قال امرؤ القيس (١):
فَلَمَّا أجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وانْتَحَى ... بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي قِفاف (٢)
عَقَنْقَل
المعنى: فلما أجزتك أحد الحي تنحى بنا, والوجه أن يكون الجواب محذوفا, لكن لا يزيد حرف في كتاب الله لا معنى له (٣)، ﴿وَجَاءُوا﴾ فعل وضمير فَاعِلِينَ, ﴿أَبَاهُمْ﴾ نصب بـ جاءوا وعلامة
стр. 142
النصب: ثبات الألف, ﴿عِشَاءً﴾ ظرف العامل فيه جاءوا ﴿يَبْكُونَ﴾ فعل مستقبل في موضع الحال (١)،
أو جاءوا باكين, ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ , ﴿نَسْتَبِقُ﴾ فعل مستقبل في موضع الحال, أي: ذهبنا مستبقين, ﴿عِنْدَ﴾ ظرف العامل فيه تركنا, ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ الفاء جواب ما أخبروا به, ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ ما حرف نفي, و ﴿أَنْتَ﴾ اسم ما, و ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ الخبر متعلق بما يضمنه المعنى, و ﴿لَنَا﴾ متعلق ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ , ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ اسم كان الألف والنون, وخبرها ﴿صَادِقِينَ﴾ , ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ﴾ , ﴿عَلَى﴾ متعلقه بـ ﴿جَاءُوا﴾ , ﴿بِدَمٍ﴾ متعلق أيضا بـ ﴿جَاءُوا﴾ , ﴿كَذِبٍ﴾ نعت لدم, ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿سَوَّلَتْ﴾ , ﴿أَمْرًا﴾ نصب بـ ﴿سَوَّلَتْ﴾ , ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ الفاء جواب فعلهم, وصبر رفع على إضمار مبتدأ أي: فأمري صبر جميل, و ﴿جَمِيلٌ﴾ نعت لصبر, ويجوز أن يكون رفع بالابتداء (٢)، أو الخبر محذوف تقديره: فصبر جميل أولى لي (٣)،
стр. 143
وينشد (١):
تشكوا إليَّ جَمَلي طُولَ السُّرَى ... صَبْرٌ جَمِيلٌ، وكِلانَا مُبْتَلَى (٢)
﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ابتداء وخبر, و ﴿عَلَى﴾ متعلقة بـ مُسْتَعَانُ, و ﴿مَا﴾ بمعنى الذي, وإن شئت كانت و ﴿تصِفُونَ﴾ مصدرا (٣) , أي: على وصفكم, ﴿سَيَّارَةٌ﴾ رفع بـ جاءت, والفاء جواب مجيئهم, ﴿وَارِدَهُمْ﴾ نصب بـ أرسلوا, ﴿فَأَدْلَى﴾ ﴿دَلْوَهُ﴾ نصب بـ أدلى,
стр. 144
والفاء جواب إرسالهم بتقدير: فأتى، فأدلى، وجمع دلو أَدْلٍ في القليل والكثير دُلي بضم الدال وكسرها (١)، والأصل دلو, وعلى وزن فعول, قلبت لام الفعل ياء, وقلبت الهاء الزائدة, ثم أدغمت الياء في الياء, وفعلت ذلك: لأن الجمع باب لاستثقال الجمع وحرف العلة, ولنفرق بين الواحد والجمع, فمن ضم: فعلى الأصل, ومن كسر: كرِه الكسر بعد الضم استثقالا له ويقال في جمعه أيضا دِلاء (٢) ويقال: أدلى الرجل دلوه إذا أرسلها ليستقي بها يدلها إدلاً, ودلاها يدلوها دلوا إذا مدّها ليخرجها, ﴿يَا بُشْرَى﴾ نداء مضاف, ومنهم من لا يضيف (٣)،
فيقول: يا بشرى, ومثله هذا وقد تقدم القول فيه (٤)، ﴿هَذَا غُلَامٌ﴾ ابتداء وخبر, ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ الهاء في ﴿وَأَسَرُّوهُ﴾ راجعة على يوسف, و ﴿بِضَاعَةً﴾ نصب على الحال, أي: مبضوعة, ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا، ويكون أسروه بمعنى جعلوه بضاعة (٥)، ﴿وَاللَّهُ عليمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ابتداء وخبر, و ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿عليمٌ﴾ , وما بمعنى الذي.
стр. 145
القولُ في القراءةِ:
قرأ أهل الكوفة: ﴿يَا بُشْرَى﴾ بوقف الياء من غير ألف, الباقون: بفتح الياء وإثبات الألف من غير إمالة (١)، والإمالة لحمزة (٢) والكسائي على أصولهما لأن الألف رابعة, والألف والياء على إضافة بشرى إلى ياء النصب, كمثواي وهداي, والحذف: على نداء البشرى أي أن هذا من آنائك وأوقاتك, ويجوز أن يجعل البشرى اسما, والأول أجود, لأنه غير مصروف المعنى.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم: أن في الكلام حذفا, ترك اكتفاء بما ظهر منه, والمعنى: فأرسله معهم (٣)، ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾ أي: وأجمع رأيهم وتحزبوا على أن يجعلوه في غيابة الجب (٤)،
стр. 146
قال السدي (١): فأرسله معهم فأخرجوه وبه عليهم كرامة, فلما برزوا إلى البرية أظهروا له العداوة, وجعل أخوه يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه فجعل لا يرى منهم رحيما فضربوه حتى كادوا يقتلونه, فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه يا يعقوب لو تعلم ما صنع بابنك بَنُو الْإِمَاء, فلما كادوا يقتلونه قال يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقا ألا تقتلوه؟ (٢) فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه فيه, فجعلوا يدلونه في البئر, فيتعلق بشفير البئر فربطوا يديه, ونزعوا قميصه, فقال: يا إخوتاه ردوا علي قميصي لأتوارى به في الجب! فقالوا ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا تؤنسك! قال: إني لم أر شيئا, فدلوه في البئر, حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت. وكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة فيها فقام عليها. قال: فلما ألقوه في البئر، جعل يبكي، فنادوه، فظن أنها رحمة أدركتهم، فلباهم، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه، فقام يهوذا فمنعهم، وقال: قد أعطيتموني موثقا أن لا تقتلوه! وكان يهوذا يأتيه بالطعام (٣).
