكثرة عدد أعدائهم بل تختلف مراتبه بالنسبة للمجاهد نفسه فدرجته بالنسبة لشجاع يغرس الثقة في المسلمين ويدفعهم للنصر كخالد بن الوليد غير درجته بالنسبة لخائر النفس جبان فأحيانا وبالنسبة لفرد ما يكون الجهاد أفضل الأعمال على الإطلاق بعد الإيمان وأحيانا وبالنسبة لشخص ما تكون الصلاة في أوقاتها أفضل الأعمال على الإطلاق وأحيانا وفي بعض الظروف وبالنسبة لفرد يكون بر الوالدين مقدما على الجهاد وهكذا فاختلفت الأحاديث بالنسبة لتقديم بعض الأعمال على بعض مراعاة للظروف والملابسات -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - فضيلة الجهاد في سبيل الله وتعظيم أمره حتى صارت حالات المجاهد جلوسه ونومه وأكله وشربه معادلة لأجر المواظب على الصيام والقيام حتى إن فرس المجاهد كلما تحرك في حبله الذي يربط به وهو واقف في مكانه يكون للمجاهد بهذه الحركة أجر إذ يقول أبو هريرة أن فرس المجاهد ليستن في طوله أي يتحرك في حبله فيكتب له حسنات

стр. 608

٢ - أن الفضائل لا تدرك ولا تعلم بالقياس وإنما هي إحسان من الله تعالى إن شاء ٣ - فضل المداومة على العبادة لمن يستطيعها كمداومة الصوم ومداومة القيام ٤ - مدى فهم الصحابة وإدراكهم لفضيلة الجهاد مما جعلهم يحرصون عليه أو على بديله ٢٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول مثل المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله كمثل الصائم القائم وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة

стр. 609

-[المعنى العام]- مرة أخرى وبأسلوب آخر يوضح رسول الله ﷺ فضل الجهاد في سبيل الله ففي الحديث السابق بعد أن نفى ﷺ وجود عمل يعدل الجهاد وبين أن ثواب المجاهد منذ أن يخرج من بيته إلى أن يعود يعادل ثواب من يصوم هذه الفترة لا يفطر نهاره ويقوم ليله بهمة ونشاط وفي هذا الحديث يمثل ثواب المجاهد بثواب القائم كالحديث السابق ويزيد عليه أن الله تعالى تعهد للمجاهد بأمرين بل بأحد أمرين تعهد إن توفاه أن يدخله الجنة في الحال وبغير حساب وهذا العهد صريح في قوله تعالى ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ وتعهد إن أرجعه سالما أن يرجعه بأجر عظيم جدا إن لم يحصل على غنيمة وبأجر أقل إن حصل على غنيمة ﴿ومن أوفى بعهده من الله﴾ وفي غمرة بيان الفضل للمجاهد لا ينسى رسول الله ﷺ أن يبرز ضرورة إخلاص المجاهد لينال هذا العهد الإلهي والإخلاص أمر داخلي لا يعلمه إلا الله فهو وحده الذي يعلم من قصد بجهاده إعلاء كلمة الله ويعلم من يقصد الشهرة ومن يقصد المغنم ومن يقصد الحمية والعصبية ومن يقصد إبراز الشجاعة وأن يرى مكانه وقوته وما هذا الوعد إلا لمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا -[المباحث العربية]- (مثل المجاهد في سبيل الله) أي صفته وحاله والمقصود بالمجاهد من يقاتل الكفار دفاعا عن الإسلام بنية خالصة (والله أعلم بمن جاهد في سبيله) جملة لا محل لها من الإعراب معترضة بين المبتدأ مثل المجاهد ... وبين الخبر كمثل الصائم القائم وأفعل التفضيل أعلم مراد بها أعلم بنيته وقصده من جميع خلقه وأعلم منه نفسه بنيته يعلم إن كان يقصد إعلاء كلمة الله وحده أو يقصده ويقصد غيره من منافع الدنيا أو يقصد منافع الدنيا وحدها

стр. 610

(كمثل الصائم القائم) أي الصائم النهار القائم الليل كله مدة غياب المجاهد عن أهله من حين يخرج إلى أن يعود (وتوكل الله للمجاهد) في رواية وانتدب الله وفي رواية لمسلم تضمن الله وفي رواية لمسلم تكفل الله وكلها بمعنى العهد والضمان والالتزام متفضلا جل شأنه ومحصله تحقيق هذا الوعد المذكور والمنصوص عليه في قوله تعالى ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله﴾ (بأن يتوفاه أن يدخله الجنة) أي بأن يدخله الجنة إن توفاه وقد جاء في رواية إن توفاه بإن الشرطية وهي أوضح وروايتنا بمعناها وكأن مصدر أن يدخله الجنة بدل من مصدر أو يتوفاه أي تعهد بإدخاله الجنة في حالة الاستشهاد والمقصود من إدخاله الجنة على هذا إدخاله فور استشهاده أو إدخاله دون حساب ليمتاز عن غيره ممن سيدخل الجنة فليس في الحديث تسوية بين الشهيد والراجع سالما في دخول الجنة (أو يرجعه) بفتح الياء من رجع الثلاثي وهو متعد بنفسه وهو منصوب عطفا على يتوفاه (سالما مع أجر أو غنيمة) سالما حال والمقصود السلامة من الموت والقتل وإن أصيب بجراح المعارك وقد قيل إن أو هنا بمعنى الواو لأن من رجع بغنيمة لا يخلو من الأجر واعترض على هذا بأن كثيرا من الغزاة يرجعون بدون غنيمة وقيل إن أو هنا مانعة خلو لا تمنع الجمع والاعتراض السابق ما زال واردا لهذا اتجه المحققون إلى أن هناك وصفا محذوفا أي غنيمة معها أجر واعتبار التنوين في أجر للتفخيم والتقدير أو يرجعه سالما مع أجر عظيم فقط أو مع غنيمة وأجر أقل وستأتي تتمة لهذا البحث في فقه الحديث -[فقه الحديث]- هذا الحديث يتفق مع الحديث السابق في بيان فضل الجهاد في سبيل

