نصب (١) بـ ﴿تَعْبُدُوا﴾ , ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ابتداء وخبر, و ﴿الْقَيِّمُ﴾ نعت لـ ﴿الدِّينُ﴾ , و ﴿ذَلِكَ﴾ اسم إشارة إلى ما أمر به, ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ مثل ما تقدم, ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ ﴿أَمَّا﴾ تفصيل ما لجملته (٢) , أي: وفيها معنى الشرط, ﴿أَحَدُكُمَا﴾ رفع بالابتداء, ﴿فَيَسْقِي﴾ الخبر, ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط, و ﴿رَبَّهُ﴾ نصب بـ يسقى, ﴿خَمْرًا﴾ مفعول ثان, ﴿وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ﴾ معطوف مثل ما تقدم, ﴿فَتَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَاسِهِ﴾ معطوف على ﴿فَيُصْلَبُ﴾ , و ﴿مِنْ رَاسِهِ﴾ متعلق بـ تأكل, ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ , ﴿قُضِيَ﴾ فعل ما لم يسم فاعله, ﴿الْأَمْرُ﴾ اسم ما لم يسم فاعله, ﴿الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ , ﴿الَّذِي﴾ نعت للأمر, و ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَسْتَفْتِيَانِ﴾ , ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ اللام متعلقة بـ قال, ﴿أَنَّهُ نَاجٍ﴾ "فنجيان" (٣)
لوقوع الظن عليه (٤)، والهاء اسم أنّ، و ﴿نَاجٍ﴾ خبر, والأصل ناجي استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فسكنت وبعدها التنوين (٥) فحذفت لالتقاء
стр. 212
الساكنين (١) , يقال: نجا نجوا ونجاء (٢) , ﴿مِنْهُمَا﴾ متعلق بـ ﴿نَاجٍ﴾ , ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ متعلق بـ ﴿اذْكُرْنِي﴾ , ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ الفاء جواب الأمر, ﴿فَلَبِثَ﴾ الفاء عاطفة, ﴿فِي السِّجْنِ﴾ فِي متعلقة بـ "لبث", ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ نصب بـ "لبث", والهاء في ﴿فَأَنْسَاهُ﴾ تعود على يوسف, وقيل: على الساقي (٣).
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ , ذكر أن يوسف ﵇ قال هذا القول للفتيين اللذين دخلا معه السجن, لأن أحدهما كان مشركا, فدعاه بهذا القول إلى الإسلام, فقال: يا من هو في السجن, وجعلهما صاحبيه لكونهما فيه, كما قال تعالى لسكان الجنة: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٤) فسماهم أصحابها لكونهم فيها (٥)، وكذلك قال لأصحاب النار.
وقوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ يقول أعبادة أرباب شتّى متفرقون والآلهة لا تنفع ولا تضر خير, أم عبادة الواحد الذي لاثاني له في قدرته وسلطانه الذي قهر كل شيء فذل له وسخّره فأطاعه
стр. 213
طوعاً أو كرهاً (١). ثم قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ﴾ أي: ما تعبدون من دون الله, فجمع تعبدون, والمخاطب اثنان, فالوجه: أنه أرادهما ومن هو مثلهما على الشرك بالله ممن هو مقيم بمصر من أهلها (٢) , ويجوز أن يكون جعل التثنية جمعا, لأنها ضم شيء إلى شيء, كما قال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَنِي بِهِمْ﴾ وإنما يريد يوسف وأخاه, فقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ﴾ أي: أنتم جعلتم هذه الأصنام آلهة وأربابا تشبيها لها في أسمائها بالله تعالى عن أن يكون له شبه أو مثل, وقد كان دلهم على توحيد الله بقوله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.
ثم قال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ يقول: سميتموها (٣)، بها ولا وَضعَ لهم على أن تلك الأسماء أسماؤها دليلا ولا حجة, ولكنها اختلاق منهم لها وافتراء (٤)، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي: وما القضاء في الخلق والاستعباد والأمر والنهي إلا لله, وهو الذي ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ أنتم وجميع خلقه, ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: هذا الذي دعوتكم إليه من البراءة من عبادة ما سوى الله, هو الدين القيم الذي لا اعوجاج فيه (٥)، ولكن أكثر أهل الشرك بالله يجهلون ذلك ولا يعلمون
стр. 214
حقيقته (١) , ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ يقول تعالى مخبراً عن يوسف للذين دخلا معه السجن: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ وهو الذي رأى أنه يعصر خمرا فيسقي سيده, وهو ملكهم فإنه يكون صاحب شرابه, قال ابن زيد (٢):
وأما الآخر, الذي رأى أن على رأسه خبزا تأكل الطير منه فيصلب ﴿فَتَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَاسِهِ﴾ , فذكر أنه لما عبّر لهما ما أخبراه أنهما رأياه في منامهما قالا له: ما رأينا شيئا, فقال لهما: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: فرغ من الأمر الذي فيه استفتيتماني ووجب حكم الله عليكما بالذي أخبرتكما به نحو ما روي عن ابن مسعود (٣) وابن إسحاق وابن جريج ومجاهد (٤).
وقولُهُ: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (٥) قال يوسف للذي علم أنه ناج من صاحبيه اللذين استعبراه الرؤيا: اذكرني عند (٦) سيدك وأخبره بمظلمتي وإني محبوس بغير جرم (٧) , والعرب تسمي السيد ربا, قال الأعشى (٨):
стр. 215
رَبِّي كَرِيمٌ لَا يُكَدِّرُ نِعْمَةً ... وَإِذَا تُنُوشِدَ بالمهارق (١) أَنْشَدَا
ويقال: سقى وأسقى بمعنى (٢)
كما قال لبيد (٣):
سَقَى قومي بني مَجْدٍ وأسْقَى ... نُمَيْرًا والقبائلَ من هلالِ (٤)
ويقال: سقاه ناوله فشرب وأسقاه جعل له سقيا (٥) , قال الله : ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ (٦) وكان قتادة (٧) يوجه الظن في هذا الموضع إلى الذي هو خلاف اليقين, وقال غيره ليس كذلك أمر الأنبياء, وإنه يقين لأنه غير جائز أن تخبرني بخبر عن أمر أنه كائن ثم لا يكون (٨) , وأنه غير كائن ثم
стр. 216
يكون, ودليل ذلك في هذا: قول يوسف ﵇ ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ , ولذلك قال ﴿لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (١).
