الفصل الثاني
الأدلة من السنة المطهرة على عدم تأثير عارض الجهل في الردة
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: حكم الاعتراض على حكم النبي ﷺ .
المبحث الثاني: صفة الخوارج وحكمهم.
المبحث الثالث: التغيظ من الصحابة دلالة على كفر صاحبه.
المبحث الرابع: فرق القدرية وحكمها.
стр. 142
الفصل الثاني
الأدلة من السنة المطهرة على عدم تأثير عارض الجهل في الردة
المبحث الأول: حكم الاعتراض على حكم النبي ﷺ :
الدليل الأول: وأما السنة المطهرة فأذكر أولاً عدة أحاديث مع تعليق مبسط عليها خشية الإطالة.
قال ابن تيمية: (بعد ذكر أحاديث الخوارج): ومن ذلك ما رواه ابن أبي عاصم وأبو الشيخ في الدلائل بإسناد صحيح عن قتادة عن عقبة بن وساج عن ابن عمر قال: أتى رسول الله، ﷺ ، بقليد من ذهب وفضة فقسمه بين أصحابه فقام رجل من أهل البادية فقال يا محمد والله لئن أمرك الله أن تعدل فما أراك تعدل فقال: "ويحك من يعدل عليك بعدي". فلما ولى قال: "ردوه علي رويدا". ومن ذلك قول الأنصاري الذي حاكم الزبير في شراج الحرة لما قال له، ﷺ ، "اسق يا زبير ثم سرح الماء إلى جارك". فقال: أن كان ابن عمتك؟ وحديث الرجل الذي قضى عليه فقال: لا أرضى ثم ذهب إلى أبي بكر ثم إلى عمر فقتله.
ولهذا نظائر في الحديث إذا تتبعت مثل الحديث المعروف عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن أخاه أتى النبي، ﷺ ، فقال: ... إن الناس يزعمون أنك تنهى عن الفيء وتستخل به فقال ﷺ : "لئن كنت أفعل ذلك إنه لعلى وما هو عليهم خلوا له جيرانه" رواه أبو داود بإسناد صحيح.
فهذا وإن كان حكى القذف عن غيره فإنما قصد به انتقاصه وإيذاءه بذلك ولم يحكه على وجه الرد على من قاله. وهذا من أنواع السب.
ومثل حديث ابن إسحاق عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: ابتاع رسول الله، ﷺ ، جزوراً من أعرابي بوسق من تمر الذخيرة فجاء به إلى منزله. فالتمس التمر فلم يجده في البيت قال: فخرج إلى الأعرابي فقال: "يا عبد الله إنا ابتعنا منك جزورك هذا بوسق من تمر
стр. 143
الذخيرة ونحن نرى أنه عندنا فلم نجده". فقال الأعرابي: واغدراه واغدراه فوكزه الناس وقالوا: لرسول الله، ﷺ ، تقول هذا؟ فقال رسول الله، ﷺ ، (دعوه) رواه ابن أبي عاصم وابن حبان في الدلائل.
فهذا الباب كله مما يوجب القتل ويكون به الرجل كافراً منافقاً حلال الدم، كان النبي ﷺ ، وغيره من الأنبياء يعفون ويصفحون عمن قاله امتثالاً لقوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) ..
ويبين ذلك (أي عفوه، ﷺ ، عمن سبّه) ما روى إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثني أبي عن عكرمة عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابياً جاء إلى النبي، ﷺ ، يستعينه في شيء فأعطاه شيئاً ثم قال: "أحسنت لك؟ قال الأعرابي: لا ولا أجملت. قال: فغضب المسلمون وقاموا إليه فأشار إليهم أن كفوا ثم قام فدخل منزله ثم أرسل إلى الأغرابي فدعاه إلى البيت يعني أعطاه فرضي فقال: إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت وفي أنفس المسلمين شيء من ذلك فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك قال: نعم فلما كان الغد أو العشى جاء وقال رسول الله، ﷺ ، إن صاحبكم جاء فسألنا فأعطيناه فقال ما قال وإنا دعوناه إلى البيت فأعطيناه فزعم أنه قد رضى أكذلك؟ قال الأعرابي: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً فقال النبي، ﷺ ، "ألا إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفوراً فناداهم صاحب الناقة خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها فتوجه لها صاحب الناقة بين يديها فأخذ لها من قمام الأرض فجاءت فاستناخت فشد عليها رحلها واستوى عليها وإنى لو تركتكم حين قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار".
ورواه أبو أحمد العسكري بهذا الإسناد قال: جاء أعرابي إلى النبي، ﷺ ، فقال: يا محمد أعطني فإنك لا تعطيني من مالك ولا مال أبيك فأغلظ للنبي، ﷺ ، فوثب إليه أصحابه فقالوا: يا عدو الله تقول هذا لرسول الله، ﷺ ،؟ وذكره بهذا يبين لك: أن قتل ذلك الرجل لأجل قوله ما قال كان جائزاً قبل الاستتابة وأنه صار كافراً بتلك الكلمة ولولا ذلك لما كان يدخل النار إذا قتل على مجرد تلك الكلمة بل كان يدخل الجنة لأنه مظلوم شهيد وكان قاتله دخل النار لأنه قتل مؤمناً متعمداً ولكان النبي، ﷺ ، يبين أن قتله لم يحل لأن سفك الدم بغير حق من أكبر الكبائر
стр. 144
وهذا الأعرابي كان مسلماً، ولهذا قال، ﷺ ، في حقه لفظ (صاحبكم) ولهذا جاء الأعرابي يستعينه. ولو كان كافراً محارباً لما جاء يستعينه في شيء ولو كان النبي، ﷺ ، أعطاه ليسلم لذكر في الحديث أنه أسلم فلم يجر للإسلام ذكر دل على أنه كان ممن دخل في الإسلام وفيه جفاء الأعراب وممن دخل في قوله تعالى: (فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) (١). ا. هـ.
وقال الحافظ معلقاً على حديث (أن كان ابن عمتك).
وإنما لم يعاقب النبي، ﷺ ، صاحب القصة لما كان عليه من تأليف الناس كما قال في حق كثير من المنافقين (لا يتحدث الناس أن محمداً، ﷺ ، يقتل أصحابه).
قال القرطبي: فلو صدر مثل هذا من أحد في حق النبي ﷺ أو في حق شريعته لقتل قتلة زنديق ونقل النووي نحوه عن العلماء والله أعلم (٢) ا. هـ.
وقال ابن القيم -بعد ذكر حكم من سب النبي أنه كفر وردة -فقال: وأما تركه، ﷺ ، قتل من قدح في عدله بقوله: اعدل فإنك لم تعدل، وفي حكمه بقوله: أن كان ابن عمتك، وفي قصده بقوله: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، أو في حكومته بقوله: يقولون إنك تنهى عن الفيء وتستحلى به وغير ذلك.
فذلك أن الحق له فله أن يستوفيه، وله أن يتركه وليس لأمته ترك استيفاء حقه ﷺ (٣) ا. هـ
حكم من تعمد الكذب على النبي ﷺ :
قال ابن تيمية: السنة الثالثة عشرة (٤): ما رويناه من حديث أبي القاسم عبد الله بن محمد البغوي .. أن النبي، ﷺ ، بلغه أن رجلاً قال لقوم: إن النبي، ﷺ ، أمرني أن أحكم فيكم برأيي وفي أموالكم كذا وكذا وكان خطب امرأة منهم في الجاهلية فأبوا أن يزوجوه ثم ذهب حتى نزل على المرأة، فبعث القوم إلى رسول الله، ﷺ ، ففال: كذب عدو الله ثم أرسل
стр. 145
رجلاً فقال: إن وجدته حياً فاقتله وإن أنت وجدته ميتاً فحرقه بالنار، فانطلق فوجده قد لُدغ فمات فحرقه بالنار فعند ذلك قال رسول الله، ﷺ ، "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار". ورواه أبو أحمد بن عدي في كتابه الكامل .. عن ابن بريدة عن أبيه قال: كان حي من بني ليث من المدينة على ميلين وكان رجل قد خطب منهم في الجاهلية فلم يزوجوه، فأتاهم وعليه حلة فقال: إن رسول الله، ﷺ ، كساني هذه الحلة وأمرني أن أحكم في أموالكم ودمائكم ثم انطلق فنزل على تلك المرأة التي كان يحبها فأرسل القوم إلى رسول الله، ﷺ ، فقال كذب: عدو الله ثم أرسل رجلاً فقال: "إن وجدته حياً -وما أراك تجده حياً- فاضرب عنقه وإن وجدته ميتاً فحرقه بالنار" قال: فذلك قول رسول الله، ﷺ ، "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار". هذا إسناد صحيح على شرط الصحيح لا نعلم له علة ... وللناس في هذا الحديث قولان.
أحدهما: الأخذ بظاهره في قتل من تعمد الكذب على رسول الله، ﷺ ، ومن هؤلاء من قال يكفر بذلك قاله جماعة منهم: أبو محمد الجويني حتى قال ابن عقيل عن شيخه.
