Полный текст (1 103 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
٢٨ - عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: يا نبي الله إنا بأرض قوم من أهل الكتاب أفنأكل في آنيتهم وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم وبكلبي المعلم فما يصلح لي قال "أما ما ذكرت من أهل الكتاب فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله فكل وما صدت بكلبك غير معلم فأدركت ذكاته فكل"
-[المعنى العام]-
سأل أبو ثعلبة الخشني رسول الله ﷺ عن حكم الأكل في آنية الكفار
стр. 947
فأجابه ﷺ بأن النظافة وراحة النفس تستدعي ترك الأكل فيها ما وجد غيرها فإن لم يوجد غيرها غسلت للاحتياط من النجاسة لأنهم لا يتحرزون منها وأكل فيها وسأله عن أكل صيد السهم الذي ينزع من القوس فأجابه بحل أكله إن ذكرت التسمية عند إرساله وسأله عن أكل صيد الكلب المعلم وغير المعلم فأجابه بحل صيد الكلب المعلم إن سمى مرسله وبعدم حل صيد غير المعلم إلا إن أدرك وفيه حياة مستقرة وذكي فإنه يحل أكله
-[المباحث العربية]-
(عن أبي ثعلبة الخشني) بضم الخاء وفتح الشين نسبة إلى خشين من قضاعه واسمه جرثوم أسلم قبيل خيبر وشهد بيعة الرضوان وتوجه إلى قومه بني خشين بأرض الشام فأسلموا
(إنا بأرض قوم) يريد نفسه وقبيلته والمراد بالأرض أرض الشام والجملة مقول القول
(أفنأكل في آنيتهم) الهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على محذوف أيأتأذن لنا فنأكل في آنيتهم والآنية جمع إناء كأسقية وسقاء وجمع الجمع أواني
(وبأرض صيد) من باب إضافة الموصوف إلى صفته والتقدير بأرض ذات صيد فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه أو من إضافة المحل للحال فيه
(أصيد بقوسي) في الكلام مضاف محذوف والأصل أصيد بسهم قوسي والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب
(فما يصلح لي) ما اسم استفهام مبتدأ والمراد ما يصلح لي أكله من ذلك
(أما ما ذكرت) أما حرف تفصيل وما اسم موصول مبتدأ
стр. 948
والجملة بعده صلة والعائد مفعول "ذكرت" محذوف وجملة "فإن وجدتم" خبر الموصول
(من أهل الكتاب) في الكلام مضاف محذوف أي من آنية أهل الكتاب بدليل عود الضمير على الآنية في قوله "غيرها"
(وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل) ما شرطية و"ذكرت" معطوف على ما صدت و"فكل" جواب الشرط
(وما صدت بكلبك غير معلم) بنصب غير على الحال وجرها على البدل
-[فقه الحديث]-
استفتى أبو ثعلبة رسول الله عن مسألتين الأولى الأكل في آنية أهل الكتاب الثانية الصيد بالقوس وبالكلب المعلم وغير المعلم
أما عن المسألة الأولى فقد أجاب النبي ﷺ بقوله "فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلو فيها وهذا التفصيل يقتضي حرمة أو كراهة استعمالها إن وجد غيرها ولكن الفقهاء قالوا بجواز استعمالها بعد الغسل بلا كراهة سواء وجد غيرها أم لا والظاهر أن المراد النهي عنها بعد الغسل للاستقذار ولكونها معدة للنجاسة ومراد الفقهاء أواني الكفار التي ليست مستعملة في النجاسات غالبا واقتضى قوله "وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها" التعارض مع ما علم من استصحاب الأصل لأن أصل الأواني الطهارة ولهذا قيل إن الظن المستفاد من الغالب راجح على الظن المستفاد من الأصل لكن الصحيح أن الحكم للأصل ويجاب عن هذا التعارض بجوابين أحدهما أن الأمر بالغسل للاحتياط لا لثبوت الكراهة وثانيهما أن المراد بالحديث حالة تحقيق نجاستها ويدل عليه قوله في رواية أبي داود "إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر " الحديث
стр. 949
وأما المسألة الثانية فإنه يستفاد من جواب الرسول ﷺ (١) جواز الصيد بالقوس (٢) واشتراط التسمية (٣) وأن الكلب لا بد أن يكون معلما (٤) وأن ما صيد بالكلب غير المعلم وأدرك ذكاته يذكى ويؤكل وإلا فلا يؤكل (٥) وتعليق حل الأكل على صيد المعلم والتسمية فإذا انتفى هذا الوصف انتفى الحل على خلاف في التسمية مر توضيحه في الحديث السابق ويستفاد من الحديث أيضا جواز جمع المسائل وإيرادها دفعة واحدة ويجاب عنها مفصلة أما وأما.
٢٩ - عن ابن عمر ﵄ أنه مر بنفر نصبوا دجاجة يرمونها فلما رأوه تفرقوا فقال ابن عمر: من فعل هذا إن النبي ﷺ لعن من فعل هذا وعنه ﵁ في رواية أنه قال "لعن النبي ﷺ من مثل بالحيوان"
-[المعنى العام]-
مر ابن عمر ﵄ على فتية مستهترين وقد نصبوا دجاجة هدفا لرميهم فلما رأوه من بعيد خافوا وفروا وتركوها فجاء إليها وحلها وقال لمن حوله لا ينبغي شرعا أن يفعل مثل هذا الفعل وازجروا فتيانكم
стр. 950
عن أن يصبروا هذا الطير للقتل إن النبي ﷺ لعن من فعل هذا وفي مناسبة أخرى قال ابن عمر لعن النبي ﷺ من مثل بالحيوان فقطع أجزاءه وهو حي
-[المباحث العربية]-
(مر بنفر) النفر من ثلاثة إلى تسعة لا إلى العشرة كما في الرهط وروي "مر بفتية" جمع فتى
(نصبوا دجاجة يرمونها) أي جعلوها هدفا يتعلمون به الرمي وجملة "يرمونها" حال من الفاعل أو صفة لدجاجة
(من فعل هذا) الإشارة إلى نصبهم دجاجة للرمي والاستفهام إنكاري توبيخي أي لا ينبغي أن يفعل هذا
(إن النبي ﷺ لعن من فعل هذا) دليل الإنكار والتحريم لأن اللعن لا يكون إلا على محرم وفي رواية مسلم "لعن الله من اتخذ شيئا فيه روح غرضا" والغرض الهدف الذي يصوب إليه الرمي والجملة تعليل للإنكار
(من مثل بالحيوان) مثل بفتح الميم وتشديد الثاء أي قطع أطرافه أو أنفه أو أذنه أو جزءا من أجزاءه والاسم المثلة بضم الميم
-[فقه الحديث]-
هذان حديثان جمعهما الزبيدي باعتبار اتحاد الراوي وتلازم المعنى ويؤخذ منهما
١ - أن الفتية كانوا يعلمون حرمة فعلهم وشناعة عملهم
٢ - شدة ابن عمر ﵄ وقوته في الحق ورهبة القوم منه
٣ - الرفق بالحيوان وعدم تعذيبه وعلى أولياء الأمور تقع مسئولية عبث الأطفال وتعذيبهم للطيور والعصافير
٤ - كراهة صبر الحيوان وحبسه حيا ليقتل وكذا تكتيفه مدة طويلة قبل
стр. 951
الذبح ووضع السكين أمام عينيه إلخ
٥ - أن التمثيل بالحيوان من الكبائر إذ ورد فيه العن.
