Полный текст (1 103 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
والتحقيق أنه لا يجوز أن يدعى على المسلم العاصي المعين باللعن بمعنى الطرد من رحمة الله بل يطلب له الهداية والتوبة والرجوع عن المعصية ويجوز أن يدعى عليه باللعن مقصودا به مطلق السب إذا كان بحيث يرتدع العاصي به وينزجر
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - أن منع المسلم من حقوقه البدنية أو المالية يوجب سخط الله وعقوبته إلا أن يتغمده الله برحمته
٢ - أن الملائكة تدعو على أهل المعصية ما داموا فيها وذلك يدل على أنهم يدعون لأهل الطاعة ما داموا فيها
٣ - وفيه دليل على قبول دعاء الملائكة من خير أو شر لكونه ﷺ خوف من ذلك
٤ - إرشاد الزوجة إلى طلب مرضاة الزوج
٥ - استدل به بعضهم على أن صبر الرجل على ترك الجماع أضعف من صبر المرأة وفيه نظر لأن طلبه وامتناعها ليس دليلا على قوة الحاجة في الطالب وضعفها في الممتنع فقد يكون ذلك لسبب آخر كشدة الممتنع أو تدلله أو نحو ذلك
٦ - أن العبد يجب أن يحرص على أن يوفي حقوق ربه التي طلبها منه قال الحافظ ابن حجر وإلا فما أقبح الجفاء من الفقير المحتاج إلى الغني الكثير الإحسان
стр. 667
٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ قال بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت لمن هذا القصر فقالوا لعمر بن الخطاب فذكرت غيرته فوليت مدبرا فبكى عمر وقال أعليك أغار يا رسول الله
-[المعنى العام]-
في الجنة من الحور العين ما لا عين رأت حور مقصورات في الخيام وحور يتلألأن في قصورهن وحول قصورهن ونساء الدنيا المؤمنات سيدات الحور العين يخلقن خلقا جديدا فيه شبههن الدنيوي وجمال الحور الأخروي وفي الجنة قصور لا تدانيها قصور الدنيا مهما عظمت ذلك النعيم لمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى
ومن مثل عمر بن الخطاب في ورعه وتقواه وعدله ومن أحق بأفخم القصور من عمر
يحدثنا رسول الله ﷺ أنه رأى فيما يراه النائم ورؤيا رسول الله ﷺ حق ما يراه في المنام كالذي يراه في اليقظة رأى في منامه أنه في الجنة ورأى امرأة مسلمة تقية يعرفها في الدنيا رآها في الجنة بجوار قصر مشيد رآها تتلألأ نورا وبهاء رآها تغسل وجهها ويديها من أنهار الجنة لتزداد وضاءة ونورا وأعجب ﷺ بالقصر من الخارج وفكر فيما عساه يكون فيه من الداخل من حور وولدان وما تشتهي الأنفس وتلذ العين ومالت نفسه
стр. 668
للدخول وهم به لكنه سأل من حوله من الملائكة لمن هذا القصر فقالوا لعمر بن الخطاب
يا للسعادة ويا بشرى لعمر وتردد في الدخول إلى قصر عمر كيف يدخل وهو يعلم أن عمر غيور يأنف أن يرى أحد نساءه إنها غيرة إسلامية يحييها رسول الله ﷺ فهو أغير من عمر ويقدر للغيرة قدرها فليكف عن الدخول وليسارع بالابتعاد عن القصر وليصبح فيبشر عمر بما رأى وما حدثته به نفسه ويبكي عمر بن الخطاب سرورا بالبشرى وتواضعا وشكرا لربه ويقول لرسول الله ﷺ ليتك دخلت فكم يسرني دخولك بيتي يا رسول الله أفديك بأبي وأمي لا أغار منك مهما غرت من جميع الرجال على نسائي فأنت الأمين المأمون وبك يحتمي من يخاف وإلى حماك يلجأ من يستعيذ صلى الله عليك يا رسول الله
-[المباحث العربية]-
(بينا نحن عند النبي ﷺ قال بينا هو بين الظرفية الزمانية زيدت عليها الألف وقد تزاد الميم قبل الألف فيقال بينما وتضاف إلى الجملة وتحتاج إلى جواب والتقدير بين الأوقات التي كنا فيها عند النبي ﷺ قال
(بينا أنا نائم رأيتني في الجنة) أي بين لحظات نومي رأيت نفسي في الجنة فالرؤيا منامية
(فإذا امرأة) إذا للمفاجأة وهي جواب بينا أي بين لحظات نومي ورؤية نفسي في الجنة فاجأتني امرأة وفي رواية البخاري في مناقب عمر فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة سهلة بنت ملحان بن خالد بن زيد الأنصارية زوجة أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري وهي أم أنس بن مالك خالة رسول الله ﷺ من الرضاعة
(تتوضأ إلى جانب قصر) من المعلوم أن قصور الجنة تجري من تحتها الأنهار ومن المسلم به أن الوضوء المشروع في الدنيا غير مشروع في الآخرة لأنه لا تكليف هناك ومما لا شك فيه أن الغسل في الجنة ليس
стр. 669
للنظافة فأهل الجنة غاية في النظافة لهذا قيل إن المراد من تتوضأ تغسل جوارحها لتزداد جمالا وبهاء وقيل معنى تتوضأ تتلألأ وتضوي وتنير وضاءة وجمالا وقد رواه الترمذي بلفظ رأيت في الجنة قصرا من ذهب
(لمن هذا القصر) لم تشغله المرأة ووضاءتها ﷺ وإنما شغله القصر وجماله
(قالوا لعمر) القائل جبريل ومعه بعض الملائكة أو أحد الملائكة الموكلين بالقصر ومعه زملاؤه وفي رواية للبخاري فقال بالإفراد ويروى فقالت أي المرأة
(فذكرت غيرته) في رواية فذكرت غيرتك بالخطاب لعمر وكان حاضرا التحديث كما هو واضح من الرواية ومن جوابه للرسول ﷺ ومعنى فذكرت أي تذكرت فهو من التذكر والذكر بضم الذال وليس من الذكر بكسر الذال وهو الإخبار والغيرة بفتح الغين
(فوليت مدبرا) أي انصرفت عن القصر بسرعة ومدبرا أي معطيا القصر ظهري ودبري حال مؤكدة لأن التولي عن الشيء استدبار له غالبا
(أعليك أغار يا رسول الله) أصل الكلام أعليها أغار منك أو أمنك أغار عليها فحصل في الكلام قلب وقيل إن على بمعنى من وحروف الجر ينوب بعضها عن بعض والاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا أغار منك
-[فقه الحديث]-
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - جواز التحديث بالمنام السار لصاحبه ولغيره إذا كان في ذلك مصلحة
٢ - فيه بعض صفات الجنة وما فيها
стр. 670
٣ - فيه منقبة لعمر بن الخطاب ﵁
٤ - فيه أدب النبي ﷺ في مراعاة الصحة وحماية الصاحب والمحافظة على مشاعره وأحاسيسه
٥ - مدح الغيرة وإقرارها والمحافظة عليها وعدم إثارتها
٦ - قال ابن بطال فيه الحكم لكل رجل بما يعلم من خلقه ومن ثم امتنع النبي ﷺ من دخول القصر أهـ أي في الحديث معاملة الناس على أساس ما هم عليه من أخلاق ومراعاة طباعهم فلو كان القصر لرجل غير مشهور بالغيرة لدخله ﷺ اعتمادا على أنه مأمون من غير شبهة
٧ - فيه فضيلة الرميصاء امرأة أبي طلحة حيث إنها المقصودة من المرأة في الحديث للتصريح باسمها في الروايات الصحيحة
٣٨ - عن أسامة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون أي فلان ما
стр. 671
شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهى عن المنكر قال كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه
-[المعنى العام]-
إظهار خلاف الباطن نفاق وقبيح وإظهار الصلاح من الفاجر سيئ وخطير سيئ عند علام الغيوب وخطير عند البشر والأمر بالمعروف ممن لا يفعل هذا المعروف ذنب كبير والنهي عن المنكر ممن يفعله ويقيم عليه كبيرة من أكبر الكبائر لهذا يقول جل شأنه ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾
والحديث صور عقوبة العالم الذي لا يعمل بعلمه وعقوبة المخادع للناس الذي يقول ما لا يفعل ويفعل ما ينهي عنه
لقد كان يخشى الناس كخشية الله أو أشد خشية فأخفى عنهم حقيقته وظهر لهم بثوبي زور فكانت عقوبته أن تكون صورته يوم القيامة صورة حمار صورة أبلد الحيوانات لأنه في دنياه قد ظن أنه ذكي وأنه بذكائه يضحك على الناس ويخدعهم وحقيقته أنه غبي لأنه كان يضر نفسه وهو لا يعرف الضرر وكان يؤذي نفسه من حيث يظن أنه ينفعها
