← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14106

المنهل الحديث في شرح الحديث

موسى شاهين لاشين

Полный текст (1 103 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

هي له ستر فالرجل يتخذها تعففا وتكرما وتجملا ولم ينس حق الله في رقابها كما يرتبط بحديث إن كان الشؤم في شيء ففي المرأة والفرس والمسكن فالخيل إنما تكون في نواصيها الخير والبركة إذا كان اتخاذها في الطاعة أو في الأمور المباحة وإلا فهي مذمومة وما يذكر من شؤم الفرس أيضا ليس على عمومه بل هو مخصوص ببعض الخيل قال القاضي عياض ما كان في نواصيها البركة يبعد أن يكون فيها شؤم فيحتمل أن يكون الشؤم في غير الخيل التي ارتبطت للجهاد وأن التي أعدت له هي المخصوصة بالخير والبركة أو يقال الخير والشر يمكن اجتماعهما في ذات واحدة فالأجر والمغنم من الفرس لا يلزم معه أن لا يتشاءم منه على أن التشاؤم من الفرس مؤول والشريعة تنهى عن التشاؤم بصفة عامة -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - قال القاضي عياض في الحديث مع وجيز لفظه من البلاغة والعذوبة ما لا مزيد عليه في الحسن ففيه جناس سهل بين الخير والخيل ٢ - قال الخطابي في الحديث إشارة إلى أن المال الذي يكتسب باتخاذ الخيل هو من خير وجوه الأموال وأطيبها ٣ - قال ابن عبد البر في الحديث إشارة إلى تفضيل الخيل على غيرها من الدواب لأنه لم يأت عنه ﷺ في غيرها مثل هذا القول ٤ - استدل به الإمام أحمد والبخاري على أن الجهاد ماض مع الحاكم البر والفاجر لأنه ﷺ ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة وفسره بالأجر والمغنم والمغنم المقترن بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد ولم يقيد ذلك بما إذا كان الإمام عادلا فدل على أن لا فرق في حصول هذا الفضل بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل أو الجائر

стр. 632

٥ - في الحديث الترغيب في الغزو على الخيل ٦ - فيه بشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى يوم القيامة لأن من لازم بقاء الجهاد بقاء المجاهدين وهم المسلمون فهو مثل حديث لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ٧ - استنبط منه الخطابي إثبات سهم للفرس يستحقه الفارس من أجله ٨ - في الحديث علم من أعلام النبوة إذ فيه إخبار بما سيحدث إلى يوم القيامة ٢٩ - عن البراء ﵁ قال له رجل: يا أبا عمارة وليتم يوم حنين قال لا والله ما ولى النبي ﷺ ولكن ولى سرعان الناس فلقيهم هوازن بالنبل والنبي ﷺ على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها والنبي ﷺ يقول أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب

стр. 633

-[المعنى العام]- عقب فتح مكة وبعد أن أقام بها رسول الله ﷺ وأصحابه خمسة عشر يوما علموا أن قبائل هوازن ببطونها الكثيرة وتسكن بين مكة والطائف وتبعتهم ثقيف التي تسكن الطائف تجمعوا في مكان يدعى حنين بينه وبين مكة أكثر من ثلاثين كيلو مترا وقصدوا محاربة رسول الله ﷺ فدعا رسول الله ﷺ أصحابه للخروج إليهم فخرجوا خرج فاتحو مكة نحو عشرة آلاف مقاتل وانضم إليهم الطلقاء الذين أسلموا من مكة عدد لم يسبق تجمعه للمسلمين فداخلهم الغرور وأعجبتهم كثرتهم حتى قال أحدهم لن نغلب اليوم عن قلة ولم يعلموا أن هوازن ومن تبعها جمعوا ضعف عدد المسلمين وأنهم خرجوا للحياة أو الموت ... أخرجوا معهم الأطفال والشيوخ والعجزة والأنعام والغنم ليشعر المقاتلون منهم أنهم يدافعون عن كل ما لديهم في الحياة ونظموا أنفسهم تنظيما دقيقا عملوا كمائن في الشعاب ثم صفوا صفوفهم في الوادي الخيل ثم المقاتلة ثم النساء والأطفال ثم الغنم ثم النعم من البقر والإبل وهوازن مشهورة بالشجاعة والإقدام والبسالة ورمي النبل واندفع المسلمون نحو الصفوف يضربون ويقتلون وفرت صفوف هوازن وظهرت النساء والأنعام وانكب الخفاف من الشباب عزلا نحو الغنائم الوفيرة يجمعونها وخرجت عليهم الكمائن بنبالها الدقيقة التي لا تكاد تخطئ أمام هول المفاجأة فر المسلمون وولوا مدبرين لم يبق منهم في الميدان مائة مع رسول الله ﷺ كبار أصحابه وأهله حوله أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عمه آخذ بركاب رسول الله ﷺ وحين رأى المسلمون رسول الله ﷺ يدفع بغلته نحو الكفار أخذ أبو سفيان بزمامها ليمنع اندفاعها وأبو بكر وعمر والعباس وابنه الفضل وعلي وأسامة بن زيد وأيمن ابن أم أيمن يحيطون به كان رسول الله ﷺ رابط الجاش قال يا عباس ناد في المسلمين وكان جهوري الصوت فنادى يا أصحاب الشجرة يقول العباس فوالله لكأني حين سمعوا صوتي عطفتهم عطفة البقر على أولادها فقالوا يا لبيك يا

стр. 634

لبيك وعادوا سراعا وكان النبي ﷺ قد نزل عن بغلته يواجه الكفار وهو يقول أنا النبي والنبي لا يكذب وقد وعدني الله النصر فلا يصح لي الفرار أنا ابن عبد المطلب طويل العمر شهير الذكر ثم دعا ربه واستنصره وعاد المسلمون فصفهم رسول الله ﷺ وأنزل الله سكينته عليهم فحملوا على الكفار فهزموهم فغنموا منهم غنائم كثيرة سبيا ومالا وأسلم كثير من هوازن فأرسلوا وفدهم إلى رسول الله ﷺ يطلبون إعادة السبي والمال فخيرهم رسول الله ﷺ بينهما ليرد إليهم أحدهما فاختاروا السبي فرده ﷺ -[المباحث العربية]- (قال له رجل) قيل إنه من قيس ولعله أبهم سترا عليه فقد كان حسب الظاهر يقصد غمز صحابة رسول الله ﷺ وتبكيتهم (أفررتم) كان فرارهم معلوما فالاستفهام إنكاري توبيخي أي ما كان ينبغي أن تفروا (يوم حنين) اسم لواد قريب من الطائف بينه وبين مكة أكثر من ثلاثين كيلو مترا من جهة عرفات (لكن رسول الله ﷺ لم يفر) استدراك على محذوف تقديره فررنا لكن رسول الله ﷺ لم يفر وإذا كانت هذه الرواية لا توهم فرار رسول الله ﷺ فإن رواية أعقبتها في البخاري تقول أوليتم مع النبي ﷺ يوم حنين فأراد البراء رفع ما توهمه هذه الرواية وما توهمه الآية الكريمة في قولها ﴿ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين﴾ فجاء بالاستدراك (كانوا قوما رماة) أي يجيدون الرمي بالنبال والسهام (وإنه لعلى بغلته البيضاء) البغل والبغلة مولد بين الفرس والحمار أمه الفرس والبغلة البيضاء كانت قد أهداها له عربي يدعى فروة بن نفاثة الجذامي وكان له ﷺ بغلة شهباء أهداها له المقوقس كذا قيل

