ما هو معلوم من اعتقاده استدللنا به على أنه بدل اعتقاده. وعبدة الأوثان كانوا يقرون بالله -تعالى- قال الله -تعالى-: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [الزخرف: ٨٧]. ولكن كانوا لا يقرون بالوحدانية قال الله -تعالى-: (إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) [الصافات: ٣٥]. وقال فيما أخبر عنهم: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) [ص:: ٥]. فمن قال منهم: لا إله إلا الله فقد أخبر بما هو مخالف لاعتقاده فلهذا جُعل ذلك دليل إيمانه فقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" (١). اهـ.
المبحث الرابع: كلمة التوحيد تعصم قائلها بشرط البراءة من الشرك:
وقال أبو بطين: وأيضاً فالمقصود من لا إله إلا الله: البراءة من الشرك وعبادة غير الله -تعالى- ومشركوا العرب يعرفون المراد منها لأنهم أهل لسان فإذا قال أحدهم: (لا إله إلا الله) فقد تبرأ من الشرك وعبادة غير الله -تعالى-. فلو قال: "لا إله إلا الله" وهو مصر على عبادة غير الله لم تعصمه هذه الكلمة لقوله : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ -أي شرك- وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). وقوله: (فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ -إلى قوله- فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ). وقال النبي ﷺ : "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له". وهذا معنى قوله -تعالى-: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ -أي الطاعة- كُلُّهُ لِلّه). وهذا معنى لا إله إلا الله (٢) اهـ.
وقال صاحب تيسير العزيز الحميد (٣): فمن صرف شيئاً مما لا يصلح إلا لله من العبادات لغير الله فهو مشرك ولو نطق: بلا إله إلا الله إذ لم يعمل بما تقتضيه من التوحيد والإخلاص.
وقال في ص: ٥٨ وقد بين النبي بقوله: "وحده لا شريك له". تنبيهاً على أن الإنسان قد يقولها وهو مشرك: كاليهود والمنافقين وعباد القبور لما رأوا ان النبي دعا قومه إلى قول لا إله إلا الله ظنوا أنه إنما دعاهم إلى النطق بها فقط. وهذا جهل عظيم وهو ﵇ إنما دعاهم إليها ليقولوها ويعملوا بمعناها ويتركوا عبادة غير الله. ولهذا قالوا: (أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ) [الصافات: ٣٦]. وقالوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً) [ص:: ٥]. فلهذا: أبوا
стр. 72
عن النطق بها. وإلا فلو قالوها وبقوا على عبادة اللات والعزى ومناة لم يكونوا مسلمين ولقاتلهم ﵇ حتى يخلعوا الأنداد ويتركوا عبادتها ويعبدوا الله وحده لا شريك له وهذا أمر معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة والإجماع.
وقال في ص: ٦٠ ولا ريب أنه لو قالها أحد من المشركين ونطق أيضاً بشهادة أن محمداً رسول الله ولم يعرف معنى الإله ومعنى الرسول وصلى وصام وحج ولا يدري ما ذلك إلا أنه رأى الناس يفعلونه فتابعهم ولم يفعل شيئاً من الشرك فإنه لا يشك أحد في عدم إسلامه وقد أفتى بذلك فقهاء الغرب كلهم في أول القرن الحادي عشر أو قبله في شخص كان كذلك كما ذكره صاحب "الدر الثمين في شرح المرشد المعين" من المالكية ثم قال شارحه: وهذا الذي أفتوا به جلي في غاية الجلاء لا يمكن أن يختلف فيه اثنان. انتهى. ولا ريب أن عُبّاد القبور أشد من هذا لأنهم اعتقدوا الإلهية في أرباب متفرقين اهـ.
قلت: قوله ﵀ -تعالى-: "لا يشك أحد في إسلامه" أي: الإسلام المنجي في الآخرة وإن كان معه الإسلام -الذي تجري به الأحكام ويعصم الدم والمال -في الدنيا- لبراءته: من الشرك وانقياده للشرع في الظاهر- وهذا هو الذي يسميه الفقهاء: بالإسلام الحكمي.
قال ابن تيمية: لكن لما كان غالب المسلمين يولد بين أبوين مسلمين يصيرون مسلمين إسلاماً حكمياً من غير أن يوجد منهم إيمان بالفعل. ثم إذا بلغوا فمنهم من يرزق الإيمان الفعلي فيؤدي الفرائض، ومنهم من يفعل ما يفعله بحكم العادة المحضة والمتابعة لأقاربه وأهل بلده ونحو ذلك: مثل أن يؤدي الزكاة لأن العادة أن السلطان يأخذ الكلف، ولم يستشعر وجوبها عليه لا جملة ولا تفصيلاً فلا فرق عنده بين الكلف المبتدعة، وبين الزكاة المشروعة، أو من يخرج من أهل مكة [كل] سنة إلى عرفات: لأن العادة جارية بذلك من غير استشعار أن هذه عبادة لله لا جملة ولا تفصيلاً أو يقاتل الكفار لأن قومه قاتلوهم فقاتل تبعاً لقومه ونحو ذلك، فهؤلاء لا تصح عبادتهم بلا تردد بل نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة قاضية بأن هذه الأعمال لا تسقط الفرض .. وأيضاً فغالب الناس إسلامهم حكمي، وإنما يدخل في قلوبهم في أثناء الأمر إن دخل. فإن لم توجب عليهم هذه النية لم يقصدوها فتخلوا قلوبهم منها فيصيرون منافقين إنما يعملون الأعمال عادة ومتابعة كما هو واقع كثير من الناس (١) اهـ.
стр. 73
الإسلام الحكمي:
قلت: وهذا العبد -والله أعلم- الذي يوصف بالإسلام الحكمي هو الذي ظاهره: التوحيد والانتهاء عن الشرك والتزام الفرائض. بيد أنه لا يرجو ثواباً لفعلها ولا يخشى عقاباً من تركها وإنما يفعل الإسلام من باب متابعة الآباء المتابعة المحضة يرجو ثوابهم ويخشى عقابهم، ولولا هذا ما فعل وترك وهذا هو التقليد المذموم وهو قبول قول الغير بغير حجة وبرهان. بخلاف من قلّد في الحق واستسلم لله وحده لا شريك له لأنه دين الله يرجو ثوابه ويخشى عقابه ويعتقد وجوب متابعة نبيه، ﷺ ، فهو يسأل ويتحرى ويقلِّد من أجل الفوز برضوان الله في الدنيا والآخرة، وليس لمتابعة دين الآباء أياً كان هذا الدين، وإن لم يعلم أدلة المسائل التي قلدها فهذا لا ريب أنه مسلم بلا خلاف بين الأمة دون أهل الابتداع فلا يعتبر اختلافهم فيما هذا شأنه.
فالأول يبحث عن دين الآباء ومتابعته لهم ولا يبالي هل أصاب دين الله أم لا. وهو مقلِّد.
والثاني يبحث لكن عن دين الله ومتابعة نبيه، ﷺ ، وهو أيضاً مقلِّد. ولكن هذا حقق الإسلام ظاهراً وباطناً والأول حقق الإسلام في الظاهر ما لم يتلبس بناقض ولم يحققه باطناً وينطبق عليه الحديث الذي في البخاري -والله -تعالى- أعلم.
(أما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول لا أدري؛ كنت أقول ما يقول الناس) قال الحافظ وفيه ذم التقليد في الاعتقادات لمعاقبة من قال: كنت أسمع الناس يقولون شيئاً فقلته (١) اهـ.
وهذا الذي تحدث عنه ابن تيمية (من قبل) بقوله: لا يشفعون لمن قال هذه الكلمة تقليداً للآباء والشيوخ.
ومن المعلوم بيقين أن المنافق سمع الناس يقولون أن محمداً رسول الله، ﷺ ، فقالها إلا أنه قالها متابعة للناس ولتحسين وتقبيح الآباء ولو كانوا قالوا عن مسيلمة الكذّاب -عليه لعنة الله- أنه رسول الله لتبعهم أيضاً.
стр. 74
وهناك فريق يقول: إنه رسول الله في الظاهر ويعتقد بطلان رسالته في الباطن وهذا ضرب آخر من المنافقين والحديث يعم جميع أنواع المنافقين والله أعلم.
وموطن الاستدلال: أن هذا العبد الذي حقق الإسلام في الظاهر لكن بلا علم ويقين لم تتحقق له النجاة مع انتهائه عن الشرك والتزامه للشرع في الظاهر فكيف بمن لم يتحقق له العلم بمدلول الشهادتين والتبس بالشرك وفعله وحسّنه ودعا إليه ووالى أهله وقبّح التوحيد وتركه وصد الناس عنه وعادى أهله؟!
المبحث الخامس: لب التوحيد معرفة الله:
الحديث الثاني: أخرج الشيخان واللفظ للبخاري ﵀ عن ابن عباس- ﵄ قال: قال رسول الله، ﷺ ، لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قوماً أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ... " الحديث.
قال الحافظ ففي رواية روح بن القاسم عنه: "فأول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا عرفوا الله". وفي رواية الفضل بن العلاء عنه: "إلى أن يوحدوا الله فإذا عرفوا ذلك". ويجمع بينهما بأن المراد بعبادة الله: توحيده. وبتوحيده: الشهادة له بذلك ولنبيه بالرسالة. ووقعت البداءة بهما لأنهما أصل الدين الذي لا يصح شيء غيرهما إلا بهما. فمن كان منهم غير موحّد فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين ومن كان موحداً فالمطالبة بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة وإن كانوا يعتقدون ما يقتضي: الإشراك أو يستلزمه كمن يقول: ببنوة عزير أو يعتقد التشبيه فتكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم. واستدل به من قال من العلماء: إنه لا يشترط التبري من كل دين يخالف دين الإسلام، خلافاً لمن قال: إن من كان كافراً بشيء وهو مؤمن بغيره لم يدخل في الإسلام إلا بترك اعتقاد ما كفر به. والجواب: أن اعتقاد الشهادتين يستلزم ترك اعتقاد التشبيه ودعوى بنوة عزير وغيره فيكتفي بذلك.
واستدل به على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن: لا إله إلا الله حتى يضيف إليها الشهادة لمحمد ﷺ بالرسالة وهو قول الجمهور، وقال بعضهم: يصير بالأولى
стр. 75
مسلماً، وبطالب بالثانية، وفائدة الخلاف تظهر بالحكم بالردة.