٣٠ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة"
-[المعنى العام]-
يرغب الرسول في اصطفاء الجلساء فإن المرء على دين خليله والجليس الصالح نافع دائما وعلى فرض عدم الانتفاع منه فإنه لا يضر أما الجليس السيئ فهو ضار دائما وعلى فرض الحذر منه والحيطة من أذاه فإنه لا ينفع وقد شبه الرسول ﷺ الجليس الصالح بحامل المسك فإنه إما أن تنفعه وتنتفع منه بالشراء وإما ألا تشتري ويهديك بعض طيبة فتنتفع وأما إن تزكو نفسك بمجالسته كمن يشم ريح بائع الطيب وشبه الجليس السيئ الأخلاق بالحداد نافخ الكير فإنه إما أن يشركك في شره فتحرقك ناره وإما أن يسيئ إلى سمعتك بأنك تصاحب الأشرار فلا تسلم من دخانه فرحم الله امرءا اصطفى من يخالل واختار من يجالس
стр. 952
-[المباحث العربية]-
(والسوء) أي الجليس السوء وفي اللسان ساءه يسوؤه سوءا بفتح السين وضمها فعل به ما يكره نقيض سره والاسم بضم السين
(كحامل المسك) الطيب المعروف ومصدره نوع من ذكور الغزلان يكون في الصين يصاد لأخذ المسك من سرته وله وقت معلوم من السنة يجتمع في سرته فإذا اجتمع ورم الموضع فمرض الغزال إلى أن يسقط منه ويقال إن أهل تلك البلاد يجعلون له أوتادا في البرية يحتك بها فتسقط أو تذبح بعد أن تشد السرة المدلاة بعصابة وقد اجتمع فيها الدم ثم تدفن في الشعر حتى يستحيل ذلك الدم المتخمر الجامد مسكا زكيا بعد أن كان نتنا لا يطاق
(ونافخ الكير) بكسر الكاف جراب من جلد ينفخ به الحداد النار
(يحذيك) كيعطيك وزنا ومعنى أي ينفحك منه بشيء على سبيل الهدية
(تبتاع) أي تشتري
(أن يحرق) بضم الياء من أحرق
تطبيق التمثيل إن الجليس الصالح إما أن يتبادل هو وجليسه ما يعود عليهما بخيري الدنيا والآخرة فهو المشار إليه بقوله "أن تبتاع منه" وإما أن يكون النصح والإرشاد من جانب الجليس الصالح فقط فهو يشبه اتحاف حامل المسلك لجليسه من مسكه وإما ألا يكون هذا ولا ذاك لكن ينتفع صاحب الجليس الصالح بحال جليسه ويقتفي أثره في صلاحه فتزكو في نفسه محبة الخير فهو يشبه من شم من حامل المسك ريحا طيبة أما الجليس السوء فهو إما أن يصيبك شره فهو المشار إليه بقوله "أن يحرق ثيابك" وإما أن تسلم من شره لكن لا تخلو نفسك من الضيق به والحرج منه ولا تسلم من الظنة بالسوء فتخسر ثقة الناس فهو المشار إليه بقوله "أن تجد منه ريحا خبيثة"
стр. 953
-[فقه الحديث]-
قال الكرماني وجه إيراد الحديث في كتاب الصيد كون المسك فضلة الظبي والظبي مما يصاد وقال النووي: أجمعوا على أن المسك طاهر يجوز استعماله في البدن والثوب ويجوز بيعه وقال بعض المالكية إن فأرة المسك إنما تؤخذ في حال الحياة أو بذكاة من لا تصح ذكاته من الكفرة وهي مع ذلك محكوم بطهارتها فهي دم يستحيل إلى مسك كما يستحيل إلى لحم فهي لا تنجس بالموت فشأنها شأن البيض ومن الأدلة على طهارته ما رواه أبو داود مرفوعا "أطيب طيبكم المسك" وما روي من تشبيه الرسول لدم الشهيد به وتشبيه الجليس الصالح بحامله في سياق التكريم والتعظيم فلو كان نجسا لكان من الخبائث ولما حسن التمثيل به في هذا المقام
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١٦ - / ١ - النهي عن مجالسة من تؤذي مجالسته في الدين أو الدنيا
٢ - الترغيب في مجالسة من تنفع مجالسته فيهما ويتبع ذلك تخير الرفقاء والأصحاب
٣ - فضل الصحابة ﵃ إذ كان جليسهم خير الجلساء محمدا صلوات الله وسلامة عليه حتى قيل ليس للصحابي فضيلة أفضل من الصحبة ولهذا سموا بالصحابة مع أنهم كانوا علماء شجعاء كرماء إلى غير ذلك من الفضائل
٤ - جواز بيع المسك والحكم بطهارته.
стр. 954
كتاب الأضاحي
الأضاحي جمع أضحية وفيها أربع لغات بضم الهمزة وكسرها مع تشديد الياء وتخفيفها وضحية وجمعها أضاحي وأضحاة وجمعها أضحى كأرطاة أرطى وبه سمي يوم الأضحى وهي الشاة التي تذبح وكأن تسميتها اشتقت من اسم الوقت الذي تشرع فيه.
٣١ - عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال قال النبي ﷺ "من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وبقي في بيته منه شيء فلما كان العام المقبل قالوا يا رسول الله نفعل كما فعلنا عام الماضي قال كلوا وأطعموا وادخروا فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأردت أن تعينوا فيها"
-[المعنى العام]-
في العام التاسع من الهجرة وقد قحط الناس وأصابهم الجهد والمشقة والضنك حرص المشرع الحكيم على البر بالفقراء فوق حرصه عليه في أيام الرخاء للفرق بين صعوبة الإحسان في الحالة الأولى وبسهولته في الحالة الثانية فقال صلى الله لأصحابه من ذبح منكم أضحية فلا يبقين في بيته من لحمها شيئا بعد ثلاث ليال من ذبحها بل يأكل ويتصدق بالباقي ولا يدخر منها شيئا لما بعد الثلاث واستجاب الصحابة وامتثلوا وجاء العام العاشر من الهجرة -وكان عام رخاء- وقد فهموا أن النهي في العام التاسع كان من
стр. 955
أجل الرأفة بالفقراء لظروف القحط ولهذا أعادوا سؤال رسول الله ﷺ هل نفعل بأضحيتنا مثل ما فعلنا في العام الماضي ويباح لنا الادخار منها في هذا العام وكان ما توقعوه إذ قال لهم النبي ﷺ كلوا منها وأطعموا البائس الفقير وأخروا ما يبقى فإنما نهيتكم في العام الماضي عن الادخار لما كان بالناس من جهد خشيت معه إرهاق الفقراء فأردت أن تعينوهم في هذه المحنة على الحياة
-[المباحث العربية]-
(فلا يصبحن) من أصبح التامة بمعنى دخل في الصباح والفعل مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم بلا الناهية
(بعد ثالثة) ثالثة صفة لموصوف محذوف أي بعد ليلة ثالثة من وقت الأضحية
(وفي بيته منه شيء) أي وفي بيته من المذبوح شيء من لحمه والجملة في محل النصب على الحال
(فلما كان العام المقبل) سنة عشر من الهجرة إذ النهي السابق كان سنة تسع وفعل "كان" تام والعام فاعل
(نفعل كما فعلنا) ما مصدرية وموصولة والعائد مفعول "فعلنا" محذوف والكاف اسم بمعنى مثل صفة لمصدر محذوف والتقدير نفعل فعلا مثل فعلنا أو مثل الذي فعلناه والكلام على تقدير همزة الاستفهام
(كلوا وأطعموا وادخروا) مفعول "أطعموا" محذوف تقديره الأهل والأصحاب والفقراء وادخروا أصله اذتخروا قلبت تاء الافتعال دالا ثم قلبت الذال دالا وأدغمت في الدال
(فإن ذلك العام) أي الماضي الواقع فيه النهي الفاء تعليلية
(كان بالناس جهد) أي مشقة يقال جهد عيشهم إذ اشتد وبلغ غاية المشقة وكانوا قد قحطوا وقل قوتهم
стр. 956
(فأردت أن تعينوا فيها) مفعول -تعينوا- محذوف أي تعينوا الفقراء والمجهدين وضمير "فيها" للمشقة المفهومة من الجهد أو يعود على السنة لأنها زمن الجهد
-[فقه الحديث]-
الكلام على الحديث يتناول النقاط التالية
١ - آراء الفقهاء في حكم الأضحية وأدلتهم ٢ - أراؤهم في المطالب بها
٣ - وفي وقتها
٤ - وفي القدر الذي يؤكل منها
٥ - والجمع بين الحديث وبين ما يوهم التعارض معه
٦ - حكم التصدق من الأضحية ومقداره
وإليك التفصيل