وقولُهُ: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ خبر من الله عن غفلة عَرَضت ليوسف من قبل الشيطان نَسِيَ لها ذكر ربه الذي لو أنه استغاث به لأسرع مما هو فيه خلاصه, ولكنه زل بها فأطال من أجلها في السجن حبسه (٢) , وروي عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : "لو لم يقل يعني، يوسف الكلمة التي قال ما لبث في السجن طول ما لبث, حيث ابتغى الفرج من عند غير الله (٣) ".
стр. 217
قوله: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ يقول فلبث يوسف لقيله للناجي من صاحبي السجن: اذكرني عند سيدك, ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ عقوبة من الله له بذلك (١) , واختلف في البضع فقال بعضهم: ما بين الثلاثة إلى الخمس, وقال قطرب (٢): إلى السبع (٣) , وقال الأصمعي: القول الصحيح مابين الثلاثة إلى التسع (٤) , وهو مشتق من بضعت الشيء أي: قطعته, فمعناه قطعه من العدد, وقال الفراء (٥):
لا
стр. 218
يذكر البضع إلا مع عشر, وهو مع العشرين إلى التسعين, وما زاد على المائة لا يقال فيه بضع, وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه الاستبصار في الدين من الدعاء إلى الحق بدليل أن القادر بما يقهر كل شيء سواه أحق بالإلهية من الذليل المقهور والضعيف الحقير, والبيان عما توجبه الحكمة من بطلان تفاريق العبادة وإخلاصها لله وحده بنعمه التي لا يقدر عليها غيرُه جلَّ وعزَّ, والبيان عما يوجبه العلم من حسن الفتيا في عبارة الرؤيا مع الفوز بالهدى في الدين بما هو خير في الآخرة والأولى, والبيان عما توجبه الحكمة من التدبير للخلاص من أيدي الظلمة برفع الحال إلى الملك المعظم ليزيل الفساد ويحض على الصلاح والسداد أهل العلم والرشاد.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ كاف (١) , وكذا ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) , ﴿فَتَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَاسِه﴾
تمام (٣) عند الأخفش, ﴿الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ حسن (٤) , وكذا ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ (٥).
وقولُهُ :
стр. 219
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾
كسرت إنّ لأنها بعد القول (١)، ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ نصب بـ ﴿أَرَى﴾ , ﴿سِمَانٍ﴾ نعت (٢) لـ ﴿بَقَرَاتٍ﴾ , ﴿يَاكُلُهُنَّ﴾ فعل مستقبل نعت لـ ﴿بَقَرَاتٍ﴾ والهاء والنون نصب (٣) بـ ﴿يَاكُلُهُنَّ﴾ , ﴿سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ رفع بـ ﴿يَاكُلُهُنَّ﴾ , ﴿عِجَافٌ﴾ نعت لـ ﴿سَبْعٌ﴾ , ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ﴾ عطف على ﴿سَبْعَ﴾ الأولى, ﴿سُنْبُلَاتٍ﴾ خفض بإضافة ﴿سَبْعٌ﴾ إليهن, ﴿خُضْرٍ﴾ نعت لـ ﴿سُنْبُلَاتٍ﴾ , ﴿وَأُخَرَ﴾ عطف على ﴿سُنْبُلَاتٍ﴾ , إلا أنه لا ينصرف, ﴿يَابِسَاتٍ﴾ نعت لـ أخر, ﴿فِي أمري﴾ (٤) متعلق بـ ﴿أَفْتُونِي﴾ وألفه ألف قطع, ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ , ﴿إِنْ﴾ حرف شرط, ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ اللام متعلقة بـ ﴿تَعْبُرُونَ﴾ وجاز
стр. 220
دخول اللام مع تعدي الفعل لتقدمها، وجواب الشرط ما تقدم (١) , و ﴿تَعْبُرُونَ﴾ خبر ﴿كُنْتُمْ﴾ , ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ ابتداء وخبر, ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَاوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ ما حرف نفي و ﴿نَحْنُ﴾ اسمها (٢)
, و ﴿بِعَالِمِينَ﴾ الخبر متعلق بمعنى الاستقرار, و ﴿بِتَاوِيلِ الْأَحْلَامِ﴾ متعلق ﴿بِعَالِمِينَ﴾ , ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ , ﴿الَّذِي﴾ رفع بـ قال, و ﴿مِنْهُمَا﴾ متعلق بـ ﴿نَجَا﴾ , ﴿وَادَّكَرَ﴾ معطوف على ﴿نَجَا﴾ , والأصل: اذتكر الذال معجمة مجهورة, والتاء مهموسة, فلم يجز إدغام الذال في التاء لأن لا يذهب الجهر, فأبدلوا من التاء حرفا مجهورا شِبه الدال في الجهر فصار اذدكر, ثم أدغموا الدال في الذال فصار ادَّكر (٣)، ويجوز في العربية اذَّكَر بالدال المعجمة على أن نقلت الدال ذالا وتدغم الذال في الدال (٤)، والأول أجود, ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ نعت (٥) ظرف العامل فيه"ادَّكر", ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَاوِيلِهِ﴾ ابتداء وخبر, و ﴿بِتَاوِيلِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾ , ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ الفاء جواب ما أخبر به, ﴿يُوسُفُ﴾ نداء مفرد, ﴿فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَاكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ الكلام فيه مثل ما تقدم, ﴿لَعلي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ , لعلي (٦) ترج و ﴿إِلَى﴾ متعلق بـ ﴿أَرْجِعُ﴾ , قَالَ: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ , ﴿دَأَبًا﴾ مصدر أي تدائبون
стр. 221
دأبا يقرأ بتحريك الهمزة وإسكانها, فالإسكان أصل المصدر, والفتح من أجل حرف الحلق وهو الهمزة, والدأب العادة والملازمة (١) , ومنه قول امرئ القيس:
كَدَابِك (٢) من أُمّ الْحُوَيْرِث (٣) قَبْلَهَا ... وجَارَتِهَا أُمّ الرَّبَاب بِمَاسَلِ
أي كعادتك وقوله: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ ما شرط, و ﴿حَصَدْتُمْ﴾ مشروط به, ﴿فَذَرُوهُ﴾ جواب الشرط, والهاء منصوبة بـ "ذروه", والهاء عائدة على ما, ﴿فِي سُنْبُلِهِ﴾ متعلق بـ "ذروه", ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ استثناء من الضمير, ﴿مِمَّا تَاكُلُونَ﴾ "ما" بمعنى الذي, ومن متعلقة بالاستقرار في موضع النعت لـ"قليل".