قوله: (فإن هم أطاعوا لك بذلك) أي شهدوا وانقادوا وفي رواية ابن خزيمة: "فإن هم أجابوا لذلك" وفي رواية الفضل بن العلاء كما تقدم: "فإذا عرفوا ذلك" وعدى أطاع باللام وإن كان يتعدى بنفسه لتضمنه: معنى انقاد. واستدل به على أن أهل الكتاب: ليسوا بعارفين وإن كانوا يعبدون الله ويظهرون معرفته، لكن قال حذاق المتكلمين: ما عرف الله من شبهه بخلقه أو أضاف إليه اليد أو أضاف إليه الولد، فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله وإن سموه به (١) اهـ.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز تعليقاً على الجملة السابقة كلاماً مهماً يقرأ بعناية في الهامش من الكتاب: "لا شك أن من شبّه الله بخلقه أو أضاف إليه الولد جاهل به -سبحانه- ولم يقدره حق قدره لأنه -سبحانه- لا شبيه له ولم يتخذ صاحبة ولا ولداً. وأما إضافة اليد إليه -سبحانه- فمحل تفصيل فمن أضافها إليه -سبحانه- على أنها من جنس أيدي المخلوقين فهو مشبه ضال، وأما من أضافها إليه على الوجه الذي يليق بجلاله من غير أن يشابه خلقه في ذلك فهذا حق وإثباتها لله على هذا الوجه واجب كما نطق به القرآن وصحّت به السنة وهو مذهب أهل السنة فتنبه والله الموفق.
قلت: يلاحظ من هذا النقل السخي بالعبر والفوائد أن التوحيد والشهادة بالرسالة هما أصل الدين ويجب البداءة بهما لأنه لا يصح شيء دونهما إلا بهما.
أن الله الواحد القهار له صفات لا تتصور الذات بدونها ومفهوم التأله قائم عليها فمن جهلها جهل الله وأشرك به وإن ادعى غير هذا ويكون معبوده الحقيقي ليس هو الله ونحن المسلمين نتبرأ من معبوده لقوله -تعالى-: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ).
قال النووي تعليقاً على هذا الحديث نقلاً عن القاضي عياض قال القاضي عياض ﵀ هذا يدل على أنهم ليسوا بعارفين الله -تعالى- وهو مذهب حذاق المتكلمين في اليهود والنصارى أنهم غير عارفين الله -تعالى- وإن كانوا يعبدونه ويظهرون معرفته لدلالة السمع عندهم على هذا، وإن كان العقل لا يمنع أن يعرف الله -تعالى- من كذب رسولاً، قال القاضي عياض -رحمه الله تعالى- ما عرف الله -تعالى- من شبهه وجسمه من اليهود، أو أجاز
стр. 76
عليه البداء، أو أضاف إليه الولد منهم، أو أضاف إليه الصاحبة والولد وأجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج من النصارى، أو وصفه مما لا يليق به أو أضاف إليه الشريك والمعاند فيخلقه من المجوس والثنوية فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله وإن سموه به إذ ليس موصوفاً بصفات الإله الواجبة له فإذا ما عرفوا الله -سبحانه- فتحقق هذه النكتة واعتمد عليها وقد رأيت معناها لمتقدمي أشياخنا وبها قطع الكلام أبو عمران الفارسي بين عامة أهل القيروان عند تنازعهم في هذه المسألة. هذا آخر كلام القاضي-رحمه الله تعالى (١) - اهـ.
المبحث السادس: استحالة عبادة الله بالشرك:
قال ابن تيمية (٢) في تفسير قوله -تعالى-: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) فقوله: (وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ). يتناول شركهم فإنه ليس بعبادة الله، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه، فإذا أشركوا به لم يكونوا عابدين له، وإن دعوه وصلوا له. وأيضاً فما عبدوا ما يعبده وهو الموصوف بأنه معبود على جهة الاختصاص، بل هذا يتناول عبادته وحده، ويتناول الرب الذي أخبر به بما له من الأسماء والصفات، فمن كذّب به في بعض ما أخبر به عنه فما عبد ما يعبده من كل وجه.
وأيضاً فالشرائع قد تتنوع في العبادات، فيكون المعبود واحداً، وإن لم تكن العبادة مثل العبادة، وهؤلاء لا يتبرأ منهم، فكل من عبد الله مخلصاً له الدين فهو مسلم في كل وقت، ولكن عبادته لا تكون إلا بما شرعه ....
-إلى أن قال في ص: ٥٥٤ - وهذه السورة يؤمر بها كل مسلم، وإن قد أشرك بالله قبل قراءتها فهو يتبرأ في الحاضر والمستقبل مما يعبده المشركون في أي زمان كان، وينفى جوار عبادته لمعبودهم، ويبينأن مثل هذا لا يكون ولا يصلح ولا يسوغ فهو ينفي جوازه شرعاً (٣) ووقوعاً ....
وأما قوله عن الكفار: (وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ). فهو خطاب لجنس الكفار وإن
стр. 77
أسلموا فيما بعد فهو خطاب لهم ما داموا كفاراً فإذا أسلموا لم يتناولهم ذلك فإنهم حينئذ مؤمنون، لا كافرون. وإن كانوا منافقين في الباطن فيتناولهم الخطاب ... وما دام الكافر كافراً، فإنه لا يعبد الله، وإنما يعبد الشيطان سواء كان متظاهراً أو غير متظاهر به كاليهود، فإن اليهود لا يعبدون الله وإنما يعبدون الشيطان لأن عبادة الله إنما تكون بما شرع وأمر، وهم وإن زعموا أنهم يعبدونه، فتلك الأعمال المبدلة والمنهي عنها هو يكرهها ويبغضها وينهى عنها، فليست عبادة، فكل كافر بمحمد لا يعبد ما يعبده محمداً ما دام كافراً ... -إلى أن قال في ص: ٥٦٣ - .
وإذا قال اليهود: نحن نقصد عبادة الله كانوا كاذبين سواء عرفوا أنهم كاذبون أو لم يعرفوا، كما يقول النصارى: إنا نعبد الله وحده وما نحن بمشركين، وهم كاذبون، لأنهم لو أرادوا عبادته لعبدوه بما أمر به وهو: الشرع لا بالمنسوخ المبدل. وأيضاً فالرب الذي يزعمون أنهم يقصدون عبادته هو عندهم رب لم ينزل الإنجيل ولا القرآن لا أرسل المسيح ولا محمداً، بل هو عند بعضهم فقير، وعند بعضهم بخيل، وعند بعضهم عاجز، وعند بعضهم لا يقدر أن يغير ما شرعه، وعند جميعهم أنه أيد الكاذبين المفترين عليه، الذين يزعمون أنهم رسله، وليسوا رسله، بل هم كاذبون سحرة قد أيدهم ونصرهم ونصر أتباعهم على أوليائه المؤمنين، لأنهم عند أنفسهم أولياؤه دون الناس. فالرب الذي يعبدونه هو دائماً ينصر أعداءه.
فهم يعبدون هذا الرب. والرسول والمؤمنون لا يعبدون هذا المعبود الذي تعبده اليهود، فهو منزه عما وصفت به اليهود معبودها من جهة كونه معبوداً لهم. منزه عن هذه الإضافة فليس هو معبوداً لليهود، وإنما في جبلاتهم صفات ليست هي صفاته زينها لهم الشيطان فهم يقصدون عبادة المتصف بتلك الصفات وإنما هو الشيطان. فالرسل والمؤمنون لا يعبدون شيئاً تعبده اليهود ... -إلى أن قال في ص: ٥٧٣ - فإن قيل: فالمشرك يعبد الله وغيره بدليل قول الخليل: (أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]. فقد استثناه مما يعبدون فدل على أنهم كانوا يعبدون الله وكذلك قوله: (إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) [الزخرف: ٢٦: ٢٧]. واستثناه أيضاً وفي المسند وغيره حديث حصين الخزاعي لما قال له النبي ﷺ : "يا حصين كم تعبد اليوم؟ ". قال: سبعة آلهة ستة في الأرض وواحد في السماء. قيل: هذا قول المشركين كما تقول اليهود والنصارى نحن نعبد الله. فهم يظنون أن عبادته مع الشرك به عبادة وهم كاذبون في هذا وأما
стр. 78
قول الخليل ففيه قولان: قالت طائفة: إنه استثناء منقطع وقال عبد الرحمن بن زيد: كانوا يعبدون الله مع آلهتهم. وعلى هذا فهذا لفظ مقيد فإنه قال: (مَا تَعْبُدُونَ). فسماه عبادة إذا عرف المراد. لكن ليست هي العبادة التي عند الله عبادة فإنه كما قال -تعالى-: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك ...) وهذا كقوله -تعالى-: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) [يوسف: ١٠٦]. سماه إيماناً مع التقييد وإلا فالمشرك الذي جعل مع الله إلهاً آخر لا يدخل في مسمى الإيمان عند الإطلاق: وقد قال: (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ)، (فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).
فهذا مع التقييد ومع الإطلاق فالإيمان هو الإيمان بالله والبشارة بالخير ....
- ومما يوضح هذا قوله- (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ -إلى قوله- إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: ١٣٣] ... فالتقدير: نعبد إلهك نعبد إلهاً واحداً ونحن له مسلمون فجمعوا بين الخبرين بأمرين بأنهم يعبدون إلهه وأنهم إنما يعبدون إلهاً واحداً فمن عبد إلهين لم يكن عابدا لإلهه وإله آبائه وإنما يعبد إلهه من عبد إلهاً واحداً. ولو كان من عبد الله وعبد معه غيره عابداً له لكانت عبادته نوعين: عبادة إشراك، وعبادة إخلاص ... فمن عبد معه غيره فما عبده إلهاً واحداً، ومن أشرك به فما عبده وهو لا يكون إلا إلهاً واحداً فإذا لم يعبده في الحال اللازمة له لم تكن له حال أخرى يعبده فيها فما عبده.
فإن قيل: المشرك: يجعل معه آلهة أخرى فهو يعبد في حال ليس هو فيها الواحد، قيل هذا غلط منشؤه: أن لفظ الإله يراد به المستحق للإلهية ويراد به ما اتخذه الناس إلهاً وإن لم يكن إلهاً في نفس الأمر بل هي أسماء سموها هم وآباؤهم فتلك لبست في نفسها آلهة وإنما هي آلهة في أنفس العابدين فإلهيتها أمر قدره المشركون وجعلوه في أنفسهم من غير أن يكون مطابقاً للخارج.
-إلى أن قال في ص: ٥٧٨ - فقوله: (نَعْبُدُ إِلَهَكَ -إلى قوله تعالى- إِلَهاً وَاحِداً). إذا قيل إنه منصوب على الحال فإما أن يكون حالاً من الفاعل العابد، أو من المفعول المعبود.
فالأول: نعبده في حال كوننا مخلصين لا نعبد إلا إياه.
والثاني: نعبده في الحال اللازمة له وهو أنه إله واحد فنعبده مخلصين معترفين له بأنه الإله وحده دون ما سواه فإن كان التقدير هذا الثاني امتنع أن: يكون المشرك عابداً له فإنه
стр. 79
لا يعبده في هذه الحال وهو -سبحانه- ليست له حال أخرى نعبده فيها: وإن كان التقدير الأول فقد يمكن أن نعيده في حال أخرى تُتخذ معه آلهة أخرى في أنفسنا. لكن قوله: (إِلَهاً وَاحِداً). دليل على أنها حال من المعبود بخلاف ما إذا قيل: نعبده مخلصين له الدين فإن هذه حال من الفاعل. ولهذا يأتي هذا في القرآن كثيراً كقوله: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ). [الزمر: ٢]. وقوله: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي) [الزمر: ١٤]. فهذا حال من الفاعل فإنه يكون تارة مخلصاً وتارة مشركاً، وأما الرب -تعالى- فإنه لا يكون إلا إلهاً واحداً ...