١ - ذهب الشافعي وأحمد إلى أن الأضحية لا تجب لكنها مندوب إليها من فعلها كان مثابا ومن تخلف عنها لا يكون آثما استدلالا بما رواه الستة غير البخاري "من رأى هلال ذي الحجة منكم وأراد أن يضحي فليمسك عن شعره" فالتعليق على الإرادة ينافي الوجوب وقال مالك لا يتركها فإن تركها فبئس ما صنع إلا أن يكون له عذر وقال أبو حنيفة تجب على الحر المقيم المسلم الموسر استدلالا بما رواه البخاري "من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى ومن لم يذبح فليذبح" وبما رواه ابن ماجه "من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا" فمثل هذا الوعيد لا يلحق بترك غير الواجب وهذا كله في حق غير النبي ﷺ أما النبي فكانت واجبة عليه
٢ - واختلفوا فيمت يطالب بالأضحية فقال الشافعي هي سنة على
стр. 957
جميع الناس رجالا ونساء وعلى المسافر وعلى الحاج بمنى وقال مالك لا أضحية على المسافر ولا يؤمر بتركها إلا الحاج بمنى وقال أبو حنيفة لا تجب على المسافر أضحية
٣ - وأجمعوا على أن من ذبح قبل الصلاة فعليه الإعادة استحبابا عند من استحب الأضحية ووجوبا عند من أوجبها لأنه ذبح قبل وقتها واختلفوا فيمن ذبح بعد الصلاة وقبل ذبح الإمام فذهب مالك والشافعي إلى أنه لا يجوز لأحد أن يذبح قبل الإمام أي قبل مقدار الصلاة والخطبة وقال أبو حنيفة بالجواز
٤ - ومدلول حديث الباب أنه لا بأس بالأكل والادخار من الأضحية بدون تحديد بزمن والأكل ليس بواجب إلى هذا ذهب جمهور العلماء وفقهاء الأمصار ومنهم الأئمة الأربعة وذهب جماعة من الظاهرية إلى تحريم لحوم الأضاحي بعد ثلاث احتجاجا بما رواه مسلم عن النبي ﷺ أنه قال "لا يأكل أحدكم من لحم أضحيته فوق ثلاثة أيام"
٥ - قال ابن التين اختلف في النهي الوارد في الحديث فقيل على التحريم ثم طرأ النسخ بالإباحة وقيل للكراهة فيحتمل النسخ من باب نسخ السنة بالسنة ويحتمل بقاء الكراهة إلى اليوم وقال آخرون كان التحريم لعلة فلما زالت تلك العلة زال الحكم وبهذا يتضح عدم التعارض بين حديث الباب وبين الحديث الذي استدل به الظاهرية إذ كان مورده عاما معينا لحالة خاصة، نعم يبقى إشكال بينه وبين ما رواه الترمذي عن عائشة أنها سئلت أكان رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الأضاحي فقالت لا وأجيب بأن مرادها نفي نهي التحريم لا مطلق النهي أو أن مرادها نفي النهي عن الأكل بالكلية أي لم ينه صاحبها عن أن يأكل منها وقد اختلف الأصوليون في الأمر الوارد بعد الحظر كقوله "كلوا" بعد النهي السابق أهو للوجوب أم للإباحة وعلى القول بأنه للوجوب حقيقة بالإجماع هنا مانع من الحمل عليه -إذ لا خلاف بين سلف الأمة وخلفها في عدم الحرج على المضي بترك الأكل من أضحيته اللهم إلا ما ورد عن ابن حزم- ومحل
стр. 958
كونه للوجوب حيث لا قرينة تصرفه عن حقيقته
٦ - وقد استدل بإطلاق الحديث "أطعموا" على أنه لا تقييد في القدر الذي يجزئ من الإطعام والجمهور على أن التصدق من الأضحية سنة وقال بعض العلماء يجب التصدق منها وهو الصحيح عند الشافعية والواجب مقدار ما يصدق عليه اسم اللحم ولو قليلا بشرط أن يكون نيئا وألا يكون قديدا
هذا ومن البدع المنكرة خضب الاكف بدماء الأضاحي أو غيرها وتلطيخ الأبواب والجدران بها
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - جواز الاستفسار والمراجعة فيما أشكل من الأحكام
٢ - جواز الأكل والطعام والادخار من الأضحية
٣ - أنه يجوز للحاكم أن يلزم لمحكومين بغير الواجب عليهم لمصلحة المجتمع.
стр. 959
كتاب الأشربة
٣٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن"
-[المعنى العام]-
يحذر الرسول ﷺ من انتهاك حرمات الله وارتكاب الكبائر وينذر فاعلها بانسلاخه عن وصف المدح الذي يسمى به أولياؤه المؤمنون فيقول لا يزني الزاني حين يزني وهو كامل الإيمان ولا يشرب الخمر شاربها وهو متصف بهذا الوصف الحميد ولا يسرق السارق حين يسرق وعنده شيء من الحياء من الله ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم فيها حين ينتهيها وهو مؤمن فبئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون
-[المباحث العربية]-
(لا يزني الزاني) وفي رواية "لا يزني" بدون كلمة الزاني وبها استدل بها ابن مالك على جواز حذف الفاعل والراجح أن الفاعل ضمير مستتر لا محذوف يعود على مفهوم من المقام أي الرجل أو المؤمن أو الزاني لا يزني وهل الجملة خبرية لفظا ومعنى أو خبرية لفظا إنشائية معنى الظاهر الأول
стр. 960
(وهو مؤمن) الجملة في محل النصب على الحال
(ولا يشرب الخمر) اختلف أهل اللغة في اشتقاق اسم الخمر على ألفاظ قريبة المعاني فقيل
سميت خمرا لأنها تخمر العقل أي تغطيه ومنه خمار المرأة لأنه يغطي رأسها وقيل مشتقة من المخامرة بمعنى المخالطة لأنها لتخالط العقل وقيل لأنها تركت حتى أدركت كما يقال خمر العجين أي بلغ إدراكه وهي مؤنثة كما قال أبو حنيفة وحكى الفراء جواز تذكيرها وفي مدلولها الشرعي خلاف بين الفقهاء فمذهب أبي حنيفة أن الخمر هي ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد وغيره لا يسمى خمرا إلا في حالة السكر بخلاف ماء العنب فإنه خمر سواء أسكر أو لم يسكر وأطلق مالك والشافعي وأحمد وعامة أهل الحديث الخمر على كل مسكر لحديث "كل مسكر خمر وكل مسكر حرام" ولقول ابن عمر على المنبر دون معارض
"أما بعد نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والخمر ما خمر العقل" أهـ وحديث ابن عمر هذا لم يحصر الخمر في الخمسة إذ عمم بعد ذكرها بقوله "والخمر ما خامر العقل"
-[فقه الحديث]-
ظاهر الحديث إن الإيمان منفي عن مرتكبي هذه الكبائر وبه تعلق الخوارج فكفروا مرتكب الكبيرة عامدا عالما بالتحريم ولما كان هذا الظاهر معارضا بأحاديث أخرى صحيحة كالذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال "أتاني جبريل ﵇ فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة" قال أبو ذر قلت وإن زنى وإن سرق قال رسول الله وإن زنى وإن سرق قلت وإن زنى وإن سرق قال "وإن زنى أو سرق" ثم قال في الرابعة "على رغم أنف أبي ذر" لما كان هذا التعارض أول أهل السنة حديث الباب بعدة تأويلات
стр. 961
منها أن المراد بالإيمان المنفي الإيمان الكامل فلفظ وهو مؤمن مراد منه وهو كامل الإيمان
ومنها أن المراد بالإيمان الحياء فقد ورد "الحياء شعبة من الإيمان" من إطلاق الكل وإرادة الجزء أو إطلاق الملزوم وإرادة اللازم والمعنى لا يزني الزاني حين يزني وهو مستحي إذ لو استحيا من الله تعالى حق الحياء واعتقد أنه حاضر مشاهد لحاله لم يرتكب هذا الفعل الشنيع
ومنها أنه من باب التغليظ والتهديد العظيم يعني أن هذه الخصال ليست من أفعال المؤمنين لأنها منافية لحالهم فلا ينبغي أن يتصفوا بها بل هي من صفات الكافرين كقوله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ أي ومن تشبه بالكفار فلم يحج
ومنها إن فاعل ذلك يئول أمره إلى ذهاب الإيمان ويؤيده ما رواه ابن حبان مرفوعا "إن الخمر لا تجتمع هي والإيمان إلا وأوشك أحدهما أن يخرج صاحبه"
ومنها إن المراد من فعل ذلك مستحلا له أي لا يزني الزاني مستحلا زناه حين يزني وهو مؤمن
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - إن الزنا والخمر والسرقة من الكبائر
٢ - التنفير والزجر عن ارتكاب المعاصي والآثام.