يجاء به يوم القيامة فيلقى في جهنم ونارها جزاء جريمته فتخرج أمعاؤه من بطنه لأنه كان يكتم الحقائق في باطنه فجزاؤه من جنس عمله ونقيض قصده تخرج أمعاؤه من بطنه في النار فيدور حولها كما يدور الحمار في الطاحونة لأنه كان يلف ويدور أمام الناس ليخفي حقيقته كان يخشى الفضيحة في الدنيا فنافق فكانت عقوبته الفضيحة في الآخرة يجتمع عليه أهل النار ممن كانوا يظنون فيه الصلاح يحيطون به ويلتفون حوله ويعجبون لأمره يسألونه عن جريرته التي أردته هذا الردي يا فلان ما شأنك وما قصتك وماذا كان عملك في الدنيا لقد كنت بيننا مظهرا للصلاح وكنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر يجيبهم والنار تأكل
стр. 672
أحشاءه يجيبهم وهو يعض أصابع الندم ولات ساعة ندم يجيبهم بحقيقة الأمر ولا مجال للكذب والخداع يقول كنت آمركم بالمعروف ولا أفعله وأنهاكم عن المنكر وأفعله فيعلمون السر في عدم استجابتهم له في دنياهم إن ما يخرج من القلب يحل في القلب وما يخرج من اللسان فقط لا يتجاوز الآذان ولو أنه كان من المخلصين لتغير حاله وحالهم
إن العلماء مصابيح الأمة التي تنير لها الطريق بعد تباعد العهد بالرسالة فإذا كان المصباح مظلما في نفسه فكيف يستضاء به وصدق القول صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس العلماء والأمراء
-[المباحث العربية]-
(يجاء بالرجل يوم القيامة) أل في الرجل للعهد والمقصود المؤمن العاصي الذي يأمر بالمعروف ولا يفعله وفي رواية للبخاري يجاء برجل والفعل يجاء مبني للمجهول على طريقه يوم يدعون إلى نار جهنم دعا
(فيلقى في النار) في الأسلوب إهانة وامتهان إذ لم يقل فيدخل النار بل يرمى فيها كما يرمى الشيء الحقير وفي رواية فيقذف في النار
(فتندلق أقتابه) الأقتاب جمع قتب بكسر القاف وسكون التاء وهي الأمعاء واندلاقها خروجها بسرعة
(فيدور كما يدور الحمار برحاه) الرحى معروفة يطحن عليها الحب والصغيرة منها تديرها الأيدي والكبيرة تديرها الحيوانات وفي رواية للبخاري فيطرح في النار فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه روي يطحن مبنيا للمعلوم أي يطحن النار أو يطحن أقتابه وأمعاءه وروي بالبناء للمجهول ونائب الفاعل ضمير الرجل أي يحطم في النار
والكاف في كما يدور صفة لمفعول مطلق محذف أي يدور دورانا شبيها بدوران الحمار والحمار مثل في البلادة
стр. 673
(فيجتمع أهل النار عليه) أي بعض أهل النار أي من كان يعرفه في الدنيا وفي رواية للبخاري فيطيف به أهل النار أي يحيطون به ويجعلون حوله حلقة
(أليس كنت تأمرنا بالمعروف) اسم ليس ضمير الشأن والحال وكان واسمها وخبرها خبر ليس وفي رواية للبخاري ألست والاستفهام إخباري وفيه معنى التعجب
(كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه) في رواية للبخاري كنت آمركم بالمعروف ولا أفعله وفي رواية كنت آمركم بأمر وأخالفكم إلى غيره والمعروف اسم جامع لكل طاعة وإحسان
-[فقه الحديث]-
يتعرض الحديث إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ممن لا يفعل المعروف ويرتكب المنكر الذي ينهى عنه والحديث صريح في عذابه وعقوبته لكن هذه العقوبة لاجتماع الأمرين أو هي لعدم إتيان المعروف
وبعبارة أخرى هل يأمر بالمعروف من لا يفعله وينهى عن المنكر من يقع فيه أو لا يأمر ولا ينهى ما دام غير ممتثل
قال بعض العلماء لا يأمر بالمعروف إلا من ليست فيه وصمة وهذا تعطيل لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسد لبابه فمن المتعذر خلو الإنسان من خطيئة
والحق أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب ولو كان الآمر متلبسا بالمعصية لأنه في الجملة يؤجر على الأمر بالمعروف ولا سيما إذا كان مطاعا وأما إثمه الخاص به فشيء آخر قد يؤاخذه الله به وقد يغفره له وحديث من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه يؤيد هذا الرأي فإنه لم يعلق الأمر على أن يكون الآمر ممتثلا فهما واجبان كل منهما مطلوب لذاته وإن وجدت صلة بينهما من حيث التأثير والتأثر
стр. 674
لذا قال جماعة من الناس يجب على متعاطي الكأس أن ينهى جماعة الجلاس
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - بعض صفات النار وأنها مخلوقة
٢ - عظم شأن العمل والامتثال قبل الأمر بالمعروف وأنه ينبغي لمن يأمر بالمعروف أن يكون عاملا بما يأمر به
٣ - أن العقوبة مشابهة للعمل
٤ - أن أهل المعاصي يتعارفون في النار قال الطبري فإن قيل كيف صار المأمورون بالمعروف في النار فالجواب أنهم لم يمتثلوا ما أمروا به فعذبوا بمعصيتهم وعذب أميرهم بأنه كان يفعل ما ينهاهم عنه
٣٩ - عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا استجنح أو كان جنح الليل فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذ فإذا
стр. 675
ذهب ساعة من العشاء فحلوهم وأغلق بابك واذكر اسم الله وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله وأوك سقاءك واذكر اسم الله وخمر إناءك واذكر اسم الله ولو تعرض عليه شيئا
-[المعنى العام]-
خمسة من الأوامر تنفع المرء في دنياه والدنيا مزرعة الآخرة
أولها حفظ الصبيان في الليل والليل موحش مخيف يكثر الشر فيه عن النهار فظلمته تساعد الحشرات والزواحف على الأذى دون أن ترى وتخفي عن الماشي الحفر والأشواك والأوحال وتبعث في النفس رهبا ورعبا سواء في سكونه أو أية حركة تصدر والصبية في سن تكثر فيه الأوهام والمخاوف ويسبح فيها الخيال مذاهب شتى وتقل فيها الخبرة والدراية والحكمة، لكل هذا أمر الآباء بكف الصبيان عن الخروج ليلا إلى الصحاري والأماكن الموحشة حماية لهم من أخطار شياطين الإنس والجن
وثاني الأوامر إغلاق الأبواب فالباب المغلق على صاحبه يجعله أكثر أمنا وإذا ذكر اسم الله حين الإغلاق زاده الله حفظا
الأمر الثالث إطفاء المصباح عند النوم وبخاصة إذا كان من نوع الفتيلة التي تتعرض للاشتعال أو للسقوط أو كان من نوع الغاز المضغوط الذي قد يتعرض للانفجار ومثل المصباح في الأمر بإطفائه النار والهدف تأمين النائم ليلا من أخطار محتملة لا يدركها النائم ولا ينتبه لإزالتها وعلاجها في أول أمرها فإذا أضيف ذكر اسم الله عند الإطفاء كان متخذا الأسباب العادية متوكلا على ربه
الأمر الرابع تغطية أوعية الشراب لحماية ما فيها من سقوط الهوام والأتربة والجراثيم الملوثة مع الاستعانة بتسمية الله
أما خامس الأوامر فهو تغطية أواني الطعام لحمايتها مما نحمي منه
стр. 676
الشراب مع الاستعانة أيضا بذكر الله تعالى
وبهذا نأخذ في أسباب الحفظ العادية ولا ننسى أن الأمور كلها بيد الله عملا بالحديث الشريف اعقلها وتوكل
-[المباحث العربية]-
(إذا استجنح الليل) أي إذا أظلم يقال جنح الليل بجنح جنوحا وجنحا إذا أظلم ويقال إذا أقبل ظلامه وأصل الجنح الميل لذا قيل جنح الليل أول ما يظلم
(أو كان جنح الليل) شك من الراوي في أي اللفظتين صدر عن رسول الله ﷺ وكان هنا تامة بمعنى وجد
(فكفوا صبيانكم) الأمر للأولياء ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة أحادا أي ليكف كل ولي صبيه عن الخروج إلى الصحاري والجبال والأماكن الموحشة وكانت بيوتهم قريبة من الفيافي والقفار