كما قيل في الجملة: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ). قيل: واو العطف وقيل واو الحال أي نعبده في هذه الحال ...
والآية فيها: (إِلَهاً وَاحِداً). فهذه حال من المعبود بلا ريب فلزم أنهم إنما عبدوه في حال كونه إلهاً واحداً وهذه لازمة له ....
. . . و (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ). لا سيما إذا جعلت حالاً. أي: نعبده إلهاً واحداً في حال إسلامنا له. وإسلامهم له يتضمن: إخلاص الدين له وخضوعهم واستسلامهم لأحكامه بخلاف غير المسلمين ... -إلى أن قال في ص: ٦٠٠ - .
وقوله: (وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ). نفى عنهم عبادة معبوده فهم إذا عبدوا الله مشركين به لم يكونوا عابدين معبوده وكذلك هو إذا عبده مخلصاً له الدين لم يكن عابداً معبودهم.
الوجه الخامس: أنهم لو عينوا الله بما ليس هو الله وقصدوا عبادة الله معتقدين أن هذا هو الله كالذين عبدوا العجل والذين عبدوا المسيح والذين يعبدون الدجال والذين يعبدون ما يعبدون من دنياهم وهواهم ومن عبد من هذه الآمة فهم عند نفوسهم إنما يعبدون الله لكن هذا المعبود الذي لهم ليس هو الله، فإذا قال: (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ). كان متبرئاً من هؤلاء المعبودين وإن كان مقصود العابدين هو الله.
الوجه السادس: أنهم إذا وصفوا الله بما هو بريء منه كالصاحبة والولد والشريك وأنه فقير أو بخيل أو غير ذلك وعبدوه وكذلك فهو بريء من المعبود الذي لهؤلاء فإن هذا ليس هو الله (١) اهـ.
стр. 80
شروط العبادة:
قلت: يتجلى ويتضح من هذه النقول أن الله لا يُعبد إلا بما شرع لا يعبد بالأهواء والظنون والعادات ولا بالمنسوخ وأن حقيقة العبادة لا تقع إلا في حال توجه العبد لله الواحد القهار وحده لا شريك له وأن يكون العبد مسلماً حال التوجه إليه -تعالى- وأن أي مشرك يدعي عبادة الله فهو لم يعرف الله ولم يعبده لأن الشرك تنقص بالإلهية وهضم لحق الربوبية شاء المشرك أم أبى.
قال ابن القيم: فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه والتنقص له ضرورة، شاء المشرك أم أبى ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبيته أن لا يغفره وأن يخلد صاحبه في العذاب الأليم ويجعله أشقى البرية.
فلا تجد مشركاً قط إلا وهو متنقص لله -سبحانه- وإن زعم أنه يعظمه بذلك (١) اهـ.
قلت: فالمشرك أساء الظن بربه واعتقد فيه ما ليس فيه -سبحانه- ونفى عنه ما هو من صميم ذاته وتألهه عما يصفون.
قال ابن القيم: (أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ، فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [الصافات: ٨٦، ٨٧].
أي: فما ظنكم به أن يجازيكم وقد عبدتم معه غيره؟ وما الذي ظننتم به حتى جعلتم معه شركاء؟ أظننتم: أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان؟ أم ظننتم: أنه يخفى عليه شيء من أحوال عباده حتى يحتاج إلى شركاء تعرفه بها كالملوك؟ أم ظننتم: أنه لا يقدر وحده على استقلاله بتدبيرهم وقضاء حوائجهم؟ أم هو قاس فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده؟ أم ذليل فيحتاج إلى ولي يتكثر به من القلة ويتعزز به من الذلة؟ أم يحتاج إلى الولد فيتخذ صاحبة يكون الولد منها ومنه؟ -تعالى- الله عن ذلك علواً كبيراً (٢) اهـ.
стр. 81
الشرك دليل على الجهل بالله:
قلت: وهكذا لا تجد مشركاً قط إلا وقد ظن بربه ظن السوء وهذا الظن طعن مباشر في ألوهيته وربوبيته ونفى لهما فلذلك تجد معبوده ليس هو الله وإن ادّعى غير ذلك، وإنما معبوده هو الشيطان -عليه لعنة الله- ومن هنا نعلم أن أي مشرك لم يعرف الله وإن زعم غير هذا وهذا معنى قول المعصوم، ﷺ ، في أهل الكتاب -فإذا عرفوا الله-. وهذا يبطل قول من يزعم أن من أقر لله بالعبودية في الإجمال دون التفصيل -أي: أنه قد يدعو غير الله أو يذبح أو ينذر لغير الله مع إقراره أنه لا يعبد إلا الله -فهو مسلم في الدنيا وناج عند الله يوم القيامة فإن هذا باطل كل البطلان لأن الله لا يعبد إلا بالتوجه له وحده لا شريك له وأن يكن المتوجه مسلماً خالصاً لله الواحد القهار، فالشرك ينفي مفهوم العبادة لدى هذا العبد فلا يوصف بأنه عبد الله.
والدليل الصحيح الصريح -بفضل الله وعونه وكرمه- على ما مضى كله الحديث الذي في الصحيح" ... كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئاً فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت ... " (١).
قلت: ومن المعلوم أن من كان يعبد الطواغيت والقمر والشمس يظن أنه يعبد الله، ولكن هو في حقيقة الأمر يعبد الطواغيت لذلك عند التوجه في أرض المحشر تبعهم ولم يتبع رب العالمين، ولم يبق في أرض المحشر إلا من كان يعبد الله وحده لا شريك له مخلصاً له الدين بعد إقصاء أهل الكتاب والمنافقين كما جاء في الحديث. فعلم بهذا الحديث أن عبادة الله لا تكون إلا بالتوجه لله وحده لا شريك له في حال إسلام وإخلاص من المتوجه. وإذا كان ذلك كذلك لم يبق للمشرك أياً كان هذا المشرك نصيب من عبادة الله، وعلم بيقين أن أي مشرك فهو جاهل بربه مضرب عن عبادته شاء المشرك أم أبى وهذا في حقيقة الأمر.
قال صاحب قرة عيون الموحدين تعليقاً على هذا الحديث قوله: فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله". وكانوا يقولونها لكنهم جهلوا معناها الذي دلّت عليه من إخلاص العبادة لله وحده وترك عبادة ما سواه. فكان قولهم: لا إله إلا الله لا ينفعهم
стр. 82
لجهلهم بمعنى هذه الكلمة كحال: أكثر المتأخرين من هذه الأمة فإنهم كانوا يقولونها مع ما كانوا يفعلونه من الشرك بعبادة الأموات والغائبين والطواغيت والمشاهد فيأتون بما ينافيها فيثبتون ما نفته من الشرك باعتقادهم وقولهم وفعلهم وينفون ما أثبتته من الإخلاص كذلك ...
وفيه دليل على أن توحيد العبادة هو: أول واجب لأنه أساس الملة وأصل دين الإسلام، وأما قول المتكلمين ومن تبعهم: إن أول واجب معرفة الله بالنظر والاستدلال فذلك أمر فطري فطر الله عليه عباده، ولهذا كان مفتتح دعوة الرسل أممهم إلى توحيد العبادة. (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ). أي: لا تعبدوا إلا الله. قال -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ). وقال -تعالى-: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) [إبراهيم: ١٠].
قال العماد ابن كثير -رحمه الله تعالى-: هذا يحتمل شيئين: أحدهما: أفي وجوده شك؟ فإن الفطرة شاهدة بوجوده ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة، والمعنى الثاني: أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك؟ وهو الخالق لجميع الموجودات فلا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له. فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنون أنها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى اهـ ...
وقد تقدم أن لا إله إلا الله قد قيدت في الكتاب والسنة بقيود ثقال، منها: العلم واليقين والإخلاص والصدق والمحبة والقبول والانقياد والكفر بما يعبد من دون الله، فإذا اجتمعت هذه القيود لمن قالها نفعته هذه الكلمة، وإن لم تجتمع هذه لم تنفعه. والناس متفاوتون في العلم بها والعمل، فمنهم من ينفعه قولها، ومنهم من لا ينفعه كما لا يخفى (١) اهـ.
قلت: فهل بعد بيان هذا الحديث من بيان؟ وهل بعد برهانه من برهان؟ وهل بعد دلالته من دلالة؟ من أن العلم بالله -تعالى- هو أول واجب على الخلق وأن التوحيد الذي جاءت به الرسل لا بد فيه من العلم الصحيح لمعنى الشهادتين، وهو المقصود بقوله، ﷺ : "فإذا عرفوا الله". وهذا المعنى بفضل الله وهو معرفة الله المعرفة التي تدفع صاحبها إلى إفراد الله بالتأله
стр. 83
وخلع عبادة كل ما سواه هي: أول واجب بالإجماع وهي النافعة دون غيرها في الدارين ذكره متواتر في كتب العلماء.
وهنا مسألة يجب التنبيه عليها وهي: أن اشتراط العلم المقصود به: العلم بصفات الله التي توجب تفرده بالألوهية والتبرأ من ألوهية ما سواه ولو علم ذلك من باب السؤال والتقليد فهذا نافعه بإتفاق الأمة إلا المعتزلة ومن نحى منحاهم في هذه المسألة فإنهم وقفوا الإيمان على قوانين محدثة مبتدعة بعضها حق وأكثرها باطل وفرضوا على كل عبد أن يستدل بنفسه على وفق قوانينهم، وأن يصل بعد الاجتهاد إلى أصول دينهم المخالفة لأصول دين المسلمين. وهذا القدر عندهم لا إعذار فيه وسموه أصول الدين، وما دونه من الفروع يدخله الإعذار وهي التي سماها ابن تيمية بدعة تقسيم الدين إلى أصول وفروع رداً على المعتزلة والمتكلمين وما أحدثوه من المسائل والدلائل المحدثة المبتدعة. فأهل السنة دائماً ينفون ما ابتدعه هؤلاء (وسيأتي بمشيئة الله وعونه مزيد بيان لهذه المسألة) (١) فانتبه للفرق بين المسألتين حتى لا يأتي الخلط والعياذ بالله من ذلك.
المبحث السابع: العلم قبل القول والعمل:
قال البخاري في صحيحه كتاب العلم باب العلم قبل القول والعمل لقوله -تعالى-: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) [محمد: ١٩]. فبدأ بالعلم.
قال الحافظ قوله: "العلم قبل القول والعمل" قال ابن المنير: أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل فلا يعتبران إلا به فهو متقدم عليهما لأنه مصحح للنية المصححة للعمل ... -قال الحافظ-: وينتزع منها دليل على ما يقوله المتكلمون: من وجوب المعرفة، لكن النزاع كما قدمناه إنما هو في إيجاب تعلم الأدلة على القوانين المذكورة في كتب الكلام، وقد تقدم شيء من هذا في كتاب الإيمان (٢) اهـ.
قلت: فهذا النص من الحافظ -رحمه الله تعالى- في غاية البيان والوضوح في مسألة أن
стр. 84
اشتراط العلم لقبول القول والعمل لا نزاع فيها، وإنما النزاع مع المتكلمين هو في إيجاب تعلم الأدلة على القوانين المذكورة في كتبهم.
