← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14106

المنهل الحديث في شرح الحديث

موسى شاهين لاشين

Полный текст (1 103 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

(من أين تعرف ذلك) أصل "أين" ظرف للمكان والمراد هنا السببية فكأنها قالت بأي شيء تعرف ذلك والمشار إليه مفعول أعلم (لا ورب محمد) لا حرف نفي وقعت جوابا عن كلام سابق وجواب القسم محذوف تقديره ورب محمد لم أفعل (أجل) حرف جواب بمعنى نعم (والله ما أهجر إلا اسمك) عبرت بالقسم والقصر لتأكيد مضمون الجملة وزيادة تقريره في ذهن الرسول وإنما كان غضبها من شدة غيرتها على النبي وقوة حبها له ﵇ استدل بهذا الحديث على كمال فطنة عائشة ﵂ من وجوه (أ) تخصيصها إبراهيم ﵇ دون غيره لأنه ﷺ أولى الناس بإبراهيم كما في التنزيل فلما لم يكن بد من هجر اسمه الشريف أبدلته ممن هو منه بسبيل حتى لا تخرج عن دائرة التعلق في الجملة (ب) تعبيرها بهذا الحصر الدال على غاية اللطف لأنها أخبرت أنها إذا كانت في نهاية الغضب الذي يسلب العاقل اختياره لا تنحرف عن كمال المحبة فلا يهجر قلبها من أغضبها بل يظل على وده وتعلقه (جـ) تعبيرها بالهجران بدل الترك لأنه يدل على أنها تتألم من هذا الترك الذي لا اختيار لها فيه كما قال الشاعر إني لأمنحك الصدود وإنني قسما إليك مع الصدود أميل -[ويستفاد من الحديث: ]- - استقراء الرجل لحال المرأة من فعلها وقولها فيما يتعلق بالميل وعدمه ٢ - الحكم بالقرائن لأن النبي ﷺ حكم برضا عائشة وغضبها بمجرد ذكرها اسمه الشريف وسكوتها عن ذكره ٣ - وفيه حسن معاملته ﷺ لزوجاته أمهات المؤمنين

стр. 912

٤ - وفيه إرشاد للزوجات لما ينبغي أن يكون عليه إذا غضبن من أزواجهن ٥ - وفيه فضيلة عائشة ﵂ ٦ - وفيه وجد النساء والمهن ٧ - وفيه ملاطفة كل من الزوجين صاحبه في بحبوحة من الظرف والأدب ٨ - استدل به على أن الاسم غير المسمى في المخلوقات إذ لو كان الاسم عين المسمى لكانت بهجره هاجرة لذاته وليس كذلك

стр. 913

كتاب الطلاق ساق البخاري أحاديث في حقوق المرأة على الرجل وأتبعها أحاديث أخرى في حقوق الرجل على المرأة ثم ضرب المثل الأعلى للزوجية الكاملة ثم ألحق بذلك الطلاق وهو لغة حل القيد وشرعا حل عقد النكاح بلفظ الطلاق ونحوه وفي مشروعية النكاح مصالح العباد الدينية والدنيوية وفي الطلاق إكمال لها إذ قد لا يوافقه النكاح فيطلب الخلاص عند تباين الأخلاق وفي جعله عددا حكمة لطيفة فقد خلق الإنسان من عجل كما خلق هلوعا فربما يتسرع حين يضيق صدره فيفصم عروة النكاح فإذا ما هدأ ندم فرحمة به وإشفاقا عليه شرعه سبحانه ثلاثا فإن وقع الثالث كان من الحكمة تأديبه وعلاج استهتاره ببعض القسوة بأن تنكح زوجا غيره قبل أن تعود إليه فتبارك الله أحكم المشرعين ١٨ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك فقال رسول الله ﷺ "مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" -[المعنى العام]- طلق ابن عمر امرأته وهي حائض بعد أن بينت الشريعة عدة المطلقة

стр. 914

بأنها ثلاثة قروء وشعر عمر بالإيذاء الذي يلحق المرأة من ذلك بطول عدتها فسأل رسول الله ﷺ عن حكم طلاق ابنه قال يا رسول الله إن ابني طلق امرأته وهي حائض فغضب النبي ﷺ وتغيظ ثم قال مر ابنك فليراجع امرأته ثم ليستمر على إمساكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء استمرار الإمساك أمسك بعد وإن شاء التطليق طلق قبل أن يمس في هذا الطهر فتلك الحالة من وقوع الطلاق في طهر لم تمس فيه هي التي أذن للرجال أن يطلقوا فيها النساء لتستقبل المرأة عدتها دون تطويل -[المباحث العربية]- (طلق امرأته) آمنة بنت غفار وقيل اسمها النوار ويمكن الجمع بأن اسمها آمنة ولقبها النوار (وهي حائض) لم يؤنث لفظ حائض ليطابق المبتدأ لأن الصفة إذا كانت خاصة بالنساء فلا حاجة لتأنيثها والجملة في محل النصب على الحال (على عهد رسول الله) أي في زمنه وأيامه والجار والمجرور متعلق بطلق قال العيني وأكثر الرواة لم يذكروا هذا لأن قوله "فسأل عمر رسول الله" يغني عنه (عن ذلك) الإشارة إلى الطلاق بتقدير مضاف أي عن حكم الطلاق على هذه الصفة (مره) الخطاب لعمر والضمير المنصوب لابنه أي مر ابنك وأصل "مر" أؤمر بهمزتين الأولى همزة الوصل مضمومة تبعا لثالث الفعل فإن وصل بما قبله سقطت نحو قوله تعالى ﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾ والثانية فاء الكلمة فحذفوها تخفيفا ثم حذفت همزة الوصل استغناء عنها لتحرك ما بعدها (ثم ليمسكها) بإعادة اللام وهي مكسورة على الأصل في لام

стр. 915

الأمر فرقا بينها وبين لام التوكيد وإسكانها بعد الفاء والواو أكثر من تحريكها وقد تسكن بعد ثم قال تعالى ﴿ثم ليقضوا تفثهم﴾ والمراد من الأمر بالإمساك الأمر باستمراره لأن المراجعة المأمور بها إمساك (فتلك العدة) الإشارة إلى مدة الطهر والكلام على حذف مضاف أي زمن العدة (التي أمر الله) الأمر هنا مجاز عن الإذن (أن يطلق لها النساء) المصدر مجرور بحرف محذوف أي أذن الله في تطليق النساء مستقبلات لها -[فقه الحديث]- تتلخص نقاط الحديث فيما يأتي ١ - أحوال الطلاق وأحكامه من حيث الحاجة إليه وعدمها ومن حيث زمن إيقاعه ٢ - آراء الفقهاء في أخذ الأمر من قوله "مره" وكونه للوجوب أو للندب مع أدلتهم ٣ - علة تأخير الطلاق في الحديث إلى الطهر الثاني وحكم ذلك ٤ - ما يؤخذ من الحديث وإليك التفصيل ١ - روى أبو داود وغيره عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ "أبغض الحلال عند الله الطلاق" لكنه يختلف حكمه باختلاف المقاصد والأغراض فقد يكون واجبا كطلاق المولى إذا انقضت مدة الإيلاء ولم يرجع وطالبت الزوجة بحقها وقد يكون مندوبا كطلاق سيئة الخلق سوءا لا يحتمل وقد يكون حراما كطلاق من ظلمها في القسم قبل أن يقضى لها وقد يكون مكروها كطلاق مستقيمة الحال وقد يكون مباحا كطلاق من

