← Тафсир

Тафсир · id 14114

البرهان في علوم القرآن للإمام الحوفي - سورة يوسف

الحوفي

Полный текст (397 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بحسب ما يؤدي إليه في عاقبة أمره, والبيان عما يوجبه حال العالم الجليل من استخلاص الملوك له بحاجتهم إليه بما يجدون عنه من الغناء الذي لا يجدونه عند غيره, والبيان عما يوجبه حال الحفيظ ﴿الْعَلِيمُ﴾ من جعله على خزائن الأرض بحسن تدبيره وضبطه لما يقوم بمراعاته فلا أحد أحق بذلك منه, والبيان عما يوجبه حال العالم التقي من التمكن في الأرض بما فيه من الصلاح في التدبير وما يتأتى من حسن التقدير, والبيان عما يوجبه عظم أجر الآخرة من الطلب له والحرص عليه واستفراغ المجهود فيه بلزوم طاعة الله واجتناب معصيته, والبيان عما يوجبه حال الصابر على المحن طاعة لربه من حاجة من ظلمه إليه بتملكه عليه وبسط يده إلى ضره ونفعه. القولُ في الوقفِ والتمامِ: ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كاف (١) , وكذا ﴿مَكِينٌ﴾ (٢) , وكذا ﴿حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) , وكذا ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤) , وكذا ﴿فَدَخَلُوا عليه﴾. وقولُهُ : ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا

стр. 247

يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾ ﴿وَلَمَّا﴾ ظرف زمان (١) مضاف إلى ﴿جَهَّزَهُمْ﴾ , ﴿بِجَهَازِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿جَهَّزَهُمْ﴾ , ﴿بِأَخٍ﴾ متعلق بـ ﴿ائْتُونِي﴾ , ﴿لَكُمْ﴾ في موضع النعت لـ "أخٍ" متعلق بمعنى الاستقرار, وكذا ﴿مِنْ أَبِيكُمْ﴾ , ﴿أَلَا﴾ تنبيه (٢) , ﴿أَنِّي﴾ في موضع نصب بـ ﴿تَرَوْنَ﴾ , ﴿الْكَيْلَ﴾ نصب بـ ﴿أُوفِي﴾ وحذفت الياء في اللفظ لسكونها وسكون اللام من الكيل, يقال: وفي يفي (٣) , والأصل يوفي حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة استثقالا لذلك (٤) , ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ابتداء وخبر, ﴿فَإِنْ لَمْ تَاتُونِي بِهِ﴾ الفاء جواب الأمر بأتيانهم بأخيهم, والأصل تأتونني, حذفت النون الأولى للجزم (٥) , ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَاتُونِي﴾ وإن حرف شرط, ﴿فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ الفاء جواب الشرط, و ﴿كَيْلَ﴾ مبني مع لا في موضع رفع بالابتداء, و ﴿لَكُمْ عِنْدِي﴾ الخبر متعلق اللام وعند بمعنى الاستقرار, ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ نهي, والنون الأولى محذوفة للنهي, والأصل تقربونني, وحذفت الياء لدلالة الكسرة عليها, مع أنها رأس آية (٦)، ﴿عَنْهُ أَبَاهُ﴾ , ﴿أَبَاهُ﴾ نصب بـ ﴿سَنُرَاوِدُ﴾ ,

стр. 248

﴿عَنْهُ﴾ متعلقة به, ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ اللام لام التوكيد في موضع خبر إنّ, ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ (١) متعلق بـ ﴿قَالَ﴾ , ﴿بِضَاعَتَهُمْ﴾ نصب بـ ﴿اجْعَلُوا﴾ (٢) , ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ لعل ترجٍ, ﴿إِذَا انْقَلَبُوا﴾ , ﴿إِذَا﴾ متعلقة بـ ﴿يَعْرِفُونَهَا﴾ , إِلَى متعلق بـ ﴿انْقَلَبُوا﴾ , وفتيته وفتيان جمع فتى (٣) , ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قالوا﴾ لما ظرف (٤) العامل فيها قالوا, ﴿إِلَى﴾ متعلق بـ ﴿رَجَعُوا﴾ , ﴿مِنَّا﴾ متعلق بـ ﴿مُنِعَ﴾ , ﴿الْكَيْلُ﴾ اسم ما لم يسم فاعله في ﴿مُنِعَ﴾ (٥) , ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ الفاء جواب ما أخبروا به من منع الكيل, وألف أرسل ألف قطع, ﴿مَعَنَا﴾ متعلق بـ أرسل, ﴿أَخَانَا﴾ نصب بـ ﴿فَأَرْسِلْ﴾ , ﴿نَكْتَلْ﴾ جواب الأمر, والأصل نكتيل على وزن نفتعل, فلما تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فصار نكتال, فلما جزمت اللام لجواب الأمر وسكنت وقبلها الألف ساكنة حذفت الألف لالتقاء الساكنين (٦) , ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ اللام متعلقة بـ حافظون (٧) , ﴿هَلْ﴾ حرف استفهام فيه معنى النفي بتقرير وتوبيخ (٨) , ﴿عليه﴾ متعلق بـ

стр. 249

﴿آَمَنُكُمْ﴾ , ﴿إِلَّا﴾ إيجاب, ﴿كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ الكاف للتشبيه (١) متعلقة بـ أمن, والتقدير إلا أمنًا ﴿كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ , ﴿عَلَى﴾ متعلقة بـ ﴿آَمَنُكُمْ﴾ , ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ ابتداء وخبر, و ﴿حَافِظًا﴾ نصب على التمييز و ﴿حَافِظًا﴾ , يجوز أيضا أن يكون تمييزاً, وأن يكون نصب على الحال (٢) , والفاء جواب للاستفهام ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ابتداء وخبر. القولُ في القراءةِ: قرأ حمزة والكسائي (٣) ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ بألف ونون, الباقون بتاء من غير ألف ونون (٤) , وهما جمعان مثل: غلمان وغلمة, وصبيان وصبية, وشاهد الحذف أنهم فتية: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ (٥) وشاهد الإثبات: أنها في مصحف عبد الله كذلك, ولأن الملوك تأمر عبيدها بالأمر وإن لم تنوِ له جميعهم. قرأ حمزة والكسائي ﴿أَخَانَا يكتل﴾ بالياء توضع, الباقون بالنون, فالنون على وجه دخولهم معه في الكيل, والياء يحتمل وجهين: أحدها: انفراده بالكيل لقربه من الفعل. والثاني: اشتراكهم فيه كالنون, ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَاتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ , أو تحتمل على التقديم والتأخير, والتقدير: فأرسل ﴿أَخَانَا﴾ يكتل معنا. قرأ حمزة والكسائي وحفص ﴿خَيْرٌ

стр. 250

حَافِظًا﴾ بألف, الباقون بغير ألف (١) , فالحذف على المصدر, والنصب على التمييز, والتقدير: خير حفظا منكم, وقيل على الحال والإثبات, على أنه اسم الفاعل ونصبه على الحال, والتقدير: خير شيء وله في حال حفظه (٢) , ويجوز أن يكون تمييزا على تقدير: خيركم حافظا. القولُ في المعنى والتفسيرِ: المعنى والله أعلم يقول تعالى: ولما حمَّل يوسف لإخوته أباعِرهم من الطعام فأوقر (٣) لكل واحد منهم بعيره, قال لهم: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ كما أحمل لكم بعيراً آخر, فتزدادوا به حمل بعير آخر (٤)، ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ فلا أبخسه أحدا, وأنا خير مَن أنزل ضيفا على نفسه بهذه البلدة, فأنا أضيفكم (٥) , قال مجاهد: أنا خير من يضيف بمصر (٦)، وقوله: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ قال قتادة: يعني بنيامين وهو أخوه لأبيه وأمه (٧). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَاتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ أي: هذا قول يوسف لإخوته فإلم تأتوني بأخيكم من أبيكم فليس لكم عندي طعام أكيله لكم, ولا تقربوا بلادي (٨).

