← Тафсир

Тафсир · id 14114

البرهان في علوم القرآن للإمام الحوفي - سورة يوسف

الحوفي

Полный текст (397 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قولُهُ : ﴿الر﴾ قد تقدم القول فيه (١)، روي عن ابن عباس أنه

стр. 107

قال: (أنا أرى) (١). وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣) إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ ﴿تِلْكَ﴾ رفع على إضمار مبتدأ أي: هذه الآيات (٢)، تلك الآيات التي وعدتم بها (٣)، والفرق بين هذه وتلك: أن هذه لما تدانى وتلك لما تراخى (٤)، والإشارة بـ ﴿تِلْكَ﴾ إلى ما تقدم من ذكر

стр. 108

السورة في ﴿الر﴾ (١) كأنه قيل: سورة يوسف تلك آيات الكتاب المبين, وعلى هذا: تكون تلك آيات الكتاب المبين, جملة مفسرة لألف لام راء هذه الآيات، تلك الآيات, وقيل: إلى ما يأتي من ذكرها على التوقع لها، آيات الكتاب خبر ﴿تِلْكَ﴾ , و ﴿الْكِتَابِ﴾ خفض بإضافة ﴿آَيَاتُ﴾ إليه, و ﴿المُبِينِ﴾ نعت لـ ﴿الْكِتَابِ﴾ (٢)، و ﴿الْمُبِينِ﴾ بمعنى المبيّن, ﴿قُرْآَنًا﴾ نصب بـ ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ , والهاء عائدة على ﴿الْكِتَابِ﴾ , ويجوز أن تكون عائدة على خبر يوسف, وهو الأشبه بالمعنى, لأن اليهود سألوا عن خبر يوسف و ﴿قُرْآَنًا﴾ نصب على الحال (٣) أي: مجموعا (٤) , و ﴿عَرَبِيًّا﴾ نعت لـ ﴿قُرْآَنًا﴾ , ﴿نَحْنُ﴾ مبتدأ (٥)، وهي علامة المضمر المرفوع, يخبر بها الجبار عن نفسه, والجماعة وهي مبنية, وضمتها لالتقاء الساكنين, واختيرت الضمة لأن من علامة المجموع

стр. 109

الواو, والضمة من الواو (١)، وقيل الأصل: نحن, نقلت ضمة الحاء إلى النون (٢) , ﴿نَقُصُّ﴾ خبر ﴿نَحْنُ﴾ , ﴿عليك﴾ متعلق بـ ﴿نَقُصُّ﴾، ﴿أَحْسَنَ الْقَصَص﴾ مصدر, تقديره: قصصا أحسن القصص (٣)، ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ , ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿نَقُصُّ﴾ , وما بمعنى الذي, وإن شئت جعلتها وأوحينا بمعنى المصدر أي: بوحينا, ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق بـ ﴿أَوْحَيْنَا﴾ , ﴿هَذَا الْقُرْآَنَ﴾ , ﴿هَذَا﴾ نصب بـ ﴿أوْحَيْنَا﴾ , و ﴿الْقُرْآَنَ﴾ نعت لـ ﴿هَذَا﴾ (٤)، ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِين﴾ , ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما, على تقدير: وإن كنت من قبله إلا غافلا (٥) , ويجوز أن تكون إن

стр. 110

شرطا (١) أي: إن كنت من الغافلين عن قصة يوسف وإخوته (٢)، حتى أتيناك بها ودللناك عليها, ولم تكن تهتدي لها, ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾ , ﴿إِذْ﴾ ظرف العامل فيه اذكر, ويجوز أن يكون العامل ﴿نَقُصُّ﴾ أي: نقص عليك, ﴿إِذْ قَالَ﴾ ﴿لِأَبِيهِ﴾ متعلق بـ ... ﴿قَالَ﴾ , ﴿يَا أَبَتِ﴾ (٣) بكسر التاء على تقدير: ياء النفس (٤)، وحذفها: للِاجْتِزَاءِ بالكسرة منها (٥)، وإدخال تاء التأنيث على الأب فإنما تدخل في النداء لا غير لأنه موضع تعبير, كما سمي المذكر بالمؤنث, كعين ونفس, يراد بها الرجل وكما قالوا: غلام يَفَعةٌ ورجل يَفَعةٌ (٦) , ومن قال يا أبتَ بالفتح: قلب الياء ألفا وحذفها وبقي الفتحة دالة عليها, والوقف في الكلام بالهاء، وهي في المصحف بالتاء, ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ , ﴿إِنِّي﴾ مستأنف، و ﴿أَحَدَ عَشَرَ﴾ في موضع نصب بـ ﴿رَأَيْتُ﴾ , إلا أنه مبني (٧)، و ﴿كَوْكَبًا﴾