القولُ في القراءةِ:
стр. 222
كلهم قرأ ﴿دابا﴾ بسكون الهمزة إلا حفصاً فإنه فتحها (١) , فالإسكان أصل المصدر, والتحريك من أجل حرف الحلق, ودليل الإسكان قوله تعالى: ﴿كَدَابِ﴾ , والفتح مثل قولهم نهْر ونهَر وسمْع وسمَع لغتان, وذكر ابن أبي حاتم (٢) أن الفتح مصدر دِئْب وليس يعرف دِئْب (٣) وإنما يقال داب.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم وقال: ملك مصر إني أرى في المنام سبع بقرات سمان يأكلهن سبع من البقر عجاف, وقال: إني أرى, ولم يذكر أنه رأى في منامه ولا في غيره لتعارف العرب "بينهما" (٤) في كلامها, إذا قال القائل منهم: إني أرى أن (٥) أفعل كذا وكذا أنه خبرٌ عن رؤية ذلك في منامه فأخرج الخبر على ما جرى به استعمال العرب, والتقدير: فأرى سبع سنبلات خضر في منامي وسبعاً أخر يابسات, يا أيها الأشراف من رجالي وأصحابي أفتوني في رؤياي فاعبروها إن كنتم للرؤيا عبَرة (٦).
стр. 223
وقوله: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: قال الملأ الذين سألهم ملك مصر عن رؤياه: هذه أضغاث أحلام, يعنون أنها أخلاط (١)
رؤيا كاذبة لا حقيقة لها (٢) , والضغث خلط قمش اليد (٣) , وهو غير متشاكل ولا متلائم, فشبهوا الخلط المنام به, وقيل الضغث الحزمة من الحشيش (٤) وذلك متقارب, وأضغاث جمع ضغث, والأحلام جمع حلم, وهو ما لم يصدق من الرؤيا (٥)، قال ابن مقبل (٦):
خَوْدٌ (٧) كَأَنَّ برأسها (٨) وُضِعَتْ بِهِ ... أَضْغَاثُ رَيْحَانٍ غَدَاةَ شَمَالِ (٩)
стр. 224
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَاوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ يقولون: وما نحن بما تؤول إليه الأحلام الكاذبة بعالمين (١) إنما هي أضغاث أحلام أي: أخلاط غير ملتمة (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ أي: قال الذي نجا من القتل من صاحبي السجن اللّذين استعبرا يوسف الرؤيا, وتَذَكّر ما كان نسيَ من أمر يوسف, وذَكَر حاجته للملك الذي كان سأله أن يذْكُرَها له بقوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ , وقولُهُ: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ (٣) أي: بعد حين (٤). وقولُهُ: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَاوِيلِهِ﴾ أي: أنا أخبركم بتأويله يقول: فأطلقوني أمضي لآتيكم بتأويله من عند العالم به (٥)، وفي الكلام حذف والتقدير: فأَرسَلوه فأتى يوسف فقال له: يا يوسف أيها الصديق أي: الكثير الصدق, وقال: أرسلوني لأن السجن ما كان بالمدينة (٦) كما روي عن ابن عباس.
стр. 225
وقولُهُ: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ ففسر أن البقرات السمان أنهن السُّنونَ المخْصِبة (١) , والعجاف السُّنونَ المجْدِبة التي لا تنبت شيئا (٢) , وسبع سنبلات خضر السُّنونَ المخْصِبة أيضاً, واليابسات السُّنونَ المجْدِبة الْمُحُول (٣) , والعجاف المهازيل شبه السنين بها (٤)، وقوله تعالى: ﴿أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أرجع إلى الناس فأخبرهم ليعلموا تأويل ما سألتك عنه من الرؤيا (٥) , وقيل: لعلهم يعلمون بموضعك ويخرجوك من السجن فقال: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ أي: تزرعون هذه السبع السنين كما كنتم تزرعون سائر السنين قبلها على عادتكم, والدأب العادة (٦) بما حصدتم من رزقكم (٧) , ﴿فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَاكُلُونَ﴾ قال هذه مشورة أشار بها يوسف على القوم, ورأي رآه لهم صلاحا, فأمرهم باستبقاء (٨) طعامهم لما فسر لهم حديث الجدب, فقال: نجعل الخصب عبرة للجدب ليبقى للحاجة إليه.
وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه حال العالم من حاجة الملوك إليه فيما ينبئهم مما لايهتدون إلى طريقه ولا يعرفون وجه الصواب فيه, فيجدون عند العالم ما يزيل الحيرة ويشفي النفس عند المسألة, والبيان عما يوجبه حسن التدبير في التنبيه على العالم الجليل من سد الطرق على غيره في التأويل حتى يلجأ إليه فيظهر فضله بالعلم على الجميع, والبيان عما يوجبه ذكر الوصية بما تدعو إليه الحكمة من فرج الموصي بتخليصه من يد الظالم وفرج المستفتي بالبيان عما احتاج إليه من العالم والبيان عما يوجبه سؤال العالم من إخراج الفائدة مما يشتد الحاجة
стр. 226
وتعظم المنفعة بإزالة الحيرة وإيجاب البصيرة في المعنى الذي يطلب به المعرفة, والبيان عما يوجبه جواب العالم من الفائدة فيما وقعت به المسألة فيما يحتاج إلى العمل عليه ولا غناء بالإنسان عنه.