قال النووي في شرح صحيح مسلم باب (الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً) هذا الباب فيه أحاديث كثيرة وتنتهي إلى حديث العباس ابن عبد المطلب ﵁ ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، واعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف أن من مات موحداً دخل الجنة قطعاً على كل حال فإن كان سالماً من المعاصي كالصغير والمجنون والذي اتصل جنونه بالبلوغ والتائب توبة صحيحة من الشرك أو غيره من المعاصي إذا لم يحدث معصية بعد توبته والموفق الذي لم يبتل بمعصية أصلاً فكل هذا الصنف يدخلون الجنة ولا يدخلون النار أصلاً. لكنهم يردونها على الخلاف المعروف في الورود. والصحيح أن المراد به المرور على الصراط وهو منصوب على ظهر جهنم -أعاذنا الله منها ومن سائر المكروه- وأما من كانت له معصية كبيرة ومات من غير توبة فهو في مشيئة الله- فإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة أولاً وجعله كالقسم الأول وإن شاء عذبه القدر الذي يريده ثم يدخله الجنة.
فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق في هذه المسألة وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به من الأمة على هذه القاعدة وتواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعي فإذا تقررت هذه القاعدة حمل عليها جميع ما ورد من أحاديث الباب وغيره، فإذا ورد حديث في ظاهره مخالفة وجب تأويله عليها ليجمع بين نصوص الشرع وسنذكر من تأويل بعضها ما يعرف به تأويل الباقي -إن شاء الله تعالى- والله أعلم ...
-ثم نقل عن القاضي عياض- فقال: وأما معنى الحديث وما أسبهه: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة". فقد جمع فيه القاضي عياض ﵀ كلاماً حسناً جمع فيه نفائس، فأنا أنقل كلامه مختصراً ثم أضم بعده إليه ما حضرني من زيادة.
стр. 85
المعرفة والنطق شرطان في النجاة:
قال القاضي عياض ﵀: اختلف الناس فيمن عصى الله -تعالى- من أهل الشهادتين فقالت المرجئة لا تضره المعصية مع الإيمان، وقالت الخوارج تضره ويكفر بها. وقالت المعتزلة يخلد في النار إذا كانت معصيته كبيرة ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر ولكن يوصف بأنه فاسق، وقالت الأشعرية بل هو مؤمن وإن لم يغفر له عُذب فلا بد من إخراجه من النار وإدخاله الجنة. قال وهذا الحديث حجة على الخوارج والمعتزلة، وأما المرجئة فإن احتجت بظاهره قلنا محمول على أنه غفر له أو أخرج من النار بالشفاعة ثم أدخل الجنة فيكون معنى قوله، ﷺ ، دخل الجنة أي دخلها بعد مجازاته بالعذاب وهذا لا بد من تأويله لما جاء في ظواهر كثيرة من عذاب بعض العصاة، فلا بد من تأويل هذا لئلا تتناقض نصوص الشريعة وفي قوله، ﷺ : وهو يعلم إشارة إلى الرد على من قال من غلاة المرجئة إن مظهر الشهادتين يدخل الجنة وإن لم يعتقد ذلك بقلبه وقد قيد ذلك في حديث آخر بقوله، ﷺ : "غير شاك فيهما" وهذا يؤكد ما قلناه.
قال القاضي: وقد يحتج به أيضاً من يرى أن مجرد معرفة القلب نافعة دون النطق بالشهادتين لاقتصاره على العلم ومذهب أهل السنة أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين لا تنفع إحداهما ولا تنجي من النار دون الأخرى إلا لمن لم يقدر على الشهادتين لآفة بلسانه أو لم تمهله المدة ليقولها بل اخترمته المنية ...
فنقرر أولاً إن مذهب أهل السنة بأجمعهم من السلف الصالح وأهل الحديث والفقهاء والمتكلمين على مذهبهم من الأشعريين أن أهل الذنوب في مشيئة الله -تعالى- وأن كل من مات على الإيمان وتشهد مخلصاً من قلبه الشهادتين فإنه يدخل الجنة، فإن كان تائباً أو سليماً من المعاصي دخل الجنة برحمة ربه وحرّم على النار بالجملة ... ويمكن أن تستقل الأحاديث بنفسها ويجمع بينها فيكون المراد باستحقاق الجنة ما قدمناه من إجماع أهل السنة أنه لا بد من دخولها لكل موحد إما معجلاً معافى وإما مؤخراً بعد عقابه، والمراد بتحريم النار تحريم الخلود خلافاً للخوارج والمعتزلة ... -قال النووي- هذا آخر كلام القاضي ﵀ وهو في نهاية الحسن (١) اهـ.
стр. 86
قلت: انظر -رحمك الله- إلى قول القاضي أن مذهب أهل السنة أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين لا تنفع إحداهما ولا تنجي من النار دون الأخرى وقول الإمام النووي في آخر حديثه معلقاً عليه أنه في نهاية الحسن.
فهذا مذهب أهل السنة أن النطق مرتبط بالمعرفة لا تنفع إحداهما دون الأخرى، وأن النطق بلا معرفة كالمعرفة بدون نطق كلاهما لا ينفع ولا ينجي صاحبه.
وقال الإمام النووي تعليقاً على حديث: "اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يتشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة" ... وفي هذا دلالة ظاهرة لمذهب أهل الحق أنه لا ينفع اعتقاد التوحيد دون النطق ولا النطق دون الاعتقاد بل لا بد من الجمع بينهما وقد تقدم إيضاحه في أول الباب (١) اهـ.
التوحيد شرط الشفاعة:
قلت: وينص على هذا المعنى القطعي أنه لا ينجو من عذاب الخلود في النيران إلا من نطق بالشهادتين وانتهى عن الشرك والتزم التوحيد ظاهراً وباطناً الحديث الصحيح الصريح: "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً". أخرجه مسلم.
قال النووي: وأما قوله ﷺ : "فهي نائلة إن شاء الله -تعالى- من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً" ففيه دلالة لمذهب أهل الحق أن كل من مات غير مشرك بالله -تعالى- لم يخلّد في النار وإن كان مصراً على الكبائر وقد تقدمت دلائله. وبيانه في مواضع كثيرة (٢) اهـ.
قلت: وكذلك الحديث الصحيح الصريح في هذه المسألة أيضاً وهو في صحيح مسلم: "حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً ممن أراد الله -تعالى- أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار يعرفونهم بأثر السجود تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود .... " (٣).
стр. 87
قلت: فهل بعد تنصيص هذا الحديث على هذا المسألة من نص على أنه لا ينجو من الخلود في النار في الآخرة إلا من كان لا يشرك بالله شيئاً ممن نطق بالشهادتين وأنه لا يخلد في النار أحد مات على التوحيد مستيقناً به قلبه. لذلك جاء في الحديث الآخر في صحيح مسلم أيضاً: قال -أي رسول الله، ﷺ "فأقول يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن أي وجب عليه الخلود- قال ابن عبيد في روايته، قال قتادة أي وجب عليه الخلود-". قال النووي: قوله، ﷺ : "ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن" أي وجب عليه الخلود. وبين مسلم ﵀ -تعالى- أن قوله -أي: وجب عليه الخلود -هو تفسير قتادة الراوي وهذا التفسير صحيح ومعناه من أخبر القرآن أنه مخلد في النار وهم الكفار -كما قال الله -تعالى- (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ)، وفي هذا دلالة لمذهب أهل الحق وما أجمع عليه السلف أنه لا يخلد في النار أحد مات على التوحيد والله أعلم (١) اهـ.
وكذلك الحديث الذي في صحيح مسلم: " ... وذاك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة ... ". وفي رواية أخرى: "ألا لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة اللهم بلغت اللهم فاشهد". قال النووي: قوله، ﷺ : "لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة". هذا نص صريح في أن من مات على الكفر لا يدخل الجنة أصلاً وهذا النص على عمومه بإجماع المسلمين (٢) اهـ.
قلت: فهذه القاعدة متواترة في نصوص الشريعة وفي نصوص العلماء وهي أن النطق مرتبط بالعلم وهو شرط في انتفاع العبد ونجاته وهو أول واجب عليه.
قال ابن تيمية: وقال أبو محمد عبد الله بن أحمد الخليدي: في كتابه "شرح اعتقاد أهل السنة" لأبي علي الحسين بن أحمد الطبري وهذا لعله ممن أدرك أحمد وغيره، قال الخليدي في معرفة الله: وهي أول الفرض الذي لا يسع المسلم جهله ولا تنفعه الطاعة -وإن أتى بجميع طاعة أهل الدنيا- ما لم تكن معه معرفة وتقوى، فالمسلم إذا نظر في مخلوقات الله -تعالى- وما خلق من عجائبه مثل دوران الليل والنهار والشمس والقمر وتفكّر في نفسه وفي مبدئه ومنتهاه فتزيد معرفته بذلك. قال الله -تعالى-: (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (٣) [الذاريات: ٢١]. اهـ.
стр. 88
قلت: ومن هذه النصوص النبوية الصحيحة الصريحة وأقوال السلف فيها نخلص بما يلي:
١ - أن العلم بمدلول الشهادتين شرط في قبولهما لقول النبي ﷺ "حتى يقولوا"، وقوله: "حتى يشهدوا"، وقوله: "وكفر بما يعبد من دون الله"، وقوله: "من وحد الله": وقوله: "فإذا عرفوا الله" في حديث معاذ ﵁.
٢ - أن المشرك لا يعرف الله ولا يعبده. لأن الشرك ينفي صفة التأله لله وحده، وأن معبوده هو الشيطان وليس هو الله وإن ادّعى غير هذا.
٣ - أن النطق بالشهادتين بدون الانخلاع من الشرك لا يغني عن صاحبه شيئاً.
٤ - أن النطق مرتبط بالمعرفة لا ينفع إحداهما بدون الأخرى.
٥ - أن غاية القتال وارتفاعه عن رؤوس المشركين حين يعبدوا الله وحده ويلتزموا بالتوحيد وبتلقي الأحكام من الله وحده لا شريك له.
ومما يؤكد هذا -بفضل الله ورحمته- فضلاً عن دلالة النصوص السابقة من القرآن والسنة، فهم الصحابة -رضوان الله عليهم- أن النصوص على ظاهرها في أن غاية قتال المشركين هي: إفراد الله بالعبادة.
أخرج البخاري -عن جبير بن حية قال: "بعث عمر الناس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين ... فندبنا عمر واستعمل علينا النعمان بن مقرن حتى إذا كنا بأرض العدو، وخرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفاً فقام ترجمان فقال: ليكلمني رجل منكم فقال المغيرة: سل عما شئت. قال: ما أنتم؟ قال: نحن أناس من العرب كنا في شقاء شديد وبلاء شديد نمص الجلد والنوى من الجوع ونلبس الوبر والشعر ونعيد الشجر والحجر، فبينا نحن كذلك إذ بعث رب السموات ورب الأرضين -تعالى ذكره- وجلت عظمته إلينا نبياً من أنفسنا نعرف أباه وأمه فأمرنا نبينا رسول ربنا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية ... " (١) اهـ.