стр. 111

نصب على التمييز (١) , ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ نصب الشمس والقمر بإضمار فعل دل عليه, ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ ليعطف ما عمل فيه الفعل ما عمل فيه الفعل (٢) , والتقدير: ورأيت الشمس والقمر رأيتهم, وكنى عن الشمس والقمر بالهاء والميم وكذا بالياء والنون في ساجدين فإنما ذلك للخبر عنهم بفعل من يعقل, إذ السجود لا يكون إلا ممن يعقل (٣) , والهاء والميم مفعول أول, و ﴿سَاجِدِينَ﴾ مفعول ثانٍ, ﴿لِي﴾ متعلق بـ ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ , وإن شئت جعلته متعلقا بـ ﴿سَاجِدِينَ﴾ وعليه المعنى (٤). القولُ في القراءةِ: قرأ ابن عامر (٥): "ياأبتَ" بفتح التاء في جميع القرآن, الباقون: بكسرها في جميع القرآن (٦) ﴿يَا أَبَتِ﴾ فمن فتح: فعلى قلب ياء النفس ألفا وحذفها لدلالة الفتحة عليها, ومن كسر: فعلى إرادة

стр. 112

الياء وحذفها والِاجْتِزَاءِ بالكسرة منها (١) , واختلف في الوقف, وابن عامر يقف بالهاء وروي عن ابن كثير (٢)، والباقون: بالتاء, وقياس من كسر أن يقف بالتاء, لأن الياء مقدرة, وكذا من قدر حذف الألف, وإن الفتحة في التاء ليس على تقدير حذف الألف، وإنما هي على تقدير الإفخام (٣) كما هي في يا طلحة, وقف بالهاء ووجه دخول الهاء في ﴿يَا أَبَتِ﴾ كأنه العوض من حذف الياء إذ حذفها يكثر في النداء. القولُ في المعنى والتفسيرِ: المعنى والله أعلم: ﴿تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (٤) حلاله وحرامه, ورشده وهداه (٥).

стр. 113

قاله مجاهد (١) وقتادة (٢) , وقال معاذ (٣): بيّن الحروف التي سقطت عن السر للأعاجم, وهي ستة أحرف (٤) والأولى والله أعلم، المبين لمن تلاه وتدبر ما فيه من حلاله، وحرامه، وسائر ما حواه من صنوف

стр. 114

معانيه (١) , لأن الله أخبر أنه مبين، ولم يخبر بإِبَانَته عن بعض ما فيه دون جميعه (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي: أنزلنا هذا الكتاب المبين ﴿قرآناً عربياً﴾ على العرب, لأن لسانهم وكلامهم عربي, فأنزل الكتاب بلسانهم ليعقلوه ويفهموا ما فيه (٣)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (٤)، وذلك قوله: ﴿لعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عليك أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (٦) , يقول لنبيه محمد- ﷺ : نحن نقص عليك يا محمد أحسن القصص بوحينا إليك هذا القرآن فنخبرك فيه عن الأخبار

стр. 115

الماضية, وأنباء الأمم السالفة, والكتب التي أنزلناها في العصور الخالية. وإن كنت من قبل أن نوحيه إليك لمن الغافلين عن ذلك لا تعلمه (١)، وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله-صلى الله عليه- لمسألة أصحابه، أن يقص عليهم (٢). وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ , يقول تعالى: وإن كنت يا محمد لمن الغافلين عن نبأ يوسف بن يعقوب بن إسحاق إذ قال لأبيه يعقوب: إني رأيت أحد عشر كوكبا, وقيل: إن رؤيا الأنبياء كانت وحيا (٣)، وروى جابر بن عبد الله (٤) قال: إن النبي صلى الله

стр. 116

عليه وسلم جاءه رجل من يهود يقال له بستان اليهودي فقال له: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رأها يوسف أنها ساجدة له, ما أسماؤها؟ قال: فسكت رسول الله- ﷺ فلم يجبه بشيء, ونزل عليه جبريل فأخبره بأسمائها, قال: فبعث رسول الله إليه فقال: هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟ قال: نعم, فقال: خزنان, وَالطَّارِق, وَالذَّيَّال، وَذُو الكتفات, وَقَابِس, وَوَثَّاب وَعَمُودَيان, وَالْفَلِيق, وَالْمُصْبَح, وَالضَّرُوح, وَذو الْفَرْع, وَالضِّيَاء, وَالنُّور, فقال اليهودي: أي والله إنها