وفي رواية فاكفتوا صبيانكم أي ضموهم إليكم وامنعوهم من الانتشار قال تعالى ﴿ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا﴾ أي كافتة وضامة أحياء وأمواتا
(فإن الشياطين تنتشر حينئذ) التنوين عوض عن المضاف إليه أي حين يظلم الليل والمراد من الشياطين مردة الإنس والجن
(فإذا ذهب ساعة من العشاء فحلوهم) بضم الحاء وضم اللام المشددة أي حلوا عقالهم وضمهم فإنهم لن يخرجوا وحدهم في وسط الليل حيث منعوا وأنذروا في أوله وفي رواية كثيرين فخلوهم بخاء مفتوحة أي تخلوا عن حراستهم وتخويفهم
(وأغلق بابك) أي باب بيتك وباب حجرتك يقال أغلقت الباب فالباب مغلق ولا يقال مغلوق والخطاب لمن يتأتى خطابه فكأنه قال وأغلق يا من تصلح مخاطبا في كل زمان ومكان فهو في معنى الجمع
стр. 677
فالأمر في فكفوا للجميع وفي أغلق للجميع والتنوع في الأسلوب
(وأوك سقاءك) الوكاء اسم للخيط الذي يربط به فم القربة وأوك أمر من الإيكاء يقال أوكى السقاء ربطه وشد فمه والسقاء إناء السقي والمراد هنا القربة ونحوها لأنها التي تشد وتربط
(وخمر إناءك) يعم إناء الطعام والشراب وغيرها يقال خمرت الإناء أي غطيته ومنه خمار المرأة لأنه يسترها
(ولو تعرض عليه شيئا) تعرض بفتح التاء وضم الراء وأجاز بعضهم كسر الراء وهو مأخوذ من العرض مقابل الطول والمراد تجعل شيئا على عرض الإناء وفي رواية للبخاري ولو أن تعرض عليه عودا أي تجعل العود عليه بالعرض والمعنى أن تغطي الإناء فإن لم تجد ما تغطيه به فلا أقل من أن تضع شيئا على عرضه أما ماذا يفيد العود فيأتي توجيهه في فقه الحديث
-[فقه الحديث]-
يتعرض الحديث إلى خمس نقاط يجمعها الحفظ والوقاية من الضرر وهي حفظ الصبيان ليلا وإغلاق الباب وإطفاء المصباح وربط فم السقاء وتغطية الإناء
١ - أما كف الصبيان عن الخروج والانتشار ليلا فقد قال ابن الجوزي إنما خيف على الصبيان في تلك الساعة لأن النجاسة التي تلوذ بها الشياطين موجودة معهم غالبا والذكر الذي يحذر منه الشياطين مفقود من الصبيان غالبا والشياطين عند انتشارهم يتعلقون بما يمكنهم التعلق به فلذا خيف على الصبيان في ذلك الوقت أهـ
وفي هذا الكلام نظر لأن الصبيان التي ذكرها هي حالتهم ليلا ونهارا ولو أمكن للشيطان أن يعبث بهم لهذا لعبث بهم نهارا وفي بيوتهم ليلا إذا خلوا في حجرة أو في محل الخلاء ثم إن انتشار الشياطين من
стр. 678
الجن في أول الليل دون ما بعد ساعة من أوله أمر غير معقول المعنى حتى يمنع الصبيان ساعة ثم يصرح لهم بعدها بالخروج والانتشار مع أن الخطورة المعقولة تشتد كلما تأخر الليل
والذي تستريح إليه النفس أن شيطان الجن بإغوائه يستغل الليل ليوسوس إلى الإنسان ويسبح بخياله لهذا الإغواء من الكبار ثم هم في النهار مشغولون مع آبائهم في العمل أو في التعليم ووقت فراغهم هو أول الليل فحرصت الشريعة على حمايتهم وصيانتهم فترة فراغهم
والمقصود أنهم لا يخرجون إلى الفيافي والقفار والأماكن الخالية والمهجورة وليس المنع عن مطلق الخروج ولو لمصلحة ولعل الحديث سيق لبيئة خاصة وظروف خاصة يخشى على صبيانهم في وقت معين لكثرة وقوع الشرور فيه دون ما بعده ثم إن هذه البيئة كانت تقضي الحاجة في الخلاء إذ لم يكن عندهم كنف فكان الإذن للصبيان بالخروج قبل النوم لقضاء الحاجة
٢ - وأما إغلاق الأبواب فقد ترجم له البخاري بباب إغلاق الأبواب بالليل وقيد الليل هنا لما أنه أكثر حاجة للوقاية والأمن من النهار فهو وقت النوم والغفلة التي تمكن اللصوص وأهل الفساد من الإفساد وهذا لا يمنع من طلب إغلاق الأبواب نهارا إذا استدعى الأمر ذلك
وقد جاء في الحديث فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا قال الحافظ ابن حجر ففيه إشارة إلى أن الأمر بالإغلاق لمصلحة إبعاد الشيطان عن الاختلاط بالإنسان أهـ
وقال ابن دقيق العيد يحتمل أن يؤخذ قوله فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا على عمومه فيشمل الباب الذي ذكر اسم الله عند إغلاقه والذي لم يذكر ويحتمل أن يخص بما ذكر اسم الله عليه ثم قال والحديث يدل على منع دخول الشيطان الخارج فأما الشيطان الذي كان داخلا فلا يدل الخبر على خروجه قال فيكون ذلك لتخفيف المفسدة لا رفعها ويحتمل
стр. 679
أن تكون التسمية عند الإغلاق تقتضي طرد من في البيت من الشياطين أهـ
وفي هذا الكلام نظر فمن المعلوم أن الشياطين لا تحجبها الأبواب ولا تحتاج لفتح الأبواب وإذا كان الأثر لذكر الله فهو يمنع دخولها مع فتح الباب كما يمنع قربه من المؤذن مثلا
والذي تستريح إليه النفس أن المقصود بإغلاق الأبواب تأمين الداخل من اقتحام أهل الشر من بني آدم بإغواء الشيطان ثم إن الشيطان هو المتمرد من الإنس والجن وشيطان الإنس لا يفتح بابا مغلقا بسهولة لكنه يدخل من الباب المفتوح بيسر وخفة فإذا انضم إلى الإغلاق ذكر الله تعالى كان الحفظ إن شاء الله وكان الأخذ بالأسباب ثم التوكل على الله
٣ - وأما إطفاء المصباح ففي رواية البخاري في باب غلق الأبواب من كتاب الاستئذان أطفئوا المصابيح بالليل إذا رقدتم وفي باب (لا تترك النار في البيت عند النوم) وأطفئوا المصابيح فإن الفويسقة ربما جرت الفتيلة فأحرقت أهل البيت
وهذا الحديث يشير إلى حديث رواه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال جاءت فأرة فجرت الفتيلة فألقتها بين يدي النبي ﷺ على الخمرة التي كان قاعدا عليها فأحرقت منها مثل موضع الدرهم فقال النبي ﷺ إذا نمتم فأطفئوا سراجكم فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا فيحرقكم
قال ابن دقيق العيد إذا كانت العلة في إطفاء السراج الحذر من جر الفويسقة الفتيلة فمقتضاه أن السراج إذا كان على هيئة لا تصل إليه الفأرة لا يمنع إيقاده قال وأما ورود الأمر بإطفاء النار مطلقا فقد يتطرق منه مفسدة أخرى غير جر الفتيلة كسقوط شيء من السراج على بعض متاع البيت فيحرقه فيحتاج إلى الاستيثاق من ذلك فإذا استوثق بحيث يؤمن معه الإحراق فيزول الحكم بزوال علته
وقال القرطبي إن الواحد إذا بات ببيت ليس فيه غيره وفيه نار فعليه
стр. 680
أن يطفئها قبل نومه أو يفعل بها ما يؤمن معه الاحتراق فإن كان في البيت جماعة فإنه يتعين على بعضهم وأحقهم بذلك آخرهم نوما
٤ - وأما ربط القربة ومثله تغطية أواني الشراب بعامة فهو لحماية الشراب من التلوث بما يملأ الجو من الأتربة والهوام والجراثيم ونحوها
٥ - ومثله تغطية إناء الطعام وقد جعل الحديث حدا أدنى لتغطيته وهو وضع عود على عرضه فإن قيل فماذا يدفع العود وعن أي شيء يحمي أجيب بأنه يمنع سقوط الأشياء الكبيرة وما لا يدرك كله لا يترك كله على أن مباشرة التغطية تقتضي التسمية فيكون العود مذكرا ومعينا على التسمية
وقد اختلف العلماء في هذه الأوامر هل هي للإرشاد لأنها لمصالح دنيوية فجزم النووي بذلك ومعناه أنه لا يثاب على فعلها إلا إذا قصد اتباع الأمر وتعقب أنه يفضي إلى مصلحة دينية وهي حفظ النفس المحرم قتلها والمال المحرم تبذيره وقال القرطبي من فرط في هذه الأوامر كان للسنة مخالفا ولأدائها تاركا
والتحقيق قول الحافظ ابن حجر وهذه الأوامر تتنوع بحسب مقاصدها فمنها ما يحمل على الندب وهو التسمية على كل حال ومنها ما يحمل على الندب والإرشاد معا كإغلاق الأبواب وإيكاء السقاء وتخمير الأواني والله أعلم