стр. 251

وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ أي: قال إخوة يوسف ليوسف سنراود أباه ونسأله أن يخليه معنا حتى نجيء به إليك, ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ ما قلنا ومجتهدون, والمراودة، المنازعة من القادر بدعائه إلى ما يراد منه فعله, وأصل ذلك الطلب ومنه الإرادة, وهي طلبه الفعل، وفتيانه: غلمانه (١) , وقال قتادة: بضاعتهم أرزاقهم (٢) , وقال ابن إسحاق: جعلت في رحالهم وهم لا يعلمون (٣) , وقولُهُ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: يرجعون إلي (٤) , ويقال: لأية علة أمر يوسف أن يجعلوا بضاعة إخوته في رحالهم؟ قيل: يحتمل أوجها (٥): أحدها: أن يكون خشي أن لا يكون عند أبيه دراهم, إذ كانت السنة سنة جدب وقحط, فيضر (٦) ذلك منهم به, فأحب أن يرجع إليه ويتسع بها أبوه. والثاني أن يكون رأى لوما، أخذ ثمن طعامه من والده، وإخوانه مع حاجتهم إليه، فرده عليهم من حيث لا يعلمون رده تكرما وتفضلا, والثالث وهو أن يكون أراد بذلك أن لا يخلفوه الوعد في الرجوع إذا وجدوا في رحالهم ثمن طعام قد قبضوه وملكه عليهم غيرهم عوضا من طعامه, ويتحرجوا من إمساكهم من طعام قد قبضوه حتى يردوه على صاحبه, فيكون ذلك أدعى لهم إلى العودة إليه. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ أي: فلما رجع إخوة يوسف إلى أبيهم قالوا: ﴿يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ الكيل فوق الكيل الذي كيل لنا, ولم يُكل لكل رجل منا إلا كَيل بعير, ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾ بنيامين يكتل لنفسه كيل بعير آخر زيادة على كيل أباعرنا, ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ من أن يناله مكروه في سفره (٧)،

стр. 252

كما روي عن السدي فيما ذكره قال: وقال لهم يعقوب: إذا أتيتم ملك مصر فأقرؤه مني السلام, وقولوا له: إن أبانا يصلي عليك ويدعو لك بما أوليتنا (١) , وقال ابن إسحاق: كان منزلهم فيما ذَكر لي بعض أهل العلم بالعربات (٢) من أرض فلسطين بغور الشام, وبعض يقول: بالأولاج (٣) من ناحية الشعب أسفل من جشم (٤) , وكان صاحب بادية، شاء وإبل (٥). وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عليه إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قال أبوهم يعقوب: هل آمنكم على أخيكم من أبيكم إلا كما أمنتكم على أخيه يوسف من قبله (٦)؟ وأصله الاطمئنان, يقال: أمِنه يامَنُهُ أَمْناً وائْتَمَنَه ياتَمِنَه ائْتِمَاناً, ومنه قوله: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٧). وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه صحة التدبير من الوفاء في المكاييل وغيره من الأمور للوصول إلى المطلوب في بلوغ غاية المأمول, والبيان عما يوجبه ترك ما دعى إليه الحكيم من حرمان المحبوب من حياته وبعدمه كما فعل يوسف- ﵇ بإخوته حين دعاهم إلى ما دعاهم إليه, والبيان عما يوجبه طاعة الداعي فيما دعا إليه من العزم على الاجتهاد في كون ما أحب وفعل ما أراد, والبيان عما يوجبه الإحسان من طلبه بالرجوع إلى صاحبه ابتغاء الخير من قبله لاسيما إذا تلطف في وقوعه على أحسن وجوهه, والبيان عما يوجبه التلطف في وقوع الأمر من الدعاء إليه بما في تركه من الضرر وفي فعله من النفع مع تضمن السلامة من مكروه في العاقبة, والبيان عما يوجبه حال المتهم

стр. 253

من أمر سلفَ من نفور النفس عما يقوله، وقلة الائتمان له فيما يستودعه لمِا كان مما يوحش منه ويصرف عنه. القولُ في الوقفِ والتمامِ: ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ كاف (١) , ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ حسن (٢) , ﴿لَفَاعِلُونَ﴾ كاف (٣) , ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ كاف (٤) , ﴿لَحَافِظُونَ﴾ حسن (٥) , وكذا ﴿أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٦). وقولُهُ : ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِّنَ

стр. 254

اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ ﴿وَلَمَّا﴾ ظرف (١) ﴿فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾ متاعهم نصب بـ ﴿فَتَحُوا﴾ , ﴿وَجَدُوا﴾ جواب "لما" وهو العامل فيها, ﴿بِضَاعَتَهُمْ﴾ نصب بـ ﴿وَجَدُوا﴾ , ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ , ﴿رُدَّتْ﴾ فعل ما لم يسم فاعله واسم ما لم يسم فاعله مضمر في ﴿رُدَّتْ﴾ ﴿إِلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿رُدَّتْ﴾ , و ﴿رُدَّتْ﴾ ومَا عمل فيه في موضع الحال من البضاعة (٢) , والتقدير مردودة إليهم, والأصل في ردت: رددت نقلت حركة الدال إلى الراء, ثم أدغمت هذا على قراءة من يكسر الراء, والجماعة تقرأ بالضم على ما لم يسم فاعله, والأصل على قراءتهم رددت, فحذفت الكسرة من الدال للإدغام (٣) , ﴿إِلَيْهِمْ﴾ متعلقة بـ ﴿رُدَّتْ﴾ , ﴿مَا نَبْغِي﴾ ﴿مَا﴾ استفهام, والتقدير: أي شيء نبغي, فـ ﴿مَا﴾ في موضع نصب (٤) بـ ﴿نَبْغِي﴾ , ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا﴾ ابتداء وخبر, ﴿رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ مثل ما تقدم, و ﴿إِلَيْنَا﴾ متعلق بـ ﴿رُدَّتْ﴾ , ويجوز أن يكون ﴿مَا﴾ نفيا (٥) , والتقدير: ما نبغي شيئا, ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ جملة معطوفة على جملة, ويقال: ماره يميره ميرا وميرة (٦)،

стр. 255

ويقال: ما عند فلان خير ولا مير (١) أي: ولا نفع, والمئرة بالهمز: الإحنة (٢) والحقد (٣) , ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ معطوف على ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ , وكذا ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ ابتداء وخبر, و ﴿يَسِيرٌ﴾ نعت لـ ﴿كَيْلٌ﴾ ﴿أُرْسِلَهُ﴾ نصب بـ ﴿لَنْ﴾ ﴿مَعَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أُرْسِلَهُ﴾ , ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ , ﴿حَتَّى﴾ غاية ناصبة لـ ﴿تُؤْتُونِ﴾ , وعلامة النصب: حذف النون, والنون الموجودة مزيدة مع ياء النفس (٤) , ﴿مَوْثِقًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿لَتَاتُنَّنِي﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿تُؤْتُونِ﴾ , ﴿لَتَاتُنَّنِي بِهِ﴾ مؤكد بالنون الشديدة, واللام لام قسم (٥)، ﴿بِهِ﴾ متعلق