стр. 117

لأسماؤها (١). ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ﴾ في منامي لي سجودا (٢)، ولمّا خبَّر عنها بفعل من يعقل أجرى ضميرها ضمير من يعقل, فقال: ﴿سَاجِدِينَ﴾ ولم يقل ساجدات (٣). ومثل ذلك قوله: ﴿يَا

стр. 118

أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ (١) ولم يقل ادخلن مساكنكن. وقوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ , وقال: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ , فكرر الفعل, فإنما ذلك على التوكيد, كما يقول: كلّمت زيدا كلّمته وقيل: إن الكواكب الأحد عشر (٢): كانت إخوته, والشمس والقمر أبويه (٣) , وقيل: أبوه

стр. 119

وخالته (١)، روي عن ابن عباس. وقد تضمنت الآيات البيان عما توجبه الحكمة من الإنابة مما يؤدي إلى المعرفة بما فيه من الفائدة, والبيان عما يوجبه جعل القرآن عربيا عن التمكين لفهم معانيه بما يقتضيه العقل فيه, والبيان عما يوجبه الحكم في أخبار الأولين, من طلب القصص بأنبائهم لما في ذلك من العبرة بأحوالهم، والتأدب بما جرى من شأنهم, والبيان بتقديم البشارة بما فيه النعمة، والعبرة بما يأتي من موافقة المخبر في الرؤيا: من سجود الإخوة له على ما بينا في الحال الأولى. القولُ في الوقفِ والتمامِ: ﴿الْكِتَابِ الْمُبِين﴾ تمام (٢)، وكذا ﴿تَعْقِلُونَ﴾ , و ﴿الْغَافِلِينَ﴾ ليس بتمام (٣) في إن دخلت "إذ" في الصلة أي: ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ذلك الوقت, والتمام ﴿سَاجِدِينَ﴾.

стр. 120

وقولُهُ جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦) لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾ ﴿يَا بُنَيَّ﴾ (١)، نداء مضاف, وهو تصغير ابن, وحذفت الياء منها للِاجْتِزَاءِ بالكسرة عنها, ومن فتح الياء فتحها على أصلها، لأن أصلها الفتح، أعني ياء النفس، لأنه لما احتيج إلى حركتها إذ لا يكون اسم على حرف واحد ساكن، فاختيرت الفتحة لخفتها مع نقل الياء (٢)، ويراد بالتصغير مع

стр. 121

عظم شأنه، أنه صغير لا إرادة التحقير (١)، ﴿رُؤْيَاكَ﴾ نصب بـ ﴿تَقْصُصْ﴾ ﴿عَلَى إِخْوَتِكَ﴾، متعلق بـ ﴿تَقْصُصْ﴾ (٢)، ﴿فَيَكِيدُوا﴾ , الفاء جواب النهي، فلذا نصب بها ﴿فَيَكِيدُوا﴾ وحذفت النون علامة النصب, ﴿لَكَ﴾ متعلق بـ يكيدوا, ﴿كَيْدًا﴾ مصدر (٣)، ﴿إنَّ الشَّيْطَانَ﴾ مستأنف فلذا كسرت ﴿إِنَّ﴾، ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ متعلق بـ ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ , ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ , الكاف متعلقة بما دل عليه المعنى, فهي منصوبة (٤)، والمعنى: كما أعطاك الرؤيا, كذلك يعطيك الاجتباء, وهو مشتق من جبيتُ الشيء إذا حصلته لنفسك, ومنه جبيت الماء في الحوض (٥)، ﴿ويُعَلِّمُكَ﴾ معطوف على ﴿يجْتَبِيكَ﴾ , ﴿مِنْ تَاوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ , ﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ ﴿يُعَلِّمُكَ﴾ , ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عليك﴾ , ﴿عليكَ﴾ متعلق بـ ﴿يُتِمُّ﴾ , ﴿وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ﴾ معطوف على ﴿عليك﴾ ,