وقولُهُ: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ الآية قيل: جواب لمّا محذوف, والتقدير: عظمت فتنتهم أو كبر ما قصدوا له, وحذف ذلك للعلم به ودلالة هيئة الخطاب عليه. وقيل: ليس في الكلام حذف, ولكن الواو زائدة (٤)، والتقدير: فلما ذهبوا به أجمعوا أن يجعلوه في
стр. 147
غيابة الجب. وقولُهُ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ أي: أوحينا إلى يوسف لتخبرن أخوتك (١) بفعلهم هذا الذي فعلوه بك, وهم لا يعلمون لا يدرون. واختلف أهل التأويل في المعنى الذي عناه الله بقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ فقال بعضهم: عني بذلك أن الله أوحى إلى يوسف سَيُنَبِّئُ إخوته بفعلهم به ما فعلوه من إلقائه في الجب وبيعهم إياه وسائر ما صنعوا به من صنيعهم (٢)، وإخوته لا يشعرون بوحي الله إليه بذلك (٣)،
قال مجاهد: وهو معنى قول ابن زيد, وقال آخرون: معنى ذلك وأوحينا إلى يوسف بما إخوته صانعون به، وإخوته لا يشعرون بإعلام الله إياه بذلك (٤)، وهو معنى قول قتادة, وقال آخرون: بل معنى ذلك أن يوسف سينبئهم بصنيعهم به, وهم لا يشعرون إنه يوسف (٥)، وهو قول ابن جريج (٦)، ومعنى قول ابن عباس, وقد قال لهم لما جاؤوا, فقالوا: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ , فأجابهم بأن قال: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ (٧)، فأعلمهم بما وعده الله وهم لا يعلمون أنه يوسف,
стр. 148
ودليل أنهم لم يعلموا أنه يوسف, استفهامهم له بقوله: ﴿أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ ولم يستفهموا عن أخيه, لأنهم عالمون به.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ يقول تعالى: وجاء إخوة يوسف أباهم بعد ما ألقوا يوسف في غيابة الجب عشاءً يبكون, وروي عن السدي قال (١): أقبلوا إلى أبيهم عشاءً يبكون, فلما سمع أصواتهم فزع, وقال: مالكم يا بني: هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا, قال: فما فعل يوسف؟ (٢) قالوا: ﴿يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ فبكى الشيخ, وصاح بأعلى صوته, وقال: أين القميص؟ فجاءوه بالقميص, عليه دم كذب, فأخذ القميص وطرحه على وجهه وبكى, حتى تخضب وجهه من دم القميص (٣). ومعنى قولهم نستبق: نفتعل من السباق (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ يقولون: بِمُصَدِّقِنَا عَلَى قولنا أن يوسف أكله الذئب, ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ , فإن قال قائل: وما معنى قوله: ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ أخبر عنهم أنهم غير صادقين, فذلك تكذيب منهم أنفسهم, أم خبر منهم عن أبيهم أنه لا يصدقهم لو صدقوه, فقد علمت أنهم لو صدقوا أباهم الخبر لصدقهم؟ قيل معنى ذلك: وما أنت بمصدق لنا ولو كنا من أهل الصدق الذين لا يُتَّهَمُونَ لِسُوءِ ظنك بنا وَتُهْمَتِك لَنَا (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي: وجاءوا على قميص يوسف بدم كذب أي: ذي كذب, وقيل المصدر وقع موقع المفعول, كما يقع المفعول موقع المصدر, فمعنى كذب
стр. 149
مكذوب (١) كما قالوا ماله معقول أي: عقل, وسماه الله كذباً, لأن الذين جاءوا بالقميص وهو فيه كذبوا فيه, وقالوا ليعقوب: هو دم يوسف, ولم يكن بدمه, وإنما كان دم سخلة (٢) فيما قيل, قاله مجاهد وابن عباس, قال: ذبحوا جديا من الغنم, ثم لطخوا القميص بدمه, ثم أقبلوا إلى أبيهم, فقال يعقوب: إن كان هذا الذئب لرحيماً كيف أكل لحمه, ولم يخرق قميصه (٣)؟ يا بني, يا يوسف ما فعل بك بنو الإماء (٤). فإن قيل كيف قيل بدم كذب, وهو دم لايشك فيه وإن لم يكن دم يوسف؟ قيل في ذلك وجهان (٥)،
أحدهما: أن يكون قيل بدم كذب لأنه كذب فيه, كما يقال الليلة الهلاك, وكما قال: فما ربحت تجارتهم, والآخر: أن يكون مصدرا بمعنى مفعول (٦)، وتأويله: وجاءوا على قميصه بدم مكذوب, كما يقال: ماله عقل ولا معقول, ولا له جلد ولا مجلود, والعرب تفعل ذلك (٧)،
стр. 150
قال الراعي (١):
حَتَّى إذَا لم يَتْرُكُوا (٢) لِعِظَامِهِ ... لَحْمًا وَلا لِفؤادِهِ مَعْقول