стр. 611

الله وتنظيره المجاهد بالصائم القائم ويزيد على سابقه ببيان الأجر والمكافأة على هذا العمل الفريد العظيم وإذا كان هذا الحديث قد أبهم الأجر ونكره فإن كثيرا من الأحاديث الواردة في فضل المجاهد قد تناولت الثواب والحسنات بتفصيل أكثر كحديث أبي هريرة الدال على أن حركة فرس المجاهد في مربطه له أجر وكم من الحركات يتحرك المجاهد السكنات الجسمية لها حسنات بعدد نبضات القلب لأن الصائم الممثل به مثاب على كل لحظة من لحظات صومه فتشبيه المجاهد بالصائم القائم إثبات لثوابه وأجره على كل حركة يتحركها وعلى كل سكون يسكن فيه والقرآن صريح في توضيح هذا الثواب حيث يقول ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾ أي في الجهاد ﴿ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون﴾ ومن النصوص القطعية أن أجر الشهيد في سبيل الله الجنة بل منازلها العليا ومن الظاهر الجلي أن المجاهد إذا رجع سالما له أجر عظيم سواء أرجع بدون غنيمة مادية أو رجع بالغنيمة لكن مع هذا الظاهر الجلي لا يسوغ القول بأن أجر من حصل على الغنيمة مساو لأجر من لم يحصل عليها فالغنيمة جزء من الأجر معجل وفقدها احتفاظ بهذا الجزء إلى الآخرة وهذا في وضوحه لا يحتاج إلى سند ومع ذلك صرحت به الأحاديث ففي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم ويقول خباب في الحديث الصحيح فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئا أي ومن غنم أكل في دنياه من أجره بعض الشيء

стр. 612

وهذا لا يتعارض ولا يتنافى مع حل الغنائم والتمدح بأخذها وأكلها وجعلها من فضائل هذه الأمة إذ لا يلزم من تحريمها على الأمم قبلنا أن يكون أجر جهادهم أكبر من أجر جهادنا ولا يلزم من حلها لنا ونقصها لثواب جهادنا بعض الشيء ألا تكون ممدوحة فقد استعين بها على قوة شوكة الإسلام وتحطيم شوكة الكفر فهي خير للمسلمين عجل لهم لصالحهم وصالح الإسلام ولا يعترض على ما قررناه من أن الغنيمة تنقص الأجر بأن أهل بدر مع غنيمتهم خير من أهل أحد مثلا مع عدم اغتنامهم فعقد هذه المقارنة غير سليم لأن الشبه غير قائم بين الفريقين فيما عدا الغنيمة بل المقارنة الصحيحة أن يقال أن أهل بدر مع غنيمتهم يتساوون في الأجر مع أنفسهم لو لم يغنموا فالمقارنة الصحيحة الخاصة بما نحن بصدده تكون بين أهل بدر في حال الغنيمة وبينهم أنفسهم في حال عدم الغنيمة أما المقارنة بينهم وبين المجاهدين في الغزوات الأخرى فلا تصلح لأنهم لا يساويهم مع غنيمتهم غزاة غيرهم غنموا أو لم يغنموا فأجر البدريين أضعاف أجر من بعدهم لكونهم وضعوا اللبنة الأولى الجبارة في اشتهار الإسلام وإعزاز أهله في أول غزاة غزاها رسول الله ﷺ -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - تفخيم شأن الجهاد في سبيل الله ٢ - استعمال التمثيل والتنظير لتقريب المراد إلى أذهان المخاطبين ٣ - أن الفضائل لا تدرك دائما بالقياس بل هي تفضل من الله تعالى ٤ - الحث على الإخلاص في العمل وابتغاء وجه الله عند فعل الصالحات وتصفيتها من شوائب الرياء والسمعة فالأعمال الصالحة لا تستلزم الثواب لمجرد وقوع أعبائها لذا ورد في بعض الروايات لهذا الحديث عند مسلم تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا جهاد في سبيله وتصديق كلمته وسيأتي بعد حديث أنواع المجاهدين ومن منهم المجاهد المقصود بالأجر المذكور والله أعلم

стр. 613

٢٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك -[المعنى العام]- كما بين رسول الله ﷺ فضل الجهاد في سبيل الله والاستشهاد في سبيل نشر دعوة الإسلام والحفاظ عليها بين فضيلة من يجرح أو يصاب في جهاده سواء أدى الجرح إلى الوفاة أو لم يؤد إلى الوفاة ذلك لئلا يظن ظان أن الشهادة مقصورة على الموت في الميدان فيأسف المجروح في المعركة على ما فاته من الاستشهاد في الساحة فأبان هذا الحديث أن جراحة القتال للمجاهد هي امتداد للمعركة بالنسبة له وأن آثار إصابته

стр. 614

ستكتب له جهادا وأن موته في بيته بسبب جراحاته الحربية استشهاد بل يزيد هذا الاستشهاد بعلامة يراها أهل الموقف العظيم يعرفون منها أنه شهيد علامة يتمناها غير الشهداء المسك يفوح واللون الأحمر الشبيه بالدم يسيل لكنه لا ينفر منه البشر ولا يشمئزون منه فالصفات المنفرة في الدم غير موجودة نتن الدم وخبث ريحه بدل وأصبح كالمسك فما أكرم الشهداء على الله وما أطيب ريح جروحهم وما أعظم أجورهم فكيف يخاف الجرح في سبيل الله من آمن بتلك الحال وكيف يهاب الموت من آمن بوعد الله ومن أوفى بعهده من الله وذلك هو الفوز العظيم -[المباحث العربية]- (والذي نفسي بيده) أي روحي بقدرته وتحت تصرفه والقسم هنا لغرابة الخبر قصد تمكينه في نفس المخاطب مع غرابته (لا يكلم أحد في سبيل الله) أي لا يجرح أحد المجاهدين والكلم بسكون اللام الجرح وبني الفعل يكلم للمجهول ولم يحدد الفاعل ليعم أي جارح مسلما كان أم كافرا والمراد من أحد المسلم المجاهد بدلالة المقام وأراد من سبيل الله هنا قتال الكفار بنية خالصة لما يأتي في الحديث التالي (والله أعلم بمن يكلم في سبيله) جملة معترضة للتنبيه على أن الإخلاص وقصد وجه الله وقصد إعلاء كلمة الله شرط في نيل هذا الثواب والمفضل عليه في أعلم جميع المخلوقات أي أعلم من جميع المخلوقات ومن الشخص نفسه بماله ودرجة إخلاصه (إلا جاء يوم القيامة) ليس المراد المجيء من مكان إلى مكان بل المراد إلا كان يوم القيامة ووجد بهذه الحالة في الموقف العظيم ليراه جميع الخلائق ويغبطونه (وجرحه يثعب دما) بفتح الياء وسكون الثاء وفتح العين أي يجري