стр. 122

﴿كَمَا أَتَمَّهَا﴾ , الكاف للتشبيه في موضع نصب نعت لمصدر محذوف, أي: إتماما (١)، ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ﴾ متعلق بـ ﴿أَتَمَّهَا﴾ , وكذا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ , و ﴿قَبْلُ﴾ غاية (٢)، ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ بدلا من ﴿أَبَوَيْكَ﴾ (٣)، ولم ينصرفا للعجمة والتعريف, ﴿لَقَدْ﴾ لام توكيد, ﴿آَيَاتٌ﴾ اسم ﴿كَانَ﴾ , و ﴿فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ الخبر متعلق بمعنى الاستقرار (٤)، "السَّائِلِينَ" متعلق بـ ﴿آَيَاتٌ﴾ لأن معناهن العبرة (٥)، وتقرأ آية, ويكون معناها الجنس, ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ﴾ , ﴿إِذْ﴾ ظرف العامل فيه ما تعلقت به اللام من المعنى, ﴿لَيُوسُفُ﴾ اللام لام توكيد, ويوسف رفع بالابتداء, و ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا﴾ الخبر (٦)، وحرفا الجر يتعلقان بـ ﴿أَحَبُّ﴾ , ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ ابتداء وخبر, ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ اللام توكيد، و"في" متعلقة بمعنى الاستقرار, و ﴿مُبِينٍ﴾ نعت لـ ﴿ضَلَالٍ﴾. القول في القراءة

стр. 123

قرأ حفص (١) ﴿يَا بُنَيَّ﴾ بفتح الياء, وقرأ الباقون: بكسرها (٢)، فمن فتح: جعلها ياء النفس, ومن كسر: حذفها, وجعل الكسر دالة عليها, وقرأ ابن كثير: ﴿آيَةٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ على الإفراد, والباقون على الجمع (٣)، فالجمع: لمعنى عبر, لأن أمر يوسف وحديثه كان فيه عبر, ويشهد لذلك, كتبها في الشواذ بالتاء، والإفراد على عبرة تنوب عن عبر, ويشهد للتوحيد قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾. القولُ في المعنى والتفسيرِ: المعنى والله أعلم: قال يعقوب ليوسف لا تقصص رؤياك هذه على إخوتك فيحسدوك فَيَبْغُوك الْغَوَائِل, وَيُنَاصِبُوك الْعَدَاوَة، وَيُطِيعُوا فِيك الشَّيْطَان, إن الشيطان لآدم وبنيه عدو قد بان لهم عداوته, فاحذر الشيطان أن يغوي إخوتك بالحسد منهم لك إن أنت قصصت عليهم رؤياك, وإنما قال

стр. 124

يعقوب ذلك لأنه قد كان تبين من إخوته له قبل ذلك حسدا (١). وقولُهُ تعالي: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ , يقول تعالي مخبرا عن قول يعقوب لابنه يوسف, هكذا كما أراك ربك الكواكب, والشمس والقمر سجودا, فكذلك يصطفيك ربك (٢)، ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَاوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ قال: عبارة الرؤيا, وهو معنى قول ابن زيد (٣)، ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عليك﴾ بِاجْتِبَائِهِ إِيَّاكَ وَاخْتِيَاره وَتَعليمه إِيَّاكَ تَاوِيل الْأَحَادِيث (٤) , وهو ما يؤول إليه المعنى من فقه الحديث الذي هو حكمه, ﴿وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ﴾ أي: على أهل دين يعقوب وملته وذريته وغيرهم (٥)، والآل يجمع القرابة والعشيرة, ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ باتخاذه إبراهيم خليلا, وَتَنْجِيَته مِنَ النَّار، وَفَدْيِهِ إسحاق بِذِبْحٍ عَظِيم (٦) هذا نحو ما روي عن عكرمة (٧)، ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بمواضع الفضل، ومن هو أهل للاجتباء والنعمة, ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره خلقه (٨).

стр. 125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 126

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 127

وقولُهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ أي: لقد كان في يوسف وإخوته عبر للسائلين (١) عن أخبارهم وقصصهم, وإنما أراد تعالى بذلك نبيه محمداً- ﷺ , وذلك أنه يقال: إن الله إنما أنزل هذه السورة على نبيه يعلمه ما لقيَ يوسف من إخوته من الحسد, مع مكرمة الله إياه تسلية له بذلك, مما لقى مِنْ إِذَايَته وَأَقَارِبه مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْش (٢). وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ أي: لقد كان في يوسف وإخوته آيات لمن سأل عن نبأهم, حين قال إخوة يوسف: ليوسف وأخوه من أمه ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ , ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: جماعة (٣)، وهي جمع (٤) لا واحد له من لفظه, والعصبة: من عشرة إلى خمسة عشر رجلا, ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي﴾ خطأ من فعله وإيثاره يوسف وأخاه من أمه علينا بالمحبة, ويعني بالمبين: أنه خطأ بيّن (٥) عن نفسه إنه خطأ لمن تأمله ونظر إليه. وقد تضمنت الآيات: البيان عما يوجبه الحسد من كتمان صاحبه حال النعمة ما أنكر لئلا يحمله على ما لا يجوز, ويزين له ما لا يحسن, والبيان عما يوجبه إخلاص الطاعة لله جل وعز, من اجتباء المطيع وتعليم التأويل, وإتمام النعمة عليه وعلى آله ممن يمسه أمره, والبيان عما توجبه العبرة من طلب إخبار من تقدم مما فيه