стр. 681
٤٠ - عن سليمان بن صرد ﵁ قال: كنت جالسا مع النبي ﷺ ورجلان يستبان فأحدهما احمر وجهه وانتفخت أوداجه فقال النبي ﷺ إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد فقالوا له إن النبي ﷺ قال تعوذ بالله من الشيطان فقال وهل بي جنون
-[المعنى العام]-
الغضب انفعال نفسي يهيجه الشيطان وينفخ في ناره يحرك القلب ويثير فيه الدم فينقبض أحيانا فترى صفرة الوجه وتصلب العين ويضطرب ويندفع أحيانا فترى حمرة الوجه يصاحب ذلك رعشة في الجوارح غالبا وسيطرة على القوة المفكرة فيختل توازنها ويسوء السلوك والتصرف حتى يخيل لصاحبه حين يهدأ أنه لم يفعل ما فعل أو يتعجب من نفسه كيف حصل منه ما حصل
والناس أمام قوة الغضب والصفو أربعة أصناف أحسنهم بطيء الغضب سريع الرضا وأقبحهم سريع الغضب بطيء الرضا وبين هذين سريع الغضب سريع الرضا وبطيء الغضب بطيء الرضا
وخير علاج للغضب تغيير الحالة التي يكون عليها من تحرك للغضب إن كان واقفا قعد وإن كان قاعدا قام وتحرك إلى جهة أخرى مع شغل
стр. 682
الفكر بذكر الله بدلا من الانشغال بما أغضب أو يغضب وخير الذكر في هذه الحالة أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم فيطلب العون والحماية من ربه على شيطانه
وقصة الحديث تتلخص في مجلس يجلسه ﷺ بين أصحابه وفيهم معاذ بن جبل وعلى مقربة من مجلسهم كان رجلان يتناقشان وتطورت مناقشتهما إلى سباب سب كل منهما الآخر وكان أحدهما سريع الغضب قويه انتفخت أوداجه وعروق حلقه وارتعشت أعضاؤه وراح يتحفز لمقاتلة أخيه ورسول الله ﷺ في مجلسه يرى ويسمع فقال لجلسائه إني لأعلم كلمة لو قالها هذا الغضبان لزال عنه الغضب لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه هذا الانفعال وهدأ فقام معاذ بن جبل من مجلس الرسول ﷺ وذهب للرجل المغضب وأسر إليه بقول رسول الله ﷺ لو قلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنك ما تجد
وظن الرجل لجهله وغلظته أنه ظن أن به مسا من الشيطان فقال لمعاذ انصرف وابتعد فلست مجنونا وليس بي مس من الجن ولم يقبل النصيحة وأعانه الشيطان على رفضها فكان له قرينا ولم يجن من غضبه إلا ما تسوء عاقبته في الدنيا والآخرة
-[المباحث العربية]-
(عن سليمان بن صرد) بضم الصاد وفتح الراء صحابي مشهور قتل سنة خمس وستين من الهجرة وله ثلاث وتسعون سنة
(ورجلان يستبان) أي يسب كل منهما الآخر ولم يقف المحدثون على اسميهما جريا على عادة الصحابة والتابعين في ستر وإغفال أسماء من يسيء
(احمر وجهه وانتفخت أوداجه) في رواية مسلم تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه وفي رواية أحمد وأصحاب السنن من حديث معاذ حتى إنه ليخيل إلى أنفه ليتمرغ من الغضب وانتفاخ الأوداج كناية عن شدة الغضب ولكل
стр. 683
واحد ودجان فذكر الأوداج بالجمع على رأي من يجعل الجمع فوق الواحد أو لأن كل قطعة من الودج تسمى ودجا
(ذهب عنه ما يجد) من وجد يجد وجدا وموجدة إذا غضب ويقال وجد يجد وجدانا إذا لقي ما يطلبه
(فقالوا) في رواية للبخاري فانطلق إليه الرجل فأخبره بقول النبي ﷺ وقال ... إلخ وفي رواية مسلم فقام إلى الرجل رجل ممن سمع النبي ﷺ فالذي خاطبه واحد وهو معاذ بن جبل كما بينته رواية أبي داود ولفظها قال فجعل معاذ يأمره فأبى وضحك وجعل يزداد غضبا فالجمع هنا لرضى الحاضرين عن القول فأسند إلى الجمع
(إن النبي ﷺ قال تعوذ بالله من الشيطان) هذه رواية بالمعنى فإنه ﷺ أرشدهم إلى ذلك وليس في الحديث أنه أمرهم أن يأمروه بذلك
(وهل بي جنون) الاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي ليس بي جنون وفي رواية للبخاري أترى بي من بأس أمجنون أنا اذهب وكأنه توهم أن الاستعاذة مختصة بالمجانين.
-[فقه الحديث]-
قال الحافظ ابن حجر خليق بهذا الرجل أن يكون كافرا أو منافقا أو كان غلب عليه الغضب حتى أخرجه عن الاعتدال وحتى زجر الناصح الذي دله على ما يزيل عنه ما كان به من وهج الغضب قال وقيل إنه من جفاة الأعراب وظن أنه لا يستعيذ من الشيطان إلا من به جنون ولم يعلم أن الغضب نوع من شر الشيطان ولهذا يخرج به عن صورته ويزين إفساد ماله كتقطيع ثوبه وكسر آنيته أو الإقدام على من أغضبه ونحو ذلك مما يتعاطاه من يخرج عن الاعتدال أهـ
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - التحذير من السباب واللعن والتنفير منهما وقد ذكر البخاري الحديث تحت باب ما ينهى من السباب واللعن
стр. 684
٢ - إن الغضب من الشيطان وإثارته وتزينيه فقد أخرج البخاري الحديث تحت باب صفة إبليس وجنوده
٣ - كيد الشيطان وفي الحديث الغضب من الشيطان والشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ
وفي بعض الكتب قال الله تعالى ابن آدم اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت
٤١ - عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال إنكم محشورون حفاة عراة غرلا ثم قرأ ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين﴾ وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم وإن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي أصحابي فيقول إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول كما قال العبد الصالح ﴿وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم﴾ إلى قوله ﴿الحكيم﴾
стр. 685
-[المعنى العام]-
خلق الله الخلق من العدم وبدأ خلق الإنسان من طين من الأرض خلقه وفيها يعيده ومنها يخرجه تارة أخرى وإذا كانت القدرة المخلوقة تكون الإعادة أسهل عليها من البدء وإذا كانت العادة أن الخلق الأول أصعب من إعادة الخلق فإن قدرة الله تعالى لا يوصف شيء أمامها بأنه أصعب أو أسهل فخلق أشد المخلوقات حين يصور بكلمة كن فيكون وإذا كان الله تعالى خلق بني آدم في بطون أمهاتهم وكساهم بعد ولادتهم عرايا فإنه سيعيدهم عراة سيخرجهم من قبورهم بعد أن تآكلت أكفانهم وتناثرت عن رفاتهم سيخرجهم كما بدأهم حفاة عراة بل ويعيد إليهم ما قطع منهم في دنياهم من أجزاء جسمهم حتى الجلدة التي تقطع عند الختان تعود إليهم ينفخ في الصور فإذا الناس قيام ينظرون يحشرون إلى أرض غير الأرض أرض مستوية لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يجتمع الرجال والنساء جميعا عراة لا ينظر أحد سوأة الآخر تشغلهم أهوالهم لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ويشغله عن أن ينظر إلى غيره يومئذ يستمعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا وأول من يكسى من الخلائق إبراهيم ﵇ فقد ألقي في نار الدنيا عريانا فكانت عليه بردا وسلاما يكسى بحلة من الجنة ويليه محمد رسول الله ﷺ ثم تكون الشفاعة والحوض الذي يقف عليه رسول الله ﷺ ينادي أمته لتشرب يعرفهم بسيماهم يعرفهم بالغرة والتحجيل بياض الجبهة ونورها وبياض الأطراف ونورها من أثر الوضوء ويعرف بعض أصحابه الذين يحال بينهم وبين الحوض تأخذهم ملائكة العذاب نحو النار فتأخذه رأفة بهم ﷺ فينادي هؤلاء أصحابي فأين تذهبون بهم فيقال له إنك لا تعلم ما أحدثوا بعدك إذ ارتدوا وكفروا فيقتدي ﷺ بأخيه عيسى ﵇ ويقول: ﴿وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز
الحكيم﴾
стр. 686
-[المباحث العربية]-