стр. 635

(وإن أبا سفيان آخذ بلجامها) هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم وهو ابن عم النبي ﷺ أسلم قبل فتح مكة خرج إلى رسول الله ﷺ وهو في طريقه لفتح مكة فأسلم وحسن إسلامه وخرج إلى غزوة حنين فكان فيمن ثبت وفي بعض الروايات أن العباس هو الذي كان آخذا بلجام البغلة وجمع الحافظ ابن حجر بين الروايتين بأن أبا سفيان كان آخذا أولا بزمامها فلما ركضها ودفعها رسول الله ﷺ نحو الكفار خشي العباس فأخذ بلجام البغلة يكفها وأخذ أبو سفيان بالركاب وترك اللجام للعباس إجلالا وإكراما له (أنا ابن عبد المطلب) نسب إلى جده دون أبيه عبد الله لشهرة عبد المطلب بين الناس لما رزق من نباهة الذكر وطول العمر بخلاف عبد الله فإنه مات شابا -[فقه الحديث]- في عدد من ثبت مع رسول الله ﷺ في غزوة حنين خلاف طويل وروايات متعددة ففي رواية فأدبروا عنه حتى بقي وحده وفي بعضها فولى عنه الناس وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار وفي رواية وما مع رسول الله ﷺ مائة رجل وعد ابن إسحاق الثابتين معه العباس وابنه الفضل وعلي وأبو سفيان بن الحارث وأخوه ربيعة وأسامة بن زيد وأخوه من أمه أيمن ابن أم أيمن ومن المهاجرين أبو بكر وعمر وابن مسعود فهؤلاء عشرة وجمع المحققون بين هذه الروايات بأن رواية حتى بقي وحده أي بقي وحده متقدما مقبلا على العدو أما من كانوا حوله فلم يكن شأنهم ذلك والتحقيق أنه بقي معه جماعة دون المائة جمعا بين رواية الثمانين ورواية نفي المائة ولعل الاختلاف في العدد ناشئ من الهرج والذهاب والعود فهناك من عجل بالرجوع مثلا فعد فيمن ثبت وهناك من كان يتحرك حول النبي ﷺ فعد فيمن لم يثبت ومن المعلوم أن الفرار يوم الزحف من الكبائر لقوله تعالى ﴿ومن يولهم

стр. 636

يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم﴾ ولهذا حاول العلماء توجيه هذا الفرار حتى يخرجوا من الكبائر رغم أن الله تعالى وعد بمغفرته فقال بعضهم إن الفرار يكون كبيرة إذا قل عدد الأعداء عن ضعف عدد المسلمين لقوله تعالى ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ... ﴾ وكانت هوازن أكثر من ضعف عدد المسلمين وفي هذا التوجيه نظر والأولى قول الطبري إن الفرار المنهي منه هو ما وقع على غير نية العود أما الاستطراد والفرار للتجمع مرة أخرى فهو كالتحيز إلى فئة -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - ساق البخاري هذا الحديث تحت باب بغلة النبي ﷺ البيضاء بعد أبواب الخيل وناقة الرسول ﷺ والغزو على الحمير واستدل به على جواز اتخاذ البغال في الجهاد ٢ - وجواز إنزاء الحمر على الفرس أي تلقيح الفرس بالحمار وقد حرمه قوم احتجاجا بقوله ﷺ فيما رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون والجمهور على جوازه وأن الحديث قصد به الحض على تكثير الخيل لما فيها من الثواب ٣ - وفيه حسن الأدب في الخطاب والإرشاد إلى حسن السؤال بحسن الجواب ٤ - ذم الإعجاب ووخامة عاقبته فالقرآن الكريم جعله من أسباب الهزيمة حيث قال ﴿إذ أعجبتكم كثرتكم﴾ ٥ - جواز الانتساب إلى الآباء والأجداد ولو ماتوا في الجاهلية قال الحافظ ابن حجر والنهي عن ذلك محمول على ما هو خارج الحرب ٦ - جواز التعرض للهلاك الغالب في سبيل الله ولا يقال إن النبي ﷺ كان متيقنا من النصر والحفظ وهذا صحيح لكن فعل أبي سفيان وغيره ممن لا يقين من النجاة عندهم دليل جواز التعرض للهلاك وقوله

стр. 637

تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ مخصص بغير الجهاد ٧ - استدل بعضهم بركوبه ﷺ بغلة في الحرب مع مظنة فرارها على مزيد ثباته ﷺ وشجاعته ٨ - جواز شهرة الرئيس نفسه في الحرب مبالغة في الشجاعة والإقدام وعدم المبالاة بالعدد ٣٠ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قسم مروطا بين نساء من نساء المدينة فبقي مرط جيد فقال له بعض من عنده يا أمير المؤمنين أعط هذا ابنة رسول الله ﷺ التي عندك يريدون أم كلثوم بنت علي فقال عمر أم سليط أحق وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله ﷺ قال عمر: فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد قال أبو عبد الله تزفر تخيط

стр. 638

-[المعنى العام]- للنساء دور في الحياة ولهن دور في الجهاد إذا لم يكف الرجال لقد خلق الله المرأة ناعمة الملمس رقيقة الإحساس ضعيفة الأعصاب لينة العظام وكل تلك الصفات لا تتناسب مع الضرب بالسيف ولا الطعن بالرمح ولا الرشق بالنبل فضلا عن أن وقوعها في الأسر قد يلحق بالمسلمين أذى في أعراضهم ويطعن في كرامتهم ولهذا اقتصر خروج النساء مع رسول الله ﷺ في غزواته على الضرورة والضرورة تقدر بقدرها لقد كان المسلمون في قلة وقيام المرأة بحراسة الأمتعة وبنقل الماء إلى الجنود وبمداواة الجرحى ورعايتهم يوفر عددا من الرجال يمكن الإفادة بهم في القتال فلذلك سمح رسول الله ﷺ باستصحاب بعض النساء في الغزوات بلغن أقصى ما بلغن في بعض الغزوات خمسا ولما جاءت أم كبشة تستأذن في الخروج سادسة لم يأذن لها رسول الله ﷺ وقال لها لا لئلا يقول الناس إن محمدا يغزو بالنساء ولما سألت عائشة عن الجهاد للنساء قال لها ﷺ أفضل جهادكن الحج والعمرة ولما سألت خطيبة النساء أسماء بنت يزيد الأنصارية رسول الله ﷺ شاكية أن الرجال فضلوا على النساء بالجهاد وإذا خرجوا حفظ النساء لهم أموالهم وقمن على رعاية أولادهم سألت أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله قال نعم وقد أخرج البخاري هذا الحديث تحت باب جهاد النساء وهو صريح في أن جهادهن اقتصر على حمل الماء وسقي الجنود ومثل ذلك ما جاء في حراسة الأمتعة ومداواة الجرحى وقد جاءت في الغنائم أكسية نسائية فوزعها عمر على نساء المدينة فأعطى كل واحدة ثوبا وبقي ثوب زائد فأراد أحد الجالسين أن يكرم به زوجة عمر أم كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله ﷺ فآثر عمر عليها أم سليط الأنصارية التي أيدت الإسلام باشتراكها في بعض الغزوات بسقي الجنود

стр. 639

-[المباحث العربية]- (أنه قسم مروطا) جمع مرط بكسر الميم وسكون الراء وهو كساء غير مخيط يؤتزر به وأغلب استعماله للنساء ويكون من صوف أوخز غالبا (على نساء المدينة) مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا أي أعطى كل واحدة مرطا (فبقي مرط جيد) وصفه بالجودة للإشارة إلى قصد التكريم به وليس معنى ذلك أن المروط الموزعة لم تكن جيدة (فقال له بعض من عنده) لم يقف الحفاظ على اسم القائل وجرت عادتهم على إبهام الاسم للستر حين يكون ما أسند إليه لا يتشرف به وهذا العرض هنا يشتم منه النفاق والتزلف (أعط هذا بنت رسول الله ﷺ التي عندك) أي زوجتك وهي أم كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله ﷺ ولدت في حياته ﷺ وكانت أصغر بنات فاطمة من علي ﵄ وكان عمر قد تزوجها (أم سليط أحق به) أم سليط بفتح السين وكسر اللام وهي أم قيس بنت عبيد من بني مازن تزوجها أبو سليط بن أبي حارثة من بني عدي بن النجار فولدت له سليطا ذكر أنها شهدت أحدا وخيبر وحنينا (فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد) تزفر بفتح التاء وسكون الزاء وكسر الفاء أي تحمل قرب الماء -[فقه الحديث]- ثبت في الصحيح أن عائشة وأم سليم كانتا تحملان القرب يوم أحد ثم تفرغانها في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم وهذا الحديث يضم إليهما في المهمة نفسها أم سليط وثبت في الصحيح أيضا عن الربيع بنت معوذ قالت كنا نغزو مع

