المبحث الخامس: قبول الأحكام من غير الله شرك في الألوهية والربوبية:
ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ). [الأنعام، آية: ١٢١].
قال الطبري: وأما قوله "إنكم لمشركون" يعني إنكم: إذاً مثلهم، إذ كان هؤلاء يأكلون الميتة استحلالاً فإذا أنتم أكلتموها كذلك فقد صرتم مثلهم مشركين اهـ.
وقال القرطبي: فدلت الآية على أن من استحل شيئاً مما حرمه الله صار به مشركاً وقد حرم الله -سبحانه- الميتة نصاً. فإذا قبل تحليلها من غيره فقد أشرك. قال ابن العربي: إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركاً: إذا أطاعه في الاعتقاد فإن أطاعه في الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص فافهموه. ا. هـ.
وقال ابن كثير وقوله تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ). أي: حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقد متم عليه غيره فهذا هو الشرك كما قال تعالى: (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ). ا. هـ.
قلت: ومن المعلوم أن الشرك هو: اتخاذ إله مع الله وفي هذه الآية لما كان مصدر الاستحلال قبول حكم غير حكم الله أصبح الفاعل مشركاً وقبول حكم غير حكم الله في أية مسألة من المسائل شرك في ألوهية الله لأن الإله: هو الذي يطاع فلا يعصى فيجب أن يفرد المولى -سبحانه- بالطاعة والقبول والولاية.
قال تعالى: (اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ) [الأعراف: ٣].
قال البغوي: أي: لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله -تعالى-. ا. هـ.
وقال القرطبي: الثانية- ... والمعنى: لا تعبدوا معه غيره ولا تتخذوا من عدل عن دين الله ولياً. وكل من رضي مذهباً فأهل ذلك المذهب أولياؤه. ا. هـ.
وقال ابن كثير: (اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ). أي: اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل من رب كل شيء ومليكه (وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء). أي: لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره. ا. هـ.
قلت: هذا هو المقصود بالانقياد وقبول الأحكام أي: يعتقد ويقبل بشمول حاكمية الله
стр. 107
والتشريع لكافة الخلق وأنه تعالى يحكم لا معقب لحكمه وهذا القبول للأحكام يفترض في كل من نطق بالشهادتين.
التصديق والانقياد ركنا الإيمان:
قال ابن تيمية: وهذا موضع زاغ فيه خلق من الخلف: تخيل لهم أن الإيمان ليس في الأصل إلا التصديق ثم يرون مثل إبليس وفرعون ممن لم يصدر عنهم تكذيب، أو صدر عنهم تكذيب باللسان لا بالقلب، وكفره من أغلظ الكفر فيتحيرون ولو أنهم هدوا لما هدى إليه السلف الصالح لعلموا أن الإيمان قول وعمل أعني في الأصل قولاً في القلب وعملاً في القلب. فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته. وكلام الله ورسالته يتضمن إخباره وأوامره فيصدق القلب أخباره تصديقاً يوجب حالاً في القلب بحسب المصدق به. والتصديق هو نوع من العلم والقول، وينقاد لأمره ويستسلم وهذا الانقياد والاستسلام هو من نوع الإرادة والعمل، ولا يكون مؤمناً إلا بمجموع الأمرين. فمتى ترك الانقياد كان مستكبراً فصار من الكافرين وإن كان مصدقاً.
للكفر (١) أعم من التكذيب. يكون تكذيباً وجهلاً، ويكون استكباراً وظلماً، ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب، ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس، وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالاً وهو الجهل.
ألا ترى أن نفراً من اليهود جاءوا إلى النبي وسألوه عن أشياء فأخبرهم فقالوا: نشهد إنك نبي ولم يتبعوه وكذلك هرقل وغيره فلم ينفعهم هذا العلم وهذا التصديق. ألا ترى أن من صدق الرسول بأن ما جاء به هو رسالة الله وقد تضمنت خبراً وأمراً فإنه يحتاج إلى مقام ثان وهو تصديق خبر الله وانقياده لأمر الله فإذا قال: (أشهد أن لا إله إلا الله) فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره (وأشهد أن محمداً رسول الله) تضمنت تصديق الرسول فيما جاء به من عند الله فبمجموع هاتين الشهدتين يتم الإقرار. فلما كان التصديق لا بد منه في كلا الشهادتين وهو الذي يتلقى الرسالة بالقبول ظن من ظن أنه أصل لجميع الإيمان وغفل عن أن الأصل الآخر لا بد منه وهو الانقياد. وإلا فقد يصدق الرسول ظاهراً وباطناً ثم يمتنع
стр. 108
من الانقياد للأمر إذ غايته في تصديق الرسول أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله كإبليس.
وهذا مما يبين لك: أن الاستهزاء بالله أو برسوله ينافي الانقياد له لأنه قد بلغ عن الله أنه أمر بطاعته فصار الانقياد له من تصديقه في خبره فمن لم ينقد لأمره فهو إما مكذب له أو ممتنع عن الانقياد لربه وكلاهما كفر صريح.
ومن استخف به واستهزأ بقلبه امتنع أن يكون منقاداً لأمره، فإن الانقياد: إجلال وإكرام والاستخفاف: إهانة وإذلال. وهذان ضدان فمتى حصل في القلب أحدهما انتفى الآخر. فعلم أن الاستخفاف والاستهانة به ينافي الإيمان منافاة الضد للضد.
عدم قبول الأحكام من الله كفر لا خلاف فيه:
الوجه الثالث: أن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرمه عليه واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه فهذا ليس بكافر. فأما إن اعتقد أن الله لم يحرمه أو أنه حرمه لكن امتنع من قبول هذا التحريم وأبى أن يذعن لله وينقاد فهو إما جاحد أو معاند.
ولهذا قالوا: من عصى الله مستكبراً كإبليس كفر بالاتفاق، ومن عصى الله مشتهياً لم يكفر عند أهل السنة والجماعة وإنما يكفره الخوارج. فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدقاً بأن الله ربه فإن معاندته له ومحادته تنافي هذا التصديق.
وبيان هذا: أن من فعل المحارم مستحلاً لها فهو كافر بالاتفاق فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال: اعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارة: بعدم اعتقاد أن الله حرمها وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية ولخلل في الإيمان بالرسالة ويكون جحداً محضاً غير مبني على مقدمة. وتارة يعلم أن الله حرمها ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم ويعاند المحرم فهذا أشد كفراً ممن قبله وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه. ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الأمر وقدرته فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمرداً أو اتباعاً لغرض النفس وحقيقته كفر وهذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول: أنا لا أقر بذلك ولا ألتزمه وأبغض هذا الحق
стр. 109
وأنفر عنه، فهذا نوع غير النوع الأول وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع بل عقوبته أشد وفي مثله قيل (أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه) وهو إبليس ومن سلك سبيله.
وبهذا يظهر الفرق بين (١) العاصي فإنه يعتقد وجوب ذلك الفعل عليه ويجب أن يفعله لكن الشهوة والنفرة منعته من الموافقة فقد أتى من الإيمان بالتصديق والخضوع والانقياد وذلك قول وقول لكن لم يكمل العمل (٢). ا. هـ.
قلت: فهذا النقل المستفيض بفضل الله -تعالى- فيه كثير من العبر والفوائد الجمة ويستحق أن يقف القارئ وقفة طويلة مع كل لفظة فيه ليتحقق معانيه وفوائده.
وفيه أن الإقرار بالشهادتين يتضمن التصديق والانقياد وهو المقصود بقبول الأحكام أو التصديق الإذعاني، ويلاحظ في كلام الشيخ: أن الزلل والخلط في الأحكام نتيجة عدم ضبط قضية الإيمان. إذ هي ميزان الأحكام وعدم ضبطها يأتي بالتخبط في الأحكام.
لذلك رأيت أن أعرض بمشيئة الله على عجالة قبل أن أختم هذا الباب بعض الضوابط والأصول لهذه القضية وفهم أغوارها لأنها أكبر معين على فهم قضية الأحكام. ولأن العلماء نصوا على أنه لا إسلام لمن لا إيمان له ولا إيمان لمن لا إسلام له.
стр. 110
الفصل الرابع
أركان الإيمان وحدوده
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تلازم الإيمان والإسلام.
المبحث الثاني: العلم والعمل ركنا الإيمان.
стр. 111
الفصل الرابع
أركان الإيمان وحدوده
المبحث الأول: تلازم الإيمان والإسلام:
قال ابن تيمية وقال ابن أبي شيبة: لا يكون إسلام إلا بإيمان ولا إيمان إلا بإسلام (١) ا. هـ.
وقال (نقلاً عن ابن عبد البر) فمثل الإسلام من الإيمان كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى في المعنى والحكم فشهادة الرسول غير شهادة الوحدانية فهما شيئان في الأعيان. وإحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى والحكم كشيء واحد كذلك الإيمان والإسلام أحدهما مرتبط بالآخر فهما كشيء واحد لا إيمان لمن لا إسلام له ولا إسلام لمن لا إيمان له. إذا لا يخلو المسلم من إيمان يصح به إسلامه ولا يخلو المؤمن من إسلام به يحقق إيمانه. من حيث اشترط الله للأعمال الصالحة الإيمان واشترط للإيمان الأعمال الصالحة فقال في تحقيق ذلك: (فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ). وقال في تحقيق الإيمان بالعمل: (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى). فمن كان ظاهره أعمال الإسلام ولا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب فهو منافق نفاقا ينقل عن الملة، ومن كان عقده الإيمان بالغيب ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام فهو كافر كفراً لا يثبت معه توحيد. ومن كان مؤمناً بالغيب مما أُخبرت به الرسل عن الله عاملاً بما أمر الله فهو مؤمن مسلم ولولا أنه كذلك لكان المؤمن يجوز أن لا يسمى مسلماً ولجاز أن المسلم لا يسمى مؤمناً بالله. وقد أجمع أهل القبلة على أن كل مؤمن مسلم وكل مسلم مؤمن بالله وملائكته وكتبه (٢). ا. هـ.