(إنكم تحشرون) الخطاب للصحابة ومن على شاكلتهم في الإنسانية فالمعنى أن الناس يحشرون كما جاء في البخاري يحشر الناس على ثلاث طرائق والحشر في الأصل مطلق الجمع وإذا أطلق الحشر في عرف الشرع يراد منه الحشر من القبور ما لم يخصه دليل
(حفاة) دون نعال ودون خفاف جمع حاف وحفاة منصوب على الحال وفي رواية لمسلم حفاة مشاة
(عراة) جمع عار أي لا ثياب عليكم
(غرلا) بضم الغين وسكون الراء جمع أغرل وهو الأغلف وزنا ومعنى وهو من بقيت غرلته وهي الجلدة التي يقطعها الخاتن من الذكر
(إنا كنا فاعلين) بادئين الخلق فمن السهل إعادته والإعادة أهون من البدء عادة
(يؤخذ بهم ذات الشمال) أي بعيدا عني وعن حوضي إلى جهة النار
(أصحابي أصحابي) أصحابي الثانية تأكيد للأولى والأولى خبر مبتدأ محذوف أي هؤلاء أصحابي فلم أخذ بهم ذات الشمال
(إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) أي من الوقت الذي فارقتهم فالكلام عن قوم مرتدين حين وفاة النبي ﷺ حتى ماتوا والارتداد على العقب كناية عن الرجوع إلى حالة أولى وهل المراد منها الكفر أو المعاصي؟ سيأتي في فقه الحديث
(كما قال العبد الصالح) الأنبياء كلهم عباد صالحون والمراد هنا عيسى ﵇ فالألف واللام للعهد والمعهود من قال هذا القول كما حكاه القرآن الكريم
وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم أي رقيبا أراقب أعمالهم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر أو مشاهدا لأعمالهم فأسأل عنها
стр. 687
-[فقه الحديث]-
يتعرض الحديث إلى ثلاث نقاط أساسية صفة الناس في الحشر والآراء في نوعية الحشر المراد والجمع بين الأحاديث الثانية كسوة إبراهيم ﵇ وسببها ووضع محمد ﷺ بالنسبة لها الثالثة حال من يؤخذون ذات الشمال
أما عن النقطة الأولى فقد قال القرطبي الحشر أربعة حشران في الدنيا وحشران في الآخرة فاللذان في الدنيا أحدهما المذكور في سورة الحشر ﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾ والثاني الحشر المذكور في أشراط الساعة الوارد في الحديث ولفظه أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب أي ومن المغرب إلى المشرق أي تجمع الناس من بقاع الأرض الحشر الثالث حشر الأموات من قبورهم بعد البعث جميعا إلى الموقف قال تعالى ﴿وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا﴾ الرابع حشرهم إلى الجنة أو النار أهـ
وظاهر الحديث أنه في الحشر الثالث وظاهره أن جميع الأموات يخرجون من قبورهم إلى الموقف حفاة عراة مشاة لأن الحفاة لو كانوا راكبين لم يكن لذكر هذا الوصف أثر على أن لفظة مشاة واردة في الحديث الصحيح وهذا الظاهر يتعارض مع حديث البخاري يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير ويحشر بقيتهم إلى النار تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا كما يتعارض مع ما أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان عن أبي سعيد أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها وقال سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها
وقد جمع العلماء ورفعوا هذا الإشكال بعدة أجوبة تعتمد على اختلاف أحوال الناس أو على اختلاف الأوقات فذهب بعضهم إلى أن
стр. 688
الناس يحشر بعضهم عاريا وبعضهم كاسيا وبعضهم ماشيا وبعضهم راكبا وهذا الجمع بعيد لأن الخطاب لعموم الناس وأنهم سيكونون حفاة عراة وذهب بعضهم إلى أن الناس جميعا يخرجون من القبور حفاة عراة مشاة ثم تفترق حالهم ويمكن أن يقال إنهم يبعثون في الثياب التي يموتون فيها أو أن هذا حال الشهداء وبعض الخاصة وقد يرتبون ثم تتناثر عنهم ثيابهم وينزلون عن إبلهم ويصلون أرض المحشر حفاة عراة مشاة
وأما عن النقطة الثانية فقد روى البيهقي أول من يكسى إبراهيم حلة من الجنة ويؤتى بكرسي فيطرح عن يمين العرش ويؤتى بي فأكسى حلة لا يقوم لها البشر ويقال إن الحكمة في هذه الخصوصية لإبراهيم أنه ألقي في النار عريانا وقيل لأنه أول من لبس السراويل وقد ثبت لإبراهيم ﵇ أوليات أخرى منها أنه أول من أكرم الضيف وأول من قص الشارب وأول من اختتن وأول من رأى الشيب
قال الحافظ ابن حجر ولا يلزم من خصوصية إبراهيم ﵇ بأنه أول من يكسى تفضيله عن نبينا ﷺ لأن المفضول قد يمتاز بشيء يخص به ولا يلزم منه الفضيلة المطلقة ويمكن أن يقال لا يدخل محمد ﷺ في ذلك على القول بأن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه
وأما عن النقطة الثالثة فقد قيل عن الذين يؤخذون ذات الشمال إنهم أهل البدع والأهواء في الأزمنة المتعاقبة ورد بأنه لا يقول عن هؤلاء أصحابي أصحابي ويؤكد هذا الرد ما رواه أحمد والطبراني ليردن علي الحوض رجال ممن صحبني ورآني وقال بعضهم يحتمل أن يكونوا أهل الكبائر وأن المراد من الردة الردة عن الاستقامة فيشمل العصاة وهو مردود أيضا إذ لا يليق هذا الوصف بالصحابة فإن كان المراد من بعدهم رد بالرد الأول والأولى حملهم على المنافقين أو على الذين ارتدوا في عهد أبي بكر فقاتلهم حتى قتلهم على كفرهم
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - إثبات الحشر وبعض صفاته
стр. 689
٢ - إثبات البعث وأنه إعادة لبدء الخلق
٣ - فضيلة ظاهرة لإبراهيم ﵇
٤ - أن النبي ﷺ لا يعلم أحوال العصاة من أمته بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى فإن قيل جاء في الحديث أن أعمال أمته تعرض عليه بعد وفاته فكيف خفي عليه أحوالهم أجيب باحتمال أن الذي يعرض عليه أعمال الموحدين لا المرتدين ولا المنافقين أو بأنه لا يلزم أن يكون العرض تفصيليا أو بأنه لا يلزم أن يكون العرض لكل الناس من أمته فقد يحجب عنه ﷺ أعمال بعض الأفراد والله أعلم
стр. 690
٤٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: نحن أحق من إبراهيم إذ قال ﴿رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي
-[المعنى العام]-
نزلت آيات من القرآن توهم أن إبراهيم ﵇ شك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى وأن لوطا ﵇ في شدته لم يلتجئ إلى ربه وأن يوسف ﵇ لم يصبر على قضاء الله وأنه التجأ إلى عبد من عباد الله بدلا من أن يصبر ويلتجئ إلى الله وداخل قلوب بعض الصحابة أن إبراهيم شك في البعث ولم يشك نبينا وأن لوطا لم يلتجئ إلى الله والتجأ إلى الله وحده نبينا وأن يوسف لم يصبر على السجن وصبر على الحصار وعلى الأذى نبينا فكانت اللفتة النبوية الكريمة وكان الأدب النبوي الحسن وكان الدفاع عن الأنبياء من هذه الشبه
يقول محمد ﷺ إن إبراهيم لم يشك في قدرة الله على إحياء الموتى ولو كان الشك يمكن أن يتطرق إليه لتطرق إلينا فقد كان قوي الإيمان وكان خليل الرحمن وكان يهدف إلى أن يصل إلى عين اليقين برؤية إحياء الموتى بعد أن وصل إلى علم اليقين بالأدلة والبراهين
وأن لوطا ﵇ كان يأوي إلى الله ويلتجئ إليه وإن قال لقومه لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد فقد كان يعتذر إلى قومه بما يفهمون ويدركون ويضمر في قلبه ما لا يدركون من الالتجاء إلى الله
وأن يوسف ﵇ من كبار الصابرين المحتسبين المؤمنين بالله والمعتمدين عليه بدليل أنه لم يبادر بالخروج ولم يبادر بإجابة الداعي له لمقابلة الملك ولو كنت مكانه لأسرعت بإجابة الداعي والخروج من