стр. 640

النبي ﷺ فنسقي القوم ونخدمهم ونداوي الجرحى ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة وفي حديث آخر ثبت خروجهن لغزل الشعر ومناولة السهام قال الحافظ ابن حجر ولم أر في شيء من الأحاديث التصريح بأنهن قاتلن أهـ ولعل من ينسب إليهن الغزو مع رسول الله ﷺ يقصد أنهن كن يعن الغزاة وإعانة الغازي غزو فمن أعان غازيا فقد غزا كما سبق بيانه نعم كان بعضهن بصدد أن تقاتل إذا اعتدى عليها أحد المشركين فقد أخرج مسلم عن أنس أن أم سليم اتخذت خنجرا يوم حنين فقالت اتخذته أن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه ولا شك أن خروج المرأة في الغزو كان للضرورة ولذلك أبيح لها أن تداوي الرجال ولا يباح للمرأة أن تعالج الرجل الأجنبي إلا لضرورة والضرورات تبيح المحظورات ولذلك لم يبح إذا ماتت ولم توجد امرأة تغسلها أن يباشر الرجل الأجنبي غسلها بالمس بل يغسلها من وراء حائل عند البعض وتيمم عند الأكثر وقال بعضهم تدفن كما هي بدون غسل وفي الحديث نزاهة عمر بن الخطاب وتقديره للجهاد والمجاهدين والمجاهدات وحيطة الحاكم وابتعاده عن الشبهات ومكافأته للمحسن على إحسانه وفضل المجاهدين السابقين

стр. 641

٣١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع -[المعنى العام]- طبع الله الإنسان على حب المال فقال في القرآن الكريم ﴿وتحبون المال حبا جما﴾ وقال رسوله الكريم لو كان لابن آدم واد من ذهب لتمنى ثانيا ولو كان له واديان لتمنى ثالثا ذاك طبع طبع الله الإنسان عليه ودعا إلى تهذيب هذا الطبع وتقويمه دعاه إلى مقاومة الجشع والطمع والجري وراء المال من حله ومن غير حله دعاه إلى أن ينفق ما وهبه الله فيما شرعه فيحسن به كما أحسن الله إليه ولا ينسى نصيبه من الدنيا دعاه إلى أن يجعل المال في يده لا في قلبه وأن يسخر المال ويجعله خادما لا أن يجعل نفسه خادما والمال مخدوما دعاه أن يكون سيدا للمال لا أن يكون عبدا للدرهم والدينار والثياب وزينة الحياة الدنيا يصبح في خدمة المال وجمعه ويمسي في عده وحراسته والسهر عليه وسواء أكان الحديث يدعو عليه بالتعاسة والشقاوة أم كان يخبر عنه بأنه تعس في نفسه غير سعيد فإن الزجر والتنفير شديد ومخيف وقد جعل الحديث علامة هذا الشقي أنه إن أعطي من المال رضي عمن

стр. 642

أعطاه وإن لم يعط سخط على من لم يعطه فسبب الرضا عنده العطاء وسبب الغضب عنده المنع ولو كان لحكمة وللمصلحة فهو أسير المال وهو كالكلب يتبع العظم والسيد مثل هذا يستحق الدعاء عليه بدوام التعس لأنه ألغى عقله واستدبر شرع الله فلا يستحق الدعاء له مثل هذا المتخبط في ظلمات الجهل والخطيئة والمنتكس في سلوكه كمن يمشي على رأسه هو كمن يمشي على أشواك جدير أن يدعى عليه بعدم إخراج الأشواك من جسده ذلك الصنف الهالك يقابله صنف الفالحين الذين باعوا أموالهم لله وأنفقوها في سبيله واستوى عندهم الغنى والفقر وهانت عليهم الدنيا بمظاهرها ومناصبها يؤدون واجبهم وواجب الإسلام في أي موقع أخذوا بلجام خيلهم في الجهاد تركوا الزينة ونعيمها فشعت شعرهم وثار واغبرت أقدامهم وتربت إن وضعوا في مقدمة الجيش أدوا واجبهم وإن وضعوا في مؤخرة الجيش أدوا واجبهم لا يعنيهم اختلال الموازين عند الناس لا يعنيهم أن الجهلة عباد المصالح وأهل التزلف والنفاق لا يقدسونهم كما يقدسون أصحاب المناصب لا يعنيهم أن لا يؤذن لهم عند هؤلاء الناس إن استأذنوا عليهم لا يعنيهم أن يرفض السوقة والجهلة وعباد المال شفاعتهم إن هم تشفعوا لأحد عندهم لا يعنيهم شيء من ذلك ما داموا مع ربهم شعارهم دعاء ربهم . . . . . . .. . . . . . . . ... وليتك ترضى والأنام غضاب إذا صح منك الود فالكل هين ... وكل الذي فوق التراب تراب -[المباحث العربية]- (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم) تعس بفتح التاء وكسر العين ويجوز فتحها ضد سعد تقول تعس فلان أي شقي وقيل التعس السقوط على الوجه وقيل أن يعثر فلا يفيق من عثرته وقيل هلك وعبد الدينار كناية عن اتباعه والذل من أجله والجري وراءه فكأنه لذلك خادمه وعبده قيل إنما خص العبد بالذكر ولم يقل مالك الدينار أو جامع الدينار لأن

стр. 643

المذموم الشره والجشع لا مطلق الملك والجمع والدينار هو المضروب من الذهب للتعامل به والدرهم هو المضروب من الفضة (وعبد الخميصة) الخميصة كساء أسود له أعلام وفي رواية القطيفة وهي ثوب له خمل وكرر لفظ عبد مع كل معطوف للإشارة إلى استقلال كل في الذم فمن استغرق في جمع واحدة منها فهو تعس (إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط) هذا دليل على الشره والحرص وأن الأخذ تملك عليه أمره فالرضا عن الناس عنده مرتبط بالإعطاء والسخط مرتبط بعدم الإعطاء وليس للحق أو للعدل عنده وزن بعد ذلك وأعطي بضم الهمزة مبني للمجهول أي إن أعطاه أي معط بحق أو بغير حق رضي عنه واصطفاه وتبعه (تعس وانتكس) إعادة الدعاء عليه بالتعس لزيادة التعنيف والانتكاس الانقلاب والمعنى سقط وعاوده السقوط أي سقط وكلما نهض سقط (وإذا شيك فلا انتقش) شيك بكسر الشين أي أصابته الشوكة في جسده وانتقش أخرج الشوكة بالمنقاش وهو الملقاط والمعنى دعاء عليه بأنه إذا أصابته شوكة لم تخرج من جسده بطبيب أو غيره وإنما خص انتقاش الشوكة لأنه أسهل ما يتصور من المعاونة فإذا انتفى السهل انتفى ما فوقه بطريق الأولى (طوبى لعبد) طوبى بضم الطاء دعاء له بكل شيء طيب وقيل دعاء له بالجنة لأن طوبى أشهر أشجارها وأطيبها والواو في طوبى منقلبة عن ياء لأنه فعلى من طاب يطيب فأصله طيبى والمراد من العبد الإنسان وقيل المؤمن فالأول من عباد الله وكلنا له عبد والثاني من عباد الرحمن العابدين (آخذ بعنان فرسه في سبيل الله) ليس المقصود الأخذ بالعنان بالفعل وإنما المقصود الرباط بالفرس والاستعداد به للجهاد في أية لحظة (أشعث رأسه) شعث الرأس انتفاش شعرها وتعرضها للتراب بسبب

стр. 644

السفر والبعد عن الراحة والزينة وأشعث منصوب على الحال من عبد لأنه نكرة وصفت فساغ مجيء الحال لها كذا قال الكرماني وقال غيره مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف صفة لعبد ورأسه مرفوع على الفاعلية (مغبرة قدماه) تأكيد للخشونة والمشقة والبعد عن الراحة والزينة وإعرابه كإعراب سابقه (إن كان في الحراسة كان في الحراسة) اتحد هنا الشرط والجزاء في اللفظ وقصد اختلافهما في المعنى والتقدير إن دعته المصلحة أن يكون في الحراسة ومقدمة الجيش التي تحرس من هجوم العدو قبل وأدى واجبه فيها خير أداء وحاصل اختلاف الشرط والجزاء يرجع إلى قيد ملاحظ في الجزاء أي إن كان في الحراسة كان في الحراسة راضيا عاملا وإن كان في المؤخرة كان في المؤخرة راضيا عاملا فهو لا يقصد بجهاده الرياء والشهرة وإنما هدفه الإسهام في نصر دين الله قدر ما يستطيع في أي موقع (إن استأذن لم يؤذن له) مظهر آخر من مظاهر عدم الاهتمام بالغنى الذي يزن الناس به الرجال فهم لا يعرفون قدره وهو لا يعني بمنزلته عندهم بقدر عنايته بمنزلته عند ربه وقد حذف المستأذن عليه والمستأذن فيه للتعميم أي إن استأذن على أحد في الدخول أو في الكلام لم يؤذن له وقدموا عليه في الدخول أو في الكلام ذا المال وذا المنصب (وإن شفع لم يشفع) بضم الياء وفتح الشين وتشديد الفاء المفتوحة أي لم تقبل شفاعته ولا ينظر إليها ولا يهتم بها لأنه أشعث أغبر -[فقه الحديث: ]- ذكر البخاري هذا الحديث في كتاب الجهاد تحت باب الحراسة في الغزو في سبيل الله باعتبار نصفه الأخير طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في