أي: عقلا. وقوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أي: قال يعقوب لبنيه الذين أخبروه أن الذئب أكل يوسف, مكذباً لهم في خبرهم: ذلك ما الأمر كما تقولون، ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ , يقول بل زينت ﴿لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ في يوسف وحسنته ففعلتموه, كما روي عن قتادة (٣). ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ على ما فعلتم بي في أمر يوسف فأمري صبر جميل, أو فصبر جميل أولى بي, والله استعين على كفايتي شر ما تصفون من الكذب, وقيل الصبر الجميل: هو الذي لا جزع فيه (٤)، وقيل أن النبي- ﷺ سُئل عن صبر جميل؟ قال: صبر لا شكوى فيه, وقال من بثه فلم يصبر" (٥)، وروى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت أن يعقوب النبي -صلى الله عليه
стр. 151
وسلم كان قد سقط حاجباه, فكان يرفعهما بخرقه, فقيل له: ما هذا؟ قال: طول الزمان وكثرة الأحزان, فأوحى الله إليه: يا يعقوب أتشكوني؟ قال: يارب خطية أخطأتها, فاغفرها لي (١)،
وقولُهُ: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ قال قتادة: على ما تكذبون (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ أي: وجاءت مارّة الطريق من المسافرين فأرسلوا واردهم, وهو الذي يرد المنهل أو المنزل وورُوده إِيَّاهُ: مصِيره إِلَيه ودُخوله, فأرسل دلوه في البئر, يقال: أدليت الدلو في البئر إذا أرسلتها فيها, فإذا استقيت قلت دلوت أدلو دلواً (٣)، وفي الكلام محذوف (٤) , وهو: فأدلى دلوه فتعلق به يوسف, فخرج فقال المدلي: يا بشرى هذا غلام, واختلف في معنى: قال يا بشرى هذا غلام, فقال بعضهم: ذلك تبشير من المدلي دلوه في إصابته يوسف بأنه أصاب عبدا (٥)، وهو معنى قول قتادة, وقال آخرون: بل ذلك اسم رجل من السيارة بعينه ناداه المدلي لما خرج يوسف من البئر متعلقا بالحبل (٦)، وهو قول السدي قال: كان اسم صاحبه بشرى (٧)،وقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ اختلف أيضا في تأويله, وقال بعضهم: أسره الوارد المستقي وأصحابه من التجار الذين كانوا معهم, وقالوا لهم: هو بضاعة استبضعناها بعض أهل المال
стр. 152
إلى مصر, لأنهم خافوا إن علموا أنهم اشتروه بما اشتروه به أن يطلبوا منهم فيه الشركة (١)
, وهو معنى قول مجاهد والسدي, وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأسرّه التجار بعضهم من بعض (٢)، وهو أيضاً يروى عن مجاهد، وقال قتادة: وأسروا بيعه (٣)، وقيل: إنما عني بقوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ إخوة يوسف, أنهم أسروا شأن يوسف أن يكون أخاهم, قالوا: هو عبد لنا (٤)، وهو معنى قول ابن عباس: والبضاعة: القطعة من المال, من بضعت الشيء إذا قطعته (٥)، ومنه المبضع من المال, لأنه يقطع به العرق، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (٦) والله ذو علم بما يعمله باعة يوسف ومشتروه في أمره, لا يخفى عليه من ذلك شئ لو يشاء لغيره, ولكنه نزل تعبير ذلك ليمضي فيه، وفيهم حُكمه السَّابق, وليرى إخوة يوسف ويوسف وأباه, قدرته فيه (٧)،
وهذا وإن كان خبراً من الله عن يوسف, فإنه تذكير من الله لنبيه محمد- ﷺ , وتسلية منه له عما كان يلقى من أقربائه وأنسابه المشركين من الأذى, يقول تعالى ذكره له: فاصبر يا محمد على ما نالك في الله, فإني قادر على تغيير ما ينالك به هؤلاء المشركون, كما كنت قادرا على تغيير ما لقي يوسف من إخوته, ولم يكن تركي ذلك لهوان يوسف علي, ولكن لما مضي علمي فيه وفي إخوته, فكذلك تركي تغييرَ ما ينالك به هؤلاء المشركون لغير هوان بك عليَّ, ولكن لسابق علمي بتكذيبهم, ثم مصير أمرك وأمرهم إلى علوك عليهم وإذعانهم لك, كما صار أمر إخوة يوسف إلى الْإِذْعَان لِيُوسُف بِالسُّؤْدُدِ عليهم وعلوه
стр. 153
عليهم (١). وقد تضمنت الآيات: البيان عما يوجبه الإقدام على ظلم العظيم الشأن من رجوع الوبال على الظالم حين تنكب بما أقدم عليه بجهله, والبيان عما يوجبه المكر من البكاء لأنها من المصيبة على ما أتوا به من التسلية, والبيان عما يوجبه حال التهمة في الخبر من تأكيده بما يقتضي أن صاحبه محق فيه، وهو متخرص فيما أتى به، والبيان عما يوجبه حال التقي من الصبر الجميل عند المصيبة, والاستعانة بالله عندما يُعرَّض من الأمور الهائلة، ورد الصفة المزينة بما يقتضيه من التهمة.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ تمام (٢)، قال يعقوب: ﴿أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ كاف, ﴿عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ حسن (٣)، وكذا ﴿مَا تَصِفُونَ﴾ (٤)، وكذا ﴿صَادِقِينَ﴾ (٥)، وكذا ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (٦)، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ حسن (٧).