стр. 615

بغزارة ودما منصوب على التمييز والجملة حالية والمراد من الدم هنا ما يشبه الدم وليس دما على الحقيقة (اللون لون الدم) هذا هو الشبه مع السيولة أما بقية عناصره وأوصافه وحقيقته فهو ليس بدم (والريح ريح المسك) في رواية والعرف بفتح العين وسكون الراء وهو الرائحة -[فقه الحديث]- ظاهر الحديث أن هذه الصورة من الثواب عامة في كل من جرح في معركة بين المسلمين والكفار سواء كان الجرح كبيرا أم صغيرا وسواء اندمل أو لم يندمل حتى مات وسواء كان السبب في موته واستشهاده أم لم يكن وأن هذه الصورة قصد بها تشريفه يوم القيامة بهذا الطابع المميز الشاهد بفضله وهذا لا يمنع أن يكون للشهداء طابع آخر غير سيلان الدم فيمكن أن يكون للمرء طابعان ويؤيد هذا الرأي ما رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي وغيره من حديث معاذ بن جبل من جرح جرحا في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغرز ما كانت وخصصه بعض العلماء بمن يموت وجرحه يتفجر دما سواء مات بسببه أم بسبب آخر ووجهة نظره أنه إذا اندمل في الدنيا زال أثر الجراحة وسيلان الدم ولا ينفي ذلك أن يكون له فضل آخر بصورة أخرى وخصصه بعضهم بمن يموت بسبب الجرح اعتمادا على رواية ابن حبان في حديث معاذ المذكور عليه طابع الشهداء واستدل بالحديث على أن الشهيد يدفن بدمائه وثيابه ولا يزال عنه الدم ليجيء يوم القيامة كما وصف النبي ﷺ ورد هذا الاستدلال بأنه لا يلزم من غسل الدم في الدنيا أن لا يبعث كذلك قال الحافظ ابن حجر

стр. 616

ويغني عن هذا الاستدلال لترك غسل الشهيد قوله ﷺ في شهداء أحد زملوهم بدمائهم وهل يقاس على هذا من جرح في قتال البغاة وقطاع الطرق وفي سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي سبيل الدفاع عن ماله باعتبار أن من يموت في ذلك من الشهداء قال بذلك ابن عبد البر وعارض العراقي وتوقف في دخول المقاتل دون ماله في هذا الفضل لقول النبي ﷺ والله أعلم بمن يكلم في سبيله فهو يعبر عن الإخلاص والمقاتل دون ماله لا يقصد بذلك وجه الله وإنما يقصد صون ماله وحفظه فهو يفعل ذلك بدافع الطبع لا بدافع الشرع ولا يلزم من كونه شهيدا أن يكون دمه يوم القيامة كريح المسك

стр. 617

٢٥ - عن أبي موسى ﵁ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله قال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله -[المعنى العام]- طبع الله الإنسان على حب المال ﴿وتحبون المال حبا جما﴾ ودعاه إلى معالجة هذا الطبع وأن يتوجه إلى الآخرة بالعمل الصالح وابتغاء رضا الله تعالى وطبع الله النفس البشرية ميالة وراغبة في الماديات وطلب منها أن تغلب الروحانيات على الماديات العمل الواحد باختلاف الإرادة والقصد يختلف ثوابا أو إحباطا إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه وليس هناك عمل صالح يعدل الجهاد لأنه تضحية بالنفس ولا أغلى من النفس ولا يليق بالعاقل المسلم أن يضع في اعتباره مقابلا لروحه غير الجنة ونعمت البيعة والصفقة للمجاهد وبئست صفقة يكون فيها مقابل الروح عرضا زائلا حقيرا من مال أو شهرة أو حمية أو عصبية أو غضب وكم كان الصحابة عقلاء؟ وكم كانوا على درجة عالية من الذكاء لقد أدركوا فضيلة الجهاد وحرصوا على تحصيلها لكنهم يخشون الطبيعة البشرية وأهواءها التي تدفع كثيرا إلى الحرص على المال والشهرة فسألوا رسول الله ﷺ عمن يقاتل وهدفه الغنيمة وعمن يقاتل وهدفه الشهرة والذكر في قائمة المجاهدين وعمن يقاتل وهدفه أن ترى شجاعته وإقدامه فمن من هؤلاء يستحق أجر المجاهد في سبيل الله والحقيقة الشرعية أن هؤلاء

стр. 618

وغيرهم من أمثالهم الذين يقصدون بقتالهم الدنيا ليسوا من المقاتلين في سبيل الله الموعودين بالشهادة والجنة فأجاب ﷺ بجواب جامع مانع فقال من كان هدفه من قتاله وجهاده أن يكون دين الإسلام هو الأعلى فهو في سبيل الله فطوبى للمجاهدين المخلصين الذين وضعوا أرواحهم على أكفهم لرفع راية الإسلام وإعلاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله -[المباحث العربية]- (جاء رجل إلى النبي ﷺ في رواية جاء أعرابي وفسره بعضهم بلاحق بن ضميرة، وقد روي أن معاذ بن جبل سأل مثل هذا السؤال، وأن أبا موسى الأشعري سأل مثل هذا السؤال لكن لا يطلق على أحدهما أعرابي ولهذا قيل بتعدد السؤال وهو يرد على ذهن الكثير فالقول بالتعدد وجيه (الرجل يقاتل للمغنم) أي بدافع الرغبة والحرص على ما يغنم من الكفار من أموال وسبي (والرجل يقاتل للذكر) أي ليشتهر بالشجاعة والإقدام وليذكره الناس بذلك (والرجل يقاتل ليرى مكانه) أي يقاتل رياء وليقال أنه قاتل في غزوة كذا واشترك وحضر مع رسول الله ﷺ كذا من الغزوات إلخ (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا) كلمة الله هي دعوة الله إلى الإسلام (فهو في سبيل الله) الضمير راجع إلى القتال الذي في ضمن قاتل أي فقتاله قتال في سبيل الله فقه الحديث هناك دوافع أخرى للقتال غير ما ذكر ففي رواية ويقاتل غضبا أي