فهذا النص من الصحابي الجليل المغيرة بن شعبة وهو في جموع المسلمين مع عدم الإنكار عليه وهذا الإجماع (السكوتي) من الجيل الأول رضوان الله عليهم لهو أدل دليل على
стр. 89
أن القتال غايته إفراد الله بالعبادة والتأله وحده لا شريك له وخلع عبادة كل ما سواه من الأنداد والأوثان والطواغيت والآلهة.
وإليك أخي القارئ توصيف وفهم سلف الأمة وأئمتها للإسلام وخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب باستقراء نصوصهم في ذلك لتعلم بيقين أن المشركين وعباد القبور خارجين عن مسمى المسلمين وأن معرفة التوحيد والالتزام به شرط في وجود الإسلام.
* * *
стр. 90
الفصل الثالث
توصيف العلماء لحقيقة الإسلام
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: التوحيد شرط في صحة إسلام العبد.
المبحث الثاني: التزام أحكام الإسلام شرط في قبوله.
المبحث الثالث: الحنيف: هو التارك للشرك عن قصد وعلم.
المبحث الرابع: التوحيد بالقول والعمل شرط في تحقيق النجاة.
المبحث الخامس: قبول الأحكام من غير الله شرك في الألوهية والربوبية.
стр. 91
الفصل الثالث
توصيف العلماء لحقيقة الإسلام
المبحث الأول: التوحيد شرط صحة في إسلام العبد:
قال الشيخ ابن تيمية ﵀: وأيضاً فإن التوحيد أصل الإيمان، وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل النار، وهو ثمن الجنة، ولا يصح إسلام أحد إلا به (١) اهـ.
وقال أيضاً ﵀: ومنها: أن الذين استحبوا السفر إلى زيارة قبر نبينا مرادهم السفر إلى مسجده وهذا مشروع بالإجماع ... بخلاف غيره فإنه يصل إلى القبر إلا أن يكون متوغلاً في الجهل والضلال فيظن أن مسجده إنما شرع السفر إليه لأجل القبر وأنه لذلك كانت الصلاة فيه بألف صلاة وأنه لولا القبر لم يكن له فضيلة على غيره، أو يظن أن المسجد بني أو جعل تبعاً للقبر ... فمن ظن هذا في مسجد نبينا، ﷺ ، فهو من أضل الناس وأجهلهم بدين الإسلام وأجهلهم بأحوال الرسول وأصحابه وسيرته وأقواله وأفعاله، وهذا محتاج إلى أن يتعلم ما جهله من دين الإسلام حتى يدخل في الإسلام ولا يأخذ بعض الإسلام ويترك بعضه ...
نعم هذا اعتقاد النصارى يعتقدون أن فضيلة بيت المقدس لأجل الكنيسة التي يقال: أنها بُنيت على قبر المصلوب ويفضلونها على بيت المقدس وهؤلاء من أضل الناس وأجهلهم، وهذا أيضاً يضاهي ما كان المشركون عليه في المسجد الحرام لما كانت فيه الأوثان وكانوا يقصدونه لأجل تلك الأوثان التي فيه .... والذين يحجون إلى القبور يدعون أهلها ويتضرعون لهم ويعبدونهم ويخشون غير الله ويرجون غير الله كالمشركين الذين يخشون آلهتهم ويرجونها (٢) اهـ.
وقال: ودين الإسلام مبني على أصلين وهما: تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وأول ذلك ألا تجعل مع الله إلهاً آخر فلا تحب مخلوقاً كما تحب الله ولا ترجوه كما
стр. 92
ترجو الله ولا تخشاه كما تخشى الله، ومن سوّى بين المخلوق والخالق في شيء من ذلك فقد عدل بالله، وهو من الذين بربهم يعدلون وقد جعل مع الله إلهاً آخر وإن كان مع ذلك يعتقد أن الله وحده خلق السموات والأرض ....
والأصل الثاني: أن نعبده بما شرع على ألسن رسله لا نعبده إلا بواجب أو مستحب والمباح إذا قصد به الطاعة دخل في ذلك والدعاء من جملة العبادات فمن دعا المخلوقين من الموتى والغائبين واستغاث بهم -مع أن هذا لم يأمر الله به ولا رسوله أمر إيجاب ولا استحباب- كان مبتدعاً في الدين مشركاً برب العالمين متبعاً غير سبيل المؤمنين (١) اهـ.
وقال: فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركاً، ومن لم يستسلم له كان مستكبراً عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر. والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده فهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت .... فمن بلغته رسالة محمد، ﷺ ، فلم يقر بما جاء به لم يكن مسلماً ولا مؤمناً بل يكون كافراً وإن زعم أنه مسلم أو مؤمن (٢) اهـ.
وقال: ودين الإسلام الذي ارتضاه الله وبعث به رسله هو: الإستسلام لله وحده فأصله في القلب هو الخضوع لله وحده بعبادته وحده دون ما سواه. فمن عبده وعبد معه إلهاً آخر لم يكن مسلماً ومن لم يعبده بل استكبر عن عبادته لم يكن مسلماً. والإسلام هو الاستسلام لله وحده وهو الخضوع له والعبودية له هكذا قال أهل اللغة: أسلم الرجل إذا استسلم. فالإسلام في الأصل من باب العمل، عمل القلب والجوارح. وأما الإيمان فأصله تصديق وإقرار ومعرفة فهو من باب قول القلب المتضمن عمل القلب والأصل فيه التصديق والعمل تابع له (٣) اهـ.
стр. 93
المبحث الثاني: التزام أحكام الإسلام شرط في قبوله
وقال: ويعلم أنه لو قدر أن قوماً قالوا للنبي ﷺ : نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك، ونقر بألسنتنا بالشهادتين، إلا أنا لا نطيعك في شيء مما أمرت به ونهيت عنه، فلا نصلي، ولا نصوم، ولا نحج، ولا نصدق الحديث، ولا نؤدي الأمانة، ولا نفي بالعهد، ولا نصل الرحم، ولا نفعل شيئاً من الخير الذي أمرت به، ونشرب الخمر، وننكح ذوات المحارم بالزنا الظاهر، ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك، ونأخذ أموالهم، بل نقتلك أيضاً ونقاتلك مع أعدائك. هل كان يتوهم عاقل أن النبي، ﷺ ، يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملوا الإيمان وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة، ويرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار، بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك (١) اهـ.
وقال: وأيضاً فقد جاء نفر من اليهود إلى النبي فقالوا: نشهد إنك لرسول الله ولم يكونوا مسلمين بذلك، لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في أنفسهم أي: نعلم ونجزم أنك رسول الله. قال: فلم لا تتبعوني؟ قالوا: نخاف من يهود.
فعلم أن مجرد العلم والإخبار عنه ليس بإيمان حتى يتكلم بالإيمان على وجه الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد مع تضمن ذلك الإخبار عما في أنفسهم، فالمنافقون قالوا مخبرين كاذبين فكانوا كفاراً في الباطن وهؤلاء قالوا غير ملتزمين ولا منقادين فكانوا كفاراً في الظاهر والباطن (٢). اهـ.
وقال ابن القيم في هذا الحديث وفيها أن إقرار الكاهن الكتابي لرسول الله بأنه نبي لم يدخله في الإسلام ما لم يلتزم طاعته ومتابعته فإذا تمسك بدينه بعد هذا الإقرار لا يكون ردة منه ونظير هذا قول الحبرين ... قالا نشهد إنك نبي. قال: فما يمنعكما من اتباعي، قالا: نخاف أن تقتلنا اليهود. ولم يلزمهما بذلك الإسلام، ومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له ﷺ بالرسالة وأنه صادق فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام علم أن الإسلام أُمر وراء ذلك. وأنه ليس هو المعرفة فقط ولا المعرفة والإقرار
стр. 94
فقط، بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهراً وباطناً (١) اهـ.
وقال أيضاً ﵀: وعلى هذا فإنما لم يحكم لهؤلاء اليهود الذين شهدوا له بالرسالة بحكم الإسلام، لأن مجرد الإقرار والإخبار بصحة رسالته لا يوجب الإسلام إلا أن يلتزم طاعته ومتابعته. وإلا فلو قال: أنا أعلم أنه نبي ولكن لا أتبعه ولا أدين بدينه كان من أكفر الكفار كحال هؤلاء المذكورين وغيرهم. وهذا متفق عليه بين الصحابة والتابعين وأئمة السنة أن الإيمان لا يكفي فيه قول اللسان بمجرده ولا معرفة القلب مع ذلك بل لا بد فيه من عمل القلب وهو حب الله ورسوله وانقياده لدينه والتزام طاعته ومتابعة رسوله وهذا خلاف من زعم أن الإيمان هو مجرد معرفة القلب وإقراره (٢) اهـ.
وقال الحافظ وفي قصة أهل نجران من الفوائد أن إقرار الكافر بالنبوة لا يدخله في الإسلام حتى يلتزم أحكام الإسلام (٣) اهـ.
وقال ابن تيمية وقد ذكرت فيما تقدم من القواعد أن الإسلام الذي هو دين الله الذي أنزل به كتبه وأرسل به رسله وهو: أن يسلم العبد لله رب العالمين فيستسلم لله وحده لا شريك له ويكون سالماً بحيث يكون متألهاً له غير متأله لما سواه كما بينته أفضل الكلام ورأس الإسلام: وهو شهادة أن لا إله إلا الله. وله ضدان: الكبر، والشرك ولهذا روى أن نوحا، ﵇، أمر بنيه بلا إله إلا الله وسبحان الله ونهاهم عن الكبر والشرك في حديث قد ذكرته في غير هذا الموضع فإن المستكبر عن عبادة الله لا بعبده فلا يكون مستسلماً له والذي يعبده ويعبد غيره يكون مشركاً به فلا يكون سالماً له بل يكون له في شرك (٤) اهـ.
وقال: وهذا (أي: توحيد الإلهية) من أعظم ما تجب رعايته على أهل الإرادة والسلوك، فإن كثيراً من المتأخرين زاغ عنه فضل سواء السبيل. وإنما يعرف هذا من توجه بقلبه وانكشفت له حقائق الأمور وصار يشهد الربوبية العامة والقيومية الشاملة فإن لم يكن معه نور الإيمان
стр. 95
والقرآن الذي يحصل به الفرقان حتى يشهد الإلهية التي تميِّز بين أهل التوحيد والشرك وبين ما يحبه الله وما يبغضه وبين ما أمر به الرسول وبين ما نهى عنه وإلا خرج عن دين الإسلام بحسب خروجه عن هذا، فإن الربوبية العامة قد أقر بها المشركون الذين قال الله فيهم: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ).