وقولُهُ :
يعني: بعت بردا (١)، وهو عبد كان له (٢)، ﴿بِثَمَنٍ﴾ متعلق بـ ﴿شَرَوْهُ﴾ , ﴿بَخْسٍ﴾ نعت لثمن، ﴿دَرَاهِمَ﴾ بدل من ثمن، ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ نعت لـ ﴿دَرَاهِمَ﴾ , ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ , ﴿مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ خبر كان, و ﴿فِيهِ﴾ متعلق بما دل عليه من الزاهدين, والتقديم (٣) وكانوا زاهدين فيه ﴿مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ , وجاز هذا في الظروف للتوسع فيها (٤)، ولا يجوز مثل هذا في المفعول, لا يجوز كانوا زيداً من الظالمين, بتقدير: كانوا ظالمين زيدا من الظالمين (٥)، والواو في كانوا يعود على إخوة يوسف, والهاء في شروه و ﴿فِيهِ﴾ يعودان على يوسف, ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ﴾ ﴿الَّذِي﴾ رفع بـ قال، ﴿مِنْ مِصْرَ﴾ متعلق بـ ﴿اشْتَرَاهُ﴾ , ولم تنصرف مصر: لأنها اسم المدينة معرّفة و ﴿لِامْرَأَتِهِ﴾ متعلق بـ ﴿اشْتَرَاهُ﴾ أيضا (٦) , ﴿أَكْرِمِي﴾ أمر, وألفه ألف قطع (٧) ,
стр. 156
﴿مَثْوَاهُ﴾ في موضع نصب بـ ﴿أَكْرِمِي﴾ لا يتبين فيه الإعراب, لأن أخره ألف (١)
, والمثوى الإقامة (٢) في ﴿عَسَى﴾
стр. 157
فعل ترج مشبه بكان (١) , كما قيل: عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا (٢)
, و ﴿أَنْ﴾ في موضع رفع بـ ﴿عَسَى﴾ , وأَنْ يلزمها لتدل على الاستقبال, ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ﴾ عطف على ﴿يَنْفَعَنَا﴾ , ﴿وَلَدًا﴾ مفعول ثان, والهاء مفعول أول, ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ ووجه التشبيه بالتمكين له في الأرض شبيها بالتوفيق الذي أصاره إليه بالنجاة من الهلاك والإخراج إلى أجل حالٍ, ﴿لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ يتعلق حرفا الجر بمكناه (٣)، ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ﴾ لام كي متعلقة بما دل عليه معنى الكلام (٤) , بتقدير: دبرنا ذلك لنمكنه في الأرض, ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَاوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ , و ﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ نعلمه, ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ
стр. 158
عَلَى أَمْرِهِ﴾ ابتداء وخبر, و ﴿عَلَى﴾ متعلقة بـ ﴿غَالِبٌ﴾ , ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ , لكن حرف توكيد بمنزلة أن, ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ لما: ظرف (١)،
العامل فيه ﴿آَتَيْنَاهُ﴾ , و ﴿حُكْمًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿آَتَيْنَاهُ﴾ الهاء مفعول أول, ﴿وَعِلْمًا﴾ عطف على ﴿حُكْمًا﴾ , و ﴿أَشُدَّهُ﴾ نصب بـ ﴿بَلَغَ﴾ , ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: ومثل ما وصفنا من تعليم يوسف, ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢)﴾ أي: كل من أطاع. ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ يقال: راوده مراودةً ورواداً, والمراودة: المطالبة (٣)، ﴿الَّتِي﴾ في موضع رفع بـ رَاوَدَتْهُ, ﴿هُوَ﴾ رفع بالابتداء, ﴿فِي بَيْتِهَا﴾ الخبر متعلق بالاستقرار, ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ متعلق بـ رَاوَدَتْهُ, ﴿وَغَلَّقَتِ﴾ معطوف على رَاوَدَتْهُ, ﴿الْأَبْوَابَ﴾ نصب بـ غلّقت, والمضاعفة في غلقت: للتكثير (٤)، ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بمعنى: هلم, ويقال: هيت للاثنين والجماعة, والمذكر والمؤنث على لفظ واحد (٥) , و ﴿لَكَ﴾ متعلق بـ ﴿هَيْتَ﴾ أي: تعال إلى ما هو لك, وأنشد أبو عمرو بن العلاء (٦):
стр. 159
أبلِغْ أميرَ المؤمنين أخا العِراقِ (١) إذا أتَيْتا ... أنّ العِراقَ وأهلَه عُنُقٌ (٢) إليك فهَيْتَ هَيْتَا (٣)
وفيها لغات نذكرها في القراءة, ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ مصدر, يقال: أعوذ بالله عياذاً ومعاذاً ومعاذةً (٤) , ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ , إن مستأنفة, لأنها بعد القول, والهاء اسم إن, و ﴿رَبِّي﴾ الخبر, و ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ خبر بعد خبر, والهاء عائدة على اسم الله- , ويجوز أن يعود على العزيز ملك مصر, أي: أحسن مقامي عنده (٥)، ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ مستأنف أيضا.