стр. 962
كتاب المرضى
٣٣ - عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه"
-[المعنى العام]-
لما نزل قوله تعالى ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقال لقد أنزلت على آية هي لأمتي خير من الدنيا وما فيها ثم قرأها قال إن العبد إذا أذنب ذنبا فتصيبه شدة أو بلاء في الدنيا من تعب أو مرض أو هم أو حزن أو غم وإن قل حتى الشوكة الصغيرة تصيبه في قدمه فإن الله يحط بها عنه من خطاياه ويكتب له بها حسنات ويرفع له بها درجات
-[المباحث العربية]-
(ما يصيب المسلم من نصب) قال الراغب أصل أصاب يستعمل في الخير والشر قال تعالى ﴿إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا﴾ الآية وقيل الإصابة في الخير مأخوذة من الصوب وهو المطر الذي ينزل بقدر الحاجة من غير ضرر وفي الشر مأخوذ من إصابة السهم قال الكرماني المصيبة في اللغة ما ينزل بالإنسان مطلقا وفي
стр. 963
العرف ما نزل به من مكروه خاصة وهو المراد هنا والنصب هو التعب وزنا ومعنى و"من" قبله زائدة
(ولا وصب) أي مطلق مرض أو مرض ملازم
(ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم) الهم المكروه يلحق الإنسان بحسب ما يقصده والحزن بفتحتين أو بضم وسكون هو ما يلحقه بسبب حصول مكروه في الماضي وهما من أمراض الباطن والأذى ما يلحقه من تعدي الغير عليه والغم كما قال الكرماني يشمل جميع المكروهات لأنه إما بسبب ما يعرض للبدن أو النفس والأول إما بحيث أن يخرج الجسم عن المجرى الطبيعي فهو المرض وأما بحيث أن لا يخرجه فإن لوحظ فيه الغير فهو الأذى وإن لم يلاحظ وظهر فيه الانقباض والاغتمام بسبب ما يقصد مستقبلا فهو الغم أو في الماضي فهو الهم والحزن فذكر الغم ذكر عام بعد خاص
(حتى الشوكة) يجوز فيه الحركات الثلاث فالجر على معنى الغاية أي إلى الشوكة أو للعطف على لفظ (نصب) والرفع للعطف على محل (نصب) لأنه فاعل (يصيب) و (من) زائدة والنصب بتقدير عامل أي حتى وجدانه الشوكة
(يشاكها) بضم أوله أي يشوكه بها غيره وفيه وصل الفعل بالضمير بعد حذف حرف الجر لأن الأصل يشاك بها وفي معنى ذلك ما لو دخلت من غير إدخال والجملة في محل النصب على الحال
(إلا كفر الله بها من خطاياه) من تبعيضية وكفر من التكفير وهو التغطية والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال فالجملة في محل النصب على الحال والتقدير ما يصيب المسلم غم في حال من الأحوال إلا في حال تكفير خطاياه أي إنما يصيب المسلم هذه الأمور مكفرة خطاياه والقصر قصر إضافي من قصر الموصوف على الصفة
стр. 964
-[فقه الحديث]-
قال ابن بطال إن المسلم يجازى على بعض خطاياه في الدنيا بالمصائب التي تقع له فيها فتكون كفارة لها وظاهر الحديث أن الثواب على نفس المصيبة بشرط ألا تقترن بالسخط وعليه الجمهور وقيل إن الثواب والعقاب على الكسب والمصائب ليست منه بل الأجر على الصبر عليها والرضا بها ورد بأن ذلك قدر زائد يمكن الثواب عليه زيادة على ثواب المصيبة ومن المعلوم أن الناس عند البلاء درجات فمنهم من يسلم الأمر ومنهم من يبتغي به وجه الله ويقصد الأجر ومنهم من يتلذذ بالبلاء راضيا عن الفعال لما يشاء وأما الساخطون فليسوا من الله في شيء ويؤخذ من الحديث حصول الثواب للمصاب وتخفيف العقاب عنه.
٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع من حيث أتتها الريح كفأتها فإذا اعتدلت تكفأ بالبلاء والفاجر كالأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء"
стр. 965
-[المعنى العام]-
يشبه الرسول ﷺ المؤمن من حيث كثرة ابتلاء الله له في دنياه ومن حيث إطاعته لربه وصبره على المصائب ورضاه بها واحتسابها بالنبتة الصغيرة اللينة التي تشتد عليها الريح فتقلبها مرة وتميلها أخرى ولا تكاد تعتدل حتى تهب عليها الريح من جانب آخر فتقلبها إلى الجهة الأخرى وهكذا المؤمن كلما اختبره الله برزء انطاع له ولان ورجا منه الخير فإذا سكن عنه البلاء اعتدل قائما بالشكر لربه أما الكافر الفاجر فمثله مثل شجرة ضخمة صلبة غير جوفاء لا تعصف بها الريح ولا تتأثر بالعوارض حتى إذا شاء الله لها الهلاك قصمها قصما وكسرها كسرا وهكذا الفاجر لا يتفقده الله باختبار بل يعافيه في دنياه ويمهله ويملى له ويجعل له التيسير في المال والصحة والأولاد وبهجة الحياة الدنيا حتى إذا أخذه لم يفلته وإن أخذ ربك لشديد
-[المباحث العربية]-
(مثل المؤمن) المثل هو الصفة العجيبة الشأن
(كمثل الخامة من الزرع) الخامة هي أول ما ينبت من الزرع على ساق واحدة غضا طريا و (من الزرع) متعلق بمحذوف صفة للخامة لأن تعريفها للجنس أو حال منها
(من حيث أتتها الريح كفأتها) أي أمالتها والجار والمجرور متعلق بكفأتها أي تميلها الريح من أي جانب وصلت إليها والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب سيقت لبيان وجه الشبه
(فإذا اعتدلت تكفأ بالبلاء) تكفأ أصله تتكفأ وحذفت إحدى التاءين وأصل الكلام فإذا اعتدلت الخامة تكفأت بالريح أي تقلبت فعبر عن الريح بالبلاء لأنها بلاء بالنسبة إلى الخامة أو أراد بالبلاء ما يضر بالخامة وقال الكرماني لما شبه المؤمن بالخامة أثبت للمشبه به ما هو من خواص المشبه
стр. 966
وهو البلاء وقال الحافظ ابن حجر يحتمل أن يكون جواب الشرط محذوفا والضمير في اعتدلت يعود على الريح والتقدير فإذا اعتدلت الريح استقامت الخامة ويكون قوله بعد ذلك (تكفأ بالبلاء) فوجه الشبه قبول العوارض التي تخرج الشيء عن اعتداله قهرا
(والفاجر كالأرزة) بفتح الهمزة وسكون الراء شجرة الصنوبر وهي مشهورة بالطول والغلظ وهي شعار جمهورية لبنان
(صماء) صلبة مكتنزة شديدة ليست بجوفاء ولا خوارة وفي (صماء معتدلة) النصب على الحال أو الرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف
(حتى يقصمها الله) من القصم وهو الكسر عن إبانة بخلاف الفصم بالفاء فإنه كسر بدون إبانة ووجه الشبه بين الفاجر والأرزة قلة العوارض التي تخرج الشيء عن اعتداله حتى يأتيه الهلاك دفعة واحدة
-[فقه الحديث]-
يرمي الحديث إلى غرس الصبر في قلب المؤمن عند البلاء وبعث له على الرضا بالقضاء فإن الله تعالى يخص أولياءه بشدة الأوجاع والمصائب والآلام لما خصهم به من قوة اليقين وشدة الصبر والاحتساب ليكمل لهم ثواب طاعاتهم ويكفر عنهم سيئاتهم فليست المصائب والفقر والأحزان التي تصيب المؤمن ليست لهوانه على الله وإنما ليدخر له النعيم المقيم فالبلاء في مقابلة النعمة فمن كانت نعمة الله عليه أكثر كان بلاؤه أشد حتى قال ﵊ "إن من أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم" وفي رواية "ثم الأمثل فالأمثل" فالجدير بالمؤمن أن يشكر الله على الضراء كما يشكره على السراء قال المهلب والمؤمنون أمام البلايا على أقسام منهم من ينظر إلى أجر البلاء فيهون عليه ومنهم من يرى أن هذا تصرف المالك في ملكه فيسلم ولا يعترض ومنهم من تشغله المحبة عن طلب رفع البلاء وهذا أرفع من سابقه ومنهم من يتلذذ به وهذا أرفع الأقسام
стр. 967
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - أن نعم الدنيا وآلامها ليست علامة على رضا الله وسخطه
٢ - الحث على الصبر على الشدائد وتحملها بشجاعة ورضا
٣ - الحث على شكر الله على البلاء كشكره على السراء حيث إنه من قبيل لطف الله بالمؤمن.