أبي الفضل الهمداني: مبتدعة الإسلام والكذابون والواضعون للحديث أشد من الملحدين قصدوا إفساد الدين من خارج، وهؤلاء قصدوا إفساده من داخل، فهم كأهل بلد سعوا في فساد أحواله. والملحدون كالمحاصرين من خارج، فالدخلاء يفتحون الحصن. فهم شر على الإسلام من غير الملابسين له.
ووجه هذا القول أن الكذب عليه كذب على الله ولهذا قال: "إن كذباً علي ليس ككذب على أحدكم" فإن ما أمر به الرسول، ﷺ ، فقد أمر الله به يجب اتباعه كوجوب اتباع أمر الله وما أخبر به وجب تصديقه كما يجب تصديق ما أخبر الله به ...
ومعلوم أن من كذب على الله بأن زعم أنه رسول الله أو نبيه أو أخبر عن الله خبراً كذب فيه كمسيلمة والعنسي ونحوهما من المتنئين فإنه كافر حلال الدم، فكذلك من تعمد الكذب على رسوله.
ويبين ذلك أن الكذب بمنزل التكذيب له ولهذا جمع الله بينهما بقوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ) [العنكبوت: ٦٨] بل ربما كان الكاذب عليه أعظم إثماً من المكذب له ولهذا بدأ الله به كما أن الصادق عليه أعظم درجة من المصدق بخبره فإذا كان الكاذب مثل المكذب أو أعظم، والكاذب على الله كالمكذب
стр. 146
له، فالكاذب على الرسول كالمكذب له.
يوضح ذلك أن تكذيبه نوع من الكذب فإن مضمون تكذيبه الإخبار عن خبره أنه ليس بصدق، وذلك إبطال لدين الله، ولا فرق بين تكذيبه في خبر واحد أو في جميع الأخبار، وإنما صار كافراً لما يتضمنه من إبطال رسالة الله ودينه. والكاذب عليه يدخل في دينه ما ليس منه عمداً ويزعم أنه يجب على الأمة التصديق بهذا الحبر وامتثال هذا الأمر لأنه دين الله مع العلم بأنه ليس لله مدين.
والزيادة في الدين كالنقص منه، ولا فرق بين من يكذب بآية من القرآن أو يصنف كلاماً ويزعم أنه سورة من القرآن عامداً لذلك ...
فحاصله أن الرسول، ﷺ ، أكمل البشر في جميع أحواله، فما تركه من القول والفعل فتركه أكمل من فعله، وما فعله ففعله أكمل من تركه، فإذا كذب الرجل عليه متعمداً أو أخبر عنه بما لم يكن فذلك الذي أخبر عنه تقصّ بالنسبة إليه، إذ لو كان كمالاً لوجد منه، ومن انتقص الرسول فقد كفر ....
الأقوال والأعمال أساس إجراء الأحكام:
القول الثاني: إن الكاذب عليه تغلظ عقوبته، لكن لا يكفر، ولا يجوز قتله لأن موجبات الكفر والقتل معلومة، وليس هذا منها، فلا يجوز أن يثبت ما لا أصل له، ومن قال هذا فلا بد أن يقيد قوله بأنه لم يكن الكذب عليه متضمناً لعيب ظاهر. فأما إن أخبر أنه سمعه يقول كلاماً يدل على نقصه وعيبه دلالة ظاهرة مثل حديث عرق الخيل ونحوه من الترهات فهذا مستهزئ به استهزاءً ظاهراً ولا ريب أنه كافر حلال الدم.
وقد أجاب من ذهب إلى هذا القول عن الحديث بأن النبي، ﷺ ، علم أنه كان منافقاً فقتله لذلك لا للكذب.
وهذا الجواب ليس بشيء: لأن النبي، ﷺ ، لم يكن من سننه أن يقتل أحداً من المنافقين الذين أخبر الثقة عنهم بالنفاق أو الذين نزل القرآن بنفاقهم فكيف يقتل رجلاً بمجرد علمه بنفاقه؟ ثم إنه سمي خلفاً من المنافقين لحذيفة وغيره ولم يقتل منهم أحداً.
وأيضاً فالسبب المذكور في الحديث إنما هو كذبه على النبي، ﷺ ، كذباً له فيه غرض وعليه رتب القتل فلا تجوز إضافة القتل إلى سبب آخر.
стр. 147
وأيضاً فإن الرجل إنما قصد بالكذب نيل شهوته ومثل هذا قد يصدر من الفساق كما يصدر من الكفار.
وأيضاً فإما أن يكون نفاقه لهذه الكذبة أو لسبب ماض، فإن كان لهذه فقد ثبت أن الكذب عليه نفاق والمنافق كافر وإذا كان النفاق متقدماً وهو المقتضي للقتل لا غيره فعلام يؤخر الأمر بقتله إلى هذا الحين؟ وعلام لم يؤاخذه الله -تعالى- بذلك النفاق حتى فعل ما فعل؟
وأيضاً فإن القوم أخبروا رسول الله، ﷺ ، بقوله فقال "كذب عدو الله" ثم أمر بقتله إن وجده حياً ثم قال: "ما أراك تجده حياً" لعلمه، ﷺ ، بأن ذنبه يوجب تعجيل العقوبة.
والنبي، ﷺ ، إذا أمر بالقتل أو غيره من العقوبات والكفارات عقب فعل وُصف له صالح لترتيب ذلك الجزاء عليه كان ذلك الفعل هو المقتضي لذلك الجزاء لا غيره، كما أن الأعرابي لما وصف له الجماع في رمضان أمره بالكفارة ولما أقر عنده ماعز والغامدية وغيرهما بالزنا أمر بالرجم وهذا مما لا خلاف فيه بين الناس نعلمه نعم قد يختلفون في نفس الموجب هل هو مجموع تلك الأوصاف أو بعضها وهو نوع من تنقيح المناط فأما أن يُجْعَلَ ذلك الفعل عدم التأثير والموجب لتلك العقوبة غيره الذي لم يذكر وهذا فاسد بالضرورة.
لكن يمكن أن يقال فيه ما هو أقرب من هذا وهو: أن هذا الرجل كذب على النبي، ﷺ ، كذباً يتضمن انتقاصه وعيبه لأنه زعم أن النبي، ﷺ ، حكمه في دمائهم وأموالهم وأذن له أن يبيت حيث شاء من بيوتهم ومقصود بذلك أن يبيت عند تلك المرأة ليفجر بها ولا يمكنهم الإنكار عليه إذا كان محكماً في الدماء والأموال.
ومعلوم أن النبي لم يحلل الحرام ومن زعم أنه أحل المحرمات من الدماء والأموال والفواحش فقد انتقصه وعابه ونسب النبي، ﷺ ، إلى أنه يأذن له أن يبيت عند امرأة أجنبية خالياً بها وأنه يحكم بما شاء في قوم مسلمين وهذا طعن على النبي، ﷺ ، وعيب له، وعلى هذا التقدير فقد أمر بقتل من عابه وطعن عليه من غير استتابة، وهو المقصود في هذا المكان فثبت أن الحديث نص في قتل الطاعن عليه من غير استتابة على كلا القولين.
ومما يؤيد القول الأول أن القوم لو ظهر لهم أن هذا الكلام سب وطعن لبادروا إلى الإنكار عليه ويمكن أن يقال: رابهم أمره فتوقفوا حتى استثبتوا ذلك من النبي، ﷺ ، لما
стр. 148
تعارض وجوب طاعة الرسول وعظم ما أتاهم به هذا اللعين ومن نصر القول الأول قال: كل كذب عليه فإنه متضمن للطعن عليه كما تقدم. ثم إن هذا الرجل لم يذكر في الحديث أنه قصد الطعن والإزراء وإنما قصد تحصيل شهوته بالكذب عليه، وهذا شأن كل من تعمد الكذب عليه، فإنه إنما يقصد تحصيل غرض له إن لم يقصد الاستهزاء به، والأغراض في الغالب إما مال وإما شرف كما أن المسيء إنما يقصد -إذ لم يقصد مجرد الإضلال -إما الرياسة بنفاذ الأمر وحصول التعظيم أو تحصيل الشهوات الظاهرة.
وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر كفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافراً إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله (١). ا. هـ.
مناطات حبوط العمل دون قصد:
قلت: فهذه الأحاديث السالفة لهي خير بيان لمناط قوله تعالى: (أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) [الحجرات: ٢] فمن قدح في عدله، ﷺ ، ظن أن نسبة هذا إلى النبي ﷺ لا يقدح في إيمانه برسالته ولا يوجب الكفر به ولا قصده، وكذلك من قدح في حكمه بقوله: أن كان ابن عمتك، وكذلك من قدح في عدله بقوله: إن هذه القسمة لم يرد بها وجه الله، وكذلك أيضاً قول أحد الأعرابيين، واغدراه وقول الآخر: أعطني فإنك لا تعطيني من مالك ولا مال أبيك. لم يقصدا كفراً ولكن هو من جفاء الأعراب ومع ذلك فكل هذا الباب كما قال ابن تيمية: مما يوجب القتل ويكون الرجل به كافراً منافقاً حلال الدم.