وقال ابن رجب والتحقيق في الفرق بينهما: أن الإيمان: هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته، والإسلام: هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده له وذلك يكون بالعمل وهو الدين كما سمى الله في كتابه الإسلام ديناً .... ثم إن الشهادتين من خصال الإسلام بغير
стр. 112
نزاع، وليس المراد الإتيان بلفظهما دون التصديق بهما. فعلم أن التصديق بهما داخل في الإسلام، وقد فسر الإسلام المذكور في قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ). بالتوحيد والتصديق طائفة من السلف منهم: محمد بن جعفر بن الزبير.
وأما إذا نفي الإيمان عن أحد وأثبت له الإسلام كالأعراب الذين أخبر الله عنهم فإنه ينتفي عنهم رسوخ الإيمان في القلب ونثبت لهم المشاركة في أعمال الإسلام الظاهرة مع نوع إيمان يصحح لهم العمل. إذ لولا هذا القدر من الإيمان لم يكونوا مسلمين (١). ا. هـ.
قلت: فهذه نصوص العلماء متضافرة في أن الإسلام لا بد له من إيمان في الباطن يصححه، وأن الإيمان لا يثبت بدون إسلام في الظاهر ببينه، وهذه المسألة في غاية الخطورة ومنها بعلم قول العلماء أن التلفظ بالشهادتين يحكم لصاحبه بالإسلام وهذا حق لا ريب فيه لكن لا بد لهذا التلفظ من شروط وهي وجود إيمان في الباطن يحقق هذا الإسلام الظاهري كما نص على ذلك العلماء ونحن لم نؤمر بشق بطون الناس والاطلاع على بواطنهم بل أمرنا بمعاملتهم بالظاهر ويفترض في قائلها توفير الإيمان لديه في الباطن وتغيير الاعتقاد.
فإذا أظهر ناقضاً حكم الشرع بأنه يستلزم فساد وخلو الباطن من الإيمان وصحيح الاعتقاد قطعنا بفسادهما وتثبت عليه أحكام الردة.
لأنه كما قال ابن تيمية لأن الظاهر إنما يكون دليلاً صحيحاً معتمداً إذا لم يثبت أن الباطن بخلافه، فإذا قام دليل على الباطن لم يلتفت إلى ظاهر قد علم أن الباطن بخلافه (٢). ا. هـ.
الإنخلاع من الشرك والتزام الأحكام حق لا إله إلا الله:
قلت: وهذا حكم بالظاهر ومن هنا نعلم -بفضل الله وكرمه- دلالة النصوص المستفيضة وأقوال أهل العلم على أن غاية القتال: الانخلاع من الشرك والبراءة من الطواغيت وإفراد الله بالتأله والطاعة وحده لا شريك له وهو ما سلف ذكره من النصوص المستفيضة ونُقول أهل العلم في هذا المسألة العظيمة:
فإن الله أنزل الكتب وأرسل الرسل وخلق الكون بأسره وأقام سوق الآخرة ليعبد جل
стр. 113
جلاله -وحده بلا شريك ويدان له بالطاعة ويكفر بكل مطاع سواه ويكون ذلك كله بالقلب والجوارح وجعل علامة هذا الاعتقاد القلبي: التلفظ بالشهادتين في الظاهر. وعند هذا يرفع القتال "إلا بحقها"، ومن المعلوم بيقين أن إفراد الله بالعبادة هو حق "لا إله إلا الله" فإذا ظهر من العبد خلاف ما أقر به عاد القتال لتحقيق غايته.
ولو كان المراد من الناس مجرد التلفظ بالشهادتين فقط -دون الانخلاع من الشرك والعبودية بشتى صورها لغير الله كاف فلم قال ﷺ : "إلا بحقها"؟! إذ لو كان التلفظ هو وحده حقها لكان كل من تلفظ بالشهادتين قد أتى بحقها وكان ذكر هذه اللفظة "إلا بحقها" لغو لا حكم لها ولا حقيقة مترتبة عليها -والعياذ بالله-.
ونحن نبرأ بكلام إمام المرسلين ﷺ من ذلك الذي أوتى جوامع الكلم.
ويلزم من قائل هذه المقالة تصحيح إسلام وإيمان المنافق لأنه نطق بالشهادتين وهذا هو وحده وحقها! وإن ظهر منه ما يدل على نفاقه مثل سب الله وكتابه ونبيه، ﷺ ، وموالاة الكفار والبراءة من المسلمين والتحاكم لغير الله ورفضه حاكمية الله والمسرة بهزيمة المسلمين والحزن بانخذال المشركين.
من سوغ ترك الانقياد للشرع فقد كفر:
قال ابن تيمية: ومن قال إن من تكلم بالشهادتين ولم يؤد الفرائض ولم يجتنب المحارم يدخل الجنة ولا يعذب أحد منهم بالنار فهو كافر مرتد يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل بل الذين يتكلمون بالشهادتين "أصناف" منهم منافقون في الدرك الأسفل من النار (١). ا. هـ.
وقال: وقال حنبل حدثنا: الحميدي: قال وأخبرت أن ناساً يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت ويصلي مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان مقراً بالفرائض واستقبال القبلة. فقلت: هذا الكفر الصراح وخلاف كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين قال الله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ). الآية.
وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا فقد كفر بالله ورد على أمره وعلى الرسول ما جاء به من عند الله (٢). أ. هـ.
стр. 114
وقال: قال أحمد بن حنبل: حدثنا خلف بن حيان حدثنا معقل بن عبيد الله العبسي قال: قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء فنفر منه أصحابنا نفوراً شديداً منهم ميمون بن مهران وعبد الكريم بن مالك فإنه عاهد الله أن لا يؤويه وإياه سقف بيت إلا المسجد قال معقل: فحججت فدخلت على عطاء بن أبي رباح في نفر من أصحابي وهو يقرأ (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ..) فقلت إن لنا حاجة فأخلنا، ففعل. فأخبرته أن قوماً قبلنا قد أحدثوا وتكلموا وقالوا: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين. قال: أو ليس الله -تعالى- يقول: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ). فالصلاة والزكاة من الدين، قال فقلت: إنهم يقولون ليس في الإيمان زيادة. قال: أو ليس قد قال الله -تعالى- فيما أنزل: (لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ). هذا الإيمان، فقلت: إنهم انتحلوا. وبلغني أن ابن ذر دخل عليك في أصحاب له فعرضوا عليك قولهم فقبلته فقلت هذا الأمر. فقال: لا والله والذي لا إله إلا هو مرتين أو ثلاثاً ثم قال: قدمت المدينة فجلست إلى نافع فقلت: يا أبا عبد الله إن لي إليك حاجة فقال سر: أم علانية؟ فقلت: لا بل سر، قال: رب سر لا خير فيه، فقلت: ليس من ذلك فلما صلينا العصر قام وأخذ بثوبي ثم خرج من الخوخة ولم ينتظر القاص فقال: ما حاجتك؟ قال فقلت: اخلني هذا فقال: تنح. قال: فذكرت له قولهم فقال: قال رسول الله، ﷺ ،: "أمرت أن أضربهم بالسيف حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله".
قال: فقلت: إنهم يقولون: نحن نقر بأن الصلاة فرض ولا نصلي وبأن الخمر حرام ونشربها وأن نكاح الأمهات حرام ونحن ننكح فنثر يده من يدي وقال من فعل هذا فهو كافر (١). أ. هـ.
حقوق لا إله إلا الله:
قلت: فهذا حق لا إله إلا الله: الكفر بما يعبد من دون الله والتزام شرائع الإسلام.
وكما نص العلماء من قبل على أنه: لا إسلام لمن لا إيمان له. فإذا نطق العبد بالشهادتين يُفترض في قائلها أنه محقق لشروطها مع توفر الإيمان لديه في الباطن فإذا قام دليل في الظاهر على فساد الإيمان في الباطن قطعنا بفسادهما جميعاً وهذا حكم بالظاهر.
стр. 115
المبحث الثاني: العلم والعمل ركنا الإيمان .
من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن العلم هو: الركن الأول من أركان الإيمان وهو أصل التصديق والاعتقاد واليقين ولا يتصور وجودهم إلا به فهو سابق عليهم ومصحح لهم جميعاً وأن الالتزام والانقياد وقبول الأحكام من الله وحده هو: ركن الإيمان الثاني وهو عمل القلب.
قال القاضي أبو بكر بن العربي وأما من قال: إنه (أي الإيمان) الاعتقاد والقول والعمل فقد جمع الأقوال كلها، وركب تحت اللفظ مختلفات كثيرة ولم يبعد من طريق التحقيق في جهة الأصول ولا في جهة اللغة. أما في جهة اللغة فلأن الفعل يصدق القول أو يكذبه قال النبي ﷺ : "العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان والنفس تمني وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" فإذا علم: أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ فليتكلم بمقتضي علمه وإذا تكلم بما علم فليعمل بمقتضى علمه فيطرد الفعل والقول والعمل فيقع إيماناً لغوياً شرعياً (١). ا. هـ.
وقال ابن القيم وها هنا أصل آخر، وهو أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل: والقول قسمان: قول القلب وهو: الاعتقاد، وقول اللسان وهو: التكلم بكلمة الإسلام والعمل قسمان: عمل القلب وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح. فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة. وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب وهو محبته وانقياده كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول، بل ويقرون به سراَ وجهراً ويقولون: ليس بكاذب ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به ...
فإن يلزم من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح، إذ لو أطاع القلب وانقاد أطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة، وهو حقيقة الإيمان. فإن الإيمان ليس مجرد التصديق -كما تقدم بيانه، وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة
стр. 116
والانقياد (ثم أخذ الشيخ يتحدث عن الكفر الاعتقادي والعملي والكفر الأكبر والأصغر وكذلك الشرك والظلم والجهل والنفاق ثم قال في ص: ٥٩). فانظر كيف انقسم الشرك والكفر والفسوق والظلم والجهل: إلى ما هو كفر ينقل عن الملة، وإلى ما لا ينقل عنها (١). ا. هـ.
قلت: انظر -رحمك الله- إلى قول الشيخ: إذ التصديق شرط في اعتقادهما وكونها نافعة -أي الشهادتين- ومن المعلوم أن التصديق فرع العلم لذلك قال بعد ذلك أن الجهل منه ما يخرج عن الملة ومنه ما لا يخرج. فإن لم يكن الجهل بقبح الشرك وحسن التوحيد الذي هو أصل الأصول هو الجهل المخرج عن الملة فما هو إذا؟!