стр. 256

بـ ﴿لَتَاتُنَّنِي﴾ ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ و ﴿إِلَّا﴾ إستثناء, ﴿أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب بالاستثناء, والتقدير: ﴿إِلَّا﴾ الإحاط (١) بكم, ويجوز أن ينصب ﴿أَنْ﴾ على المفعول له بتقدير: الإتيان أو الإحاطة (٢) كما تقول: ما يأتيني إلا لأخذ الدراهم, ﴿بِكُمْ﴾ في موضع اسم ما لم يسم فاعله في يحاط, ﴿فَلَمَّا آَتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ نصب بـ ﴿آَتَوْهُ﴾ مفعول ثان لـ ﴿آَتَوْهُ﴾ , والهاء مفعول أول, ﴿قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ اسم ﴿اللَّهُ﴾ رفع بالابتداء, و ﴿وَكِيلٌ﴾ الخبر, و ﴿عَلَى مَا نَقُولُ﴾ متعلق بـ ﴿وَكِيلٌ﴾ و ﴿مَا﴾ بمعنى الذي, وإن شئت كانت مع نقول بمنزلة المصدر أي: على قولنا (٣). ﴿مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ متعلق بـ ﴿تَدْخُلُوا﴾ , وكذا ﴿مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ متعلق بـ ادخلوا, ﴿مُتَفَرِّقَةٍ﴾ نعت لـ ﴿أَبْوَابٍ﴾ , ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿مَا﴾ حرف نفي, ﴿عَنْكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أُغْنِي﴾ ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة للتوكيد في موضع نصب, أي: ما أغنى عنكم شيئا (٤). ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ﴿إِنِ﴾ بمعنى ما و ﴿الْحُكْمُ﴾ رفع بالابتداء و ﴿لِلَّهِ﴾ في موضع الخبر متعلق بمعنى الاستقرار ﴿عليه تَوَكَّلْتُ﴾ ﴿عليه﴾ متعلق بـ ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ ﴿وَعليه فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿وَعليه﴾ متعلق بـ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ , واللام لام أمر, ﴿الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ رفع بـ"يتوكل", ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ ﴿وَلَمَّا﴾ ظرف, ﴿مِنْ حَيْثُ﴾ ﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ ﴿دَخَلُوا﴾ و ﴿حَيْثُ﴾ مبنية على الضم مضافة إلى الجملة (٥)، ﴿مَا

стр. 257

كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿مَا﴾ حرف نفي، عنهم متعلق، بـ ﴿يُغْنِي﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ كذلك ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة (١) والتقدير: ما كان يغني عنهم من الله شيء, ﴿إِلَّا حَاجَةً﴾ استثناء منقطع (٢)، ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ﴾ ﴿فِي﴾، في موضع النعت لـ ﴿حَاجَةً﴾ متعلقة بمعنى الاستقرار, وكذا ﴿قَضَاهَا﴾، نعت لـ ﴿حَاجَةً﴾ , وما دل عليه المعنى، عامل في لما, ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ مستأنف, ﴿لَذُو﴾ لام توكيد في موضع خبر إنّ, ﴿لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ متعلق بـ عِلْم, وما بمعنى الذي, ﴿وَلَكِنَّ﴾ حرف توكيد, ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ اسم لكن وخبرها. القولُ في المعنى والتفسيرِ: المعنى والله أعلم ولما فتح إخوة يوسف متاعهم الذي حملوه من عند يوسف, ﴿وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ أي: ثمن الطعام الذي اكتالوه منه, ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ قالوا لأبيهم: ماذا نبغي؟ ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ (٣) بطيبتنا (٤) منهم لنفسه بما صنع بهم في رد بضاعتهم إليهم والتقدير: أي شيء نبغي وراء هذا؟ إن بضاعتنا ردت إلينا, وقد أوفى لنا الكيل (٥)، وقوله: ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي: ونطلب لأهلنا طعاما فنشتريه لهم, يقال: مار أهله يميرهم ميرا (٦).

стр. 258

إذا حمل الطعام لهم من بلد إلى بلد (١)، قال الشاعر (٢): بعثتك مائرًا (٣) فمكثتَ حولًا ... متى يأتي غِيَاثُكَ من تُغِيثُ ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ الذي ترسله معنا, ونزداد على أخينا لنا (٤) حمل بعير يكال لنا آخر من إبلنا, ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أي: حمل يسير. وقوله تعالى: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: قال يعقوب لبنيه: لن أرسل أخاكم معكم إلى ملك مصر, ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ﴾ أي: تعطوني الميثاق, وهو ما يوثق (٥) به من يمين

стр. 259

وعهد (١) , ﴿لتَاتُنَّنِي﴾ بأخيكم ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي: يحيط بجميعكم مالا تقدرون على أن تؤتوني به, وأصله ضرب السور حول الشيء, ومنه يقال: يعلمه علم إحاطة أي: على التحديد, قال قتادة: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك (٢) , وقال ابن إسحاق: إلا أن يصيبكم أمر يذهب بكم جميعا, فيكون ذلك عذرا لكم عندي (٣) , والوكيل: القائم بالتدبير (٤) , ويقال لمِ قال موثقا من الله وإنما الموثق من أنفسهم؟ قيل ذلك: لأن المعنى مُوَثَّقاً من جهة إشهاد الله, أو القسم بالله, والموثق بالعقد (٥) بما لا يجوز حله. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ أي: قال يعقوب لبنيه: لا تدخلوا مصر من طريق واحد, وادخلوها من أبواب متفرقة, وذكر أن قوله ذلك لهم: لأنهم كانوا رجالا, لهم جمال وهيئة, فخاف عليهم إذا دخلوا من طريق واحد وهم ولد رجل واحدٍ العينَ, فأمرهم أن يفترقوا (٦) , روي معنى ذلك: عن قتادة وابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي، والسدي، وابن إسحاق, وقولُهُ: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ يقول: وما أقدر أن أدفع عنكم من الله من شيء من قضاء الله الذي قضاه عليكم من شيء صغير ولا كبير, لأن قضاءه نافذ (٧) , ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي: ما القضاء والحكم إلا لله دون كل ما سواه, على الله توكلت فوثقت به فيكم وفي حفظكم حتى يردكم

стр. 260

إلي وأنتم سالمون معافون لا على دخولكم مصر من أبواب متفرقة, ﴿عليه تَوَكَّلْتُ﴾ أي: فوضت أمري, ﴿وَعليه فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ أي: وإلى الله فليفوض المفوضون أمورهم (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ أي: ولما دخل ولد يعقوب من حيث أمرهم أبوهم من أبواب متفرقة, ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ﴾ قضاء الله الذي حتمه من شيء, إلا أنهم قضوا وطراً ليعقوب من دخولها (٢) من طرق متفرقة مما كان يخاف عليهم بدخولهم من طريق واحد من العين, فاطمأنت نفسه أن يكونوا أُتوا من قبل ذلك, أو نالهم من أجله مكروه, قال مجاهد (٣) وابن عباس: وإن يعقوب لذو علم لتعليمنا إياه (٤) , وقيل: إنه لذو حفظ لما استودعناه صدره من العلم (٥) , ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: ولكن كثيرا من الناس غير يعقوب, لا يعلمون ما يعلمه يعقوب. وقد تضمنت الآيات: البيان عما يوجبه الدعاء إلى طاعة المحسن بين الذكر لإحسانه فيما أولى وخيره الذي يرجى إذ هو حقيق به وأهل له, والبيان عما يوجبه الظن بالإنسان النفيس من الامتناع بإرساله إلى من طلبه إلا بعد الميثاق على من أصحبه إياه أن يرده إليه إلا أن يأتيه ما لا قبل له به ولا يطيق الامتناع منه, والبيان عما يوجبه الاحتياط في نفي مكروه العين والحسد من تفريق ما جمعه يكثر في نفوس الحساد وكثير من الناس, حتى ربما أدى ذلك إلى الهلاك, والبيان عما يوجبه إزالة توهم الخطأ على البريء منه من وصفه بما ينباء أنه ما عمل إلا ما له أن يعمله ومن ذكره بالعلم الذي قد وهب له وأن أمراً دار في نفسه بلغه مما يجري مجرى الاحتياط في تدبير ولده.