فهؤلاء جميعاً قالوا أقوالاً فحبطت بها أعمالهم دون شعور منهم بهذا، وكذلك الرجل الذي ذهب ليفجر بالمرأة مستنداً في ذلك أمام قومها بأن النبي، ﷺ ، قد كساه حلة وأذن له في أن يحكم في أموالهم ودمائهم برأيه أراد من هذا تحصيل شهوته دون الكفر والاستهزاء ولهذا جاء في بعض الروايات أنه خرج يتوضأ للصلاة فلدغه أفعى. فهو بعد هذا الإحداث ما زال عند نفسه في عداد المسلمين المصلين من أهل القبلة، بيد أنه في حقيقة الأمر كافر منافق حلال الدم حبط عمله وسعيه وهو لا يشعر.
قال ابن تيمية في قوله تعالى: (... أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) ....
стр. 149
فوجه الدلالة: أن الله سبحانه نهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته وعن الجهر له كجهر بعضهم لبعض لأن هذا الرفع والجهر قد يفضي إلى حبوط العمل وصاحبه لا يشعر فإنه علل نهيهم عن الجهر وتركهم له: بطلب سلامة العمل عن الحبوط، وبين أن فيه من المفسدة جواز حبوط العمل وانعقاد سبب ذلك وما قد يفضي إلى حبوط العمل يجب تركه غاية الوجوب. والعمل يحبط بالكفر قال سبحانه: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) [البقرة: ٢١٧]. وقال تعالى: (وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ). [المائدة: ٥]. كما أن الكفر إذا قارنه عمل لا يقبل لقوله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [المائدة: ٢٧]. وقوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) [محمد: ١].
وهذا ظاهر ولا يحبط الأعمال غير الكفر، لأن من مات على الإيمان فإنه لا بد أن يدخل الجنة ويخرج من النار إن دخلها ولو حبط عمله كله لم يدخل الجنة قط، ولأن الأعمال إنما يحبطها ما ينافيها، ولا ينافي الأعمال مطلقاً إلا الكفر وهذا معروف من أصول أهل السنة.
نعم قد يبطل بعض الأعمال بوجود ما يفسده كما قال تعالى: (لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى) [البقرة: ٢٦٤]. ولهذا لم يحبط الله الأعمال في كتابه إلا بالكفر.
فإذا ثبت أن رفع الصوت فوق صوت النبي والجهر له بالقول يخاف منه أن يكفر صاحبه وهو لا يشعر ويحبط عمله بذلك وأنه مظنة لذلك وسبب فيه، فمن المعلوم أن ذلك لما ينبغي له من التعزير والتوفير والتشريف والتعظيم والإكرام والإجلال، ولما أن رفع الصوت قد يشتمل على أذى له واستخفاف به وإن لم يقصد الرافع ذلك، فإذا كان الأذى والاستخفاف الذي يحصل في سوء الأدب من غير قصد صاحبه يكون كفراً فالأذى والاستخفاف المقصود المتعمد كفر بطريق الأولى (١). ا. هـ.
القول على الله بغير علم أساس البدع والشرك:
قلت: وهذه الأحاديث السالفة الذكر والآية الكريمة هي في أهل القبلة فبمن دان واستقام على الإسلام توضح في جلاء بمفهومها ومنطوقها أن العبد قد يتكلم بالكلمة أو
стр. 150
يفعل فعلاً فيحبط عمله كله ويكون كافراً مباح الذم وهو لا يشعر ولهذا ينبغي على العبد أن لا يتكلم بكلمة حتى يعلم معناها ومآلها إلى رضوان من الله أو سخط منه سبحانه ولذلك حرم الله علينا أن نقول عليه ما لا نعلم.
قال ابن القيم: وأما "القول على الله بغير علم" ... فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه ولا أشد إثماً، وهو أصل الشرك والكفر وعليه أمست البدع والضلالات فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم ...
وأصل الشرك والكفر: هو القول على الله بلا علم. فإن المشرك يزعم أن من اتخذه معبوداً من دون الله يقربه إلى الله، ويشفع له عنده ويقضي حاجته بواسطته كما تكون الوسائط عند الملوك. فكل مشرك قائل على الله بلا علم دون العكس. إذ القول على الله بلا علم قد يتضمن التعطيل والابتداع في دين الله فهو أعم من الشرك، والشرك فرد من أفراده ....
فذنوب أهل البدع كلها داخلة تحت هذا الجنس فلا تتحقق التوبة منه إلا بالتوبة من البدع، وأنى بالتوبة منها. لمن لم يعلم أنها بدعة أو يظنها سنة فهو يدعو إليها ويحض عليها، فلا تنكشف لهذا ذنوبه التي تجب عليه التوبة منها إلا بتضلعه من السنة وكثرة اطلاعه عليها ودوام البحث عنها والتفتيش عليها ولا ترى صاحب بدعة كذلك أبداً (١). ا. هـ.
وأخرج البخاري في صحيحه ... عن أبي هريرة سمع رسول الله، ﷺ ، يقول: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق" ... وعن أبي هريرة عن النبي، ﷺ ، قال: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم"
قال الحافظ: قوله (ما يتبين ما فيها) أي: لا يتطلب معناها أي: لا يثبتها بفكره ولا يتأملها حتى يتثبت فيها فلا يقولها إلا أن ظهرت المصلحة في القول .. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: هي الكلمة التي لا يعرف القائل حسنها من قبحها قال: فيحرم على الإنسان أن يتكلم بما لا يعرف حسنه من قبحه، قلت: وهذا الذي يجري على قاعدة مقدمة
стр. 151
الواجب. وقال النووي: في هذا الحديث حث على حفظ اللسان فينبغي لمن أراد أن ينطق أن يتدبر ما يقول قبل أن ينطق فإن ظهرت فيه مصلحة تكلم وإلا أمسك ...
قوله (لا يلقي لها بالاً) بالقاف في جميع الروايات أي: لا يتأملها بخاطره ولا يتفكر بخاطره ولا يتفكر في عاقبتها ولا يظن أنها تؤثر شيئاً وهو من نحو قوله تعالى: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ).
وقد وقع في حديث بلال بن الحارث المزني الذي أخرجه مالك وأصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم بلفظ "إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة". وقال في السخط مثل ذلك .... وأخرج الترمذي هذا الحديث من طريق محمد بن إسحاق قال: "حدثني محمد بن إبراهيم التيمي" بلفظ "لا يرى بها بأساً يهوي بها في النار سبعين خريفاً" (١). ا. هـ.
قلت: مما سبق يعلم أنه ينبغي ويجب على العبد أن يتفحص معنى الكلمة ومآلها وأن يفر من الكلمة التي لا يعرف حسنها من قبحها ولنا جميعاً العبرة والعظة في الرجل الذي كان مجتهداً في عبادة الله ثم قال كلمة أوبقت دنياه وآخرته.
قال صاحب كتاب الأحاديث القدسية أخرج أبو داود بسنده قال أبو هريرة ﵁ سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "كان رجلان من بني إسرائيل متواخيين فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول له: أقصر، فقال: خلّني وربي، أبعث علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة. فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين، فقال (أي الله) لهذا المجتهد: أكنت عالماً بي؟ أو كنت على ما في يدي قادراً؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار". (قلت وأصله في صحيح مسلم) قال أبو هريرة والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.
قال الشارح: أوبقت دنياه فأحبطت أعماله الصالحة التي كان يجتهد فيها لكفره بذلك قال تعالى: (وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ...). وأوبقت آخرته فلم تبق لأعماله ثواباً ولا أجراً لذلك استحق أن يقال فيه (اذهبوا به إلى النار).
стр. 152
ويحتمل كما قال النووي: أن المراد اذهبوا به إلى النار مخلداً إذا كان قد صدر منه ولو بقلبه ما يكون كفراً، ويحتمل: أن المراد اذهبوا به إلى النار يعذب فيها عذاب عصاة المؤمنين تطهيراً لهم من ذنوبهم التي ارتكبوها لأن هذا اقترف إثماً عظيماً وهو حكمه جازماً بأن الله -تعالى- لن يغفر لأخيه العاصي ولا يدخله الجنة (١). ا. هـ.
قلت: فهذا العبد المجتهد في العبادة الذي يحب المعروف ويبغض المنكر ومن بغضه له أنكره ولم يبال بعلاقته بأخيه أن تتأثر المهم عنده الانتصار لحق الله غير أنه نطق بكلمة لم يدر كم بلغت من سخط الله ما بلغت أوبقت عليه دنياه وآخرته فهل بعد هذه العظة من عظة وهل بعد هذه العبرة من عبره.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يحفظني والمسلمين من كلمة السوء وأن يختم لنا جميعاً بحسن العاقبة آمين.
المبحث الثاني: صفة الخوارج وحكمهم .
الدليل الثاني: حديث الخوارج قال ابن تيمية قال الإمام أحمد: صح الحديث في الخوارج من عشرة، أوجه وهذه العشرة أخرجها مسلم في صحيحه موافقة لأحمد وروى البخاري منها عدة أوجه وروى أحاديثهم أهل السنن والمسانيد من وجوه أخر (٢). ا. هـ.
أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سلمة وعطاء بن يسار أنهما أتيا أبا سعيد الخدري فسألاه عن الحرورية هل سمعت رسول الله، ﷺ ، يذكرها؟ قال: لا أدري من الحرورية ولكني سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: يخرج في هذه الأمة "ولم يقل منها" قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم فيقرءون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء ...