وأن التصديق لا ينفع إن لم يكن مستلزماً للطاعة والانقياد وأن طاعة القلب تستلزم طاعة الجوارح وعدم انقياد الجوارح يدل على خلو القلب من التصديق المستلزم للطاعة الذي هو حقيقة الإيمان.
وأن أهل السنة مجمعون على زوال الإيمان إذا زال عمل القلب، وأن هذا هو موضع المعركة بين: أهل السنة والمرجئة.
قال ابن تيمية: فقد علمنا من دينه ضرورة أنه يكفر الشخص مع ثبوت التصديق بنبوته في القلب إذا لم يعمل بهذا التصديق بحيث يحبه ويعظمه ويسلم لما جاء به (٢). ا. هـ.
شروط تحقيق الإيمان:
وقال كانوا (أي السلف) يقولون: الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان (٣) ا. هـ.
وقال (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء) وقوله (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) الآية فجعل الله هذه الأمور شرطاً في ثبوت حكم الإيمان فثبت أن الإيمان: المعرفة بشرائط لا يكون معتداً به دونها (٤). أ. هـ.
وقال: وقال أحمد بن حنبل: حدثنا أبو سلمة الخزاعي قال: قال مالك وشريك وأبو بكر
стр. 117
بن عياش وعبد العزيز بن أبي سلمة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد: الإيمان المعرفة والإقرار والعمل (١). ا. هـ.
وقال: قال أحمد: وأما من زعم أن الإيمان الإقرار. فما يقول في المعرفة؟ هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار؟ وهل يحتاج أن يكون مصدقاً بما عرف؟ فإن زعم أنه يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار فقد زعم أنه من شيئين وإن زعم أنه يحتاج أن يكون مقراً ومصدقاً بما عرف فهو من ثلاثة أشياء وإن جحد وقال لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق فقد قال قولاً عظيماً ولا أحسب أحداً يدفع المعرفة والتصديق وكذلك العمل مع هذه الأشياء (٢) ا. هـ.
وقال: أمرنا الله أن نقول في الصلاة (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ). وقال النبي، ﷺ ، "اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون". لأن اليهود يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم ولا يتبعونه لما فيهم من الكبر والحسد الذي يوجب بغض الحق ومعاداته والنصارى لهم عبادة وفي قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها، لكن بلا علم فهم ضلال. هؤلاء لهم معرفة بلا قصد صحيح، وهؤلاء لهم قصد في الخبر بلا معرفة له وينضم إلى ذلك الظن، واتباع الهوى فلا يبقى في الحقيقة معرفة نافعة ولا قصد نافع بل يكون كما قال تعالى عن مشركي أهل الكتاب: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ). وقال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ..). فالإيمان في القلب لا يكون إيماناً بمجرد تصديق ليس معه عمل القلب وموجبه من محبة الله ورسوله ونحو ذلك كما أنه لا يكون إيماناً بمجرد ظن وهوى بل لا بد في أصل الإيمان من قول القلب وعمل القلب (٣) ا. هـ.
وقال ابن القيم: قالوا: والقلب عليه واجبان لا يصير مؤمناً إلا بهما جميعاً: واجب المعرفة والعلم، وواجب الحب والانقياد والاستسلام. فكما لا يكون مؤمناً إذا لم يأت بواجب العلم والاعتقاد لا يكون مؤمناً إذا لم يأت بواجب الحب والانقياد والاستسلام بل إذا ترك هذا الواجب مع علمه ومعرفته به كان أعظم كفراً وأبعد عن الإيمان من الكافر جهلاً (٤). ا. هـ.
стр. 118
وقال: فإن الإيمان فرض على كل واحد وهو: ماهية مركبة من علم وعمل فلا يتصور وجود الإيمان إلا بالعلم والعمل ...
وهل تمكن عبادة الله التي هي حقه على العباد كلهم إلا بالعلم وهل ينال العلم إلا بطلبه (١). ا. هـ.
قلت: فساعة إقرار العبد بالشهادتين تجري عليه أحكام الإسلام مع افتراض وجود الإيمان في الباطن الذي يصحح له إسلامه -ما لم يلتبس مع إقراره بشرك ظاهر أو دليل على عدم تغير الاعتقاد -فإن عبد غير الله بعد إقراره، أو والى المشركين ونصرهم وأحبهم، أو تحاكم إلى الطاغوت أو استهزأ بشيء من آيات الله، أو سوغ اتباع شريعة غير شريعة الله أو تولى عن طاعة الرسول ﷺ ولم يلتزم طريقه ومنهاجه، أو سوغ طريقاً إلى الله غير طريقه. علمنا بهذا الظاهر فساد أصل الإيمان في الباطن. إما بسبب تخلف العلم الذي هو أحد ركني الإيمان وهو قول القلب أو تخلف الانقياد والمحبة وهو شقه وركنه الثاني وهو عمل القلب. وبفساد الإيمان الذي هو شرط كما نص العلماء لصحة الإسلام يفسد أيضاً الإسلام ويكون العبد بهذا كافراً في الظاهر والباطن وهذا لنقضه الشهادتين اللتين هما أصل الدين خاصة.
قال ابن رجب: من أقر بالشهادتين صار مسلماً حكماً فإذا دخل في الإسلام بذلك ألزم بالقيام ببقية خصال الإسلام، ومن ترك الشهادتين خرج من الإسلام وفي خروجه من الإسلام بترك الصلاة خلاف معروف مشهور بين العلماء وكذلك في تركه بقية مباني الإسلام الخمس (٢). ا. هـ.
وقبل أن أختم هذا الباب بمشيئة الله وعونه سأذكر رؤوس المسائل التي جاءت فيه:
١ - إن الانتقال من الشرك والكفر إلى الإسلام ورفع السيف عن رؤوس المشركين شرطه الانخلاع من الشرك وإفراد الله بالطاعة والتأله له وحده لا شريك له.
٢ - العلم بالشهادتين شرط في الانتقال لأنه لا يتم الانخلاع من الشرك إلى التوحيد إلا به.
٣ - التزام التوحيد والإسلام في الظاهر متابعة للآباء المتابعة المحضة دون اعتقاده في الباطن لا ينفع صاحبها في الآخرة.
стр. 119
٤ - المشرك جاهل بالله لا يعرفه ولا يعبده، بل هو عابد للشيطان وإن زعم غير هذا أياً كان هذا المشرك.
٥ - العبادة لا تكون ولا تقع إلا بشرطين وهما: إفراد الله بالتأله وحده لا شريك له وأن يكون حال العبد الاستسلام لله وحده.
٦ - هناك صفات لله من جهلها جهله ولم يعرفه. وأول واجب على جميع العباد العلم بهذه الصفات التي بها تعلم ألوهية الله، ويخرج العبد بها من عبادة الآلهة إلى عبادة الله الواحد القهار.
٧ - لا نجاة لعبد في الآخرة إلا بالنطق بالشهادتين مع العلم بمدلولهما والتصديق واليقين مع التزامهما في الظاهر والباطن.
٨ - الإسلام هو الاستسلام لله وحده وإفراده بالطاعة فمن عبده وعبد معه غيره لم يكن مسلماً ومن لم يعبده فهو مستكبر عن عبادته وكلاهما كافر بربه.
٩ - الإقرار بالرسالة يلزم الانقياد لها وإلا كان فاسداً لا حقيقة له ولا تجري به الأحكام.
١٠ - الحنيف هو: التارك للشرك قصداً وعلى بصيرة للاستسلام لله وحده.
١١ - الشرك هو: عبادة غير الله والحجة على بطلانه الميثاق والفطرة والعقل، وصاحبه لا يعذب في الدارين إلا بعد قيام الحجة الرسالية، وكذلك لا ينعم في الآخرة وليس بمسلم في الدنيا حتى: يوحد الله الواحد القهار ويكفر بما يعبد من دونه.
١٢ - قبول الأحكام من غير الله ورسوله شرك وقبول للتأله من دون الله.
١٣ - من عصى الله مستكبراً كفر بالاتفاق، ومن عصاه مشتهياً لم يكفر عند أهل السنة والجماعة ولا يكفره إلا الخوارج. لأن العاصي المستكبر متمرد على حاكمية الله ومتعد حد العبودية التي خلق لها.
١٤ - الإسلام لا يقبل إلا بإيمان في الباطن يصححه والإيمان لا ينفع إلا بإسلام في الظاهر يبينه وإلا كان ادعاء، والإيمان هو: الإقرار والمعرفة والالتزام.
١٥ - النطق بالشهادتين يجري به الأحكام في الدنيا -ما لم يُلتبس بهما شرك أو دليل ظاهر على عدم تغير الاعتقاد- ويُفترض في قائلها توفر الإيمان في الباطن لديه الذي يصحح له إسلامه فإذا أتى بناقض علمنا به فساد الإيمان وبالتالي فساد الإسلام لديه.
стр. 120
١٦ - من حكم بأن كل من نطق بالشهادتين دون التزام أنه من أهل الجنة ولا يعذب بالنار فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه لأنه يلزم من هذا تسويغ النفاق.
وقبل أن أختم هذا الفصل -أقدم عذري لك أخي القارئ على إطالة هذا الفصل ولكني أردت أن أثبت فيه أن هذه القضية التي نحن بصددها قد تضافرت عليها النصوص والدلائل من الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة وأئمتها وأنها عقيدة موروثة من الكتب السماوية والرسالات لذلك عرضتها من أوجه كثيرة لأن الأمر إذا تكرر تقرر.
فتارة عرضتها من خلال دلالات النصوص عليها بفهم سلف الأمة، وتارة من خلال أقوال السلف الصالح وتوصيفهم إياها، وتارة من خلال علاقتها وارتباطها بقضية الإيمان، وتارة من خلال فهم معنى التأله والعبادة وما هذا كله إلا لتحديد حقيقة الإسلام لنستقيم عليها، وندعو الناس لها لتحقيق النجاة لهم، وللقضاء على جرثومة الارجاء التي أسلمت الأمة فريسة سهلة لأعدائها وخرجت أجيالاً تعتقد أن الإسلام هو: مجرد التلفظ بالشهادتين دون البراءة من الشرك والمشركين. وأن مجرد التلفظ بها فقد دون الانخلاع من الشرك كاف في تحقيق النجاة في الدارين.