القولُ في الوقفِ والتمامِ: ﴿تَعْبُرُونَ﴾ حسن (١) , و ﴿بِعَالِمِينَ﴾ كاف (٢) , ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ تمام (٣) عند نافع وغيره (٤) , ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ حسن (٥)، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَاكُلُونَ﴾ كاف (٦).
وقولُهُ :
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾
﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف, ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ , ﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ ﴿يَاتِي﴾ , ﴿ذَلِكَ﴾ خفض بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه, و ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما ذكر من الخصب, ﴿سَبْعٌ﴾ رفع بـ ﴿يَاتِي﴾ ,
стр. 227
﴿شِدَادٌ﴾ نعت لـ ﴿سَبْعٌ﴾ والتقدير سبع سنين شداد, ﴿يَاكُلْنَ﴾ نعت أيضا وجعلهن يأكلن لوقوع الأكل منهن (١).
كما قال (٢):
نَهَارُكَ يَا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ ... ولَيْلُكَ نَوْمٌ، وَالرَّدَى لك لاَزِمُ (٣)
فوصف النهار بالسهو والغفلة, والليل بالنوم, وإنما يسهو ويغفل فيه وينام في الليل, وذلك لعلم المخاطبين به (٤) ﴿مَا﴾ في موضع نصب بـ ﴿يَاكُلْنَ﴾ , و ﴿مَا﴾ بمعنى الذي ﴿لَهُنَّ﴾ متعلق بـ ﴿قَدَّمْتُمْ﴾ , ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ نصب على الاستثناء, مما قدمتم لهن ﴿مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ من في موضع النعت لـ "قليل" متعلقة بمعنى الاستقرار, ﴿مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ ما بمعنى الذي, والتقدير من الذي يحصنونه (٥)، ﴿عَامٌ﴾ رفع بـ ﴿يَاتِي﴾ , ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ , ﴿يُغَاثُ﴾ نعت لـ ﴿عَامٌ﴾ , ﴿وفِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُغَاثُ﴾ , وكذا ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ , ﴿وَفِيهِ﴾ متعلقة بـ
стр. 228
﴿يَعْصِرُونَ﴾ , وهو عطف على ما تقدم, ﴿الْمَلِكُ﴾ رفع بـ ﴿قَالَ﴾ , ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿ائْتُونِي﴾ , ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ الفاء جواب الأمر, والهاء راجعة إلى يوسف, ﴿الرَّسُولُ﴾ رفع بـ ﴿جَاءَهُ﴾ والهاء في ﴿جَاءَهُ﴾ عائدة على ﴿الْمَلِكُ﴾ (١) , ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ , ﴿إِلَى﴾ متعلقة بـ ﴿ارْجِعْ﴾ ولما ظرف العامل فيه ﴿قَالَ ارْجِعْ﴾ , ﴿فَاسْأَلْهُ﴾ الفاء جواب الأمر (٢)
في ﴿ارْجِعْ﴾ , ﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ , ﴿أَيْدِيَهُنَّ﴾ نصب بـ ﴿قَطَّعْنَ﴾ , ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ الباء متعلقة بـ ﴿عَلِيمٌ﴾ , ﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ , ﴿مَا﴾ استفهام على طريق التقرير في موضع رفع بالابتداء, و ﴿بَالُ﴾ الخبر, وكذا ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ , ﴿إِذْ﴾ ظرف العامل فيه ﴿خَطْبُكُنَّ﴾ وشددت النون من ﴿خَطْبُكُنَّ﴾ لأنها بإزاء الميم والواو في المذكر, وكذلك مَا شاكله, وقد تقدم ذكره, والمراودة المفاعلة من راود يراود مراودة (٣) , ويوسف نصب بـ ﴿رَاوَدْتُنَّ﴾ , ﴿قُلْنَ﴾ جواب الاستفهام والأصل قولن نقلت حركة الواو إلى القاف فسكنت الواو وسكنت اللام لاتصالها بالضمير فالتقى ساكنان فحذفت الواو لالتقاء الساكنين (٤) , وخففت النون من ﴿قُلْنَ﴾ لأنها بإزاء جواب حرف واحد من ضمير المذكر في قالوا حاش لله قد تقدم القول فيه, ﴿مَا عَلِمْنَا عليه مِنْ سُوءٍ﴾ , ﴿مَا﴾ حرف نفي, ﴿عليه مِنْ
стр. 229
سُوءٍ﴾ متعلق بـ ﴿عَلِمْنَا﴾ , و ﴿مِنْ﴾ زائدة لتوكيد الجحد، ﴿الْآَنَ﴾ ظرف العامل فيه ﴿قَالَتِ﴾ , ﴿حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أي: تبين (١) وظهر (٢)
, واشتقاقه من الحصة, أي: بانت حصة أي بانت حصة الحق من حصة الباطل (٣) وأصله من حص شعره إذا استأصل (٤) قطعة (٥) , ومنه الحصة القطعة من الشيء, فالمعنى القطع عن الباطل بظهوره, ونظيره كبُّوا وكَبْكَبُوا, وَكَفَ الدمعُ (٦) وكَفْكَفَه, وردَّ وردَّدَ, ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ﴾ , ﴿أَنَا﴾ رفع بالابتداء و ﴿رَاوَدْتُهُ﴾ الخبر, ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ متعلق بـ ﴿رَاوَدْتُهُ﴾ , ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ مستأنف واللام لام توكيد و"من" متعلقة بفعل محذوف تقديره لصادق من الصادقين (٧) , ﴿ذَلِكَ﴾ رفع بالابتداء, ﴿لِيَعْلَمَ﴾ نصب بلام كي,
стр. 230
وهي متعلقة بفعل محذوف (١) تقديره ردي الرسول ليعلم واللام وما عمل فيها خبر ﴿ذَلِكَ﴾ , والإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى الرد ويجوز أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ في موضع نصب أي: فقلت (٢)
стр. 231
ذلك ليعلم (١)، "أن" (٢) في موضع نصب بـ يعلم ﴿بِالْغَيْبِ﴾ متعلق بـ ﴿أَخُنْهُ﴾ , ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ , "أَنَّ" معطوفة على الأولى, و ﴿كَيْدَ﴾ نصب بـ ﴿يَهْدِي﴾ , والأصل في ﴿أَخُنْهُ﴾ أخونه فلما سكنت النون للجزم وقبلها الواو ساكنة حذفت الواو (٣) لالتقاء الساكنين (٤).