стр. 916

لا يهواها ولا تسمح نفسه بمئونتها من غير تمتع بها والطلاق من حيث زمن إيقاعه يكون حراما كطلاق في حيض أو في طهر جومعت فيه ويكون حسنا كالطلاق في طهر لم يجامعها فيه والحكمة في ذلك ما في تطليقها في الحيض من الإيذاء لها بتطويل عدتها لأنها لا تعتد بالحيضة التي طلقت فيها عند أحد حتى عند القائلين بأن القرء هو الحيض إذ الشرط عندهم أن تستقبل عدتها بحيضة كاملة وتعتد بالطهر الذي طلقت به عند القائلين بأن القرء هو الطهر وليس معنى تحريم الطلاق في الحيض عدم وقوعه وعدم الاعتداد به بل إنه يقع راجع أو لم يراجع فقد قال ابن عمر نفسه حسبت علي تطليقة قال ابن عبد البر ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال ٢ - ويتعلق بقوله ﷺ "مره فليراجعها" مسألة أصولية هي أن الأمر بالأمر بالشيء هل هو أمر بذلك الشيء أو لا وقد كثر البحث فيها والراجح أن الخطاب إذا توجه لمكلف أن يأمر مكلفا آخر بفعل شيء كان المكلف الأول مبلغا محضا والثاني مأمور من قبل الشارع كما هنا ثم الأمر بالمراجعة للوجوب عند المالكية وبعض الحنفية فيجبر على مراجعتها ما بقي من العدة شيء وللندب عند الشافعية لقوله تعالى ﴿فأمسكوهن بمعروف﴾ وغيره من الآيات المقتضية للتخيير بين الإمساك بالمراجعة والفراق بتركها لأن الرجعة لاستدامة النكاح وهو غير واجد في الابتداء ففي الدوام أولى ومع استحباب الرجعة فتركها مكروه على الراجح لصحة الخبر فيه ولرفع الإيذاء ويسقط الاستحباب بدخول الطهر الثاني والحديث يأمر بالرجعة والإمساك حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر مع أن تأخير الطلاق إلى الطهر الثاني ليس بشرط ولهذا قيل إن الغرض منه إبعاد أن يكون الرجعة لغرض الطلاق لو طلق في الطهر الأول حتى قيل إنه يندب الوطء فيه وإن كان الأصح خلافة وقيل إن الغرض التغليظ والعقوبة وعورض بأن تغليظه ﷺ دون أن يعذره يقتضي أن ذلك من الظهور حيث لا يخفى على أحد فضلا عن ابن عمر وقد جاء في رواية

стр. 917

"مره فليراجعها ثم يطلقها طاهرا أو حاملا" وفي أخرى "حتى تطهر من الحيضة التي طلقها فيها ثم إن شاء أمسكها" وعليه فلا إشكال من الناحية الفقهية وإن ورد إشكال الجمع بين الروايات إلا أن يقال بعض الروايات لبيان الجواز وبعضها لبيان الأفضل -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - الرفق بالمطلقة وتحذير مطلقها أن يجمع إلى مصيبة الطلاق مشقة التطويل عليها في العدة ٢ - تحريم الطلاق في الحيض أو طهر جامع فيه ٣ - طلب المراجعة ممن طلق للبدعة ٤ - إن الرجعة تصح بالقول ولا خلاف فيه ٥ - إن الرجعة يستقل بها الزوج دون الرجوع إلى الولي ورضا المرأة لأنه جعل ذلك إليه دون غيره وهو كقوله تعالى ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ ٦ - وفيه إشارة إلى أن الطلاق لم يشرع إلا لدرء مفسدة أو جلب مصلحة ٧ - وفي قوله "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" مشيرا إلى قوله تعالى ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ دليل للشافعية والمالكية إذ قالوا إن المراد بالقرء المذكور في قوله تعالى ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ هو الطهر ذلك لأنه لما نهى عن الطلاق في الحيض وأذن بالطلاق في الطهر علم أن الإقراء التي أمرت المطلقة بتربصها هي الإطهار ٨ - وفيه الحث على المعاشرة بالمعروف لأنه إذا طلب المعروف عند الفراق كان طلبه عند المعاشرة أولى ٩ - وقيام الرجل عن ابنه ولو رشيدا بالسؤال عما يستحي أن يسأل الابن عنه إن لحقه عتاب في ذلك.

стр. 918

١٩ - عن ابن عباس ﵄ أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام فقال رسول الله ﷺ أتردين عليه حديقته قالت نعم قال رسول الله ﷺ اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" -[المعنى العام]- أول خلع في الإسلام يحدث عنه ابن عباس بقوله جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبدا لقد ضربني فكسر يدي ولا أعتب عليه ما فعل ولا أطعن في دينه ولكني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة من الرجال فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها وبي من الجمال ما ترى

стр. 919

وأخشى أن أقصر في حقه أو أندفع إلى ما شبه الكفر من النشوز وأنا راغبة في التمسك بتعاليم الإسلام وجاء ثابت بن قيس فقال له الرسول ﷺ إن زوجتك راغبة عنك قال يا رسول الله إني أعطيتها أفضل مالي حديقة لي فإن ردت علي حديقتي أجبتها فقال لها ﷺ أتردين عليه حديقته إن هو طلقك قالت نعم وإن شاء الزيادة زدته قال ﷺ أقبل الحديقة وطلقها تطليقة واحدة يكن خيرا لك ولها فقبل ثابت الحديقة وطلقها وفرق الرسول بينهما -[المباحث العربية]- (إن امرأة ثابت) أبهم البخاري اسمها في بعض الروايات وسماها في آخر الباب بجميلة بنت أبي بن سلول أخت عبد الله رأس النفاق وقبل بنته امرأة ثابت بن قيس وقيل اسمها زينب وجمع بعضهم بأن اسمها زينب ولقبها جميلة (ما أعتب عليه في خلق) بضم التاء وكسرها من باب قتل وضرب وحقيقة العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الوجدان وقيل اللوم في سخط وروي "ما أعيب" بالياء بدل التاء قال الحافظ ابن حجر وهي أليق بالمراد و"الخلق" بضمتين السجية والطبيعة (ولكني أكره الكفر في الإسلام) قيل معناه لكني أكره لوازم الكفر من المعاداة والنفاق والخصومة ونحوها وقيل هو إشارة إلى أنها قد تحملها شدة كراهتها له على إظهار الكفر لينفسخ نكاحها منه وهي تعرف أن ذلك حرام لكنها خشيت أن يحملها شدة البغض على الوقوع فيه وقيل المراد بالكفر كفران العشير بتقصير المرأة في حق زوجها أو نحو ذلك مما يتوقع من الشابة الجميلة المبغضة لزوجها وقولها "في الإسلام" إشارة إلى علة كراهيتها الكفر المذكور وهذا الأخير أرجح الأقوال وأولاها بالقبول إذ الثاني مجرد احتمال عقلي والأول يرجع إلى الثالث في مضمونه (وطلقها تطليقة) المصدر مفعول مطلق مبين للعدد

стр. 920

-[فقه الحديث]- استدل بهذا الحديث على جواز الخلع وهو فراق زوج يصح طلاقه لزوجته بعوض وقد أجمع العلماء على جوازه ولا يتعارض مع قوله تعالى ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا﴾ لأنه مخصوص بحال عدم التراضي لقوله تعالى ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ وقوله سبحانه ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ وحكمة مشروعيته حاجة المرأة إلى التخلص عند تباين الأخلاق أو عند البغض وخوف التقصير في حق العشير أو نحو ذلك ولما لم يكن من السهل أن يجيبها زوجها إلى الطلاق بعد أن أدى إليها المهر وبذل فيها من النفقات ما بذل جاز بذلها عوضا له ليهون عليه إجابتها ولتسمح نفسه بطلاقها وظاهر قولها "ما أعتب عليه في خلق ولا دين" إنه لم يصنع بها شيئا يقتضي الشكوى لكن في رواية النسائي أنه كسر يدها ولهذا قيل في معناه إنه وإن كان سيئ الخلق وفعل بي كذا وكذا فإني لا أعتب عليه هذا بل أبغضه لشيء آخر هو دمامته والأمر في قوله ﷺ لزوجها "أقبل الحديقة" للإرشاد والإصلاح لا للوجوب والأصح أن الخلع طلاق فينقص عدده وقيل فسخ فلا ينقص عدد الطلاق وثمرة هذا الخلاف فيما لو خالع الزوج مرارا فعلى القول بأنه فسخ ينعقد النكاح بينهما دون حاجة إلى أن تنكح زوجا غيره وعلى أنه طلاق لا بد أن تنكح زوجا غيره ويجوز الخلع في حالتي الشقاق والوفاق فذكر الخوف في قوله تعالى ﴿إلا أن يخافا﴾ جرى على الغالب -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - جواز استفتاء المرأة من الرجال ٢ - إباحة شكواها من زوجها ٣ - التأدب في الشكوى وعدم الافتراء والطعن ٤ - مراعاة العشرة من الزوجة مهما أسيء إليها فإن هذه الشاكية لم تقصر في حق زوجها مع كراهتها له