стр. 691
السجن فصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين
-[المباحث العربية]-
(نحن أحق من إبراهيم) ضمير نحن للرسول ﷺ وأمته وقيل للرسول ﷺ وحده معظما نفسه
والمراد نحن أحق بالشك كما صرح به في رواية أخرى وصح أن يراد به نحن معشر الأنبياء وقيل أنه لأمة محمد ﷺ والمراد من الشك هنا الخواطر التي تطرأ على اليقين فلا تثبت ولا تؤثر فيه وليس المراد الشك الاصطلاحي بمعنى التوقف بين أمرين من غير مزية لأحدهما على الآخر وأحق أفعل تفضيل يمكن أن تكون على غير بابها وأن المراد بها نفي المعنى عن الأمرين كقوله تعالى ﴿أهم خير أم قوم تبع﴾ أي لا خير في الفريقين وهنا لا شك عندنا ولا عند إبراهيم ﵇ وسيأتي توضيح المراد من الجملة في فقه الحديث
(إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى) إذ ظرف لما مضى من الزمان أي الشك الواقع حين قال إلخ والمراد الرؤية البصرية وكيف يستفهم بها عن الحال والصفة فالاستفهام عن الكيفية والتفصيل لا عن أصل إحياء الموتى فهو مقرر لا يسأل عنه
(أو لم تؤمن) الواو عاطفة على محذوف والاستفهام للتقرير والتقدير أشككت ولم تؤمن بإحيائي الموتى وقدرتي على ذلك فمتعلق الإيمان محذوف ويمكن أن يكون أو لم تؤمن بأنني قادر على أية كيفية فلا تسأل عن الكيفية
(بلى) جواب بعد نفي وهي لتقرير ما بعد النفي وإثباته أي بلى آمنت
(ولكن ليطمئن قلبي) الجار والمجرور متعلق بمحذوف مفهوم من
стр. 692
المقام أي ولكن أطلب ما أطلب ليطمئن قلبي والمراد من اطمئنان قلبه زيادة الاطمئنان حيث أن قلبه مطمئن بالإيمان
(ويرحم الله لوطا) في رواية للبخاري يغفر الله للوط والدعاء بالرحمة قد لا يراد بها استحقاق العذاب ليرحم والدعاء بالمغفرة لا يستلزم وجود ذنب ليغفر بل الكلام قد يكون على الفرض والتقدير أي يغفر الله له إن كان وقدر له ذنب ويرحمه الله على فرض استحقاقه لعذاب وقد يكون الكلام مرادا به مطلق الدعاء من قبيل الدعاء الذي جرى على ألسنتهم
وقد يراد بالذنب خلاف الأولى كما قيل في تفسير قوله تعالى ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾
(لقد كان يأوي إلى ركن شديد) هذا رد على ما يوهمه قول لوط لقومه ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ فهو يوهم أن لوطا لم يأو إلى الله في الشدة فإن لو حرف لامتناع الجواب بسبب امتناع الشرط وجوابها في الآية أي لرددتكم فامتنع رده لقومه عن ضيوفه لامتناع إيوائه إلى ركن شديد فأثبت الحديث أنه كان يأوي إلى الله لكن المنفي والممتنع أنه كان يأوي ويتمنع بعشيرته وسيأتي مزيد إيضاح في فقه الحديث
(طول ما لبث يوسف) أي المدة الطويلة التي قضاها يوسف في السجن وهي سبع سنين
(لأجبت الداعي) أي لاستجبت وأسرعت بإجابة الداعي والخروج من السجن حيث جاءه رسول الملك يدعوه للخروج فلم يبادر بالخروج بل قال ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ فطلب البراءة قبل الخروج فأل في الداعي للعهد
-[فقه الحديث]-
ماذا حدث من الأنبياء الثلاثة عليهم وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة والسلام وما الهدف من سياق الحديث وكيف يتحقق هذا الهدف
стр. 693
الذي حصل من إبراهيم ﵇ حكاه القرآن الكريم في الآية (٢٦٠) من سورة البقرة ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك﴾ (أي اضممهن إليك وتأكد باللمس والبصر أنهن أحياء يتحركن ثم اذبحهن وقطعهن أجزاء) ﴿ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم﴾
وواضح أن الله لم ير إبراهيم كيف أحيا الطير لم يره الكيفية إنما أراه طيرا حيا يطير ويسعى بعد أن كان أجزاء متفرقة فهل كان الذي رآه هو مطلبه وأنه أراد زيادة سكون قلبه بالمشاهدة لتنضم إلى العلم واعتقاد القلب لأن تظاهر الأدلة وتعددها أسكن للقلوب والعلوم تتفاوت في قوتها فأراد الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين وكان الذي رآه غير ما طلب على طريقة الأسلوب الحكيم أي لا ينبغي أن تسأل عن الكيفية فهي من اختصاص الله جل شأنه ولكن ينبغي أن تسأل عما أجيبك إليه
وسواء أكان هذا أو ذاك فإن مطلب إبراهيم ﵇ لا يستلزم أنه شك في القدرة الإلهية على الإحياء بكيفية ما وإنما الذي أشرب مطلبه معنى الشك قول الله تعالى ﴿أولم تؤمن﴾ أي أتشك
ومن المعلوم أن السؤال عن الشيء أو إنكاره لا يستلزم حصوله بل ولا توقع حصوله يؤكد ذلك قوله تعالى ﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ... ﴾
وعلى هذا فالحق والتحقيق قول من يقول إن إبراهيم لم يشك وإن الهدف من الحديث استبعاد أن يشك وأن المعنى إذا كنا لا نشك فإبراهيم لم يشك لأننا أولى بالشك منه لأن تطرق الشك إلينا أقرب من تطرقه إلى إبراهيم ومقصوده لا تتوهموا من الآية أن إبراهيم ﵇ شك وأن نبيكم لم يشك فنبيكم خير من إبراهيم وعلى هذا لا نميل إلى ما حكاه
стр. 694
الطبري عن بعضهم: قال آخرون: شك إبراهيم في القدرة ولا إلى ما حكاه ابن عطية عن بعضهم بأنه دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس ولا إلى قول ابن الجوزي إنما صار أحق من إبراهيم لما عانى من تكذيب قومه وردهم عليه وتعجبهم من أمر البعث فقال أنا أحق أن أسأل ما سأل إبراهيم لعظيم ما جرى لي مع قومي المنكرين لإحياء الموتى ولمعرفتي بتفضيل الله لي ولا إلى أقوال أخرى ليست بشيء
وأما الذي حصل من لوط ﵇ فقد حكاه القرآن الكريم في الآيات الكريمات (٧٨ - ٧٩ - ٨٠) من سورة هود ﴿وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي أليس منكم رجل رشيد قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ فظاهر الآية أن لوطا يتحسر على ضعف قوته عن دفعهم ويتحسر على عدم إيوائه إلى ركن شديد وعدم استناده إلى ركن قوي يدفعهم مما يوهم أنه لم يلتجئ إلى الله والحديث يثبت أن لوطا ﵇ كان يلتجئ إلى ركن شديد فإن كان مراد الحديث بالركن الشديد الله كان الهدف دفع الإيهام والتوهم أي أنه ﵇ كان يضمر في نفسه اللجوء إلى الله ويعلن لهم ضعف مساندة عشيرته حيث قيل إن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبه
وإن كان مراد الحديث بالركن الشديد عشيرته كان المعنى أن لوطا ﵇ كان له في واقع الأمر سند وعشيرة يمكنه أن يأوي إليهم لكنه لم يأو إليهم فعلا وآوى إلى الله ومعنى الآية لو أنني آوي إلى عشيرتي لمنعتكم لكني لا آوي إليها وقيل في الآية أن أو بمعنى بل أي بل آوي إلى ركن شديد سواء أريد به الله تعالى أو عشيرته
وأما ما حدث من يوسف ﵇ فقد حكاه القرآن الكريم في الآية (٥٠) من سورة يوسف ﴿وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم﴾ فالآية
стр. 695
ظاهرة في أن يوسف لم يبادر بإجابة الداعي للخروج من السجن فإذا لوحظ معها أن يوسف ﵇ أمر الفتى الخارج من السجن أن يذكره عند الملك وأنه مسجون ظلما وأن القرآن الكريم حكاها في الآية (٤٢) ﴿وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين﴾ إذا لوحظ ذلك ولوحظ ما رواه ابن حبان عن أبي هريرة مرفوعا رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها اذكرني عند ربك ما لبث في السجن ما لبث كانت الآية الأولى وحديثنا دفاعا عن يوسف وردا على ما توهمه الآية الثانية وحديث الطبراني من عدم صبر يوسف ومن لجوئه إلى غير الله
فحوادث الأنبياء الثلاثة توهم اتهاما لكل منهم والحديث يبرئهم من هذا الاتهام بأسلوب من التواضع لم يعهد إلا من محمد ﷺ
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - مدى تواضعه ﷺ
٢ - مدى دفاعه ﷺ عن إخوانه الأنبياء ﵈
٣ - رفع إيهام اتهام الأنبياء الثلاثة عما يوهمه ظاهر ألفاظ القرآن خاصا بهم
٤ - استحباب الدعاء لمن سبق عند الحديث عنهم
стр. 696
٤٣ - عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال مر النبي ﷺ على نفر من أسلم ينتضلون فقال رسول الله ﷺ ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا وأنا مع بني فلان قال فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال رسول الله ﷺ ما لكم لا ترمون فقالوا يا رسول الله نرمي وأنت معهم قال ارموا وأنا معكم كلكم
-[المعنى العام]-
أعداء الإسلام في كل عصر يتربصون بالمسلمين وعلى المسلمين أن يأخذوا حذرهم وأن يستعدوا لمعاركهم بما يستطيعون من قوة قوة الجسم وقوة الآلات وقوة كيفية استخدام الآلات والتدريب عليها
ومن هنا كان التدريب لازما لأية معركة قبل حدوثها وكان الحديث مصورا لحادثة من حوادث تدرب المسلمين على الرمي بالنبال والنبل معروف بصور مختلفة ومهمته إرسال قذيفة إلى مسافة بعيدة وكانت في حادثتنا سهاما تقذف بواسطة شد القوس والوتر والتدريب إنما يكون على مدى إصابة السهم للهدف مر رسول الله ﷺ على جماعة لا تصل إلى عشرة من شباب المسلمين في سوق وقد نصبوا هدفا يتبارون ويتسابقون في رميه بالنبال وإصابته والقائد الماهر يشجع التدريب إن لم يأمر به والقائد
стр. 697
المحبوب المتواضع يشترك معهم ويقف في وسطهم وهذا ما فعله رسول الله ﷺ دخل بينهم فرحا بهم مسرورا بنشاطهم ويقول لهم أحسنتم العمل أحسن الله إليكم استمروا في التدريب بهمة ونشاط يا أبناء البطل إسماعيل فإن أباكم إسماعيل كان يجيد الرمي وكان ماهرا فيه فاقتدوا به واقتفوا أثره استمروا في الرمي وسأشارككم إياه لكن كيف يشارك الفريقين في وقت واحد وكل فريق يسابق الآخر إذن لا بد أن يبدأ مع فريق ضد فريق وكان أن قال وأنا مع هذا الفريق وتوقف الفريق الآخر وألقى بنباله على الأرض قال لهم ﷺ ما لكم توقفتم وألقيتم بنبالكم قالوا كيف نرمي وأنت معهم إن من كنت معه يغلب ولا يغلب وكيف نحاول أن نغلب رسول الله ﷺ والله ناصره وكيف تتكافأ الفرص وتتوازن الفرق وأنت في جانب قال سأقف مؤيدا لكم جميعا متمنيا لكم السبق والفوز والإجادة جميعا ارموا وتسابقوا وأنا معكم جميعا ولكم جميعا
-[المباحث العربية]-
(مر النبي ﷺ على نفر) في رواية للبخاري أنهم كانوا يتناضلون بالسوق والنفر الجماعة من ثلاثة إلى عشرة والظاهر أن كل فريق كان نفرا
(من أسلم) على وزن أفعل التفضيل من السلامة قبيلة مشهورة أي من بني أسلم وينتسبون إلى أسلم بن أفصى (بالهمزة والفاء الساكنة والصاد المفتوحة) بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة وهذه القبيلة أصلها من اليمن
(ينتضلون) أي يتسابقون بالرمي بالنبال فينصبون هدفا يرمونه بسهام على سبيل التسابق بين فريقين فيغلب الذي يصيب الهدف أكثر ويمكن أن يقع التسابق بين شخصين بعدد من الرمي
(ارموا بني إسماعيل) أي استمروا في سباقكم ورميكم وزيدوا من
стр. 698
التدريب على إصابة الهدف وبني إسماعيل منادى حذف منه حرف النداء وفي كون بني أسلم من إسماعيل كلام كثير نعرض بعضه في فقه الحديث
(فإن أباكم كان راميا) يقصد أباهم إسماعيل ﵇
(وأنا مع بني فلان) أرمي مع فريقهم أو معهم بالتشجيع والتأييد والقصد إلى الفوز وجاء عند ابن حبان والبزار في هذه القصة وأنا مع ابن الأدرع وعند الطبراني وأنا مع محجن بن الأدرع
(فأمسك أحد الفريقين) أي الفريق المقابل للفريق الذي انضم إليه رسول الله ﷺ أي أمسكوا عن الرمي وتوقفوا وفي بعض الروايات أنهم ألقوا القوس من أيديهم
(ما لكم لا ترمون) ما اسم استفهام مبتدأ والجار والمجرور خبره وجملة لا ترمون في موقع الحال والتقدير أي شيء حصل لكم حالة امتناعكم عن الرمي والخطاب للفريق الذي أمسك عن الرمي
(نرمي وأنت معهم) الكلام على الاستفهام الإنكاري بمعنى النفي أي لا نرمي وأنت معهم
(ارموا وأنا معكم كلكم) الخطاب في ارموا للفريق الممتنع والخطاب في معكم للفريقين ورفع إيهام كون الخطاب فيه للفريقين الممتنع أيضا بالتأكيد بلفظ كلكم تأكيدا للضمير في معكم
-[فقه الحديث]-
ذكر البخاري هذا الحديث تحت باب التحريض على الرمي من كتاب الجهاد وأتبعه بذكر الآية الكريمة ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ يلمح بما جاء في تفسير القوة في هذه الآية بأنها الرمي قال الحافظ ابن حجر وهذا التفسير عند مسلم من حديث عقبة بن عامر ولفظه سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي ثلاثا قال القرطبي إنما فسر القوة بالرمي وإن كانت
стр. 699
القوة تظهر بإعداد غيره من آلات الحرب لكون الرمي أشد نكاية في العدو وأسهل مؤنة لأنه قد يرمي رأس الكتيبة فينهزم من خلفه أهـ
كما ذكر البخاري هذا الحديث تحت باب نسبة اليمن إلى إسماعيل من كتاب المناقب وأتبعه بقوله منهم أسلم بن أفصى بن حارثة إلخ وقد أفاض الحافظ ابن حجر في هذه المسألة وقال مع الاختصار الشديد نسبة مضر وربيعة إلى إسماعيل متفق عليها وأما اليمن فجماع نسبهم ينتهي إلى قحطان واختلف في نسبه والأكثر أنه من أبناء سام بن نوح وقيل من ولد هود ﵇ وهو والد العرب المتعربة وأما إسماعيل فهو والد العرب المستعربة قال وزعم الزبير بن بكار أن قحطان من ذرية إسماعيل وهو ظاهر قول أبي هريرة في قصة هاجر ثم انتقد الحافظ ابن حجر إشارة البخاري واستدلاله بالحديث على نسبة اليمن إلى إسماعيل فقال وأراد المصنف أن نسب حارثة بن عمرو متصل باليمن وقد خاطب النبي ﷺ بني أسلم بأنهم من بني إسماعيل فدل على أن اليمن من بني إسماعيل وفي هذا الاستدلال نظر لأنه لا يلزم من كون بني أسلم من بني إسماعيل أن يكون جميع من ينسب إلى قحطان من بني إسماعيل ثم نقل عن المهراني أن قول الرسول ﷺ لبني أسلم "يا بني إسماعيل" لا يدل على أنهم من ولد إسماعيل من جهة الآباء بل يحتمل أن يكون ذلك لكونهم من بني إسماعيل من جهة الأمهات لأن القحطانية والعدنانية قد اختلطوا بالمصاهرة فالقحطانية من بني إسماعيل من جهة الأمهات أهـ وكلام المهراني مردود لأن قولهم من بني فلان لم يعهد أن يراد به الأمهات بل المعهود به النسب والنسب دائما للآباء وكان الأولى لو أريد به الأمهات أن يقال من بنات فلان
ومعنى هذا أن كون بني أسلم من بني إسماعيل ليس متفقا عليه وعلى القول بأنهم ليسوا من بني إسماعيل يمكن الإجابة عن الإشكال بأن المترامين كانوا من بني أسلم ومن غيرهم من بني إسماعيل والمعنى أنه مر بنفر من أسلم ومن غيرهم وأنه شجع بني إسماعيل على الرمي يرشح هذا الجواب ما ذكره ابن عبد البر في حديث الباب أن النبي ﷺ مر بناس من
стр. 700
أسلم وخزاعة وهم يتناضلون فقال ارموا بني إسماعيل فلعل من كان هناك من خزاعة كانوا أكثر فقال ذلك على سبيل التغليب