стр. 645

الحراسة ... إلخ والحراسة في الحديث غير الحراسة التي جعلت عنوان الباب إذ القصد منها في العنوان حماية القائد أو حماية الأسلحة أوحماية المنطقة والجيش من الغدر والمفاجأة ولذلك ساق البخاري قبل ذلك مباشرة قول النبي ﷺ حين سهر في سفر وأراد النوم ليت رجلا من أصحابي صالحا يحرسني الليلة ... الحديث والحراسة في حديثنا مراد منها مقدمة الجيش وصدره فعلاقته بالباب على هذا غير ظاهرة وقد أخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب ما يتقى من فتنة المال باعتبار صدره تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة ... إلخ والعلاقة بين الجزأين واضحة وإن اختلف موضوعهما وهي علاقة المقابلة مال يفتن ويصبح سبب الهلاك ومال ينجي ويكون سبب الفوز والفلاح وقد استشكل على الحديث بأنه كيف يدعى على الضال بدوام الضلال وزيادته ولا يدعى له بالهداية والاستقامة وأجيب بأن الدعاء عليه ليس بزيادة الضلال وإنما بتلقيه جزاء الضلال والشقاوة المدعو بها أثر وجزاء طبيعي لسلوكه وشرهه في الجمع وسوء التصرف في الإنفاق والدعاء بعدم خروج الشوكة دعاء بالإيلام جزاء تعريض نفسه للشوك فهو دعاء عليه بعقوبة دنيوية معاكسة لأنه ألغى عقله وأهمل شرعه -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - التحذير من فتنة المال ٢ - التحذير من الشره والاتجاه بكل الهمة نحو جمعه من حله ومن غير حله ٣ - الحث على القناعة ٤ - الحث على أن يكون الرضا أساسه الحق والعدل وليس الإعطاء

стр. 646

٥ - جواز الدعاء على الضال بالجزاء المناسب لضلاله ٦ - الحث على إنفاق المال في سبيل الله ٧ - امتداح التواضع وعدم السعي للشهرة ٨ - امتداح أداء الواجب في أي موقع ٩ - فضل الرباط في سبيل الله وفضل اتخاذ الفرس لذلك ١٠ - ذم المقاييس البشرية وموازين الناس للرجال بموازين الغنى والمناصب

стр. 647

كتاب بدء الخلق ٣٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي -[المعنى العام]- جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل إلى الأرض جزءا واحدا منه يتراحم الخلق فيما بينهم حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه والكلام عن رحمة الله وسعتها كلام في بدهي جلي فاسمه جل شأنه الرحمن الرحيم ورحمته وسعت كل شيء لكن حديثنا يهدف إلى بيان سبقها على الغضب يهدف إلى بيان انغماس الخلق في رحمته أولا وقبل أن تصيبهم المصائب أو يبتلوا ببلاء يهدف إلى توجيه العبد إلى شكر الرحمن الرحيم في وقت المحنة لتفضله السابق والكثير بالمنحة يهدف إلى توجيه العبد إلى الإيمان بالقضاء والقدر وأن ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ نعم خلق الله أول ما خلق الماء والعرش ثم القلم واللوح فقال للقلم اكتب قال القلم ما أكتب قال اكتب ما كان وما يكون فكتب

стр. 648

في اللوح المحفوظ كل شيء وحفظ هذا اللوح عنده تعالى وفي خاصة ملكه عند عرشه لا يطلع عليه إنس ولا جن ولا ملك ومما كتب فيه إن رحمة الله تغمر مخلوقاته قبل غضبه وإن رحمة الله بخلقه أضعاف أضعاف غضبه عليهم لإساءتهم يخلقهم ويجحدونه يرزقهم فيأكلون خيره ويعبدون غيره ومع ذلك يستمر يرزقهم ويمنحهم النعم الكثيرة التي لا تحصى وحتى ذنوبهم تلحقها الرحمة فيعفو عنها فبرحمته خلق الخلق وبرحمته يحيون وبرحمته يموتون وبرحمته يبعثون وفي رحمته يخلدون نسأل الرحمن الرحيم أن يديم علينا سحائب رحمته في الدنيا والآخرة -[المباحث العربية]- (كتاب بدء الخلق) الخلق بالمعنى الأسمى أي المخلوق ولكل مخلوق بدء لكن المراد بدء المخلوقات وأيها حصل أولا وأيها كان في البداية قبل غيرها (لما قضى الله الخلق كتب في كتابه) يقال قضى بمعنى خلق ومنه قوله تعالى ﴿فقضاهن سبع سماوات في يومين﴾ ويقال قضى بمعنى حكم وأمضى، فالمعنى على الأول لما خلق الله وأوجد جنس المخلوقات في بعض أفراده كالماء أو العرش أو القلم والكتاب كتب كذا وكذا. والمعنى على الثاني لما قضى وحكم وقدر خلق الخلق كتب كذا وكذا. أي أمر القلم أن يكتب في اللوح المحفوظ كما صرح بذلك في بعض الأحاديث (فهو عنده) الضمير هو يعود على كتابه وقوله فهو عنده قصد به الإشارة إلى كمال خفائه عن الخلق أي فالكتاب وأسراره عنده وحده ويجوز أن يعود الضمير على المكتوب المفهوم من كتب في كتابه أي فالمعلومات المكتوبة علمها عنده (فوق العرش) استشكل بذكر كلمة فوق لما هو معلوم أن العرش لا يعلوه شيء وحاول بعضهم رفع الإشكال فزعم أن لفظ فوق زائدة مثلها

стр. 649

في قوله تعالى ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين﴾ إذ المراد اثنتان فصاعدا ورد هذا بأن الزائد يستقيم الكلام بحذفه كما في الآية أما الحديث فلا يستقيم الكلام بحذف لفظ فوق إذ لا يقال فهو عنده العرش وقيل معناه دون العرش من قبيل قوله ﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها﴾ قال جمهور المفسرين معناه فما دونها وأقل منها في الصغر فمعنى دون العرش أي تحته وعندي أننا لو قلنا إن العرش يحيط بالسموات والأرض إحاطة قشر البيضة بالبيضة كان ما في داخله من مخلوقات يصلح أن يقال عنه أنه فوقه باعتبار أنه فوق جزء من أجزائه فلا إشكال (إن رحمتي غلبت غضبي) إن يجوز فيها فتح الهمزة على أنها بدل من مفعول كتب المقدر والأصل كتب في كتابه شيئا أن رحمتي غلبت غضبي ويجوز فيها الكسر على حكاية المكتوب والمراد من رحمته تعالى هنا لازمها من إيصال الخير والمنافع والمراد من غضبه هنا كذلك لازمه من إيصال الإيلام والعذاب والمراد من الغلبة السبق لرواية إن رحمتي سبقت غضبي ولو تأملنا لوجدنا رحمته وخيره تعالى سابق لأي ابتلاء لأن الرحمة تفضل لا تحتاج سببا أما الغضب فهو متوقف على سابقة ما يوجبه وقيل المراد من الغلبة الكثرة والشمول ولو تدبرنا نعم الله وفضله ورحمته لآمنا بكثرتها عن الغضب بمئات المرات -[فقه الحديث]- عن بدء المخلوقات وأيها خلق أولا سأل ناس من أهل اليمن رسول الله ﷺ فقال فيما رواه البخاري كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض فهذا صريح في أنه لم يكن شيء غيره تعالى لا الماء ولا العرش ولا غيرهما ومما هو ظاهر أن العرش والماء كانا مبدأ هذا العالم ولم يكن تحت العرش إذ ذاك إلا الماء فمعنى ﴿وكان عرشه على الماء﴾ أي بعد أن كان وحده ولا شيء معه ولما كان العطف بالواو بين الكتابة وبين