وإنما يصير الرجل مسلماً حنيفاً موحداً إذا شهد: أن لا إله إلا الله. فعبد الله وحده بحيث لا يشرك معه أحداً في تألهه ومحبته له وعبوديته وإنابته إليه وإسلامه له ودعائه له والتوكل عليه وموالاته فيه، ومعاداته فيه ومحبته ما يحب وبغضه ما يبغض ويفنى بحق التوحيد عن باطل الشرك وهذا فناء يقارنه البقاء فيفنى عن تأله ما سوى الله بتأله الله تحقيقاً لقول: لا إله إلا الله فينفي ويفنى من قلبه تأله ما سواه ويثبت ويبقى في قلبه تأله الله وحده، وقد قال النبي، ﷺ ، في الحديث الصحيح: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة". وفي الحديث الآخر: "من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة". وقال في الصحيح: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله". فإنها حقيقة دين الإسلام فمن مات عليها مات مسلماً (١) اهـ.
قلت: انظر: رحمك الله إلى قول الشيخ: وإنما يصير الرجل مسلماً حنيفاً موحداً إذا شهد أن لا إله إلا الله فعبده وحده بحيث لا يشرك معه أحداً في تألهه وهذا التعريف الجامع لحقيقة الإسلام متواتر ذكره في كتبه منها ما ذكر من قبل ومنها ما سيأتي ذكره بمشيئة الله -تعالى-.
وهذا من أدل الدلائل على عدم إعذار الشيخ بالجهل في أصل الأصول وهو التوحيد وترك الشرك لأن المشركين لا يدخلون عنده في مسمى المسلمين وأن الحنيف هو: الموحد التارك للشرك على عمد وبصيرة واستقام على الشريعة.
وهذا المعنى متواتر في نصوص الشريعة ومعلوم بالإضطرار من نصوص المفسرين وإليك الأدلة والبراهين على ذلك.
المبحث الثالث: الحنيف التارك للشرك عن قصد وعلم:
قال -تعالى-: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). [آل عمران: ٦٧].
قال الطبري: "ولكن كان حنيفا": يعني: متبعاً أمر الله وطاعته مستقيماً على محجة
стр. 96
الهدى التي أمر بلزومها، "مسلماً" يعني: خاشعاً لله بقلبه متذللاً له بجوارحه مذعناً لما فرض عليه وألزمه من أحكامه اهـ.
وقال القرطبي: الحنيف: الذي يوحد ويضحي ويختتن ويستقبل القبلة اهـ.
وقال ابن كثير: أي متحنفاً عن الشرك قاصداً إلى الإيمان اهـ.
وقال -تعالى-: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً). [النساء: ١٢٥].
قال الطبري: حنيفاً: أي مستقيماً على منهاجه وسبيله.
قال ابن كثير: الحنيف: هو المائل عن الشرك قصداً، أي: تاركاً له عن بصيرة ومقبل على الحق بكليته لا يصده عنه صاد ولا يرده عنه راد.
وقال -تعالى-: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). [الأنعام: ٧٩].
قال الطبري: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: في قول قوم إبراهيم لإبراهيم: تركت عبادة هذه؟ فقال: "إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ" فقالوا: ما جئت بشيء ونحن نعبده ونتوجه. فقال: لا. حنيفاً. قال: مخلصاً لا أشرك كما تشركون اهـ.
قال القرطبي: حنيفاً: مائلاً إلى الحق.
قال ابن كثير: حنيفاً: أي مائلاً عن الشرك إلى التوحيد.
وقال -تعالى-: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). [النمل: ١٢٠].
قال الطبري: حنيفاً يقول مستقيماً على دين الإسلام اهـ.
قال ابن كثير: الحنيف: هو المنحرف قصداً من الشرك إلى التوحيد ولهذا قال: "ولم يك من المشركين" اهـ.
وقال -تعالى-: (حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ). [الحج: ٣١].
стр. 97
قال ابن جرير: يقول -تعالى ذكره-: اجتنبوا أيها الناس عبادة الأوثان وقول الشرك مستقيمين لله على إخلاص التوحيد له وإفراد الطاعة والعبادة له خالصاً دون الأوثان والأصنام ا. هـ.
قال القرطبي: حنفاء لله أي: مستقيمين أو مسلمين مائلين إلى الحق، ولفظة حنفاء من الأضداد تقع على الاستقامة وعلى الميل، وحنفاء منصوب على الحال. وقيل: حنفاء: حجاجاً. وهذا تخصيص لا حجة معه اهـ.
قال ابن كثير: حنفاء لله أي: مخلصين له الدين منحرفين عن الباطل قصداً: إلى الحق ولهذا قال: "غير مشركين به" اهـ.
عن ابن عمر أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالماً من اليهود فسأله عن دينهم فقال: إني لعلي أن أدين دينكم فأخبرني. فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً. وأنّى أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفاً. قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولا يعبد إلا الله. فخرج زيد فلقي عالماً من النصارى، فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئاً أبداً، وأنى أستطيع؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفاً. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولا يعبد إلا الله. فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم ﵇ خرج، فلما برز رفع يديه فقال: اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم" (١). رواه البخاري.
قلت: فمن آي القرآن والسنة وبيان المفسرين ثبت أن الحنيف: هو الذي ترك الشرك قصداً وعلى بصيرة ومقبل على الإخلاص وإفراد الله بالتأله دون ما سواه وهو الذي استقام حاله على الإسلام لربه وحده لا شريك له.
فهل من ترك التوحيد وانغمس في الشرك وجعل لربه شريكاً في التأله وتنقص الإلهية
стр. 98
وهضم حق الربوبية يكون متحنفاً أم مشركاً؟.
قال ابن تيمية: والضالون مستخفون بتوحيد الله -تعالى- يعظمون دعاء غيره من الأموات وإذا أمروا بالتوحيد ونهوا عن الشرك استخفوا به كما قال -تعالى-: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً). الآية. فاستهزءوا بالرسول، ﷺ ، لما نهاهم عن الشرك وما زال المشركون يسبون الأنبياء ويصفونهم بالسفاهة والضلال والجنون إذا دعوهم إلى التوحيد لما في أنفسهم من عظيم الشرك. وهكذا تجد من فيه شبه منهم إذا رأى من يدعو إلى التوحيد استهزأ بذلك لما عندهم من الشرك قال الله -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ). فمن أحب مخلوقاً مثل ما يحب الله فهو مشرك، ويجب الفرق بين الحب في الله والحب مع الله. فهؤلاء الذين اتخذوا القبور أوثاناً تجدهم يستهزئون بما هو من توحيد الله وعبادته ويعظمون ما اتخذوه ما دون الله شفعاء ويحلف أحدهم اليمين الغموس كاذباً ولا يجترئ أن يحلف بشيخه كاذباً. وكثير من طوائف متعددة ترى أحدهم يرى أن استغاثته بالشيخ إما عند قبره أو غير قبره أنفع له من أن يدعو الله في المسجد عند السحر ويستهزئ بمن يعدل عن طريقته إلى التوحيد، وكثير منهم يخربون المساجد ويعمرون المشاهد فهل هذا إلا من استخفافهم بالله وآياته ورسوله وتعظيمهم للشرك. وإذا كان لهذا وقف ولهذا وقف كان وقف الشرك أعظم عنده مضاهات لمشركي العرب الذين ذكرهم الله في قوله: (وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً). الآية. فيفضلون ما يجعل لغير الله على ما يجعل الله، ويقولون: الله غني وآلهتنا فقيرة. وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه يبكي عنده ويخشع ويتضرع ما لا يحصل له مثله في الجمعة والصلوات الخمس وقيام الليل، فهل هذا إلا من حال المشركين لا الموحدين.
ومثل هذا أنه إذا سمع أحدهم سماع الآيات حصل له من الخشوع والحضور ما لا يحصل له عند الآيات بل يستثقلونها ويستهزئون بها وبمن يقرؤها مما يحصل لهم به أعظم نصيب من قوله: (قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) (١). اهـ.
стр. 99
المبحث الرابع: التوحيد بالقول والعمل شرط في تحقق النجاة:
وقال: وذلك أن الرجل لو أقر بما يستحق الرب من الصفات ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحداً بل ولا مؤمناً حتى يشهد: أن لا إله إلا الله، فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له والإله هو بمعنى المألوه المعبود الذي يستحق العبادة (١) اهـ.
وقال والحاصل: أن توحيد الله والإيمان برسله واليوم الآخر أمور متلازمة مع العمل الصالح. فأهل هذا الإيمان والعمل الصالح: هم أهل السعادة من الأولين والآخرين والخارجون عن هذا الإيمان: مشركون أشقياء. فكل من كذّب الرسل فلن يكون إلا مشركاً، وكل مشرك مكذب للرسل. وكل مشرك وكافر بالرسل فهو كافر باليوم الآخر، وكل من كفر باليوم الآخر فهو كافر بالرسل (٢) اهـ.
وقال ﵀ وهم (أي الفلاسفة) إذا ادعوا التوحيد فإنما توحيدهم بالقول لا بالعبادة والعمل والتوحيد الذي جاءت به الرسل لا بد فيه من التوحيد بإخلاص الدين لله وعبادته وحده لا شريك له وهذا شيء لا يعرفونه. والتوحيد الذي يدعونه: إنما هو تعطيل حقائق الأسماء والصفات، وفيه من الكفر والضلال ما هو من أعظم أسباب الإشراك. فلو كانوا موحدين بالقول والكلام: وهو أن يصفوا الله بما وصفته به رسله لكان معهم التوحيد دون العمل وذلك لا يكفي في السعادة والنجاة بل لا بد من أنه يعبد الله وحده ويتخذ إلهاً دون ما سواه وهو معنى قول "لا إله إلا الله" فكيف وهم في القول والكلام معطلون جاحدون لا موحدون ولا مخلصون؟ .... والقوم وإن كان لهم ذكاء وفطنة وفيهم زهد وأخلاق، فهذا القدر لا يوجب السعادة والنجاة من العذاب إلا بالأصول المتقدمة: من الإيمان بالله وتوحيده وإخلاص عبادته والإيمان برسله واليوم الآخر والعمل الصالح ... وأهل الرأي والعلم بمنزلة أهل الملل والإمارة وكل من هؤلاء وهؤلاء لا ينفعه ذلك شيئاً إلا أن يعبد الله وحده لا شريك له ويؤمن برسله وباليوم الآخر وهذه الأمور متلازمة فمن عبد الله وحده لزم أن يؤمن برسله ويؤمن
стр. 100
باليوم الآخر فيستحق الثواب، وإلا كان من أهل الوعيد يخلد في العذاب هذا إذا قامت عليه الحجة بالرسل (١) اهـ.
قلت: انظر -رحمك الله- أن النجاة لا تتحقق إلا بالأصول الثلاث: إفراد الله بالعبادة. والتأله والإيمان بالرسل واليوم الآخر مع العمل الصالح وإلا كان من أهل الوعيد إلا أنه لا يخلد في الآخرة في النار إلا بعد قيام الحجة الرسالية وهذا ما سبق الحديث عنه كثيراً بفضل الله وحده أنه لن تدخل الجنة إلا نفس مسلمة، والإسلام هو: إفراد الله بالوحدانية والتأله والكفر بما يعبد من دونه فمن لم يأت بهذا القدر فهو من المشركين ولا عذر له بالجهل والتأويل إلا أنه لا يعذب في الدارين إلا بعد قيام الحجة الرسالية.