ونتج عن هذا أن دخلت علينا جميع وشتى ألوان الشرك والإلحاد دون نكير من العلماء والعباد والدعاة -إلا من رحم الله "وقليل ما هم"- وإلى الله المشتكي ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وبهذا انتهى هذا الفصل -بفضل الله وعونه وكرمه-.
* * *
стр. 121
الباب الثالث
الردة وعدم تأثير عارض الجهل فيها
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: الأدلة من القرآن الكريم على عدم تأثير عارض الجهل في الردة.
الفصل الثاني: الأدلة من السنة المطهرة على عدم تأثير عارض الجهل في الردة.
الفصل الثالث: باب الردة من كتب السلف.
стр. 122
الفصل الأول
الأدلة من القرآن الكريم على عدم تأثير عارض الجهل في الردة
وفيه ثلاث مباحث:
المبحث الأول: الجهل أساس النفاق وعلته.
المبحث الثاني: حكم المستهزئ بآيات الله.
المبحث الثالث: تنزيل آيات الكفار على من فعل فعلهم من المسلمين.
стр. 123
الفصل الأول
الأدلة من القرآن الكريم على عدم تأثير عارض الجهل في الردة
المبحث الأول: الجهل أساس النفاق وعلته:
الدليل الأول: قوله تعالى في سورة البقرة: (وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ).
قال الطبري: وفي هذه الآية من أوضح الدليل على تكذيب الله جل ثناؤه قول الزاعمين أن الله لا يعذب من عباده إلا من كفر به عناداً بعد علمه بوحدانيته وبعد تقرر صحة ما عاند ربه ﵎ عليه من توحيده والإقرار بكتبه ورسله عنده. لأن الله جل ثناؤه قد أخبر عن الذين وصفهم بما وصفهم به من النفاق وخداعهم إياه والمؤمنين أنهم لا يشعرون أنهم مبطلون فيما هم عليه من الباطل مقيمون وأنهم بخداعهم الذي يحسبون أنهم به يخادعون ربهم وأهل الإيمان به مخدوعون ثم أخبر تعالى ذكره أن لهم عذاباً أليماً بتكذيبهم بما كانوا يكذبون من نبوة نبيه واعتقاد الكفر به وبما كانوا في زعمهم أنهم مؤمنون وهم على الكفر مصرون ا. هـ.
وقال القرطبي الآية (وَمَا يَشْعُرُونَ). أي: يفطنون أن وبال خدعهم راجع عليهم، فيظنون أنهم قد نحوا بخدعهم وفازوا، وإنما ذلك في الدنيا وفي الآخرة يقال لهم: (ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ). على ما يأتي ا. هـ.
وقال الشوكاني في قوله تعالى: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) .. وأما نفي الشعور عنهم فيحتمل أنهم لما كانوا يظهرون الصلاح مع علمهم أنهم على الفساد الخالص ظنوا أن ذلك يتفق على النبي ﷺ وينكتم عنه بطلان ما أضمروه، ولم يشعروا بأنه عالم به وأن الخبر يأتيه بذلك من السماء فكان نفي الشعور عنهم من هذه الحيثية لا من جهة أنهم لا يشعرون بأنهم على الفساد. ويحتمل أن فسادهم كان عندهم صلاحا لما استقر في عقولهم من محبة الكفر وعداوة الإسلام ....
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في تفسير هذه الآية قال: إذا ركبوا معصية. فقيل: لهم
стр. 124
لا تفعلوا كذا قالوا: إنما نحن على الهدى. وأخرج ابن اسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن سلمان أنه قرأ هذه الآية. فقال: لم يجيء أهل هذه الآية بعد. قال ابن جرير: يحتمل أن سلمان أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فساداً من الذين كانوا في زمن النبي ﷺ لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد. انتهى.
ويحتمل أن سلمان يرى (هذا كلام الإمام الشوكاني) أن هذه الآية ليست في المنافقين بل يحملها على مثل أهل الفتن التي يدين أهلها بوضع السيف في المسلمين كالخوارج وسائر من يعتقد في فساده أنه صلاح لما يطرأ عليه من الشبه الباطلة ...
(أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء) يقول: الجهال (وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ) يقول: لا يعقلون ا. هـ.
وقال البغوي: (وَمَا يَشْعُرُونَ) أي: لا يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم وأن وبال خداعهم يعود عليهم .. (وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) أي: لا يعلمون أنهم مفسدون لأنهم يظنون أن الذي هم عليه من إبطان الكفر صلاح وقيل: لا يعلمون ما أعد الله لهم من العذاب ا. هـ.
وقال ابن كثير وقوله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا). أي: بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك. وأن ذلك نافعهم عنده وأنه يروج عليه كما يروج على بعض المؤمنين كما قال تعالى: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ ...) ...
(وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ). إعلاماً منه عباده المؤمنين أن المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم في إسخاطهم عليها ربهم بكفرهم وشكهم وتكذيبهم غير شاعرين ولا دارين ولكنهم على عمياء من أمرهم مقيمون ..
(أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ). يقول: ألا إن هذا الذي يعتمدونه ويزعمون أنه صلاح هو عين الفساد ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فساداً .. (وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ) يعني: ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل وذلك أردى لهم وأبلغ في العمي والبعد عن الهدى ..
(أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ...). وهذا مثل آخر ضربه الله -تعالى- لضرب آخر من المنافقين وهم قوم يظهر لهم الحق تارة ويشكون تارة أخرى فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم (كصيب). ا. هـ.
стр. 125
أنواع المنافقين وأحوالهم:
وقال ابن تيمية: وقول من قال: (أو) هنا للتخيير -كقولهم: جالس الحسن أو ابن سرين- ليس بشيء لأن التخيير يكون في الأمر والطلب لا يكون في الخبر .. والمقصود تفهيم المؤمنين حالهم ويدل على ذلك أنه قال في "المثال الأول" (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) وقال في "الثاني" (يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم ...) فبين في "المثل الثاني" أنهم: يسمعون ويبصرون ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم، وفي "الأول" كانوا يبصرون ثم صاروا في ظلمات لا يبصرون. صم بكم عمي وفي "الثاني" إذا اضاء لهم البرق مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا فلهم "حالان": حال ضياء وحال ظلام، والأولون بقوا في الظلمة. فالأول: حال من كان في ضوء فصار في ظلمة. والثاني: حال من لم يستقر لا في ضوء ولا في ظلمة بل تختلف عليه الأحوال التي توجب مقامه واسترابته. يبين هذا أنه سبحانه ضرب للكفار أيضاً مثلين بحرف "أو" فقال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ، أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) "فالأول" مثل الكفر الذي يحسب صاحبه أنه على حق وهو على باطل، كمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإنه لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم، فلهذا مثل بسراب بقيعة و "الثاني" مثل الكفر الذي لا يعتقد صاحبه شيئاً بل هو في ظلمات يعضها فوق بعض من عظم جهله لم يكن معه اعتقاد أنه على حق، بل لم يزل جاهلاً ضالاً في ظلمات متراكمة.
و"أيضاً" فقد يكون المنافق والكافر تارة متصفاً بهذا الوصف وتارة متصفاً بهذا الوصف، فيكون التقسيم في المثلين لتنوع الأشخاص ولتنوع أحوالهم ..
فتبين أن من المنافقين من كان آمن ثم كفر باطناً وهذا مما استفاض به النقل عند أهل العلم بالحديث والتفسير والسير أنه كان رجال قد آمنوا ثم نافقوا، وكان يجري ذلك لأسباب:
منها أمر القبلة لما حولت ارتد عن الإيمان لأجل ذلك طائفة، وكانت محنة امتحن الله بها الناس. قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ...) لنمتحن بتحويلك عنها الناس فيتبين من يتبع الرسول
стр. 126
ممن ينقلب على عقبيه، فكان في شرعها هذه الحكمة، وكذلك أيضاً لما انهزم المسلمون يوم أحد، وشج وجه النبي ﷺ وكسرت رباعيته. ارتد طائفة نافقوا قال تعالى: (.. وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) وقال تعالى: (.. هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ ..). فقوله: (وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ) ظاهر فيمن أحدث نفاقاً وهو يتناول من لم ينافق، قيل ومن نافق ثم جدد نفاقا ثانياً.
وقوله: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ) يبين لهم أنهم لم يكونوا قبل ذلك أقرب منهم بل إما أن يتساويا وإما أن يكونوا للإيمان أقرب. وكذلك كان، فإن ابن أبي لما انخذل عن النبي ﷺ يوم أحد انخذل معه ثلث الناس قيل: كانوا نحو ثلاثمائة، وهؤلاء لم يكونوا قبل ذلك كلهم منافقين في الباطن إذ لم يكن لهم داع إلى النفاق.
وفي الجملة: ففي الأخبار عمن نافق بعد إيمانه ما يطول ذكره هنا، فأولئك كانوا مسلمين وكان معهم إيمان هو الضوء الذي ضرب الله به المثل فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق ماتوا على هذا الإسلام الذي يثابون عليه ولم يكونوا من المؤمنين حقاً الذين امتحنوا فثبتوا على الإيمان. ولا من المنافقين حقاً الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة وهذا حال كثير من المسلمين في زماننا أو أكثرهم إذا ابتلوا بالمحن التي يتضعضع فيها أهل الإيمان ينقص إيمانهم كثيراً وينافق أكثرهم أو كثير منهم. ومنهم من يظهر الردة إذا كان العدو غالباً. وقد رأينا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة. وإذا كانت العافية، أو كان المسلمون ظاهرين على عدوهم كانوا مسلمين. وهم مؤمنون بالرسول باطناً وظاهراً لكن إيماناً لا يثبت على المحنة (١) ا. هـ.
قلت: ومن هذه الآيات بفهم السلف الصالح لها يعلم أن المنافقين أجناس كثيرة.