стр. 921

٥ - جواز الأمر بغير الواجب للإرشاد والإصلاح ٦ - جواز الإرشاد بالخلع عند الشقاق ٧ - أن الخلع بلفظ الطلاق يقع طلقة بائنة مأخوذة من دليل آخر ٨ - أنه يحل للرجل ما أخذه من المرأة في الخلع برضاها ٩ - جواز سؤال المرأة زوجها الطلاق لسبب يقتضيه فإن لم يكن سبب حرم عليها. ٢٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله ولد لي غلام أسود فقال "هل لك من إبل" قال نعم قال "ما ألوانها" قال حمر قال "هل فيها من أورق" قال نعم قال "فأنى ذلك" قال لعله نزعه عرق قال "فلعل ابنك هذا نزعه" -[المعنى العام]- ارتاب أعرابي في زوجته وخشي أن يكون الولد الأسود الذي ولدته

стр. 922

ليس منه فأسرع إلى رسول الله ﷺ يقول ولد لي غلام أسود وأنا وأمه ليس فينا سواد وإن قلبي يستنكره يا رسول الله ولما كان مثل هذا الموقف يحتاج إلى كثير من العناية والاهتمام والتبيين لدفع الشبهة التي قد تودي بالأسرة ظلما وعدوانا قال ﷺ هل تملك إبلا قال نعم قال هل ولدت قال نعم قال ما لونها قال حمر قال ما في أولادها جمل أسمر قال نعم فيها جمل أسمر قال من أين جاء الجمل الأسمر وأبواه لا سمرة فيهما قال ربما أخذ هذا من أصل بعيد كالجد وجد الجد قال ﵊ لعل ابنك هذا الأسمر أخذ اللون من جد بعيد فاقتنع الرجل ورجع إلى أهله راضيا مرضيا -[المباحث العربية]- (أن رجلا) وفي رواية "أن أعرابيا" واسمه ضمضم بن قتادة من بني فزارة (هل لك من إبل) لك متعلق بمحذوف خبر مقدم و "من" زائدة وإبل مبتدأ مؤخر (ما ألوانها) ما اسم استفهام خبر مقدم وألوانها مبتدأ مؤخر (حمر) بضم الحاء وسكون الميم خبر مبتدأ محذوف أي ألوانها حمر (هل فيها من أورق) خبر مقدم ومبتدأ مؤخر و"من" زائدة وأورق ممنوع من الصرف للوصفية ووزن الفعل وهو ما في لونه بياض إلى سواد قيل الذي فيه سواد ليس بحالك بأن يميل إلى الغير ومنه قيل للحمامة ورقاء (فأنى ذلك) خبر ومبتدأ والفاء في جواب شرط مقدر أي إذا ثبت أن ألوان الآباء حمر فمن أين لون ذلك الابن الأورق والمراد الاستفهام عن السبب الذي نجم عنه هذا اللون لا عن المكان الذي أتى منه

стр. 923

(لعله نزعه عرق) أصل النزع الجذب والعرق في الأصل مأخوذ من عرق الشجر ومنه قولهم فلان عريق الأصالة والمعنى لعله قلبه وأخرجه من ألوان فحله ولقاحه أصل من أصوله الأولى وفي رواية "لعل نزعه عرق" بغير هاء وقد قيل في تأويلها إن اسم لعل ضمير الشأن محذوف ويحتمل أن الأصل بالهاء فسقطت (فلعل ابنك هذا نزعه) بإضمار الفاعل وفي رواية "نزعه عرق" بإظهاره -[فقه الحديث]- يثير هذا الحديث مسألتين فقهيتين الأولى نفي الولد بناء على القرائن والثانية اعتبار القذف بالتعريض وعدم اعتباره أما نفي الولد فظاهر الحديث أن الزوج لا يجوز له نفي ولده بمجرد الظن والإمارات الضعيفة بل لا بد من التحقق كأن رآها تزني أو ظهور دليل قوي كأن لم يطأها أو أتت بولد لدون ستة أشهر من الوطء أو لأكثر من أربع سنين بل يلزمه نفي الولد لأن ترك نفيه يتضمن استلحاقه واستلحاق من ليس منه حرام كما يحرم نفي من هو منه لصحة الأحاديث بذلك ولا يكفي مجرد الشيوع فإن لم يكن له منها بولد فالأولى أن يستر عليها ويطلقها إن كرهها قال القرطبي تبعا لابن رشد لا يحل نفي الولد باختلاف الألوان المتقاربة وقال صاحب الفتح عن الشافعية إن لم ينضم إلى الاختلاف في الألوان قرينة زنا لم يجز النفي فإن اتهمها برجل مخصوص فأتت بولد على لون ذلك الرجل جاز النفي على الصحيح وعند الحنابلة يجوز النفي مع القرينة مطلقا وأما اعتبار القذف بالتعريض فقد ذهب إليه المالكية وأوجبوا به الحد إذا كان مفهوما وأجابوا عن الحديث بأن الرجل لم يرد قذفا بل جاء سائلا مستفتيا عن الحكم لما وقع له من الريبة فلما ضرب النبي له المثل أذعن واقتنع والجمهور على أن التعريض بالقذف لا يثبت به حكم القذف حتى

стр. 924

يقع التصريح وفرق بعضهم بين التعريض بالقذف مواجهة وبين التعريض على سبيل السؤال وفرق آخرون بين تعريض الزوج وتعريض غيره فعذروا الزوج بالنسبة إلى صيانة النسب -[ويؤخذ من الحديث فوق ما سبق: ]- ١ - جواز ضرب المثل وتشبيه المجهول بالمعلوم تقريبا لفهم السائل ٢ - وفيه دليل على صحة القياس والاعتبار بالنظير ٣ - وتقديم حكم الفراش على ما يشعر به مخالفة الشبه ٤ - والاحتياط للأنساب وإبقاؤها حيث أمكن ٥ - الزجر عن ظن السوء ٦ - وفيه إثبات أثر الوراثة في الفرع ٧ - وفيه إلزام السائل الحجة عن طريق المحاورة

стр. 925

كتاب النفقات النفقات جمع نفقه يقال نفقت الدراهم نفقا من باب تعب ويتعدى بالهمزة والنفقة اسم منه ونفقت الدابة نفوقا من باب قعد ماتت ونفقت السلعة والمرأة نفاقا بالفتح كثر طلابها وفي الشرع ما وجب لزوجة أو قريب أو مملوك وجمعها في العنوان لاختلاف أنواعها ٢١ - عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ قال "إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة" -[المعنى العام]- في بيان فضل النفقة على الأهل قليلة أو كثيرة يقول ﵊ إذا أطعم الرجل أو بذل مالا أو غيره على أهله دون رياء ولا سمعة يقصد أداء ما أمر الله بأدائه ويبتغي من الله الفضل والأجر كان له بنفقته هذه ثواب كثواب المتصدق على الفقراء والمساكين -[المباحث العربية]- (عن أبي مسعود) هو عقبة بن عمرو -قيل شهد بدرا- والصحيح أنه نزلها فقط فنسب إليها (على أهله) أهل الرجل امرأته وولده والذي في عياله ونفقته كالأخ والأخت والعم وابن العم أو أجنبي يقوته في منزله وعن الأزهري

стр. 926

أهل الرجل أخص الناس به ويجمع على أهلين وأهالي على غير قياس ويقال الأهل يحتمل أن يشمل الزوجة والأقارب ويحتمل أن يختص بالزوجة ويلحق بها من عداها بطريق الأولى لأن الثواب إذا ثبت فيما هو واجب دائما فثبوته فيما ليس بواجب دائما بل يسقط في بعض الأحيان أولى أو لأن الثواب إذا ثبت فيما هو عوض -فإن نفقة الزوجة عوض عن الاستمتاع بها- فثبوته فيما هو صلة أولى (وهو يحتسبها) أي يعملها وهو ينوي بها وجه الله والجملة في محل النصب على الحال (كانت له صدقة) اسم كان يعود على النفقة وفي الكلام تشبيه بليغ أي كانت النفقة كالصدقة في حصول مطلق الثواب لكل لا في الكمية ولا في الكيفية -[فقه الحديث]- قال النووي إن طريق الاحتساب أن يتذكر أنه يجب عليه الاتفاق فينفق بنية أداء ما أمر به وظاهر الحديث إن الإنفاق الواجب صدقة لكن صرفه الإجماع عن معناه الحقيقي وحمله على التشبيه وإلا لحرمت النفقة على الزوجة الهاشمية والمطلبية وإنما سماها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر فعرفهم أنها لهم صدقة حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يكفوهم المؤونة ترغيبا لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوع وقال ابن المنير تسمية النفقة صدقة من جنس تسمية الصداق فلما كان احتياج المرأة إلى الرجل كاحتياجه إليها في اللذة والتآنس والتحصن وطلب الولد كان الأصل ألا يجب لها عليه شيء إلا أن الله خص الرجل بالفضل على المرأة وبالقيام عليها ورفعه عليها بذلك درجة فمن ثم جاز إطلاق النحلة على الصداق والصدقة على النفقة

стр. 927

-[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - عظم أجر جهاد الرجل في سبيل عيشه ونفقة أهله ٢ - الحث على تصفية أعمال الخير من الشوائب ٣ - الحث على قصد الثواب من الله عند القيام بالواجب ٤ - إن الأجر لا يحصل بالعمل إلا مقرونا بالنية. ٢٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال النبي ﷺ "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار" -[المعنى العام]- يرغب الرسول ﷺ في الإنفاق على نوع خاص من الأقارب الذين فقدوا عائلهم الأول لما في هذا النوع من الأجر الكبير الذي قال فيه ﷺ "الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي القربى ثنتان صدقة وصلة" من أجل هذا وضع الشارع الحكيم الرجل الذي يذهب ويجيء في تحصيل ما ينفع الأرملة والمسكين -غريبا كان أو قريبا- في منزلة المجاهد في سبيل الله

стр. 928

الذي باع نفسه وماله ابتغاء الدار الآخرة أو منزلة الذي يصوم النهار أبدا ولا يفطر ويقوم الليل أبدا ولا يفتر -[المباحث العربية]- (الساعي على الأرملة والمسكين) أي الذي يحصل العيش لهما أو يخدمهما والأرملة بفتح الميم التي لا زوج لها (كالمجاهد في سبيل الله) المحارب للكفار في ميادين القتال في حصول الثواب لكل (أو القائم الليل) أو للشك من الراوي والليل والنهار يجوز فيه ثلاثة أوجه على إرادة الصفة المشبهة من القائم والصائم مثل الحسن الوجه فالرفع على الفاعلية المجازية فإنه يقال قام ليله وصام نهاره والنصب على الظرفية والجر على إضافتها للفاعل المعنوي المجازي -[فقه الحديث]- ذكر البخاري هذا الحديث تحت باب فضل النفقة على الأهل ومناسبته له من حيث جواز إنصاف الأهل أي الأقارب بصفة الأرملة أو المسكنة وإذا ثبت هذا الفضل لمن ينفق على من ليس له بقريب ممن اتصف بالوصفين فالمنفق على المتصف بهما إذا كان قريبا أولى.

стр. 929

٢٣ - عن عمر بن أبي سلمة قال "كنت غلاما في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله ﷺ يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك فما زالت تلك طعمتي بعد" -[المعنى العام]- يحدث عمر بن أبي سلمة ربيب رسول الله ﷺ عن حادثة وقعت له قبل التاسعة من عمره حافظ بمقتضاها على آداب الطعام والشراب كان يأكل مع رسول الله ﷺ فجعلت يده تروح وتغدو في مواطن متعددة من الإناء وأخذ يأكل من نواحي القصعة ولعله لم يسم الله عند ابتداء الأكل ولاحظ الرسول عليه الأكل بالشمال فقال له يا غلام قل بسم الله الرحمن الرحيم وكل بيمينك دون شمالك وكل مما يليك وما يقرب منك ولا تمدن يدك إلى موضع يد الذي يأكل معك قال عمر فسمعت ووعيت وأطعت وحافظت على النصيحة والعمل بها منذ سمعتها -[المباحث العربية]- (عن عمر بن أبي سلمة) هو ابن أم سلمة زوج النبي ﷺ ولد بأرض الحبشة في السنة الثانية من الهجرة إذ كان أبوه وأمه من المهاجرين إليها وصحح ابن حجر مولده قبل الهجرة بسنتين وهو ربيب رسول الله ﷺ بعد أن تزوج أم المؤمنين أم سلمة (كنت غلاما) أي دون البلوغ يقال للصبي من حين يولد إلى أن يبلغ غلام والجمع أغلمة وغلمان وللأنثى غلامة وقصده من ذكر هذا الوصف بيان عذره في الإساءة (في حجر رسول الله) ضبطه بعضهم بفتح الحاء أي في تربيته وتحت نظره وأنه يربيه في حضنه تربية ولده وقال عياض الحجر يطلق

стр. 930

على الحضن وعلى الثوب فيجوز فيه الفتح والكسر وإذا أريد به الحضانة فبالفتح لا غير وحضن الإنسان ما دون أبطه إلى الكشح ثم قالوا فلان في حجر فلان أي في كنفه وحمايته ومنه قوله تعالى ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾ (وكانت يدي تطيش) أي تتحرك وتمتد في جوانب الصفحة ولا تقتصر على موضع واحد قال الطيبي والأصل أطيش بيدي فأسند الطيش إلى يده مبالغة في أنه لم يراع أدب الأكل (فما زالت طعمتي بعد) الإشارة إلى جميع ما ذكر من الابتداء بالتسمية والأكل باليمين والأكل مما يليه وطعمتي بكسر الطاء اسم للهيئة "وبعد" مبني على الضم أي بعد ذلك -[فقه الحديث]- اشتمل هذا الحديث على ثلاثة من آداب المائدة تسمية الله والأكل باليمين والأكل مما يلي الأكل أما الأمر بالتسمية عند الأكل فمحمول على الندب عند الجمهور ويقاس عليه الشرب وحمله بعضهم على الوجوب لظاهر الأمر قال النووي استحباب التسمية في ابتداء الطعام مجمع عليه كذا يستحب حمد الله في آخره قال العلماء يستحب أن يجهر بالتسمية لينبه غيره فإن تركها عامدا أو ناسيا أو جاهلا أو مكرها أو عاجزا لعارض ثم تمكن في أثناء الأكل استحب له أن يسمي فقد روي عن عائشة ﵂ مرفوعا "إذا أكل أحدكم الطعام فليقل باسم الله فإن نسي في أوله فليقل باسم الله أوله وآخره" وتحصل التسمية بقول باسم الله فإن اتبعها بالرحمن الرحيم كان حسنا ويسمي كل واحد من الآكلين بناء على ما عليه الجمهور من أن سنة الكفاية مطلوبة من الجميع لا من البعض فإن سمى واحد منهم حصلت التسمية وفي الحكمة من التسمية عند الأكل قيل إنها لطرد الشيطان ومنعه من المشاركة في الطعام والأوجه أن يقال إن التسمية تجلب البركة