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - مشروعية التسابق في الرمي ونحوه من الأمور المشروعة التي تخدم الدين أو الوطن أو الصحة كالرياضة وغيرها ولم يتعرض الحديث لمكافأة الفائز لكن الفقهاء قالوا إن كانت المكافأة للفائز مدفوعة من الطرفين لا يجوز لأنها كالرهان تشتمل على الغرر وإن كانت مدفوعة من أحدهما أو من طرف ثالث جاز
٢ - أن التدرب على السلاح بأنواعه والاستعداد للقتال وأخذ الحذر وبناء القوة مطلوب شرعا ولا يخفى أن الرمي مثل من أمثلة الأسلحة القديمة يحل محله المدافع بعيدة المدى وقاذفات القنابل ونحوها من الأسلحة الحديثة فما ورد فيه من حث وترغيب يقال في أمثاله ومن ذلك ما جاء عند أبي داود وابن حبان عن عتبة بن عامر مرفوعا إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثا الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به ومنبله أي مناول السهام والنبال وفيه ومن ترك الرمي بعد علمه رغبة عنه فإنها نعمة كفرها وعند مسلم من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو فقد عصى
٣ - أدب الصحابة مع النبي ﷺ وتوقيرهم له حيث أمسكوا خشية أن يغلب فريقه وإيمانهم بأن الله معه وناصره وأن من يكون مع الرسول ﷺ يقوي بذلك ويشتد ويغلب فقد جاء عند الطبراني من كنت معه فقد غلب وعند ابن إسحاق لا نغلب من كنت معه
٤ - إعزازهم لرسول الله ﷺ
٥ - قال المهلب يستفاد من الحديث أن من صار السلطان عليه في جملة المناضلين له لا يتعرض له كما فعل هؤلاء القوم مع رسول الله ﷺ أهـ وهو غير مسلم
стр. 701
٦ - استدل البخاري بالحديث على أن اليمن من بني إسماعيل وفيه نظر لأنه استدلال بالأخص على الأعم
٧ - وفيه أن الجد الأعلى سمي أبا
٨ - والتنويه بذكر الماهر في صناعته ببيان فضله حيث ذكر أن إسماعيل كان راميا
٩ - وفيه تطييب قلوب الأبناء بمفاخر الآباء وندبهم إلى اتباع خصال الآباء المحمودة والعمل بمثلها
١٠ - وفيه حسن خلقه ﷺ
١١ - ومعرفته بأمور الحرب صلى الله عليه وسلم
стр. 702
٤٤ - عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن
-[المعنى العام]-
في مقام ذم بني إسرائيل وذكر عجائبهم وما وقع منهم من انحراف عن شريعتهم وفي مقام تحذير الصحابة ومن بعدهم من أن يحذوا حذوهم ويقلدوهم في بدعهم يحذر النبي ﷺ أمته مما سيقع منهم يحذر الكثرة مما ستقع فيه القلة يحذر من التقليد الأعمى يحذر من الأضواء الكاذبة ومن إلباس الحق بالباطل ومن تزيين المفاسد يحذر من الاتباع في الابتداع ويخبر بما سيقع في آخر الزمان للمسلمين وأنهم سيضيعون العزة والكرامة وسيشعرون بالذلة والهوان والنقص وسيجعلون اليهود والنصارى سادة لهم يرفعون إليهم أبصارهم والنفس مولعة بتقليد الأعلى فيسلكون مسلكهم ويحاكونهم في سوآتهم ونقائصهم حتى لو سلكوا أقبح المسالك وأضيقها حاكوهم واتبعوهم وفعلوا مثلهم وقد حصل الكثير من هذا في زماننا والعياذ بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
-[المباحث العربية]-
(لتتبعن) اللام في جواب قسم محذوف والخطاب لأمة الإجابة الإسلامية والعين في لتتبعن مضمومة والنون مشددة للتأكيد
(سنن) بفتح السين والنون أي طريق
(من قبلكم) أي الذين سبقوكم زمنا ممن لهم طريق سماوي والمقصودون أهل الكتاب اليهود والنصارى
стр. 703
(شبرا بشبر وذراعا بذراع) في رواية شبرا شبرا أو ذراعا ذراعا أي في القليل والكثير فالمقصود تمام المتابعة وكمال الاقتداء أما فيهم المتابعة المنكرة المقصودة فسيأتي في فقه الحديث ونصب شبرا على أنه حال جامدة مؤولة بالمشتق تقيد التشبيه في الاتباع
(حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه) الجحر بضم الجيم وسكون الحاء والضب بفتح الضاد وتشديد الباء دابة صغيرة الحجم جبلية المسكن وجحرها مثل في الضيق والتعريج والرداءة فالكلام مبالغة في تمام المتابعة ووصول بها إلى فرض المستحيل
(اليهود والنصارى) مفعول به لفعل محذوف والتقدير أتعني اليهود والنصارى والاستفهام حقيقي
(فمن) اسم استفهام مبتدأ محذوف الخبر أي فمن أعني غيرهم والاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا أعني غيرهم
-[فقه الحديث]-
قال ابن بطال أعلم ﷺ أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور والبدع والأهواء كما وقع للأمم قبلهم
وقال القاضي عياض تمثيل للاقتداء بهم في كل شيء مما نهى الشرع عنه وذمه أهـ
وواضح من التمثيل بجحر الضب أن الحديث في المنكرات والقبائح والمسالك المتعرجة الرديئة واضح من قصد اليهود والنصارى أن الاتباع المعني إنما هو في الأمور الدينية فيؤول الإنكار إلى اتباع اليهود والنصارى في انحرافهم عن الطريق المستقيم وسلوكهم السلوك القبيح
والقصد من هذا الإنكار التحذير مما سيقع من الشر والبعد عن الدين وهو وإن كان بعيدا عن المخاطبين لن يحصل في زمنهم لكنه تخويف لهم وإيقاظ وتحذير لمن بعدهم
стр. 704
وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة إذ أخبر ﷺ بما سيقع في آخر الزمان وقد وقع الكثير من ذلك في زمننا والعياذ بالله
فقد كان نساء بني إسرائيل يرتفعن بالأحذية عن الأرض يستشرفن للرجال وانتشر في زمننا الكعب العالي وكن يلبسن الضيق والقصير والمزركش ويتجملن لغير الأزواج ودخل نساؤنا هذا الجحر الضيق في كثير من بلاد الإسلام وقلد الكثيرون من الرجال رجال الغرب في لبس الضيق وحلق اللحية وتزجيج الحواجب والتثني والتكسر وفي شرب السجائر بل وفي الأكل بالشمال بالإضافة إلى خسة التعامل بالربا والتهاون بالفاحشة وضعف الغيرة على النساء
وفي هذا الحديث ذم وتسجيل على اليهود والنصارى أنهم انحرفوا عن دينهم القويم وابتعدوا عن الطريق المستقيم
وفي هذا الحديث تحذير من التقليد الأعمى ودعوة للبعد عن الاتباع في الابتداع البعيد عن المصلحة الدينية والدنيوية
وفيه التمثيل بالمحسوسات لتقريب المعاني إلى الأفهام
стр. 705
٤٥ - عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار
-[المعنى العام]-
نتيجة لتحريف التوراة والإنجيل ونتيجة لانقطاع أسانيد الأخبار الإسرائيلية كانت الثقة فيما روي عن أحوالهم ضعيفة إلا أن يأتي الخبر عن طريق المعصوم محمد ﷺ ولما كانت الأعاجيب قد حدثت ووقعت في بني إسرائيل كانت أخبارهم عجبا لا يكاد العاقل يصدقها من هنا تلازمت أمور ثلاثة الإيمان بما يرد عن الصادق المصدوق محمد ﷺ من أخبارهم ومن غيرها ووجوب تبليغ ما يصدر عنه لمن لم يعلمه الثاني التحديث بما حدث به عن بني إسرائيل من غير حرج مهما كان الخبر غريبا الثالث الالتزام بالنقل الصحيح والصدق فيما يسند إليه ﷺ من أخبار بني إسرائيل وغيرها والتحذير من الكذب عليه ﷺ وادعاء أنه قال ما لم يقل أو نفي القول عنه مع العلم بثبوته
عن هذه الأمور الثلاثة يتحدث ﷺ فيأمر قومه وأصحابه بلغوا من وراءكم وانقلوا عنا ولو خبرا صغيرا ولو آية نزلت أو علامة وحكما شرعيا جد إذا حدثتكم عن بني إسرائيل وأحوالهم فحدثوا بما حدثتكم به من غير حرج وما لم أحدثكم به عنهم وعلمتم كذبه فلا تحدثوا به أما ما لم تعلموا كذبه من أخبارهم فحدثوا به ولا تصدقوه ولا تكذبوه لا تصدقوه لكثرة ما أسند عنهم من أكاذيب ولا تكذبوه لوقوع الغرائب فيهم واحذروا أيها المسلمون من الكذب على محمد بن عبد الله رسول الله ﷺ فإن من كذب عليه متعمدا أعد له مكان ومقر في النار
-[المباحث العربية]-
(بلغوا عني) الخطاب للصحابة ويقاس عليهم من في حكمهم وليس
следующие страницы →