القولُ في القراءةِ:
قرأ حمزة والكسائي ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ بالتاء, والباقون الياء (٥) , مردودةٌ إلى الناس لقربها منهم, والتاء محمولة على الخطاب المتقدم في قوله ﴿تَزْرَعُونَ﴾ ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ﴾ و ﴿تُحْصِنُونَ﴾ و ﴿تَاكُلُونَ﴾.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم ثم يجيء من بعد السنين السبع سُنونَ سبع شداد جدوب قَحِطة يؤكل فيهن ما قدمتم في إعداد ما أعددتم لهم في السنين السبع الخصبة من الطعام والأقوات, ووصف السنين بالأكل لأن الأكل فيهن أي: أهل تلك الناحية يأكلون فيها (٦) , ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ المعنى إلا
стр. 232
يسيرا مما تحرزونه (١) , و ﴿تُحْصِنُونَ﴾ تصيرونه في حصن أي: في حرز قال ابن عباس (٢): تحرزون, وقال السدي (٣): ترفعون وهو ما ينبت.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ وهذا خبر من يوسف ﵇ للقوم بما لم يكن في رؤيا مَلِكِهم, ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله وذلك دلالة على نبوته وحجة على صدقه (٤) , قال قتادة: ثم زاده الله علم ما لم يسألوه عنه (٥)، فقال: ﴿ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أي: يغاث الناس بالمطر (٦)، وأصل الغيث: القطع (٧) الذي يأتي على شدة حاجة ينفي المضرة, يقال: غاثهم الله يغيثهم غيثا, والكلأ وهو النبات من ماء السماء يسمى: غيثا وجمعه غُيُوث, ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ العنب والسمسم وما أشبه ذلك (٨) , قال ابن عباس: يعصرون الأعناب، والدهن (٩) ,
стр. 233
وقال قتادة: الأعناب والثمار (١) , وروي عن ابن عباس أيضا: يعصرون يحلبون (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ أي: لما رجع الرسول الذي أرسلوه إلى يوسف فأخبرهم عن يوسف وتأويل الرؤيا التي رأها الملك, علِم الملك حقيقة ما أفتاه به يوسف, وقال الملك ائتوني بالذي عبّر رؤياي هذه (٣)، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ أي: فلما جاء رسول الملك يوسف يدعوه إلى الملك قال يوسف للرسول: ارجع إلى سيدك فاسأله ﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ , والمرأة التي سجنت بسببها (٤)، وأبى أن يخرج مع الرسول, قال ابن عباس: لو خرج يوسف قبل أن يعلم الملِك بشأنه مازالت في نفس العزيز منه حاجة, يقول: هذا الذي راود امرأته (٥). وروى الأعرج (٦) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه: (يرحم الله يوسف إذ كان ذا أناة لو كنت أنا المحبوس وأُرسل إلي لخرجت سريعا إن كان لحليما ذا أناة) (٧)،
وعن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه: (لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه, والله يغفر له حين سأل عن البقرات العجاف والسمان فلو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له
стр. 234
حين أتاه الرسول, ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب, ولكنه أراد أن يكون له العذر (١) , وقولُهُ: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ يقول: إن الله تعالى ذِكْرُه ذو علم بصنيعهن وأفعالهن التي فعلن بي لا يخفى عليه ذلك كله, وقيل إن معنى ذلك: إن سيدي إطفير العزيز زوج المرأة التي راودتني عن نفسي قد علم براءتي مما قذفتني به من السوء (٢) , وقيل في قوله تعالى: ﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ ولم يذكر امرأة العزيز فيهن حسن عشرة منه وأدبا فخلطها بالنسوة.
وقوله تعالى: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ في هذا محذوف قد استغنيَ بدلالة ما ذُكر عنه وهو: فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالته, فدعا الملك النسوة اللاتي قطعن أيديهن وامرأة العزيز فقال لهن: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ كما روى ابن إسحاق (٣) ومعنى (٤) بقوله: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ أي: ما كان أمركن وما كان شأنكن (٥) ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ , فأجبنه: ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ أي: معاذ الله وتنزيها لله ﴿مَا عَلِمْنَا عليه مِنْ سُوءٍ﴾ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ: ﴿الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ تقول: تبيّن الحق وانكشف وظهر, ﴿أَنَا
стр. 235
رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ وإن يوسف لمن الصادقين في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ (١)، وقال السدي: ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عليه مِنْ سُوءٍ﴾ ولكن امرأة العزيز أخبرتنا أنها راودته عن نفسه, ودخل معها البيت وحل سراويله ثم شده بعد ذلك, ولا تدري ما بدا له, فقالت امرأة العزيز: ﴿الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ يعني: بقول ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ هذا الفعل الذي فعلته من ردّي رسول الملك إليه وتركي إجابته, والخروج إليه, ومسألتي إياه أن يسأل النسوة اللاتي قطعن أيديهن عن شأنهن إذ قطعن أيديهن, إنما فعلته ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب في زوجته أني لم أركب منها فاحشة في حال غيبته عني (٣)
, ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ
стр. 236
الْخَائِنِينَ﴾ يقول فعلت ذلك ليعلم سيدي أني لم أخنه بالغيب, ولأن الله لا يهدي كيد الخائنين أي: لا يسدد صنيع الخائنين أي: صنيع من خان الأمانات ولا يرشد أفعالهم (١) , واتصل قوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ بقول امرأة العزيز: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ لمعرفة السامعين بمعناه كاتصال قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ بقول المرأة: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ (٢) وكذلك قول فرعون لأصحابه: ﴿فَمَاذَا تَامُرُونَ﴾ وهو متصل بقول الملأ (٣): ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ (٤). وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه تفصيل الحكم للمعنى من حسن الإفصاح لما وقع به السؤال ليتقرر في النفس مرتبة بعد مرتبة بأحسن ما يقع به الإبانة, والبيان عما يوجبه تكميل جواب العالم من تمام الفائدة المتصلة بما سئل عنه مما فيه البشارة بما يؤول إليه الحال من السلامة مع إدرار الخير في السنة المخصبة, والبيان عما يوجبه طلب الملِك للعالم الجليل من تمكين أسباب الملك للمطلوب على ما يرى من بينة حتى تظهر براءته مما قذف به وحبس بسببه, والبيان عما يوجبه بطلان الانتفاع بالكذب من الإقرار بالصدق الذي فيه براءة الساحة والتنزيه عن لحاق الريبة, والبيان عما يوجبه قبح الخيانة من الانتفاء منها والإبانة عن فحشها وما يؤدي إليه من حرمان الهداية من الله وإيجاب العقوبة.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
حسن (١) , وكذا ﴿حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ , وكذا ﴿لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢) , وكذا ﴿من الْخَائِنِينَ﴾ (٣).