منهم من كان يظهر الإسلام ويبطن الكفر ويظن أنه على صلاح وأن أمره هذا سيروج على الله (والعياذ بالله من هذا) كما راج على النبي ﷺ والذين آمنوا، وهذا لجهلهم بالله. ولم يعلموا أنه -جل ثناؤه- قد أحاط بكل شيء علما وأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
стр. 127
ومنهم من يتردد بين الإيمان والنفاق لما يعتريه من الشكوك وليس لديه من العلم النافع ما يدفعها ويدحضها فتارة يكون مؤمناً إذا جاءه الوضوء، ثم إذا ذهب عنه وحل محله الظلام وقع في النفاق.
ومنهم من يكون مؤمناً ظاهراً وباطناً إلا أن إيمانه ضعيف لا يثبت على المحنة والبلاء فإذا أحاط به البلاء ارتد على عقبيه كالذين ارتدوا ساعة تحول القبلة وساعة أسرى بالنبي ﷺ وكذلك يوم أحد نافق كثير منهم لم يكونوا من قبل منافقين وقد جاء ذكر هذا الصنف في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ) [الحج: ١١]. ثبت في البخاري عن ابن عباس في هذه الآية قال: كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله قال: هذا دين صالح وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال هذا دين سوء.
قال مجاهد: (انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ) أي: ارتد كافرا (١).
فهذا الرجل الذي جاء مهاجراً ليدين بالإسلام ظاهراً وباطناً وجعل خير القدر علامة على صحة هذا الدين وشره علامة على بطلانه فارتد عن الإسلام بنوع من الجهل والتأويل.
وقد أنزل العلماء هذه النصوص في أهل البدع بجامع: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ). كما قال الإمام الشنقيطي عند تفسير هذه الآيات: والآية التي نحن بصددها وإن كانت في المنافقين. فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب (٢) ا. هـ.
فكل من كان على عمل فاسد يظنه صلاحاً وأنه بهذا العمل من صفوة الله من خلقه وهو في حقيقة الأمر لا يزداد به من الله إلا بعداً ومقتاً تشمله هذه الآيات التي نحن بصددها سواء كان هذا العمل ابتداع أم إشراك بالله وهؤلاء الأجناس جميعاً يحسبون أنهم على شيء.
ولهذا يقول جل ثناؤه: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ). [المجادلة: ١٨].
قال القرطبي: (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ) بإنكارهم وحلفهم. قال ابن زيد: ظنوا أنهم ينفعهم في الآخرة .. وعن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : "يناد مناد يوم القيامة
стр. 128
أين خصماء الله فتقوم القدرية مسودة وجوههم مزرقة أعينهم مائل شدقهم يسيل لعابهم فيقولون والله ما عبدنا من دونك شمساً ولا قمراً ولا صنماً ولا وثناً ولا اتخذنا من دونك إلهاً"
قال ابن عباس: صدقوا والله أتاهم الشرك من حيث لا يعلمون ثم تلا: (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ). هم والله القدرية ثلاثاً ا. هـ.
وقال الطبري: وقوله (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ) يقول: ويظنون أنهم في أيمانهم وحلفهم بالله كاذبين على شيء من الحق ا. هـ.
وقال ابن كثير: أي: يحلفون بالله أنهم كانوا على الهدى والاستقامة كما كانوا يحلفون للناس في الدنيا، لأن من عاش على شيء مات عليه وبعث عليه ويعتقدون: أن ذلك ينفعهم عند الله كما كان ينفعهم عند الناس فيجرون عليهم الأحكام الظاهرة ولهذا قال: (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ). أي: حلفهم ذلك لربهم ا. هـ.
وقال الشوكاني: (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ) أي: يحسبون في الآخرة أنهم بتلك الأيمان الكاذبة على شيء مما يجلب نفعاً أو يدفع ضرراً كما كانوا يحسبون ذلك في الدنيا ا. هـ.
قلت: فهذه النصوص بأقوال أهل العلم شاهدة: بأن آفة جميع المنافقين الجهل والتأويل وظنهم أنهم على شيء يظنونه صلاحاً، وأنهم به أهل العقل دون غيرهم ممن ليس على معتقدهم وأنهم بهذا ناجون في الدنيا والآخرة. وهم بهذا لا يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون وأعيد في هذا المقام قول الإمام الطبري السابق ذكره:
وفي هذه الآية من أوضح الدليل على تكذيب الله جل ثناؤه قول الزاعمين أن الله لا يعذب من عباده إلا من كفر به عناداً بعد علمه بوحدانيته وبعد تقرر صحة ما عاند ربه تبارك -وتعالى- عليه من توحيده والإقرار بكتبه ورسله عنده. لأن الله جل ثناؤه قد أخبر عن الذين وصفهم بما وصفهم به من النفاق وخداعهم إياه والمؤمنين أنهم لا يشعرون أنهم مبطلون فيما هم عليه من الباطل مقيمون وأنهم بخداعهم الذي يحسبون أنهم به يخادعون ربهم وأهل الإيمان به مخدوعون وأخبر تعالى ذكره: أن لهم عذاباً أليماً بتكذيبهم بما كانوا يكذبون من نبوة نبيه واعتقاد الكفر به، وبما كانوا في زعمهم أنهم مؤمنون وهم على الكفر مصرون".
стр. 129
وقول الإمام الشنقيطي: "والآية التي نحن بصددها وإن كانت في المنافقين. فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب".
ومن الأمثلة على هذا: حادثة ذي الخويصره التميمي أصل الخوارج عندما اعترض على قسمة النبي ﷺ ونسبه إلى الجور -والعياذ بالله- وقال له: اعدل يا رسول الله ﷺ فقد قال هذا القول لأنهم كانوا لا يعتقدون: عصمة الأنبياء ﵈ ثم رأى منكراً في ظنه فأنكره فظهر نفاقه وكفره بهذا الإنكار، وهو لا يشعر ولا يعلم بكفره ونزل قول الله ﵎: (وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ).
قال ابن تيمية في هذه الآية: واللمز: العيب والطعن قال مجاهد: يتهمك ويزريك. وقال عطاء: يغتابك وقال تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ) [التوبة: ٦١]. الآية وذلك يدل على أن كل من لمزه أو آذاه كان منهم لأن (الذين) و (من) اسمان موصولان وهما من صيغ العموم. والآية وإن كانت نزلت بسبب لمز قوم أو إيذاء آخرين فحكمهما عام كسائر الآيات اللواتي نزلن على أسباب وليس بين الناس خلاف نعلمه أنها تعم الشخص الذي نزلت بسببه ومن كان حاله كحاله ..
وأيضاً فإن كونه منهم حكم متعلق بلفظ مشتق من اللمز والأذى وهو مناسب لكونه منهم فيكون ما منه الاشتقاق هو علة لذلك الحكم فيجب اطراده .. وذلك أن الإيمان والنفاق أصله في القلب وإنما الذي يظهر من القول والفعل فرع له ودليله عليه فإذا ظهر من الرجل شيء من ذلك ترتب الحكم عليه، فلما أخبر سبحانه أن الذين يلمزون النبي ﷺ والذين يؤذونه من المنافقين ثبت أن ذلك دليل على النفاق وفرع له، ومعلوم أنه إذا حصل فرع الشيء ودليله حصل أصله المدلول عليه فثبت أنه حيثما وجد ذلك كان صاحبه منافقاً سواء كان منافقاً قبل هذا القول أو حدث له النفاق بهذا القول (١) ا. هـ.
قلت: ويدخل في هذا أيضاً من يظن من أهل الكلام أنه لا يحتاج إلى علم الشريعة إلا في الأمور العملية دون العلمية الاعتقادية -أي: أنه ليس في حاجة في علم العقيدة للشريعة ولا يتقيد بحدودها.
стр. 130
وكذلك أهل التصوف الذين يعتقدون أن الولي خير من النبي ﷺ أو من يظن أن ثمّ طريق آخر إلى الله دون طريق النبي ﷺ .
وكذلك من يعتقد أن علم الشريعة وحدودها للعوام دون الخواص، ومن يظن أن شيخه ليس مناطاً بالتكاليف الشرعية لأنه قد وصل إلى علم اليقين وهذه المرتبة عندها تسقط التكاليف محتجاً بقوله تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).
فهؤلاء جميعاً ومن على شاكلتهم ينطبق عليهم قول الله -جل ثناؤه-: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ). وهؤلاء كلهم قد ثبت بأقوالهم نفاقهم سواء كان صاحبه منافقاً قبل هذا القول أو حدث له النفاق به -والله أعلم-.
المبحث الثاني: حكم المستهزئ بآيات الله:
الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ...) [التوبة: ٦٥، ٦٦].
قال القاضي أبو بكر بن العربي: لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جد أو هزلاً، وهو كيفما كان كفر، فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة، فإن التحقيق أخو الحق والعلم والهزل أخو الباطل والجهل (١) ا. هـ.
وقال القرطبي: قوله تعالى: (لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ). على جهة التوبيخ كأنه يقول: لا تفعلوا ما لا ينفع ثم حكم عليهم بالكفر وعدم والاعتذار من الذنب. ا. هـ.
وقال البغوي: (لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) فإن قيل: كيف قال: كفرتم بعد إيمانكم وهم لم يكونوا مؤمنين؟ قبل: معناه أظهرتم الكفر بعد ما أظهرتهم الإيمان. ا. هـ.
وقال ابن كثير: قال أبو معشر المديني عن محمد بن كعب القرطبي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا وأكذبنا ألسنة وأجبنا عند اللقاء. فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فجاء إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته فقال:
стр. 131
يا رسول الله ﷺ إنا كنا نخوض ونلعب فقال: (أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) إلى قوله: (مُجْرِمِينَ) ...
وقوله: (لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) أي: بهذا المقال الذي استهزأتم به. ا. هـ.
وقال الطبري: (لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) يقول -تعالى ذكره - لنبيه محمد ﷺ . قل لهؤلاء الذي وصفت لك صفتهم لا تعتذروا بالباطل فتقولوا: كنا نخوض ونلعب "قَدْ كَفَرْتُم" يقول: قد جحدتم الحق بقولكم ما قلتم في رسول الله ﷺ والمؤمنين به "بَعْدَ إِيمَانِكُمْ" يقول: بعد تصديقكم به وإقراركم به ا. هـ.