٣٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله تعالى قال إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة" يريد عينيه
-[المعنى العام]-
دخل أعمى على أنس بن مالك ﵁ فأدناه منه ثم قال له متى ذهب بصرك قال وأنا صغير قال أنس ألا أبشرك قال الرجل بلى قال أنس سمعت النبي ﷺ يقول إن الله تعالى يقول في الحديث القدسي إذا سلبت من عبدي كريمتيه وابتليته بفقد عينيه حبيبتيه -وهو
стр. 968
بهما ضنين- فصبر عند الصدمة واحتسب لم أرض له ثوابا إلا الجنة فسر الأعمى ذلك وشكر الله
-[المباحث العربية]-
(ابتليت عبدي) المراد من العبد المؤمن بدلالة المقام كقوله تعالى ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ وقوله ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا﴾
(بحبيبتيه) فعلية بمعنى مفعولة أي بمحبوبتيه وقد فسرهما البخاري في آخر الحديث بقوله يريد عينيه قال الحافظ لم يصرح بالذي فسرهما وعزا الشرقاوي تفسيرهما إلى أنس وإنما وصف العينين بهذا الوصف لأنهما أحب أعضاء الإنسان إليه لما يحصل له بفقدهما من الأسف على فوات رؤية ما يريد من خير فيسر به أو شر فيجتنبه
-[فقه الحديث]-
إنما اختار الله هذا النوع من الابتلاء ورتب عليه هذا الجزاء لأنه أشد الأنواع بعد فقدان الدين فقد روي "ما ابتلي عبد بعد ذهاب دينه بأشد من ذهاب بصره ومن ابتلي ببصره فصبر حتى يلقى الله لقي الله تعالى ولا حساب عليه" فإذا صبر العبد على أكبر المصائب كان على ما دونها أكثر صبرا وقد قيد الحديث الجزاء على فقد هذه النعمة بالصبر لأن الأعمال بالنيات فإن لم يستحضر ما وعد الله تعالى به الصابرين من الثواب وأظهر الجزع والضجر فلا ثواب له ويكون شأنه كالبعير يعقله أهله ثم يرسلونه فلا يدري لم عقل ولم أرسل وقد جاء في رواية أخرى للبخاري "إذا أخذت كريمتيك فصبرت عند الصدمة واحتسبت" إلخ فهي تشير إلى أن الصبر النافع هو ما يكون في أول وقوع البلاء فيفوض ويسلم وإلا فمتى ضجر وقلق في أول وهلة ثم يئس فصبر فلا يحصل له الوعد المذكور وفي الحديث إشارة إلى أن ابتلاء الله لعبده في الدنيا ليس من سخطه عليه ولا لهوان شأنه بل إما لدفع مكروه أو لتكفير ذنوب أو لرفع
стр. 969
منزلة فإذا ما تلقى ذلك بالرضاء تم له المراد ولذا جعل العوض الجنة وهي أعظم العوض لأن الالتذاذ بالبصر يفنى بفناء الدنيا والالتذاذ بالجنة باق ببقائها.
٣٦ - عن عائشة ﵂ أنها قالت عائشة وارأساه فقال رسول الله ﷺ "ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك فقالت عائشة واثكلياه والله إني لأظنك تحب موتي ولو كان ذاك لظللت آخر يومك معرسا ببعض أزواجك فقال النبي ﷺ بل أنا وارأساه لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون ثم قلت يأبى الله ويدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون"
-[المعنى العام]-
رجع رسول الله ﷺ من جنازة من البقيع فوجد عائشة تمسك برأسها من صداع وهي تقول وارأساه كأني سأموت من هذا الألم فقال ﷺ ما يضرك شيء لو مت قبلي فأكفنك وأصلي عليك وأدفنك واستغفر لك وأدعو لك وفهمت عائشة بدافع الغيرة أن الرسول يحب موتها قبله فقالت والله إني بعد كلامك هذا لأظن أنك تتعجل موتي وأتصور أنك ترجع من دفني
стр. 970
إلى بيتي متزوجا بغيري وتنساني في نفس اليوم فتبسم رسول الله ﷺ وقال دعي ما تحسين من ألم واشتغلي بي فإنك -يعلم الله- لن تموتي في هذه الأيام أما أنا فموتي قريب قربا جعلني أفكر في خليفتي فهممت أن أرسل إلى أبي بكر لأعهد إليه بالخلافة خشية أن يتقاتل عليها المسلمون ويطمع فيها المتمنون ولكني رجعت فيما هممت به وقلت لا داعي لهذا العهد فإن الله قضى لأبي بكر بالخلافة وسيرد المسلمون من يتقدم لها غيره عهدت أو لم أعهد فآثرت أن يختار المسلمون خليفتهم ليؤجروا
-[المباحث العربية]-
(وارأساه) وا -حرف ندبة رأس مندوب يعطي حكم المنادى فهو منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة والألف للندبة والهاء للسكت والمعنى أتوجع من الصداع في رأسي قال الطيبي ندبت رأسها وأشارت إلى الموت
(ذاك) ذا اسم إشارة والكاف مكسورة حرف خطاب للمؤنث والإشارة إلى ما يستلزمه المرض من الموت والإشارة مبتدأ والجملة بعده خبره
(لو كان) قيل "لو" للتمني فلا جواب لها وقيل للشرط والجواب محذوف التقدير لو كان وأنا حي لم يكن عليك بأس ويرشد إلى ذلك رواية "ما ضرك لو مت قبلي" وكان تامة وفاعلها ضمير يعود على اسم الإشارة
(وأنا حي) جملة في محل النصب على الحال وقعت بين الشرط والجزاء على جعل "لو" شرطية
(فاستغفر لك وأدعو) حمل بعضهم الاستغفار والدعاء على صلاة الجنازة من إطلاق الجزء وإرادة الكل تفسيرا له برواية "لو مت قبلي فكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك"
стр. 971
(واثكلياه) إعرابه كإعراب (وارأساه) والثكل بضم الثاء فقدان المرأة ولدها أو الموت والهلاك وليست حقيقته مرادة هنا بل هو كلام يجري على ألسنتهم عند وقوع المصيبة أو قوقعها أو خوف مكروه فالمعنى وا مصيبتاه
(والله إني لأظنك تحب موتي) كأنها أخذت ذلك من قوله لها (لو كان وأنا حي)
(ولو كان ذاك) أي ولو حصل موتي
(لظللت آخر يومك) أي الذي أموت فيه
(معرسا) بتشديد الراء المكسورة من عرس بامرأته إذا بنى بها أو غشيها وروي بتخفيف الراء من أعرس
(بل أنا وارأساه) إضراب عما قالته أي دعي ما تجدينه من وجع رأسك واشتغلي بي فإنك تعيشين بعدي علم ذلك بالوحي
(لقد هممت أو أردت) أو للشك
(وأعهد) المعمول محذوف والتقدير وأعهد إليه بالخلافة أي أوصي له بها
(أن يقول القائلون) في الكلام مضاف محذوف هو مفعول لأجله والعامل فيه (هممت) والتقدير هممت بالإرسال إلى أبي بكر والعهد إليه بالخلافة خشية أن يطمع الناس فيها بعد وفاتي ومقول القول محذوف أي يقول القائلون الخلافة لفلان