وعن أبي سعيد الخدري قال: بينا نحن عند رسول الله، ﷺ ، وهو يقسم قسماً. أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله، ﷺ ، اعدل قال رسول الله، ﷺ ، "ويلك من يعدل إن لم أعدل قد خبت وخسرت إن لم أعدل". فقال عمر بن
стр. 153
الخطاب ﵁ يا رسول الله- ﷺ ائذن لي فيه أضرب عنقه قال رسول الله ﷺ : "دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته في صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء "وهو القدح" ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء سبق الفرث والدم .. " وفي رواية "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" وفي رواية "يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية". وفي رواية "يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه هم شر الخلق والخليقة" (١).
"يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم". قال النووي: قال القاضي فيه تأويلان أحدهما معناه: لا تفقهه قلوبهم ولا ينتفعون بما تلوا منه ولا لهم حظ سوى تلاوة الفم والحنجرة والحلق إذ بهما تقطيع الحروف. والثاني معناه: لا يصعد لهم عمل ولا تلاوة ولا يتقبل (٢) ا. هـ.
وفي صحيح البخاري: باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم وقول الله -تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ). وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين.
عن علي ﵁ قال: إذا حدثتكم عن رسول الله، ﷺ ، حديثاً فو الله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة وإني سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين
стр. 154
كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة" (١). ا. هـ.
آفة الخوارج والتأويل الفاسد:
قال الحافظ (٢): وكان يقال لهم القراء لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة إلا أنهم كانوا يتأولون القرآن على غير المراد منه ويستمدون برأيهم ويتنطعون في الزهد والخشوع وغير ذلك ...
وقال في ص: ٢٩٨: وقال الغزالي في الوسيط تبعاً لغيره في حكم الخوارج وجهان: أحدهما أنه كحكم أهل الردة، والثاني: أنه كحكم أهل البغي، ورجح الرافعي الأول ... قوله (وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله الخ) وصله الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج أنه سأل نافعاً كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية؟ قال: كان يراهم شرار خلق الله انطلقوا إلى آيات الكفار فجعلوها في المؤمنين، قلت وسنده صحيح، وقد ثبت في الحديث الصحيح المرفوع عند مسلم من حديث أبي ذر في وصف الخوارج: "هم شرار الخلق والخليقة". وعند أحمد بسند جيد عن أنس مرفوعاً مثله وعند البزار من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: ذكر رسول الله، ﷺ ، الخوارج فقال: هم شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي". وسنده حسن وعند الطبراني من هذا الوجه مرفوعاً "هم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة" وفي حديث أبي سعيد عند أحمد "هم شر البرية". وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع عن علي عند مسلم "من أبغض خلق الله إليه" وفي حديث عبد الله بن خباب يعني عن أبيه عند الطبراني "شر قتلى أظلتهم السماء وأقلتهم الأرض". وفي حديث أبي أمامة نحوه وعند أحمد وابن أبي شيبة من حديث أبي برزة مرفوعاً في ذكر الخوارج "شر الخلق والخليقة يقولها ثلاثا" وعبد ابن أبي شيبة من طريق عمير بن إسحاق عن أبي هريرة" هم شر الخلق" وهذا مما يؤيد قول من قال بكفرهم.
стр. 155
قوله: "يمرقون من الدين" في رواية أبي إسحاق عن سويد بن غفلة عند النسائي والطبري "يمرقون من الإسلام" وكذا في حديث ابن عمر في الباب، وفي رواية زيد بن وهب المشار إليها وحديث أبي بكرة في الطبري وعند النسائي من رواية طارق بن زياد عن علي "يمرقون من الحق" وفيه تعقب على من فسر الدين هنا بالطاعة كما تقدمت الإشارة إليه في علامات النبوة ....
قوله (يخرج في هذه الأمة ولم يقل منها) لم تختلف الطرق الصحيحة على أبي سعيد في ذلك فعند مسلم من رواية أبي نضرة عن أبي سعيد "أن النبي، ﷺ ، ذكر قوماً يكونون في أمته، وله من وجه آخر "تمرق عند فرقة مارقة من المسلمين" وله من رواية الضحاك المشرقي عن أبي سعيد نحوه وأما ما أخرجه الطبري من وجه آخر عن أبي سعيد بلفظ "من أمتي" فسنده ضعيف. لكن وقع عند مسلم من حديث أبي ذر بلفظ "سيكون بعدي من أمتي قوم" وله من طريق زيد بن وهب عن علي "يخرج قوم من أمتي" ويجمع بينه وبين حديث أبي سعيد بأن المراد بالأمة في حديث أبي سعيد أمة الإجابة (١) وفي رواية غيره أمة الدعوة (٢). قال النووي: وفيه دلالة على فقه الصحابة وتحريرهم الألفاظ، وفيه إشارة من أبي سعيد إلى تكفير الخوارج وأنهم من غير هذه الأمة ...
قوله "تحقرون" بفتح أوله أي: تستقلون.
قوله "صلاتكم مع صلاتهم" زاد في رواية الزهري عن أبي سلمة كما في الباب بعده "وصيامكم مع صيامهم" وفي رواية عاصم بن شميخ عن أبي سعيد "تحقرون أعمالكم مع أعمالهم" ووصف عاصم أصحاب نجدة الحروري بأنهم "يصومون النهار ويقومون الليل ويأخذون الصدقات على السنة" أخرجه الطبري ومثله عنده من رواية يحي بن أبي كثير عن أبي سلمة. وفي رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنده "يتعبدون يحفر أحدكم صلاته وصيامه مع صلاتهم وصيامهم". ومثله من رواية أنس عن أبي سعيد، وزاد في رواية الأسود ابن العلاء عن أبي سلمة: "وأعمالكم مع أعمالهم". وفي رواية سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب عن علي "ليست قراءتكم إلى قراءتهم شيئاً ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئاً".
стр. 156
أخرجه مسلم والطبراني ... وفي حديث ابن عباس عند الطبراني في قصة مناظرته للخوارج قال: "فأتيتهم فدخلت على قوم لم أر أشد اجتهاداً منهم أيديهم كأنها ثفن الإبل ووجوههم معلمة من آثار السجود" وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه ذكر "عنده الخوارج واجتهادهم في العبادة فقال: ليسوا أشد اجتهاداً من الرهبان".
سرعة مروق الخوارج من هذا الدين:
ص: ٣٠٧ قوله: (من الرمية). في رواية معبد بن سيرين عن أبي سعيد الآتية في آخر كتاب التوحيد "لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه" والرمية: فعيلة من الرمي والمراد: الغزالة المرمية مثلاً. ووقع في حديث عبد الله بن عمرو من رواية مقسم عنه "فإنه سيكون لهذا شيعة يتعمقون في الدين يمرقون منه" الحديث أي: يخرجون من الإسلام بغتة كخروج السهم إذا رماه رام قوي الساعد فأصاب ما رماه فنفذ منه بسرعة بحيث لا يعلق بالسهم ولا بشيء منه من المرمى شيء فإذا التمس الرامي سهمه وجده ولم يجد الذي رماه فينظر في السهم ليعرف هل أصاب أو أخطأ فإذا لم يره علق فيه شيء من الدم ولا غيره ظن أنه لم يصبه والغرض أنه أصابه. وإلى ذلك أشار بقوله "سبق الفرث والدم" أي: جاوزهما ولم يتعلق فيه منهما شيء بل خرجا بعده وقد تقدم شرح القذذ في علامات النبوة. ووقع في رواية أبي نضرة عن أبي سعيد عند مسلم فضرب النبي، ﷺ ، لهم مثلاً الرجل يرمي الرمية، الحديث.
وفي رواية أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد عند الطبري "مثلهم كمثل رجل رمى رمية فتوخى السهم حيث وقع فأخذه فنظر إلى فوقه فلم ير به دسماً ولا دماً". لم يتعلق به شيء من الدسم والدم، كذلك هؤلاء لم يتعلقوا بشيء من الإسلام. وعنده في رواية عاصم بن شمخ المعجمة وسكون الميم بعدها معجمة بعد قوله من الرمية "يذهب السهم فينظر في النصل فلا يرى شيئاً من الفرث والدم" الحديث وفيه "يتركون الإسلام وراء ظهورهم". وجعل يديه وراء ظهره وفي رواية أبي إسحاق مولى بني هاشم عن أبي سعيد في آخر الحديث "لا يتعلقون من الدين بشيء كما لا يتعلق بذلك السهم". أخرجه الطبري وفي حديث أنس عن أبي سعيد عند أحمد وأبي داود والطبري "لا يرجعون إلى الإسلام حتى يرتد السهم إلى فوقه". وجاء عن ابن عباس عند الطبري وأوله في ابن ماجة بسياق أوضح
стр. 157
من هذا ولفظه "سيخرج قوم من الإسلام خروج السهم من الرمية عرضت للرجال فرموها فانمرق سهم أحدهم منها فخرج فأتاه فنظر إليه فإذا هو لم يتعلق بنصله من الدم شيء ثم نظر إلى القذذ فلم يره تعلق من الدم بشيء فقال: إن كنت أصبت فإن بالريش والفوق شيئاً من الدم فنظر فلم ير شيئاً تعلق بالريش والفوق قال. كذلك يخرجون من الإسلام". وفي رواية بلال بن بقطر عن أبي بكرة "يأتيهم الشيطان من قبل دينهم". وللحميدي وابن أبي عمر في مسنديهما من طريق أبي بكر مولى الأنصار عن علي "إن ناساً يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه أبداً".