стр. 650

خلق السموات والأرض وبين العرش وهي لا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا ولما كان الترتيب في الذكر بدون حرف العطف الدال على الترتيب كالفاء وثم وجدنا من يقول إن الماء خلق أولا ... ومن يقول إن القلم خلق أولا والتمس كل لقوله دليلا فمن قال إن الماء خلق أولا اعتمد على ما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين مرفوعا إن الماء خلق قبل العرش ويؤيده ظاهر قوله في الصحيح وكان عرشه على الماء فالمعتلي عادة متأخر عن المعتلى عليه ومن قال إن القلم خلق أولا اعتمد على ما رواه أحمد والترمذي وصححه أيضا من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا أول ما خلق الله القلم ثم قال اكتب فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة ويؤيده ظاهر أن العرش من المخلوقات ومن شأنه أن يكتب قبل أن يوجد كبقية المخلوقات والأكثرون على سبق خلق العرش ويؤولون الأولية في حديث القلم بأنها أولية نسبية أي بالنسبة لما عدا الماء والعرش وأما حديث أول ما خلق الله فقد قال المحققون ليس له طريق ثبت يعتمد عليه وقد أورد بعضهم إشكالا على الحديث من حيث سبق الرحمة على الغضب فزعم أن العذاب قد يقع قبل الرحمة كمن يدخل النار من الموحدين ثم يخرج بالشفاعة أو بفضل الله وأجيب بأن الرحمة سابقة دائمة في الخلق والحفظ والإنعام والرزق وحتى من يعذب من الموحدين سبق تعذيبه رحمات ورحمات ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة﴾ فإمهالهم رحمة ثم عذابهم عذابا مؤقتا بدرجة أخف رحمة ولولا وجودها لعذبوا بعذاب أشد وخلدوا ومن هنا قال الطيبي في سبق الرحمة إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب وأنها تنالهم من غير استحقاق وأن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق فالرحمة تشمل الشخص جنينا ورضيعا وناشئا قبل أن يصدر منه شيء من الطاعة ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر منه من الذنوب ما يستحق معه ذلك

стр. 651

-[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - إثبات القلم لأن الكتابة إنما تكون به ٢ - إثبات اللوح المحفوظ لقوله في كتابه وفي رواية في كتاب ٣ - إثبات العرش ٤ - الرجاء الواسع في رحمة الله تعالى وفيها يقول جل شأنه ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾

стр. 652

٣٣ - عن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان -[المعنى العام]- لما خلق الله السموات والأرض وخلق القمر وقدره منازل وجعل الشمس ضياء وربط النهار بالشمس والليل بغيابها وجعل الليل والنهار يوما وربط الشهر بالقمر وبمنازله فإذا تمت دورته في منازله وعاد إلى المنزل الأول كان الشهر ويقطع هذه المسافة في تسعة وعشرين يوما ومائة وواحد وتسعين جزءا من ثلاثمائة وستين جزءا أي ما يزيد قليلا عن نصف يوم فمجموع أيام السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وأحد عشر جزءا من ثلاثين جزءا وربط أول الشهر العربي شرعا برؤية الهلال وكانوا من غير الشريعة يجعلون شهرا تسعة وعشرين يوما وشهرا ثلاثين يوما فالمحرم في اصطلاحهم ثلاثون يوما وصفر تسعة وعشرون يوما وهكذا إلى آخر السنة القمرية وشرع الله على لسان إبراهيم وإسماعيل أربعة أشهر من كل عام يحرم فيها القتال ويسالم الناس بعضهم بعضا حتى يمر الرجل فيها على قاتل أبيه أو ابنه أو أخيه فلا يقربه بسوء وحددت هذه الأشهر بالمحرم ورجب وذي القعدة وذي الحجة ومع أن العرب لم يبعث فيهم رسول منذ إسماعيل إلى محمد ﵉ لكنهم التزموا بحرمة أشهر أربعة غير أنهم كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهرا آخر فيستحلون المحرم ويحرمون صفرا فإن احتاجوا أحلوه وحرموا ربيعا الأول وهكذا كانوا يفعلون حتى استدار التحريم على شهور السنة كلها وكانوا يعتبرون في

стр. 653

التحريم مجرد العدد لا خصوصية الأشهر المعلومة وربما زادوا في عدد الشهور بأن يجعلوها ثلاثة عشر أو أربعة عشر ليتسع لهم الوقت ويجعلوا أربعة أشهر حراما من السنة ولذلك نص على العدد (اثنا عشر شهرا) وكان وقت حجهم يختلف لذلك فكان الحج في السنة التاسعة التي حج فيها أبو بكر بالناس في ذي القعدة وفي حجة الوداع وهي التي قال فيها رسول الله ﷺ هذا الحديث كان في ذي الحجة وهو الذي كان موعد الحج على عهد إبراهيم ﵇ فاستدار الزمان وعاد الاسم على المسمى وعلى وقته الذي أراده الله فأمر رسول الله ﷺ أمته أن تحترم الأشهر الحرم وأوقاتها وحددها تحديدا لا يقبل النسيء والتأخير ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم والشهر الذي بين جمادى وشعبان والذي تحافظ مضر على اسمه في وقته حتى نسب إليها فقيل رجب مضر هذه هي السنة العربية الإسلامية وأشهرها أما أي الأشهر أولها وأي الأشهر آخرها وبأي الأحداث أرخ فكان في زمن عمر ﵁ جعل أولها المحرم وأرخ بسنة هجرة رسول الله ﷺ وكان قبل ذلك في صدر الإسلام يؤرخ بعام الفيل وأوله ربيع الأول والله أعلم -[المباحث العربية]- (إن الزمان) الزمان اسم للوقت قليله وكثيره والمراد به هنا السنة بشهورها فالمعنى إن الزمان في انقسامه إلى أعوام وانقسام الأعوام إلى الأشهر عاد إلى أصله (قد استدار) يقال دار يدور واستدار يستدير إذا طاف حول الشيء وإذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه والمعنى هنا أن النسيء وتأخير الأشهر وتغيير أسمائها وأوقاتها قد عاد إلى الأصل (كهيئته يوم خلق الله) الكاف اسم بمعنى مثل صفة لمفعول مطلق محذوف أي استدارة مشابهة لهيئته يوم خلق الله السموات

стр. 654

(ثلاث منها متواليات) التمييز مفرده الشهر وهو مذكر فكان الأصل أن يقال ثلاثة لكن لما حذف المعدود جاز تذكير العدد وتأنيثه حسب الذي يقدر ويروى (ثلاثة) بالتاء على الأصل (ورجب مضر) معطوف على ثلاث وإنما أضيف إلى مضر لأنها كانت تحافظ على تحريمه أشد من محافظة سائر العرب (الذي بين جمادى وشعبان) رفع للبس وإزالة الشك وتحديد لمنع النسيء والتأخير -[فقه الحديث]- هذا الحديث جزء من خطبته ﷺ في حجة الوداع يبطل به نسيء الجاهلية الذي حكاه جل شأنه وأوعد عليه بقوله ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين﴾ والمعنى أن تأخير الأشهر عن مواقيتها وزيادة أوقات الحل وترحيل أوقات الحرمة زيادة في كفر الكافرين وضم معصية إلى معاصيهم فهم يحلون ما حرم الله وتحليل ما حرم الله كفر على كفرهم يحلون الشهر المحرم عاما من الأعوام ويحافظون على حرمته عاما آخر قال الكلبي في تفسيره أول من فعل ذلك رجل من كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة وكان إذا هم الناس بالعودة من موسم الحج قام فخطب فيهم وقال لا مرد لما قضيت ثم يحل لهم بعض الأشهر الحرم وقال الضحاك في تفسيره أول من فعل ذلك جنادة بن عوف الكناني وكان مطاعا في الجاهلية وكان يقوم على جمل في موسم الحج فينادي بأعلى صوته إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه ثم يقوم في العام القابل فيقول إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه

стр. 655

ومعنى تحريم الأشهر الحرم أن ما كان حراما في غيرها يكون شديد الحرمة فيها ومقتضى مضاعفة الجريمة فيها مضاعفة أجر الطاعة الواقعة فيها أيضا ثم إن المباح كرد اعتداء أو عقوبة أو مقابلة إساءة بإساءة يكون محظورا شرعا فيها فالهدف الشرعي منها خلق جو من الأمن والأمان بين المجتمعات الإسلامية وإذا كان هذا الهدف مطلوبا في جميع أيام العام فإنما قصد بالأشهر الحرم الإلزام والتدريب على هذا السلام بين الأمة كالصوم شهرا مقصودا به التدريب على الصبر وعلى قوة الإرادة حتى يسهل على المسلم الالتزام الكامل في جميع الأوقات وفي هذه الهدنة يمكن للنفوس الغضبة أن تصفو وللثورة أن تهدأ وللضغائن أن تزول وقد قيل في حكمة تحديدها هذا التحديد أن المحرم مبدأ العام وأن رجب وسطه وأن ذا القعدة وذا الحجة آخره وكان الآخر شهرين لأنهما موسم الحج وتعظيم شعائر الله والمسلمون فيهما أحوج إلى الأمن والأمان أكثر من غيرهما

стр. 656

٣٤ - عن عائشة ﵂ قالت كان النبي ﷺ إذا رأى مخيلة في السماء أقبل وأدبر ودخل وخرج وتغير وجهه فإذا أمطرت السماء سري عنه فعرفته عائشة ذلك فقال النبي ﷺ ما أدري لعله كما قال قوم فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم الآية -[المعنى العام]- لله في الكون آيات يسخر ما يشاء لما يشاء يجعل الشيء الواحد تارة نعمة وتارة عذابا وتارة نعمة لقوم وعذابا للآخرين المطر مثلا يكون غيثا وحياة لبلدة ميتة ويكون طوفانا وسيولا مغرقة مدمرة بل المطر القليل المعتاد يكون عند القحط للزارعين غيثا وفي الوقت نفسه يكون لمن يعملون في الفخار ونحوه بلاء والريح منها الصبا والنسيم التي يتمناها الإنسان في الصيف ومنها الدبور التي تلفح الوجوه والتي أهلكت بها عاد ﴿ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم﴾ وما نراه وما نسمعه في أيامنا من نكبات العواصف العاتية المدمرة ليس إلا امتحانا واختبارا وإنذارا ولكن قل من يتنبه ويعتبر من هنا كان واجب المؤمن إذا رأى آية من آيات الله في الكون سحابا أو ريحا أو مطرا أو نحوها أن يطمع في كرم الله ونعمائه وأن يخاف بطش الله وعقابه يرجو رحمته ويخشى عذابه بل عليه أن يغلب الخوف على الطمع والرجاء وهكذا كان رسول الله ﷺ رغم الوحي إليه بأن أمته لا تعذب عذاب استئصال كبعض الأمم ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ رغم أنه أعطي الأمان من أن تعذب أمته بالحجارة أو بالمسخ أو بالصيحة أو بالغرق أو بالريح رغم كل هذا كان إذا رأى سحابة في السماء وهو يتمناها غيثا يخشى أن تكون عذابا أليما يتملكه الخوف من عقاب الله فهو يرى كثرة المكذبين الضالين المستحقين للنقمة يتملكه القلق يدخل ويخرج يقبل ويدبر يتحرك ويسكن وينقبض وجهه وتظهر

стр. 657

عليه علامات الخوف والارتباك فإذا أمطرت السحابة مطرا طيبا هدأ وزال عنه ما كان به تكرر ذلك منه وعرف بين مشاهديه قالت عائشة يوما يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيته تغيرت وعرفت الكراهية في ملامحك فقال يا عائشة كيف آمن أن يكون فيها عذاب لقد عذب قوم من مثلها لما رأوها تستقبل أوديتهم وديارهم وهم في قحط فرحوا بها وقالوا هذا سحاب عارض مستعرض في السماء ممطرنا فكانت ريحا فيها عذاب أليم -[المباحث العربية]- (كان النبي ﷺ إذا رأى مخيلة في السماء) هذا الأسلوب يفيد الشأن والعادة والاستمرار والمخيلة بفتح الميم وكسر الخاء هي السحابة التي يخال ويظن فيها المطر فقوله في السماء زيادة في الإيضاح وفي رواية للبخاري إذا رأى غيما أو ريحا (أقبل وأدبر ودخل وخرج) ليس المقصود بيان من أين أقبل؟ ولا إلى أين أدبر ولا إلى أين دخل وليس المقصود الإقبال أو الإدبار والدخول والخروج بالفعل وإنما المقصود لازم ذلك من مظاهر القلق والخوف (فإذا أمطرت السماء) أي المخيلة التي في السماء من إطلاق المحل وإرادة الحال فيه (سري عنه) بضم السين وكسر الراء المشددة وفتح الياء مبني للمجهول أي كشف عنه وزال ما ألم به من الخوف وآثاره (فعرفته ذلك) بفتح العين وتشديد الراء المفتوحة وسكون الفاء من التعريف والإشارة لما كان عليه من تغير الوجه والخوف أي أخبرته بما أراه منه وفي رواية للبخاري قلت يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية

стр. 658

(وما أدري) ما استفهامية أي ومن أين وكيف أدرك عاقبة السحابة (لعله كما قال قوم) لعل هنا للإشفاق لأنها سبقت المكروه فإذا سبقت المحبوب كانت للترجي والضمير للحال والشأن أي ربما يكون الحال والشأن كحال وشأن من قال يقصد قوم عاد وقولهم ﴿هذا عارض ممطرنا﴾ (فلما رأوه عارضا) أي فلما رأوا السحاب في عرض السماء أي معترضا في السماء (مستقبل أوديتهم) أي متجها بما يحمل نحو خيامهم ومزارعهم والغاية من ذكر الآية هي بقيتها وقولهم ﴿هذا عارض ممطرنا﴾ فهو مقول القول في كما قال قوم -[فقه الحديث]- -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - أن الله يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وقاصفا تقصف وتدمر كل شيء باعتبارها التي تحمل المخيلة والسحاب وأن المخيلة والسحاب ليست خيرا دائما ٢ - مشروعية تغليب الخوف على الرجاء حتى مع القرب من الله وكان رسول الله ﷺ أشد الناس خوفا ٣ - شفقة الرسول ﷺ على أمته ورحمته بهم وخوفه من عذابهم وقد استشكل هذا مع قوله تعالى ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ فهذا وعد من الله تعالى أن لا يوقع العذاب بأمة محمد ﷺ ما دام محمد ﷺ حيا فيهم ووعد أيضا أن لا يعذبهم وهم يستغفرون بعد وفاته ووعد الله لا يتخلف فكيف يخشى رسول الله ﷺ وقوع العذاب بالأمة مع هذا الوعد وأجيب بأن الآية والوعد إنما نزل بعد هذه القصة

стр. 659

وهذا الجواب مبني على مجرد احتمال فلا يرفع الإشكال وبخاصة أن عبارة عائشة كان النبي ﷺ إذا رأى مخيلة في السماء أقبل وأدبر تفيد الدوام والاستمرار وحدثت بهذا عطاء التابعي مما يوحي بأن هذا كان شأنه ﷺ إلى آخر حياته والأولى أن يقال إن الآية والوعد يمنعان عذاب الاستئصال لكل أفراد الأمة والمخوف منه أن يقع العذاب بالمخيلة بالبعض وهو ما لا يشمله الأمن والتأمين بل هو واقع في مختلف الأزمان وإلى اليوم ٤ - أن القلق ومظاهره من الإقبال والإدبار والدخول والخروج لا يخل بما يجب من صبر وسكينة واستسلام للقضاء والقدر بل لعله مظهر من مظاهر إعلان الضعف والعجز واللجوء إلى الله وقت الشدة ووقت الخوف أما السكينة والصبر والاستسلام فهي مطلوبة بعد وقوع المصيبة ٥ - حرص الصحابة والمرأة على معرفة أمور الدين والاستفسار عما تجهل من الأحوال الشرعية ٦ - ما يجب على المسلم من الانتباه للكون وما يجري فيه وتدبر ذلك والتفكير فيه وإحالة ما يجري من ذلك إلى الله تعالى لا إلى الطبيعة وقوانينها

стр. 660

٣٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحببه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض -[المعنى العام]- طاعة الإنسان المسلم لربه تعالى تنتج محبة الله تعالى للعبد مصداقا لقوله تعالى ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ وتزداد هذه المحبة بالنوافل عملا بقوله تعالى في الصحيح القدسي وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ... إلى آخر الحديث وإذا أحب الله عبدا أوحى إلى جبريل بهذا الحب فيحبه جبريل لأنه يحب الله ويحب من يحبه الله، ثم يأمر الله جبريل أن ينادي في ملائكة السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فتحبه الملائكة ثم يغرس الله تعالى حب ذلك الإنسان في قلوب بني الإنسان الذين يعاشرونه أو يرونه أو يسمعون به فكل الذين يحبهم الله يحبهم الصالحون من بني آدم ويحبهم أكثر من يعرفهم ويثنون عليهم ويذكرونهم بخير وبالتالي فكل الذين يحبهم الناس المؤمنون ويشيع حبهم وثناؤهم وتقديرهم عندهم محبوبون