وقولُهُ :
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧) وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ ضوعف الفعل بمعنى التكثير, و ﴿نَفْسِي﴾ في موضع نصب بـ ﴿أُبَرِّئُ﴾ , ... ﴿بِالسُّوءِ﴾ متعلق بأمَّارة, ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ , ﴿مَا﴾ بمعنى الذي في موضع نصب (٤) على الاستثناء المنقطع (٥) , ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ خبر بعد خبر, ﴿ائْتُونِي﴾ أمر, ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿ائْتُونِي﴾ , ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ جواب الأمر, ﴿لِنَفْسِي﴾ متعلق بـ ﴿أَسْتَخْلِصْهُ﴾ , ﴿فَلَمَّا﴾ الفاء جواب ما أخبر به من قول الملك (٦)، ولما ظرف زمان مضاف إلى ﴿كَلَّمَهُ﴾ , ﴿قَالَ﴾ جواب "لما" وهو العامل في "لما"، ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ الكاف اسم ﴿إِنَّ﴾،
стр. 239
و ﴿مَكِينٌ﴾ الخبر, و ﴿أَمِينٌ﴾ خبر بعد خبر, و ﴿الْيَوْمَ﴾ و ﴿لَدَيْنَا﴾ ظرفان متعلقان (١) بـ ﴿مَكِينٌ﴾ , ﴿عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ متعلق بـ ﴿اجْعَلْنِي﴾ , ﴿حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، خبر بعد خبر، وإن شئت جعلت عليماً نعتاً لحفيظ, ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ الكاف للتشبيه والعامل فيها ما دل عليه المعنى من تقدم اللطف به والإكرام له والتشبيه بذلك إليه ﴿لِيُوسُفَ﴾ متعلق بـ ﴿مَكَّنَّا﴾ وكذا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ , ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا﴾ فعل مستقبل في موضع الحال, التقدير مكنا ليوسف متبوأ. ﴿مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾: حرف الجر والظرف وهو حيث يتعلقان بـ ﴿يَتَبَوَّأُ﴾. والتبوء: التحيز من منزل يرجع إليه (٢)
من قوله:
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٣)،
قال الشاعر (٤):
стр. 240
فإنْ تَكُنِ القَتْلى بَواءً (١) فإنَّكُمْ ... فَتىً ما قَتَلْتُمْ آلَ عَوْفِ بنِ عامِرِ (٢)
﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ , ﴿بِرَحْمَتِنَا﴾ متعلق بـ ﴿نُصِيبُ﴾ أي: نحن نصيب برحمتنا, ﴿مَنْ نَشَاءُ﴾ , ﴿مَنْ﴾ بمعنى الذي في موضع نصب بـ ﴿نُصِيبُ﴾ , ﴿وَلَا نُضِيعُ﴾ معطوف على نصيب, ﴿أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ نصب بـ ﴿نُضِيعُ﴾ , ﴿وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ لام قسم، وأجر رفع بالابتداء, و ﴿خَيْرٌ﴾ الخبر, ﴿لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾ , ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ معطوف على ﴿آَمَنُوا﴾ , ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾ , ﴿إِخْوَةُ﴾ رفع بـ جاء, و ﴿يُوسُفَ﴾ خفض بإضافة ﴿إِخْوَةُ﴾ إليه, ﴿فَدَخَلُوا﴾ الفاء جواب ما أخبر به من المجيء, والفاء في "عرفهم" جواب الدخول, ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ابتداء وخبر و ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿مُنْكِرُونَ﴾.
القولُ في القراءةِ:
قرأ البزي وقالون (٣) ﴿بِالسُّوءِ إِلَّا﴾ بالتشديد بتكرير الأولى وتحقيق الثانية. الباقون يمضون على أصولهم في حذف الأولى وتبيين الثانية أو تحقيقها (٤) , فالتشديد على قلب الهمزة فإدغامها كقولهم في
стр. 241
خطيئة خطية, قرأ ابن كثير ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ بالنون. الباقون بالياء, فالياء (١) على إخبار الله- عن نفسه.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم يقول يوسف ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ من الخطأ والزلل فأزكيها, ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ أي: إن نفوس العباد تأمرهم بما تهواه, وإن كان هواها في غير ما فيه رضى الله, ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ إلا أن يرحم ربي من يشاء من خلقه فينجيه من إتباع هواه, ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: إن الله ذو صفح عن ذنوب من تاب من ذنوبه، بتركه عقوبته عليها، رحيم به بعد توبته أن يعذبه (٢)، وذكر أن يوسف قال هذا القول من أجل أن يوسف لما قال: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ قال له ملك من الملائكة: ولا يوم هممت بها (٣) قال: فقال يوسف حينئذ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ وقد قيل: "إن القائل ليوسف ولا يوم هممت فحللت سراويلك عن امرأة العزيز (٤). فأجابها يوسف بهذا الجواب, وقيل إن يوسف قال ذلك ابتداء من قبل نفسه"، وممن قال إن الملَك قال له، ابن عباس (٥) وسعيد بن جبير (٦) والحسن (٧)
стр. 242
وأبو صالح (١) وقتادة (٢) وعكرمة (٣) , ومن قال: قائل ذلك المرأة السدي (٤) , ومن قال: إن يوسف قال ذلك من نفسه فقول مروي عن ابن عباس (٥).وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أي: وقال ملك مصر الأكبر - قال ابن إسحاق (٦): هو الوليد بن الريان (٧)
حين تبين عذر يوسف وعرف أمانته وعلمه- لأصحابه: ائتوني به أجعله من خلصائي دون غيره (٨)، فأتوه به,
стр. 243
فلما كلم الملكُ يوسف وعرف براءته وعِظَمَ أمانته قال له يا يوسف: إنك اليوم عندنا متمكن مما أردت، وعَرَضَ لك من حاجة قِبَلنا, لرفعة مكانك ومنزلتك لدينا, ﴿أَمِينٌ﴾ على ما اؤتمنت عليه من شيء (١) , وروي عن أبي الهذيل (٢) قال: قال الملك: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ قال: فقال له الملك: إني أريد أن أخلصك لنفسي غير أني آنف أن تأكل معي, فقال يوسف- صلى الله عليه: أنا أحق أن آنف أنا ابن إسحاق، أو قال ابن إسماعيل-ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله وابن يعقوب الذي ابيضت عيناه من الحزن (٣).