رسوخ النفاق بدون قصد وشعور:
وقال ابن تيمية: (قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ...). فقد أمره أن يقول لهم: قد كفرتم بعد إيمانكم وقول من يقول عن مثل هذه الآيات: أنهم كفروا بعد إبمانهم بلسانهم مع كفرهم أولاً بقلوبهم لا يصح لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر فلا يقال: قد كفرتم بعد إيمانكم فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر، وإن أريد أنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان فهم لم يظهروا للناس إلا لخواصهم، وهم مع خواصهم ما زالوا هكذا ...
(وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ). فاعترفوا واعتذروا، ولهذا قيل: (لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ...) فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفراً بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم، ولكن لم يظنوه كفراً وكان كفراً كفروا به فإنهم لم يعتقدوا جوازه، وهكذا قال غير واحد من السلف: في صفة المنافقين الذين ضرب لهم المثل في سورة البقرة أنهم أبصروا ثم عموا وعرفوا ثم أنكروا وآمنوا ثم كفروا. وكذلك قال قتادة ومجاهد: ضرب المثل لإقبالهم على المؤمنين وسماعهم ما جاء به الرسول وذهاب نورهم (١) ا. هـ.
стр. 132
وقال أيضاً: (.. وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ..) فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم: إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر. ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام ولو كان الإيمان في قلبه منعه من أن يتكلم بهذا الكلام (١). ا. هـ.
قلت: انظر -رحمك الله- إلى هذا النص القرآني القطعي الدلالة على كفر هذه الطائفة ومن المعلوم بالاضطرار من النصوص أن هذا الحكم عام في كل من اقترف ما فعلوه أو ما هو من جنسه وليس بمقصور على هؤلاء. لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وهذا باتفاق المفسرين، وإلا -والعياذ بالله من ذلك- انتفت حجية القرآن لأنه ما من آية من آي القرآن هذا في جله ومعظمه إلا ولها سب اقتضى نزولها فلو قصر حكمها على سببها لم تبق آيات يلزمنا حكمها.
وقد اتفق المفسرون عند تأويل هذه الآية على أنهم كفروا بعد إيمانهم بهذا المقال الخبيث الذي قالوه، واختلفوا هل الإيمان السابق هو الإيمان باللسان دون القلب أم بالقلب واللسان جميعاً؟ وعلى الاحتمالين يتم الاستدلال -بفضل الله وحده-.
فعلى القول الأول: أن القوم كانت تجري عليهم أحكام الإسلام بالنطق بالكلمة العاصمة مع افتراض وجود الإيمان في الباطن بهذه الكلمة من الانقياد والمحبة والتوقير لله ولدينه ولرسوله لأنه كما ذكرت سابقاً أنه لا إيمان لمن لا إسلام له ولا إسلام لمن لا إيمان له. وبهذا النطق جرت عليهم أحكام الإسلام حتى قالوا: هذه المقالة الخبيثة، فبها ولأجلها جرت عليهم أحكام الكفر، وانتقلوا من الإيمان في الظاهر إلى الكفر في الظاهر والباطن بيقين لأنهم قالوها اختياراً ولم يكرهوا عليها فعلم بهذا انشراح الصدر بها في الباطن لقوله تعالى: (مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً). الآية ولو كان الإيمان في قلوبهم لمنعهم من التكلم بهذا.
ومن ظن أن هذا حكم خاص بأعيان المنافقين أي: قد علمنا نفاقهم بهذا السب ولم يكفروا به وبالتالي فهذه الدلالة ليست مؤثرة ولا مطردة في الكفر.
стр. 133
فالجواب:
(١) أن هذا يعني: أن المقالة لم تؤثر في الحكم بالكفر عليهم وهذا خلاف نص القرآن "لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ".
(٢) أن القرآن (والعياذ بالله من ذلك) ربط الحكم بغير مؤثر وغفل عن ذكر المؤثر الحقيقي.
(٣) من المعلوم بالاضطرار من الشريعة أن الوحي لا دخل له في إجراء الأحكام حتى لا يشوش على الخواطر، وإنما أساس هذا هو الظاهر من الأقوال والأعمال.
(٤) وقوله تعالى: (قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ). فهذا الإيمان إما أن يكون الإيمان في الباطن وإما أن يكون الإيمان في الظاهر فقط. وعلى الاحتمالين يتم الاستدلال فإن القوم كانوا من قبل يعاملون معاملة المسلمين ثم كفروا بعد إيمانهم بهذا المقال الخبيث. فإن كان القوم كفاراً من قبل هذا فلم أخّر الشرع الحكم عليهم بالكفر إلى هذا الوقت؟ ولم رتب الحكم على وصف غير مؤثر فيه؟ ولم اعتذر القوم من هذا المقال وهم لم يكفروا بسببه؟
ولا خروج من هذا إلا بفهم السلف الصالح أنهم كفروا بعد إيمانهم بهذا المقال الخبيث ويكون هذا الحكم عاماً مطرداً في كل من اقترف فعلهم سواء أكان الإيمان المذكور في الآية هو الإيمان الظاهري مع خلو القلب منه، أو أنه الإيمان في الظاهر والباطن وهذا الذي يحمل لواءه الإمام ابن تيمية: أن القوم كان لديهم من قبل هذا إيمان ضعيف وقالوا هذا المقالة من غير اعتقاد لها، جاهلين بأنها تكفرهم، عالمين بحرمتها، ظانين أن الخوض واللعب لا يقع به الكفر ولا يكون إلا مع الجد من القول، وأن الخوض واللعب عارض يمنع وقوع الكفر كالإكراه. والشرع لم يكذبهم في ادعائهم الخوض واللعب كما كذب المنافقين في كل ادعاءاتهم الكاذبة فعلم صدق ادعائهم الخوض واللعب دون الجد والقصد.
ولكن أخبرهم الشرع أنهم -بهذه الحالة من القول مع الخوض واللعب- كفروا به بعد إيمانهم ولم يعتبر جهلهم وعدم قصدهم الكفر فانتبه.
وفي هذا الحذر كل الحذر الشديد للمسلم الجاد في دينه أن يقول الكلمة لا يلقى لها بالاً فتهوى به في جهنم والعياذ بالله من ذلك، وصدق رسول الله ﷺ المبلغ الأمين الحريص على الأمة حينما حذرها في الحديث الصحيح "هل يكب الناس على وجوههم
стр. 134
في النار إلا حصائد ألسنتهم" (١).
قال ابن تيمية، وأيضاً فهؤلاء القائلون: بقول جهم والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ورسوله والتكلم بالتثليث وكل كلمة من كلام الكفر ليس هو كفراً في الباطن ولكنه دليل في الظاهر على الكفر، ويجوز مع هذا أن يكون هذا الساب الشتم في الباطن عارفاً بالله موحداً له مؤمناً به، فإذا أقيمت عليهم حجة بنص أو إجماع أن هذا كافر باطناً وظاهراً. قالوا: هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب في الباطن وأن الإيمان يستلزم عدم ذلك.
فيقال لهم: معنا أمران معلومان (أحدهما) معلوم بالاضطرار من الدين و (الثاني) معلوم بالاضطرار من أنفسنا عند التأمل.
من تكلم بالكفر طائعاً غير مكره فهو كافر في الظاهر والباطن:
أما "الأول": فإنا نعلم أن من سب الله ورسوله طوعاً بغيره كره. بل من تكلم بكلمات الكفر طائعاً غير مكره، ومن استهزأ بالله وآياته ورسوله فهو كافر باطناً وظاهراً وأن من قال: أن مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمناً بالله وإنما هو كافر في الظاهر فإنه قال قولاً معلوم الفساد بالضرورة من الدين. وقد ذكر الله كلمات الكفار في القرآن وحكم بكفرهم واستحقاقهم الوعيد بها ولو كانت أقوالهم الكفرية بمنزلة شهادة الشهود عليهم، أو بمنزلة الإقرار الذي يغلط فيه المقر لم يجعلهم الله من أهل الوعيد بالشهادة التي قد تكون صدقاً وقد تكون كذباً، بل كان ينبغي أن لا يعذبهم إلا بشرط صدق الشهادة وهذا كقوله تعالى: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ) (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) وأمثال ذلك.
وأما الثاني: فالقلب إذا كان معتقداً صدق الرسول، وأنه رسول الله وكان محباً للرسول معظماً له. امتنع مع هذا أن يلعنه ويسبه فلا يتصور ذلك منه إلا مع نوع من الاستخفاف به وبحرمته فعلم بذلك أن مجرد اعتقاد أنه صادق لا يكون إيماناً إلا مع محبته وتعظيمه بالقلب (٢). ا. هـ.
стр. 135
وقال ابن تيمية: قوله سبحانه: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ ... وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ...).
وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر فالسب المقصود بطريق الأولى، وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله ﷺ جاداً أو هازلاً فقد كفر (١). ا. هـ.
قلت: انظر -رحمك الله- إلى إنكار ابن تيمية على من يقول: بأن من تكلم بكلمات الكفر طائعاً غير مكره أنه كافر في الظاهر دون الباطن أنه قال: قولاً معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام فكيف بمن يقول: ليس بكافر في الظاهر والباطن.
قال ابن تيمية: أن من سب النبي ﷺ من مسلم أو كافر فإنه يجب قتله. هذا مذهب عليه عامة أهل العلم. قال ابن المنذر أجمع عوام أهل العلم على أن حد من سب النبي ﷺ القتل، وممن قاله مالك والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي قال: وحكي عن النعمان لا يقتل يعني الذي هم عليه من الشرك أعظم. وقد حكى أبو بكر الفارسي من أصحاب الشافعي إجماع المسلمين على أن حد من سب النبي ﷺ القتل كما أن حد من سب غيره الجلد. وهذا الإجماع الذي حكاه هذا محمول على إجماع الصدر الأول من الصحابة والتابعين، أو أنه أراد به إجماعهم على أن ساب النبي ﷺ يجب قتله إذا كان مسلماً- وكذلك قيده القاضي عياض فقال: أجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابه، وكذلك حكى عن غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره، وقال الإمام إسحاق بن راهويه أحد الأئمة الأعلام: أجمع المسلمون على أن من سب الله أو سب رسوله ﷺ أو دفع شيئاً مما أنزل الله أو قتل نبياً من أنبياء الله أنه كافر بذلك وإن كان مقراً بكل ما أنزل الله. قال الخطابي: لا أعلم أحداً من المسلمين اختلف في وجوب قتله. وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ والمتنقص له كافر والوعيد جاء عليه بعذاب الله له وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر.