ص: ٣١٢ قوله (قال فنزلت فيه) في رواية السرخسي (فيهم).
قوله: (وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ) ... وله شاهد من حديث ابن مسعود قال: "لما قسم رسول الله، ﷺ ، غنائم حنين سمعت رجلاً يقول إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله". قال فنزلت: (وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ). أخرجه ابن مردويه .. وذلك فيما أخرجه أحمد بسند جيد عن أبي سعيد قال: "جاء أبو بكر إلى رسول الله، ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ﷺ ، إني مررت بواد كذا فإذا رجل حسن الهيئة متخشع يصلي فيه فقال: "إذهب إليه فاقتله قال فذهب إليه أبو بكر فلما رآه يصلي كره أن يقتله فرجع فقال النبي، ﷺ ، لعمر إذهب إليه فاقتله فذهب فراه على تلك الحالة فرجع فقال: يا علي إذهب إليه فاقتله، فذهب علي فلم يره فقال النبي، ﷺ ، إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه فاقتلوهم هم شر البرية". وله شاهد من حديث جابر أخرجه أبو يعلى ورجاله ثقات ...
حكم الخوارج:
قال (أي الطبري) وفيه أنه لا يجوز قتال الخوارج وقتلهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم بدعائهم إلى الرجوع إلى الحق والإعذار إليهم. وإلى ذلك أشار البخاري في الترجمة بالآية المذكورة فيها، واستدل به لمن قال بتكفير الخوارج، وهو مقتضى صنيع البخاري حيث قرنهم بالملحدين وأفرد عنهم المتأولين بترجمة وبذلك صرح القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي فقال: الصحيح أنهم كفار لقول النبي، ﷺ ،: "يمرقون من الإسلام" ولقوله: "لأقتلنهم قتل عاد". وفي لفظ "ثمود" وكل منهما إنما هلك بالكفر وبقوله هم "شر
стр. 158
الخلق" ولا يوصف بذلك إلا الكفار ولقوله "إنهم أبغض الخلق إلى الله تعالى" ولحكمهم على كل من خالف معتقدهم بالكفر والتخليد في النار فكانوا هم أحق بالاسم منهم. وممن جنح إلى ذلك من أئمة المتأخرين الشيخ تقي الدين السبكي فقال في فتاويه: احتج من كفر الخوارج وعلاة الروافض بتكفيرهم أعلام الصخابة لتضمنه تكذيب النبي، ﷺ ، في شهادته لهم بالجنة، قال: وهو عندي احتجاج صحيح قال: واحتج من لم يكفرهم بأن الحكم بتكفيرهم يستدعي تقدم علمهم بالشهادة المذكورة علماً قطعياً، وفيه نظر لأنا نعلم تزكية من كفروه علماً قطعياً إلى حين موته وذلك كاف في اعتقادنا تكفير من كفرهم، ويؤيده حديث: "من قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما". وفي لفظ مسلم: "من رمى مسلماً بالكفر أو قال عدو الله إلا حاد عليه".
قال وهؤلاء قد تحقق منهم أنهم يرمون جماعة بالكفر ممن حصل عندنا القطع بإيمانهم فيجب أن يحكم بكفرهم بمقتضى خير الشارع، وهو نحو ما قالوه فيمن سجد للصنم ونحوه ممن لا تصريح بالجحود فيه بعد أن فسروا الكفر بالجحود فإن احتجوا بقيام الإجماع على تكفير فاعل ذلك قلنا وهذه الأخبار الواردة في حق هؤلاء تقتضي كفرهم ولو لم يعتقدوا تزكية من كفروه علماً قطعياً، ولا ينجيهم اعتقاد الإسلام إجمالا والعمل بالواجبات عن الحكم بكفرهم كما لا ينجي الساجد للصنم ذلك.
دلالة الحديث على عدم اعتبار القصد في الردة:
قال الحافظ: وممن جنح إلى بعض هذا البحث الطبري في تهذيبه، فقال بعد أن سرد أحاديث الباب: فيه الرد على قول من قال لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالماً فإنه مبطل لقوله في الحديث "يقولون الحق ويقرءون القرآن ويمرقون من الإسلام ولا يتعلقون منه بشيء". ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا بخطأ منهم فيما تأولوه من آي القرآن على غير المراد منه. ثم أخرج بسند صحيح عن ابن عباس وذكر عنده الخوارج وما يلقون عند قراءة القرآن فقال: يؤمنون بمحكمه ويهلكون عند متشابهه. ويؤيد القول المذكور الأمر بقتلهم مع ما تقدم من حديث ابن مسعود: "لا يحل قتل امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث -وفيه- التارك لدينه، المفارق للجماعة". قال القرطبي في "المفهم" يؤيد القول بتكفيرهم التمثيل المذكور في حديث أبي سعيد يعني الآتي في الباب الذي يليه فإن ظاهر مقصوده أنهم
стр. 159
خرجوا من الإسلام ولم يتعلقوا منه بشيء كما خرج السهم من الرمية لسرعته وقوة راميه بحيث لم يتعلق من الرمية بشيء، وقد أشار إلى ذلك بقوله "سبق الفرث الدم". وقال صاحب الشفاء فيه: وكذا تقطع بكفر كل من قال قولاً يتوصل به إلى تضليل الأمة أو تكفير الصحابة، وحكاه صاحب "الروضة" في كتاب الردة عنه وأقره. وذهب أكثر أهل الأصول من أهل السنة إلى أن الخوارج فساق وأن حكم الإسلام يجري عليهم لتلفظهم بالشهادتين ومواظبتهم على أركان الإسلام، وإنما فسقوا بتكفيرهم المسلمين مستندين إلى تأويل فاسد وجرهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم وأموالهم والشهادة عليهم بالكفر والشرك. وقال الخطابي: أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين وأجازوا مناكحتهم وأكل ذبائحهم وأنهم لا يكفرون ما داموا مستمسكين بأصل الإسلام.
وقال عياض: كادت هذه المسألة تكون أشد إشكالاً عند المتكلمين من غيرها حتى سأل الفقيه عبد الحق الإمام أبا المعالي عنها فاعتذر بأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم عنها عظيم في الدين، قال: وقد توقف قبله القاضي أبو بكر الباقلاني وقال: لم يصرح القوم بالكفر وإنما قالوا أقوالاً تؤدي إلى الكفر. وقال الغزالي في كتاب "التفرقة بين الإيمان والزندقة" والذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلاً فإن استباحة دماء المصلين المقرين بالتوحيد خطأ والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد. ومما احتج به من لم يكفرهم قوله في ثالث أحاديث الباب بعد وصفهم بالمروق من الدين (كمروق السهم فينظر الرامي إلى سهمه) إلى أن قال "فيتمارى في الفوقة هل علق بها شيء" قال ابن بطال: ذهب جمهور العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين عن جملة المسلمين لقوله (يتمارى في الفوق) لأن التماري من الشك وإذ وقع الشك في ذلك لم يقطع عليهم بالخروج من الإسلام، لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يخرج منه إلا بيقين قال: وقد سئل علي عن أهل النهر هل كفروا؟ فقال: من الكفر فروا. قلت: وهذا إن ثبت عن علي حمل على أنه لم يكن اطلع على معتقدهم الذي أوجب تفكيرهم عند من كفرهم، وفي احتجاجه بقوله "يتمارى في الفوق" نظر فإن في بعض طرق الحديث المذكور كما تقدمت الإشارة إليه وكما سيأتي "لم يعلق منه بشيء" وفي بعضها "سبق الفرث والدم" وطريق الجمع بينهما أنه تردد هل في الفوق شيء أولا ثم تحقق أنه لم يعلق بالسهم ولا بشيء منه
стр. 160
من الرمي بشيء، ويمكن أن يحمل الاختلاف فيه على اختلاف أشخاص منهم، ويكون في قوله "يتمارى" إشارة إلى أن بعضهم قد يبقى معه من الإسلام شيء.
قال القرطبي في "المفهم" والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث قال: فعلى القول بتكفيرهم يقاتلون ويقتلون وتسبى أموالهم وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج وعلى القول بعدم تكفيرهم يسلك بهم مسلك أهل البغي إذا شقوا العصا ونصبوا الحرب فأما من استسر منهم ببدعة فإذا ظهر عليه هل يقتل بعد الاستتابة أو لا يقتل بل يجتهد في رد بدعته؟ اختلف فيه بحسب الاختلاف في تكفيرهم. قال: وباب التكفير باب خطر ولا نعدل بالسلامة شيئاً ...
وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه ومن غير أن يختار ديناً على دين الإسلام وأن الخوارج شر الفرق المبتدعة من الأمة المحمدية ومن اليهود والنصارى. قلت: والأخير مبني على القول بتكفيرهم مطلقاً (١). ا. هـ.