стр. 619

لأجل حظ نفسه وفي رواية الرجل يقاتل حمية أي يدفع مضرة تلحقه فالحاصل من الروايات أن القتال يقع بسبب أشياء طلب المغنم وإظهار الشجاعة والرياء والحمية والغضب والملاحظ أن الرسول ﷺ لم يجب على الاستفهام بالإيجاب ولا بالنفي لأن الحمية والغضب قد يكون في سبيل الله ولو أجاب بالنفي بالنسبة للثلاثة كما هو الظاهر لاحتمل أن يكون فاعل ذلك كله في سبيل الله وليس كذلك ولاحتمل أن تتوارد أسئلة وأسباب أخرى مشابهة فكان جوابه ﷺ حاصرا جامعا مانعا واضحا مغلقا لأي استفهام وقد اختلف العلماء في تفسير جوابه ﷺ هل المقصود به أنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سببا آخر من الأسباب المذكورة أو نحوها أخل بذلك بهذا قال بعضهم ويؤيده ما رواه أبو داود والنسائي جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له قال لا شيء له فأعادها ثلاثا كل ذلك يقول لا شيء له ثم قال رسول الله ﷺ إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه وقال الجمهور والمحققون إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه فدخول غير الإعلاء ضمنا لا يقدح في الإعلاء إذا كان هو الباعث الأصلي وقد ذكر بعض المحققين أن المراتب خمس أن يقصد الإعلاء وشيئا آخر معه وأن يقصد أحدهما صرفا وتحتها مرتبتان الإعلاء الدنيا وأن يقصد أحدهما ويحصل الآخر ضمنا وتحتها مرتبتان يقصد الإعلاء وتحصل الدنيا ضمنا ويقصد الدنيا ويحصل الإعلاء ضمنا والمحذور أن يقصد غير الإعلاء على الاستقلال سواء حصل الإعلاء أو لم يحصل ويحمل الحديث الذي معنا على الحالات الثلاث وإن اختلفت الدرجات أولها قصد الإعلاء فقط وحصول الإعلاء فقط ثانيها

стр. 620

قصد الإعلاء فقط وحصول غير الإعلاء ضمنا ثالثها قصد الإعلاء وشيء من الدنيا نعم هذا الثالث ينبغي أن يكون محذورا لحديث أبي داود والنسائي المذكور أما من قصد الدنيا فقط فحصل الإعلاء ضمنا أو قصد الدنيا فقط فلم يحصل الإعلاء فقتاله ليس في سبيل الله على التحقيق -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - أن الأعمال إنما تحتسب بالنية الصالحة ٢ - وأن الفضل الذي يرد في الأحاديث عن المجاهد يختص بمن قصد إعلاء كلمة الله ٣ - وجواز السؤال عن العلة في الأحكام الشرعية ٤ - ذم الحرص على الدنيا ٥ - ذم القتال لحظ النفس وفي غير الطاعة ٦ - فصاحته ﷺ وما أوتيه من جوامع الكلم

стр. 621

٢٦ - عن زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ أملى عليه ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ ﴿والمجاهدون في سبيل الله﴾ قال فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها علي فقال يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان رجلا أعمى فأنزل الله ﵎ على رسوله ﷺ وفخذه على فخذي فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي ثم سري عنه فأنزل الله ﴿غير أولي الضرر﴾ -[المعنى العام]- بعد غزوة بدر نزل على رسول الله ﷺ قوله تعالى ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ ﴿والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾ فدعا رسول الله ﷺ كاتب الوحي زيد بن ثابت ليكتبها فجاء يحمل القلم والدواة وعظما هو كتف أو لوح كتف حيوان حتى جلس بجوار رسول الله ﷺ فأخذ رسول الله ﷺ يملي الآية على زيد وزيد يكتب ومن خلفه عبد الله بن أم مكتوم يسمع فلما انتهى زيد من الكتابة تحرك ابن أم مكتوم ليواجه رسول الله ﷺ وقد هاله أن يعد من القاعدين المفضل عليهم ولا ذنب له فقال يا رسول الله وما ذنبنا إنني أعمى ولو أستطيع جهادا لجاهدت معك إني أحب الجهاد في سبيل الله ولكن بي من الزمانة ما ترى ذهب بصري أنا ضرير ولا ذنب لي وكان جبريل قد صعد لكن ما أتم ابن أم مكتوم شكوى ضرارته حتى نزل جبريل وظهرت حالات الوحي على رسول الله ﷺ وضع فخذه على فخذ زيد وثقلت وتصبب العرق وسمع الغطيط حتى عرف ابن أم مكتوم الأعمى أنه يوحى إليه وخاف أن ينزل شيء يؤاخذه على سؤاله فجعل يقول أتوب إلى الله فلما سري عنه ﷺ قال لزيد اقرأ ما كتبت فقرأ ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ فقال له ﷺ اكتب ﴿غير أولي الضرر﴾ فكتبها زيد في