وتحرير القول فيه: أن الساب إن كان مسلماً فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف وهو مذهب
стр. 136
الأئمة الأربعة وغيرهم، وقد تقدم ممن حكى الإجماع على ذلك إسحاق بن راهويه وغيره (١) ا. هـ.
وقال ﵀ أيضاً-: إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهراً وباطناً سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلاً له أو كان ذاهلاً عن اعتقاده. هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل (٢) ا. هـ.
قلت: فهذا حكم من سب الله أو آياته أو رسوله -والعياذ بالله-.
وقبل الانتقال من هذه النقطة أود الإشارة إلى أمر دقيق -حتى لا يأتي التناقض في هذه المسألة-.
أن النطق: بكلمة الكفر كفر في الظاهر والباطن وإن لم يقصد صاحبها الكفر. لكن إن جهل معنى الكلمة وتلفظ بها فهذا لم يقصد المعني المقتضى للكفر فلا يكفر لأنه لم يقصد الكفر بمعنى لم يقصد المعنى الكفري للفظه كمثل رجل يقول: نحن نريد الديمقراطية ظناً من أنها تعني: الشورى. فهذا لا يكفر. بخلاف من يقولها وهو يعلم أن معناها هو: حكم الشعب نفسه بنفسه. فهذا يكفر وإن لم يقصد الكفر. وكمن يقول للنبي ﷺ راعنا بمعنى: إرعاء السمع فهذا لا يكفر. بخلاف من يقول له: راعنا من باب الدعاء والتنقص (والعياذ بالله) فهذا يكفر كفراً ظاهراً وباطناً وإن لم يعلم أن هذا كفر ولم يقصده.
لذلك أحياناً يأتي في كلام العلماء أن من قال أو فعل الكفر يكفر وإن لم يقصده.
قال ابن تيمية: وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر كفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافراً إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله ا. هـ.
وأحياناً يقولون: لا يكفر إلا إذا قصد الكفر فيكون مقصودهم المعنى المترتب الكفر عليه، لا الكفر ذاته. لأنه كما قال الشيخ: لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله (٣).
وسئل محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- عن مسائل: الأولى قوله في باب حكم المرتد أو استهزأ بالله وكتبه أو رسله كفر وما وصف هذا الاستهزاء المكفر؟ ....
стр. 137
الرابعة: قوله أو نطق بكلمة كفر ولم يعلم معناها فلا يكفر ذلك. هل المعنى: نطق بها ولم يعرف شرحها أو نطق بها ولم يعلم أنه تكفره؟
فأجاب. فالمسألة الأولى: قد استدل العلماء عليها بقوله تعالى في حق بعض المسلمين المهاجرين في غزوة تبوك: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ). وذكر السلف والخلف: أن معناها عام إلى يوم القيامة فيمن استهزأ بالله أو القرآن أو الرسول وصفة كلامهم أنهم قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء. يعنون بذلك: رسول الله والعلماء من أصحابه، فلما نقل الكلام عوف بن مالك أتى القائل يعتذر أنه قاله على وجه اللعب كما يفعل المسافرون. فنزل الوحي أن هذا كفر بعد الإيمان ولو كان على وجه المزح. والذي يعتذر يظن أن الكفر إذا قاله جداً لا لاعباً ..
الرابعة: إذا نطق بكلمة الكفر ولم يعلم معناها صريح واضح أنه يكون نطق بما لا يعرف معناه، وأما كونه أنه لا يعرف أنها تكفره فيكفي فيه قوله: (لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ). فهم يعتذرون للنبي ﷺ ظانين أنها لا تكفرهم، والعجب ممن يحملها على هذا وهو يسمع قوله تعالى: (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ). أيظن أن هؤلاء ليسوا كفاراً؟ لكن لا تستنكر الجهل الواضح لهذه المسائل لأجل غربتها. (١) ا. هـ.
المبحث الثالث: تنزيل آيات الكفار على من فعل فعلهم من المسلمين:
قلت: انظر -رحمك الله- إلى تنزيل الشيخ محمد بن عبد الوهاب للآيات التي جاءت في ذكر الكفار الأصليين على من فعل فعلهم من المسلمين. لأنه عند الاحتجاج بمثل هذه الآيات يرد فريق من الناس: أن هذه الآيات في الكفار الأصليين لا في المسلمين مستدلين خطأ بأقوال السلف في ذمهم للخوارج على أنهم أخذوا آيات نزلت في الكفار وحملوها على المسلمين وهذا صحيح. والفرق بين المسألتين أن الآيات التي احتج بها الخوارج وهي آيات الحاكمية نزلت في أناس من أهل الكتاب امتدت يدهم الخبيثة إلى تبديل الحدود
стр. 138
فجعلوا حداً للزنا مكان حد الله سبحانه فنصبوا أنفسهم شركاء لله بنص القرآن (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ). فحكم عليهم القرآن بكفرهم لفعلهم الخبيث، لا لأنهم أهل كتاب -لأن هذا الوصف لا يوصف بذم ولا يبني عليه أحكام بل كما أخبر القرآن أن منهم أمة مقتصدة في كثير من الآيات فلو حكم القرآن بكفرهم لأنهم أهل كتاب لكان التناقض (والعياذ بالله من ذلك). ولكن كان مناط كفرهم هو: فعلتهم الخبيثة، فجاءت الخوارج فأنزلت هذه النصوص على أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص ﵄ عندما حكما في دماء المسلمين بالقرآن من قبل علي ومعاوية ﵄ وقالوا: حكموا الرجال والله يقول: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ). فحكموا بكفر علي ومعاوية ﵄ ومن والاهما فأنكر السلف عليهم هذا وقالوا: إنهم عمدوا لآيات نزلت في الكفار فأنزلوها على المسلمين، وحق لهم هذا الإنكار لأن الخوارج أنزلوا الآيات التي جاءت في ذكر الكفار على أفعال ليست هي من جنس أفعالهم.
ولكن من أنزل الآيات التي جاءت في ذكر الكفار على من فعل فعلهم من المسلمين فأين هذا من هذا؟ بل هذا متواتر في كتب العلماء.
قال ابن القيم في قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ، وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) [سبأ: ٢٢، ٢٣].
والقرآن: مملوء من أمثالها ونظائرها ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له ويظنونه في نوع، وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثاً. وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن.
ولعمر الله: إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم، وتناول القرآن لهم: كتناوله لأولئك.
ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية" (١). ا. هـ.
стр. 139
وقال ابن كثير في قوله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] قال البخاري ... عن عمرو بن مصعب قال سألت أبي -يعني سعد بن أبي وقاص- عن قول الله: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً). أهم الحرورية؟ قال: لا هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمداً ﷺ وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا لا طعام فيها ولا شراب. والحرورية- الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. وكان سعد ﵁ يسميهم الفاسقين، وقال علي بن أبي طالب والضحاك وغير واحد. هم الحرورية.
ومعنى هذا عن علي ﵁: أن الآية تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء. بل هي أعم من هذا، فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى وقبل وجود الخوارج بالكلية. وإنما هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود كما قال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ، عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ، تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً) [الغاشية: ٢ - ٤]. وقال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً) [الفرقان: ٢٣]. وقال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ...) [النور: ٣٩].
وقال في هذه الآية الكريمة: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ) أي: نخبركم (بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً) ثم فسرهم فقال: (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: عملوا أعمالاً باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) أي: يعتقدون أنهم على شيء وأنهم مقبولون محبوبون ا. هـ.
وقال الطبري فيها: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله عنى بقوله: (هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً). كل عامل عملاً يحسبه فيه مصيباً وأنه لله بفعله ذلك مطيع مرض وهو بفعله ذلك لله مسخط وعن طريق الإيمان به جائر: كالرهابنة والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالهم وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله كفرة من أهل أي دين كانوا ...
وقوله (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) يقول: هم الذين لم يكن عملهم الذي عملوه في حياتهم الدنيا على هدى واستقامة بل كان
стр. 140
على جور وضلالة، وذلك أنهم عملوا بغير ما أمرهم الله به بل على كفر منهم به "وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً" يقول: وهم يظنون أنهم بفعلهم ذلك لله مطيعون وفيما ندب عباده إليه مجتهدون. وهذا من أدل الدلائل على خطأ قول من زعم أنه: لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته، وذلك أن الله -تعالى- ذكره- أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية أن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالاً وقد كانوا يحسبون أنهم محسنون في صنعهم ذلك، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآيات ربهم. ولو كان القول كما قال: الذين زعموا أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يعلم لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعه كانوا مثابين مأجورين عليها ولكن القول بخلاف ما قالوا. فأخبر -جل ثناؤه- عنهم أنهم بالله كفرة وأن أعمالهم حابطة. ا. هـ.
وقال القرطبي: الأولى -قوله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً). الآية.
فيه دلالة على أن: من الناس من يعمل العمل وهو يظن أن محسن وقد حبط سعيه، والذي يوجب إحباط السعي: إما فساد الاعتقاد أو المراءاة والمراد هنا الكفر. ا. هـ.
قلت: فهذه نصوص العلماء في غاية الوضوح والبيان في تنزيل الآيات التي جاءت في الكفار الأصليين على من فعل فعلهم من المسلمين، ولولا خشية الإطالة لسردت منها الكثير وقبل الانتقال من هذه المسألة يجب الإشارة إلى مسألة تنقيح المناط والبحث عن العلة التي هي الوصف المناسب المؤثر في الحكم، لأن العلة تدور مع الحكم وجوداً وعدماً فكثير من الناس قد يستنبطون وصفاً يظنونه هو العلة ولا يكون مؤثراً في الحكم وهذا كما فعلت الخوارج والضابط في هذا الرجوع إلى أهل الاجتهاد الموثوق بهم من السلف الصالح عند عامة الأمة حتى يتجنب الزلل في هذا.
* * *
стр. 141
الفصل الثاني
الأدلة من السنة المطهرة على عدم تأثير عارض الجهل في الردة
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: حكم الاعتراض على حكم النبي ﷺ .
المبحث الثاني: صفة الخوارج وحكمهم.