قال ابن تيمية: فإخلاص الدين له والعدل واجب مطلقاً في كل حال، وفي كل شرع: فعلى العبد أن يعبد الله مخلصاً له الدين ويدعوه مخلصاً له لا يسقط هذا عنه بحال ولا يدخل الجنة إلا أهل التوحيد وهم أهل "لا إله إلا الله"- فهذا حق الله على كل عبد من عباده كما في الصحيحين من حديث معاذ أن النبي، ﷺ ، قال له: "يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقه عليهم أن يعبدوه لا يشركوا به شيئاً". الحديث. فلا ينجون من عذاب الله إلا من أخلص لله دينه وعبادته ودعاه مخلصاً له الدين، ومن لم يشرك به ولم يعبده فهو معطل عن عبادته وعبادة غيره كفرعون وأمثاله فهو أسوأ حالاً من المشرك فلا بد من عبادة الله وحده وهذا واجب على كل أحد فلا يسقط عن أحد البتة، وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله ديناً غيره، ولكن لا يعذب الله أحداً حتى يبعث إليه رسولاً وكما أنه لا يعذبه فلا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة، ولا يدخلها مشرك ولا مستكبر عن عبادة ربه، فمن لم تبلغه الدعوة في الدنيا امتحن في الآخرة ولا يدخل النار إلا من اتبع الشيطان، فمن لا ذنب له لا يدخل النار ولا يعذب الله بالنار أحداً إلا بعد أن يبعث إليه رسولاً فمن لم تبلغه دعوة رسول إليه كالصغير والمجنون والميت في الفترة المحضة فهذا يمتحن في الآخرة كما جاءت بذلك الآثار (٢) اهـ.
قلت: فهذا بفضل الله بيّن واضح في كلام الشيخ -رحمه الله تعالى- أن النجاة في الآخرة
стр. 101
لمن حقق الأصول الثلاثة: توحيد الله، والإيمان بالرسل، واليوم الآخر، مع العمل الصالح لقول الله -تعالى-: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ولقول نبيه ﷺ : "لن تدخل الجنة إلا نفس مسلمة" فمن لم يأت بالتوحيد ووقع في الشرك فهو مشرك لا عذر له في إجراء الأحكام عليه في الدنيا لنقضه حجية الفطرة والميثاق والعقل إلا أنه لا يثبت له وصف الكفر المعذب عليه في الدنيا والآخرة إلا إذا قامت عليه الحجة الرسالية وإن كان فعل قبل الحجة ما يستوجب العذاب -وهذا من فضل الله ورحمته بعباده-.
قال ابن تيمية والأنبياء إنما بعثوا بالدعوة إلى الله وحده وقد يذكرون المعاد مجملا ومفصلاً والقصص قد يذكر بعضهم بعضاً مجملاً. وأما الإلهيات فهي الأصل ولا بد من تفصيل الأمر بعبادة الله وحده دون ما سواه فلا بد لكل نبي من الأصول الثلاثة الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح (١) اهـ.
وقال ﵀ "وهو يتحدث عن الفلاسفة وأهل الكلام والقوانين التي وضعوها من المسائل والدلائل التي لا يدخل العبد في الإسلام ولا يحقق أصل الدين إلا بها في زعمهم". قال: فإذا تقلدوا عن طواغيتهم أن كل ما لم يحصل بهذه الطرق القياسية ليس بعلم وقد لا يحصل لكثير منهم. منها ما يستفيد به الإيمان الواجب فيكون كافراً زنديقاً منافقاً جاهلاً ضالاً مضلاً ظلوماً كفوراً ويكون من أكابر أعداء الرسل ومنافقي الملة من الذين قال الله فيهم: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ).
وقد يحصل لبعضهم إيمان ونفاق ويكون مرتداً إما عن أصل الدين أو بعض شرائعه إما ردة نفاق وإما ردة كفر، وهذا كثير غالب لا سيما في الأعصار والأمصار التي تغلب فيها الجاهلية والكفر والنفاق فلهؤلاء من عجائب الجهل والظلم والكذب والكفر والنفاق والضلال ما لا يتسع لذكره المقال.
وإذا كان في المقالات الخفيّة فقد يقال: إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أنها من دين المسلمين. بل اليهود والنصارى والمشركون يعلمون أن محمداً ﷺ بعث بها وكفّر من خالفها مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له ونهيه عن عبادة أحد سوى
стр. 102
الله. من الملائكة والنبيين وغيرهم فإن هذا أظهر شعائر الإسلام ومثل معاداة اليهود والنصارى والمشركين ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك. ثم تجد كثيراً من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع فكانوا مرتدين، وإن كانوا قد يتوبون من ذلك ويعودون كرؤوس القبائل مثل: الأقرع وعيينة ونحوهم ممن ارتد عن الإسلام ثم دخل فيه. ففيهم من كان يتهم بالنفاق ومرض القلب وفيهم من لم يكن كذلك. فكثير من رؤوس هؤلاء هكذا تجده تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة وتارة يعود إليها (١) ولكن مع مرض في قلبه ونفاق، وقد يكون له حال ثالثة يغلب الإيمان فيها النفاق لكن قل أن يسلموا من نوع نفاق والحكايات عنهم بذلك مشهورة ...
وأبلغ من ذلك أن منهم من يصنف في دين المشركين والردة عن الإسلام كما صنف الرازي كتاب في عبادة الكواكب وأقام الأدلة على حسن ذلك ومنفعته ورغب فيه وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين وإن كان قد يكون عاد إلى الإسلام وجميع ما يأمرون به من العلوم والأعمال والأخلاق لا يكفي في النجاة من عذاب الله فضلاً أن يكون موصلاً لنعيم الآخرة قال الله -تعالى-: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ). الآيتين وقال -تعالى-: (فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ). إلى آخر السورة فأخبر هنا بمثل ما أخبر به في الأعراف وأن هؤلاء المعرضين عما جاءت به الرسل لما رأوا بأس الله وحدوا الله وتركوا الشرك فلم ينفعهم ذلك وكذلك أخبر عن فرعون وهو كافر بالتوحيد والرسالة أنا لما أدركه الغرق: (قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ). الآية. وقال -تعالى-: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ). الآيتين. وهذا في القرآن في مواضع يبين أن الرسل أمروا بعبادة الله وحده لا شريك له ونهوا عن عبادة شيء من المخلوقات سواه وأن أهل السعادة هم أهل التوحيد وأن المشركين هم أهل الشقاوة، ويبين أن الذين لم يؤمنوا بالرسل مشركون، فعلم أن التوحيد والإيمان بالرسل متلازمان وكذلك الإيمان باليوم الآخر فالثلاثة متلازمة ولهذا يجمع بينهما في مثل قوله: (وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) ...
فقد تبين أن أصل السعادة والنجاة من العذاب هو توحيد الله بعبادته وحده لا شريك
стр. 103
له والإيمان برسله واليوم الآخر والعمل الصالح وهذه الأمور ليست في حكمتهم ليس فيها الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والنهي عن عبادة المخلوقات. بل كل شرك في العالم إنما حدث برأي جنسهم فهم الآمرون بالشرك والفاعلون له ومن لم يأمر بالشرك منهم فلم ينه عنه بل يقر هؤلاء وهؤلاء وإن رجح الموحدين ترجيحاً ما فقد يرجه غيره المشركين وقد يعرض عن الأمرين جميعاً.
فتدبر هذا فإنه نافع جداً وقد رأيت من مصنفاتهم في عبادة الكواكب والملائكة وعبادة الأنفس المفارقة أنفس الأنبياء وغيرهم ما هو أصل الشرك. وهم إذا ادعوا التوحيد فإنما توحيدهم بالقول لا بالعبادة والعمل، والتوحيد الذي جاءت به الرسل لا بد فيه من التوحيد بإخلاص الدين لله وعبادته وحده لا شريك له وهذا شيء لا يعرفونه والتوحيد الذي يدعونه إنما هو تعطيل حقائق الأسماء والصفات وفيه من الكفر والضلال ما هو من أعظم أسباب الإشراك (١) اهـ.
قلت: فمن هذه النقول المستفيضة عن شيخ الإسلام نخرج بما يلي:
١ - أن التوحيد شرط في تحقيق الإسلام ولا يصح إسلام عبد إلا به.
٢ - أن المشرك في حاجة أن يعلم التوحيد حتى يدخل في الإسلام.
٣ - أن المشرك مبتدع في الدين مشرك برب العالمين متبع غير سبيل المؤمنين.
٤ - الإسلام هو الاستسلام لله وحده فمن عبد الله وعبد غيره لم يكن مسلماً وكذلك المستكبر عن عبادته.
٥ - الإقرار بلا التزام ليس بإسلام، إنما الإسلام الإقرار الإذعاني وهذا متفق عليه بين الصحابة والتابعين وأئمة السنة.
٦ - أن توحيد الإلهية هو الذي يفرق بين أهل التوحيد وأهل الشرك وإنما يصير الرجل مسلماً حنيفاً موحداً إذا ترك الشرك عمداً وعلى بصيرة وأفرد الله وحده بالتأله دون ما سواه.
٧ - لا نجاة من عذاب الله إلا بالتوحيد والإيمان بالرسالة واليوم الآخر والعمل الصالح ظاهراً وباطناً والمشرك لا يعذب في الدارين إلا بعد قيام الحجة وهو لا ينعم أيضاً لأن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة مؤمنة.
стр. 104
٨ - أن الرسل جميعاً فصلوا الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له لأنه أصل الأصول.
وقال ابن القيم والإسلام: هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به، فلما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل (١). ا. هـ.
وقال محمد بن عبد الوهاب: فاعلم أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم إفراد الله بالعبادة كلها ليس فيها حق لملك مقرب ولا نبي مرسل فضلاً عن غيرهم فمن ذلك لا يدعي إلا إياه كما قال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً) [الجن: ١٨]. فمن عبد الله ليلاً ونهاراً ثم دعا نبياً أو ولياً عند قبره فقد اتخذ إلهين اثنين ولم يشهد أن لا إله إلا الله لأن الإله هو: المدعو. كما يفعل المشركون اليوم عند قبر الزبير أو عبد القادر أو غيرهم وكما يفعل قبل هذا عند قبر زيد وغيره.
ومن ذبح لله ألف ضحية ثم ذبح لنبي أو غيره فقد جعل إلهين اثنين وكما قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: ١٦٢]. الآية والنسك: هو الذبح وعلى هذا فقس.
فمن أخلص العبادات لله ولم يشرك فيها غيره فهو الذي شهد: أن لا إله إلا الله، ومن جعل فيها مع الله غيره فهو: المشرك الجاحد لقول لا إله إلا الله وهذا الشرك الذي أذكره اليوم قد طبق مشارق الأرض ومغاربها إلا الغرباء المذكورين في الحديث (وقليل ما هم) وهذه المسألة لا خلاف فيها بين أهل العلم من كل المذاهب (٢). ا. هـ.