وقولُهُ: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ أي: قال يوسف للملك: اجعلني على خزائن أرضك, فهذه مسألة من يوسف للملك أن يوليه أمر طعام بلده وخراجها, والقيام بأسباب بلده, ففعل ذلك الملك, كما روي عن ابن زيد وشيبة الضبي (٤) قال ابن إسحاق وقتادة: حفيظ لما استودعتني, عليم بما وليتني (٥).
стр. 244
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ يقول تعالى: وهكذا وطأنا ليوسف في الأرض يعني: أرض ملك مصر, يتخذ من أرض مصر منزلا حيث شاء (١) بعد الحبس والضيق (٢) , ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ من خلقنا كما أصبنا بها يوسف بعد العبودة والإسار والإلقاء في الجب, ولا نبطل جزاء عمل من أحسن فأطاع ربه وعمل بما أمره به, قال ابن إسحاق فيما ذكر إن إطفير هلك في تلك الليالي, وأن الملك الريان بن الوليد زوّج يوسف امرأة إطفير، راعيل, وأنها حين دخلت عليه (٣) قالت له: أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة كما ترى حسناء وجميلة, ناعمةً في مُلك ودنيا, وكان صاحبي لا يأتي النساء, وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك تغلبني نفسي على ما رأيت, ويزعمون أنه وجدها عذراء فأصابها فولدت له رجلين: إفرايم بن يوسف ومنسا بن يوسف, وقال السدي (٤) وابن زيد: مكناه فيها يكون حيث يشاء يصنع فيها ما يشاء, ولو شاء أن يجعل فرعون تحت يديه ويجعله فوقه لفعل, وروي عن مجاهد أنه قال: أسلم الملك الذي كان معه يوسف (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾
стр. 245
يقول تعالى: ولثواب الله في الآخرة خير للذين صدقوا الله ورسوله مما أعطى يوسف في الدنيا, ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ الله فيخافون عقابه في خلاف أمره واستحلال محارمه, فيطيعونه في أمره ونهيه (١).
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عليه فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أي: دخلوا على يوسف فعرفهم وهم لا يعرفونه (٢) , ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ وكان سبب مجيئهم قال السدي: أصاب بلاد يعقوب التي هو بها الجوع, فبعث بنيه إلى مصر, وأمسك أخا يوسف بنيامين, فلما دخلوا على يوسف عرفهم وهم له منكرون, فلما نظر إليهم قال: أخبروني ما أمركم؟ فإني أنكر شأنكم! قالوا: نحن قوم من أرض الشام, قال فما جاء بكم؟ قالوا جئنا نمتار طعاما, قال كذبتم أنتم عيون! كم أنتم؟ قالوا: عشرة, قال: أنتم عشرة آلاف, كل رجل منكم أمير ألف فأخبروني خبركم! قالوا: إنا إخوة بنو رجل صديق وإنا كنا اثني عشر, وكان أبونا يحب أخا لنا, وإنه ذهب معنا البرية فهلك منا فيها, أي وكان أحبنا إلى أبينا, قال: فإلى من سكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه, قال: وكيف تخبروني أن أباكم صديق وهو يحب الصغير منكم دون الكبير! ائتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه, ﴿فَإِنْ لَمْ تَاتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾، ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ , قال فضعوا بعضكم رهينة حتى ترجعوا, فوضعوا شمعون (٣).
وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه دعاء النفس إلى السوء من التقدم في معرفة موقعه على الاستضرار به ليكون التحذير منه
стр. 246
بحسب ما يؤدي إليه في عاقبة أمره, والبيان عما يوجبه حال العالم الجليل من استخلاص الملوك له بحاجتهم إليه بما يجدون عنه من الغناء الذي لا يجدونه عند غيره, والبيان عما يوجبه حال الحفيظ ﴿الْعَلِيمُ﴾ من جعله على خزائن الأرض بحسن تدبيره وضبطه لما يقوم بمراعاته فلا أحد أحق بذلك منه, والبيان عما يوجبه حال العالم التقي من التمكن في الأرض بما فيه من الصلاح في التدبير وما يتأتى من حسن التقدير, والبيان عما يوجبه عظم أجر الآخرة من الطلب له والحرص عليه واستفراغ المجهود فيه بلزوم طاعة الله واجتناب معصيته, والبيان عما يوجبه حال الصابر على المحن طاعة لربه من حاجة من ظلمه إليه بتملكه عليه وبسط يده إلى ضره ونفعه.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كاف (١) , وكذا ﴿مَكِينٌ﴾ (٢) , وكذا ﴿حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) , وكذا ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤) , وكذا ﴿فَدَخَلُوا عليه﴾.