стр. 160
القولُ في القراءةِ:
قرأ ابن كثير: ﴿هَيْتُ لَكَ﴾ بفتح الهاء وضم التاء, نافع وابن عامر: بكسر الهاء وفتح التاء, والباقون بفتحها (١) , ويقرأ بالهمز وتركه، بفتح الهاء وكسرها على أن يكون بمنزلة الأصوات (٢)، فمن كسر: فلالتقاء الساكنين, ومن فتح: اختار الفتح بخفته, وفتح التاء مثل: أين وكيف, وهو مبني, لأنه: صوت, واختار الفتح لخفته مع ثقل الياء, والضم على التسبب (٣) بقبل وبعد, وكان الضم على مضمر للإضافة (٤) , فلما حذف ما أضيفت إليه ضم, وروي بكسر الياء على أصل التقاء الساكنين, وروي عن هشام عن ابن عامر هيت بكسر الهاء ورفع التاء, والهمز أخذه من هاء يهيئ مثل جاء يجئ فكأنه اشتق (٥) من الصوت فعلا (٦) وتكون التاء فاعله, والمعنى: حسنت هيئتك, ويكون لك من كلام آخر كما يقول لك أعني وعلى ما تقدم من القراءة يكون لك تنبيها مثل سعيا لك, وعلى ذا يجوز أن تكون قراءة من قرأ هيتُ كأنه خفف الهمزة, وأراد هذا المعنى, وفتح الهاء والتاء أكثر وأسير في كلام العرب, قرأ أهل الكوفة ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ ومُخْلصاً بفتح اللام حيث وقع, نافع بالكسر في مخْلصاً والفتح في ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ (٧)
الباقون: بالكسر في جميعه,
стр. 161
واتفقوا على كسر ما فيه (١) ديني والدين, فالكسر على إسناد الفعل إليهم, وشاهده: إجماعهم على ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ (٢) وعلى ما فيه الدين وديني, والتقدير: المخلصين دينهم لله, أو المخلصين لطاعة الله, والفتح: على ترك تسمية الفاعل, وهو اسم الله تعالى, والتقدير: من الذين أخلصهم الله من كل حال مذمومة للقيام بأمره, مثل المصطفين وشاهده: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ (٣)، والمخالفة للجمع بين لغتين.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم: وشروه بمعنى: باع إخوة يوسف يوسف (٤)، وإن أردت الشراء ولم ترد البيع قلت: اشتريه (٥) , وهذا قول مجاهد وابن عباس, أي: باعوه (٦) منهم (٧) , وقال قتادة: بل السيارة باعوا يوسف, وقولُهُ: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي: باخس بمعنى: ناقص, وقيل: إنما سمي بخساً: لأنه كان حراما عليهم (٨)، قاله الضحاك وابن عباس, لم يحل لهم أن يأكلوا ثمنه, (٩) وقولُهُ: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ أي:
стр. 162
باعوه بدراهم غير موزونة, ناقصة غير وافية لزهدهم "كان" فيه, وقيل: إنما قيل معدودة: ليعلم بذلك أنها كانت أقل من أربعين درهما, لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزِنُونْ ما كان وزنه أقل من أربعين درهما, لأنهم كانوا في زمان أقل أوزانهم وأصغرها: كان الأوقية, وكانت الأوقية أربعين درهما (١)، فدل بمعدوده على قلة الدراهم, واختلف في معرفة عددها, فقال عبد الله ونوف النكالي (٢)،
وابن عباس والسدي وقتادة: كانت عشرين درهما (٣)، وقال مجاهد: كانت اثنين وعشرين درهما, أخذ كل واحد منهم درهمين درهمين (٤)، وقال عكرمة وابن إسحاق: كانت أربعين (٥)، وليس على ذلك تعيين لا في خبر ولا في نص (٦) , وقولُهُ: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ أي: وكان إخوة يوسف في يوسف من الزاهدين لا يعلمون كرامته على الله , ولا يعرفون منزلته عنده (٧)، وهم مع ذلك يحبون أن يحولوا بينه وبين والده, ليخلوا لهم وجهه منه, لتكون المنافع التي كانت مصروفة إلى يوسف دونهم مصروفة إليهم (٨)، نحو ما رويَ عن الضحاك وابن عباس وجريج (٩).
стр. 163
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ أي: قال الذي اشترى يوسف من بائعه بمصر, وذكر أن اسمه قِطْيفِر (١)، رويَ ذلك عن ابن عباس، وقيل: أن اسمه إِطْفِير بْن روحيب وهو العزيز, وكان على خزائن مصر, وقال ابن إسحاق: كان الملك يومئذ: الريان بن الوليد, رجل من العماليق (٢) , وقيل: إن الذي باعه بمصر كان مَالِك بْن ذُعْر بْن ثُوَيْب بْن عَنْقَاء (٣) بْن مِدْيَان (٤) بْن إِبْرَاهِيم (٥) كذا رويَ عن ابن عباس, ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ﴾، واسمها مما ذكر ابن إسحاق: رَاعِيل بِنْت (٦) رَعَابيل (٧)، ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ أي: موضع إقامته, وذلك حَيْثُ يَثْوِي وَيُقِيم فِيهِ (٨)، وكني بالموضع عنه اتساعا, لأنه معلوم, ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ ذكر أن مشتري يوسف قال هذا القول لامرأته, حين دفعه إليها, لأنه لم يكن له ولد, ولم يكن يأتي النساء, فقال لها: أكرميه, عسى أن يكفينا بعض ما نعاني من أمور (٩) , إذا فهم الأمور التي نُكَلِّفهَا وَعَرَفَهَا (١٠) ونَتَبَنَّاهُ (١١)،
стр. 164
قال عبد الله بن مسعود: أفرس الناس ثلاثة (١): العزيز حين تفرس في يوسف, وقال (٢) لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ , وأبو بكر الصديق حين تفرس في عمر, والتي قالت: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (٣)، وقولُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ يقول تعالى: وكذلك أنقذنا يوسف من أيدي إخوته, وقد هموا بقتله, وأخرجناه من الجب بعد أن ألقي فيه فصيرناه إلى الكرامة والمنزلة الرفيعة عند عزيز مصر, كذلك مكنا له في الأرض, فجعلناه على خزائنها (٤)،
﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَاوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ أي: نُعَلِّم يُوسُف مِنْ عِبَارَة الرُّؤْيَا (٥)، ومكنا له في الأرض (٦)، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ﴾ (٧) على أمر يوسف يَسُوسهُ وَيُدَبِّرهُ وَيَحُوطهُ (٨) ,
стр. 165
قال سعيد بن جبير (١): ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ أي: فعّال (٢)، ﴿ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) أي: ولكن الذين زهدوا في يوسف فباعوه بثمن خسيس, والذين صار بين أظهرهم من أهل مصر, حتى بيع فيهم, لا يعلمون ما الله بيوسف صانع (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ أي: لما بلغ يوسف شدته وقوته في شبابه وحدّ ذلك فما بين: ثماني عشرة إلي ستين سنة, وقيل: أربعين سنة, جمع لم يسمع له واحد مثل الأضر والأسر (٥) , ويجب في القياس أن يكون واحده شَدّ كما وَاحِد الْأَضَرّ ضَرّ, وواحد الأشر شر, كما قال (٦):
стр. 166
هَلْ غَيْرُ أَنْ كَثُرَ الأشُرُّ وَأَهْلَكَتْ ... حَرْبُ المُلُوكِ أَكَاثِرَ الأَمْوَالِ (١)
واختلف في المَبْلَغِ: الأشد, فقال مجاهد: ثلاث وثلاثون سنة (٢)، وقال ابن عباس: بضع وثلاثون سنة, وقال الضحاك: عشرون سنة (٣)، وأنه لما بلغ أشده وهو في قوته من الأقوال المذكورة: أعطاه الله حكما وعلما, يقول تعالى: وكما جزيت يوسف فأثبْتُه بطاعته إياي الحكم والعلم, ومكنته في الأرض, واستنقذته من أيدي إخوته الذين أرادوا قتله, كذلك أجزي من أحسن في عمله, فأطاعني في أمري, وانتهى عما نهيته في معاصي, وهذا وإن كان مخرجه في ظاهره على كل محسن فإن المراد به محمد-صلى الله عليه- يقول له: كما فعلت هذا بيوسف, فكذلك أفعل بك فأنجيك من مشركي قومك, الذين يقصدونكم بالعداوة (٤) لأن ذلك جَزَائِي أهل الإحسان في أمري ونهيي, قال ابن عباس: يجزي المحسنين أي: المهتدين (٥).
وقوله تعالى: ﴿ورَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: راودت امرأة العزيز, وهي التي كان يوسف في بيتها عن نفسه أن يواقعها (٦)، كما روي عن ابن إسحاق والسدي وابن جبير (٧) ,
стр. 167
﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ أي: غلقت أبواب البيوت عليها وعلى يوسف لما راودته, باباً بعد باب (١)، ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ يعني: تعال واقرب (٢)، وقال ابن عباس: هلم لك (٣)، وقال السدي والحسن (٤): هيت بالقبطية هلم (٥) , وقال الكسائي وأبو عبيدة (٦):
هي لغة حُورَان (٧)، معناها تعال, ومن ضم التاء فالمعنى: تَهَيَّات لك من قول القائل: هِئْت لِلْأَمْرِ أَهِيئُ هَيْئَة (٨)، وهئت للاثنين والجمع والذكر والأنثى فيه سواء (٩).
وقوله تعالى: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ يقول-جل ثناؤه: قال يوسف إذ دعته المرأة إلى نفسها وقالت له: هلمّ إلي, قال: أعتصم بالله من الذي تؤمئين إليه, وأستجير به منه (١٠). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ
стр. 168
رَبِّي﴾ يقول: إن صاحبك زوجك سَيِّدِي (١)، قال السدي ومجاهد وابن إسحاق. وقولُهُ: ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ يقول أحسن منزلتي (٢) , وأكرمني وائتمنني فلا أخونه (٣)، وقال الزجاج (٤): يجوز أن تكون الهاء لله- -أي: أن الله ربي أحسن مثواي في طول مقامي (٥) , وقولُهُ: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ يقول: إنه لا ينجح من ظلم, ففعل ما ليس له فعله, وهذا الذي تدعونني إليه من الفجور ظلم وخيانة لسيدي الذي ائتمنني على منزله (٦) , نحو ما روي عن ابن عباس وابن إسحاق. وقد تضمنت الآيات: البيان عما يوجبه الجهل بمقدار المبيع النفيس من الزهد فيه, مع بيعه بالثمن الخسيس الحقير اليسير النزر, والبيان عما يوجبه حسن تدبير الله-جل وعز-لو كان حقيقا للرفعة (٧)، من التمكين في الأرض وتعليم (٨)
العلم الذي يحل به القدر، ويعظم به الشأن, كما كان أمر يوسف فما أعطي من تلك الحال, ومكن بالملك, وكثرة المال, والبيان عما يوجبه حال المحسن من الجزاء على الإحسان، بإتيانه الحكم والعلم، وناهيك بهما سَناً وعطاءً وكرامة وكريم جزاء, والبيان عما يوجبه الامتناع من الحرام في حال شدة المنازعة, وقوة الشهوة من المدح بهذه الحال الجميلة، والفضيلة الجليلة.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
стр. 169
﴿يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ كاف (١) عند أبي حاتم (٢)، وكذا ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ (٣)، والتمام: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (٤)، وقال نافع: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ تمام (٥)، والتمام عند غيره ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ (٦) , ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ كاف (٧)،
وكذا عنده ﴿مِنْ تَاوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ (٨)، والتمام ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٩)،و ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ تمام (١٠)، ﴿وَغَلَّقَتِ
стр. 170
الْأَبْوَابَ﴾ تمام (١) عند نافع, وقال أحمد بن جعفر التمام: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ (٢)، وكذا ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣).