стр. 261

القولُ في الوقفِ والتمامِ: ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ حسن (١) , و ﴿رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ كاف (٢) , وكذا ﴿يَسِيرٌ﴾ (٣) , وكذا ﴿يُحَاطَ بِكُمْ﴾ (٤) , و ﴿وَكِيلٌ﴾، ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ حسن (٥) , وكذا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٦). وقولُهُ : ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)﴾

стр. 262

﴿وَلَمَّا﴾ ظرف مضاف (١) إلى ﴿دَخَلُوا﴾ , ﴿عَلَى يُوسُفَ﴾ متعلق بـ ﴿دَخَلُوا﴾ , ﴿آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ جواب لما وهو العامل في لما (٢) وهو فعل رباعي ألفه ألف قطع, وزنه أفعل, ﴿أَخَاهُ﴾ , نصب بـ ﴿آَوَى﴾ , ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿آَوَى﴾ يقال: أوى فلانٌ فلاناً, إذا ضمه إليه (٣) , وآواني موضع كذا, وفلان يأوي إيواء إذا فعل ذلك, وآوى بالقصر أويّاً, لجأ إليه (٤)، ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ مستأنف لوقوعه بعد القول, ويجوز أن يكون ﴿أَنَا﴾ فاصلة, و ﴿أَخُوكَ﴾ الخبر, ويجوز أن يكون ﴿أَنَا﴾ رفعا بالابتداء, و ﴿أَخُوكَ﴾ خبر ﴿أَنَا﴾ , والجملة خبر ﴿إِنِّي﴾ , ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ الفاء جواب ما أخبر به من الإخوة و"لا" نهي, وتبتأس تفتعل من البؤس يقال ابتأس يبتئس ابتئاساً وهو الحزن والابتئاس والاكتئاب والاغتمام نظائر في اللغة (٥). ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الباء متعلقة بـ ﴿تَبْتَئِسْ﴾ , وما بمعنى الذي, ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ﴾ لما نظير ما تقدم, ﴿بِجَهَازِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿جَهَّزَهُمْ﴾ , ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ جواب "لما", و ﴿السِّقَايَةَ﴾ نصب بـ ﴿جَعَلَ﴾ , ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ , ﴿فِي﴾ متعلقة أيضا بـ ﴿جَعَلَ﴾ , ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ نداء مفرد, و ﴿الْعِيرُ﴾ نعت لأي والتقدير: يا أيتها العير, ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ مستأنف, ﴿عليهم﴾ متعلق بـ ﴿أقبلوا﴾ , ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ ما استفهام في موضع رفع بالابتداء, وذا بمعنى: الذي ﴿تَفْقِدُونَ﴾ في صلة الذي, وذا

стр. 263

و ﴿تَفْقِدُونَ﴾ خبر ما, ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ نصب بـ ﴿تَفْقِدُونَ﴾ (١) , ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ , ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ رفع بالابتداء, ﴿وَلِمَنْ﴾ الخبر ومن بمعنى الذي, و ﴿بِهِ﴾ متعلقة بـ ﴿جَاءَ﴾ , ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ابتداء وخبر جملة معطوفة على جملة, و ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿زَعِيمٌ﴾ , ﴿تَاللَّهِ﴾ قسم, والتاء بدل من الواو, ولا تدخل إلا في اسم الله بضعفها (٢) بكونها بدلا من بدل, إذ الواو بدلا من الباء, إذ هي الأصل لكثرتها فيه (٣)، ﴿لَقَدْ﴾ لام توكيد لجواب القسم, ﴿مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ , ﴿لِنُفْسِدَ﴾ لام كي متعلقة بـ ﴿جِئْنَا﴾ وكذا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ , ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ ما نفي, والنون والألف اسم كان, و ﴿سَارِقِينَ﴾ الخبر, ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ الفاء جواب إنكارهم, وما استفهام في موضع رفع بالابتداء, و ﴿جَزَاؤُهُ﴾ الخبر, ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ , ﴿إِنْ﴾ حرف شرط, وجوابه ما تقدم, ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ﴾ , ﴿جَزَاؤُهُ﴾ رفع بالابتداء وخبره محذوف تقديره جزاؤه رفع بالابتداء (٤) عندنا كجزائه عندكم (٥) , ويجوز أن يكون ﴿جَزَاؤُهُ﴾ مبتدأ و ﴿مَنْ وُجِدَ﴾ مبتدأ ثانٍ, ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ خبر الثاني, والجملة خبر الأول (٦)، و ﴿مَنْ﴾ شرط, وجوابه:

стр. 264

﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ وإن شئت بمعنى الذي, والذي يعود على المبتدأ الأول ﴿جَزَاؤُهُ﴾ الثاني, والتقدير: فهو هو وأظهر الضمير كما أنشد سيبويه (١): لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ الموتَ شَيءٌ ... نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِير (٢) ولم يقل (٣) سبقه ويجوز أن يكون ﴿جَزَاؤُهُ﴾ مبتدأ و ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ خبره والتقدير: جزاؤه استعباد من وجد في رحله (٤) , فهو كناية عن الاستقبال, وفي الجملة معنى التوكيد كما يقول جزاء من سرق القطع فهو جزاؤه, الهاء في قوله: ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ تعود على السارق, وإن شئت على

стр. 265

المسروق (١) , والهاء الثانية في ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ﴾ تقول (٢) أيضا: على السارق أو على المسروق (٣) , وكذلك ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ , والهاء في ﴿رَحْلِهِ﴾ تعود على ﴿مَنْ﴾ , ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ الكاف في موضع نصب (٤) , أي: نجزي الظالمين جزاءً كذلك (٥) , والإشارة بذلك إلى الحكم. القولُ في القراءةِ: قرأ أهل الكوفة برفع ﴿دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بتنوين ﴿دَرَجَاتٍ﴾ , الباقون بإضافتها إلى ﴿مَنْ﴾ (٦) , فمن نوَّن كانت ﴿مَنْ﴾ في موضع نصب تكون مفعولاً ثانياً لنرفع, ومن لم ينوِّن أضاف درجاتٍ إلى ﴿مَنْ﴾. القولُ في المعنى والتفسيرِ: المعنى والله أعلم ولما دخل ولد يعقوب على يوسف ضم إليه أخاه, قال السدي: لما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه, قال عرف أخاه فأنزلهم منزلا, وأجرى عليهم الطعام والشراب فلما كان الليل