стр. 661

عند الله فحب الناس الصالحين للمؤمن دليل على حب الله له وبالنقيض يكون بغض الصالحين لفرد دليلا غالبا على بغض الله له نسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا بحبه والطاعة له والتقرب إليه وأن يمنحنا حبه وحب جبريل وحب ملائكته وحب الصالحين -[المباحث العربية]- (إذا أحب الله عبدا) الحب عند البشر ميل القلب للمحبوب سواء كان جبليا أم كان مكتسبا وحب الله تعالى يعلمه جل شأنه لكنه يستلزم القبول والرضا والإثابة والله يحب المتقين ولا يحب كل خوان أثيم (نادى جبريل) بصوت يخلقه يسمعه جبريل ﵇ أو بالوحي إليه بصورة ما وخص جبريل لأنه ملك الوحي والوساطة في تبليغ أمر الله إلى خلقه (إن الله يحب فلانا فأحببه) الجملة مقول القول المدلول عليه بالنداء وفلانا كناية عن الاسم الذي يذكر والأمر بحب جبريل له أمر تكليف والملائكة ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ أو أمر تكوين أي يغرس حبه فيه بكن فيكون والأول هو الظاهر لنداء جبريل في أهل السماء فهو مستبعد أن يكون أمر تكوين (فينادي جبريل في أهل السماء) بناء على أمر من الله تعالى بذلك وأهل السماء هم الملائكة أما الأرواح التي تسكن السماء فهي لا تكلف (ثم يوضع له القبول في الأرض) ثم ليست للتراخي الزمني ولا للتراخي الرتبي فالأولى أن تكون للترتيب والتراخي الذكري والمراد من القبول المحبة والقبول أول درجاتها والمراد من الأرض أهلها من الناس -[فقه الحديث]- ساق البخاري هذا الحديث تحت باب ذكر الملائكة من كتاب بدء الخلق كدليل على وجود الملائكة وهي أجسام لطيفة هوائية نورانية تقدر

стр. 662

على التشكل بأشكال مختلفة منزهة عن ظلمة الشهوة وكدرة الغضب خلقوا على صور مختلفة وأقدار وحجوم متفاوتة بعضهم أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع يسد الجناح الأفق أو يحمل القرية فيخسف بها الأرض أو يصيح الملك فتموت الأمة لا يحصي عددهم إلا الله ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾ ساداتهم الأكابر أربعة جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل ومنهم الحفظة والسياحون في الأرض يبتغون مجالس الذكر والمصلين ومنهم المقربون وحملة العرش والحافون به والموكلون بالنطف والخلق في بطن الأم، ومنهم خزنة السماء وخزنة الجنة وخزنة النار والزبانية وغير ذلك وظاهر الحديث أن حب الله للعبد يستلزم حب أهل الأرض له وهو لزوم غالبي فقد يحب الله عبدا مغمورا بين الخلائق أشعث أغبر لا يهتم به أحد ولهذا قال المحققون كل من هو محبوب القلوب عند أكثر من يعرفه من المؤمنين فهو محبوب عند الله وتعكس هذه القضية عسكا منطقيا إلى بعض من هو محبوب عند الله هو محبوب عند أكثر من يعرفه من المؤمنين والحديث هنا لم يتعرض لبغض الله العبد وبغض الخلائق له لكنه تعرض له في غير رواية البخاري إذ جاء وإذا أبغض عبدا نادى جبريل إني أبغض فلانا فأبغضه قال فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه فيبغضونه ثم يوضع له البغض في الأرض وحب الله للعبد أساسه التقوى لقوله تعالى ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ وتقوى الله تستوجب حسن الخلق وحسن معاملة الإنسان لمن يعرفه وأقلها طلاقة الوجه والبعد عن أذى اللسان واليد وأحسنها إزالة الأذى عن الطريق وإفشاء السلام وإطعام الطعام ووصل من قطع وإعطاء من منع والعفو عمن ظلم بمثل هذا يتحقق حب الله وحب الناس

стр. 663

٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح -[المعنى العام]- شرع الله الزواج والنكاح ليستعف المسلم بالحلال عن الحرام وليصرف شهوته حيث أباح له الله وشهوة الفرج أخطر من شهوة البطن فعن طريقها يفتن المرء في دينه وأمام سلطانها يضعف كل سلطان لهذا كانت استجابة الزوجة لرغبة زوجها بشأنها واجبة وكانت مبادرتها بتلبية طلبه بخصوصها حتمية إن للزوجة شهوتها وثورتها كالزوج لكن لما جبلها الله عليه من الحياء لا تدعو زوجها إليها مهما رغبت أو ثارت فكانت وسيلة

стр. 664

قضاء الوطر لها وله طلب الزوج والخطر حينئذ على الطرفين يكمن في رفضها وعدم استجابتها خطر عليه قد يدفعه إلى التفكير في أخرى زوجا أو غير زوج وخطر عليها قد تعض بسببه أصابع الندم لم يعالج الحديث هذا الخطر بهذا الأسلوب فقد تركب المرأة رأسها وتأخذها العزة بالإثم وتدعي أنه لا خطر عليها وأنها لا تهتم بتفكير زوجها في أخرى ولكنه عالجه بدفعها إلى الخوف من غضب الله ومن غضب ملائكته فقال مصلح الإنسانية إذ دعا الرجل زوجته لقضاء شهوته وجب عليها الإسراع بالاستجابة فإن هي تأخرت أو امتنعت بدون عذر فغضب من أجل ذلك زوجها عليها لعنتها الملائكة وغضب الله عليها حتى ترجع عن عصيانها وحتى يرضى زوجها عنها -[المباحث العربية]- (إذا دعا الرجل امرأته) بالعبارة أو بالإشارة بالتصريح أو بالتلميح باللفظ الواضح أو التعريض ما دامت تفهم ذلك وتعلمه (إلى فراشه) كناية عن الجماع أي إلى أن يقضي شهوته سواء كان على فراشه أو فراش غيره أو بدون فراش ولذا قيل الولد للفراش أي لمن يطأ في الفراش (فأبت) يقال أبى يأبى بفتح الباء فيهما أي امتنع فأبت أن تقضي شهوته سواء أجاءت إلى فراشه وامتنعت أو لم تجئ أصلا فرواية فأبت أن تجئ قصد بها الغالب في الامتناع (فبات غضبان عليها) غضبان حال ممنوع من الصرف للوصفية وزيادة الألف والنون (لعنتها الملائكة) اللعن طلب الطرد والإبعاد عن رحمة الله وقد يقصد به مطلق السب وهل المراد من الملائكة جماعة مخصوصون فأل للعهد وهم الحفظة أو ملائكة موكلون بذلك أو عموم الملائكة اعتمادا على رواية مسلم الذي في السماء

стр. 665

(حتى تصبح) فيه إشارة إلى أن الدعوة خاصة بالليل لكن يمكن أن يشمل دعوة النهار ويستمر اللعن من حين الامتناع حتى الصباح التالي والأولى جعل المراد من الغاية الرجوع أو الاعتذار ورفع غضب الزوج والتعبير بالإصباح لأنه مظنة ذلك غالبا -[فقه الحديث]- قال ابن أبي جمرة ظاهر الحديث اختصاص اللعن بما إذا وقع ذلك منها ليلا أهـ وليس هذا الظاهر مرادا إذ لا يجوز لها أن تمتنع في النهار لكن السر في التعبير بذلك تأكد الحكم في الليل لقوة الباعث حينئذ غالبا يؤيد هذا روايات مطلقة كرواية مسلم والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها فالغاية الشرعية إزالة السخط والغضب وتحصيل الرضا تصرح بذلك الأحاديث فلابن خزيمة وابن حبان من حديث جابر رفعه ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ولا يصعد لهم إلى السماء حسنة العبد الآبق حتى يرجع والسكران حتى يصحو والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى وظاهر الحديث أن اللعن مشروط بحصول أمرين عدم إجابة دعوته وأن يغضب لذلك فإن دعاها فأبت فعذرها أو تنازل عن حقه فلم يغضب لم يحصل اللعن وإن غضب منها لسبب آخر غير امتناعها عن إجابة طلبه للفراش لم يحصل اللعن لكن ظاهر حديث الطبراني اثنان لا تجاوز صلاتهما رؤوسهما عبد آبق وامرأة غضب زوجها حتى ترجع قد يدخل في الحكم الغضب لأي سبب شرعي والتحقيق أنه لا يدخل في اللعن وإن كانت تأثم بإغضابه بغير حق وظاهر الحديث جواز لعن المسلم العاصي لأن الملائكة لا يعصون الله فلعن المسلم العاصي ليس معصية