وقولُهُ :
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾
هَمَّ بالشيء إذا قارب فعله ولما يفعله (٤)، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿هَمَّتْ﴾ , ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ متعلق بـ ﴿وَهَمَّ﴾ , ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ , ﴿أَنْ﴾ في موضع رفع بالابتداء, وجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف لعلم السامع, ولا يجوز أن يتقدم جوابها عليها, كما تقدم جواب الشرط لقوة الشرط وقلبه
стр. 171
للماضي إلى معنى المستقبل وقوة الشرط بالعمل (١)، ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف للتشبيه في موضع نصب (٢) , أي: أريناه البراهين كذلك, وقيل: في موضع رفع, أي: أمر البراهين كذلك, والنصب أجود, لمطالبة حروف الجر بالأفعال أو معانيها (٣)،
﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ﴾ لام كي متعلقة بالفعل المحذوف الذي دلت عليه كاف التشبيه, ﴿عَنْهُ﴾ متعلق بـ نصرف, ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ مستأنف و ﴿مِنْ﴾ متعلقة بمعنى الاستقرار, و ﴿الْبَابَ﴾ نصب بـ استبقا, ﴿مِنْ دُبُرٍ﴾ متعلق بـ ﴿وَقَدَّتْ﴾ , و ﴿سَيِّدَهَا﴾ نصب بـ ألفيا, ﴿لَدَى الْبَابِ﴾ ظرف (٤) العامل فيه ﴿وَأَلْفَيَا﴾ , ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ , ﴿مَا﴾ حرف نفي, ﴿جَزَاءُ﴾ رفع بالابتداء, ﴿مَنْ﴾ في موضع خفض بإضافة ﴿جَزَاءُ﴾ إليها, ﴿بِأَهْلِكَ﴾ متعلق بـ ﴿أَرَادَ﴾ , ﴿سُوءًا﴾ نصب بـ ﴿أَرَادَ﴾ , ﴿إلَّا﴾ إيجاب, ﴿أَنْ يُسْجَنَ﴾ , ﴿أنْ﴾ في موضع رفع على خبر الابتداء, و ﴿يُسْجَنَ﴾ نصب بـ ﴿أَنْ﴾ , ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ عطف على"أن"التقدير: إلا السجن أو عذاب أليم ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي﴾ ابتداء وخبر (٥) , ﴿عَنْ نَفْسِي﴾ متعلق بـ ﴿رَاوَدَتْنِي﴾ , و ﴿شَاهِدٌ﴾ رفع بـ ﴿وشَهِدَ﴾ , ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ متعلق بـ ﴿وشَهِدَ﴾ , ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ , ﴿إِنْ﴾ حرف شرط و ﴿قُدَّ﴾
стр. 172
خبر ﴿كَانَ﴾ , ﴿مِنْ قُبُلٍ﴾ متعلق بـ ﴿قُدَّ﴾ , ﴿فَصَدَقَتْ﴾ جواب الشرط (١) , ﴿وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِين﴾ ابتداء وخبر (٢)
, و ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ متعلق بالاستقرار, و ﴿مِنَ﴾ للتبعيض, وكذا ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ , ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ مثل ما تقدم, ﴿فَلَمَّا﴾ الفاء جواب ما أخبر به ولما ظرف, ﴿قَمِيصَهُ﴾ نصب بـ ﴿رَأَى﴾ , ﴿قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ في موضع الحال, أي: فلما رأى قميصه مقدوداً من دبر, ﴿قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ , ﴿مِنْ﴾ متعلقة بمعنى الاستقرار, ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ اسم إن وخبرها, والهاء من ﴿إِنَّهُ﴾ تعود على الكذب, ويجوز أن تعود على السوء (٣).
القولُ في القراءةِ:
قرأ أهل الكوفة: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ ومخلَصا بفتح اللام حيث وقع نافع بالكسر في مخلَصا والفتح في مخلصين, الباقون: بالفتح في جميعه (٤)، واتفقوا على ما فيه ديني والدين, فالكسر على إسكان الفعل إليهم, وشاهده ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ (٥)، والفتح على ترك تسميته الفاعل, وهو اسم الله
стр. 173
عز وجل, والتقدير: ومن الذين أخلصهم الله من كل حال مذمومة للقيام بأمره, وشاهده: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ﴾ (١) والخلاف والجمع بين لغتين.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم: أن امرأة العزيز لما همّت بيوسف, وأرادت مراودته عن نفسه, جعلت تذكر له محاسن نفسه, وتشوقه إلى نفسها, روي عن السدي قال: قالت له: يا يوسف ما أحسن شعرك! قال: هو أول ما ينتثر من جسدي, قالت له: يا يوسف ما أحسن عينيك! قال: هي أول ما تسيل إلى الأرض من جسدي, قالت: يا يوسف ما أحسن وجهك! قال: هو للتراب يأكله, فلم يزل حتى أطعمته, فهمت به وهم بها, فدخلا البيت, وغلقت الأبواب, وذهب ليحل سراويله, فإذا هو بصورة يعقوب قائما في البيت, قد عضّ على إصبعه, يقول: يا يوسف تُوَاقِعُهَا! وإنما مثلك مَا لَمْ يوَاقِعْهَا مَثَل الطَّيْر في جو السماء لا يطاق, وَمَثَلك إن واقعتها مَثَله إذا مات وقع في الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه, فربط سراويله, وذهب ليخرج يَشْتَدّ (٢)، فأدركته, فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه فخرقته حتى أخرجته منه, وطرحه يوسف واشتد نحو الباب (٣)، ومعنى الهمّ بالشيء: حديث المرء نفسه بمواقعته ما لم يواقع, فأما ما كان من همّ يوسف بالمرأة, وهمّها به فإنه روي عن ابن عباس من طُرق
стр. 174
قال: حَلَّ الْهِمْيَان وجلس منها مجلس الخاتن (١)، وقال ابن أبي مُلَيْكَة: استلقت له: وحل ثيابه (٢).
