← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14106

المنهل الحديث في شرح الحديث

موسى شاهين لاشين

Полный текст (1 103 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

٦ - استدل البخاري بالحديث على أن اليمن من بني إسماعيل وفيه نظر لأنه استدلال بالأخص على الأعم ٧ - وفيه أن الجد الأعلى سمي أبا ٨ - والتنويه بذكر الماهر في صناعته ببيان فضله حيث ذكر أن إسماعيل كان راميا ٩ - وفيه تطييب قلوب الأبناء بمفاخر الآباء وندبهم إلى اتباع خصال الآباء المحمودة والعمل بمثلها ١٠ - وفيه حسن خلقه ﷺ ١١ - ومعرفته بأمور الحرب صلى الله عليه وسلم

стр. 702

٤٤ - عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن -[المعنى العام]- في مقام ذم بني إسرائيل وذكر عجائبهم وما وقع منهم من انحراف عن شريعتهم وفي مقام تحذير الصحابة ومن بعدهم من أن يحذوا حذوهم ويقلدوهم في بدعهم يحذر النبي ﷺ أمته مما سيقع منهم يحذر الكثرة مما ستقع فيه القلة يحذر من التقليد الأعمى يحذر من الأضواء الكاذبة ومن إلباس الحق بالباطل ومن تزيين المفاسد يحذر من الاتباع في الابتداع ويخبر بما سيقع في آخر الزمان للمسلمين وأنهم سيضيعون العزة والكرامة وسيشعرون بالذلة والهوان والنقص وسيجعلون اليهود والنصارى سادة لهم يرفعون إليهم أبصارهم والنفس مولعة بتقليد الأعلى فيسلكون مسلكهم ويحاكونهم في سوآتهم ونقائصهم حتى لو سلكوا أقبح المسالك وأضيقها حاكوهم واتبعوهم وفعلوا مثلهم وقد حصل الكثير من هذا في زماننا والعياذ بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم -[المباحث العربية]- (لتتبعن) اللام في جواب قسم محذوف والخطاب لأمة الإجابة الإسلامية والعين في لتتبعن مضمومة والنون مشددة للتأكيد (سنن) بفتح السين والنون أي طريق (من قبلكم) أي الذين سبقوكم زمنا ممن لهم طريق سماوي والمقصودون أهل الكتاب اليهود والنصارى

стр. 703

(شبرا بشبر وذراعا بذراع) في رواية شبرا شبرا أو ذراعا ذراعا أي في القليل والكثير فالمقصود تمام المتابعة وكمال الاقتداء أما فيهم المتابعة المنكرة المقصودة فسيأتي في فقه الحديث ونصب شبرا على أنه حال جامدة مؤولة بالمشتق تقيد التشبيه في الاتباع (حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه) الجحر بضم الجيم وسكون الحاء والضب بفتح الضاد وتشديد الباء دابة صغيرة الحجم جبلية المسكن وجحرها مثل في الضيق والتعريج والرداءة فالكلام مبالغة في تمام المتابعة ووصول بها إلى فرض المستحيل (اليهود والنصارى) مفعول به لفعل محذوف والتقدير أتعني اليهود والنصارى والاستفهام حقيقي (فمن) اسم استفهام مبتدأ محذوف الخبر أي فمن أعني غيرهم والاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا أعني غيرهم -[فقه الحديث]- قال ابن بطال أعلم ﷺ أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور والبدع والأهواء كما وقع للأمم قبلهم وقال القاضي عياض تمثيل للاقتداء بهم في كل شيء مما نهى الشرع عنه وذمه أهـ وواضح من التمثيل بجحر الضب أن الحديث في المنكرات والقبائح والمسالك المتعرجة الرديئة واضح من قصد اليهود والنصارى أن الاتباع المعني إنما هو في الأمور الدينية فيؤول الإنكار إلى اتباع اليهود والنصارى في انحرافهم عن الطريق المستقيم وسلوكهم السلوك القبيح والقصد من هذا الإنكار التحذير مما سيقع من الشر والبعد عن الدين وهو وإن كان بعيدا عن المخاطبين لن يحصل في زمنهم لكنه تخويف لهم وإيقاظ وتحذير لمن بعدهم

стр. 704

وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة إذ أخبر ﷺ بما سيقع في آخر الزمان وقد وقع الكثير من ذلك في زمننا والعياذ بالله فقد كان نساء بني إسرائيل يرتفعن بالأحذية عن الأرض يستشرفن للرجال وانتشر في زمننا الكعب العالي وكن يلبسن الضيق والقصير والمزركش ويتجملن لغير الأزواج ودخل نساؤنا هذا الجحر الضيق في كثير من بلاد الإسلام وقلد الكثيرون من الرجال رجال الغرب في لبس الضيق وحلق اللحية وتزجيج الحواجب والتثني والتكسر وفي شرب السجائر بل وفي الأكل بالشمال بالإضافة إلى خسة التعامل بالربا والتهاون بالفاحشة وضعف الغيرة على النساء وفي هذا الحديث ذم وتسجيل على اليهود والنصارى أنهم انحرفوا عن دينهم القويم وابتعدوا عن الطريق المستقيم وفي هذا الحديث تحذير من التقليد الأعمى ودعوة للبعد عن الاتباع في الابتداع البعيد عن المصلحة الدينية والدنيوية وفيه التمثيل بالمحسوسات لتقريب المعاني إلى الأفهام

стр. 705

٤٥ - عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار -[المعنى العام]- نتيجة لتحريف التوراة والإنجيل ونتيجة لانقطاع أسانيد الأخبار الإسرائيلية كانت الثقة فيما روي عن أحوالهم ضعيفة إلا أن يأتي الخبر عن طريق المعصوم محمد ﷺ ولما كانت الأعاجيب قد حدثت ووقعت في بني إسرائيل كانت أخبارهم عجبا لا يكاد العاقل يصدقها من هنا تلازمت أمور ثلاثة الإيمان بما يرد عن الصادق المصدوق محمد ﷺ من أخبارهم ومن غيرها ووجوب تبليغ ما يصدر عنه لمن لم يعلمه الثاني التحديث بما حدث به عن بني إسرائيل من غير حرج مهما كان الخبر غريبا الثالث الالتزام بالنقل الصحيح والصدق فيما يسند إليه ﷺ من أخبار بني إسرائيل وغيرها والتحذير من الكذب عليه ﷺ وادعاء أنه قال ما لم يقل أو نفي القول عنه مع العلم بثبوته عن هذه الأمور الثلاثة يتحدث ﷺ فيأمر قومه وأصحابه بلغوا من وراءكم وانقلوا عنا ولو خبرا صغيرا ولو آية نزلت أو علامة وحكما شرعيا جد إذا حدثتكم عن بني إسرائيل وأحوالهم فحدثوا بما حدثتكم به من غير حرج وما لم أحدثكم به عنهم وعلمتم كذبه فلا تحدثوا به أما ما لم تعلموا كذبه من أخبارهم فحدثوا به ولا تصدقوه ولا تكذبوه لا تصدقوه لكثرة ما أسند عنهم من أكاذيب ولا تكذبوه لوقوع الغرائب فيهم واحذروا أيها المسلمون من الكذب على محمد بن عبد الله رسول الله ﷺ فإن من كذب عليه متعمدا أعد له مكان ومقر في النار -[المباحث العربية]- (بلغوا عني) الخطاب للصحابة ويقاس عليهم من في حكمهم وليس