(أو يتمنى المتمنون) بضم النون وأصله المتمنيون على وزن المتطهرون فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت فاجتمع ساكنان الياء والواو فحذفت الياء وضمت النون لمناسبة الواو ومفعول "يتمنى" محذوف أي يتمنى المتمنون الخلافة
(ثم قلت) معطوف على "هممت" فالقائل الرسول يحكي لعائشة أنه هم بكذا ثم رجع عما هم به وقال في نفسه إلخ
стр. 972
(يأبى الله) إلا خلافة أبي بكر عهدت إليه أو لم أعهد
(ويدفع المؤمنون) خلافة غيره اعتمادا على استخلافي له في الصلاة
(أو يدفع الله) خلافة غيره
(ويأبى المؤمنون) إلا خلافته أو للشك من الراوي في أي العبارتين صدرت عن الرسول
-[فقه الحديث]-
ذكر البخاري هذا الحديث تحت عنوان "باب قول المريض وارأساه" واستدل به على الترخيص للمريض بأن يقول ذلك دون كراهة وأشار بذلك إلى الرد على من كره أنين المريض وتأوهه والتحقيق في الموضوع أن المذموم من ذلك ذكره للناس تضجرا أو تسخطا وأما من أخبر به إخوانه ليدعوا له بالشفاء والعافية أو كان أنينه وتأوهه للاستراحة فليس ذلك من قبيل الشكوى المذمومة وسبب تراجع الرسول عما هم به من العهد لأبي بكر بالخلافة مع أن هذا العهد كان قاطعا للنزاع إنه علم بطريق الوحي حصول الخلافة لأبي بكر وتشريعا لمبدأ المشورة بينهم وترغيبا في جعل الخلافة عن طريق الانتخاب لا عن طريق التعيين وليحصل المسلمون أجر اجتهادهم واختيارهم لمن يعهد بالخلافة وترك الأمر لهم وإنما عين أبو بكر عمر ﵄ لضرورة قصوى فقد كان المسلمون في حروب يؤثر فيها أدنى خلاف على أن الشبهة في هذا التعيين منفية تمام الانتفاء فلم يعين أبو بكر ابنه ولا أحد من أقربائه بل اختار مرضيا عنه من جميع المسلمين وإنما ذكر الرسول ابن الصديق معه في العهد بالخلافة ولم يكن له دخل لأن المقام مقام استمالة قلب عائشة أي كما إن الأمر يفوض إلى أبيك كذلك الائتمار في ذلك بحضور أخيك وأقاربك هم أهل أمري وأهل مشورتي ويروي الحديث بلفظ "لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر أو آتيه" من الإتيان بمعنى المجيء فلا ذكر لابن أبي بكر وعليه فلا إشكال
стр. 973
-[ويؤخذ من الحديث: فوق ما تقدم]-
١ - ما طبعت عليه المرأة من الغيرة
٢ - ومداعبة الرجل أهله
٣ - والإفضاء إليهم بما يخفيه عن غيرهم
٤ - وأن ذكر الوجع ليس من الشكاية
٥ - وأن الميت لا ينفع الحي ولا يكون واسطة بينه وبين الله بالدعاء والاستغفار وإلا لما علق النبي استغفاره ودعاءه لعائشة على كونه حيا.
стр. 974
٣٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال قال النبي صلى الله عليه "لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه فإن كان لا بد فاعلا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي"
-[المعنى العام]-
إنما يقدم على الموت بالانتحار من فقد دينه وعقله ورجولته وشجاعته وإنما ينهار أمام شدائد الحياة من اتصف بالجبن والخور وضعف العزيمة وفساد التفكير والمؤمن ينبغي أن يكون أرفع من هذا العمل القبيح المزري بالإنسانية بل لا يليق به أن يتمنى الموت لضر أصابه مهما عظم فإن كان في شدة لا ينفس عنه إلا طلب الموت فليقل اللهم مد لي في حياتي ما دامت الحياة خيرا لي من الوفاة واقبضني إليك ما كانت الوفاة خيرا لي من الحياة
-[المباحث العربية]-
(لا يتمنين أحدكم) الخطاب للصحابة وينسحب الحكم على من بعدهم من المسلمين ولا ناهية والفعل مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم وفي رواية "لا يتمنى" بإثبات الياء فلا نافية والفعل مرفوع خبر في معنى النهي وهو أبلغ من النهي الصريح لأنه قدر فيه أن المنهي قد امتثل وأن المنهي عنه قد نفي فأخبر عنه وفي رواية "لا يتمن" بحذف الياء ومن غير توكيد
(لضر أصابه) المراد من الضر ما يشمل المرض وغيره من أنواع الضر وجملة "أصابه" في محل الجر صفة لضر
(فإن كان -لا بد- فاعلا) فاعلا خبر كان واسمها يعود على المصاب المفهوم من الكلام السابق و"لا" نافية للجنس و"بد" اسمها والخبر محذوف والجملة معترضة بين كان وخبرها والتقدير فإن كان متمنيا الموت لا غنى عن التمني موجود فليقل إلخ
стр. 975
(ما كانت الحياة) ظرفية مصدرية أي مدة كون الحياة خيرا لي
(إذا كانت الوفاة) عبر في جانب الحياة بقوله "ما كانت" لأنها حاصلة فحسن أن يأتي بالصيغة المقتضية للاتصاف بالحياة ولما كانت الوفاة لم تقع بعد حسن أن يأتي بصيغة الشرط "إذا كانت"
-[فقه الحديث]-
ظاهر الحديث يتعارض مع قول الرسول ﷺ "اللهم اغفر لي وارحمني والحقني بالرفيق الأعلى" ومع تمني عمر بن الخطاب الموت إذ قال اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط وأجيب بأن الرسول ﷺ إنما سأل ما قارن الموت وبأنه إنما دعا بذلك بعد أن علم أنه ميت في يومه ذلك ورأى الملائكة المبشرين له عن ربه بالسرور الكامل ولهذا قال لفاطمة ﵂ لا كرب على أبيك بعد اليوم فكان ذلك خيرا له من كونه في الدنيا وبأن عمر خشي فتنة في دينه والنهي في الحديث عن التمني خاص بخوف ضرر دنيوي فلا يتوجه إلى من خاف ضررا أخرويا بقي أنه نهى عن تمني الموت في أول الحديث وأمر به في آخره بقوله "فليقل وتوفني" وأجيب بأن النهي وارد على التمني المطلق والإجابة واردة على التمني المقيد بما إذا كان الموت خيرا ففي الأول نوع اعتراض ومراغمة للقدر المحتوم وفي الثاني نوع تفويض وتسليم للقضاء والأمر في قوله "فليل" أمر بعد حظر فلا يبقى على حقيقته من الوجوب أو الاستحباب وإنما هو للإذن والإباحة
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - محافظة الإسلام على الأرواح
٢ - وحرصه على حياة الإنسان
٣ - ونهيه عن تمني الموت فضلا عن الإقدام عليه بالانتحار
٤ - ودعوته إلى التسليم والرضا بالقضاء
стр. 976
٥ - والصبر على الضراء.