стр. 622

ملحق عند صدع كان في الكتف وهكذا رفع الله الحرج عن ذوي الأعذار وأشركهم في الأجر مع المجاهدين فضلا وكرما وحذر من القعود عن الجهاد وهكذا ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ وهكذا أرضى من ابتلاه في صحته وجسمه وجبر خاطره وجعله يحمد الله على الضراء كما يحمده كامل الصحة على السراء -[المباحث العربية]- (عن زيد بن ثابت) وكان من كتاب الوحي لرسول الله ﷺ (أملى علي) في رواية للبخاري لما نزلت ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ قال النبي ﷺ ادعوا فلانا فجاء زيد ومعه الدواة واللوح أو الكتف فقال اكتب ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ ﴿والمجاهدون في سبيل الله﴾ (فجاءه ابن أم مكتوم) في رواية للبخاري وخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم فقال ... إلخ ومعنى هذا أن ابن أم مكتوم كان موجودا خلف النبي ﷺ حين أملاها على زيد فيحمل هنا قوله جاء ابن أم مكتوم على مجيئه من خلف النبي ﷺ لمواجهته بشكوى العذر وابن أم مكتوم يقال له عبد الله ويقال له عمرو واسم أبيه زائدة وأم مكتوم أمه واسمها عاتكة (وهو يملها علي) يملها بضم الياء وكسر الميم وتشديد اللام يقال مل يمل بتشديد اللام وهو مثل أملى يملي ومنه قوله تعالى ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل﴾ (ولو أستطيع الجهاد لجاهدت) في رواية فقام حين سمعها ابن أم مكتوم وكان أعمى فقال يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد ممن هو أعمى وفي رواية فقال أنا ضرير وفي رواية فشكا ضرارته وفي رواية فقال ما ذنبنا (وفخذه على فخذي) في رواية إني لقاعد إلى جنب النبي ﷺ إذ أوحي إليه وغشيته السكينة فوضع فخذه على فخذي فهذه الرواية صريحة

стр. 623

في الوقت الذي وضع فيه فخذه ﷺ على فخذ زيد ولعل ذلك من شدة الوحي عليه كالمريض المتألم الذي يلجأ إلى من بجواره كأنه يستنجد به (فثقلت علي) أي ثقلت الفخذ على فخذي وفي رواية فلا والله ما وجدت شيئا قط أثقل منها (حتى خفت أن ترض فخذي) ترض بفتح التاء وضم الراء وتشديد الضاد أي تدق فخذي وتطحنها (ثم سري عنه) بضم السين وتشديد الراء المكسورة أي كشف عنه ﴿غير أولي الضرر﴾ قرئ غير بالرفع على البدل من القاعدون وقرئ بالجر صفة للمؤمنين وقرئ بالنصب على الاستثناء -[فقه الحديث]- لا خلاف في تفضيل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين غير أولي الضرر أي على القاعدين عن الجهاد من غير عذر شرعي مثله القرآن الكريم بقوله ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾ وإنما الخلاف في تفضيل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين عن الجهاد من أصحاب الضرر والعذر الشرعي فذهب بعض العلماء إلى المساواة في الأجر بين المجاهد وبين المعذور القاعد إذا صدقت نيته لحديث إن بالمدينة لأقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم حبسهم العذر وظاهر الحديث أن نزول غير أولي الضرر إنما كان إجابة لابن أم مكتوم عن سؤاله ما ذنبنا لو نستطيع الجهاد لجاهدنا فظاهر الآية استواء أولي الضرر مع المجاهدين لأنها استثنت أولي الضرر من عدم الاستواء فأفادت إدخالهم في الاستواء إذ لا واسطة بين الاستواء وعدم الاستواء فيثاب المجاهد مقابل بذل المال أو الروح ويثاب صاحب العذر الثواب نفسه تفضلا وكرما من الكريم المتفضل

стр. 624

وذهب بعض العلماء إلى عدم المساواة في الثواب بين المجاهد وبين المعذور القاعد قالوا إن المقصود باستوائهم استواؤهم في أصل الثواب لا في كميته لأن المجاهدين أنفسهم لا يستوون في كمية الثواب وهذا لا يتنافى مع حديث إن بالمدينة لأقواما ... إلا وهم معكم فكون المعذور القاعد مع المجاهد لا يلزم منه التساوي في الأجر فالجبان مع الشجاع في الميدان ولا تفهم مساواة المضحي المغامر الذي يبلي بلاء حسنا بمن هو معه ولا يفعل فعله اللهم إلا في أصل الثواب لا في كميته ثم ظاهر الآية في لاحقها يؤيد ذلك فهي تقول ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين﴾ أي من المعذورين ﴿درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين﴾ أي من غير المعذورين ﴿أجرا عظيما﴾ هذا وما يقال في المجاهد وفي المتخلف عن الجهاد من ذوي الأعذار ومن غيرهم يقال في سائر الأعمال الصالحة هل يستوي المعذور مع فاعل الطاعة في كمية الثواب أو في أصل الثواب دون كميته -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - اتخاذ الكاتب وتقريبه ٢ - وتقييد العلم بالكتابة ٣ - ودفاع المعذور عن نفسه وبيان عذره ٤ - أهمية أسباب النزول وتنجيم القرآن ونزول بعضه للظروف والمناسبات ٥ - أن وصف الإنسان بما هو فيه من نقص كالأعمى لا يعتبر غيبة ولا يحرم ما لم يقصد به التنقيص ٦ - شدة الوحي على رسول الله ﷺ ٧ - إدراك الصحابة لنزول الوحي

стр. 625

٢٧ - عن زيد بن خالد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا -[المعنى العام]- مصداقا لقوله تعالى ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ وقوله تعالى ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون﴾ يتأكد دور المال في الجهاد ومما لا شك فيه أن العنصر البشري لا يستغني عن العنصر المالي في الغزو ومن هنا رفع الحرج والجناح عن قوم أرادوا الغزو وهم لا يجدون ما يستعدون به ولما قال لهم رسول الله ﷺ ﴿لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون﴾ وإذا كان العنصران ضروريين للمعركة كان من جهز غازيا له من الأجر مثل ما للغازي لأن أيا من الأمرين لا يستقل بالعمل فكان اشتراكهما في الأجر كاشتراكهما في إدارة المعركة وإذا كان الغازي لا يستطيع الجهاد وهو مشغول بتبعات بيته وأهله من حفظ عرض وتأمين روعة أطفال وقضاء مصالح زوجة وأولاد كان من يخلف الغازي في أهله بخير شريكا له في الأجر لأنه الذي ساعده وأمنه