المبحث الثالث: التغيظ من الصحابة دلالة على كفر صاحبه.
المبحث الرابع: فرق القدرية وحكمها.
стр. 142
الفصل الثاني
الأدلة من السنة المطهرة على عدم تأثير عارض الجهل في الردة
المبحث الأول: حكم الاعتراض على حكم النبي ﷺ :
الدليل الأول: وأما السنة المطهرة فأذكر أولاً عدة أحاديث مع تعليق مبسط عليها خشية الإطالة.
قال ابن تيمية: (بعد ذكر أحاديث الخوارج): ومن ذلك ما رواه ابن أبي عاصم وأبو الشيخ في الدلائل بإسناد صحيح عن قتادة عن عقبة بن وساج عن ابن عمر قال: أتى رسول الله، ﷺ ، بقليد من ذهب وفضة فقسمه بين أصحابه فقام رجل من أهل البادية فقال يا محمد والله لئن أمرك الله أن تعدل فما أراك تعدل فقال: "ويحك من يعدل عليك بعدي". فلما ولى قال: "ردوه علي رويدا". ومن ذلك قول الأنصاري الذي حاكم الزبير في شراج الحرة لما قال له، ﷺ ، "اسق يا زبير ثم سرح الماء إلى جارك". فقال: أن كان ابن عمتك؟ وحديث الرجل الذي قضى عليه فقال: لا أرضى ثم ذهب إلى أبي بكر ثم إلى عمر فقتله.
ولهذا نظائر في الحديث إذا تتبعت مثل الحديث المعروف عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن أخاه أتى النبي، ﷺ ، فقال: ... إن الناس يزعمون أنك تنهى عن الفيء وتستخل به فقال ﷺ : "لئن كنت أفعل ذلك إنه لعلى وما هو عليهم خلوا له جيرانه" رواه أبو داود بإسناد صحيح.
فهذا وإن كان حكى القذف عن غيره فإنما قصد به انتقاصه وإيذاءه بذلك ولم يحكه على وجه الرد على من قاله. وهذا من أنواع السب.
ومثل حديث ابن إسحاق عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: ابتاع رسول الله، ﷺ ، جزوراً من أعرابي بوسق من تمر الذخيرة فجاء به إلى منزله. فالتمس التمر فلم يجده في البيت قال: فخرج إلى الأعرابي فقال: "يا عبد الله إنا ابتعنا منك جزورك هذا بوسق من تمر
стр. 143
الذخيرة ونحن نرى أنه عندنا فلم نجده". فقال الأعرابي: واغدراه واغدراه فوكزه الناس وقالوا: لرسول الله، ﷺ ، تقول هذا؟ فقال رسول الله، ﷺ ، (دعوه) رواه ابن أبي عاصم وابن حبان في الدلائل.
فهذا الباب كله مما يوجب القتل ويكون به الرجل كافراً منافقاً حلال الدم، كان النبي ﷺ ، وغيره من الأنبياء يعفون ويصفحون عمن قاله امتثالاً لقوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) ..
ويبين ذلك (أي عفوه، ﷺ ، عمن سبّه) ما روى إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثني أبي عن عكرمة عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابياً جاء إلى النبي، ﷺ ، يستعينه في شيء فأعطاه شيئاً ثم قال: "أحسنت لك؟ قال الأعرابي: لا ولا أجملت. قال: فغضب المسلمون وقاموا إليه فأشار إليهم أن كفوا ثم قام فدخل منزله ثم أرسل إلى الأغرابي فدعاه إلى البيت يعني أعطاه فرضي فقال: إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت وفي أنفس المسلمين شيء من ذلك فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك قال: نعم فلما كان الغد أو العشى جاء وقال رسول الله، ﷺ ، إن صاحبكم جاء فسألنا فأعطيناه فقال ما قال وإنا دعوناه إلى البيت فأعطيناه فزعم أنه قد رضى أكذلك؟ قال الأعرابي: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً فقال النبي، ﷺ ، "ألا إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفوراً فناداهم صاحب الناقة خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها فتوجه لها صاحب الناقة بين يديها فأخذ لها من قمام الأرض فجاءت فاستناخت فشد عليها رحلها واستوى عليها وإنى لو تركتكم حين قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار".
ورواه أبو أحمد العسكري بهذا الإسناد قال: جاء أعرابي إلى النبي، ﷺ ، فقال: يا محمد أعطني فإنك لا تعطيني من مالك ولا مال أبيك فأغلظ للنبي، ﷺ ، فوثب إليه أصحابه فقالوا: يا عدو الله تقول هذا لرسول الله، ﷺ ،؟ وذكره بهذا يبين لك: أن قتل ذلك الرجل لأجل قوله ما قال كان جائزاً قبل الاستتابة وأنه صار كافراً بتلك الكلمة ولولا ذلك لما كان يدخل النار إذا قتل على مجرد تلك الكلمة بل كان يدخل الجنة لأنه مظلوم شهيد وكان قاتله دخل النار لأنه قتل مؤمناً متعمداً ولكان النبي، ﷺ ، يبين أن قتله لم يحل لأن سفك الدم بغير حق من أكبر الكبائر
стр. 144
وهذا الأعرابي كان مسلماً، ولهذا قال، ﷺ ، في حقه لفظ (صاحبكم) ولهذا جاء الأعرابي يستعينه. ولو كان كافراً محارباً لما جاء يستعينه في شيء ولو كان النبي، ﷺ ، أعطاه ليسلم لذكر في الحديث أنه أسلم فلم يجر للإسلام ذكر دل على أنه كان ممن دخل في الإسلام وفيه جفاء الأعراب وممن دخل في قوله تعالى: (فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) (١). ا. هـ.
وقال الحافظ معلقاً على حديث (أن كان ابن عمتك).
وإنما لم يعاقب النبي، ﷺ ، صاحب القصة لما كان عليه من تأليف الناس كما قال في حق كثير من المنافقين (لا يتحدث الناس أن محمداً، ﷺ ، يقتل أصحابه).
قال القرطبي: فلو صدر مثل هذا من أحد في حق النبي ﷺ أو في حق شريعته لقتل قتلة زنديق ونقل النووي نحوه عن العلماء والله أعلم (٢) ا. هـ.
وقال ابن القيم -بعد ذكر حكم من سب النبي أنه كفر وردة -فقال: وأما تركه، ﷺ ، قتل من قدح في عدله بقوله: اعدل فإنك لم تعدل، وفي حكمه بقوله: أن كان ابن عمتك، وفي قصده بقوله: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، أو في حكومته بقوله: يقولون إنك تنهى عن الفيء وتستحلى به وغير ذلك.
فذلك أن الحق له فله أن يستوفيه، وله أن يتركه وليس لأمته ترك استيفاء حقه ﷺ (٣) ا. هـ
حكم من تعمد الكذب على النبي ﷺ :
قال ابن تيمية: السنة الثالثة عشرة (٤): ما رويناه من حديث أبي القاسم عبد الله بن محمد البغوي .. أن النبي، ﷺ ، بلغه أن رجلاً قال لقوم: إن النبي، ﷺ ، أمرني أن أحكم فيكم برأيي وفي أموالكم كذا وكذا وكان خطب امرأة منهم في الجاهلية فأبوا أن يزوجوه ثم ذهب حتى نزل على المرأة، فبعث القوم إلى رسول الله، ﷺ ، ففال: كذب عدو الله ثم أرسل
стр. 145
رجلاً فقال: إن وجدته حياً فاقتله وإن أنت وجدته ميتاً فحرقه بالنار، فانطلق فوجده قد لُدغ فمات فحرقه بالنار فعند ذلك قال رسول الله، ﷺ ، "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار". ورواه أبو أحمد بن عدي في كتابه الكامل .. عن ابن بريدة عن أبيه قال: كان حي من بني ليث من المدينة على ميلين وكان رجل قد خطب منهم في الجاهلية فلم يزوجوه، فأتاهم وعليه حلة فقال: إن رسول الله، ﷺ ، كساني هذه الحلة وأمرني أن أحكم في أموالكم ودمائكم ثم انطلق فنزل على تلك المرأة التي كان يحبها فأرسل القوم إلى رسول الله، ﷺ ، فقال كذب: عدو الله ثم أرسل رجلاً فقال: "إن وجدته حياً -وما أراك تجده حياً- فاضرب عنقه وإن وجدته ميتاً فحرقه بالنار" قال: فذلك قول رسول الله، ﷺ ، "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار". هذا إسناد صحيح على شرط الصحيح لا نعلم له علة ... وللناس في هذا الحديث قولان.
أحدهما: الأخذ بظاهره في قتل من تعمد الكذب على رسول الله، ﷺ ، ومن هؤلاء من قال يكفر بذلك قاله جماعة منهم: أبو محمد الجويني حتى قال ابن عقيل عن شيخه.
أبي الفضل الهمداني: مبتدعة الإسلام والكذابون والواضعون للحديث أشد من الملحدين قصدوا إفساد الدين من خارج، وهؤلاء قصدوا إفساده من داخل، فهم كأهل بلد سعوا في فساد أحواله. والملحدون كالمحاصرين من خارج، فالدخلاء يفتحون الحصن. فهم شر على الإسلام من غير الملابسين له.
ووجه هذا القول أن الكذب عليه كذب على الله ولهذا قال: "إن كذباً علي ليس ككذب على أحدكم" فإن ما أمر به الرسول، ﷺ ، فقد أمر الله به يجب اتباعه كوجوب اتباع أمر الله وما أخبر به وجب تصديقه كما يجب تصديق ما أخبر الله به ...
ومعلوم أن من كذب على الله بأن زعم أنه رسول الله أو نبيه أو أخبر عن الله خبراً كذب فيه كمسيلمة والعنسي ونحوهما من المتنئين فإنه كافر حلال الدم، فكذلك من تعمد الكذب على رسوله.
ويبين ذلك أن الكذب بمنزل التكذيب له ولهذا جمع الله بينهما بقوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ) [العنكبوت: ٦٨] بل ربما كان الكاذب عليه أعظم إثماً من المكذب له ولهذا بدأ الله به كما أن الصادق عليه أعظم درجة من المصدق بخبره فإذا كان الكاذب مثل المكذب أو أعظم، والكاذب على الله كالمكذب