٣٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "لن يدخل أحدا عمله الجنة" قالوا ولا أنت يا رسول الله قال "لا ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة فسددوا وقاربوا ولا يتمنين أحدكم الموت إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا وإما مسيئا فلعله أن يستعتب"
-[المعنى العام]-
حرصا على عدم اغترار المسلمين بطاعاتهم وعباداتهم وبعثا للخوف والرجاء في نفوسهم قال ﷺ لأصحابه ليس منكم أحد ينجيه عمله من النار وليس منكم أحد يدخله عمله الجنة قال رجل منهم ولا أنت ينجيك عملك ويدخلك الجنة يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتداركني الله منه برحمة وفضل فليس العمل إلا سببا عاديا لجلب رضا الله المؤدي
стр. 977
إلى الجنة فلا تغتروا به ولا تتكلوا على الفضل والرحمة ولكن اقصدوا في أعمالكم السداد والصواب وقاربوا بينكم وبين رضا الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه ولا يتمن أحد منكم الموت رجاء التعجل بدخول الجنة والفوز برحمة الله لأنه إن كان محسنا ومطيعا بأنه يرجى له أن يزداد طاعة فيزداد رضا ورحمة وإن كان مسيئا عاصيا فإنه يرجى له أن يرجع إلى ربه ويتوب إليه ويرد المظالم ويتدارك ما فاته من الطاعات
-[المباحث العربية]-
(لن يدخل أحدا عمله الجنة) المضارع مبني للمعلوم وأحدا مفعوله الأول مقدم والجنة مفعوله الثاني وعمله فاعله آخر لاشتماله على ضمير يعود على المفعول
(ولا أنت) أنت مبتدأ والخبر محذوف والجملة على تقدير همزة الاستفهام معطوفة على محذوف أي لا يدخل أحدا عمله الجنة ولا أنت يدخلك عملك الجنة
(ولا أنا) الخبر محذوف أيضا والجملة معطوفة على محذوف أي لن يدخل أحدا عمله الجنة ولا أنا يدخلني عملي الجنة
(إلا أن يتغمدني الله بفضل) يقال تغمده الله برحمته أي غمره بها كالغمد للسيف ففيه استعارة تبعية حيث شبه غشيان الرحمة على الإنسان بغشيان الغمد على السيف بجامع الوقاية في كل ثم استعير المشبه به للمشبه إلخ والباء للملابسة والاستثناء منقطع أو متصل من عموم الأحوال والتقدير ولا أنا يدخلني عملي الجنة في حال من الأحوال إلا في حال تغمد فضل الله لي
(فسددوا وقاربوا) أي اطلبوا السداد وهو الصواب وهو ما بين الإفراط والتفريط أي فلا تغلو ولا تقصروا واعملوا به فإن عجزتم عنه فقاربوا منه ويروى "وقربوا" أي قربوا غيركم إليه وقيل معنى سددوا اجعلوا أعمالكم مستقيمة ومعنى قاربوا اطلبوا قربة الله وجاء في
стр. 978
رواية "ولكن سددوا" وفائدة الاستدراك هنا إنه قد يفهم من النفي المذكور نفي فائدة العمل فكأنه قيل بل للعمل فائدة وهي أنه علامة على الرحمة التي تدخل العامل الجنة فسددوا وقاربوا والفاء فصيحة في جواب شرط مقدر أي إذا علمتم ذلك فسددوا
(ولا يتمنين) ضبطه العيني بنون التوكيد الخفيفة فالفعل معها مبني على الفتح في محل جزم بلا الناهية وروي "لا يتمن أحدكم" وأصله يتمنى حذفت الياء للجزم بلا الناهية وروي "لا يتمنى" بإثبات الياء فهو نهي في صورة الخبر ولا نافية
(إما محسنا) خبر لكان المحذوفة مع اسمها والتقدير إما يكون محسنا والجملة تعليل للنهي عن تمني الموت
(فلعله أن يزداد خيرا) لعل للرجاء المجرد عن التعليل ودخلت أن على خبرها وخيرا مفعول "يزداد"
(أن يستعتب) من الاستعتاب وهو طلب زوال العتب أو من العتبى وهي الرضا
-[فقه الحديث]-
ظاهر قوله ﷺ "لن يدخل أحدا عمله الجنة" يتعارض مع قوله تعالى ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ وقوله ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ وقد جمع بين الحديث والآيات بعدة وجوه
منها أن العمل لا يوجب دخول الجنة بل الدخول بمحض فضل الله تعالى والعمل سبب عادي ظاهر إذ العمل مهما عظم ثمن ضئيل بالنسبة لدخول الجنة فمثل هذه المقابلة كمثل من يبيع قصورا شاهقة ومتاعا واسعا بدرهم واحد فإقبال البائع على هذه المبادلة ليس للمساواة بين المبيع والثمن بل لتفضله على المشتري ورحمته به فمن رحمة الله بعبادة المؤمنين أن جعل بعض أعمالهم الفانية وأموالهم الزائلة ثمنا لنعيم لا يبلى ويؤيده
стр. 979
قول ابن عباس لما قرأ قوله تعالى ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ نعمت الصفقة أنفس هو خالقها وأموال هو رازقها ثم يمنحنا عليها الجنة حقا نعمت الصفقة الرابحة على أنه تعالى هو المتفضل في الحقيقة بالثمن جميعا وهو الموفق للعمل والمعين عليه فلا جرم أن يكون دخول الجنة بفضله ورحمته وهذا الوجه أحسن الوجوه
ومنها أن أصل دخول الجنة بالفضل وعليه يحمل الحديث وأن المنازل والدرجات بالعمل وعليه تحمل الآيات
ومنها أن الفوز بالجنة ونعيمها إنما هو بالفضل والعمل جميعا فقوله تعالى ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ أي مع فضل الله ورحمته وقوله ﷺ "لن يدخل أحدا عمله الجنة" أي مجردا عن فضل الله تعالى فالآية لم تذكر الفضل لئلا يتكلوا والحديث اقتصر عليه لئلا يغتروا وإنما خص الرسول نفسه بذكر التغمد بالفضل ولم يقل إلا أن يتغمدنا الله لأن تغمد الله له بالرحمة مقطوع به ولأنه إذا كان دخوله ﷺ موقوفا على فضل الله فغيره بالطريق الأولى واستشكل تعليل النهي عن تمني الموت بازدياد الخير إن كان محسنا استشكل هذا بأنه قد يعمل السيئات فيزيده طول عمره شرا وأجيب بأن الخطاب للمؤمن الكامل الساعي في ازدياد ما يثاب عليه قال الحافظ ابن حجر وفيه بعد وقيل إن المؤمن بصدد أن يعمل ما يكفر ذنوبه إما من اجتناب الكبائر وإما من حسنات آخر قد تقاوم بتضعيفها سيئاته وما دام الإيمان باقيا فالحسنات بصدد التضعيف والسيئات بصدد التكفير وخير ما قيل في هذا الإشكال أن الحديث خرج مخرج تحسين الظن بالله وأن المحسن يرجو من الله الزيادة بأن يوفقه إلى المزيد من عمله الصالح وأن المسيء لا ينبغي له القنوط من رحمة الله ولا قطع رجائه يدل على ذلك التعبير بلفظ "لعل" المشعر بالوقوع غالبا لا جزما
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - أن عمل الإنسان مهما بلغ لا يقابل دخول الجنة
стр. 980
٢ - إرشاد المسلم إلى سلوك الطريق الوسط في العبادة من غير إفراط ولا تفريط
٣ - النهي عن تمني الموت فضلا عن الإقدام عليه
٤ - الرد على المعتزلة القائلين بأن الطاعة سبب الثواب موجبة له والمعصية سبب العقاب موجبة له بناء على قاعدتهم في الحسن والقبح العقليين
٥ - إن قصر العمر قد يكون خيرا للمؤمن.