قلت: فهذا النص القطعي الثبوت القوي الدلالة في أناس من الأمة شديدي الاجتهاد في العبادة وصلوا لدرجة إذا صلى الصحابي بجوار أحدهم حقر صلاته مع صلاته وقراءته مع قراءته وصيامه مع صيامه. يقولون: من خير قول البرية بل هم القراء المجاهدون الذين كانوا يجاهدون مع علي ﵁ في سبيل الله وهم مع هذه الحالة العظيمة من العبادة يقرءون القرآن يحسبونه لهم وهو عليهم بل وقعوا في أمر جلل جد خطير وآفتهم الجهل والتأويل الفاسد غير المستساغ.
قال ابن كثير في حقهم: "قلت: وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم فسبحان من نوع خلقه كما أراد وسبق في قدره العظيم. وما أحسن ما قال بعض السلف في الخوارج: أنهم المذكورون في قوله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً -إلى قوله- فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً).
والمقصود أن هؤلاء الجهلة الضلال والأشقياء في الأقوال والأفعال ....
فخرجوا (أي لمحاربة المسلمين) من بين الآباء والأمهات والأخوال والخالات وفارقوا
стр. 161
سائر القرابات يعتقدون بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم أن هذا الأمر يرضي رب الأرض والسموات، ولم يعلموا أنه من أكبر الكبائر الموبقات والعظائم والخطيئات وأنه مما زينه لهم إبليس الشيطان الرجيم المطرود عن السموات الذي نصب العداوة لأبينا آدم ثم لذريته ما دامت أرواحهم في أجسادهم مترددات والله المسئول أن يعصمنا منه بحوله وقوته إنه مجيب الدعوات. وقد تدارك جماعة من الناس بعض أولادهم وإخوانهم فردوهم وأنبوهم ووبخوهم فمنهم من استمر على الاستقامة ومنهم من فر بعد ذلك فلحق بالخوارج، فخسر إلى يوم القيامة، وذهب الباقون إلى ذلك الموضع ووافى إليه من كانوا كتبوا إليه من أهل البصرة وغيرها واجتمع الجميع بالنهروان وصارت لهم شوكة ومنعة وهم جند مستقلون وفيهم شجاعة وعندهم أنهم متقربون بذلك، فهم لا يصطلى لهم بنار، ولا يطمع في أن يؤخذ منهم بثأر، والله المستعان (١). ا. هـ
قلت: فتلك نصوص العلماء تقرر: أن ما أوقعهم في هذه الموبقات إلا الجهل والخطأ في تأويل آي القرآن على غير المراد منه وهم مع هذا يظنون أنهم حملته ورافعوا لواءه ويقاتلون في زعمهم: الخارجين المرتدين عن حاكمية القرآن وقدموا أرواحهم ودماءهم وأموالهم فدية وقرباناً لهذا الاعتقاد وصدق رسول الله، ﷺ ، في وصفهم: "يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم". وجاءت الروايات الصحيحة الصريحة في خروجهم من الإسلام مع عدم تعلقهم بشيء منه كخروج السهم المنطلق لسرعة راميه من الرمية لم يتعلق منها بشيء، سبق الفرث والدم، فالأمة قاطبة اجتمعت على ضلالهم وذمهم واختلفوا في تكفيرهم.
قال ابن تيمية: فإن الأمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم، وإنما تنازعوا في تكفيرهم على قولين مشهورين: في مذهب مالك وأحمد وفي مذهب الشافعي أيضاً نزاع في كفرهم (٢). ا. هـ.
стр. 162
الأدلة على كفر الخوارج:
قلت: وقد قطع كثير من أئمة المحققين بكفرهم كأمثال إمام المحدثين البخاري وشيخ المفسرين الطبري والسبكي وأبي بكر بن العربي والرافعي وقال القرطبي: إن القول بتكفيرهم أظهر في الحديث وظاهر الرواية عن أبي سعيد أنه يرى كفرهم، وهو قول مشهور في مذهب مالك وأحمد والشافعي ودلالة النصوص تؤيد هذا القول وتنصره والفريق الآخر من العلماء لا حجة له إلا تأويل النصوص وما من حجة لهم في هذا التأويل إلا وظواهر النصوص تأباها وتردها ويلاحظ أن هذا الفريق من العلماء علل عدم كفرهم لأنهم مستمسكون: بأصل الإسلام كأبي سليمان الخطابي لأن نقض أصل الدين لا خلاف في خروج صاحبه من الدين لأن حكم الإسلام ثبت له بافتراض وجوده "أي: أصل الدين" لديه فإذا نقضه حكم بردته بلا خلاف وقد تقدم هذا من قبل -بفضل الله وعونه-.
وقد استدل العلماء في هذا المقام بقول النبي، ﷺ ،: "يتمارون في الفوق". وأجاب الحافظ على هذا: بأنه جاءت روايات أخرى تقول لم يتعلق منه بشيء، و "سبق الفرث والدم" ويجمع بينهما أنه كان في بادئ الأمر وجد التماري لكن بعد تدقيق النظر تيقن الناظر بأنه لم يعلق بشيء.
وكذلك استدلوا ببعض الروايات التي جاء فيها "من هذه الأمة" وأجاب الحافظ: أن رواية (في هذه الأمة) يقصد بها: أمة الإجابة ورواية (من هذه الأمة) المقصود بها: أمة الدعوة أو أن يكون (من هذه الأمة) باعتبار ما سبق.
وكذلك تأويل العلماء لقول النبي، ﷺ ، "يمرقون من الإسلام" أن المقصود به الطاعة للإمام. فهذا التأويل ترده رواية (يمرقون من الدين).
وكذلك احتجاجهم بقول علي ﵁ عندما سُئل عن الخوارج فقال هم من الكفر فروا.
فالجواب كما قال الحافظ: إنه إن ثبت هذا عن علي فيحمل على أنه لم يطلع على كفرهم. أو أنه قال هذا في بادئ أمرهم وقبل أن يكفروا الأمة بأسرها.
والتأويل لا يصح إلا بصارف أو قرينة تخرجنا عن المعنى الظاهري للنص وليس ثمّ صارف في الروايات بل قد جاءت تثبت وتؤكد المعنى الظاهر كقوله، ﷺ ،: "يخرج في
стр. 163
هذه الأمة، و "يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية" و "سبق الفرث الدم" و "يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم". ومعلوم أن القرآن حجة للمسلمين لا عليهم، والصلاة لا تقبل من الكفار، أو لتخلف شرط من شروطها، أو ركن، أو فعل ناقض وليس ثم من ذلك شيء فلم يبق إلا الكفر وقوله، ﷺ ، "يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه". ومعلوم أنهم لو كانوا فيه فما المقصود بقوله، ﷺ ، ثم لا يعودون فيه؟! وقوله: "لا يجاوز إيمانهم حناجرهم". فهذا نص في أن القلب عري عن الإيمان ومعلوم أن إيمان القلب شرط في صحة الإسلام لا يُنتفع إلا به للنجاة من عذاب الدنيا والآخرة. وقوله، ﷺ ،: "هم شر الخلق والخليقة" و "شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي" و "شر البرية" و "من أبغض خلق الله إليه" و "شر قتلى أظلتهم السماء وأقلتهم الأرض".
فإن هذه الروايات ظاهرة بينة في كفرهم فكونهم شر خلق الله ومن أبغض خلق الله إليه وشر قتلى أظلتهم السماء وأقلتهم الأرض فمن المعلوم بيقين أن هذه الصفة لا تكون إلا للكافرين.
فإن قيل إن هذه الروايات مطلقة وتحمل على مقيداتها من الروايات التي تقول "شرار أمتي" فتحمل على أنهم شرار المسلمين أقول وبالله التوفيق.
إنه من المعلوم بالاضطرار من الشريعة أن جماعات من الأمة وقعت في الشرك والردة والرجوع إلى دين الآباء وهم المعنيون بقوله تعالى: (أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ). وقوله تعالى: (لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ). وقوله: (لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ). وكذلك الحديث الذي في البخاري "لا تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوس على ذي الخلصة" (١). قال الحافظ والمسلم وأحمد من حديث ثوبان: ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان" (٢) ا. هـ.
وهذا الحديث مما يؤكد صحة جمع الحافظ ﵀ بين روايتين "من هذه الأمة" و "في هذه الأمة" أن رواية "من هذه الأمة" تطلق وإما يراد بها باعتبار ما قد سلف أو أنهم من
стр. 164
أمة الدعوة وليسوا من أمة الإجابة لأن النبي، ﷺ ، قال: "حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين". فهم من الأمة أي: "أمة الإجابة" قبل لحوقهم وليسوا منها بعد اللحوق، وهم من: أمة الدعوة قبل وبعد اللحوق، وكذلك أيضاً ما وقع من ردة في العرب بعد موت النبي ﷺ .
فمما تقدم نعلم بيقين أن من الأمة من ارتكست وارتدت عن دينها ولحقت بالمشركين، فكون الخوارج شرار الأمة وأبغضهم إلى الله يدل أيضاً على كفرهم.
وقوله، ﷺ ، "لأقتلنهم قتل عاد" وفي رواية "ثمود" وكل منهما مات وهلك على الكفر ومن أجله، وقوله ﷺ : "لا يرجعون إلى الإسلام حتى يرتد السهم إلى فوقه".