стр. 706

الأمر للجميع فيجب التبليغ على كل فرد بل الأمر للمجموع فيجب على البعض في الجملة وهو ما يسمى بفرض الكفاية ومفعولا بلغوا محذوفان أي بلغوا من وراءكم شيئا مما تسمعون مني (ولو آية) آية خبر كان المحذوفة مع اسمها أي ولو كان المبلغ آية واحدة وهذا التعبير يشعر بالقلة والآية في اللغة تطلق على المعجزة وعلى العلامة وعلى العبرة وعلى البرهان والدليل والآية من القرآن معروفة وهل المراد هنا الآية القرآنية أو ما يعمها من حيث المعنى اللغوي أي بلغوا عني ولو علامة وجزئية من جزئيات الشريعة الظاهر الثاني (وحدثوا عن بني إسرائيل) أي عن أخبارهم وأعاجيبهم وبنو إسرائيل قد يراد بهم أبناء يعقوب أخوة يوسف فإسرائيل اسم ليعقوب ﵇ وقد يراد ذريتهم إلى النبي موسى وعيسى ﵉ ولهذا البحث تتمة في فقه الحديث (ولا حرج) أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم فخبر لا محذوف أي لا منع من التحديث عنهم من جهة الشرع بعد أن كان قد نهى عن التحديث عنهم وقيل المعنى لا تضيق صدوركم بما تسمعونه عنهم من الأعاجيب وقيل لا حرج عليكم في عدم التحديث أي حدثوا ولا حرج عليكم أن لا تحدثوا أي حدثوا أو لا تحدثوا لكم الخيار وبقية التوضيح في فقه الحديث (فليتبوأ مقعده من النار) اللام لام الأمر يقال تبوأ المكان إذا اتخذه مقرا والمقعد مكان القعود أي ليتخذ لقعوده وإقامته يوم القيامة مكانا في النار فلفظ من بمعنى في -[فقه الحديث]- لا شك أن الشريعة الإسلامية لا تصل إلى المكلفين إلا عن طريق تبليغ السامع لغير السامع ورب مبلغ أوعى من سامع فكان تبليغ الوحي

стр. 707

عن رسول الله ﷺ واجبا على الصحابة الذين تلقوه وواجبا على من يسمع منهم وهكذا إلى آخر الزمان فالكل يبلغ عن رسول الله ﷺ ولو بوسائل متعددة وهل يجب على كل فرد أن يبلغ شيئا ولو قل فيكون التبليغ فرض عين أو التبليغ واجب في الجملة على سبيل فرض الكفاية إذا قام به البعض سقط الإثم والطلب عن الباقين الذي أميل إليه أن تبليغ القليل أو أقل القليل واجب عيني أما الواجب على الكفاية فهو تبليغ الكثير تبليغ العلم والشريعة بكمياتها وعلومها المختلفة ولما أمر ﷺ بالتبليغ عنه لزم الاحتراز والتحذير من الكذب عليه ﷺ كأنه يقول بلغوا وتحروا الصدق في التبليغ وإياكم والكذب علي في تبليغكم وقد اتفق العلماء على تغليظ الكذب على رسول الله ﷺ وأنه من الكبائر بل بالغ الإمام الجويني فحكم بكفر من كذب متعمدا على رسول الله ﷺ وجهل من قال من الكرامية وبعض المتزهدة بأن الكذب على النبي ﷺ يجوز فيما يتعلق بتقوية أمر الدين وفي الترغيب والترهيب وتأولوا فقالوا فرق بين من كذب عليه ومن كذب له فمن قوى الدين بما لم يقله ﷺ فقد كذب له كمن وضع أحاديث ترغيب في قراءة القرآن أو في جزاء الأعمال الصالحات والوعيد في الكذب عليه وهذا التأويل باطل ومردود فالشريعة الإسلامية قوية ولا تحتاج إلى تقوية بالكذب والكذب عدم مطابقة الخبر للواقع على الإطلاق أما التحديث عن بني إسرائيل بما لم تتأكد صحته فقد ورد أولا النهي عنه لعدم الإفراط في قصصهم وأعاجيبهم ثم ضعف ﷺ الاعتماد على الأخبار التي تنقل عنهم لانقطاع السند واحتمال الكذب فأشار بعدم تصديق ما نسمع عنهم وبعدم تكذيبه إذا أتاكم عن بني إسرائيل شيء فلا تصدقوه ولا تكذبوه لا تصدقوه لكثرة ما نسب إليهم من الأكاذيب ولا تكذبوه لكثرة ما وقع فيهم من الأعاجيب

стр. 708

وفي هذا الحديث يأمر بالتحديث عنهم قال الحافظ ابن حجر وكان النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدينية خشية الفتنة ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار قال الإمام مالك المراد جواز التحديث عنهم بما كان من أمر حسن وأما ما علم كذبه فلا أهـ والإشكال في التحديث عنهم بما يعلم صدقه ولم يعلم كذبه أما ما علم صدقه من شريعتنا فلا إشكال في جواز التحديث به وما علم كذبه لا إشكال في النهي عن التحديث به ولهذا يقول الشافعي من المعلوم أن النبي ﷺ لا يجيز التحديث بالكذب أهـ أما ما لم يعلم صدقه ولا كذبه فالجمهور على جواز التحدث عنهم به بأية صورة وقعت سواء باتصال أو بانقطاع بخلاف الأحكام الإسلامية فيصير المعنى حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه والله أعلم ٤٦ - عن جندب بن عبد الله ﵁ قال قال رسول الله ﷺ كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات قال الله تعالى بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة

стр. 709

-[المعنى العام]- الحياة هبة الله تعالى لذا ينبغي أن تترك الروح لخالقها يسلبها متى يريد ويحملها الآلام إذا شاء وقد حذر الإسلام من الإقدام على التخلص من الحياة مهما كانت بواعثه ومهما قست بالمرء نوائب الزمان فمن المعلوم أن هذه الدنيا دار شقاء وليس للمصائب والمتاعب إلا الرجال وأولو العزم أكثر الناس بلاء وبقدر تحمل الرجل لكبار الأرزاء تكبر رجولته وبقدر جزعه وانهياره أمام بعضها يظهر ضعفه وجبنه وقد علمتنا التجارب أن طريق السعادة مليء بالأشواك ومن أراد القمة تسلق الوعر وبالجهاد والصبر والتفويض يصل الإنسان ومن ظن أنه بانتحاره يتخلص من الآلام فهو واهم لأنه إنما يدفع بنفسه من ألم صغير إلى ألم كبير ومن ضجر محدود في زمن قصير إلى ضجر غير محدود في زمن طويل إن الذي يقدم على الانتحار غير راض بالقضاء محارب للقدر ساخط على مراد الله يائس من روح الله و ﴿إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ من أجل هذا كانت عقوبته عند الله قاسية فمن قتل نفسه بحديدة أو ضرب نفسه برصاص أو طعن نفسه بسكين أعد الله له حديدة أو رصاصا أو سكينا من نار يطعن بها نفسه في جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا حدثنا بذلك رسول الله ﷺ وحتى في الجهاد الذي يظن أنه ميدان الجنة يخبرنا ﷺ عن رجل قاتل الكفار ما ترك شاردة ولا واردة منهم يحدثنا أنه من أهل النار لأنه حين جرح وآلمه الجرح أجهز على نفسه بغرز سيفه بين ثدييه حتى خرج من ظهره وفي هذا الحديث يذكر ﷺ حادثة مشابهة وقعت في بني إسرائيل هي أن رجلا أصابته جراحة في يده فأهملها حتى تقيحت وازداد ألمها حتى ضعفت قوة الرجل وعزيمته أمام وجعها فقرر أن يتخلص من الحياة كلها ليستريح من قرحته فأخرج سهما من كنانته ونخس القرحة

стр. 710

نخسة شديدة لعله يفجر بها شريان يده فلم ينفجر فأخذ سكينا مرهفا وفي لحظة كشط القرحة ونفذ إلى الشريان الذي قذف بدمه فلم ينقطع الدم حتى مات الرجل فكان من أهل النار فيقول الله تعالى لملائكته عبدي هذا حرمت عليه الجنة لأنه بادرني بنفسه وسارع بإزهاق روحه ولم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي -[المباحث العربية]- (كان فيمن كان قبلكم) أي في بني إسرائيل (رجل) قال الحافظ ابن حجر لم أقف على اسمه (به جرح) بضم الجيم وسكون الراء أي بيده جرح وفي رواية خرجت به قرحة بفتح القاف وسكون الراء وفي رواية خرج برجل فيمن كان قبلكم خراج بضم الخاء وتخفيف الراء وهو القرحة وجمع بينها بأنه أصابه جرح ثم صار قرحة (فجزع) في رواية البخاري فلما آذته (فأخذ سكينا فحز بها يده) في رواية انتزع سهما من كنانته فنكأها أي نخسها وخرقها ويجمع بين الروايتين بأنه فجر الجرح بالسهم فلم ينفعه فحز موضعه بالسكين (فلما رقأ الدم) أي لم ينقطع يقال رقأ الدم والدمع يرقأ إذا سكن وانقطع (قال الله تعالى) أي لملائكته (بادرني عبدي بنفسه) أي بروحه أي سابقني وجاء أول وهو هنا كناية عن استعجاله الموت -[فقه الحديث]- لا خلاف في أن الإقدام على الانتحار حرام وهو كبيرة من أكبر

стр. 711

الكبائر مهما كانت الوسيلة ومهما كان الهدف وقد ذكرت بعض الأحاديث وسائل كانت شائعة معروفة آنذاك كمن قتل نفسه بحديدة ومن شرب سما فقتل نفسه ومن تردى من جبل والذي يخنق نفسه ولا شك أنه يقاس عليها من ألقى نفسه في البحر فغرق ومن أشعل في نفسه نارا فاحترق إلى غير ذلك من الوسائل الحديثة ولذا جاء في الحديث الصحيح ما يفيد التعميم ولفظه ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة وأهل السنة على أن قاتل نفسه لا يكفر ما لم يستحل ذلك وأنه لا يقطع له بالنار وإن مات من غير توبة بل هو في حكم المشيئة يجوز أن يعفو الله عنه ويجوز أن يعاقبه على ذنبه ومثله كل مرتكب لكبيرة غير الشرك والخوارج على أن قاتل نفسه وكل مرتكب لكبيرة من الكبائر كافر مخلد في النار محرم عليه الجنة والمعتزلة على أن قاتل نفسه وكل مرتكب لكبيرة من الكبائر ليس بكافر ولا بمؤمن وأنه في منزلة بين المنزلتين وأنه مخلد في النار محرم عليه الجنة وظاهر أحاديث قاتل نفسه الصحيحة والمتعددة وظاهر القرآن الكريم في قاتل النفس المؤمنة متعمدا مع المعتزلة فالله تعالى يقول في سورة النساء آية ٩٣ ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾ والأحاديث الصحيحة تقول من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا فيها أبدا ... وحديث الباب لفظه قال الله تعالى بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة لذا كان على أهل السنة أن يجيبوا على هذه النصوص وأن يوجهوها بما يوافق مذهبهم في مقامين الأول في ألفاظ الخلود في النار والثاني في ألفاظ تحريم الجنة وقد أجابوا في المقام الأول بأجوبة منها

стр. 712

ذهب بعضهم إلى أن المراد خالدا مخلدا فيها إلى أن يشاء الله وهذا الرأي يضعفه التعبير بلفظ أبدا وقال بعضهم أن المراد بالخلود المكث الطويل لا حقيقة الدوام كأنه قال يخلد مدة معينة ويضعفه ما أضعف سابقه وقال بعضهم أن أحاديث الخلود وردت مورد الزجر والتغليظ وحقيقته غير مرادة وهذا الرأي ضعيف جدا لأنه يؤدي إلى أن الله يهدد ويخيف بما لا يقع وقال بعضهم إن المعنى أن هذا جزاؤه الأصلي لكن الله تكرم على الموحدين بإخراجهم من النار لتوحيدهم وحاصله أن هذا جزاء فعلي لغير الموحدين أما الموحدون فلن يقع لهم الخلود وهو مردود لعبارات الحديث الواضحة في وقوع هذا الجزاء وقيل إن أحاديث الخلود محمولة على من استحل هذا الفعل فإنه باستحلاله يصير كافرا والكافر مخلد في النار وقيل إن الجزاء المذكور هو الجزاء إن لم يتجاوز الله عنه والرأيان الأخيران أقرب الآراء إلى القبول وفي المقام الثاني في تحريم الجنة عليه قالوا بعض ما قالوا في المقام الأول كالمستحل وأن ذلك ورد مورد الرجز والتغليظ وزادوا إن الجنة التي تحرم عليه كجنة الفردوس مثلا وحاصله أن ال في الجنة للعهد وهو بعيد إن تحريم الجنة عليه مقيد بالمشيئة وحاصله حرمت عليه الجنة إن شئت استمرار التحريم وهو أبعد قال النووي حديث الباب يحتمل أن يكون ذلك شرع من مضى وأن أصحاب الكبائر كانوا يكفرون بها أهـ وهو مردود بأن ذكره هنا تقرير له زاد النووي نقلا عن القاضي عياض أنه يحتمل أن تحرم عليه الجنة

стр. 713

ويحبس في الأعراف أهـ لكن هذا الاحتمال لا يتمشى مع مذهب أهل السنة القائلين بدخول جميع الموحدين الجنة وأقرب التوجيهات للقبول أن تحريم الجنة تحريم مؤقت أي حرمت عليه الجنة فترة من الزمن وهي التي يدخل فيها السابقون إلى الجنة والتي يعذب فيها الموحدون في النار على معاصيهم وليس في الحديث بجميع رواياته ما يدل على تأييد تحريمها عليه بقي إشكال قوله بادرني عبدي بنفسه فإن ظاهره يقتضي أن من قتل نفسه مات قبل أجله وأنه لو لم يقتل نفسه لتأخر موته عن ذلك الوقت لكنه بادر فتقدم وهذا الظاهر يتمشى مع مذهب المعتزلة أما أهل السنة فيقولون إن المقتول ميت بأجله ولهذا يجيبون بأن المبادرة إنما هي من حيث التسبب في ذلك والقصد له والاختيار للمقدمات أما خروج الروح ففي أجله وأطلق على ذلك مبادرة لوجود صورتها وإنما استحق المعاقبة لأن الله لم يطلعه على انقضاء أجله فاختار هو قتل نفسه وقال القاضي أبو بكر قضاء الله مطلق ومقيد بصفة فالمطلق يمضي على الوجه بلا صارف والمقيد مثاله أن يقدر لواحد أن يعيش عشرين سنة إن قتل نفسه وثلاثين سنة إن لم يقتل وهذا بالنسبة إلى علم المخلوق كملك الموت مثلا وأما بالنسبة إلى علم الله فإنه لا يقع إلا ما علمه أهـ فمعنى الحديث بادرني عبدي بالنسبة لعلم المخلوقين لا في الحقيقة ونفس الأمر وعلم الله تعالى -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - تحريم قتل النفس وأن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم لأن الأنفس ملك لله ولا يتصرف فيها صاحبها إلا بما شرعه المالك جل شأنه

стр. 714

٢ - فيه رحمة الله تعالى بخلقه حيث حرم عليهم قتل نفوسهم ٣ - فيه الحث على الصبر على البلاء وترك الجزع ٤ - فيه تحريم تعاطي الأسباب المفضية إلى المحرم ٥ - فيه التحدث عن الأمم الماضية وما فعلت بقصد الترغيب أو الترهيب ٤٧ - عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد ماذا سمعت من رسول الله ﷺ في الطاعون فقال أسامة قال رسول الله ﷺ الطاعون رجس أرسل على طائفة من بني إسرائيل أو على من كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه

стр. 715

-[المعنى العام]- أخرج الطبري أن قائدا من بني إسرائيل أرسل النساء إلى عسكره وأمرهن أن لا يمتنعن من أحد فزنوا بهن فأرسل الله عليهم الطاعون فمات سبعون ألفا في يوم واحد وذكر ابن إسحاق أن الله أوحى إلى داود ﵇ أن بني إسرائيل كثر عصيانهم فخيرهم بين ثلاث إما أن أبتليهم بالقحط شهرين أو العدو شهرين أو الطاعون ثلاثة أيام فأخبرهم فاختاروا الطاعون فنزل بهم عقوبة على عصيانهم ولما كانت الأمة المحمدية معرضة للابتلاء نفسه لتعرض البعض للفساد والإفساد كانت هذه الوصية التي سبقت العالم والعلم الحديث الوصية بالحجر الصحي ومنع المرضى من الاختلاط بالأصحاء بمنع من هم في أرض الوباء من الخروج إلى أرض الأصحاء ومنع الأصحاء من الدخول إلى أرض الوباء حتى يمكن حصار المرضى فيعالج من يمكن علاجه ويقضي الله بما شاء على من أصيب وفي ذلك تخفيف للبلاء وحصاره والحد من أضراره وأخطاره فصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه -[المباحث العربية]- (الطاعون رجس) الطاعون على وزن فاعول من الطعن عدلوا به عن أصله الذي هو الطعن ووضعوه دالا على نوع خاص من الأمراض الوبائية وفي أعراضه وتحديد نوع مرضه قال صاحب النهاية الطاعون المرض العام الذي يفسد له الهواء وتفسد به الأمزجة والأبدان أهـ وهذا التعريف يصدق على كل الأمراض المعدية التي تنتقل عدواها عن طريق الهواء فهو تعريف غير محدد وقال الداودي الطاعون حبة أي ورم تخرج من الأرفاغ وفي كل طي من الجسد وقال عياض أصل الطاعون القروح الخارجة من الجسد أهـ وقال ابن عبد البر الطاعون غدة تخرج في

стр. 716

المراق والآباط وقال النووي هو بثر وورم مؤلم جدا ويخرج غالبا في المراق والآباط أهـ وقال بعض الأطباء الأقدمون منهم ابن سينا الطاعون مادة سمية تحدث ورما قتالا يحدث في المواضع الرخوة من البدن وأغلب ما تكون تحت الإبط وخلف الأذن وسببه دم رديء مائل إلى العفونة والفساد أهـ وهذه التعاريف قد تصدق أعراضها على نوع من أنواع السرطان القاتل لكن المعروف عن السرطان أنه يصيب الأفراد لا على هيئة وباء وعدوى وهناك من العلماء من خالف هذه الأعراض فهذا المتولي يقول هو قريب من الجذام من أصابه تآكلت أعضاؤه وتساقط لحمه وسيأتي مزيد إيضاح وبيان المراد في فقه الحديث والرجس بالسين الخبيث أو النجس أو القذر والرجز بالزاي هو العذاب هذا هو المشهور في معناهما والأنسب هنا بالزاي بل المحفوظ كما قال الحافظ ابن حجر بالزاي لكن القاضي وجه رواية السين بأن الرجس يطلق أيضا على العقوبة وقال الجوهري الرجس العذاب (أرسل على طائفة من بني إسرائيل أو على من كان قبلكم) يحتمل أن يكون المراد ممن كان قبلكم بني إسرائيل فالشك في اللفظ الوارد والماصدق واحد ويحتمل أن يكون المراد غير الطائفة الواردة وأن العذاب بالطاعون تكرر (فإذا سمعتم به في أرض) أي بانتشاره في مكان ما (فلا تقدموا عليه) بفتح التاء والدال بينهما قاف ساكنة أي فلا تتجهوا وتقبلوا على مكانه (فلا تخرجوا فرارا منه) فرارا مفعول لأجله -[فقه الحديث]- يقول علماء الطب الحديث إن الطاعون مرض وبائي خطير تنتشر عدواه عن طريق الفئران والبراغيت يصاب به أولا الفأر فإذا امتص البرغوث دم الفأر المصاب حمل جرثومة المرض واسمها في الطب

стр. 717

ميكروب (باسلس بستس) فإذا عض البرغوت المصاب إنسانا أو فأرا آخر نقل إليه المرض الفتاك وهكذا يسرع المرض بالانتشار في مناطق كثرة البراغيث والفيران وأول ما ينبغي القضاء عليه محاربة البراغيث ثم القضاء على الفيران وهناك المصل الواقي لتحصين الأصحاء قبل وصول الداء والطاعون غير مقصود لذاته بل المقصود الوباء المعدي بصفة عامة وعدم دخول الأرض المصابة وعدم خروج أحد منها وهو ما عرف فيما بعد في العصر الحديث بالحجر الصحي وعزل المرضى وهو أنجح وسائل الوقاية الصحية وقد استشكل على سبب المرض المشار إليه بما ورد في الحديث أن الطاعون من وخز الجن وقال الحافظ ابن حجر يحتمل أن يكون الطاعون على قسمين قسم يحصل من غلبة بعض الأخلاط وقسم يكون من وخز الجن أهـ والأولى أن يقال إن المراد من الجن في الحديث معناه اللغوي وهو الشيء المستتر لا الجن المعروف فيمكن أن يقصد الميكروب الذي ينتقل إلى الجسم السليم وهو لا يرى بالعين المجردة وسنرجئ القول في خروج أهل الأرض المصابة إلى شرح الحديث الآتي ونستعرض ما قيل في حكم الدخول إلى أرض الوباء ولا خلاف في النهي عن الدخول إلى الأرض المصابة وأنه ممنوع إلا لضرورة كالأطباء ومساعديهم ومن تحتاجهم الأرض لحياتها الضرورية أما الدخول من غير ضرورة فهو حرام أو مكروه لأنه تعريض النفس إلى التهلكة وقد أخرج الطحاوي بسند صحيح عن أنس أن عمر أتى الشام فاستقبله أبو طلحة وأبو عبيدة فقالا يا أمير المؤمنين إن معك وجوه الصحابة وخيارهم وإنا تركنا من بعدنا مثل حريق النار فارجع العام فرجع وحاصل القصة أن عمر قسم الشام أجنادا الأردن جند وحمص

стр. 718

جند ودمشق جند وفلسطين جند وجعل على كل جند أميرا وقد وقع طاعون عمواس (بفتح العين والميم وحكي تسكين الميم) في الشام في المحرم وصفر سنة ثمان عشرة من الهجرة وخرج عمر في ربيع الأول يقصد الشام حتى إذا كان قريبا منها لقيه أبو عبيدة وكان أمير الشام وأشير على عمر بالرجوع فعزم على الرجوع فقال له أبو عبيدة أفرارا من قدر الله أي أترجع فرارا من قدر الله وفي رواية أمن الموت نفر إنما نحن بقدر لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا فقال له عمر لو غيرك قالها يا أبا عبيد أي لعاقبته كيف خفي عليك هذا نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله وفي رواية إن تقدمنا فبقدر الله وإن تأخرنا فبقدر الله ومقصود عمر أن هجوم المرء على ما يهلكه منهي عنه ولو فعل وهجم لكان من قدر الله فهما مقامان مقام التوكل ومقام التمسك بالأسباب فرجوع عمر فرار من أمر خاف منه على نفسه فلم يهجم عليه والذي فر إليه أمر لا يخاف على نفسه منه فالرجوع سد للذرائع وقد زعم قوم أن النهي عن الدخول للتنزيه وأنه يجوز الإقدام عليه لمن قوي توكله وصح يقينه وتمسكوا بما جاء عن عمر من أنه ندم على رجوعه والله أعلم

стр. 719

٤٨ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون فأخبرني أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء وأن الله جعله رحمة للمؤمنين ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد -[المعنى العام]- لا يصيب المؤمن هم ولا غم ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كان له بها حسنة وأجر وهكذا يبعث الله على الناس البلاء ليوقظهم من غفلتهم ويردهم عن غواياتهم إلى طاعات ربهم فهذه طبيعة الإنسان إذا أنعم عليه أعرض عن ربه ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض وإذا مس الإنسان الضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل فالابتلاء وإن كان مؤلما وعذابا لكنه لصالح الإنسان مآلا وهو رحمة ومغفرة للمؤمنين الذين يستحقون رحمة الله يكفر من سيئاتهم ويرفع من درجاتهم وهو عذاب وعقوبة عاجلة لمن يستحقها بسبب الكفر أو ما يرتكب من الموبقات والابتلاء قد يقع بالأموال وبالتخويف وبنقص الأنفس وموت الأهل وقد يكون بالأمراض الجسمية وأشدها مرض الطاعون الفتاك أعاذ الله منه أمة الإسلام يقول جل شأنه ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ فالصبر والاحتساب من مريض الطاعون إيمان وتوكل بأنه لن يصيبه

стр. 720

إلا ما كتب الله له إيمان بقدر الله إيمان بأن الفرار لا ينفع من الموت أو القتل هذا الصابر المحتسب إن عاش فله أجر الصابرين وإن مات فله أجر الشهداء وهو في رفقة الأنبياء والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقا وهذا الصابر المحتسب الماكث في بلد الطاعون يحمي من هم خارج بلده من العدوى وانتشار المرض ويقوي الروح المعنوية لمن هم معه ولا يثير فيهم الهلع والجزع والناس يموتون من الهلع والجزع أحيانا قبل أن تفتك بهم الأمراض وما أعظم وصية رب العالمين لسيد المرسلين وللمؤمنين ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ -[المباحث العربية]- (سألت ... عن الطاعون) أي عن حكمة إرساله على الناس وعن موقف من يقع به أو حوله (على من يشاء) من المؤمنين والعاصين والكافرين (رحمة للمؤمنين) ليكفر سيئاتهم فعذاب الدنيا لا يقارن بعذاب الآخرة أو ليرفع من درجاتهم (ليس من أحد) من زائدة وأحد اسم ليس (يقع الطاعون) أي في بلده (فيمكث في بلده) أي فيبقى ويقيم ولا يفر بالخروج فالجار والمجرور في بلده تنازعه الفعلان يقع ويمكث (محتسبا) أي مفوضا وطالبا الأجر من الله (يعلم أنه لا يصيبه) المراد من العلم الإيمان والعمل بالمعلوم وليس المراد مجرد المعرفة -[فقه الحديث]- تعرضنا في الحديث السابق إلى حكم الدخول إلى الأرض المصابة

стр. 721

بالطاعون ونتعرض هنا إلى حكم الخروج لمن وقع الطاعون في أرضه وهو فيها ودوافع الخروج حينئذ لا تخلو عن احتمالات أربعة الخروج بدافع مصلحة ضرورية فقط أو بدافع المصلحة الضرورية والفرار أو بدافع الفرار فقط أو اتفاقا وعفوا بدون دافع ولفظ الحديث السابق فلا تخرجوا فرارا منه يحتمل النهي عن الخروج في صورتين صورة أن يكون الدافع الفرار وحده وصورة أن يكون الدافع الفرار مع غيره وقريب منه ما رواه أحمد وابن خزيمة المقيم في الطاعون كالشهيد والفار منه كالفار من الزحف ولا خلاف في النهي عن الخروج فرارا وهو حين يتمحض أشد منعا منه حين تشترك معه مصلحة فالفرار معناه ضعف الإيمان بالقضاء والقدر والله تعالى يقول ﴿قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة﴾ وما أكثر الذين يموتون على فراشهم دون طاعون وما أكثر الذين يفاجأون بالموت في طريقهم دون أمراض ولكل أجل كتاب إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ومن لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد وماذا يفيد الحرص على الفرار من الوباء إذا كنا نؤمن بأن الله هو الذي أعدى الأول من المصابين ومع ذلك فالخروج من أرض الطاعون يعرض من هم خارج الأرض للخطر ويتسبب في انتشار الوباء واتساع رقعته ودرء هذا مصلحة عامة واجبة الرعاية وإن لم ينص عليها الحديث صراحة لكن إذا جعلنا قيد فرارا قيدا لما هو الشأن والغالب واعتمدنا الحكم بدونه كما في قوله تعالى ﴿لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة﴾ كان الخروج منهيا عنه سواء كان من دافعه الفرار أم لم يكن

стр. 722

نعم قد تكون هناك ضرورات ومصالح عامة أو ضرورات ومصالح شخصية تقدر بقدرها مع الموازنة بينها وبين ما يترتب على الخروج من أضرار وهذا ما نستريح إليه لكن العلماء اختلفت آراؤهم في ذلك فقد نقل القاضي عياض وغيره عن بعض الصحابة جواز الخروج من الأرض التي يقع بها الطاعون وقال قوم يحرم الخروج منها وهذا هو الراجح عند الشافعية وغيرهم وقال قوم يحرم الخروج لمجرد الفرار لا لغرض آخر فالخروج إلى الأسفار والحوائج مباح والله أعلم باب مناقب قريش ٤٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهية وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء بوجه

стр. 723

-[المعنى العام]- يقول جل شأنه ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ نعم الإنسانية كلها من أب وأم لكنها في سلوكها وأخلاقها تختلف حتى تشتهر قبيلة بالكرم وأخرى بالشح والبخل وتشتهر قبيلة بالأما-نة وأخرى بالخيانة وتشتهر قبيلة بالحلم وتشتهر أخرى بسرعة الغضب وهكذا في الصدق والكذب وفي الشجاعة والجبن فكانت الإنسانية من حيث السلوك معادن يختلف بعضها عن بعض يعلو بعضها بمكارم الأخلاق ويهبط بعضها بسفاسفها فمن كان على مكارم الأخلاق قبل الإسلام ثم أسلم وتفقه في الدين كان خير الناس فمن كان سيدا وعزيزا في الجاهلية بأخلاقه زاده الإسلام عزا لكن عليه أن لا يدفعه ذلك إلى التطلع للإمارة والولاية فهي في الإسلام حمل وعبء ومسئولية من يسألها ويحرص عليها لا يولى وإن ولي لا يعان عليها فالعقلاء والمتدينون ومقدروا المسئولية يكرهونها ويخشون الوقوع فيها فإذا وقعوا فيها جندوا أنفسهم لرعايتها حق رعايتها وسألوا الله الإعانة والتوفيق والسداد أما النفعيون والانتهازيون وأصحاب المصالح الشخصية العاجلة الذين يتلونون لكل أمير ويلبسون من الأقنعة ما يناسب كل راء ويأتون هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء فأولئك شرار الخلق لا خلاق لهم في الدنيا وما لهم في الآخرة من نصيب -[المباحث العربية]- (تجدون الناس معادن) الخطاب للصحابة أو لكل من يتأتى خطابه أي تجد أيها المخاطب في كل زمان ومكان الناس معادن وجاء في رواية الناس معادن أي في حقيقتهم معادن أدركتم ذلك أو لم تدركوا والمعادن جمع معدن وهو الشيء المستقر في الأرض وفي الكلام تشبيه بليغ حذف منه الوجه والأداة والأصل الناس كالمعادن في تفاوت

стр. 724

الأصالة والخسة وفي عدم تغير الصفة المذكورة في حال خفائهم عنها وفي حال ظهورهم بها (خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) أي كما أن المعدن إذا استخرج ظهر ما اختفى منه ولم تتغير صفته كذلك صفة الشرف لا تتغير في ذاتها بل من كان شريفا في الجاهلية فهو بالنسبة إلى أهل الجاهلية رأس فإن أسلم استمر شرفه وكان أشرف ممن أسلم من المشروفين في الجاهلية كذا قيل وللموضوع تتمة في فقه الحديث ولفظ خيارهم إما جمع خير بإسكان الياء أو فعل تفضيل يقال خير وأخير وشر وأشر بمعنى لكن الذي بالألف أقل استعمالا وإما جمع خير بتشديد الياء المكسورة والمراد بالجاهلية ما قبل الإسلام والمراد من الفقه علم الشريعة يقال فقه الرجل بضم القاف ويجوز كسرها إذا صار فقيها وفهم سر الدين وشرائعه (وتجدون خير الناس) من هنا مرادة ومقدرة أي من خير الناس لأن من اتصف بذلك لا يكون خير الناس على الإطلاق (في هذا الشأن) في الولاية والإمارة فالمشار إليه معهود للمخاطبين ذهنيا (وتجدون شر الناس ذا الوجهين) من هنا مقدرة ومرادة كسابقه أي من شر الناس والمراد من الوجه الحالة (الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه) المشار إليهم مطلق فريق فالكلام كناية عن عدم الوضوح وعن التلون والنفاق وللبحث بقية تأتي في فقه الحديث -[فقه الحديث]- لا شك أن الإسلام شرف وإن التفقه في الدين شرف وأن شريف الجاهلية يصاحبه الشرف إذا أسلم فمن استجمع أوجه الشرف الثلاثة كان

стр. 725

أشرف الناس يليه مشروف في الجاهلية أسلم وتفقه ويليه شريف في الجاهلية أسلم ولم يتفقه ويليه مشروف في الجاهلية أسلم ولم يتفقه ولا عبرة في الشريعة بشرف الجاهلية إذا لم يصاحبه إسلام ولا عبرة بشرف التفقه ما لم يصاحبه الإسلام فأقل الناس من جمع نقيض أوجه الشرف الثلاثة فكان مشروفا في الجاهلية ولم يسلم ولم يتفقه ولا يتعارض هذا مع قوله تعالى ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ فإنه فيما إذا تعارض الشرف مع التقوى فلا شك حينئذ بأن الأكرم هو الأتقى لكن إذا تساوى شريف في الجاهلية ومشروف في التقوى كان الأكرم هو الشريف الأتقى ولا يخفى أن المراد من شرف الجاهلية الشرف المبني على الخلال الحميدة ومكارم الأخلاق من عفة وكرم وإعانة ونجدة وصدق ووفاء ونحوها وليس المبني على الغلبة أو القوة أو السلطة أو الكثرة العددية أو نحو ذلك ولما كان شريف الجاهلية قد يطمع بعد الإسلام ويتطلع إلى الرئاسة باعتبار أنه كان رأسا قبل الإسلام ناسب أن يفطم الحديث هذا التطلع وأن يحد منه لجعل الأمر للأمة لا له فحذر من الحرص على الولاية والسعي إليها بل دعا إلى عدم إعطائها لمن يطلبها وقد استدل بعض العلماء بقوله ﷺ وتجدون خير الناس في هذا الشأن أي شأن الولاية أشدهم له كراهية على أن الحرص على الإمارة والعمل والسعي للحصول عليها مكروه بل ويؤخذ من الحديث أنه كلما اشتدت كراهة المسلم الدخول في هذا الأمر كلما عظم اتصافه بالعقل والدين لما في ذلك من تقدير للعبء والمسئولية ولما يترتب عليه من مطالبة الله تعالى للقائم به من حقوق ومن خوف الزلل والظلم ولقد أثر عن عمر ﵁ في نهاية خلافته قوله وددت لو خرجت من هذا الأمر كفافا لا لي ولا علي

стр. 726

وقد جاء في بعض الروايات تجدون من خير الناس أشد الناس كراهية لهذا الشأن حتى يقع فيه فهذه الغاية تشير إلى أن من لم يكن حريصا على الإمرة غير راغب فيها تزول عنه الكراهة إذا حصلت له ولهذا أحب بعض الصالحين استمرار الولاية حتى قاتل عليها ولما كانت البيعة أو الولاية يصحبها غالبا منافقون ووشاة ناسب أن يتعرض الحديث لذي الوجهين بأنه شر الناس أو من شر الناس قال القرطبي إنما كان ذو الوجهين شر الناس لأن حاله حال المنافق إذ هو متملق بالباطل والكذب مدخل الفساد بين الناس أهـ وفي تحديد المراد به قال النووي هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها فيظهر لها أنه منها مخالف لضدها وصنيعه نفاق ومحض كذب وخداع وتحايل على الاطلاع على أسرار الطائفتين وهي مداهنة محرمة قال: فأما من يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين فهو محمود وفي تحديد المراد به أيضا قال ابن عبد البر: تأوله قوم على أن المراد به من يرائي بعمله فيري الناس خشوعا واستكانة وما قاله النووي أقرب إلى المراد والله أعلم

стр. 727

٥٠ - عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن من أعظم الفرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه أو يري عينه ما لم تره أو يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل -[المعنى العام]- تختلف درجات الكذب باختلاف درجة المكذوب به ودرجة المكذوب عليه وكلما كانت آثار الكذبة أشد ضررا كانت الكذبة أعظم جرما وأي كذبة أشد خطرا من كذبة ينتسب بها المرء إلى غير أبيه فيستحل مالا لم يكن ليحل له ويحمل اسما لم يكن ليحمله ويأخذ حقوقا لم يكن ليأخذها جريمة كبرى يشترك فيها من يدعي أبا غير أبيه مع هذا الرجل الذي ليس أبا حقيقيا ينتهكان بذلك شرع الله وحقوق الناس فما أعظم هذه الفرية وما أشد خطرها على المجتمع الإسلامي وحينما يكون المكذوب عليه رسول الله ﷺ الذي يبلغ عن ربه ما أنزله إليه حين يدعي مدع أن رسول الله ﷺ قال وهو لم يقل تضطرب الشريعة وينسب إلى الله ما لم يأذن به جل شأنه وحين يكذب الآدمي في الإخبار عن منامه فيقول إنه رأى كذا وكذا وكذا وهو لم ير من ذلك شيئا والرؤيا جزء من النبوة ونوع من الوحي وإيحاء من الله حين يكذب الإنسان في رؤياه يكون كاذبا على الله مدعيا أن الله ألقى إليه في منامه بكذا وهو لم يلق إليه هل هناك من يفترى عليه أعظم من الله اللهم لا ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا﴾ إن فاعل ذلك أظلم الظالمين وأعظم الكذابين أليس في جهنم مثوى للظالمين فليتبوءوا مقعدهم من النار هي حسبهم وبئس المصير

стр. 728

-[المباحث العربية]- (إن من أعظم الفرى) بكسر الفاء وفتح الراء مقصورا وجاء ممدودا جمع فرية والفرية الكذب والبهت أي التبجح بالكذب تقول فرى فلان بفتح الراء يفري بكسرها مع فتح الياء وافترى يفتري إذا اختلق (أن يدعي الرجل إلى غير أبيه) بفتح الياء وتشديد الدال وكسر العين أي أن ينتسب الرجل إلى غير أبيه والتعبير بالرجل للغالب والمرأة حكمها حكم الرجل ويجوز أن يبقى الادعاء على أصله ويقدر مفعول محذوف أي أن يدعي الرجل نسبا إلى غير أبيه وهذا أولى لورود لفظ النسب في بعض الروايات (أو يري عينه ما لم تره) يري بضم الياء وكسر الراء منصوب عطفا على أن يدعي وعينه بالإفراد مرادا به الجنس فيصدق على عينيه أي يدعي أن عينيه رأتا في المنام شيئا ما رأتاه -[فقه الحديث]- في الحديث تشديد الوعيد على ثلاث كذبات الكذب في الانتساب وادعاء ابن لفلان وهو غير أبيه أو الرضا بادعاء آخر بنوته وهو يعلم أنه غير أبيه الثانية الكذب في المنام وادعاء أنه رأى ما لم ير والثالثة الكذب على رسول الله ﷺ أما الأولى فقد كانت العرب في الجاهلية تستبيح أن يتبنى الرجل ولد غيره فلا ينسب الولد لأبيه الحقيقي وإنما ينسب إلى الذي تبناه ويصبح له حق الولد من النسب من جميع النواحي حتى نزل قوله تعالى ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما﴾ فحرم التبني ووجبت نسبة كل واحد إلى أبيه الحقيقي ولما كانت تلك العادة متأصلة عندهم احتاج اقتلاعها إلى كثير من التشديد

стр. 729

والوعيد فجاء في صحيح البخاري غير هذا الحديث قوله ﷺ ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر بالله ومن ادعى قوما ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار وفي صحيح مسلم من ادعى أبا في الإسلام غير أبيه يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام وفيه أيضا لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر نعم حاول علماء أهل السنة تفسير الكفر بكفر النعمة أو تخصيصه بمن استحل ذلك وتفسير تحريم الجنة بتحريم دخولها مع أول الداخلين أو أن هذا جزاؤه المستحق لو جوزي وقد يعفو الله عنه وغير ذلك من التوجيهات التي لا تخرج فاعل ذلك من الملة وإن عظمت جريرته وقد دلت الأحاديث المذكورة على أن هذا الحكم مشروط بالعلم بأنه غير أبيه وهذا واضح لأن الإثم إنما يترتب على العلم بالشيء المتعمد لكن هل يدخل في هذا الوعيد كل من انتسب إلى غير أبيه مهما كان الهدف من الانتساب أو هو خاص بما كان على شاكلة التبني الجاهلي الذي يترتب عليه آثار غير شرعية من الإرث وغيره التحقيق أن هذا الوعيد خاص بالحالة الثانية أما من رغب عن الانتساب لأبيه لمعرة فيه أو انتسب لأخواله للافتخار والتشرف أو انتسب لأحد أفراد العائلة لشهرته فلا يدخل في الوعيد المذكور وإن كان لا يخلص من إثم ومؤاخذة وأما الكذبة الثانية وهي الكذبة عن المنام وادعاء أنه رأى في منامه شيئا لم يحصل فإن الحكمة في تشديد الوعيد على هذه الكذبة أن المنام جزء من الوحي سواء قلنا إن الله يرسل ملك الرؤيا فيرى النائم ما شاء أم قلنا إن الله يلقي إلى النائم بما شاء فالكذب في الرؤيا كذب على الله كذلك الكذبة الثالثة الكذب على النبي ﷺ هي في مضمونها كذب على الله تعالى لأنه ﷺ إنما يخبر عن الله فمن كذب عليه كذب على الله والكذب على الله أعظم الكذب بنص القرآن الكريم يقول الله

стр. 730

تعالى ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته﴾ فسوى بين من كذب عليه وبين الكافر ويقول ﴿ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة﴾ وغير ذلك من الآيات في تشديد الوعيد على الكذب على الله كثير -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - تحريم التهرب والانتفاء من النسب المعروف ٢ - تحريم الانتساب إلى غير الأب الحقيقي ٣ - تحريم الكذب في رؤيا المنام ٤ - غلظ تحريم الكذب على رسول الله ﷺ ٥١ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال النبي ﷺ مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون لولا موضع اللبنة ** وفي رواية ** عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله

стр. 731

إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة قال فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين -[المعنى العام]- تتطور البشرية وترقى عصرا بعد عصر وتتقدم من البدائية إلى الحضارة قرنا بعد قرن وتتسع مداركها ومعارفها جيلا بعد جيل وتسمو أفهامها من المحسوسات إلى المعقولات كلما تقدمت بها العلوم ومن هنا كانت البشرية تعبد الحجارة التي لا تسمع ولا تبصر وكانت معجزات رسلها محسوسة تدرك بالأبصار ناقة لها شرب ولهم شرب فلق البحر وانفجار الماء من الصخر وحية تسعى وذراع يضيء وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى إلى غير ذلك من الماديات المحسوسات الخارقات للعادة وكان كل رسول يدعو قومه إلى عبادة الله وحده وإلى الاستقامة والبعد عن خبائث السلوك فمنهم من حذر من إتيان الذكران من العالمين ومنهم من نهى عن التكبر والتجبر والعبث ﴿أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين﴾ ومنهم من أمر بإيفاء الكيل ﴿أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم﴾ ومنهم من نهى عن القتل إذ وصلوا إلى قتل الأنبياء بغير حق ومنهم من نهى عن الزنا لشيوعه وفحشه ومن نهى عن أكل الربا وأخذ أموال الناس بالباطل إلى غير ذلك من تشريعات الرسالات التي أشبهت في تقويمها للبشرية بدار بنيت حجرا حجرا وزاوية زاوية وجانبا جانبا فبنيت في حسن وجمال وبقي لتكمل وتتم مكان حجر في زاوية فتم بناء الدار بالرسالة المحمدية وكمل تقويم البشرية بما جاء به خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ فشملت رسالته وشريعته كل الشرائع وزادت ما تحتاجه البشرية لإصلاحها في كل زمان إلى يوم القيامة -[المباحث العربية]- (مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارا) المثل بفتح الثاء ما شبه مضربه

стр. 732

بمورده والمراد منه هنا مطلق الوصف والحال أي صفتي وحالي مع الأنبياء قبلي كرجل بنى دارا وفي بيان المشبه والمشبه به قال الحافظ ابن حجر قيل المشبه به واحد والمشبه جماعة فكيف صح التشبيه وجوابه أنه جعل الأنبياء كرجل واحد لأنه لا يتم ما أراد من التشبيه إلا باعتبار الكل أهـ وعندي أن التشبيه من قبيل تشبيه هيئة بهيئة، تشبيه هيئة رسالة الأنبياء السابقين وما جاءوا به من هداية وإصلاح البشرية بهيئة رجل أسس دارا وبناها ورفع بنيانها إلا موضع حجر في زاوية فرسالة الأنبياء قبل رسالة محمد ﷺ تشبه في الحقيقة البيت الذي ينقصه شيء وليس التشبيه بالرجل (إلا موضع لبنة) بفتح اللام وكسر الباء وبكسر اللام وسكون الباء وهي القطعة من الطين تعجن وتجفف وتعد للبناء فإذا أحرقت سميت آجرة (لولا موضع اللبنة) جواب لولا محذوف على أنها شرطية وموضع مبتدأ خبره محذوف والتقدير لولا موضع اللبنة يوهم النقص لكان بناء الدار كاملا ويحتمل أن تكون لولا تحضيضية ويقدر فعل بعدها لاختصاصها بالأفعال أي لولا أكمل موضع اللبنة (فأنا اللبنة) مشبه ومشبه به أي فأنا بالنسبة إلى رسالات الأنبياء أشبه اللبنة المكملة للبناء بالنسبة للدار -[فقه الحديث]- لقد كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وشريعته صالحة لهم ولزمنهم كاملة لإصلاح قومه غير ناقصة لكن الرسالات السابقة في مجموعها وبكل ما جاءت به لا تصلح للبشرية المستقبلة في جميع الأزمنة وفي جميع الأمكنة فكان لا بد من إضافة رسالة إلى الرسالات السابقة لتصلح لتقويم البشرية في كل زمان ومكان والإشكال الوارد في هذا المقام هو هل الرسالة الخاتمة بالنسبة للرسالات السابقة أساسية لم تكن الرسالات السابقة

стр. 733

وحدها كافية للبشرية وأن اللبنة المقصودة هي في أساس الدار لا تقوم الدار بدونها بل تنقص وتسقط أو أن الرسالة الخاتمة مكملة للرسالات السابقة محسنة ومجملة لها ومكملة لصلاحها إلى الأول ذهب ابن العربي والجمهور على الثاني قال الحافظ ابن حجر ظاهر السياق أن تكون اللبنة في مكان يظهر عدم الكمال في الدار بفقدها وقد وقع عند مسلم إلا موضع اللبنة من زاوية من زواياها فيظهر أن المراد أنها مكملة محسنة وإلا لاستلزم أن يكون الأمر بدونها ناقصا وليس كذلك فإن شريعة كل نبي بالنسبة إليه كاملة فالمراد هنا النظر إلى الأكمل بالنسبة إلى الشريعة المحمدية مع ما مضى من الشرائع الكاملة -[ ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - جواز ضرب الأمثال والتشبيه لتقريب المعاني إلى الأفهام ٢ - أن محمد ﷺ خاتم النبيين وبهذا نطق القرآن حيث يقول ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ ٣ - وأن الرسالة المحمدية آخر الرسالات وأنها كاملة مكملة ٤ - فضل محمد ﷺ ٥ - حاجة الإنسانية إلى الرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.

стр. 734

٥٢ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها -[المعنى العام]- صلى الله على من أدبه ربه فأحسن تأديبه حتى قال فيه ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ أدبه بآداب القرآن فكان خلقه القرآن تخلق ﷺ بالحلم والسماحة وبالرفق والإحسان قال عنه من خلقه ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ وقال له ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم﴾ كان اليسر والتيسير أساس شريعته يعلم أمته ويضرب لهم بنفسه المثل الأعلى يقول يسروا ولا تعسروا ويقول للذين أرادوا التبتل والتفرغ للعبادة وصيام الدهر وقيام الليل وعدم تزوج النساء يقول أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ويخفف عن أمته فيقول ليس من البر الصيام في السفر ويقول إن الدين يسر وما خير بين أمرين إلا اختار

стр. 735

أيسرهما ما لم يكن الأيسر إثما أو يفضي ويؤدي إلى الإثم فإن كان الأيسر إثما أو يفضي إلى الإثم أخذ الأشد وكان أبعد الناس عن الإثم كان يعلم الرفق والعفو والسماحة يعفو عمن ظلمه يعفو عمن جبذه من ثوبه حتى أثر في رقبته يعفو عمن أغلظ له القول وقال يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك فإنه ليس من مالك ولا من مال أبيك فيبتسم ويعطيه ويعطيه ويعطيه حتى يرضى وما ضرب امرأة ولا خادما قط وما انتقم لنفسه ممن آذاه مع عظم قدرته عليه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله وينفذ أمر الله ﷺ وأكرمنا بشفاعته يوم القيامة -[المباحث العربية]- (ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين) خير بضم الخاء وكسر الياء المشددة مبني للمجهول وحذف الفاعل ليشمل تخيير الله تعالى وتخيير أي إنسان له ﷺ والمراد من الأمرين ما كان من أمور الدنيا لأن أمور الدين المخير بينها لا إثم فيها كذا قيل وللبحث بقية تأتي في فقه الحديث (إلا أخذ أيسرهما) أي أسهلهما أداء (ما لم يكن إثما) أي ما لم يكن أيسرهما مقتضيا أو مفضيا إلى إثم فإنه حينئذ يختار الأشد البعيد عن الإثم (إلا أن تنتهك حرمة الله) لا شك أن إيذاء رسول الله ﷺ انتهاك لحرمة الله فإذا ما انتقم لإيذائه كان انتقاما لانتهاك حرمة الله وإن كان انتقامه لنفسه حينئذ واقعا تبعا (فينتقم لله بها) أي فينتقم بسبب حرمة الله المنتهكة بدافع كون الانتقام لله -[فقه الحديث]- خلقان كريمان من أخلاق رسول الله ﷺ يجمعهما السماحة والرفق

стр. 736

الخلق الأول اختيار أسهل الأمرين وأيسرهما فالدين يسر وفي القرآن ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ ومن الواضح أن التخيير إنما يكون بين أمرين مباحين فلا تخيير بين مندوب ومباح ولا بين مكروه ومباح نعم قد يصح بين الأولى وبين خلاف الأولى من حيث إن كلا منهما لا إثم فيه والإثم على هذا أمر نسبي لا يراد منه الخطيئة فما هو إثم بالنسبة لمقام النبوة قد لا يكون كذلك بالنسبة للعامة فهو من قبيل قولهم حسنات الأبرار سيئات المقربين فالتخيير من قبل الله تعالى لا يكون بين ما فيه إثم وبين ما لا إثم فيه بل لا بد أن يكون بين جائزين وإن كان أحدهما أولى وأفضل من حيث إن الثاني قد يفضي إلى الإثم وقد مثل له الحافظ ابن حجر بأن يخيره بين أن يفتح عليه من كنوز الأرض ما يخشى من الاشتغال به عن التفرغ للعبادة وبين أن لا يؤتيه من الدنيا إلا الكفاف فيختار الكفاف وإن كانت السعة والكنوز أسهل منه أهـ ومثال اختيار الأسهل فطره ﷺ في السفر واحتجابه عن صلاة قيام رمضان جماعة في المسجد هذا ما يتعلق بتخيير الله تعالى له بين أمرين دينيين أو دنيويين أما التخيير من قبل العباد فقد يكون بين ما فيه إثم وما لا إثم فيه فيختار ما لا إثم فيه وإن كان أشق وأشد فإن كان بين أمرين لا إثم فيهما اختار الأسهل ﷺ الخلق الثاني العفو عند القدرة وعدم الانتقام لخاصة نفسه ويمكن تقسيم الجرائم التي ينتقم لها أو لا ينتقم إلى ١ - جريمة في حقه وفي حق الله كالكفر مع إيذائه ﷺ من أجل دعوته إلى الإيمان والمبالغة في عدائه وعداء دعوته مع الإصرار والاستدامة على الكفر فينتقم ﷺ من صاحب هذه الحالة لكن بنية الانتقام لله مثال ذلك أمره ﷺ بقتل عقبة بن أبي معيط وعبد الله بن خطل

стр. 737

٢ - جريمة في حقه وحق أهله وحق الله فينتقم ﷺ من صاحب هذه الجريمة بنية الانتقام لله ولحق العباد من أهله مثال ذلك القصاص من بعض من نال من عرضه ﷺ في حديث الإفك ٣ - جريمة في حقه ﷺ لا بسبب الدعوة ولا بفعل كفر كالأعرابي الذي جفا برفع صوته عليه والأعرابي الذي شده من ردائه حتى أثر الرداء في كتفه ﷺ فلا ينتقم فيها وإن كان إيذاؤه ﷺ معصية لله تعالى وهذه الحالة هي المرادة من الحديث وهي المرادة من حديث أخرجه الحاكم ما لعن رسول الله ﷺ مسلما أي بصريح اسمه ولا ضرب بيده شيئا قط إلا أن يضرب بها في سبيل الله ولا سئل في شيء قط فمنعه إلا أن يسأل مأثما ولا انتقم لنفسه من شيء إلا أن تنتهك حرمات الله فيكون لله ينتقم ومن حديث الطبراني وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فإن انتهكت حرمة الله كان أشد الناس غضبا لله -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - الحث على ترك الأخذ بالشيء العسير والاقتناع باليسير وترك التشدد ٢ - الندب إلى الأخذ بالرخص ما لم يظهر الخطأ ٣ - يؤخذ من قوله إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها الندب إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٤ - ترك الحكم للنفس فلا يقضي حاكم لنفسه وإن كان متمكنا من الظلم وذلك لحسم المادة وإغلاق باب الخطر ٥ - ما كان عليه ﷺ من مكارم الأخلاق

стр. 738

٥٣ - عن عروة البارقي ﵁ أن النبي ﷺ أعطاه دينارا يشتري له به شاة فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه وكان لو اشترى التراب لربح فيه -[المعنى العام]- بينما كان رسول الله ﷺ مع أصحابه إذ رأوا قطيعا من الغنم قد جلب إلى المدينة من البادية للبيع ونظر رسول الله ﷺ في أصحابه يفحص أكثرهم خبرة في البيع والشراء فوقع اختياره على عروة بن الجعد فناداه وأعطاه دينارا وقال له اذهب إلى هذا الجلب فاشتر لنا شاة يقول عروة فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت منه شاتين بدينار وبينما أنا عائد إذ لقيني رجل فساومني فبعته شاة بدينار وجئت بالدينار والشاة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته سر رسول الله ﷺ فلم تخطئ نظرته حين اختار عروة فدعا له بالبركة في بيعه وشرائه فكان يربح في كل ما يبيعه مهما كان حقيرا حتى لو اشترى التراب وباعه لربح فيه يقول عروة فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفا قبل أن أصل إلى أهلي ثم اتخذ شراء الجواري وبيعها مهنة فربح الكثير والكثير ﵁ وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

стр. 739

-[المباحث العربية]- (يشتري له به شاة) أي يشتري للرسول ﷺ فهو وكيل في الشراء وذكر سفيان بن عيينة أن الشاة التي رغب في شرائها كانت للضحية لكن المعروف أن النبي ﷺ كان يضحي بالكباش وأنه كان يضحي بكبشين أملحين أحدهما عنه وعن أهله والثاني عن فقراء المسلمين (فاشترى له به شاتين) أي فاشترى عروة للرسول ﷺ بالدينار شاتين (فكان لو اشترى التراب لربح فيه) أي لو اشترى التراب وباعه لربح وهذا التعبير كناية عن حصول البركة في البيع والشراء والكناية قصد اللازم مع صحة وقوع الملزوم وبيع التراب وشراؤه نادر فالكلام للمبالغة عن الربح في كل بيع وشراء فقه الحديث أصل السند كما في البخاري حدثنا علي بن عبد الله أخبرنا سفيان حدثنا شبيب بن غرقدة قال سمعت الحي يتحدثون عن عروة أن النبي ﷺ ... إلخ فالسند كما هو واضح فيه مجهول وهو الحي ولم يسم أحد منهم فالحديث على هذا ضعيف للجهل بحال القوم وقد دافع الحافظ ابن حجر عن صحة هذا الحديث والمقام لا يسمح بإيراد البحث فمن أراده فليراجعه والمقصود من عرض المسألة أن الشافعي قال إن هذا الحديث غير ثابت فتوقف في بيع الفضولي ثم قال إن صح الحديث قلت به وبيع الفضولي هو بيع غير المأذون له في البيع فعروة طلب منه الشراء كوكيل في الشراء لكنه باع ما يملكه الغير بدون إذنه فالشاتان وقعتا في ملك الرسول ﷺ بالشراء وهذا البيع باطل عند جمهور الفقهاء وصحيح عند بعضهم وموقوف صحته على إجازة المالك عند البعض الآخر وهو أقرب الأقوال للحديث فرسول الله ﷺ أقر البيع ولم يعترض وأجازه ودعا لصاحبه

стр. 740

ويجيب المبطلون لبيع الفضولي بأن الحديث واقعة عين لا يحتج بها فقد يكون عروة قد وكل بالشراء والبيع معا فليس من قبيل بيع الفضولي -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - مشروعية السوم في البيع والشراء ٢ - أن الشرع لا يحدد الربح فقد ربح عروة هنا ١٠٠/ وأقره الرسول ﷺ ٣ - منقبة عظيمة لعروة بن الجعد أو ابن أبي الجعد البارقي ٤ - وفيه علامة من علامات النبوة وهي دعاء النبي ﷺ لعروة فاستجيب له فضائل أصحاب النبي ﷺ ورضي عنهم ومن صحب النبي ﷺ ورآه من المسلمين فهو من أصحابه ٥٤ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال النبي ﷺ لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه
следующие страницы →