وقال ﵀: اعلم -رحمك الله- أن هذه الكلمة هي الفارقة بين الكفر والإسلام وهي كلمة التقوى وهي العروة الوثقى وهي التي جعلها إبراهيم (كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون) وليس المراد: قولها باللسان مع الجهل بمعناها فإن المنافقين يقولونها وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار مع كونهم يصلون ويتصدقون. ولكن المراد قولها مع معرفتها بالقلب ومحبتها ومحبة أهلها، وبغض ما خالفها ومعاداته كما قال النبي، ﷺ ،: "من قال لا إله إلا الله مخلصاً" وفي رواية "خالصاً من قلبه". وفي رواية: "صادقاً من قلبه" وفي حديث آخر
стр. 105
"من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله". إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على جهالة أكثر الناس بهذه الشهادة (١). ا. هـ.
وقال البغوي في قوله الله : (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ...) [البقرة: ١٢٨]. موحدين مطيعين خاضعين لك. ا. هـ.
وقال ابن كثير: قال ابن جرير يعنيان بذلك: واجعلنا مستسلمين لأمرك خاضعين لطاعتك لا نشرك معك في الطاعة أحداً سواك ولا في العبادة غيرك. ا. هـ.
وقال القرطبي في قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ) [آل عمران: ١٩]. الدين في هذه الآية. الطاعة والملة والإسلام بمعنى: الإيمان والطاعات قاله أبو العالية وعليه جمهور المتكلمين. ا. هـ.
وقال البغوي: ... والإسلام: هو الدخول في السلم وهو الانقياد والطاعة، يقال أسلم أي: دخل في السلم واستسلم قال قتادة في قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ). قال: شهادة أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء من عند الله تعالى وهو دين الله الذي شرع لنفسه وبعث به رسله ودل عليه أولياءه ولا يقبل غيره ولا يُجزى إلا به. ا. هـ.
وقال ابن كثير: إخبار من الله بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل جين حتى ختموا بمحمد، ﷺ ، الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد، ﷺ ، فمن لقى الله بعد بعثة محمد، ﷺ ، بدين على غير شريعته فليس بمتقبل كما قال تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) [آل عمران: ٨٥]. ا. هـ.
قلت: فمن هذه الآيات القرآنية والنصوص النبوية مع فهم السلف الصالح لها يظهر -بفضل الله وكرمه ومنّه- أن الإسلام الذي أمرنا الله أن ندين به، وأن نقاتل الناس عليه حتى يدينوا به وأنه الدين المرضي عنده سبحانه دون ما سواه من الأديان وأن دخول الجنة والنجاة من الخلود في النيران مقصور على أهله هو إفراد الله بالتأله والطاعة والعبادة والكفر بكل ما يعبد من دونه مع الانقياد والإذعان له وحده لا شريك له ظاهراً وباطناً وليس هو مجرد النطق بالشهادتين دون الاعتقاد والإيمان بمدلولهما والانخلاع من الشرك إلى التوحيد والتحنف والتزام أحكام الإسلام أي: التزام القبول من الله دون ما سواه.
стр. 106
المبحث الخامس: قبول الأحكام من غير الله شرك في الألوهية والربوبية:
ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ). [الأنعام، آية: ١٢١].
قال الطبري: وأما قوله "إنكم لمشركون" يعني إنكم: إذاً مثلهم، إذ كان هؤلاء يأكلون الميتة استحلالاً فإذا أنتم أكلتموها كذلك فقد صرتم مثلهم مشركين اهـ.
وقال القرطبي: فدلت الآية على أن من استحل شيئاً مما حرمه الله صار به مشركاً وقد حرم الله -سبحانه- الميتة نصاً. فإذا قبل تحليلها من غيره فقد أشرك. قال ابن العربي: إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركاً: إذا أطاعه في الاعتقاد فإن أطاعه في الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص فافهموه. ا. هـ.
وقال ابن كثير وقوله تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ). أي: حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقد متم عليه غيره فهذا هو الشرك كما قال تعالى: (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ). ا. هـ.
قلت: ومن المعلوم أن الشرك هو: اتخاذ إله مع الله وفي هذه الآية لما كان مصدر الاستحلال قبول حكم غير حكم الله أصبح الفاعل مشركاً وقبول حكم غير حكم الله في أية مسألة من المسائل شرك في ألوهية الله لأن الإله: هو الذي يطاع فلا يعصى فيجب أن يفرد المولى -سبحانه- بالطاعة والقبول والولاية.
قال تعالى: (اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ) [الأعراف: ٣].
قال البغوي: أي: لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله -تعالى-. ا. هـ.
وقال القرطبي: الثانية- ... والمعنى: لا تعبدوا معه غيره ولا تتخذوا من عدل عن دين الله ولياً. وكل من رضي مذهباً فأهل ذلك المذهب أولياؤه. ا. هـ.
وقال ابن كثير: (اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ). أي: اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل من رب كل شيء ومليكه (وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء). أي: لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره. ا. هـ.
قلت: هذا هو المقصود بالانقياد وقبول الأحكام أي: يعتقد ويقبل بشمول حاكمية الله
стр. 107
والتشريع لكافة الخلق وأنه تعالى يحكم لا معقب لحكمه وهذا القبول للأحكام يفترض في كل من نطق بالشهادتين.
التصديق والانقياد ركنا الإيمان:
قال ابن تيمية: وهذا موضع زاغ فيه خلق من الخلف: تخيل لهم أن الإيمان ليس في الأصل إلا التصديق ثم يرون مثل إبليس وفرعون ممن لم يصدر عنهم تكذيب، أو صدر عنهم تكذيب باللسان لا بالقلب، وكفره من أغلظ الكفر فيتحيرون ولو أنهم هدوا لما هدى إليه السلف الصالح لعلموا أن الإيمان قول وعمل أعني في الأصل قولاً في القلب وعملاً في القلب. فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته. وكلام الله ورسالته يتضمن إخباره وأوامره فيصدق القلب أخباره تصديقاً يوجب حالاً في القلب بحسب المصدق به. والتصديق هو نوع من العلم والقول، وينقاد لأمره ويستسلم وهذا الانقياد والاستسلام هو من نوع الإرادة والعمل، ولا يكون مؤمناً إلا بمجموع الأمرين. فمتى ترك الانقياد كان مستكبراً فصار من الكافرين وإن كان مصدقاً.
للكفر (١) أعم من التكذيب. يكون تكذيباً وجهلاً، ويكون استكباراً وظلماً، ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب، ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس، وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالاً وهو الجهل.
ألا ترى أن نفراً من اليهود جاءوا إلى النبي وسألوه عن أشياء فأخبرهم فقالوا: نشهد إنك نبي ولم يتبعوه وكذلك هرقل وغيره فلم ينفعهم هذا العلم وهذا التصديق. ألا ترى أن من صدق الرسول بأن ما جاء به هو رسالة الله وقد تضمنت خبراً وأمراً فإنه يحتاج إلى مقام ثان وهو تصديق خبر الله وانقياده لأمر الله فإذا قال: (أشهد أن لا إله إلا الله) فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره (وأشهد أن محمداً رسول الله) تضمنت تصديق الرسول فيما جاء به من عند الله فبمجموع هاتين الشهدتين يتم الإقرار. فلما كان التصديق لا بد منه في كلا الشهادتين وهو الذي يتلقى الرسالة بالقبول ظن من ظن أنه أصل لجميع الإيمان وغفل عن أن الأصل الآخر لا بد منه وهو الانقياد. وإلا فقد يصدق الرسول ظاهراً وباطناً ثم يمتنع
стр. 108
من الانقياد للأمر إذ غايته في تصديق الرسول أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله كإبليس.
وهذا مما يبين لك: أن الاستهزاء بالله أو برسوله ينافي الانقياد له لأنه قد بلغ عن الله أنه أمر بطاعته فصار الانقياد له من تصديقه في خبره فمن لم ينقد لأمره فهو إما مكذب له أو ممتنع عن الانقياد لربه وكلاهما كفر صريح.
ومن استخف به واستهزأ بقلبه امتنع أن يكون منقاداً لأمره، فإن الانقياد: إجلال وإكرام والاستخفاف: إهانة وإذلال. وهذان ضدان فمتى حصل في القلب أحدهما انتفى الآخر. فعلم أن الاستخفاف والاستهانة به ينافي الإيمان منافاة الضد للضد.
عدم قبول الأحكام من الله كفر لا خلاف فيه:
الوجه الثالث: أن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرمه عليه واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه فهذا ليس بكافر. فأما إن اعتقد أن الله لم يحرمه أو أنه حرمه لكن امتنع من قبول هذا التحريم وأبى أن يذعن لله وينقاد فهو إما جاحد أو معاند.
ولهذا قالوا: من عصى الله مستكبراً كإبليس كفر بالاتفاق، ومن عصى الله مشتهياً لم يكفر عند أهل السنة والجماعة وإنما يكفره الخوارج. فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدقاً بأن الله ربه فإن معاندته له ومحادته تنافي هذا التصديق.
وبيان هذا: أن من فعل المحارم مستحلاً لها فهو كافر بالاتفاق فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال: اعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارة: بعدم اعتقاد أن الله حرمها وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية ولخلل في الإيمان بالرسالة ويكون جحداً محضاً غير مبني على مقدمة. وتارة يعلم أن الله حرمها ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم ويعاند المحرم فهذا أشد كفراً ممن قبله وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه. ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الأمر وقدرته فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمرداً أو اتباعاً لغرض النفس وحقيقته كفر وهذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول: أنا لا أقر بذلك ولا ألتزمه وأبغض هذا الحق
стр. 109
وأنفر عنه، فهذا نوع غير النوع الأول وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع بل عقوبته أشد وفي مثله قيل (أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه) وهو إبليس ومن سلك سبيله.
وبهذا يظهر الفرق بين (١) العاصي فإنه يعتقد وجوب ذلك الفعل عليه ويجب أن يفعله لكن الشهوة والنفرة منعته من الموافقة فقد أتى من الإيمان بالتصديق والخضوع والانقياد وذلك قول وقول لكن لم يكمل العمل (٢). ا. هـ.
قلت: فهذا النقل المستفيض بفضل الله -تعالى- فيه كثير من العبر والفوائد الجمة ويستحق أن يقف القارئ وقفة طويلة مع كل لفظة فيه ليتحقق معانيه وفوائده.
وفيه أن الإقرار بالشهادتين يتضمن التصديق والانقياد وهو المقصود بقبول الأحكام أو التصديق الإذعاني، ويلاحظ في كلام الشيخ: أن الزلل والخلط في الأحكام نتيجة عدم ضبط قضية الإيمان. إذ هي ميزان الأحكام وعدم ضبطها يأتي بالتخبط في الأحكام.
لذلك رأيت أن أعرض بمشيئة الله على عجالة قبل أن أختم هذا الباب بعض الضوابط والأصول لهذه القضية وفهم أغوارها لأنها أكبر معين على فهم قضية الأحكام. ولأن العلماء نصوا على أنه لا إسلام لمن لا إيمان له ولا إيمان لمن لا إسلام له.
стр. 110
الفصل الرابع
أركان الإيمان وحدوده
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تلازم الإيمان والإسلام.
المبحث الثاني: العلم والعمل ركنا الإيمان.