стр. 266

جاءهم بمثل ذلك فقال: لينم كل أخوين منكم على مِثَال (١) , فلما بقي الغلام وحده قال يوسف: هذا ينام معي على فراشي, فبات معه, فجعل يوسف يشم رائحته ويضمه إليه, حتى أصبح, وجعل روبيل يقول: ما رأينا مثل هذا أريحونا منه (٢) , وروي عن ابن إسحاق قال: فأنزلهم منازل شتى, وأنزل أخاه معه فآواه إليه, فلما خلا به قال: إني أنا أخوك أنا يوسف فلا تبتئس بشيء فعلوه بنا فيما مضى, فإن الله أحسن إلينا, ولا تعلمهم شيئا مما أعلمتك (٣)، وقال عمر بن ذر (٤): لما دخل إخوة يوسف عليه, احتبسه فأقبل يحدثه, فقال له يوسف: أكل هؤلاء إخوتك لأبيك؟ قال: نعم, قال: فما لك أخ من أمك؟ قال: كان لي أخ, يقال له يوسف: قال فما فعل؟ قال: أكله الذئب, قال فهل حزن عليه والده يعقوب؟ قال: نعم, حزنا شديدا, قال: وما بلغ من حزنه؟ قال: ذهب بصره فهو كظيم, قال: فهل حزنت أنت عليه؟ قال: نعم حزناً شديدا, قال: فهل تزوجت؟ قال: نعم, قال: وهل يتزوج المحزون؟ قال: الشيخ يعقوب أمرني بذلك, قال: يا بني تزوج لعله أن يولد لك من

стр. 267

يثقل الأرض بتسبيحه, وقولُهُ: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ أي: فلا تستكن ولا تحزن (١) لشيء سلف من إخوتك إليك في نفسك وفي أخيك من أمك وما كانوا يفعلونه بك قبل اليوم (٢). وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أي: لما حمل يوسف إبل إخوته ما حملها من الميرة, وقضى حاجتهم (٣) , جعل الإناء الذي كان يكيل به الطعام ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾، "والسقاية": المشْرَبة، وهي الإناء الذي كان يشرب فيه الملك, ويكيل به الطعام (٤) , قال الحسن: الصواع والسقاية سواء, هو الإناء يشرب فيه (٥) , وهو قول مجاهد (٦) وقتادة (٧) وابن عباس (٨) والضحاك (٩) وابن زيد (١٠). ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ في متاع أخيه (١١) ابن أمه وأبيه: وهو بنيامين, ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أي: نادى منادٍ, وقيل: أعلم مُعْلِم, ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ وهي: القافلة فيها الأجمال, ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ (١٢) قال ابن إسحاق: ثم جهزهم بجهازهم, وأكرمهم وأعطاهم, فأوفاهم, وحمل لهم بعيراً بعيراً, وحمل لأخيه بعيراً باسمه, كما حمل لهم, ثم أمر بسقاية الملك وهو: الصواع, وزعموا أنها كانت من فضة, فجعلت

стр. 268

﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ بنيامين, ثم أمهلهم حتى إذا انطلقوا وأمعنوا (١) من القرية, أمر بهم فأُدركوا فاحتبسوا, ثم نادى منادي (٢) ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ قفوا, وانتهى إليهم رسوله, فقال لهم فيما يذكرون: ألم نكرم ضيافتكم ونوفكم كيلكم ونحسن منزلتكم ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم, وأدخلناكم علينا في بيوتنا ومنازلنا أو كما قال لهم؟ , قالوا: بلى, وما ذاك؟ قال: سقاية الملك فقدناها ولا نتهم عليها غيركم (٣) , ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ (٤) , وحُكيَ عن مجاهد: أن عير بني يعقوب كانت حميراً (٥) , ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عليهم مَاذَا تَفْقِدُونَ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ قال بنو يعقوب لما نودوا ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ أي: أقبلوا على المنادي ومن بحضرتهم يقولون لهم: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ فقال القوم: ﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾، مشربة الملك (٦) , قيل: كان كهيئة المكوك, وكان للعباس مثله في الجاهلية يشرب فيه (٧) , وقوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ

стр. 269

بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي: ولمن جاء بالصاع حمل بعير من الطعام أي: وقر بعير (١) وقوله: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أي: أنا بأن أوفيه حمل بعير إذا جاء به كفيل, والزعيم بمعنى الكفيل (٢) , مثل قول الشاعر (٣): فَلَسْتُ بِآمِرٍ فِيهَا سليم (٤) ... وَلَكِنِّي عَلَى نَفْسِي زَعِيمُ وأصله في كلام العرب: القائم بأمر القوم, ولذلك قيل لرئيس القوم زعيمهم ومدبرهم (٥) , ولهذا جاء الخبر عن واحد في قوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ﴾ وهم جماعة, لأنه قصد الرئيس والقيّم بأمرهم. ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ أي: قال إخوة يوسف: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لنعصيَ في أرضكم (٦) , فإن قال قائل: وما كان

стр. 270

علم من قيل له ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ بأنهم لم يجيئوا لذلك, حتى استجاز قائلوا ذلك أن يقولوه, قيل استجازوا أن يقولوا ذلك, لأنهم فيما ذكر ردوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم, فقالوا: لو كنا سراقاً لم نرد عليكم البضاعة التي وجدناها في رحالنا, وقيل: إنهم كانوا قد عرفوا في طريقهم ومسيرهم أنهم لا يظلمون أحدا, ولا يتناولون ما ليس لهم, فقالوا ذلك حين قيل لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ (١). وقوله تعالى: قَالُوا: ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ أي: قال: أصحاب يوسف لإخوته: فما ثواب السارق إن كنتم كاذبين في قولكم: ﴿مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ قال إخوة يوسف: ثواب من وجد في رحله السرق, أن يسلم بسرقته إلى من سرق منه حتى يسترقه, كذلك نفعل بمن ظلم, فيفعل ماليس له فعله من أخذه مال غيره سرقا (٢)، ومعنى الكلام: ثواب السرق الموجود في رحله كأنه قيل: ثوابه استرقاق الموجود في رحله, ثم حذف استرقاق إذ كان معروفا معناه, ثم ابتدأ الكلام فقيل: فهو جزاؤه ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ , ويحتمل أن يكون معناه قالوا: ثواب السرق الذي يوجد السرق في رحله, فالسارق جزاؤه الاستعباد, وكانت هذه سنتهم في السارق: أن يستعبد (٣). وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه حسن التدبير من بلوغ المحاب في النفس والحميم والأخ القريب بالاجتماع على الحال الجميلة والمنزلة الجليلة, والبيان عما يوجبه التلطف في بلوغ المراد من إيقاع الأسباب التي تؤدي إليه ويبعث عليه مما يخفى على كثير من الناس موقعه ولا يتبن لهم وجهه: لأنه أنفذ له وأنجح للمطلوب منه, والبيان عما يوجبه حال بهت الإنسان بأخذ ما لم يأخذ من الاستفهام للتثبت في الأمر وترك الإسراع إلى مالا يجوز من القول, والبيان عما يوجبه الحرص على وجدان ما ضاع من تضمن الجعل لمن جاء به ليجدَّ في طلبه رغبة فيما ضمن عليه, والبيان عما يوجبه براءة القوم بما قذفوا به من الإحالة على ظاهر حالهم وما يعلم من سداد طريقتهم بالأحوال

стр. 271

الدالة والآثار الشاهدة, والبيان عما يوجبه الكذب من الجزاء بالشر بالذم والضر, والبيان عما يوجبه السرقة من المذلة بالعقوبة وسقوط المحل بالفضيحة إلّا أن يرجع إلى تهمة من غير حقيقة. القولُ في الوقفِ والتمامِ: ﴿آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ صالح (١)، وكذا ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) , فِي ﴿رَحْلِ أَخِيهِ﴾ صالح (٣) , وكذا ﴿لَسَارِقُونَ﴾ (٤) , وكذا ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ (٥) , وكذا ﴿زَعِيمٌ﴾ (٦) , وكذا ﴿سَارِقِينَ﴾ (٧) , وكذا ﴿نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ (٨). وقولُهُ : ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧) قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ

стр. 272

إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾ ﴿فَبَدَأَ﴾ الفاء جواب ما أخبر به مما تقدم, وبدأ إذا كان بمعنى الابتداء كان مهموزا, وإن كان بمعنى الظهور كان غير مهموز (١) ﴿بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ متعلق بـ بدأ ﴿قَبْلَ﴾ ظرف العامل فيه بدأ, ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف, ﴿اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿اسْتَخْرَجَهَا﴾ والهاء في ﴿اسْتَخْرَجَهَا﴾ تعود على ﴿السِّقَايَةَ﴾ أو على الصواع وهو يذكر ويؤنث (٢) , ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف من ﴿كَذَلِكَ﴾ في موضع نصب (٣) أي: استخراجًا كذلك, فالإشارة بذلك: إلى ما ذكر من هذا التسبب ومصرف الأحوال, ﴿كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ اللام متعلقة بـ ﴿كِدْنَا﴾ , والأصل في ﴿كِدْنَا﴾ كيدنا نقلت حركة الياء إلى الكاف, فسكنت الياء وبعدها الدال ساكنة, لاتصالها بالضمير المرفوع, فحذفت لالتقاء الساكنين, ﴿مَا كَانَ لِيَاخُذَ﴾ , ﴿مَا﴾ حرف نفي, ﴿لِيَاخُذَ﴾ نصب بلام النفي, وهي متعلقة بفعل محذوف, وبتقديره: ما كان استقراره, ﴿لِيَاخُذ أَخَاهُ﴾ نصب بـ يأخذ، ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ , ﴿فِي﴾ متعلقة بـ يأخذ, ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ في موضع نصب بـ يأخذ بتقدير: إلا بأن يشاء الله (٤)، وحذفت الباء لطول الاسم بالصلة, ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ

стр. 273

نَشَاءُ﴾ , ﴿دَرَجَاتٍ﴾ نصب بـ ﴿نَرْفَعُ﴾ وعلامة النصب: كسرة التاء, وهي مضافة إلى ﴿مَنْ﴾ , و ﴿مَنْ﴾ بمعنى الذي, هذه أكثر القراءة, وقرأ أهل الكوفة بتنوين درجات, فتكون ﴿مَنْ﴾ على هذا في موضع نصب بـ ﴿نَرْفَعُ﴾ ويتعدى إلى مفعولين, ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، ﴿عَلِيمٌ﴾ رفع بالابتداء, والخبر فوق وهو ظرف نصبه بمعنى الاستقرار, ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ , ﴿إِنْ﴾ حرف شرط, والفاء جواب الشرط, و ﴿أَخٌ﴾ رفع بـ ﴿سَرَقَ﴾ , و ﴿لَهُ﴾ و ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلقان بـ ﴿سَرَقَ﴾، في موضع النعت للأخ, ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ الفاء جواب ما أخبر به من قولهم, والهاء والألف نصب بأسرها عائدتان على الكلمة أو المقالة (١)، ﴿يُوسُفُ﴾ رفع بأسَرَّ و ﴿فِي﴾ متعلق بـ أسرّ, ﴿وَلَمْ يُبْدِهَا﴾ جزم بـ ﴿لَمْ﴾ فالهاء والألف نظير ما تقدم, و ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ يبدي, وهو من أبدى يبدي إذا أظهر (٢)، ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ ابتداء وخبر, و ﴿مَكَانًا﴾ نصب على البيان (٣) , ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ ابتداء وخبر, والباء متعلقة بـ ﴿أَعْلَمُ﴾ , ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ نداء مفرد, و ﴿الْعَزِيزُ﴾ نعت لأي, ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ (٤) اسم ﴿إِنَّ﴾ , و ﴿لَهُ﴾ الخبر متعلق بمعنى

стр. 274

الاستقرار, لا يجوز تقدير إظهاره لأن لا يلي إن, وكسرت ﴿إِنَّ﴾ لأنها بعد القول, و ﴿كَبِيرًا﴾ نعت لشيخ, أو بدل, وشيخ يجمع على أشياخ وشيوخ ومشيخة ومشوخا وشيخان, ولك أن تجمع أشياخا على أشاييخ وأشايخ (١) , كما تقول: أقوام وأقاويم وأقاوم, ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ الفاء جواب قولهم، فخذ من أحدنا، نصب بـ "خُذ", ﴿مَكَانَهُ﴾ نصب بـ ﴿فَخُذْ﴾ أي: بدلا منه, ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ , ﴿مِنَ﴾ متعلقة بـ ﴿نَرَاكَ﴾ , ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ مصدر (٢) , أي: أعوذ بالله عياذا ومعاذا (٣)، ﴿أَنْ نَاخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ , ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب بأعوذ, ﴿إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا﴾ , ﴿مَنْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿نَاخُذَ﴾ , و ﴿مَنْ﴾ بمعنى الذي, ﴿عِنْدَهُ﴾ متعلق بـ ﴿وَجَدْنَا﴾ , ﴿مَتَاعَنَا﴾ نصب بـ ﴿وَجَدْنَا﴾ , ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ لام توكيد في موضع خبر "إن", و ﴿إِذًا﴾ ملغاة لتوسطها, وهي على الجواب (٤) , ويقال معاذ الله ومعاذه الله (٥) وعوذ الله وعياذ الله (٦). القولُ في المعنى والتفسيرِ: المعنى والله أعلم ففتش يوسف أوعيتهم ورحالهم طلباً بذلك صواع الملك, فبدأ في تفتيشه بأوعية إخوته من أبيه, فجعل يفتشها وعاءً وعاءً قبل وعاء أخيه من أبيه وأمه, فإنه أخّر تفتيشه, ثم فتش

стр. 275

آخرها وعاء أخيه, فاستخرج الصواع من وعاء أخيه, قال قتادة: ذكر لنا أنه كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثما مما قذفهم به حتى بلغ متاع الغلام, فقال: ما أظن هذا أخذ شيئا, قالوا: بلى فاستبرئه (١) , وقاله أيضا السدي (٢) ومعنى قول ابن إسحاق وابن جريج (٣) , وقولُهُ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا﴾ يقول: هكذا صنعنا ليوسف (٤) حتى نخلّص أخاه لأبيه وأمه من إخوته لأبيه, بإقرار منهم أنَّ له أن يأخذه منه ويحبسه في يديه ويحول بينه وبينهم, وذلك أنهم قالوا جزاء من سرق الصواع أن من وجد ذلك في رحله فهو مسترق به, وذلك كان حكمهم وفي دينهم, فكاد الله ليوسف كما وصف لنا حتى أخذه أخاه منهم فصار عنده بحكمهم وصنع الله له (٥) , وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: ما كان يوسف ليأخذ أخاه في حكم ملك مصر وقضائه وطاعته منهم, لأنه لم يكن من حكم ذلك الملك وقضائه أن يسترق أحد بالسرق (٦) , فلم يكن ليوسف أخذ أخيه في حكم ملك أرضه إلا أن يشاء الله ذلك بكيده الذي كاده له, حتى أسلم من وجد في وعائه الصواع إخوته ورفقاؤه بحكمهم عليه وطيب أنفسهم بالتسليم بنحو ذلك قال مجاهد (٧) وابن جريج والسدي والضحاك, وفِي دِينِ الْمَلِكِ أي: في سلطان الملك (٨) قاله ابن عباس والضحاك, وقال قتادة وابن جريج: في قضائه وحكمه (٩)، قال ابن زيد: ليس في دين الملك أن يؤخذ السارق بسرقته, وكان

стр. 276

الحكم عند الأنبياء يعقوب وبنيه: أن يُؤْخَذ السارق بسرقته عبداً يسترق (١)، وأصل الدين الطاعة والعادة, قال الشاعر (٢): تَقُولُ إِذَا دَرَاتُ لَهَا وَضِينِي ... أَهَذَا دِينُهُ أَبَدًا وَدِينِي (٣) أي هذا عادته أبدا وعادتي, وقولُهُ: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ قال السدي (٤): صنعناه له بأنهم قالوا: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾. وقال مجاهد: إلا بعلة كادها الله فأعلم بها يوسف. ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ مراتب ودرجات في العلم على غيره, كما رفعنا يوسف, ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ , أي: وفوق كل عالم من هو أعلم منه, حتى ينتهي ذلك إلى الله ﵎, وإنما عنى بذلك أن يوسف أعلم من إخوته, وأن فوق (٥) يوسف من هو أعلم منه, حتى ينتهي إلى الله , وروى محمد بن كعب قال: سأل رجل علياً (٦)

стр. 277

عليه السلام (١) عن مسألة, فقال فيها, فقال الرجل: ليس هكذا ولكن كذا وكذا, قال علي-﵇: أصبتَ وأخطأتُ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٢) فإن قال قائل: كيف كان ليوسف أن يجعل ﴿السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾، ثم يُسَرِّق قومًا أبرياء من السّرَق فيقول: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ

стр. 278

لَسَارِقُونَ﴾ قيل: إن قوله: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾، إنما هو خبَرٌ من الله ﵎ عن مؤذِّن أذَّن به، لا خبر عن يوسف, وجائز أن يكون المؤذِّن أذَّن بذلك إذ فَقَد الصُّواع من غير أمر يوسف إياه بذلك, وهو يحسب أن القوم سرقوه, ولا يعلم صنيع يوسف وجائز أن يكون كان أذان المؤذن عن أمر يوسف, واستجاز الأمر بالنداء بذلك، لعلمه بهم أنهم قد كانوا سرقوا سَرِقةً في بعض الأحوال, فأمر المؤذن أن يناديهم بوصفهم بالسَّرق, ويوسف يعني ذلك السَّرق لا سَرَقهم الصُّواع, وقيل: تأويل ذلك كان خطأ من فعل يوسف, فعاقبه الله بإجابة القوم إيّاه (١): ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قَالُوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ "يعنون أخاه لأبيه وأمه، وهو يوسف (٢)، واختلف في" السَّرَق " الذي وُصِف به يوسف, فقال سعيد بن جبير (٣) وقتادة (٤) وابن جريج (٥): صَنَمًا لجده أبي أمه، كسره وألقاه في الطريق, وقال ابن إدريس (٦) عن أبيه قال كان: يعقوب على طعام, إذْ نظرَ يوسف إلى عَرْق (٧)

стр. 279

فخبأه فعيّروه به (١) , وروي عن مجاهد قال: كان أوّل ما دخل على يوسف من البلاء، فيما بلغني أن عَمَّته ابنة إسحاق, وكانت أكبر ولد إسحاق, وكانت إليها منطقة إسحاق وكانوا يتوارثونها بالكبر, فكان من اختانها ممن وليها كان له سَلَمًا لا ينازع فيه، يصنع فيه ما شاء. وكان يعقوب حين وُلِد له يوسف, كان قد حضَنته عَمَّتُهُ فكان معها وإليها, فلم تحبَّ شيئًا من الأشياء حُبَّهَا إياه, حتى إذا ترعرع وبلغ سنواتٍ, ووقعت نفس يعقوب عليه أتاها فقال: يا أخيَّة سلّمي إليّ يوسف, فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة! قالت: فوالله ما أنا بتاركته, والله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة فقال: والله ما أنا بتاركه! قالت: فدعه عندي أيامًا أنظر إليه وأسكن عنه, لعل ذلك يسلّيني عنه، أو كما قالت. فلما خرج من عندها إلى يعقوب عمدت إلى مِنْطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدت مِنْطقة إسحاق، فينظروا من أخذها ومن أصابها؟ فالتُمِسَتْ، ثم قالت: كشِّفوا أهل البيت فكشفوهم، فوجدوها مع يوسف, فقالت: والله إنه لي لسَلَمٌ، أصنع فيه ما شئت. قال: وأتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال لها: أنت وذلك إن كان فعل ذاك، فهو سَلَمٌ لك، ما أستطيع غير ذلك. فأمسكته فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت. قال: فهو الذي يقول إخوة يوسف ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (٢) وقولُهُ: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ أي: فأضمرها يعني الكلمة, و ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ (٣) وكنى عن الكلمة ولم يجر لها ذكر متقدِّم, لأن العرب تفعل ذلك كثيرا إذا كان مفهوم المعنى المراد عند سامعي الكلام كما قال حاتم الطائي (٤):

стр. 280

أَمَاوِيَّ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بهَا الصَّدْرُ (١) يريد: وضاق بالنفس الصدر، وكنى بها ولم يجر لها ذكر, إن كان في قوله: "إذا حشرَجَت يومًا" دلالة لسامع كلامه على مراده بقوله: "وضاق بها" ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) فقال: ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾ ولم يجر قبل ذلك ذكر لاسم مؤنث وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ والله أعلم بما تكذبون (٣) فيما تصفون به أخاه بنيامين, وذكر أن الصّواع لما وُجد في رحل أخي يوسف تلاوَمَ القوم بينهم, قال السدي: لما استخرجت السرقة من رحل الغلام انقطعت ظهورهم, فقالوا: يا بني يامين, ما يزال لنا منكم بلاء! متى أخذت هذا الصواع؟ فقال ابن يامين: بل بنو راحيل الذين لا يزال لهم منهم بلاء, ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية! وضَع هذا الصواع في رحلي، الذي وضع الدراهم في رحالكم! فقالوا: لا تذكر الدراهم فنؤخذ بها! فلما دخلوا على يوسف دعا بالصاع فنقرَ فيه، فأدناه من أذنه، ثم قال: إن صواعى هذا ليخبرني أنكم كنتم اثنى عشر رجلا وأنكم انطلقتم بأخٍ لكم فبعتموه, فلما سمعها ابن يامين، قام فسجد ليوسف, ثم قال: أيها الملك, سل صواعك هذا أخي، أحيٌّ هو؟ فنقره، ثم قال، هو حيٌّ, وسوف تراه, قال: فاصنع بي ما شئت, فإنه إن علم بي فسوف يستنقذني, قال: فدخل يوسف فبكى, ثم توضَّأ, ثم خرج فقال ابن يامين: أيها الملك إني أريد أن تضرب صُواعك هذا فيخبرك بالحقّ، فسله من الذي سرقه فجعله في رحلي؟ فنقره فقال: إن صواعي هذا غضبان, وهو يقول: كيف تسألني عن صاحبي, وقد رأيتَ مع من كنت؟ قال: وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقُوا, فغضب روبيل, وقال: أيها الملك, والله لتتركنا أو لأصيحنَّ صيحة لا يبقى بمصر امرأةٌ حامل إلا ألقت ما في بطنها! وقامت كل شعرة في جسد رُوبيل, فخرجت من ثيابه, فقال يوسف لابنه: قم إلى جنب روبيل فمسَّه. وكان بنو يعقوب إذا غضب أحدهم مسَّه