وعن مجاهد من طُرق قال: حل سراويله حتى وقع على السرير, ويقال: كيف يجوز أن يوصف يوسف ﷺ بهذا الفعل وهو لله نبي؟ قيل: إن هذا ابتلاء لخطيئة ابتلاه بها, ليكون من الله على وَجَل إِذَا ذَكَرَهَا, فيجد في طاعته اشفاقاً منها, ولا يتكل على سعة عفو الله ورحمته, وقيل: ابتلاه الله بذلك: ليعرفه موقع نعمته بصفحه عنه, وترك عقوبته في الآخرة, وقيل: بل ابتلاه ليجعله قدوة لأهل الذنوب, في رجاء رحمته, وترك الإياس من عفوه (٣)، وكذلك جميع ذنوب الأنبياء التي هي الصغائر, لأنهم لا يرتكبون كبيرة تجري أمورهم في ذلك مجرى يوسف, وقد اختلف في البرهان, فقال: بعضهم نودي بالنهي عن مواقعة الخطيئة (٤)، قال ابن عباس: نودي يا ابن يعقوب أتزني؟ فتكون كالطير وقع ريشه, فذهب ليطير فلا ريش له (٥)، وهو قول ابن أبي مُلَيْكَة وقتادة, وقال ابن عباس أيضا: لما هم
стр. 175
بمواقعة الخطيئة, صور له يعقوب يتوعده, وقيل: مثّل له (١)، فضَرب في صدره, فخرجت شهوته من أنامله (٢)، وهو معنى قول سعيد بن جبير, وقال الحسن: زعموا أن سقف البيت انفرج, فرأى يعقوب عاضّاً على أصابعه (٣)، وقال محمد بن كعب القرظي (٤):
بل البرهان ما أوعد الله على الزنا أهله, قال: ورفع رأسه إلى سقف البيت, فإذا كتاب في حائط البيت, ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا (٥) وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (٦) وظاهر الآية: برهان زجره, فجائز أن يكون ما ذكروا وأن يكون غيره (٧) , وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ (٨)
يقول: كما أرينا يوسف برهاننا على الزجر
عما هم به من الفاحشة, كذلك نسبب له في كل ما عرض له من هم يهم به فيما لا يرضاه ما يزجره ويدفعه عنه, ليطهره من دنس ذلك (١).
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ أي: واستبق يوسف امرأة العزيز باب البيت (٢)، أما يوسف: ففراراً من ركوب الفاحشة لما رأى من برهان ربه (٣) , وأما المرأة: فطلباً ليوسف لتقضي حاجتها منه التي أرادته عليها, فأدركته, فتعلقت بقميصه من خلفه, فجذبته إليها مانعة له من الخروج من الباب, وقدته من دبر أي: شقته من خلف, لا من قدام (٤)، ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ أي: وصادف سيدها: وهو زوج المرأة, عند الباب (٥)، وقولُهُ: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: قالت امرأة العزيز لزوجها لما خافت أن يتهمها بالفجور: ما ثواب من أراد
стр. 178
بامرأتك الزنا؟ إلا أن يسجن أو عذاب مؤلم أي: موجع (١).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ يقال: لما قذفته بما قذفته مكذبا لها فيما قذفته به, مَا أَنَا رَاوَدْتهُها عن نفسها, بل هي راودتني عن نفسي, وقد قيل أن يوسف لم يرد ذكر ذلك, لو لم تقذفه عند سيدها بما قذفته به (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ اختلف في صفة الشاهد, قال ابن عباس وأبو هريرة (٣) وسعيد بن جبير: كان صبياً في المهد (٤)، وروي أيضا عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة والحسن قال: كان رجلا (٥)، وروي عن مجاهدٍ أيضا قال: الشاهد القميص المقدود (٦)، وروي عن رسول الله -صلى الله عليه- قال: تكلم أربعة وهم صغار, فذكر فيهم: شاهد يوسف (٧)،
فدل ذلك على أنه صبي في المهد, وقولُهُ: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ لأن المطلوب إذا كان هاربا, فإنما يؤتى من قبل دبره, فكان معلوماً أن الشق لو كان من قُبل لم يكن هاربا, ولكن
стр. 179
كأن يكون طالباً ممنوعاً مدفوعاً, فكان ذلك يكون شاهداً على كذبه (١). وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ خبر عن زوج المرأة, وهو القائل لها: إن هذا الفعل من كيدكن, أي: من صنيعكن, أي: من صنيع النساء (٢)، ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ , وقيل: إنه خبر عن الشاهد إنه القائل ذلك (٣).
وقد تضمنت الآيات البيان عما توجبه إخلاص العبادة من الألطاف التي يعتصم بها من المعصية, وإن وقع صاحبها في شدة منازعةٍ، وحال خدعة, والبيان عن ما يوجبه مكر النساء من البهت بطرح الجرم على غير صاحبه, لتبرئة النفس من ذلك, مع إدعاء أن جزاءه السجن، والعذاب الأليم, وهو بمدعيه أحق وله ألزم, والبيان عما يوجبه نفع الاستدلال من تمييز التقي من الفاجر, والحق من الباطل فيما قذف به يوسف-﵇, حتى ظهرت براءته فيما قيل فيه، ونسب إليه, والبيان عما يوجبه دلالة العادة, من أن الذي شق قميصه من دبره، هو الهارب من الأمر, كما أن الذي توجد الضربة في ظهره هو: المنهزم من الحرب, والبيان عما أخرجه البرهان من إضافة الفاحشة إلى غير صاحبها بالبهتان فرُدت على مقترفها, وبرِئَ منها المنزه عنها.
القولُ في الوقفِ والتمامِ: