← Тафсир

Тафсир · id 14114

البرهان في علوم القرآن للإمام الحوفي - سورة يوسف

الحوفي

Полный текст (397 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 177

عما هم به من الفاحشة, كذلك نسبب له في كل ما عرض له من هم يهم به فيما لا يرضاه ما يزجره ويدفعه عنه, ليطهره من دنس ذلك (١). وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ أي: واستبق يوسف امرأة العزيز باب البيت (٢)، أما يوسف: ففراراً من ركوب الفاحشة لما رأى من برهان ربه (٣) , وأما المرأة: فطلباً ليوسف لتقضي حاجتها منه التي أرادته عليها, فأدركته, فتعلقت بقميصه من خلفه, فجذبته إليها مانعة له من الخروج من الباب, وقدته من دبر أي: شقته من خلف, لا من قدام (٤)، ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ أي: وصادف سيدها: وهو زوج المرأة, عند الباب (٥)، وقولُهُ: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: قالت امرأة العزيز لزوجها لما خافت أن يتهمها بالفجور: ما ثواب من أراد

стр. 178

بامرأتك الزنا؟ إلا أن يسجن أو عذاب مؤلم أي: موجع (١). وقوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ يقال: لما قذفته بما قذفته مكذبا لها فيما قذفته به, مَا أَنَا رَاوَدْتهُها عن نفسها, بل هي راودتني عن نفسي, وقد قيل أن يوسف لم يرد ذكر ذلك, لو لم تقذفه عند سيدها بما قذفته به (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ اختلف في صفة الشاهد, قال ابن عباس وأبو هريرة (٣) وسعيد بن جبير: كان صبياً في المهد (٤)، وروي أيضا عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة والحسن قال: كان رجلا (٥)، وروي عن مجاهدٍ أيضا قال: الشاهد القميص المقدود (٦)، وروي عن رسول الله -صلى الله عليه- قال: تكلم أربعة وهم صغار, فذكر فيهم: شاهد يوسف (٧)، فدل ذلك على أنه صبي في المهد, وقولُهُ: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ لأن المطلوب إذا كان هاربا, فإنما يؤتى من قبل دبره, فكان معلوماً أن الشق لو كان من قُبل لم يكن هاربا, ولكن

стр. 179

كأن يكون طالباً ممنوعاً مدفوعاً, فكان ذلك يكون شاهداً على كذبه (١). وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ خبر عن زوج المرأة, وهو القائل لها: إن هذا الفعل من كيدكن, أي: من صنيعكن, أي: من صنيع النساء (٢)، ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ , وقيل: إنه خبر عن الشاهد إنه القائل ذلك (٣). وقد تضمنت الآيات البيان عما توجبه إخلاص العبادة من الألطاف التي يعتصم بها من المعصية, وإن وقع صاحبها في شدة منازعةٍ، وحال خدعة, والبيان عن ما يوجبه مكر النساء من البهت بطرح الجرم على غير صاحبه, لتبرئة النفس من ذلك, مع إدعاء أن جزاءه السجن، والعذاب الأليم, وهو بمدعيه أحق وله ألزم, والبيان عما يوجبه نفع الاستدلال من تمييز التقي من الفاجر, والحق من الباطل فيما قذف به يوسف-﵇, حتى ظهرت براءته فيما قيل فيه، ونسب إليه, والبيان عما يوجبه دلالة العادة, من أن الذي شق قميصه من دبره، هو الهارب من الأمر, كما أن الذي توجد الضربة في ظهره هو: المنهزم من الحرب, والبيان عما أخرجه البرهان من إضافة الفاحشة إلى غير صاحبها بالبهتان فرُدت على مقترفها, وبرِئَ منها المنزه عنها. القولُ في الوقفِ والتمامِ:

стр. 180

﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ كاف (١)، وقال أبو حاتم: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ جيد (٢)، وأجود منه ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: حسن (٣)، وكذا ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤)، وكذا ﴿مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ (٥)، والتمام (٦) ﴿عَظِيمٌ﴾. وقولُهُ : ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩) وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾

стр. 181

﴿يُوسُفُ﴾ نداء مفرد, ﴿عَنْ هَذَا﴾ , ﴿عَنْ﴾ متعلقة بـ ﴿أَعْرِضْ﴾ , وألف ﴿أَعْرِضْ﴾ قطع و ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى ما جرى, ﴿لِذَنْبِكِ﴾ متعلق بـ استغفري والألف ألف وصل, ﴿إِنَّكِ﴾ مستأنف, ﴿كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ خبر إنّ, و ﴿مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ خبر ﴿كُنْتِ﴾ , والتاء اسمها, و ﴿مِنَ﴾ متعلقة بمعنى الاستقرار, يقال: خَطِئَ الرجلُ يخطئُ خِطاءً وخَطأً (١)، وقال الشاعر (٢): لَعَمْرُكَ إِنَّمَا خَطَئِي وَصَوْبِي (٣) ... عَلَيَّ وَإِنَّمَا (٤) أَهْلَكْتُ مَالُ وقال أميّة (٥):

стр. 182

عبادك يُخطِئون وأنت رَبٌّ ... بكفَّيك المنايا والحُتُومُ (١) قال الأصمعي (٢): يقال: خطئ الرجل يخطأ إذا تعمد الذنب فهو خاطئ, وأخطأ يخطئ إذا غلط ولم يتعمد, والاسم منه الخطأ (٣). وقال تعالى: ﴿مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ ولم يقل: من الخاطئات, ليغلب المذكر على المؤنث إذا اجتمعا (٤)، ويقال صواب وصوب بمعنى, ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ , ﴿فِي﴾ متعلقة بـ قال (٥) , و ﴿نِسْوَةٌ﴾ رفع بـ قال, ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾، ﴿امْرَأَتُ﴾ رفع بالابتداء, ﴿تُرَاوِدُ﴾ الخبر, ﴿فَتَاهَا﴾ نصب بـ ﴿تُرَاوِدُ﴾ إلا أنه لا يسنّ فيه

стр. 183

إعراب, لأن آخره ألف, والهاء والألف في موضع خفض بإضافة فتىً إليها (١)، ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تُرَاوِدُ,﴾ ﴿قَدْ شَغَفَهَا﴾ الهاء والألف في موضع نصب بـ ﴿شَغَفَهَا﴾ , ﴿حُبًّا﴾ نصب على البيان (٢) , ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ اللام لام توكيد, والهاء والألف نصب بـ نرى, ﴿فِي﴾ متعلقة بـ نرى, و ﴿مُبِينٍ﴾ نعت لـ ﴿ضَلَالٍ﴾ , ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ الفاء جواب ما أخبر به من قول النسوة, ﴿فَلَمَّا﴾ ظرف, ﴿أَرْسَلَتْ﴾ جواب ﴿فَلَمَّا﴾ وهو العامل, ﴿إِلَيْهِنَّ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلَتْ﴾ , ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ معطوف على ﴿أَرْسَلَتْ﴾ يقال: اعتد يعتد إذا أعد وهيأ, وألفه ألف قطع, و ﴿مُتَّكَأً﴾ نصب بوقوع ﴿أَعْتَدَتْ﴾ وهو مفتعل من وكأت الأصل: مؤتكا, مثل: مؤتذن, أبدلت من الواو تاء, ثم أدغمت التاء في التاء, وقد أبدلوا التاء في الافتعال, يقال: تكئ يتكأ تكأً (٣) , وقد تكون متكئاً جمعاً ولفظه واحد, مثل: الجليس, وإن جمعته قلت: متكئات, وإن جمعته مكسر لقلت: مواكي (٤)، وآتت بمعنى أعطت, ﴿كُلَّ﴾ نصب بـ ﴿وَآَتَتْ﴾ , ﴿مِنْهُنَّ﴾ متعلق بمعنى الاستقرار, لأن منهن في موضع النعت لـ ﴿وَاحِدَةٍ﴾ , ﴿سِكِّينًا﴾ نصب بـ

стр. 184

﴿وَآَتَتْ﴾. والسكين تذكر وتؤنث, ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عليهنَّ﴾ متعلق بـ ﴿اخْرُجْ﴾ , ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ﴾ الفاء جواب قولها, ولما ظرف (١) , ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ جواب لما وهو العامل في لما, ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ معطوف على ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ , و ﴿أَيْدِيَهُنَّ﴾ نصب بـ ﴿وَقَطَّعْنَ﴾ , ﴿وَقُلْنَ﴾ معطوف أيضا, وشددت النون من ﴿أَيْدِيَهُنَّ﴾ وخففت من ﴿وَقَطَّعْنَ﴾: لأن المشددة بحذاء حرفين من المذكر إذا قلت: أيديهم, والمخففة بإزاء حرف واحد من المذكر إذا قلت قطعوا (٢)،وقوله: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ من قرأ بالحذف دل على أنه فعل, لأن الحروف لا يحذف منها, ومعناه المجاوزة, وإذا كان فعلاً ففاعله: يوسف, والتقدير: بعد يوسف عن هذا, وهي حرف, أو فعل على القولين, وأهل اللغة يقولون: هو مشتق من قولك: كنت في حشى فلان, أي: في ناحية فلان (٣)، فالمعنى في ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾: براءة الله من هذا (٤) , من التنحي أي: قد نحى الله يوسف من هذا, فإذا قلت حاشى لزيد من هذا فمعناه: قد نحى زيد من هذا أو تباعد منه, واللام متعلقة بحاشى, وقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ , ﴿مَا﴾ نفي, و ﴿هَذَا﴾ اسم ﴿مَا﴾ , و ﴿بَشَرًا﴾ خبرها, و ﴿مَا﴾ مشبهة بليس, ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ , ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما, و ﴿هَذَا﴾ رفع بالابتداء, ﴿إِلَّا مَلَكٌ﴾ خبر, و ﴿كَرِيمٌ﴾ نعت له, ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ الفاء جواب قولهن, ﴿فَذَلِكُنَّ﴾ رفع بالابتداء, و ﴿الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ الخبر (٥) , و ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿لُمْتُنَّنِي﴾، وذلك إشارة إلى

стр. 185

يوسف, واللام لتراخي الإشارة إليه, وشددت النون في الموضعين: لأنها بإزاء الميم والواو في المذكر, و ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ متعلق بـ ﴿رَاوَدْتُهُ﴾ , ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾ اللام في ﴿وَلَئِنْ﴾ لام قسم دخلت على حرف الشرط (١) , ﴿مَا آَمُرُهُ﴾ , ﴿مَا﴾ في موضع نصب بـ ﴿يَفْعَلْ﴾ وهي بمعنى الذي, لَيُسْجَن جواب القسم, وهو كاف من جواب الشرط, ﴿وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ معطوف على ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ ,و ﴿مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ متعلق بمعنى الاستقرار في موضع خبر ﴿وَلَيَكُونَنْ﴾ ,والوقف على ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾: بالنون, لتشديد النون, وعلى ليكونا: بالألف, تشبيهاً بالتنوين وكذا ﴿لَنَسْفَعَنْ﴾ (٢) يقف بالألف (٣)، ومنه قول الأعشى (٤) مؤكد بالنون الخفيفة:

стр. 186

وَصَلِّ عَلى حينِ العَشِيّاتِ وَالضُحى ... وَلا تَحمَدِ الشَيطانَ وَاللَهَ فَاِحمَدا (١) يقف عليه بالألف مثل: "لنسفعًا" (٢)، وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ نداء مضاف, ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ ابتداء وخبر, ﴿مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ من متعلقة بـ ﴿أَحَبُّ﴾ وما بمعنى الذي, ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَدْعُونَنِي﴾ , ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ﴾ إن حرف شرط, ولا نافية, ﴿تَصْرِفْ﴾ جزم بإن ﴿عَنِّي﴾ متعلق بـ ﴿تَصْرِفْ﴾ , ﴿كَيْدَهُنَّ﴾ نصب بـ ﴿تَصْرِفْ﴾ , ﴿أَصْبُ﴾ جواب الشرط, ﴿إِلَيْهِنَّ﴾ متعلق بـ ﴿أَصْبُ﴾ , ﴿وَأَكُنْ﴾ عطف على ﴿أَصْبُ﴾ , ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ خبر (٣) ﴿وَأَكُنْ﴾ متعلق بمعنى الاستقرار. القولُ في القراءةِ: قرأ أبو عمرو: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ في الموضعين بألف, الباقون: بغير ألف (٤)، فالحذف والإثبات لغتان فصيحتان, ومن العرب من يحذف لام الفعل كما تقول: لم يك, ولا أدر, ومن قولهما: أصاب الناس جهد, ولو تر ما أهل مكة, وإنما هو: ولو ترى, ودليل الحذف: أنها في الخط محذوفة, ولهذا وقف الجميع عليها بغير ألف. القولُ في المعنى والتفسيرِ:

стр. 187

ذكر عن ابن عباس: أن هذا خبر من الله عن قيل الشاهد أنه قال للمرأة وليوسف, يقول: يا يوسف أعرض عن ذكر ما كان منها إلَيْك فِيمَا رَاوَدَتْك عليه ولَا تَذْكُرْهُ لِأَحَدٍ, وَاسْتَغْفِرِي أَنْتِ زَوْجك, سَلِيهِ أَنْ لَا يُعَاقِبك عَلَى ذَنْبك الَّذِي أَذْنَبْت، وَأَنْ يَصْفَح عَنْهُ فَيَسْتُرهُ عليك (١)، ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ يَقُول: مِنَ الْمُذْنِبِينَ فِي مُرَاوَدَتك يُوسُف عَنْ نَفْسه (٢). وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ يَقُول تَعَالَى: وَتَحَدَّثَ النِّسَاء بِأَمْرِ يُوسُف وَأَمْر امْرَأَة الْعَزِيز فِي مَدِينَة مِصْر، وَشَاعَ مِنْ أَمْرهمَا فِيهَا مَا كَانَ، فَلَمْ يَنْكَتِم، وَقُلْنَ: امْرَأَة الْعَزِيز تُرَاوِد عَبْدهَا (٣) عَنْ نَفْسه, نحو ما روي عن ابن اسحاق. والْعَزِيز الْمَلِك فِي كَلَام الْعَرَب; وَمِنْهُ قَوْل أَبِي دُؤَاد (٤) دُرَّةٌ غَاصَ (٥) عَلَيْهَا تَاجِرٌ ... جُلِيَتْ عِنْدَ عَزِيزٍ يَوْمَ طَلِّ وهو مأخوذ من العزة, وقولُهُ: ﴿شَغَفَهَا حُبًّا﴾ يَقُول: قَدْ وَصَلَ حُبّ يُوسُف إِلَى شَغَاف قَلْبهَا، فَدَخَلَ تَحْته حَتَّى غَلَبَ عَلَى قَلْبهَا (٦). وَشَغَاف الْقَلْب: حِجَابه وَغِلَافه الَّذِي هُوَ فِيهِ (٧) وَإِليه عَنَى النَّابِغَةُ الذُّبْيَانيُّ (٨) قَوْلَه:

стр. 188

وَقَدْ خَالَ (١) هَمٌّ دُونَ ذَلِكَ دَاخِلٌ ... دُخُولَ الشَغَاف (٢) -الشَغَاف (٣) تَبْتَغِيهِ الأصَابِعُ (٤).

стр. 189

وقال الشعبي (١): الْمَشْغُوف: الْمُحِبّ, وَالْمَشْعُوف (٢) الْمَجْنُون (٣)، وقال الحسن: قَدْ بَطَنَهَا حُبًّا (٤)، وقال الضحاك: هُوَ الْحُبّ اللَّازِق بِالْقَلْبِ (٥)، وقد قيل بالعين: شعف. وأنشد امرؤ القيس: لتَقْتُلنِي (٦) وقدْ شَعَفْتُ فُؤادهَا ... كَما شَعَفَ المَهْنُوءةَ الرَّجلُ الطَّالِي فشعف المرأة من الحب والمهنوءة وهي الناقة المطلية بالقطران (٧) من الدبر, فشبه لوعة الحب وجواه بذلك, وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: قُلْنَ: إِنَّا لَنَرَى امْرَأَة الْعَزِيز ومُرَاوَدَتهَا فَتَاهَا عَنْ نَفْسه وَغَلَبَة حُبّه عليها لَفِي خَطَأ مِنَ الْفِعْل وَجَوْر عَنْ قَصْد السَّبِيل مُبِين لِمَنْ تَأَمَّلَهُ وَعَلِمَهُ أَنَّهُ ضَلَال وَخَطَأ غَيْر صَوَاب وَلَا سَدَاد, وَإِنَّمَا كَانَ قِيلُهُنَّ مَا قُلْنَ مِنْ ذَلِكَ، وَتَحَدُّثُهُنَّ بِمَا تَحَدَّثْنَ بِهِ مِنْ شَانِهَا وَشَانِ يُوسُفَ مَكْرًا مِنْهُنَّ، فِيمَا ذُكِرَ لِتُرِيهِنَّ يُوسُفَ, فَلَمَّا سَمِعَتْ امْرَأَة الْعَزِيز بِمَكْرِ النِّسْوَة اللَّاتِي قُلْنَ فِي الْمَدِينَة مَا ذَكَرَهُ اللَّه عَنْهُنَّ, قال ابن إسحاق: مكرن لتريهن يوسف, وكان

стр. 190

يوصف لهن بالحسن والجمال. ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ فعَلَتْ مِنَ الْعَتَاد, وَهُوَ الْعِدَّة (١) وَمَعْنَاهُ: أي مَجْلِسًا لِلطَّعَامِ، وَمَا يَتَّكِئْنَ عليه مِنَ النَّمَارِق وَالْوَسَائِد, متكئاً مفتعل من اتكأت (٢)، قال سعيد: اتخذت طعاماً وشراباً ومتكئا (٣)، وقال السدي: ما يتكئن عليه (٤)، وقال ابن عباس والحسن: مجلسا, وقيل: اتخذت طعاماً وشراباً وأترجّا, ﴿وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ لتقطع به الأترج, وقيل: كما ورد قاله الضحاك, وقال أبو عبيدة (٥): المتكأ الأترج, ثم قال: والفقهاء أعلم بذلك, قال مجاهد: من قرأ متكأ فهو الطعام, ومن قرأ متَّكأ وهي قراءة شاذة: فهو الأترج, وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عليهنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أي: قالت امرأة العزيز ليوسف: ﴿اخْرُجْ

стр. 191

عليهنَّ﴾ , فخرج عليهنّ, فلما رأين يوسف, أعظمْنَه وَأَجْلَلْنَهُ وَبُهِتْنَ, وروي عن عبد الصمد بن على الهاشمي (١) , عن أبيه, عن جده: أكبرنه, قال: حِضْنَ, وينشد في هذا المعنى بيت ليس بمعروف: تأتي (٢) النِّسَاءَ عَلَى أَطْهَارِهِنَّ وَلا ... تاتِي النِّسَاءَ إِذَا أَكْبَرْنَ إِكْبَارَا أي: إذا حِضْنَ, ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ قال بعضهم: أَنَّهُنَّ حَزَزْنَ بِالسِّكِّاكينِ فِي أَيْدِيهنَّ وَهُنَّ يَحْسَبْنَ أَنَّهُنَّ يقَطّعْنَ الْأُتْرُجّ (٣) , قاله مجاهد والسدي وابن زيد وابن عباس

стр. 192

وقتادة (١) وابن إسحاق, وقيل: تقطيعهن: تخديش, وقيل: أيديهن (٢) , والتخديش أولى, لأنه ربما خفي على الإنسان ساعه, وليس القطع كذلك, قال ابن عباس: أعطي يوسف وَأُمّه ثُلُث الْحُسْن (٣) , وروي ثابت (٤) عن أنس عن النبي ﷺ قال: أُعْطِيَ يُوسُفُ وَأُمُّهُ شَطْرَ الْحُسْنِ (٥) وقولُهُ: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ أي: تنزيهاً لله, كأنه قال: معَاذَ الله (٦) قاله مجاهد والحسن، حاشا لله،

стр. 193

معاذ الله (١) , وقولُهُ: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ أي: قُلْنَ: مَا هَذَا بَبشَرٍ; لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَرَيْنَ فِي حُسْن صُورَته مِنَ الْبَشَر أَحَدًا, فَقُلْنَ: لَوْ كَانَ مِنَ الْبَشَر لَكَانَ كَبَعْضِ من رَأَيْنَا مِنْ صُورَة الْبَشَر, وَلَكِنَّهُ مِنَ الْمَلَائِكَة لَا مِنَ الْبَشَر. وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ أي: قَالَتْ امْرَأَة الْعَزِيز لِلنِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ, فَهَذَا الَّذِي أَصَابَكُنَّ فِي رُؤْيَتِكُنَّ إِيَّاهُ فِي نَظْرَةٍ مِنْكُنَّ نَظَرْتُنَّ إِلَيْهِ مَا أَصَابَكُنَّ مِنْ ذَهَاب الْعَقْل وَغُرُوب الْفَهْم وَلَهًا إِلَيْهِ حَتَّى قطعن (٢) أَيْدِيَكُنَّ، هُوَ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِي حُبِّي إِيَّاهُ وَشَغَف فُؤَادِي بِهِ، فَقُلْتُنَّ: قَدْ شَغَفَ امْرَأَةَ الْعَزِيز فَتَاهَا حُبًّا ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَال مُبِين﴾. ثُمَّ أَقَرَّتْ لَهُنَّ بِأَنَّهَا قَدْ رَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسه، وَأَنَّ الَّذِي تَحَدَّثْنَ بِهِ عَنْهَا فِي أَمْره حَقّ، فَقَالَتْ ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي: امتنع مِمَّا رَاوَدْتهُ عليه, قال السدّي: استعصم بعد ما أحل السراويل, لا أدري ما بدا له, وقال قتادة: فاستعصم, وقال ابن عباس: فامتنع وإن لم يُطَاوِعْنِي إلى مَا أَدْعُوهُ إِلَيْهِ مِنْ حَاجَتِي إِلَيْهِ لَيُسْجَنَنَّ في السجن, وَلَيَكُونَا مِنْ أَهْل الصَّغَار وَالذِّلَّة بِالْحَبْسِ وَالسَّجْن، وَلَأُهِينَنَّهُ (٣). وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ هَذَا الْخَبَر مِنَ اللَّه تعالى يَدُلّ عَلَى أَنَّ امْرَأَة الْعَزِيز قَدْ عَاوَدَتْ يُوسُف فِي الْمُرَاوَدَة عَنْ نَفْسه، وَتَوَعَّدَتْهُ بِالسَّجْنِ وَالْحَبْس إِنْ لَمْ يَفْعَل مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ، فَاخْتَارَ -صلى الله عليه- السَّجْن عَلَى مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ عَاوَدَتْهُ وَتَوَعَّدَتْهُ بِذَلِكَ، كَانَ مُحَالًا أَنْ يَقُول: ﴿رَبِّ السِّجْن أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ , وَهُوَ لَا يُدْعَى إِلَى شَيْء وَلَا يُخَوَّف بِحَبْسٍ. وَالسِّجْن: المحَبْس نَفْسه، وَهُوَ بَيْت الْحَبْس, وتأويل الكلام: قال يوسف:

стр. 194

يَا رَبّ الْحَبْس فِي السِّجْن أَحَبّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنْ مَعْصِيَتك وَيُرَاوِدْنَنِي عليه مِنَ الْفَاحِشَة, قال السدي: ﴿مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ مِنْ الزِّنَا (١) , قال ابن إسحاق: اسْتَعَانَ ربّه ممَا نَزَلَ بِهِ, وقال: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ أي: أحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ آتِيَ مَا تَكْرَه (٢) , وَإِنْ لَمْ تَدْفَع عَنِّي يَا رَبّ فِعْلَهُنَّ الَّذِي يَفْعَلْنَ بِي فِي مُرَاوَدَتِهِنَّ إِيَّايَ عَلَى أَنْفُسِهِنَّ ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أي: أَمِيل إِلَيْهِنَّ، وَأُتَابِعُهُنَّ عَلَى مَا يُرِدْنَ مِنِّي، مِنْ قَوْل الْقَائِل: صَبَا فُلَان إِلَى كَذَا (٣) كما قال: يزيد بن ضبّة الثقفي (٤): إِلَى هِنْدٍ صَبَا قَلْبِي ... وَهِنْدٌ مِثْلُهَا يُصْبِي (٥) قال: إِلَّا يَكُنْ مِنْك أَنْتَ الْعَوْن وَالْمَنَعَة، لَا يَكُنْ مِنِّي وَلَا عِنْدِي, وقولُهُ: وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ أي: أَكُنْ بِصَبْوَتِي إِلَيْهِنَّ مِنَ الَّذِينَ جَهِلُوا حَقّك وَخَالَفُوا أَمْرك وَنَهْيك. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ فاستجاب الله ليوسف دعاءه فصرف عنه ما أرادت منه امرأة العزيز وصواحباتها من معصية الله, قال ابن اسحاق: " أي: نجّاه من أن يركب المعصية" (٦) , ويقال: ما وجه

стр. 195

قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ وَلَا مَسْأَلَة منه تَقَدَّمَتْ لِرَبِّهِ، وَلَا دَعَا, وَإِنَّمَا أَخْبَرَ رَبّه أَنَّ السِّجْن أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ مَعْصِيَته قِيلَ: فِي إِخْبَاره بِذَلِكَ شِكَايَةً مِنْهُ إِلَى رَبّه (١) , وفي قوله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ موضع دُعَاء وَمَسْأَلَة مِنْهُ رَبّه, فلذلك قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِل: إِنْ لَا تَزُرْنِي أُهِنْك، فَيُجِيبهُ الْآخَر: إِذَنْ أَزُورك ; لِأَنَّ فِي قَوْله: إِنْ لَا تَزُرْنِي أُهِنْك، مَعْنَى الْأَمْر بِالزِّيَارَةِ, وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢) أي: إن ربه هو السميع دعاء يوسف, ودعاء كل داع من خلقه, ﴿الْعَلِيمُ﴾ بمطلبه وحاجته وما يصلحه, وبحاجة جميع خلقه وما يصلحهم. وقد تضمنت الآيات: البيان عما يوجبه عمل الفاحشة من الاجتهاد في سترها, كالاجتهاد في إبطالها, والاستغفار بالتوبة منها بما يمحو أثرها ويسقط التبعة بها, والبيان عما يوجبه ظهور حب الفاحشة من الفضيحة لصاحبها والعنَت بها, والضلال عن طريق الرشد بلزومها, والبيان عما يوجبه اللطيف في النبوة من البهاء والهيبة والحسن, وجلالة الداعي إلى صاحبها بطلب الرشد من جهته والحق من قبله, والبيان عما تدعوا إليه الجهالة مع شدة الشهوة من حمل النفس على الظلم بإيقاع المكروه بمن لا يستحقه لامتناعه من فعل ما لا يجوز له, والبيان عما يوجبه إخلاص الإيمان بالله من الفزع إلى دعائه بكشف ما قد أظل من البلية, واعترى من الآفة, مع الاعتراف بأنه إن لم يعصم من المعصية صاحبها وقع فيها وهلك بموجبها. القولُ في الوقفِ والتمامِ:

стр. 196

﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ تمام (١)، وكذا ﴿مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ , وكذا ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٢)، وقال نافع: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ تمام (٣)، وقال غيره: التمام (٤) ﴿مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ , وقال أبو حاتم: ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ كاف (٥)، ﴿وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ حسن (٦)، وكذا ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٧). وقولُهُ : ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾

стр. 197

الفاء جواب (١) ما أخبر به, و ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ استجاب, ﴿فَصَرَفَ﴾ معطوفٌ على ما قبله, ﴿عَنْهُ﴾ متعلق بـ ﴿فَصَرَفَ﴾ , ﴿كَيْدَهُنَّ﴾ نصب بـ صرف, ﴿إِنَّهُ﴾ مستأنف, ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ابتداء وخبر في موضع خبر إنّ, والإضمار عائد على الرّب, والهاء في ﴿لَهُ﴾ على يوسف, ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف, ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿بَدَا﴾ وكذا ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ﴾، ﴿الْآَيَاتِ﴾ نصب بـ ﴿رَأَوُا﴾ و ﴿مَا﴾ مع ما بعدها بتقدير المصدر, والتقدير من بعد رؤية الآيات, ولك أن تقدرها بمعنى الذي (٢)، ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ لام قسم مؤكد بالنون الشديدة, وفي هذا معنى القسم وليسجننه جواب القسم (٣)، واختلف في فاعل ﴿بَدَا﴾ فذهب سيبويه (٤) إلى أن الفاعل: ما دل عليه ﴿ليَسجُننّه﴾ أي: ظهر لهم أن يسجنوه, وقال المبرد (٥): "الفاعل مضمر دل

стр. 198

عليه بدا بتقديره بدا لهم بداء" (١) وقيل: الفاعل رأي: أي بدا لهم رأيٌ لم يكونوا يعرفونه وحذف لدلالة الكلام عليه (٢)، والوجه ما قال سيبويه لأن إذا وجدنا الظاهر لم يقدر محذوف, وكان هذا الظاهر الذي هو ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ لما قام مقام الفاعل ودلّ عليه كأنه هو الفاعل (٣)، وأما قول المبرد فإن الفعل لا يدل من لفظه على الفاعل إنما يطلبه"و ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ حتى غاية (٤) متعلقة بـ ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ , ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾، ﴿مَعَهُ﴾ متعلق بـ دخل و ﴿السِّجْنَ﴾ نصب بـ دخل, ﴿فَتَيَانِ﴾ رفع بفعلهما وهما تثنية فتىً وفتى من ذوات الياء, ولا يعتد بقولهم للفتوة لشذوذه (٥) ﴿إِنِّي أَرَانِي﴾ كسرت لأنها بعد القول (٦)، ﴿خَمْرًا﴾ نصب بـ ﴿أَعْصِرُ﴾ , ﴿فَوْقَ رَاسِي خُبْزًا﴾ , ﴿فَوْقَ﴾ ظرف العامل فيه ﴿أَحْمِلُ﴾ , و ﴿خبزاً﴾ نصب بـ ﴿أَحْمِلُ﴾ , ﴿تَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ في موضع النعت لخبز (٧) , و ﴿مِنْهُ﴾ متعلق بـ ﴿تَاكُلُ﴾ , ﴿نَبِّئْنَا بِتَاوِيلِهِ﴾ أمر, أي: خبّرنا, بـ ﴿تاوِيلِهِ﴾ متعلق بـ ﴿نَبِّئْنَا﴾ , ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ من متعلقة

стр. 199

بـ ﴿نَرَاكَ﴾ , ﴿لَا يَاتِيكُمَا طَعَامٌ﴾ ﴿تُرْزَقَانِهِ﴾ نعت لطعام, ﴿إِلَّا﴾ إيجاب بعد نفي, ﴿نَبَّاتُكُمَا بِتَاوِيلِهِ﴾ متعلق بـ ﴿نَبَّاتُكُمَا﴾ , ﴿قَبْلَ أَنْ يَاتِيَكُمَا﴾ قبل ظرف (١) العامل فيه ﴿نَبَّاتُكُمَا﴾ , ﴿أَنْ﴾ في موضع خفض بإضافة قبل إليها, ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ ابتداء وخبر, وما بمعنى الذي (٢)، ومن متعلقة بالاستقرار, وذلك إشارة إلى الإنباء, ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ﴾ مستأنف, ﴿مِلَّةَ﴾ نصب بـ ﴿تَرَكْتُ﴾ , ﴿قَوْمٍ﴾ خفض بإضافة ﴿مِلَّةَ﴾ إليهم, ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ في موضع النعت لقوم, ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ , ﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ ابتداء وخبر و ﴿بِالْآَخِرَةِ﴾ متعلق بـ ﴿كَافِرُونَ﴾ يجوز أن يكون هم الثانية توكيداً على طريقة التكرير (٣) و ﴿مِلَّةَ﴾ نصب بـ اتبعت, ﴿آَبَائِي﴾ خُفِض بإضافة ﴿مِلَّةَ﴾ إليهم, ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ بدل (٤) من ﴿آَبَائِي﴾ , ﴿مَا﴾ حرف نفي (٥) ﴿كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ﴾ ﴿أَنْ﴾ وما عملت فيه بموضع رفع اسم ﴿كَانَ﴾ (٦) و ﴿لَنَا﴾ خبر كان متعلق بمعنى الاستقرار, و ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿نُشْرِكَ﴾ , ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ متعلق أيضاً بـ ﴿نُشْرِكَ﴾ وهي في موضع نصب, والتقدير أن نشرك بالله شيئاً ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ علينا﴾ , ﴿ذَلِكَ﴾ رفع

стр. 200

بالابتداء, ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ الخبر متعلق بمعنى الاستقرار, و ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما تقدم مما أخبر به (١)، ﴿علينا﴾ متعلق بـ ﴿فَضْلِ اللَّهِ﴾ , ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ , ﴿النَّاسِ﴾ عطف على النون والألف بإعادة الخافض, لأن المضمر لا يعطف عليه إلا بإعادة العامل (٢)، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ , ﴿وَلَكِنَّ﴾ توكيد ناصب لـ ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ , و ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾ خبر لكنّ وقد تقدم القول في ياء النفس (٣) في تحريكها وإسكانها فمن أسكنها فلاستثقال الحركة فيها ومن حركها فعلى الأصل لأن لا يكون اسم على حرف واحد ساكناً واختار الفتحة لخفتها مع ثقل الياء (٤). القولُ في المعنى والتفسيرِ: المعنى-والله أعلم: فاستجاب الله ليوسف دعاءه فصرف عنه ما أرادت منه امرأة العزيز وصواحباتها من معصية الله, قال ابن اسحاق: أي "نجّاه من أن يركب المعصية منهنّ وقد نزل به بعض ما حذر

стр. 201

منهن (١) ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: إن ربه هو ﴿السَّمِيعُ﴾ دعاء يوسف, ودعاء كل داع من خلقه, ﴿الْعَلِيمُ﴾ بمطلبه وحاجته وما يصلحه, وبحاجة خلقه وما يصلحهم (٢)، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ أي: ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ للعزيز, وقد قيل: ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ وهو واحد, لأنه لم يذكر باسمه ويقصد بعينه, وذلك نظير قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (٣)، وقيل: إن قائل ذلك كان واحداً, ومعنى ثم بدا لهم في الرأي الذي كانوا رأوه من ترك يوسف مطلقا, ورأوا أن يسجنوه من بعد ما رأوا الآيات ببراءته مما قذفته به امرأة العزيز, وتلك الآيات كانت، قد القميص من دبر, وخمشا في الوجه وقطع أيديهن (٤)، وقولُهُ: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ أي: إلى الوقت الذي يرون فيه رأيهم وجعل الله ذلك الحبس ليوسف عقوبة له من همه بالمرأة وكفارة لخطيئته, روي عن ابن عباس أنه قال: عثر يوسف ثلاث عثرات, حين هم بها, وحين قال اذكرني عند ربك فلبث في السجن بضع سنين, وأنساه الشيطان ذكر ربه, وقال لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ فقالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ , وذكر أن سبب حبسه في السجن كان شكوى امرأة العزيز إلى زوجها, أَمْرَهُ وَأَمْرَهَا (٥) قال السدي: قالت المرأة لزوجها إن هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس يعتذر إليهم ويخبرهم أني راودته عن نفسه, ولست أطيق أن أعتذر بعذري, فإما

стр. 202

أن تأذن لي فأخرج وأعتذر, وإما أن تحبسه كما حبستني, فذلك قول الله : ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ الآية وقيل: الحين معني به: سبع سنين: قاله عكرمة (١). وقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ أي: دخل مع يوسف السجن فتيان, وفي الكلام حذف, والتقدير: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ , فسجنوه فأدخلوه السجن ودخل معه فتيان, وكان الفتيان فيما ذُكر غلامين من غِلمان ملك مصر الأَكْبر، أحدهما صاحب شرابه, والآخر صاحب طعامه, قال ابن اسحاق (٢): كان اسم أحدهما مَجْلِثُ, والآخر نَبُو الذي كان على الشراب (٣)، قال قتادة: كان أحدهما خباز الملك على طعامه, والآخر ساقيه على شرابه (٤)، قال السدي: غضب على خبازه, بلغه أنه يريد أن يسَّمه فحبسه وحبس صاحب شرابه, ظن أنه مَالَأَهُ (٥) على ذلك, فحبسهما جميعا. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ ذكر أن يوسف ﵇ لما دخل السجن, قال لمَنْ فيه مِنَ الْمُحْبَسِينَ, لما سألوه عن علمه قال: إني أعبر الرؤيا (٦)، فقال أحد الفتيين الذين (٧) أدخلا معه السجن للآخر: تعال لنختبره أي: هلم فلنحدّث (٨) هذا العبد العبراني نترائى له, فسألاه

стр. 203

من غير أن يكونا رأَيَا شيئا (١)، فقال الخباز: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَاسِي خُبْزًا تَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ , وقال الآخر: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ قال عبد الله بن مسعود: " مَا رَأَى صَاحِبَا يُوسُفَ شَيْئًا، وَإِنَّمَا كَانَا تَحَالَمَا لِيُجَرِّبَا (٢) عَلِمَهُ (٣) " وقال ابن اسحاق ومجاهد: "إِنَّمَا سَأَلَهُ الْفِتْيَانِ عَنْ رُؤْيَا كَانَا رَأَيَاهَا عَلَى صِحَّةٍ وَحَقِيقَةٍ، وَعَلَى تَصْدِيقٍ مِنْهُمَا لِيُوسُفَ لَعَلِمِهِ بِتَعْبِيرِهَا" قال: إن يوسف لما قالا له وَاللَّهِ يَا فَتَى لَقَدْ أَحْبَبْنَاكَ حِينَ رَأَيْنَاكَ, فقال لهما حين قالا له ذلك: أناشدكما الله أن "لاّ" (٤) تُحبّاني, فوالله ما أحبّني أحدٌ قط إلاّ دخل عَلَيَّ مِنْ حُبِّهِ بَلَاءٌ, لقد أحبتني عمتي فدخل عَلَيَّ في حبها بلاء, ثم لقد أحبني أبي فلقد دخل عَلَيَّ بحبه بلاء, ثم لقد أحبتني زوجة صاحبي هذا فدخل عَلَيَّ بحبها إياي بلاء, فلا تحبّاني بارك الله فيكما, قال فأبيا إلّا حُبَّهُ، وَإِلْفَهُ حيث كان, وجعلا يُعْجِبُهُمَا ما (٥)، يَرَيَانِ من فهمه وعقله, وقد كانا رأَيا حين أُدخلا السجن رُؤْيَا, فرأى مَجْلِثُ أنه يحمل فوق رأسه خبزاً تأكل الطير منه, ورأى نَبُو أنه يعصر خمراً فَاسْتَفْتِيَاهُ فيها وقالا له: ﴿نَبِّئْنَا بِتَاوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إن فعلت (٦)، وعَنى بقوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أي إني أرى في نومي أني أعصر عنبا (٧)، وسماه خمراً بما يصير إليه أمره (٨). الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعلى الْمَنَّانِ ... صَارَ الثَّرِيدُ فِي رُءُوسِ الْعِيدَانِ (٩)

стр. 204

فسمى السنبل ثريدا لما يؤول إليه أمره, وقال الضحاك:"هو بلغة عمان يسمون العنب خمرا (١) " أخبرنا (٢) بما يؤول إليه ما أخبرناك به إنا رأيناه في منامنا ورجع إليه, أي: ﴿نَبِّئْنَا بِتَاوِيلِهِ﴾ , قال أبو عبيد (٣): "إن تأويل الشيء ومنه تأويل الرؤيا إنما هو الذي يؤول إليه" واختلف في معنى الإحسان الذي وصف الفتيان به يوسف فقال بعضهم: كان يعود مريضهم ويعزّي حزينهم, وإذا احتاج منهم إنسان جَمَع له (٤) قاله: الضحاك بن مزاحم, وقال قتادة: في شيء ذكره: فقالوا: من أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف بن صفيّ الله يعقوب بن ذبيح الله إسحاق بن إبراهيم خليل الله, وكانت عليه محبة, وقال: له عامل السجن يا فتى: والله لو استطعت لخلّيت سبيلك, ولكن سأحسن جوارك, وأحسن إسارك فكن في أي بيوت السجن شئت (٥)، وقال الآخرون (٦): إنا نراك من المحسنين (٧) نبأتنا بتأويل رؤيانا هذه, قاله ابن اسحاق. وقيل: أنهما قالا: له نبأنا بتأويل رؤيانا فإنا نراك محسناً إلينا في إخبارك إيانا بذلك, كما نراك محسناً في سائر أفعالك, ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَاتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّاتُكُمَا بِتَاوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَاتِيَكُمَا﴾ أي: قال يوسف للذين استعبراه الرؤيا: ﴿لَا يَاتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّاتُكُمَا بِتَاوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَاتِيَكُمَا﴾ في يقظتكما قبل أن يأتيكما, نحو

стр. 205

ما روى السدي وابن إسحاق (١). ويعنى بتأويله: ما يؤول إليه ويصير ما رأيا في منامهما من الطعام الذي رأيانه أتاهما فيه. ﴿ذَلِكُمَا﴾ هذا الذي أذكر أني أعلمه من تعبير الرؤيا: ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ فعلمته، علمني ذلك ربي (٢) , لأني ﴿تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ , وجاء الخبر مبتدأ: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ﴾، والمعنى: مَا مِلْتُ، وإنما ابتدأ بذلك، لأن في الابتداء الدليل على معناه (٣) وقوله: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: برِئْتُ من ملة من لا يصدق بالله ويقرّ بوحدانيته, ﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ﴾ مع تركهم الإيمان بوحدانية الله لا يقرّون بالمعاد والبعث, ولا بثواب ولا عقاب (٤)، "ـ" (٥) هم مرتين (٦) حُجر بينهما ﴿بِالْآَخِرَةِ﴾ فحسُن التّوكيد كما قال: ﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٧) وكما قال: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ (٨) فإن قال قائل: أين جواب يوسف للفتيين عما سألاه من تعبير رؤياهما من هذا الكلام؟ قيل: أن يوسف ﵇ كره أن يجيبهما عن تأويل رؤياهما لما علم من مكروه ذلك على أحدهما, فأعرض عن ذكره, وأخذ في غيره ليعرضا عن مسألته الجواب بما سألاه عن ذلك, قال ابن جريج: كره العبارة لهما وأخبرهما بشيء لم يسألاه عنه ليريهما أن عنده علما، وكان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاما

стр. 206

معلوما فأَرسَل به إليه (١) , فقال يوسف: ﴿لَا يَاتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّاتُكُمَا بِتَاوِيلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿يَشْكُرُونَ﴾، فلم يدعاه يعدل بهما، وكره العبارة لهما فلم يدعاه حتى يُعبّر لهما فعدَل بهما, وقال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ إلى قوله: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ فلم يدعاه حتى عبّر لهما فقال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَاسِهِ﴾ قالا (٢): ما رأينا شيئا, إنما كنّا نلعب, قال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (٣). وقولُهُ: ﴿لَا يَاتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّاتُكُمَا بِتَاوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَاتِيَكُمَا﴾ معناه: لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة لا في النوم, وإنما أعلَمَهما, على هذا القول أن عنده ما يؤول إليه أمر الطعام الذي يأتيهما من عند الملك ومن عند غيره, لأنه قد علم النوع الذي إذا أتاهما, كان علامة لقتل من أتاه ذلك منهما, والنوع الذي إذا أتاه كان علامة لغير ذلك, فأخبرهما أنه عنده عِلْم ذلك (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: اتبعت دينهم لا دين أهل الشرك, ما كان لنا أن نجعل لله شريكاً في عبادته وطاعته, بل الذي علينا إقرارنا بالألوهية والعبادة له ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ علينا﴾ أي: إتباعي ملة آبائي على الإسلام, وتركي ﴿مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ ﴿وَاتَّبَعْتُ﴾ من فضل الله الذي تفضل به علينا, فأنعم إذ أكرمنا به, وذلك أيضاً من فضل الله على الناس, إذ أرسلنا إليهم دعاة إلى توحيده وطاعته (٥) , ولكن من

стр. 207

يكْفر بالله لا يشكر ذلك من فضله عليه لأنه لا يعلم ما أنعم الله به عليه, وذكر أن أبا الدرداء (١) كان يقول: يَا رُبَّ شَاكِرِ نِعْمَةٍ غَيْرُ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ لَا يَدْرِي، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ (٢). وقد تضمنت الآيات البيان عما توجبه إخلاص الدعاء لله جل وعز من الإجابة على ما فيه من المصلحة والخير والبركة, بما يؤدي إلى الطاعة بدلا من المعصية, والبيان عما يوجبه الهوى من الإقدام على الشيء الذي يزجر عنه العقل مع الرؤية للآيات ووضوح الدلالات, والبيان عما يوجبه لطف الله فما سببه لنجاة يوسف بالعمل من إيجاب الحق على من عبر له الرؤيا وأحسن في جوابه عن الفُتيا, والبيان عما يوجبه لزوم الطاعة لله جل وعز من التفضيل بالعلم الذي يجل به القدر ويحيا به القلب وتعلو المنزلة ويستحق به الرئاسة, والبيان عما يوجبه الدعاء إلى الحق بالدليل الواضح من الاتباع له والاعتقاد بصحته في أمور الدين التي هي أكبر الأمور وأجل المطلوب. القولُ في الوقفِ والتمامِ: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ حسن (٣) , وكذا ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ , ﴿قَبْلَ أَنْ يَاتِيَكُمَا﴾ كاف (٤) عند أبي حاتم,

стр. 208

وقال الأخفش (١): ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾: تمام (٢)، وهو قول نافع, ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ كاف (٣)، وهو تمام عند نافع, ﴿علينا وَعَلَى النَّاسِ﴾ كاف (٤) عند غيرهما, ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾ تمام (٥). وقولُهُ : ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾

стр. 209

﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ نداء مضاف, وحذفت النون للإضافة (١)، والأصل: صاحبين, فكسرت الياء لالتقاء الساكنين, ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ ابتداء وخبر, ودخلت ألف الاستفهام للتقرير والتوبيخ (٢)، ﴿أَمِ اللَّهُ﴾ معطوف, ﴿الْوَاحِدُ﴾ نعت لله, والتقدير: ﴿أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ خبر جملة معطوفة على جملة ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ , ﴿مَا﴾ حرف نفي (٣)، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَعْبُدُونَ﴾ , ﴿إِلَّا﴾ إيجاب, ﴿أَسْمَاءً﴾ نصب بـ ﴿تَعْبُدُونَ﴾ , ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾ في موضع النعت لـ ﴿أَسْمَاءً﴾ , ﴿أَنْتُمْ﴾ توكيد للتاء والميم (٤) , ﴿وَآَبَاؤُهمْ﴾ (٥) عطف على الضمير المتصل (٦) , وحسن للتوكيد, والهاء والألف مفعول أول لـ ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾ والثاني محذوف تقديره ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾ ءآلهة (٧) , ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾، ﴿مَا﴾ حرف نفي, ﴿بِهَا﴾ متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ وكذا ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ , ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ , ﴿إِنِ﴾ بمعنى