стр. 626

وفرغه للجهاد وبدونه لم يكن ليخرج ولو خرج لم يكن متفرغا للقتال بل مشغول البال مما يؤثر ولا شك على سير المعركة وبهذا التوجيه النبوي الحكيم من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا تترابط الأمة عند الشدائد ويقوم كل من أفرادها بدور إيجابي يتكامل به دور الآخر ويتحقق لها النصر في الخارج والأمن والاستقرار في الداخل -[المباحث العربية]- (من جهز غازيا) في الكلام مجاز المشارفة أي من جهز من يريد الغزو ويشارفه والتجهيز قد يراد منه الإعانة والمساعدة والإسهام وقد يراد منه تمام التجهيز من أوله إلى آخره ومن جهز يشمل من جهز غيره وقعد هو ومن جهز نفسه وغزا ومن جهز غيره وغزا فالتجهيز وحده له أجر الغزو وهو أعم من أن يكون بالمال أو بالسلاح أو بالدابة أو بها جميعا وبغيرها مما يحتاجه الغازي فالمقصود من هيأ للغازي أسباب خروجه المادية (فقد غزا) أي فقد أشبه من غزا في تحصيل ثواب الغزو مع تساوي الأجر أو مع عدم التساوي كما سيأتي في فقه الحديث (ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير) الجار والمجرور متعلق بـ غازيا أي غازيا في سبيل الله والمراد من يخلفه ويقوم مقامه في أهله من حيث المحافظة وقضاء المصالح وقيد بخير ضروري لأن من خلف مع القصور أو التقصير وعدم الخير ليس له هذا الجزاء -[فقه الحديث]- يثير هذا الحديث وأمثاله وجهتي نظر للعلماء في مسألتين الأولى هل المراد بالتجهيز وبالخلف في الأهل تمام التجهيز حتى يستقل من ألفه إلى

стр. 627

يائه أو مجرد الإسهام والإعانة والمشاركة جمهور العلماء على الأول وأنه لا ينال مثل أجر الغازي إلا من جهزه وحده تجهيزا كاملا أما من أسهم فله أجر آخر دون هذا الأجر وكذلك من خلف الغازي في أهله بخير لا ينال هذا الأجر إلا إذا قام مستقلا بكفايتهم والقيام مقام الغازي فيهم أما من خلف بخير دون ذلك فله أجر آخر ليس هذا الأجر ويؤيد الجمهور رواية ابن ماجه وابن حبان وفيها من جهز غازيا حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يجرح وذهب قليل من العلماء أن المشارك في التجهيز والمسهم فيه له مثل أجر الغازي اعتمادا على فضل الله وكرمه وظاهر الأحاديث المسألة الثانية هل هذا الحديث وأمثاله قصد به مماثلة الدال على الخير لفاعله في كمية الثواب أو في أصل الثواب والأجر ثم يزيد الفاعل جمهور العلماء على الأول على المماثلة في الثواب إذا خلصت النية كما بينا في الحديث السابق لأن صرف الخبر عن ظاهر المماثلة يحتاج إلى دليل وقال بعض العلماء إن المماثلة في أصل الثواب أما التضعيف للحسنات إلى عشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة فهي للفاعل المباشر لأنه بذل المشقة بنفسه وفرق بين من يباشر مع النية الصادقة وبين من يدل على الخير بنية صادقة دون أن يباشر قال بعض المحققين إن هذه الدعوى لا تصلح هنا لأن الغازي لا يتأتى منه الغزو إلا بعد أن يكفي المؤنة لنفسه والحفظ لأهله فمن جهز غازيا أو خلفه في أهله بخير باشر مشقة بنفسه أيضا بخلاف من دل على الخير فإن فاعله كان يمكن أن يفعله بدون دلالة الدال فالقول هنا بالمماثلة في الأجر وكميته أرجح فمعنى قوله فقد غزا أنه مثله في الأجر وإن لم يغز حقيقة أما ما ورد في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد أن رسول الله ﷺ بعث بعثا وقال ليخرج من كل رجلين رجل والأجر بينهما وفي رواية مسلم ثم قال للقاعد وأيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له

стр. 628

مثل نصف أجر الخارج فقد قال القرطبي لفظة نصف يشبه أن تكون مقحمة أي مزيدة من بعض الرواة وقال الحافظ ابن حجر في توجيهه إن لفظة نصف أطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب الحاصل للغازي والخالف له بخير فإن الثواب إذا انقسم بينهما نصفين كان لكل منهما مثل ما للآخر ومع أن حديث ابن ماجه وابن حبان بلفظ من جهز غازيا حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يرجع يفيد أن المماثلة حاصلة في حياة الغازي لكن من يخلف الغازي في أهله بخير أعم من أن يخلفه في حياته أو بعد مماته وقد ثبت أن رسول الله ﷺ وصحابته كانوا يبادرون إلى زوجة الشهيد كل يطلبها زوجة ليرعاها ويرعى أولادها مما قوى عزيمة المسلمين على الاستشهاد دون خشية على ذرية ضعاف يضيعون بعد أبيهم كما روى البخاري أن رسول الله ﷺ كان يرعى أم سليم ويجبر قلبها بكثرة زيارتها في بيتها ويعلل ذلك بأن أخاها قد استشهد في سبيل الله

стр. 629

٢٨ - عن عروة البارقي أن النبي ﷺ قال: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم" -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ نعم خلقها الله للركوب والزينة فمن استعملها فيما شرعت له من مباح كانت مباحة ومن قصد مع الإباحة الطاعة المندوبة كان ركوبها واتخاذها مندوبا ومن احتاجها لواجب لا يتم إلا بها كان استعمالها واجبا وخير استعمال لها استعمالها في الجهاد وفي الغزو وإذا كان القرآن الكريم قد أمر بالإعداد للمعارك مع الكفار بقوله ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ... ﴾ كان اتخاذ الخيل وإعدادها ورباطها في سبيل الله من أفضل الصالحات من هنا رغب الرسول الكريم في اقتناء الخيل مشيرا إلى أنها فأل طيب وأن الخير يلازمها وأن الأجر والغنيمة والنصر في نواصيها ومقدم رأسها وفي إقدامها على القتال وأي ترغيب أهم من اقتناء الخير وقد روى الإمام أحمد تفصيل الخير الوارد في الحديث فيما رواه عن أسماء بنت يزيد مرفوعا الخيل في نواصيها الخير معقود أبدا إلى يوم القيامة فمن ربطها عدة في سبيل الله وأنفق عليها احتسابا كان شبعها وجوعها وريها وظمؤها وأرواثها وأبوالها فلاحا في موازينه يوم القيامة -[المباحث العربية]- (الخيل) ال هنا للعهد والمراد منها الخيل المعدة للجهاد في سبيل