وقول راوي الحديث فنزلت "فيه" وفي رواية السرخسي "فيهم" (وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ). ومن المعلوم أن هذا المعترض المأبون على قسمة النبي، ﷺ ، ارتد بذلك والآية نزلت فيه عيناً وفي شيعته لأنهم من جنسه في الكفر ولذلك جاءت الرواية التي رواها السرخسي "فيهم" فيا له من فقه أبي سعيد ﵁ وهذا مما يؤكد أنه كان يرى كفرهم لإدخاله إياهم تحت حكم الآية لإستواءهم مع أصل خروجهم ذي الخويصرة في الكفر والردة.
ويدل على هذا ما رواه الإمام أحمد وأبو داود عنه (١) " .... فرأيت (٢) أبا سعيد بعد ما كبر ويديه ترتعش، ويقول: قتالهم عندي أحل من قتال عدتهم من الترك" (٣).
وكذلك أيضاً يؤيد كفرهم المثل المضروب لهم من مروق السهم من الرمية لسرعة راميه دون التعلق منها بشيء في أي جزء من أجزائه بل سبق الفرث والدم وكذلك هم يمرقون من الدين دون التعلق منه بشيء ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه.
علة تكفير الخوارج:
وآفة القوم التي أوقعتهم في الكفر وعلة ذلك هي: -والله تعالى أعلم- تكفيرهم للصحابة
стр. 165
لأن هذا يقتضي الطعن فيما نقلوه من القرآن والسنة فإن الفاسق شهادته مردودة فما بالنا بالكافر.
قال أبو بكر بن العربي في قوله تعالى: (... إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا ...) ... المسألة الثانية: -من ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعاً لأن الخبر أمانة والفسق قرينة تبطلها (١). ا. هـ.
وكذلك أيضاً يستلزم تكفيرهم للصحابة تكذيب القرآن الذي أخبر بعدالتهم وخبرتهم في أكثر من آية، وكذلك تواتر ثناء النبي، ﷺ ، عليهم والشهادة لأعيان منهم بالجنة، والأخبار لا يدخلها النسخ بخلاف الأوامر وأخطر ذلك على الإطلاق أم تكفيرهم للصحابة يستلزم الطعن فيما نقلوه من القرآن والسنة.
قال القاضي عياض. وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قال قولا: يتوصل به إلى تضليل الأمة وتكفير جميع الصحابة كقول الكميلية من الرافضة بتكفير جميع الأمة بعد النبي، ﷺ ، إذ لم تقدم علياً وكفرت علياً إذ لم يتقدم ويطلب حقه في التقديم فهؤلاء قد كفروا من وجوه لأنهم أبطلوا الشريعة بأمرها إذ قد انقطع نقلها ونقل القرآن إذ ناقلوه كفرة في زعمهم وإلى هذا والله أعلم أشار مالك في أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة (٢). ا. هـ.
المبحث الثالث: التغيظ من الصحابة دلالة على كفر صاحبه:
قال القرطبي في قوله تعالى: (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) [الفتح: ٢٩].
الخامسة: روى أبو عروة الزبيري من ولد الزبير: كنا عند مالك بن أنس فذكروا رجلاً ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ -فقرأ مالك هذه الآية: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ). حتى بلغ (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ). فقال مالك: من أصبح من الناس في قلبه غبط على أحد من أصحاب رسول الله، ﷺ ، فقد أصابته هذه الآية: ذكره الخطيب أبو بكر.
قلت: لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله فمن نقص واحداً منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله -رب العالمين- وأبطل شرائع المسلمين قال الله -
стр. 166
تعالى-: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ). الآية وقال: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ). إلى غير ذلك من الآي التي تضمنت الثناء عليهم والشهادة لهم بالصدق والفلاح قال الله -تعالى-: (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) وقال (لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ -إلى قوله: أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ). ثم قال -عز من قائل-: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ -إلى قوله- فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). وهذا كله مع علمه ﵎ بحالهم ومآل أمرهم (ثم ذكر أحاديث في مدحهم ﵃ جميعاً) والأحاديث بهذا المعنى كثيرة فحذار من الوقوع في أحد منهم، كما فعل من طعن في الدين فقال: إن المعوذتين ليستا من القرآن، وما صح حديث عن رسول الله، ﷺ ، في تثبيتهما ودخولهما في جملة التنزيل إلا عن عقبة بن عامر، وعقبة بن عامر ضعيف لم يوافقه غيره عليها فروايته مطرحة. وهذا رد لما ذكرناه من الكتاب والسنة وإبطال لما نقلته لنا الصحابة من الملة فإن عقبة بن عامر بن عيسى الجهني ممن روى لنا الشريعة في الصحيحين البخاري ومسلم وغيرهما فهو ممن مدحهم الله ووصفهم وأثنى عليهم ووعدهم مغفرة وأجراً عظيماً. فمن نسبه أو واحداً من الصحابة إلى كذب فهو خارج عن الشريعة مبطل للقرآن طاعن على رسول الله، ﷺ ، ا. هـ.
وقال ابن كثير (فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ). أي: فكذلك أصحاب رسول الله، ﷺ ، فآزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الزرع (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ).
ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك ﵀ في رواية عنه بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة ﵃ قال: لأنهم يغيظونهم من وغاظ الصحابة ﵃ فهو كافر لهذه الآية ووافقه طائفة من العلماء على ذلك والأحاديث في فضائل الصحابة ﵃ والنهي عن التعرض بمساءة كثيرة ويكفيهم ثناء الله عليهم ورضاه عنهم ا. هـ.
وقال البغوي: (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) أي: إنما كثرهم وقواهم ليكونوا غيظاً للكافرين. قال مالك بن أنس: من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله، ﷺ ، فقد أصابته هذه الآية. ا. هـ.
وقال الإمام الطبري: وقوله: (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) يقول تعالى ذكره:
стр. 167
يعجب هذا الزرع الذي استغلظ فاستوى على سوقه في تمامه وحسن نباته وبلوغه وانتهائه الذين زرعوه "ليغيظ بهم الكفار"، يقول: فكذلك مثل محمد، ﷺ ، وأصحابه واجتماع عددهم حتى كثروا ونموا وغلظ أمرهم كهذا الزرع وصف جل ثناؤه صفته ثم قال ليغيظ بهم الكفار. ا. هـ.
وقال ابن تيمية (١) في الصارم ص: ٥٠٤ وقد قطع طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بقتل من سب الصحابة وكفر الرافضة قال محمد بن يوسف الفرياني وسئل عمن شتم أبا بكر قال: كافر، قيل: فيصلى عليه؟ قال: لا. وسأله: كيف يصنع به وهو يقول لا إله إلا الله؟ قال: لا تمسوه بأيديكم ادفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته، وقال أحمد بن يونس: لو أن يهودياً ذبح شاة وذبح رافضي لأكلت ذبيحة اليهودي، ولم آكل ذبيحة الرافضي لأنه مرتد عن الإسلام. وكذلك قال أبو بكر بن هاني: لا تؤكل ذبيحة الروافض والقدرية كما لا تؤكل ذبيحة المرتد مع أنه تؤكل ذبيحة الكتابي لأن هؤلاء يقامون مقام المرتد، وأهل الذمة يقرون على دينهم وتؤخذ منهم الجزية. وكذلك قال عبد الله بن إدريس من أعيان أئمة الكوفة: ليس لرافضي شفعة إلا لمسلم.
وقال في ص: ٥٠٥ وصرح جماعات من أصحابنا: بكفر الخوارج المعتقدين: البراءة من علي وعثمان، وبكفر الرافضة المعتقدين: لسب جميع الصحابة الذين كفروا الصحابة وفسقوهم وسبوهم.
وقال أبو بكر عبد العزيز في المقنع: فأما الرافضي فإن كان يسب فقد كفر فلا يزوج. ولفظ بعضهم وهو الذي نصره القاضي أبو يعلى: أنه إن سبهم سباً يقدح في دينهم وعدالتهم كفر بذلك، وإن سبهم سباً لا يقدح مثل أن يسب أبا أحدهم أو يسبه سباً يقصد به غيظه ونحو ذلك -لم يكفر.
قال أحمد في رواية أبي طالب في الرجل يشتم عثمان: هذا زندقة، وقال في رواية المروزي: من شتم أبا بكر وعمر وعائشة ما أراه على الإسلام، قال القاضي أبو يعلى: فقد أطلق القول فيه أنه يكفر بسبه لأحد من الصحابة وتوقف في رواية عبد الله وأبي طالب عن قتله وكمال الحد وإيجاب التعزير يقتضي أنه لم يحكم بكفره قال: فيحتمل أن يحمل قوله
стр. 168
"ما أراه على الإسلام" إذا استحل سبهم بأنه يكفر بلا خلاف، ويحمل إسقاط القتل على من لم يستحل ذلك، بل فعله مع اعتقاده لتحريمه كمن يأتي المعاصي قال: ويحتمل قوله "ما أراه على الإسلام" على سب يطعن في عدالتهم نحو قوله: ظلموا وفسقوا بعد النبي، ﷺ ، وأخذوا الأمر بغير حق، ويحمل قوله في اسقاط القتل على سب لا يطعن في دينهم نحو قوله: كان فيهم قلة علم وقلة معرفة بالسياسة والشجاعة وكان فيهم شح ومحبة للدنيا ونحو ذلك قال: ويحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره فتكون في سابهم روايتان إحداهما يكفر والثانية يفسق.