وقولُهُ :
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا
стр. 247
يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾
﴿وَلَمَّا﴾ ظرف زمان (١) مضاف إلى ﴿جَهَّزَهُمْ﴾ , ﴿بِجَهَازِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿جَهَّزَهُمْ﴾ , ﴿بِأَخٍ﴾ متعلق بـ ﴿ائْتُونِي﴾ , ﴿لَكُمْ﴾ في موضع النعت لـ "أخٍ" متعلق بمعنى الاستقرار, وكذا ﴿مِنْ أَبِيكُمْ﴾ , ﴿أَلَا﴾ تنبيه (٢) , ﴿أَنِّي﴾ في موضع نصب بـ ﴿تَرَوْنَ﴾ , ﴿الْكَيْلَ﴾ نصب بـ ﴿أُوفِي﴾ وحذفت الياء في اللفظ لسكونها وسكون اللام من الكيل, يقال: وفي يفي (٣) , والأصل يوفي حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة استثقالا لذلك (٤) , ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ابتداء وخبر, ﴿فَإِنْ لَمْ تَاتُونِي بِهِ﴾ الفاء جواب الأمر بأتيانهم بأخيهم, والأصل تأتونني, حذفت النون الأولى للجزم (٥) , ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَاتُونِي﴾ وإن حرف شرط, ﴿فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ الفاء جواب الشرط, و ﴿كَيْلَ﴾ مبني مع لا في موضع رفع بالابتداء, و ﴿لَكُمْ عِنْدِي﴾ الخبر متعلق اللام وعند بمعنى الاستقرار, ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ نهي, والنون الأولى محذوفة للنهي, والأصل تقربونني, وحذفت الياء لدلالة الكسرة عليها, مع أنها رأس آية (٦)،
﴿عَنْهُ أَبَاهُ﴾ , ﴿أَبَاهُ﴾ نصب بـ ﴿سَنُرَاوِدُ﴾ ,
стр. 248
﴿عَنْهُ﴾ متعلقة به, ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ اللام لام التوكيد في موضع خبر إنّ, ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ (١) متعلق بـ ﴿قَالَ﴾ , ﴿بِضَاعَتَهُمْ﴾ نصب بـ ﴿اجْعَلُوا﴾ (٢) , ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ لعل ترجٍ, ﴿إِذَا انْقَلَبُوا﴾ , ﴿إِذَا﴾ متعلقة بـ ﴿يَعْرِفُونَهَا﴾ , إِلَى متعلق بـ ﴿انْقَلَبُوا﴾ , وفتيته وفتيان جمع فتى (٣) , ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قالوا﴾ لما ظرف (٤) العامل فيها قالوا, ﴿إِلَى﴾ متعلق بـ ﴿رَجَعُوا﴾ , ﴿مِنَّا﴾ متعلق بـ ﴿مُنِعَ﴾ , ﴿الْكَيْلُ﴾ اسم ما لم يسم فاعله في ﴿مُنِعَ﴾ (٥) , ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ الفاء جواب ما أخبروا به من منع الكيل, وألف أرسل ألف قطع, ﴿مَعَنَا﴾ متعلق بـ أرسل, ﴿أَخَانَا﴾ نصب بـ ﴿فَأَرْسِلْ﴾ , ﴿نَكْتَلْ﴾ جواب الأمر, والأصل نكتيل على وزن نفتعل, فلما تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فصار نكتال, فلما جزمت اللام لجواب الأمر وسكنت وقبلها الألف ساكنة حذفت الألف لالتقاء الساكنين (٦) , ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ اللام متعلقة بـ حافظون (٧)
, ﴿هَلْ﴾ حرف استفهام فيه معنى النفي بتقرير وتوبيخ (٨) , ﴿عليه﴾ متعلق بـ
стр. 249
﴿آَمَنُكُمْ﴾ , ﴿إِلَّا﴾ إيجاب, ﴿كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ الكاف للتشبيه (١) متعلقة بـ أمن, والتقدير إلا أمنًا ﴿كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ , ﴿عَلَى﴾ متعلقة بـ ﴿آَمَنُكُمْ﴾ , ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ ابتداء وخبر, و ﴿حَافِظًا﴾ نصب على التمييز و ﴿حَافِظًا﴾ , يجوز أيضا أن يكون تمييزاً, وأن يكون نصب على الحال (٢) , والفاء جواب للاستفهام ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ابتداء وخبر.
القولُ في القراءةِ:
قرأ حمزة والكسائي (٣) ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ بألف ونون, الباقون بتاء من غير ألف ونون (٤) , وهما جمعان مثل: غلمان وغلمة, وصبيان وصبية, وشاهد الحذف أنهم فتية: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ (٥) وشاهد الإثبات: أنها في مصحف عبد الله كذلك, ولأن الملوك تأمر عبيدها بالأمر وإن لم تنوِ له جميعهم. قرأ حمزة والكسائي ﴿أَخَانَا يكتل﴾ بالياء توضع, الباقون بالنون, فالنون على وجه دخولهم معه في الكيل, والياء يحتمل وجهين: أحدها: انفراده بالكيل لقربه من الفعل. والثاني: اشتراكهم فيه كالنون, ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَاتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ , أو تحتمل على التقديم والتأخير, والتقدير: فأرسل ﴿أَخَانَا﴾ يكتل معنا. قرأ حمزة والكسائي وحفص ﴿خَيْرٌ
стр. 250
حَافِظًا﴾ بألف, الباقون بغير ألف (١) , فالحذف على المصدر, والنصب على التمييز, والتقدير: خير حفظا منكم, وقيل على الحال والإثبات, على أنه اسم الفاعل ونصبه على الحال, والتقدير: خير شيء وله في حال حفظه (٢) , ويجوز أن يكون تمييزا على تقدير: خيركم حافظا.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم يقول تعالى: ولما حمَّل يوسف لإخوته أباعِرهم من الطعام فأوقر (٣) لكل واحد منهم بعيره, قال لهم: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ كما أحمل لكم بعيراً آخر, فتزدادوا به حمل بعير آخر (٤)، ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ فلا أبخسه أحدا, وأنا خير مَن أنزل ضيفا على نفسه بهذه البلدة, فأنا أضيفكم (٥) , قال مجاهد: أنا خير من يضيف بمصر (٦)، وقوله: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ قال قتادة: يعني بنيامين وهو أخوه لأبيه وأمه (٧).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَاتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ أي: هذا قول يوسف لإخوته فإلم تأتوني بأخيكم من أبيكم فليس لكم عندي طعام أكيله لكم, ولا تقربوا بلادي (٨).