стр. 931

وتدعوا إلى القناعة وعدم الشره وتعين على البعد عن الحرام والمكروه فيما يأكل ثم هي ذكر الله وانشغال بالعبادة في الوقت الذي ينشغل فيه النهم بملء البطن ولا مانع أن تكون الحكمة مجموع هذه الأمور وأما الأكل باليمين فالأمر فيه محمول على الندب أيضا عند الجمهور وقد نص الشافعية في الأم على وجوبه لظاهر الأمر ولورود الوعيد في الأكل بالشمال ففي صحيح مسلم "أن النبي ﷺ رأى رجلا يأكل بشماله فقال كل بيمينك قال لا أستطيع قال لا استطعت فما رفعها إلى فيه بعد" والحكمة في الأكل والشرب باليمين أنها في الغالب أقوى من الشمال وأمكن منها وإنها مشتقة من اليمن بمعنى البركة فهي وما نسب إليها وما اشتق منها محمود لغة وشرعا ودينا وإن اليسار تعالج بها النجاسات وأما الأكل مما يلي فهو سنة متفق عليها وخلافها مكروه شديد الاستقباح إذا كان الطعام واحدا لجماعة وغير جاف والحكمة في ذلك ما في ما خلقته من إظهار الحرص والفهم وسوء الأدب ولأن في الأكل من موضع يد صاحبه سوء عشرة وإفساد مودة لتقزز النفس مما خاضت فيه الأيدي وهل هذا الحكم عام في كل مأكول أو يباح في الأطعمة الجافة التي لا تخوض فيها الأيدي الظاهر أنه خاص بالأطعمة السائلة استدلالا بما رواه الترمذي عن عكراش قال بعثني بنو مرة بصدقات أموالهم إلى رسول الله ﷺ فقدمت المدينة فوجدته جالسا بين المهاجرين والأنصار قال ثم أخذ بيدي فانطلق بي إلى بيت أم سلمة فقال هل من طعام فأتتنا بجفنة كثيرة الثريد والودك -الدسم- فأقبلنا نأكل منها فخطبت بيدي في نواحيها وأكل رسول الله ﷺ من بين يديه فقبض بيده اليسرى على يدي اليمين ثم قال يا عكراش كل من موضع واحد ثم أتتنا بطبق فيه ألوان التمر فجعلت آكل من بين يدي وجالت يد رسول الله ﷺ في الطبق قال "يا عكراش كل من حيث شئت فإنه غير لون واحد" والذي ترتاح إليه النفس أن يقال إن كان الطعام الجاف أنواعا متعددة كانت في إناء واحد أو في أواني متعددة جاز التنقل وإن كان الأولى تركه لأن الأدب

стр. 932

يتطلب عدم مد الأيدي إلى البعيد لما في ذلك من مظاهر الشره والحرص والأنانية وإن كان نوعا واحدا فلا يجوز أما حديث الترمذي فهو محمول على ما إذا علم رضا من يأكل معه على أنه ضعيف قال الترمذي نفسه عنه هذا حديث غريب وقال ابن حبان في رواية منكر الحديث وقال أبو حاتم مجهول نعم الكراهة في الأطعمة السائلة أشد منها في الأطعمة الجافة للفرق بين التقزز في كل -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - استحباب الأكل والشرب وغير ذلك باليمين وكراهة ذلك بالشمال إذا لم يكن عذر من مرض أو جراحة ٢ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى في حال الأكل ٣ - استحباب تعليم أدب الأكل والشرب ٤ - البعد عما يورث الاشمئزاز في الطعام والشراب وما شابههما ٥ - وفيه منقبة لعمر بن أبي سلمة لامتثاله الأمر ومواظبته على مقتضاه ٦ - وفيه تواضعه ﷺ وطيب نفسه بأكله مع ربيبه الصغير في إناء واحد مع ما يبدو من الصغير غالبا لما يثير التقزز والاشمئزاز

стр. 933

٢٤ - عن ابن عمر ﵄ أنه كان لا يأكل حتى يؤتى بمسكين يأكل معه فأدخلت رجلا يأكل معه فأكل كثيرا فقال يا نافع لا تدخل هذا علي سمعت النبي ﷺ يقول "المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء" -[المعنى العام]- كان عبد الله بن عمر ﵁ يقول لخادمه نافع عند كل طعام ائتني بمسكين يأكل معي لا يأكل حتى يجلس معه مسكين فأتاه خادمه يوما بمسكين يدعي "ابن نهيك" من أهل مكة فجعل ابن عمر يضع بين يديه ويضع بين يديه وجعل الرجل يأكل ويأكل حتى انتهى قال ابن عمر لخادمه يا نافع لا تدخل على هذا الرجل مرة أخرى لأن صفاته في الأكل لست من صفات المؤمنين إنه يأكل بشره واستكثار ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول إن المؤمن يأكل في معي واحد وإن الكافر يأكل في سبعة أمعاء -[المباحث العربية]- (سمعت النبي ﷺ يقول) جملة "يقول" حال وجملة "سمعت" مستأنفة استئنافا تعليليا لنهي الخادم عن إدخال هذا مرة ثانية (المؤمن يأكل في معي واحد) عدي يأكل بفي لأنه بمعنى يوقع الأكل فيها ويجعلها ظرفا للمأكولات كقوله تعالى ﴿/ إنما يأكلون في بطونهم﴾ ومعي بكسر الميم وفتح العين مقصورا هو المصير على وزن أمير

стр. 934

وهو ما ينتقل إليه الطعام بعد المعدة وجمعه مصران كقضيب وقضبان وجمع الجمع مصارين (سبعة أمعاء) حقيقة العدد ليست مرادة وتخصيص السبعة للمبالغة في التكثير في الآحاد كقوله تعالى ﴿والبحر يمده من بعده سبعة أبحر﴾ كما أن السبعين للمبالغة في العشرات قال تعالى ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ والسبعمائة مبالغة في المئات وقيل حقيقة العدد مرادة وسيأتي توضيح ذلك في فقه الحديث -[فقه الحديث]- اختلف في معنى الحديث اختلاف كثيرا فقيل إن الحديث على ظاهره وأن أمعاء الإنسان سبعة المعدة والبواب والصائم والرقيق والأعور والقولون والمستقيم فالكافر لا يشبعه إلا ملء الأمعاء السبعة لشرهه والمؤمن لقناعته يشبعه ملء معي واحد وقيل إن شهوات الطعام سبع شهوة الطبع وشهوة النفس وشهوة العين وشهوة الفم وشهوة الأذن وشهوة الأنف وشهوة الجوع وهي الضرورية التي يأكل بها المؤمن أما الكافر فيأكل بالجميع وقال الكثير من المحققين ليس المراد من الحديث ظاهره واختلفوا في توجيهه على أقوال أوجهها أنه مثل للمؤمن وزهده في الدنيا وللكافر وحرصه عليها فكأن المؤمن وزهده في الدنيا إنسان يأكل في معي واحد وكأن الكافر لشدة رغبته فيها واستكثاره منها إنسان يأكل في سبعة أمعاء فليس المراد حقيقة الأمعاء ولا خصوص الأكل وإنما المراد الحث على التقلل من الدنيا وللتنفير من الاستكثار منها فكأنه عبر عن تناول الدنيا بالأكل وعن أسباب ذلك بالأمعاء وقيل هو مثل للمؤمن وأكله الحلال وللكافر وأكله الحرام والحلال أقل من الحرام في الوجود كما تقول فلان يأكل الدنيا أكلا وقيل هو مثل لحال المؤمن وقناعته ولحال الكافر وشرهه

стр. 935

وهي آراء متقاربة والعدد عليها لا مفهوم له بل المراد منه المبالغة في التكثير ولا يلزم من هذا إطراده في حق كل مؤمن وحق كل كافر فقد روي عن غير واحد من أفاضل السلف الأكل الكثير وفي الكافرين من يأكل القليل مراعاة للصحة أو رهبانية أو ضعفا في البنية وإنما المراد أن هذا هو الأعم الأغلب وأن الشأن في المؤمن التقلل والقناعة لاشتغاله بأسباب العبادة بخلاف الكافر ويؤيد ذلك ما رواه الطبراني عن ابن عمر قال "جاء إلى النبي ﷺ سبعة رجال فأخذ كل رجل من أصحاب النبي ﷺ رجلا وأخذ النبي رجلا فقال له ما اسمك قال أبو غزوان فحلب له النبي ﷺ سبع شياه فشرب لبنها كله فقال له النبي هل لك يا أبا غزوان أن تسلم قال نعم فأسلم فمسح النبي ﷺ صدره فلما أصبح حلب له النبي شاة واحدة فلم يتم لبنها فقال له ما لك يا أبا غزوان فقال والذي بعثك بالحق لقد رويت قال إنك أمس كان لك سبعة أمعاء وليس لك اليوم إلا واحد" -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - الحض على التقلل من الدنيا والحث على الزهد فيها والقناعة بما تيسر منها ٢ - فضيلة ابن عمر ﵁ وتواضعه وحرصه على ما يقربه إلى الله ٣ - مؤاكلة أفاضل السلف للمساكين والتودد إليهم والانبساط لهم