стр. 128

الاعتبار لمن اعتبر, والبصيرة لمن فكّر كما كان في يوسف وإخوته من المعتبر, والبيان عما يوجبه ظهور التفضيل بالمحبة من الحسد على تلك المنزلة كما كان في أمر يوسف مع إخوته. القولُ في الوقفِ والتمامِ: ﴿كَيْدًا﴾ كاف (١)، وكذلك ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ , ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ تمام (٢) عند نافع (٣) وعند غيره, ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ , ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ كاف (٤)، وفي ﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ كاف أيضا. وقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠) قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾ ﴿اقْتُلُوا﴾، أمر ﴿يُوسُفَ﴾ نصب بـ ﴿اقْتُلُوا﴾ , و ﴿اطْرَحُوهُ﴾ عطف عليه, والهاء مفعول، ﴿أَرْضًا﴾ مفعول ثان على حذف حرف الجر (٥)، ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾، ﴿وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾

стр. 129

رفع بـ ﴿يَخْلُ﴾ , ﴿وَتَكُونُوا﴾ عطف على ﴿يَخْلُ﴾ فلذلك حذفت منه النون (١)، ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ متعلق بمعنى الاستقرار، و ﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ خبر ﴿وَتَكُونُوا﴾ , ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿قَائِلٌ﴾، ﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ متعلق بـ ﴿أَلْقُوهُ﴾ , ﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ جواب الأمر (٢) الذي هو و"أَلْقُوهُ"، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعلينَ﴾ ﴿إِنْ﴾ حرف شرط (٣) ﴿كُنْتُمْ﴾ مشروط به وجوابه ما تقدم ﴿مَا لَكَ﴾ ﴿مَا﴾ استفهام، اسمٌ تام في موضع رفع بالابتداء ﴿لَكَ﴾ الخبر متعلق بالاستقراروالتقدير: أي شئ لك ﴿لَا تَامَنَّا﴾ في موضع الحال (٤)، والنون والألف في موضع نصب مفعول تأمن, والأصل تأمنا (٥) النون من تأمن ونون الضمير, فالتقى حرفان من جنس واحد فوجب الإدغام فرفعت لسانك بهما رفعة واحدة, فصار حرفاً واحداً مشدداً أوله ساكن (٦)، وثانيه مفتوح, وجمهور القراء على الإشمام، للإعلام بأن النون من تأمن: كانت مرفوعة, ووجه ذلك: أنك تشير إلى الضمة من غير صريت (٧) بفعل ذلك, مع لفظك بالنون

стр. 130

المدغمة وهو شئ يحتاج إلى- (١) ﴿عَلَى يُوسُفَ﴾ متعلق بـ ﴿تَامَنَّا﴾ ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ناصحون ﴿مَعَنَا﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسِلْهُ﴾ وكذا ﴿غَدًا﴾ ويقال: لم بني أمس وأعرب ﴿غَدًا﴾ الجواب, لأن أمس مضمر بالألف واللام, و"غد" ليس كذلك, وكان أمس أحق بالضمير, لأنه على معهود، لأنه قد مضى وعلم, ولهذا تم أمس وتقصر غداً لنقصان "غد" في معناه، بأنه لم يكن بعد وتم أمس لأنه قد وجد وعلم, ﴿يَرْتَعْ﴾ جواب للأمر مجزوم, ﴿وَيَلْعَبْ﴾ عطف عليه, والأصل نرتعي, حذفت الياء للجزم (٢)، لأن الجازم إذا لم يضاف حركة, وأضاف (٣) حرفا مقام الحركة حذف, كما تحذف الحركة, وأصل الرتع: التوسع بالملاذ في الجهات يقال: رتع فلان في ماله إذا أنفقه في شهواته, قال القطامي (٤): أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي ... وَبَعْدَ عطائك المائة الرِّتَاعَا (٥)

стр. 131

﴿لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ , ﴿أَنْ﴾ وما عملت فيه في موضع رفع (١) بـ يحزنني, ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَذْهَبُوا﴾ , ﴿وَأَخَافُ﴾ مستأنف, ﴿أَنْ يَاكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ , ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿أَخَافُ﴾ (٢)، ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ , ﴿عَنْهُ﴾ متعلق بـ ﴿غَافِلُونَ﴾، ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ , "إن" التي للشرط, دخلت عليها لام القسم (٣)، ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ ابتداء وخبر في موضع حال, أي: وهذه حالنا في الاجتماع (٤)، ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ , "إذن"جواب لا عمل لها (٥) في هذا الموضع لتوسطها. القولُ في القراءةِ: قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ بالنون فيهما, الباقون: بالياء فيهما, وكلهم جزم العين, إلا أهل الحرمين: فإنهم كسراهما (٦) , فمن قرأ بالنون: فعلى الإخبار عن جماعتهم, وشاهده: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ , ومن قرأ بالياء: فعلى الإخبار عن يوسف, لأنهم أرادوا ماله في الخروج من الفائدة, ولم يريدوا ما لهم في ظاهر الأمر, ومن جزم العين: أراد الرتعة وهي السعة في الخصب, يقال: فلان راتع, أي: مُخْصِب, ومن كسر العين: أراد ترتعي من الرعي يقال: رعى وارتعى بمعنى, ثم حذف الياء وبقي الكسرة, و ﴿الذِّيبُ﴾ ترك همزه الكسائي وورش

стр. 132

واليزيدي عن أبي عمرو, وإذا خفف الهمزة آثر الإدغام, والباقون: بالهمزة, وكذلك أبو عمرو إذا حقق الهمزة، فالهمز على أنه مشتق من تذائب الريح إذا جاءت, من كل جانب، مشبّه بالريح بسرعته وخفته, وترك الهمز على التخفيف, واختلف في كسر التنوين وضمه من ﴿مُبِينٍ اقْتُلُوا﴾ في الوصل, فقرأ أهل الحرمين والكسائي (١): بالضم, والباقون بالكسر (٢) , فمن كسر: أتبع الكسر الكسر, ومن ضم: أتبع الضم الضم, لأن الهمزة إذا ابتدأت: كانت مضمومة بضم ثالث الفعل, لأنه من قتل يقتل فكُره الكسرُ ثم الضمُ بعدها. القولُ في المعنى والتفسيرِ: المعنى - والله أعلم -: قال إخوة يوسف بعضهم لبعض: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ﴾ مكانا من الأرض, ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ , ﴿مِنْ﴾ متعلّقه بيوسف, فإنه

стр. 133

قد شغله عنا وصرف وجهه عنا إليه (١)، ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ يعنون أنهم يتوبون من قتلهم يوسف, فيكونون بتوبتهم من قتله بعد هلاك يوسف قوما صالحين (٢)، واختلف في من قال منهم ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فقال معمر (٣) وابن إسحاق (٤): هو رويبل كان أكبر القوم (٥)، وروي عن مجاهد: أنه شمعون, وقيل: هو يهودا وكان من أشدهم, وقال الضحاك (٦): هو الذي قال: ﴿فَلَنْ

стр. 134

أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَاذَنَ لِي أَبِي﴾ وقيل الجب: بئر ببيت المقدس (١)، وقال: ابن عباس: بئر بالشام (٢)،والجب: البئر التي لم تطوَ سميت (٣) بذلك: لأنها قطعت قطعا، ومنها المجبوب قال الأعشى (٤): لئن كنتَ فِي جُبّ ثَمانِينَ قامةً ... ورُقّيتَ أسبابَ السماء بسلّمِ (٥) وغيابة الجب قعره, وغيابة كل شئ: ما غاب عنك (٦)، و ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أي: يأخذه بعض مارة الطريق من المسافرين، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ أي: ﴿فَاعِلِينَ﴾ ما أقول لكم, قال ابن عباس: التقطه بعض الأعراب (٧). وقوله تعالى: ﴿يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَامَنَّا﴾ أي: قال إخوة يوسف إذ تآمروا بينهم وأجمعوا على الفرقة بينه وبين والده يعقوب لوالدهم يعقوب: ﴿يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَامَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ فتتركه معنا ونحن له ناصحون نَحُوطهُ وَنَكْلَؤُهُ (٨).

стр. 135

وقوله تعالى: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ (١) أي: "يفتعل" (٢) من الرعي أي يرعى الإبل, أي: أرسله معنا يلهو وينعم وينشط في الصحراء (٣)، ونحن حافظوه من أن يناله سوء أو شيء تكرهه أو يؤذيه (٤) , من قرأ بالياء: كان الإخبار عن يوسف, ومن قرأ بالنون: كان الإخبار عنهم وعنه, ومن جزم العين من يرتع: كان من الخصب, ومن كسر العين: كان من الرعي (٥). وقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ قال يعقوب لهم إني ليحزنني أن تذهبوا به معكم إلى الصحراء مخافة عليه من الذئب أن يأكله, وأنتم عنه غافلون لا تشعرون (٦) به. ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: قال إخوة يوسف لوالدهم يعقوب: لئن أكل يوسف الذئب (٧) في

стр. 136

الصحراء ونحن أحد عشر رجلا معه نحفظه, وهم العصبة, أي: الجماعة, إنا إذاً لعجزة بما نكون (١)،والخسران: إتلاف النفس, كما أن أعظم الربح سلامتها. وقد تضمنت الآيات: البيان عما يوجبه الحسد من حملان النفس على عظيم الأمور من قبل المحسود, أو تعريضه للقتل"الإلقاء في المهالك" (٢) كما كانت حال يوسف مع إخوته, والبيان عما يوجبه الوقوف بين شرّين لا بد من أحدهما من اختيار أنقصهما شرّا, كما أشار هذا القائل إذا رأى أنه لا بد من أحدهما, والبيان عما يوجب الحيلة من التلطف في المسألة ليتم الأمر الذي قُصد له عما فعل إخوة يوسف حين سألوا أباهم إرساله معهم, والبيان عما يوجبه حال من طلب اللهو واللعب من غير مراعاة واجب، ولا جائز, والبيان عما يوجبه شدة الإشفاق من الحزن عند الفراق مع سوء الظن بحوادث الزمان، وعوارض الآفات, والبيان عما يوجبه اغتصاب نفيس ما في يدي الإنسان من كونه في حكم الخاسر بالعجز، والتحسر على الخسران، وما لحق من النقصان. القولُ في الوقفِ والتمامِ: ﴿صَالِحِينَ﴾ تمام (٣) , وكذا ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعلانَ﴾ (٤) , وكذا ﴿لَحَافِظُونَ﴾ (٥)، وكذا ﴿غَافِلُونَ﴾ (٦)، وكذا ﴿لَخَاسِرُونَ﴾ (٧). وقولُهُ :

стр. 137

﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨) وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾ ﴿فَلَمَّا﴾ الفاء جواب ما أخبر به عنهم, ولما ظرف مضاف إلى ﴿ذَهَبُوا﴾ (١)، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿ذَهَبُوا﴾ , ﴿وَأَجْمَعُوا﴾ عطف على ﴿ذَهَبُوا﴾ , ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾ , ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب على حذف الخافض, ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ , ﴿فِي﴾ متعلقه بـ ﴿يَجْعَلُوهُ﴾ , ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ , ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَوْحَيْنَا﴾ , ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ لام قسم مؤكد بالنون الشديدة (٢)، ﴿بِأَمْرِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ , ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ابتداء وخبر في موضع الحال (٣)، أي: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ وهم غير عالمين (٤)، وجواب لما محذوف (٥)،

стр. 138

تقديره: عظمت فتنتهم أو كبر ما قصدوا له (١)، وقيل الجواب: أجمعوا (٢) , والواو زائدة مؤكدة (٣)، كما

стр. 139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 141

قال امرؤ القيس (١): فَلَمَّا أجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وانْتَحَى ... بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي قِفاف (٢) عَقَنْقَل المعنى: فلما أجزتك أحد الحي تنحى بنا, والوجه أن يكون الجواب محذوفا, لكن لا يزيد حرف في كتاب الله لا معنى له (٣)، ﴿وَجَاءُوا﴾ فعل وضمير فَاعِلِينَ, ﴿أَبَاهُمْ﴾ نصب بـ جاءوا وعلامة