стр. 981
كتاب الطب
الطب علاج الجسم والنفس والطبيب هو الحاذق في كل شيء وخصه العرف بالمعالج والطب نوعان طب القلوب ومعالجتها بما جاء به النبي ﷺ عن الله تعالى وطب الأبدان وهو المراد هنا وبعضه جاء عن النبي ﷺ وأكثره عن طريق التجربة
٣٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر وفر من المجذوم كما تفر من الأسد"
-[المعنى العام]-
كما بعث ﷺ لإنقاذ البشرية من الشرك بعث أيضا لإنقاذها من الجهالات والأوهام فحارب ما كان شائعا من أن ربط الأسباب بالمسببات أمر طبيعي فأصلح عقائدهم وأرشدهم إلى ما ينبغي لله من الكمال والتفويض فقال "لا عدوى" تؤثر بذاتها بل انتقال الداء من مريض إلى صحيح موقوف على إرادة الله ومشيئته ومع هذا ينبغي ألا يقلل من شأن الأسباب العادية فلا يوردن ذو إبل مريضة إبله على إبل صحيحة ويكلم أحدكم المجذوم وبينه وبينه قدر رمح أو رمحين ثم ضم إلى هذا إصلاحا آخر فأبطل ما كان فاشيا في ذلك الوقت من اعتقادهم وجود أشياء لا حقيقة لها مما يضر بتفكيرهم ويخل بنظام معيشتهم فقال ولا تأثير للتشاؤم
стр. 982
بالطير ولا وجود لطائر ينادي بالثأر ولا لحية في البطن تنهش عند الجوع فكل هذه الأمور جهالات مردها ضيق التفكير ولا نتيجة لها إلا تنغيص حياة الإنسان وحمله على العيش في عزلة وفي سجن من الخرافات والأوهام
-[المباحث العربية]-
(لا عدوى) لا نافية للجنس وخبرها محذوف والعدوى هي انتقال المرض من جسم إلى جسم وتطلق على انتقال الخلق من شخص إلى آخر
(ولا طيرة) على وزن عنبة من تطير بمعنى تشاءم بالطير
(ولا هامة) بتشديد الميم وتخفيفها وهي الرأس واسم طائر والمعنى الأخير هو المراد في الحديث وسيأتي بيانه
(ولا صفر) اسم للشهر المعروف واسم لحية عظيمة توهمتها العرب في بطن الإنسان قال الطيبي دخلت لا التي لنفي الجنس على المذكورات فنفت ذواتها وهي غير منفية فيتوجه النفي إلى أوصافها وأحوالها فالمنفي ما زعمت الجاهلية إثباته مما يخالف الشرع ونفي الذوات لإرادة نفي الصفات أبلغ لأنه من باب الكناية
(وفر من المجذوم) الذي أصابه الجذام وهو مرض ينتهي بتآكل الأعضاء وسقوطها عن تقرح
(كما تفر من الأسد) ما مصدرية والكاف اسم بمعنى مثل صفة لمصدر محذوف أي فرارا كفرارك من الأسد
-[فقه الحديث]-
تتلخص نقاط الحديث في:
١ - العدوى من حيث الجمع بين الأحاديث المثبتة والنافية لها وتحقيق المقام في الموضوع
стр. 983
٢ - والطيرة وكيفيتها وحكمها وحكم أشباهها
٣ - وصفر
٤ - وأمور أخرى ورد نفيها في بعض الروايات
٥ - والفرار من المجذوم
وهذا هو التفصيل
١ - يتعارض أول الحديث مع آخره فأوله ينفي العدوى وآخره يأمر بالفرار من المجذوم كما يتعارض نفي العدوى مع قوله ﷺ "لا يوردن ممرض على مصح" ومع أحاديث أخرى تثبت العدوى وأجيب عن هذا التعارض بأن إثبات العدوى في المجذوم ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى فيكون المعنى لا عدوى إلا من الجذام والجرب والبرص والطاعون وما يظهر من الأمراض المعدية
وقيل الأمر بالفرار لرعاية خاطر المجذوم ونحوه لأنه إذا رأى صحيح البدن سليما من الآفة التي به عظمت مصيبته وحسرته على ما ابتلي به ونسي سائر ما أنعم الله تعالى به عليه فيكون قرب الصحيح منه سببا لزيادة محنة أخيه المسلم وبلائه
وقيل لا عدوى أصلا والأمر بالفرار إنما هو لحسم المادة وسد الذريعة لجواز حدوث شيء من ذلك للمخالط فيظن أنه بسبب المخالطة فيثبت العدوى التي نفاها الرسول وهذا الرأي والذي قبله بعيدان عن الصواب لما علم من ثبوت العدوى ثبوتا لا يقبل الإنكار والتحقيق في المقام أن بعض الأمراض تنتقل من جسم إلى جسم بواسطة جراثيم تسمى "ميكروبات" وهي كائنات حية صغيرة جدا ولكل مرض ميكروب خاص به قد ينتقل إلى جسم السليم فيقبله فيكثر فيه وتظهر عوارض المرض عليه بإذن الله تعالى وقد ينتقل إلى جسم السليم ولا يقبله بل يدفعه أن تلتهمه الكرات الدموية البيضاء لقوتها في ذلك الجسم فتعدمه أولا فأولا فلا تظهر عوارض المرض وينجو بتقدير الله تعالى وكم من حذر وقع في
стр. 984
شرك هذه الأمراض وكم من مخالط للمرضى نجا من خطرها وذلك لنعلم أن أهم شروط العدوى إرادة الله فالأمراض المعدية من الأسباب الظاهرية التي لا تأثير لها بطبعها في إحداث المرض فإنه قد يتخلف مع حصول المخالطة كما يشاهد كثيرا ولو كان مؤثرا بطبعه لما تخلف المرض في بعض الوقائع وكانت العرب في جاهليتها الأولى تعتقد أن التأثير بالذات للأمراض المعدية متى وجدت المخالطة فنفى ﷺ أن تكون العدوى أثرا للمخالطة بذاتها فقال "لا عدوى" أي مسببة عن مرض المخالطة بطبعه وذاته بل بتأثير الله تعالى فالنفي ليس منصبا على ذات العدوى بل على وصفها
أما الطيرة فقد كانت العرب تعتقد أن من أراد البدء في عمل أو الشروع في سفر فإنه يحسن به أن يتوثق أولا من نجاحه أو إخفاقه بأن يزجر الطير الذي يلاقيه فإن انصرف إلى جهة اليمين تفاءل وشرع في عمله وإن انصرف إلى غيرها تشاءم ورجع عن عمله فنفى ﷺ شرعة التطير ليعلم أنه ليس لذلك العمل تأثير في جلب نفع أو دفع ضر ومثل الطير كل ما يتشاءم منه فيحول دون المضي في أمر كان يعتزم المضي فيه أما التفاؤل فقد رخص فيه لأنه لا يعطل المصالح
٢ - وأما الهامة فقد كانوا يعتقدون أن روح القتيل الذي لا يؤخذ بثأره تصير طائرا يطير بالليل ويصيح قائلا اسقوني من دم قاتلي ولا تزال هكذا حتى يثأر له فتستقر في مكانها -وهذا- فضلا عن أنه خيال لا أصل له -فيه إغراء بسفك الدماء وإثارة الفتن وإلهاب لحمية الجاهلية ومحاربة لما جاء به الدين وقيل إن المراد بالهامة البومة كانت إذا سقطت على دار أحدهم رأى أنها ناعية إليه نفسه أو بعض أهله والأول أولى لدخول الثاني في التطير
٣ - وأما صفر فقد كان العرب يتشاءمون من دخول هذا الشهر ويتوهمون فيه كثرة الدواهي لوقوعه بعد الأشهر الحرم فكانوا لا يعقدون فيه زواجا ولا يشرعون في عمل جديد ولا ينشئون سفرا لتجارة ولا لغيرها
стр. 985
وفي ذلك تعطيل للمصالح وإخلال بنظام الحياة وقيل المراد من صفر المنفي ما كانت العرب تعتقده من أن منشأ الألم الذي يشعر به الجائع هو وجود حية عظيمة في بطنه تنهش من أحشائه وأضلاعه فأبان لهم ﷺ أن هذا خرف لا يليق بالعاقل ولا مانع من إرادة الأمرين معا حيث كانا معروفين عند العرب
٤ - وقد زاد مسلم "ولا غول" وكانت العرب تعتقد أن الغيلان في الفلوات تتراءى للناس وتتلون لهم وتتشكل بأشكال مختلفة لتخيفهم وتضلهم عن الطريق فتهلكهم وزاد النسائي "ولا تولة" بكسر التاء وفتح الواو وهي ما كان يزعمه العرب من كل ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره كالخرزة التي تحملها المرأة لذلك
٥ - بقي إشكال ناشئ من أمره ﷺ بالفرار من المجذوم مع أنه روي عنه أنه أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة ثم قال "كل باسم الله وثقة بالله وتوكلا عليه" وأجيب بأن حديث الأخذ بيد المجذوم رواه أبو داود فلا يقاوم حديث الباب والمعارضة لا تكون إلا مع التساوي والأولى أن يقال أن الرسول أراد الرد على ما كانت الجاهلية تعتقده فأبطله بالأكل معه ليثبت أن الفاعل الحقيقي هو الله ونهاهم عن الدنو منه ليبين أن هذا من الأسباب التي أجرى الله العادة بأنها تفضي إلى مسبباتها ففي نهيه إثبات الأسباب وفي فعله إشارة إلى عدم استقلالها
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - إبطال المعتقدات الفاسدة بوجود أشياء لا حقيقة لها
٢ - نفي ترتب الآثار والنتائج على الأمور الخيالية.
следующие страницы →