стр. 281

الآخر ذهب غضبه, فمرّ الغلام إلى جنبه فمسَّه, فذهب غضبه, فقال روبيل: مَنْ هذا؟ إن في هذا البلد لبَزْرًا من بَزْر يعقوب! فقال يوسف: من يعقوب؟ فغضب روبيل فقال: يا أيها الملك لا تذكر يعقوب, فإنه سَرِيُّ الله ابن ذبيح الله, ابن خليل الرحمن, قال يوسف: أنت إذًا إن كنت صادقًا (١). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ أي: قال إخوة يوسف ليوسف: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ ياأيها الملك ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ كلنا نحبه, فخذ واحدًا منّا بدلا منه, وخلِّ عنه ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ يقولون: في أفعالك قال ابن إسحاق: أي نرى ذلك منك إحسانا إن فعلت (٢). وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَاخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ أي: قال يوسف لإخوته أعوذ بالله أن نأخذ بريئًا بسقيم أي: أستجير بالله أن أفعل ذلك. وقولُهُ: ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ يقول: إن أخذنا غير الذي وجدنا متاعنا عنده ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ أي: لنفعل ما ليس لنا فعله ونجور على الناس (٣)، وروي عن أسباط قَالُوا: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا﴾ الآية قال يوسف: إذا أتيتم أباكم فأقرئوه مني السلام، وقولوا له: إن ملك مصر يدعوا (٤) لك أن لا تموت حتى ترى ابنك يوسف، حتى تعلمَ أنّ في أرض مصر صدِّيقين مثلَه (٥). وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه التدبير لأخذ الشيء بظاهر جميل مع باطن حق يخفى السبب فيه فلا يظهر لمتأمليه من بلوغ المراد على طريق العدل والإنصاف بما وقع من الإقرار بما هو حق الجزاء, والبيان عما توجبه السرقة من العار بها وتمثيل صاحبها بمن هو من أهلها عيب لربها, والبيان عما يوجبه الدعاء إلى الخطأ المطلوب من التذكير بالإحسان الذي يدعوا إلى المظاهرة فيه على من أنعم

стр. 282

عليه عند تأميله ذلك لدعاء إليه, والبيان عما يوجبه الظلم بأخذ البريء بالسقيم من الانتفاع منه والاستعاذة بالله في السلامة من معرته. القولُ في الوقفِ والتمامِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ كاف (١) , وكذا ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٢) , وكذا ﴿تَصِفُونَ﴾ (٣) , وكذا ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤) , وكذا ﴿لَظَالِمُونَ﴾ (٥). وقولُهُ : ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)﴾

стр. 283

لما ظرف مضاف إلى ﴿اسْتَيْئَسُوا﴾ , ﴿مِنْهُ﴾ متعلق بـ ﴿اسْتَيْئَسُوا﴾ , ﴿خَلَصُوا﴾ جواب لمّا وهو العامل في لمّا (١) , ﴿نَجِيًّا﴾ نصب على الحال, وهو واحد يؤدي عن جميع (٢) , وجمعه أنجية وينشد (٣): إِني إِذا مَا القَوْمُ كَانُوا أَنْجِيَهْ ... واخْتلف القولُ (٤) اختلاف الأَرْشِيَهْ (٥) هناك أوصيني ولا توصي بيه (٦). يقال: نجوت الرجل أنجوه نجيا, جعل صفة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (٧) ويقال للجماعة نجوى وهم يتناجون تناجياً (٨) , وقال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ

стр. 284

نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ (١) ويقال نجوت أنجو نجوى وأصل النجو الارتفاع من الأرض (٢) , فالمناجاة مثل المسارة, ويقال يئس يأساً واستيئس استئاساً وهو يائس ومستيئس وأيس يائس (٣)، و ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا﴾ ألف الاستفهام ودخلت على "لم" للتوبيخ والتقرير (٤) , ﴿أَنَّ أَبَاكُمْ﴾ , ﴿أَنَّ﴾ في موضع نصب بـ ﴿تَعْلَمُوا﴾ , ﴿عليكمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَخَذَ﴾ , ﴿مَوْثِقًا﴾ نصب (٥) بـ ﴿أَخَذَ﴾، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿مَوْثِقًا﴾ , ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ , ﴿مَا﴾ في موضع رفع بالابتداء, ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ الخبر (٦) , ويكون ﴿مَا فَرَّطْتُمْ﴾ بمنزلة التفريط أي: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ تفريطكم في يوسف, ويكون "من" متعلقة بالاستقرار, و ﴿قَبْلُ﴾ مبني لأنه غاية والتقدير: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ هذا تفريطكم, ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ زائدة, ويكون التقدير: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ فرطتم, ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ في موضع نصب عطف على ﴿أَنَّ﴾ والتقدير: أولم تعلموا من قبل تفريطكم (٧) , ﴿وفِي يُوسُفَ﴾ متعلق بـ ﴿فَرَّطْتُمْ﴾ , ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ الفاء جواب موافقة أباهم, و ﴿أَبْرَحَ﴾ نصب بـ لن (٨) , ﴿الْأَرْضَ﴾ نصب بـ ﴿أَبْرَحَ﴾ يقال: برح يبرح بروحا وبراحا (٩) ,

стр. 285

و ﴿حَتَّى﴾ غاية, ﴿يَاذَنَ لِي أَبِي﴾ , ﴿يَاذَنَ﴾ نصب بـ ﴿حَتَّى﴾ (١) و ﴿لِي﴾ متعلق بـ ﴿يَاذَنَ﴾ و ﴿يَحْكُمَ﴾ معطوف على ﴿يَاذَنَ﴾ , و ﴿لِي﴾ متعلق بـ ﴿يَحْكُمَ﴾ , ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِين﴾ ابتداء وخبر (٢)، ﴿ارْجِعُوا﴾ أمر, ﴿إِلَى أَبِيكُمْ﴾ , ﴿إِلَى﴾ متعلقة بـ ﴿ارْجِعُوا﴾ , ﴿فَقُولُوا﴾ الفاء جواب الأمر (٣)، ﴿إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ الباء متعلقة بـ ﴿شَهِدْنَا﴾ , ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ , ﴿لِلْغَيْبِ﴾ متعلق ﴿حَافِظِينَ﴾ , ﴿الْقَرْيَةَ﴾ منصوبة بـ اسأل والتقدير: أهل القرية (٤)، ﴿الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ نعت لـ ﴿الْقَرْيَةَ﴾، (٥) و ﴿فِيهَا﴾ متعلق بمعنى الاستقرار, ﴿وَالْعِيرَ﴾ عطف على ﴿الْقَرْيَةَ﴾ والتقدير: أصحاب العير (٦)، و ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿أَقْبَلْنَا﴾ , ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ اسم إنّ وخبرها، بل إضراب عن الأول, وإيجاب للثاني, "لكن" (٧) متعلق بـ ﴿سَوَّلَتْ﴾ , ﴿أَمْرًا﴾ نصب بـ ﴿سَوَّلَتْ﴾ , ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ابتداء وخبر (٨)، ويجوز أن يكون "صبر" رفعاً بالابتداء و ﴿جمِيلٌ﴾ نعتاً له, والخبر محذوف وتقديره: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أولى بي
следующие страницы →