стр. 142

النصب: ثبات الألف, ﴿عِشَاءً﴾ ظرف العامل فيه جاءوا ﴿يَبْكُونَ﴾ فعل مستقبل في موضع الحال (١)، أو جاءوا باكين, ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ , ﴿نَسْتَبِقُ﴾ فعل مستقبل في موضع الحال, أي: ذهبنا مستبقين, ﴿عِنْدَ﴾ ظرف العامل فيه تركنا, ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ الفاء جواب ما أخبروا به, ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ ما حرف نفي, و ﴿أَنْتَ﴾ اسم ما, و ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ الخبر متعلق بما يضمنه المعنى, و ﴿لَنَا﴾ متعلق ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ , ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ اسم كان الألف والنون, وخبرها ﴿صَادِقِينَ﴾ , ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ﴾ , ﴿عَلَى﴾ متعلقه بـ ﴿جَاءُوا﴾ , ﴿بِدَمٍ﴾ متعلق أيضا بـ ﴿جَاءُوا﴾ , ﴿كَذِبٍ﴾ نعت لدم, ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿سَوَّلَتْ﴾ , ﴿أَمْرًا﴾ نصب بـ ﴿سَوَّلَتْ﴾ , ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ الفاء جواب فعلهم, وصبر رفع على إضمار مبتدأ أي: فأمري صبر جميل, و ﴿جَمِيلٌ﴾ نعت لصبر, ويجوز أن يكون رفع بالابتداء (٢)، أو الخبر محذوف تقديره: فصبر جميل أولى لي (٣)،

стр. 143

وينشد (١): تشكوا إليَّ جَمَلي طُولَ السُّرَى ... صَبْرٌ جَمِيلٌ، وكِلانَا مُبْتَلَى (٢) ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ابتداء وخبر, و ﴿عَلَى﴾ متعلقة بـ مُسْتَعَانُ, و ﴿مَا﴾ بمعنى الذي, وإن شئت كانت و ﴿تصِفُونَ﴾ مصدرا (٣) , أي: على وصفكم, ﴿سَيَّارَةٌ﴾ رفع بـ جاءت, والفاء جواب مجيئهم, ﴿وَارِدَهُمْ﴾ نصب بـ أرسلوا, ﴿فَأَدْلَى﴾ ﴿دَلْوَهُ﴾ نصب بـ أدلى,

стр. 144

والفاء جواب إرسالهم بتقدير: فأتى، فأدلى، وجمع دلو أَدْلٍ في القليل والكثير دُلي بضم الدال وكسرها (١)، والأصل دلو, وعلى وزن فعول, قلبت لام الفعل ياء, وقلبت الهاء الزائدة, ثم أدغمت الياء في الياء, وفعلت ذلك: لأن الجمع باب لاستثقال الجمع وحرف العلة, ولنفرق بين الواحد والجمع, فمن ضم: فعلى الأصل, ومن كسر: كرِه الكسر بعد الضم استثقالا له ويقال في جمعه أيضا دِلاء (٢) ويقال: أدلى الرجل دلوه إذا أرسلها ليستقي بها يدلها إدلاً, ودلاها يدلوها دلوا إذا مدّها ليخرجها, ﴿يَا بُشْرَى﴾ نداء مضاف, ومنهم من لا يضيف (٣)، فيقول: يا بشرى, ومثله هذا وقد تقدم القول فيه (٤)، ﴿هَذَا غُلَامٌ﴾ ابتداء وخبر, ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ الهاء في ﴿وَأَسَرُّوهُ﴾ راجعة على يوسف, و ﴿بِضَاعَةً﴾ نصب على الحال, أي: مبضوعة, ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا، ويكون أسروه بمعنى جعلوه بضاعة (٥)، ﴿وَاللَّهُ عليمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ابتداء وخبر, و ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿عليمٌ﴾ , وما بمعنى الذي.

стр. 145

القولُ في القراءةِ: قرأ أهل الكوفة: ﴿يَا بُشْرَى﴾ بوقف الياء من غير ألف, الباقون: بفتح الياء وإثبات الألف من غير إمالة (١)، والإمالة لحمزة (٢) والكسائي على أصولهما لأن الألف رابعة, والألف والياء على إضافة بشرى إلى ياء النصب, كمثواي وهداي, والحذف: على نداء البشرى أي أن هذا من آنائك وأوقاتك, ويجوز أن يجعل البشرى اسما, والأول أجود, لأنه غير مصروف المعنى. القولُ في المعنى والتفسيرِ: المعنى والله أعلم: أن في الكلام حذفا, ترك اكتفاء بما ظهر منه, والمعنى: فأرسله معهم (٣)، ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾ أي: وأجمع رأيهم وتحزبوا على أن يجعلوه في غيابة الجب (٤)،
следующие страницы →