стр. 210

ما (١) , و ﴿الْحُكْمُ﴾ رفِع بالابتداء, و ﴿إِلَّا لِلَّهِ﴾ الخبر متعلق بمعنى الاستقرار, ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ﴿تَعْبُدُوا﴾ (٢)

стр. 211

نصب (١) بـ ﴿تَعْبُدُوا﴾ , ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ابتداء وخبر, و ﴿الْقَيِّمُ﴾ نعت لـ ﴿الدِّينُ﴾ , و ﴿ذَلِكَ﴾ اسم إشارة إلى ما أمر به, ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ مثل ما تقدم, ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ ﴿أَمَّا﴾ تفصيل ما لجملته (٢) , أي: وفيها معنى الشرط, ﴿أَحَدُكُمَا﴾ رفع بالابتداء, ﴿فَيَسْقِي﴾ الخبر, ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط, و ﴿رَبَّهُ﴾ نصب بـ يسقى, ﴿خَمْرًا﴾ مفعول ثان, ﴿وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ﴾ معطوف مثل ما تقدم, ﴿فَتَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَاسِهِ﴾ معطوف على ﴿فَيُصْلَبُ﴾ , و ﴿مِنْ رَاسِهِ﴾ متعلق بـ تأكل, ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ , ﴿قُضِيَ﴾ فعل ما لم يسم فاعله, ﴿الْأَمْرُ﴾ اسم ما لم يسم فاعله, ﴿الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ , ﴿الَّذِي﴾ نعت للأمر, و ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَسْتَفْتِيَانِ﴾ , ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ اللام متعلقة بـ قال, ﴿أَنَّهُ نَاجٍ﴾ "فنجيان" (٣) لوقوع الظن عليه (٤)، والهاء اسم أنّ، و ﴿نَاجٍ﴾ خبر, والأصل ناجي استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فسكنت وبعدها التنوين (٥) فحذفت لالتقاء

стр. 212

الساكنين (١) , يقال: نجا نجوا ونجاء (٢) , ﴿مِنْهُمَا﴾ متعلق بـ ﴿نَاجٍ﴾ , ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ متعلق بـ ﴿اذْكُرْنِي﴾ , ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ الفاء جواب الأمر, ﴿فَلَبِثَ﴾ الفاء عاطفة, ﴿فِي السِّجْنِ﴾ فِي متعلقة بـ "لبث", ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ نصب بـ "لبث", والهاء في ﴿فَأَنْسَاهُ﴾ تعود على يوسف, وقيل: على الساقي (٣). القولُ في المعنى والتفسيرِ: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ , ذكر أن يوسف ﵇ قال هذا القول للفتيين اللذين دخلا معه السجن, لأن أحدهما كان مشركا, فدعاه بهذا القول إلى الإسلام, فقال: يا من هو في السجن, وجعلهما صاحبيه لكونهما فيه, كما قال تعالى لسكان الجنة: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٤) فسماهم أصحابها لكونهم فيها (٥)، وكذلك قال لأصحاب النار. وقوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ يقول أعبادة أرباب شتّى متفرقون والآلهة لا تنفع ولا تضر خير, أم عبادة الواحد الذي لاثاني له في قدرته وسلطانه الذي قهر كل شيء فذل له وسخّره فأطاعه

стр. 213

طوعاً أو كرهاً (١). ثم قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ﴾ أي: ما تعبدون من دون الله, فجمع تعبدون, والمخاطب اثنان, فالوجه: أنه أرادهما ومن هو مثلهما على الشرك بالله ممن هو مقيم بمصر من أهلها (٢) , ويجوز أن يكون جعل التثنية جمعا, لأنها ضم شيء إلى شيء, كما قال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَنِي بِهِمْ﴾ وإنما يريد يوسف وأخاه, فقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ﴾ أي: أنتم جعلتم هذه الأصنام آلهة وأربابا تشبيها لها في أسمائها بالله تعالى عن أن يكون له شبه أو مثل, وقد كان دلهم على توحيد الله بقوله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. ثم قال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ يقول: سميتموها (٣)، بها ولا وَضعَ لهم على أن تلك الأسماء أسماؤها دليلا ولا حجة, ولكنها اختلاق منهم لها وافتراء (٤)، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي: وما القضاء في الخلق والاستعباد والأمر والنهي إلا لله, وهو الذي ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ أنتم وجميع خلقه, ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: هذا الذي دعوتكم إليه من البراءة من عبادة ما سوى الله, هو الدين القيم الذي لا اعوجاج فيه (٥)، ولكن أكثر أهل الشرك بالله يجهلون ذلك ولا يعلمون

стр. 214

حقيقته (١) , ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ يقول تعالى مخبراً عن يوسف للذين دخلا معه السجن: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ وهو الذي رأى أنه يعصر خمرا فيسقي سيده, وهو ملكهم فإنه يكون صاحب شرابه, قال ابن زيد (٢): وأما الآخر, الذي رأى أن على رأسه خبزا تأكل الطير منه فيصلب ﴿فَتَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَاسِهِ﴾ , فذكر أنه لما عبّر لهما ما أخبراه أنهما رأياه في منامهما قالا له: ما رأينا شيئا, فقال لهما: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: فرغ من الأمر الذي فيه استفتيتماني ووجب حكم الله عليكما بالذي أخبرتكما به نحو ما روي عن ابن مسعود (٣) وابن إسحاق وابن جريج ومجاهد (٤). وقولُهُ: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (٥) قال يوسف للذي علم أنه ناج من صاحبيه اللذين استعبراه الرؤيا: اذكرني عند (٦) سيدك وأخبره بمظلمتي وإني محبوس بغير جرم (٧) , والعرب تسمي السيد ربا, قال الأعشى (٨):

стр. 215

رَبِّي كَرِيمٌ لَا يُكَدِّرُ نِعْمَةً ... وَإِذَا تُنُوشِدَ بالمهارق (١) أَنْشَدَا ويقال: سقى وأسقى بمعنى (٢) كما قال لبيد (٣): سَقَى قومي بني مَجْدٍ وأسْقَى ... نُمَيْرًا والقبائلَ من هلالِ (٤) ويقال: سقاه ناوله فشرب وأسقاه جعل له سقيا (٥) , قال الله : ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ (٦) وكان قتادة (٧) يوجه الظن في هذا الموضع إلى الذي هو خلاف اليقين, وقال غيره ليس كذلك أمر الأنبياء, وإنه يقين لأنه غير جائز أن تخبرني بخبر عن أمر أنه كائن ثم لا يكون (٨) , وأنه غير كائن ثم
следующие страницы →