стр. 936

٢٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال "ما عاب النبي ﷺ طعاما قط إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه" -[المعنى العام]- من حسن خلقه ﷺ ومراعاته لآداب الطعام ورعايته لحق النعم وتأديبه للأمة الإسلامية لم يعب رسول الله ﷺ طعاما حلالا طيلة حياته بل كان إذا قدم إليه طعام يشتهيه ويحبه أكله وإذا قدم إليه طعام ليس كذلك أنصرف عنه إلى غيره واعتذر بعذر لا ينفر كما قال لأصحابه حينما وضع الضب على مائدته "كلوا لكنه ليس بأرض قومي فنفسي تعافه" -[المباحث العربية]- (قط) بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة ظرف زمان لاستغراق ما مضى ويختص بالنفي وهو مبني على الضم واشتقاقه من قططت الشيء بمعنى قطعته (إن اشتهاه أكله) الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا كأن سائلا سأل فماذا كان يفعل إزاء ما يحب وما لا يحب -[فقه الحديث]- المراد من الطعام الذي لم يتعرض له الرسول ﷺ بعيب الطعام الحلال أما الحرام فكان يعيبه وينهي عنه وسواء في ذلك الطعام الحلال ما كان من صنع الآدمي وما لم يكن قال النووي ومن آداب الطعام ألا يعاب فلا يقال مالح أو قليل الملح أو حامض أو غليظ أو رقيق أو غير ناضج أو نحو ذلك وقال قوم إن كان التعييب من جهة الخلقة فهو لا يجوز لأن خلقة الله لا تعاب وإن كان من جهة صنعة الآدميين لم يكره لكن ظاهر الحديث العموم

стр. 937

وحكم التعييب الكراهة عند الجمهور وقال ابن بطال وهو من حسن الأدب والحكمة في ذلك أن المرء قد يكره الشيء ويشتهيه غيره فربما يتأذى بعيبه من يشتهيه وحينئذ لو كان وحده لا يتأذى بالتعييب أحد لم يكره وقيل في الحكمة لأن كل مأذون فيه من جهة الشرع لا يعاب وعليه يكره أن يعيب وإن كان منفردا ومحل الكراهة في غير مقام التعليم والنصح -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - النهي عن عيب الطعام الحلال مطلقا إلا على سبيل التعليم والنصيحة ٢ - رعاية حق النعمة بعدم انتقاصها. ٢٦ - عن حذيفة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة" -[المعنى العام]- كان حذيفة بن اليمان بالمدائن عاصمة مملكة الأكاسرة فطلب أن يشرب فجاءه زعيم القوم بماء في إناء فضة فرمى الإناء بالماء ثم قال

стр. 938

للحاضرين من قومه لم أرمه إلا لأني نهيته بالحسنى مرارا ألا يقدم الشرب في إناء من فضة فلم ينته ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في إناء الذهب والفضة ولا قصعاتها لأن هذه الأشياء يستعملها الكفار في الدنيا فخالفوهم تكن لكم في الأخرة وهكذا يعلم الرسول أمته التواضع والزهد والبعد عن النعومة وعن التشبه بالكفار ويبشرهم بأن هذه المحظورات ستباح لهم في الآخرة ويستمتعون بما يستصغر أمامه كل ما يتعجبون اليوم من حسنه وبهائه ولقد أهدي للنبي ﷺ ثوب حرير فجعل الصحابة يلمسونه ويتعجبون فقال ﷺ أتعجبون من هذا قالوا نعم قال "مناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا" -[المباحث العربية]- (تلبسوا) الخطاب للرجال الحاضرين ويلحق بهم الغائبون أو لكل من يتأتى له الخطاب ويلحق بالرجال الحاضرين الخناثى لاحتمال كونهم رجالا (الديباج) الثياب المتخذة من الإبريسم فارسي معرب رقيقه السندس وغليظة الاستبرق أنواع من الحرير كانت ترد للعرب من بلاد الفرس فهو من عطف الخاص على العام (آنية) جمع إناء وهو الوعاء صغيرا كان أو كبيرا وعلى أي هيئة كان (في صحافها) جمع صفحة وهي إناء كالقصعة المبسوطة ونحوها والضمير فيه يرجع إلى الفضة وكان القياس أن يقال في صحافهما وهذا كقوله تعالى ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها﴾ فإذا علم حكم الفضة علم حكم الذهب بالطريق الأولى والإضافة بمعنى "من" وقيل الضمير للآنية لأنها تكون صحافا وغير صحاف ولما كانت العادة استعمال الأواني المبسوطة في الطعام دون الشراب ذكر الأكل مع الصحاف وليس المراد إباحة الأكل في غير الصحاف منها

стр. 939

(فإنها) الضمير للمذكورات من الحرير والديباج وأواني الذهب والفضة والفاء للتعليل (لهم) الضمير للكفار دل عليه السياق -[فقه الحديث]- نقاط الحديث ١ - لبس الحرير ولبس ما بعضه حرير واتخاذه فرشا وستائر وبيان حكمة التحريم ٢ - الأكل أو الشرب في آنية الذهب والفضة أو في آنية مضببة أو مطلبة بهما أو اتخاذها للزينة وبيان حكمة التحريم أما الحرير بجميع أنواعه فقد حكى النووي الإجماع على تحريمه على الرجال واختلفوا في التطريز بالحرير واتخاذ العلم والشريط منه والأكثرون على الترخيص بما كان قدر أربعة أصابع فما دونها والجمهور من المالكية والشافعية على تحريم الجلوس على الحرير لما ورد في البخاري "نهانا ﷺ عن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه" وأجازه أبو حنيفة وبعض الشافعية أجابوا بأن لفظ "نهى" ليس صريحا في التحريم أو أن النهي ورد عن مجموع اللبس والجلوس لا عن الجلوس بمفرده أما مس الحرير وبيعه والانتفاع به فهو غير حرام واختلفوا في الحكمة في تحريم الحرير على الرجال فقيل السرف ورد بأنه لو كان كذلك لحرم على النساء أيضا وقيل الخيلاء وقيل التشبه بالنساء لأنه من زينة النساء التي أذن لهن في التزين بها ونهى الرجال عن التشبه بهن وقيل التشبه بالكفار أخذا من قوله ﴿فإنها لهم في الدنيا﴾ والأولى اعتبار الحكمة في مجموع هذه الأمور وأما الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة فإنه لا يحل لرجل أو امرأة بل لا يحل استعمال هذه الأواني بأي وجه ولا اقتناؤها بدون

стр. 940

استعمال وسواء في ذلك ما كان كله أو بعضه من ذهب أو فضة كذلك يحرم استعمال إناء مضبب -أي مكسور ثم ملحوم- بضبة من ذهب كبيرة أو صغيرة وأبيحت ضبة كبيرة من فضة لحاجة والعرف هو الحكم في الصغيرة والكبيرة أما الإناء الذي اتخذ من معدن آخر ثم طلي بالذهب أو الفضة فإنه لا يحل أن حصل من ذلك شيء بعرضه على النار فإن لم يحصل أبيح لقلة المموه به وحيث حرم استعمال إناء الذهب والفضة مع الحاجة إليه حرم اتخاذه للزينة من باب أولى والحكمة في هذا التحريم الإسراف والترف والتشبه بالكفار وكسر قلوب الفقراء وظاهر الحديث تحريم الحرير على الرجال والنساء إن كان الخطاب في "لا تلبسوا ولا تأكلوا" للعموم أو إباحة أكل النساء وشربهن في آنية الذهب والفضة إن كان الخطاب في "لا تأكلوا" للرجال لهذا قال بعضهم بمنع استعمال النساء الحرير والديباج وأجاب الجمهور عن الحديث بأن الخطاب للمذكر ودخول المؤنث في استعمال أواني الذهب والفضة بدليل آخر وقيل الخطاب عام وجاءت إباحة التزين بالذهب والحرير للنساء بأدلة أخرى ولا يفهم من قوله ﷺ ﴿"فإنها لهم في الدنيا"﴾ إباحة استعمال الكفار للمذكورات إذ المراد بيان الواقع لا تجويزه لهم لأنهم مكلفون بفروع الشريعة على الصحيح وظاهر الحديث أنهم ليسوا بمكلفين بالفروع -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - تحريم الحرير الخالص بأنواعه على الرجال دون النساء ٢ - تحريم أواني الذهب والفضة استعمالا واقتناء ٣ - الحض على مخالفة الكفار في عاداتهم وتقاليدهم

стр. 941

كتاب الصيد والذبائح والتسمية على الصيد ٢٧ - عن عدي بن حاتم ﵁ قال سألت النبي ﷺ عن صيد المعراض قال "ما أصاب بحده فكله وما أصاب بعرضه فهو وقيذ" وسألته عن صيد الكلب فقال "ما أمسك عليك فكل فإن أخذ الكلب ذكاة وإن وجدت مع كلبك أو كلابك كلبا غيره فخشيت أن يكون أخذه معه وقد قتله فلا تأكل فإنما ذكرت اسم الله على كلبك ولم تذكره على غيره" -[المعنى العام]- سأل عدي بن حاتم رسول الله ﷺ عن حكم أكل المصيد الذي يرمى بالخشبة المدببة فيقتل فقال رسول الله ﷺ ما قتل بالحد والطرف المدبب فحلالا أكله لأنه كالمذكى المذبوح في حلقه وما قتل بعرض السهم فهو ميت بمثقل لا يحل أكله شأنه في ذلك شأن ما يرمى بحجر وسأله عن حكم أكل مصيد الكلب فقال إذا أرسلت كلبك المعلم وسميت الله وقصر إمساكه عليك ولم يأكل منه فحلال أكله لأن قتل الكلب بهذه الصفة كالذكاة وإن اشترك مع كلبك كلب أو كلاب لا تدري من أرسلها وما حالها ولم تدر أيها قتل الصيد فلا تأكل لأنك وإن كنت ذكرت الله على كلبك فإنك لا تدري اذكر اسم الله على الآخر أم لا

стр. 942

-[المباحث العربية]- (عن عدي بن حاتم) الطائي الجواد بن الجواد أسلم سنة الفتح وثبت هو وقومه على الإسلام ونزل الكوفة وشهد الفتوح بالعراق وكان مع علي ﵁ في حروبه ومات سنة ثمان وستين وهو ابن مائة وعشرين عاما (عن صيد المعراض) في الكلام مضاف محذوف أي عن حكم صيد المعراض والصيد مصدر صاد يصيد وقع على المصيد نفسه مبالغة أو تسمية بالمصدر قيل لا يقال للشيء صيد حتى يكون ممتنعا حلالا لا مالك له والمعراض بكسر الميم وسكون العين سهم لا ريش له ولا نصل وقيل خشبة ثقيلة أو عصا في طرفها حديدة مدببة وفي القاموس سهم بلا ريش دقيق الطرفين غليظ الوسط يصيب بعرضه دون حده (ما أصاب بحده فكله) (ما) شرطية مفعول مقدم لأصاب وجملة فكله هي الجواب والضمير المنصوص فيها يعود على "ما" (وما أصاب بعرضه) أي بعرض المعراض والمراد بالعرض هنا خلاف الحد (فهو وقيذ) فعيل بمعنى مفعول والموقوذ الميت بضرب شيء ثقيل غير محدد كالميت بضرب العصا أو الحجر وكان أهل الجاهلية يضربون الحيوانات بالعصا حتى إذا ماتت أكلوها فنص القرآن على تحريمها (عن صيد الكلب) أل في الكلب للعهد أي الكلب المعلم للصيد (ما أمسك عليك) ضمن أمسك معنى حبس ما أمسك الكلب من المصيد قاصرا له عليك (فإن أخذه الكلب ذكاة) أن مشددة و"أخذ" بسكون الخاء اسمها وإضافته إلى الكلب من إضافة المصدر إلى فاعله ومفعوله محذوف تقديره الصيد والمراد من الأخذ القتل وفي الكلام تشبيه بليغ أي فإن أخذ

стр. 943

الكلب كالذكاة المعروفة بقطع الأوداج ووجه الشبه حل الأكل (وإن وجدت مع كلبك أو كلابك كلبا غيره) أي غير المذكور من كلبك أو كلابك (فخشيت أن يكون أخذه معه) اسم يكون يعود على الكلب الآخر ومفعول أخذ يعود على المصيد والضمير في (معه) يعود على كلبك والتقدير فخشيت أن يكون الكلب الآخر أخذ الصيد مع كلبك (وقد قتله) ضمير الفاعل للكلب الأجنبي وضمير المفعول للصيد والجملة حال أي إن خشيت أن يكون كلب أجنبي أخذ الصيد قاتلا له فلا تأكل -[فقه الحديث]- يتناول شرح الحديث أمورا ١ - حكم صيد المعراض وحكم صيد الرصاص الموجود في أيامنا ٢ - صيد الكلب وشرطه وأحواله ٣ - حكم التسمية على الصيد والذبيحة ٤ - حكم احتراف الصيد والتلهي به ٥ - ما يؤخذ من الحديث وإليك التفصيل ١ - سواء كان طرف المعراض حديدة مدببة أو خشبة مدببة فإن الصائد إذا رمى به صيده فأصابه بحده وطرفه فقتله فهو في حكم المذكى يحل أكله أما إذا أصاب المعراض الصيد بعرضه وخلاف حده فقتله فهو ميت بمثقل لا بمدبب لا يحل أكله فإن أدرك حيا وذكي حل عند الحنفية ولو كان المعراض قد نفذ في مقاتله ولا يحل عند المالكية إلا إذا كان المعراض لم ينفذ في مقاتله ولا يحل عند الشافعية والحنابلة إلا إذا وجدت قبل التذكية

стр. 944

حياة مستقرة وحركة اختيارية ومن علامتها الحركة الشديدة بعد التذكية أو انفجار الدم أما صيد الرصاص الموجود في أيامنا فلم يوجد فيه نص للعلماء المتقدمين لحدوث الرمي به بحدوث البارود وسط المائة الثامنة الهجرية وقد اختلف فيه المتأخرون فقال الشافعية والحنابلة بتحريمه ما لم يدرك حيا ويذكى لأنه مقتول بقوة الدفع فيكون كالموقوذة شأنه في ذلك شأن ما صيد ببندق الحصى الذي يستعمله الصبيان (النبل) وقال المالكية ومحققو الحنفية بحله لما فيه من إنهار الدم بسرعة وهو ما شرعت الذكاة لأجله لكنهم يشترطون في حله تمييز الصائد وتسميته عند إطلاق الرصاصة وتزيد المالكية اشتراط كون الصائد مسلما وأن ينوي الصيد ٢ - أما صيد الكلب والصقر وأشباهها فله شروط أ) أن يكون معلما أي إذا أغري على الصيد طلبه وإذا زجر عنه انزجر ب) أن يرسله فإن صاد الكلب من غير إرسال فلا يحل صيده إلا إذا أدرك وفيه حياة مستقرة وذكي ٣ - قال الشافعية والحنفية ألا يأكل الكلب مما صاد لما جاء في البخاري "فإن أكل فلا تأكل فإنه لم يمسك عليك إنما أمسك على نفسه" ولا يعارض هذا ما رواه أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال "كل وإن أكل منه" فإنه فضلا عن كونه ضعيفا لا يقاوم الذي في الصحيح ولا يقاربه هو محمول على ماذا أطعمه صاحبه منه أو أكل منه بعد أن قتله وسلمه إلى صاحبه ٤ - ألا يشاركه كلب آخر غير مرسل أو مرسل غير معلم أو مرسل من غير أهل الصيد كالمجوسي والوثني والمرتد أو معلم مرسل من أهل الصيد بدون تسمية خلافا لبعضهم فإذا أرسل كلبه المعلم فعرض له كلب آخر مستوف لشروط الصيد فقتلاه حل واشترك فيه الصائدان وكذلك يحل إذا تأكد أن القتل وقع من كلبه لأن الرسول ﷺ بين علة النهي في رواية

стр. 945

أخرى بقوله "فإنك لا تدري أيهما قتل" ٥ - أما التسمية على الصيد فقد ذهب الظاهرية إلى أنها فريضة فمن تركها عامدا أو ساهيا لم يؤكل ما ذبحه وذهب مالك وأبو حنيفة إلى اشتراكها فلا يصح تركها عمدا ورخصوا للمسلم في تركها سهوا فإنه ﷺ جعل عدم ذكر الله على الكلب الآخر علة للنهي فيكون عدم التسمية مانعا من الحل وذهب الشافعية إلى أن التسمية في الصيد والذبيحة سنة فيحل الأكل مع تركها عمدا ونسيانا وقالوا في الحديث إن المراد من ذكر اسم الله لازمة وهو الإرسال ممن هو أهل للصيد ٦ - والصيد مشروع بالقرآن والسنة قال القاضي عياض الاصطياد للاكتساب والحاجة والانتفاع بالأكل والثمن واختلفوا فيمن اصطاده للهو ولكن بقصد التذكية والإباحة والانتفاع فكرهه مالك وأجازه الجمهور فإن فعله بغير نية التذكية وبدون انتفاع فهو حرام لأنه فساد في الأرض وإتلاف نفس عبثا وقد نهى رسول الله ﷺ عن قتل الحيوان إلا لأكله ونهى أيضا عن الإكثار من الصيد فقد روى الترمذي "من سكن البادية فقد جفا ومن ابتع الصيد فقد غفل" -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - إباحة الاصطياد بالمعراض ٢ - جواز أكل مصيده إذا أصيب بالحد ٣ - إباحة الصيد بالكلب ٤ - ذكر الكلب مطلقا يتناول أي لون كان ففيه حجة على أحمد حيث لا يجوزه بالكلب الأسود وإن كان معلما ٥ - مشروعية التسمية عند الصيد ٦ - جواز اقتناء الكلب المعلم للصيد.

стр. 946

٢٨ - عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: يا نبي الله إنا بأرض قوم من أهل الكتاب أفنأكل في آنيتهم وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم وبكلبي المعلم فما يصلح لي قال "أما ما ذكرت من أهل الكتاب فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله فكل وما صدت بكلبك غير معلم فأدركت ذكاته فكل" -[المعنى العام]- سأل أبو ثعلبة الخشني رسول الله ﷺ عن حكم الأكل في آنية الكفار

стр. 947

فأجابه ﷺ بأن النظافة وراحة النفس تستدعي ترك الأكل فيها ما وجد غيرها فإن لم يوجد غيرها غسلت للاحتياط من النجاسة لأنهم لا يتحرزون منها وأكل فيها وسأله عن أكل صيد السهم الذي ينزع من القوس فأجابه بحل أكله إن ذكرت التسمية عند إرساله وسأله عن أكل صيد الكلب المعلم وغير المعلم فأجابه بحل صيد الكلب المعلم إن سمى مرسله وبعدم حل صيد غير المعلم إلا إن أدرك وفيه حياة مستقرة وذكي فإنه يحل أكله -[المباحث العربية]- (عن أبي ثعلبة الخشني) بضم الخاء وفتح الشين نسبة إلى خشين من قضاعه واسمه جرثوم أسلم قبيل خيبر وشهد بيعة الرضوان وتوجه إلى قومه بني خشين بأرض الشام فأسلموا (إنا بأرض قوم) يريد نفسه وقبيلته والمراد بالأرض أرض الشام والجملة مقول القول (أفنأكل في آنيتهم) الهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على محذوف أيأتأذن لنا فنأكل في آنيتهم والآنية جمع إناء كأسقية وسقاء وجمع الجمع أواني (وبأرض صيد) من باب إضافة الموصوف إلى صفته والتقدير بأرض ذات صيد فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه أو من إضافة المحل للحال فيه (أصيد بقوسي) في الكلام مضاف محذوف والأصل أصيد بسهم قوسي والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب (فما يصلح لي) ما اسم استفهام مبتدأ والمراد ما يصلح لي أكله من ذلك (أما ما ذكرت) أما حرف تفصيل وما اسم موصول مبتدأ

стр. 948

والجملة بعده صلة والعائد مفعول "ذكرت" محذوف وجملة "فإن وجدتم" خبر الموصول (من أهل الكتاب) في الكلام مضاف محذوف أي من آنية أهل الكتاب بدليل عود الضمير على الآنية في قوله "غيرها" (وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل) ما شرطية و"ذكرت" معطوف على ما صدت و"فكل" جواب الشرط (وما صدت بكلبك غير معلم) بنصب غير على الحال وجرها على البدل -[فقه الحديث]- استفتى أبو ثعلبة رسول الله عن مسألتين الأولى الأكل في آنية أهل الكتاب الثانية الصيد بالقوس وبالكلب المعلم وغير المعلم أما عن المسألة الأولى فقد أجاب النبي ﷺ بقوله "فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلو فيها وهذا التفصيل يقتضي حرمة أو كراهة استعمالها إن وجد غيرها ولكن الفقهاء قالوا بجواز استعمالها بعد الغسل بلا كراهة سواء وجد غيرها أم لا والظاهر أن المراد النهي عنها بعد الغسل للاستقذار ولكونها معدة للنجاسة ومراد الفقهاء أواني الكفار التي ليست مستعملة في النجاسات غالبا واقتضى قوله "وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها" التعارض مع ما علم من استصحاب الأصل لأن أصل الأواني الطهارة ولهذا قيل إن الظن المستفاد من الغالب راجح على الظن المستفاد من الأصل لكن الصحيح أن الحكم للأصل ويجاب عن هذا التعارض بجوابين أحدهما أن الأمر بالغسل للاحتياط لا لثبوت الكراهة وثانيهما أن المراد بالحديث حالة تحقيق نجاستها ويدل عليه قوله في رواية أبي داود "إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر " الحديث

стр. 949

وأما المسألة الثانية فإنه يستفاد من جواب الرسول ﷺ (١) جواز الصيد بالقوس (٢) واشتراط التسمية (٣) وأن الكلب لا بد أن يكون معلما (٤) وأن ما صيد بالكلب غير المعلم وأدرك ذكاته يذكى ويؤكل وإلا فلا يؤكل (٥) وتعليق حل الأكل على صيد المعلم والتسمية فإذا انتفى هذا الوصف انتفى الحل على خلاف في التسمية مر توضيحه في الحديث السابق ويستفاد من الحديث أيضا جواز جمع المسائل وإيرادها دفعة واحدة ويجاب عنها مفصلة أما وأما. ٢٩ - عن ابن عمر ﵄ أنه مر بنفر نصبوا دجاجة يرمونها فلما رأوه تفرقوا فقال ابن عمر: من فعل هذا إن النبي ﷺ لعن من فعل هذا وعنه ﵁ في رواية أنه قال "لعن النبي ﷺ من مثل بالحيوان" -[المعنى العام]- مر ابن عمر ﵄ على فتية مستهترين وقد نصبوا دجاجة هدفا لرميهم فلما رأوه من بعيد خافوا وفروا وتركوها فجاء إليها وحلها وقال لمن حوله لا ينبغي شرعا أن يفعل مثل هذا الفعل وازجروا فتيانكم

стр. 950

عن أن يصبروا هذا الطير للقتل إن النبي ﷺ لعن من فعل هذا وفي مناسبة أخرى قال ابن عمر لعن النبي ﷺ من مثل بالحيوان فقطع أجزاءه وهو حي -[المباحث العربية]- (مر بنفر) النفر من ثلاثة إلى تسعة لا إلى العشرة كما في الرهط وروي "مر بفتية" جمع فتى (نصبوا دجاجة يرمونها) أي جعلوها هدفا يتعلمون به الرمي وجملة "يرمونها" حال من الفاعل أو صفة لدجاجة (من فعل هذا) الإشارة إلى نصبهم دجاجة للرمي والاستفهام إنكاري توبيخي أي لا ينبغي أن يفعل هذا (إن النبي ﷺ لعن من فعل هذا) دليل الإنكار والتحريم لأن اللعن لا يكون إلا على محرم وفي رواية مسلم "لعن الله من اتخذ شيئا فيه روح غرضا" والغرض الهدف الذي يصوب إليه الرمي والجملة تعليل للإنكار (من مثل بالحيوان) مثل بفتح الميم وتشديد الثاء أي قطع أطرافه أو أنفه أو أذنه أو جزءا من أجزاءه والاسم المثلة بضم الميم -[فقه الحديث]- هذان حديثان جمعهما الزبيدي باعتبار اتحاد الراوي وتلازم المعنى ويؤخذ منهما ١ - أن الفتية كانوا يعلمون حرمة فعلهم وشناعة عملهم ٢ - شدة ابن عمر ﵄ وقوته في الحق ورهبة القوم منه ٣ - الرفق بالحيوان وعدم تعذيبه وعلى أولياء الأمور تقع مسئولية عبث الأطفال وتعذيبهم للطيور والعصافير ٤ - كراهة صبر الحيوان وحبسه حيا ليقتل وكذا تكتيفه مدة طويلة قبل
следующие страницы →