стр. 666

والتحقيق أنه لا يجوز أن يدعى على المسلم العاصي المعين باللعن بمعنى الطرد من رحمة الله بل يطلب له الهداية والتوبة والرجوع عن المعصية ويجوز أن يدعى عليه باللعن مقصودا به مطلق السب إذا كان بحيث يرتدع العاصي به وينزجر -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - أن منع المسلم من حقوقه البدنية أو المالية يوجب سخط الله وعقوبته إلا أن يتغمده الله برحمته ٢ - أن الملائكة تدعو على أهل المعصية ما داموا فيها وذلك يدل على أنهم يدعون لأهل الطاعة ما داموا فيها ٣ - وفيه دليل على قبول دعاء الملائكة من خير أو شر لكونه ﷺ خوف من ذلك ٤ - إرشاد الزوجة إلى طلب مرضاة الزوج ٥ - استدل به بعضهم على أن صبر الرجل على ترك الجماع أضعف من صبر المرأة وفيه نظر لأن طلبه وامتناعها ليس دليلا على قوة الحاجة في الطالب وضعفها في الممتنع فقد يكون ذلك لسبب آخر كشدة الممتنع أو تدلله أو نحو ذلك ٦ - أن العبد يجب أن يحرص على أن يوفي حقوق ربه التي طلبها منه قال الحافظ ابن حجر وإلا فما أقبح الجفاء من الفقير المحتاج إلى الغني الكثير الإحسان

стр. 667

٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ قال بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت لمن هذا القصر فقالوا لعمر بن الخطاب فذكرت غيرته فوليت مدبرا فبكى عمر وقال أعليك أغار يا رسول الله -[المعنى العام]- في الجنة من الحور العين ما لا عين رأت حور مقصورات في الخيام وحور يتلألأن في قصورهن وحول قصورهن ونساء الدنيا المؤمنات سيدات الحور العين يخلقن خلقا جديدا فيه شبههن الدنيوي وجمال الحور الأخروي وفي الجنة قصور لا تدانيها قصور الدنيا مهما عظمت ذلك النعيم لمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ومن مثل عمر بن الخطاب في ورعه وتقواه وعدله ومن أحق بأفخم القصور من عمر يحدثنا رسول الله ﷺ أنه رأى فيما يراه النائم ورؤيا رسول الله ﷺ حق ما يراه في المنام كالذي يراه في اليقظة رأى في منامه أنه في الجنة ورأى امرأة مسلمة تقية يعرفها في الدنيا رآها في الجنة بجوار قصر مشيد رآها تتلألأ نورا وبهاء رآها تغسل وجهها ويديها من أنهار الجنة لتزداد وضاءة ونورا وأعجب ﷺ بالقصر من الخارج وفكر فيما عساه يكون فيه من الداخل من حور وولدان وما تشتهي الأنفس وتلذ العين ومالت نفسه

стр. 668

للدخول وهم به لكنه سأل من حوله من الملائكة لمن هذا القصر فقالوا لعمر بن الخطاب يا للسعادة ويا بشرى لعمر وتردد في الدخول إلى قصر عمر كيف يدخل وهو يعلم أن عمر غيور يأنف أن يرى أحد نساءه إنها غيرة إسلامية يحييها رسول الله ﷺ فهو أغير من عمر ويقدر للغيرة قدرها فليكف عن الدخول وليسارع بالابتعاد عن القصر وليصبح فيبشر عمر بما رأى وما حدثته به نفسه ويبكي عمر بن الخطاب سرورا بالبشرى وتواضعا وشكرا لربه ويقول لرسول الله ﷺ ليتك دخلت فكم يسرني دخولك بيتي يا رسول الله أفديك بأبي وأمي لا أغار منك مهما غرت من جميع الرجال على نسائي فأنت الأمين المأمون وبك يحتمي من يخاف وإلى حماك يلجأ من يستعيذ صلى الله عليك يا رسول الله -[المباحث العربية]- (بينا نحن عند النبي ﷺ قال بينا هو بين الظرفية الزمانية زيدت عليها الألف وقد تزاد الميم قبل الألف فيقال بينما وتضاف إلى الجملة وتحتاج إلى جواب والتقدير بين الأوقات التي كنا فيها عند النبي ﷺ قال (بينا أنا نائم رأيتني في الجنة) أي بين لحظات نومي رأيت نفسي في الجنة فالرؤيا منامية (فإذا امرأة) إذا للمفاجأة وهي جواب بينا أي بين لحظات نومي ورؤية نفسي في الجنة فاجأتني امرأة وفي رواية البخاري في مناقب عمر فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة سهلة بنت ملحان بن خالد بن زيد الأنصارية زوجة أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري وهي أم أنس بن مالك خالة رسول الله ﷺ من الرضاعة (تتوضأ إلى جانب قصر) من المعلوم أن قصور الجنة تجري من تحتها الأنهار ومن المسلم به أن الوضوء المشروع في الدنيا غير مشروع في الآخرة لأنه لا تكليف هناك ومما لا شك فيه أن الغسل في الجنة ليس

стр. 669

للنظافة فأهل الجنة غاية في النظافة لهذا قيل إن المراد من تتوضأ تغسل جوارحها لتزداد جمالا وبهاء وقيل معنى تتوضأ تتلألأ وتضوي وتنير وضاءة وجمالا وقد رواه الترمذي بلفظ رأيت في الجنة قصرا من ذهب (لمن هذا القصر) لم تشغله المرأة ووضاءتها ﷺ وإنما شغله القصر وجماله (قالوا لعمر) القائل جبريل ومعه بعض الملائكة أو أحد الملائكة الموكلين بالقصر ومعه زملاؤه وفي رواية للبخاري فقال بالإفراد ويروى فقالت أي المرأة (فذكرت غيرته) في رواية فذكرت غيرتك بالخطاب لعمر وكان حاضرا التحديث كما هو واضح من الرواية ومن جوابه للرسول ﷺ ومعنى فذكرت أي تذكرت فهو من التذكر والذكر بضم الذال وليس من الذكر بكسر الذال وهو الإخبار والغيرة بفتح الغين (فوليت مدبرا) أي انصرفت عن القصر بسرعة ومدبرا أي معطيا القصر ظهري ودبري حال مؤكدة لأن التولي عن الشيء استدبار له غالبا (أعليك أغار يا رسول الله) أصل الكلام أعليها أغار منك أو أمنك أغار عليها فحصل في الكلام قلب وقيل إن على بمعنى من وحروف الجر ينوب بعضها عن بعض والاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا أغار منك -[فقه الحديث]- -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - جواز التحديث بالمنام السار لصاحبه ولغيره إذا كان في ذلك مصلحة ٢ - فيه بعض صفات الجنة وما فيها

стр. 670

٣ - فيه منقبة لعمر بن الخطاب ﵁ ٤ - فيه أدب النبي ﷺ في مراعاة الصحة وحماية الصاحب والمحافظة على مشاعره وأحاسيسه ٥ - مدح الغيرة وإقرارها والمحافظة عليها وعدم إثارتها ٦ - قال ابن بطال فيه الحكم لكل رجل بما يعلم من خلقه ومن ثم امتنع النبي ﷺ من دخول القصر أهـ أي في الحديث معاملة الناس على أساس ما هم عليه من أخلاق ومراعاة طباعهم فلو كان القصر لرجل غير مشهور بالغيرة لدخله ﷺ اعتمادا على أنه مأمون من غير شبهة ٧ - فيه فضيلة الرميصاء امرأة أبي طلحة حيث إنها المقصودة من المرأة في الحديث للتصريح باسمها في الروايات الصحيحة ٣٨ - عن أسامة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون أي فلان ما
следующие страницы →