стр. 630

الله المتخذة لركوب المجاهدين عليها بالفعل أو بالرباط والإعداد ويدخل فيها البرذون بكسر الباء وسكون الراء وفتح الذال وهو الجافي الخلقة من الخيل ودخل أيضا الهجين وهو ما يكون أحد أبويه عربيا والآخر غير عربي لكن لا يدخل فيها البغال والحمير لقوله تعالى ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ فدل على أنها غير الخيل (معقود في نواصيها الخير) عقد الخير كناية عن ملازمته كملازمة الشيئين المعقود أحدهما بالآخر والخير مراد به الأجر والمغنم من إطلاق العام على بعض أفراده والناصية في الأصل مقدم الرأس والمراد منها هنا الشعر المسترسل على جبهة الفرس وخص الناصية بالذكر لرفعة قدرها ولكونها المقدم من الفرس وفي ذلك إشارة إلى أن الفضل في الإقدام بها على العدو دون المؤخر لما فيه من الإشارة إلى الإدبار فالمعنى الخير يلازم الإقدام في الحرب بالخيل (الأجر والمغنم) تفسير للخير على سبيل البدل أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو الأجر والمغنم والمراد الأجر وحده أو مع المغنم كما وضحنا في الحديث السابق -[فقه الحديث]- يرتبط الحكم في هذا الحديث بحديث الخيل لثلاثة لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال في مرج أو روضة أي جعل حبلها طويلا ترعى في مرعى منخفض أو مرتفع فما أصابت في طيلها ذلك أي في حبلها الذي يطول لها لترعى في المرج أو الروضة كانت له حسنات ولو أنها قطعت طيلها أي حبلها فاستنت أي مرحت بنشاط شرفا أو شرفين أي شوطا أو شوطين كانت أرواثها وآثارها حسنات له ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كان ذلك حسنات له وأما الرجل الذي هي عليه وزر فهو رجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام فهي وزر على ذلك وأما الذي

стр. 631

هي له ستر فالرجل يتخذها تعففا وتكرما وتجملا ولم ينس حق الله في رقابها كما يرتبط بحديث إن كان الشؤم في شيء ففي المرأة والفرس والمسكن فالخيل إنما تكون في نواصيها الخير والبركة إذا كان اتخاذها في الطاعة أو في الأمور المباحة وإلا فهي مذمومة وما يذكر من شؤم الفرس أيضا ليس على عمومه بل هو مخصوص ببعض الخيل قال القاضي عياض ما كان في نواصيها البركة يبعد أن يكون فيها شؤم فيحتمل أن يكون الشؤم في غير الخيل التي ارتبطت للجهاد وأن التي أعدت له هي المخصوصة بالخير والبركة أو يقال الخير والشر يمكن اجتماعهما في ذات واحدة فالأجر والمغنم من الفرس لا يلزم معه أن لا يتشاءم منه على أن التشاؤم من الفرس مؤول والشريعة تنهى عن التشاؤم بصفة عامة -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - قال القاضي عياض في الحديث مع وجيز لفظه من البلاغة والعذوبة ما لا مزيد عليه في الحسن ففيه جناس سهل بين الخير والخيل ٢ - قال الخطابي في الحديث إشارة إلى أن المال الذي يكتسب باتخاذ الخيل هو من خير وجوه الأموال وأطيبها ٣ - قال ابن عبد البر في الحديث إشارة إلى تفضيل الخيل على غيرها من الدواب لأنه لم يأت عنه ﷺ في غيرها مثل هذا القول ٤ - استدل به الإمام أحمد والبخاري على أن الجهاد ماض مع الحاكم البر والفاجر لأنه ﷺ ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة وفسره بالأجر والمغنم والمغنم المقترن بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد ولم يقيد ذلك بما إذا كان الإمام عادلا فدل على أن لا فرق في حصول هذا الفضل بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل أو الجائر

стр. 632

٥ - في الحديث الترغيب في الغزو على الخيل ٦ - فيه بشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى يوم القيامة لأن من لازم بقاء الجهاد بقاء المجاهدين وهم المسلمون فهو مثل حديث لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ٧ - استنبط منه الخطابي إثبات سهم للفرس يستحقه الفارس من أجله ٨ - في الحديث علم من أعلام النبوة إذ فيه إخبار بما سيحدث إلى يوم القيامة ٢٩ - عن البراء ﵁ قال له رجل: يا أبا عمارة وليتم يوم حنين قال لا والله ما ولى النبي ﷺ ولكن ولى سرعان الناس فلقيهم هوازن بالنبل والنبي ﷺ على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها والنبي ﷺ يقول أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب

стр. 633

-[المعنى العام]- عقب فتح مكة وبعد أن أقام بها رسول الله ﷺ وأصحابه خمسة عشر يوما علموا أن قبائل هوازن ببطونها الكثيرة وتسكن بين مكة والطائف وتبعتهم ثقيف التي تسكن الطائف تجمعوا في مكان يدعى حنين بينه وبين مكة أكثر من ثلاثين كيلو مترا وقصدوا محاربة رسول الله ﷺ فدعا رسول الله ﷺ أصحابه للخروج إليهم فخرجوا خرج فاتحو مكة نحو عشرة آلاف مقاتل وانضم إليهم الطلقاء الذين أسلموا من مكة عدد لم يسبق تجمعه للمسلمين فداخلهم الغرور وأعجبتهم كثرتهم حتى قال أحدهم لن نغلب اليوم عن قلة ولم يعلموا أن هوازن ومن تبعها جمعوا ضعف عدد المسلمين وأنهم خرجوا للحياة أو الموت ... أخرجوا معهم الأطفال والشيوخ والعجزة والأنعام والغنم ليشعر المقاتلون منهم أنهم يدافعون عن كل ما لديهم في الحياة ونظموا أنفسهم تنظيما دقيقا عملوا كمائن في الشعاب ثم صفوا صفوفهم في الوادي الخيل ثم المقاتلة ثم النساء والأطفال ثم الغنم ثم النعم من البقر والإبل وهوازن مشهورة بالشجاعة والإقدام والبسالة ورمي النبل واندفع المسلمون نحو الصفوف يضربون ويقتلون وفرت صفوف هوازن وظهرت النساء والأنعام وانكب الخفاف من الشباب عزلا نحو الغنائم الوفيرة يجمعونها وخرجت عليهم الكمائن بنبالها الدقيقة التي لا تكاد تخطئ أمام هول المفاجأة فر المسلمون وولوا مدبرين لم يبق منهم في الميدان مائة مع رسول الله ﷺ كبار أصحابه وأهله حوله أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عمه آخذ بركاب رسول الله ﷺ وحين رأى المسلمون رسول الله ﷺ يدفع بغلته نحو الكفار أخذ أبو سفيان بزمامها ليمنع اندفاعها وأبو بكر وعمر والعباس وابنه الفضل وعلي وأسامة بن زيد وأيمن ابن أم أيمن يحيطون به كان رسول الله ﷺ رابط الجاش قال يا عباس ناد في المسلمين وكان جهوري الصوت فنادى يا أصحاب الشجرة يقول العباس فوالله لكأني حين سمعوا صوتي عطفتهم عطفة البقر على أولادها فقالوا يا لبيك يا

стр. 634

لبيك وعادوا سراعا وكان النبي ﷺ قد نزل عن بغلته يواجه الكفار وهو يقول أنا النبي والنبي لا يكذب وقد وعدني الله النصر فلا يصح لي الفرار أنا ابن عبد المطلب طويل العمر شهير الذكر ثم دعا ربه واستنصره وعاد المسلمون فصفهم رسول الله ﷺ وأنزل الله سكينته عليهم فحملوا على الكفار فهزموهم فغنموا منهم غنائم كثيرة سبيا ومالا وأسلم كثير من هوازن فأرسلوا وفدهم إلى رسول الله ﷺ يطلبون إعادة السبي والمال فخيرهم رسول الله ﷺ بينهما ليرد إليهم أحدهما فاختاروا السبي فرده ﷺ -[المباحث العربية]- (قال له رجل) قيل إنه من قيس ولعله أبهم سترا عليه فقد كان حسب الظاهر يقصد غمز صحابة رسول الله ﷺ وتبكيتهم (أفررتم) كان فرارهم معلوما فالاستفهام إنكاري توبيخي أي ما كان ينبغي أن تفروا (يوم حنين) اسم لواد قريب من الطائف بينه وبين مكة أكثر من ثلاثين كيلو مترا من جهة عرفات (لكن رسول الله ﷺ لم يفر) استدراك على محذوف تقديره فررنا لكن رسول الله ﷺ لم يفر وإذا كانت هذه الرواية لا توهم فرار رسول الله ﷺ فإن رواية أعقبتها في البخاري تقول أوليتم مع النبي ﷺ يوم حنين فأراد البراء رفع ما توهمه هذه الرواية وما توهمه الآية الكريمة في قولها ﴿ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين﴾ فجاء بالاستدراك (كانوا قوما رماة) أي يجيدون الرمي بالنبال والسهام (وإنه لعلى بغلته البيضاء) البغل والبغلة مولد بين الفرس والحمار أمه الفرس والبغلة البيضاء كانت قد أهداها له عربي يدعى فروة بن نفاثة الجذامي وكان له ﷺ بغلة شهباء أهداها له المقوقس كذا قيل

стр. 635

(وإن أبا سفيان آخذ بلجامها) هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم وهو ابن عم النبي ﷺ أسلم قبل فتح مكة خرج إلى رسول الله ﷺ وهو في طريقه لفتح مكة فأسلم وحسن إسلامه وخرج إلى غزوة حنين فكان فيمن ثبت وفي بعض الروايات أن العباس هو الذي كان آخذا بلجام البغلة وجمع الحافظ ابن حجر بين الروايتين بأن أبا سفيان كان آخذا أولا بزمامها فلما ركضها ودفعها رسول الله ﷺ نحو الكفار خشي العباس فأخذ بلجام البغلة يكفها وأخذ أبو سفيان بالركاب وترك اللجام للعباس إجلالا وإكراما له (أنا ابن عبد المطلب) نسب إلى جده دون أبيه عبد الله لشهرة عبد المطلب بين الناس لما رزق من نباهة الذكر وطول العمر بخلاف عبد الله فإنه مات شابا -[فقه الحديث]- في عدد من ثبت مع رسول الله ﷺ في غزوة حنين خلاف طويل وروايات متعددة ففي رواية فأدبروا عنه حتى بقي وحده وفي بعضها فولى عنه الناس وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار وفي رواية وما مع رسول الله ﷺ مائة رجل وعد ابن إسحاق الثابتين معه العباس وابنه الفضل وعلي وأبو سفيان بن الحارث وأخوه ربيعة وأسامة بن زيد وأخوه من أمه أيمن ابن أم أيمن ومن المهاجرين أبو بكر وعمر وابن مسعود فهؤلاء عشرة وجمع المحققون بين هذه الروايات بأن رواية حتى بقي وحده أي بقي وحده متقدما مقبلا على العدو أما من كانوا حوله فلم يكن شأنهم ذلك والتحقيق أنه بقي معه جماعة دون المائة جمعا بين رواية الثمانين ورواية نفي المائة ولعل الاختلاف في العدد ناشئ من الهرج والذهاب والعود فهناك من عجل بالرجوع مثلا فعد فيمن ثبت وهناك من كان يتحرك حول النبي ﷺ فعد فيمن لم يثبت ومن المعلوم أن الفرار يوم الزحف من الكبائر لقوله تعالى ﴿ومن يولهم
следующие страницы →