وعلى هذا استقر قول القاضي وغيره حكوا في تكفيرهم روايتين قال القاضي: ومن قذف عائشة ﵂ بما برأها الله منه كفر بلا خلاف ..
ونحن نرتب الكلام في فصلين أحدهما: في سبهم مطلقاً، والثاني: في تفصيل أحكام الساب (وأخذ يسرد حجج الفريقين القائلين بالتكفير والقائلين بالعصيان دون الكفر) وقال في ص: ٥١٢ وأما من قال "يقتل الساب" أو قال "يكفر" فلهم دلالات احتجوا بها:
منها قوله تعالى (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ -إلى قوله- لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ). فلا بد أن يغيظ بهم الكفار، وإذا كان الكفار يغاظون بهم، فمن غيظ بهم فقد شارك الكفار فيما أذلهم الله به وأخزاهم وكبتهم على كفرهم، ولا يشارك الكفار في غيظهم الذي كبتوا به جزاء لكفرهم إلا كافر، لأن المؤمن لا يكبت جزاء للكفر يوضح ذلك قوله تعالى: (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ).
تعليق للحكم بوصف مشتق مناسب لأن الكفر مناسب لأن يغاظ صاحبه فإذا كان هو الموجب لأن يغيظ الله صاحبه بأصحاب محمد، فمن غاظه الله بأصحاب محمد فقد وجد في حقه موجب ذلك وهو الكفر ...
ومن ذلك ما خرجاه في الصحيحين عن أنس أن النبي، ﷺ ، قال: "آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار". وفي لفظة قال في الأنصار "لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق" ...
ولمسلم عن أبي هريرة عن النبي، ﷺ ، قال: "لا يبغض الأنصار رجل آمن بالله واليوم الآخر". وروى مسلم في صحيحه أيضاً عن أبي سعيد ﵁ عن النبي، ﷺ ، قال: "لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر". فمن سبهم فقد زاد على
стр. 169
بغضهم فيجب أن يكون منافقاً لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر -إلى أن قال- في ص: ٥١٨: ٥١٩.
فصل في تفصيل القول فيهم. أما من اقترن بسبه دعوى أن علياً إله أو أنه كان النبي وإنما غلط جبرائيل في الرسالة فهذا لا شك في كفره، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره.
وكذلك من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت أو زعم أن له تأويلات باطلة تسقط الأعمال المشروعة ونحو ذلك وهؤلاء يسمون: القرامطة والباطنية ومنهم التناسخية وهؤلاء لا خلاف في كفرهم.
وأما من سبهم سباً لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم.
وأما من لعن وقبح مطلقاً فهذا محل الخلاف فيهم لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد.
وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله، ﷺ ، إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفساً، أو أنهم فسقوا عامتهم فهذا لا ريب أيضاً في كفره لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع: من الرضى عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كقر مثل هذا فإن كفره متعين، فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق وأن هذه الآية التي هي: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ). وخيرها هو: القرن الأول كان عامتهم كفاراً أو فساقاً ومضمونها: أن هذه الأمم شر الأمم وأن سابقي هذه الأمم هم: شرارها. وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام ولهذا تجد عامة من ظهر عليه شيء من هذه الأقوال فإنه يتبين أنه زنديق (١). ا. هـ.
قلت: فمن هذه النقول المستفيضة -بفضل الله وعونه- ثبت أن سب الصحابة سبا يقدح في دينهم وعدالتهم بوصفهم أنهم كفار أو فساق أن مثل هذا كفره متعين، بل هو
стр. 170
مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، لأن مضمون هذه المقالة الطعن: فيما نقلوه وتكذيب القرآن لكثير من آياته التي تثني عليهم وتمدحهم، وأن الشرع جعل الغيظ للصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- علامة على كفر صاحبه وهو وصف مشتق مناسب يصلح لأن يكون: علة الحكم ومن المعلوم أن الخوارج كفروا علياً ومعاوية ومن والاهما.
نخلص من هذا الحديث (أي: حديث الخوارج) كما قال إمام المفسرين على الإطلاق الإمام الطبري: فيه الرد على قول من قال لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالماً فإنه مبطل لقوله في الحديث: "يقولون الحق ويقرؤون القرآن ويمرقون من الإسلام ولا يتعلقون منه بشيء".
وكما قال الحافظ وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه ومن غير أن يختار ديناً على الإسلام وهو مبني على القول بتكفيرهم مطلقا.
وبهذا يعلم أن هذه القاعدة التي تحدث عنها الحافظ راسخة عند كل من رأى تكفيرهم، مع أن هذا لم يمس أصل الدين فما الحكم إذا كان يمس أصل الدين؟ وهل يجرؤ أحد أن يقول: أن الصحابي الجليل أبا سعيد الخدري وإمام المحدثين: البخاري وإمام المفسرين الطبري والقاضي أبا بكر بن العربي والسبكي والرافعي وغيرهم مبتدعون؟ لأنهم حكموا بكفر الخوارج ولم يعذروهم بالجهل والخطأ والتأويل.
المبحث الرابع: فرق القدرية وحكمها .
الدليل الثالث: (حديث القدرية):
أخرج مسلم في صحيحه عن يحيى بن يعمر قال: (كان أول من تكلم في القدر في البصرة معبد الجهني فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله، ﷺ ، فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب ... فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف. قال فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر) (ثم حدث بحديث جبريل).
стр. 171
قال النووي: قال القاضي عياض: ورأيت بعضهم قال فيه: يتقعرون بالعين وفسره بأنهم يطلبون قعره أي: غامضه وخفيه ومنه تقعر في كلامه إذا جاء بالغريب منه. وفي رواية أبي يعلى الموصلي يتفقهون بزيادة الهاء وهو ظاهر قوله (وذكر من شأنهم) ....
يعني: وذكر ابن يعمر من حال هؤلاء ووصفهم بالفضيلة في العلم والاجتهاد في تحصيله والاعتناء به.
قوله (يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف) هو بضم الهمزة والنون أي: مستأنف لم يسبق به قدر ولا علم من الله -تعالى- وإنما يعلمه بعد وقوعه كما قدمنا حكايته عن مذهبهم الباطل وهذا القول قول غلاتهم وليس قول جميع القدرية ... قوله (قال يعني ابن عمر ﵄ فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني ....).
هذا الذي قاله ابن عمر ﵁ ظاهر في تكفيره القدرية.
قال القاضي عياض ﵀: هذا في القدرية الأول الذين نفوا تقدم علم الله -تعالى- بالكائنات قال والقائل بهذا كافر بلا خلاف (١) ا. هـ.
وقال ابن تيمية: وأما كون الأشياء معلومة لله قبل كونها. فهذا حق لا ريب فيه وكذلك كونها مكتوبة عنده أو عند ملائكته كما دل على ذلك الكتاب والسنة وجاءت به الآثار وهذا العلم والكتاب: هو القدر الذي ينكره غالبية القدرية ويزعمون أن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعد وجودها وهم كفار كفرهم الأئمة: كالشافعي وأحمد وغيرهما (٢) ا. هـ.
فرق القدرية:
وقال أيضاً: وإنما نازع في ذلك (أي الإيمان بالقدر) غلاة القدرية وظنوا أن تقدم العلم يمنع الأمر والنهي، وصاروا فريقين.
(فريق) أقروا: بالأمر والنهي والثواب والعقاب وأنكروا أن يتقدم بذلك قضاء وقدر وكتاب، وهؤلاء نبغوا في أواخر عصر الصحابة فلما سمع الصحابة بدعهم تبرؤوا منهم كما تبرؤا منهم، ورد عليهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وواثلة بن
стр. 172
الأسقع وغيرهم، وقد نص (الأئمة) كمالك والشافعي وأحمد على كفر هؤلاء الذين ينكرون علم الله القديم.
(والفريق الثاني): من يقر: بتقدم علم الله وكتابه لكن يزعم أن ذلك يغني عن الأمر والنهي والعمل وأنه لا يحتاج إلى العمل. بل من قضى له بالسعادة دخل الجنة بلا عمل أصلاً ومن قضي عليه بالشقاوة شقي بلا عمل. فهؤلاء ليسوا طائفة معدودة من طوائف أهل المقالات وإنما يقوله كثير من جهال الناس، وهؤلاء أكفر من أولئك وأضل سبيلاً ومضمون قول هؤلاء تعطيل الأمر والنهي والحلال والحرام والوعد والوعيد، وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى بكثير. وهؤلاء هم الذين سأل السائل عن مقالتهم.
وأما "جمهور القدرية" فهم يقرون بالعلم والكتاب المتقدم لكن ينكرون أن الله خلق أفعال العباد وإرادة الكائنات، وتعارضهم القدرية المجبرة الذين يقولون: ليس للعبد قدرة ولا إرادة حقيقة ولا هو فاعل حقيقة وكل هؤلاء مبتدعة ضلال.
وشر من هؤلاء من يجعل خلق الأفعال وإرادة الكائنات مانعة من الأمر والنهي كالمشركين الذين قالوا (لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ). فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى ومضمون قولهم: تعطيل جميع ما جاءت به الرسل كلهم من الأمر والنهي (١). ا. هـ.
البدعة ليست على رتبة واحدة:
قلت: يلاحظ من هذا النقل أن البدعة ليست على رتبة واحدة فتارة يغلو فيها أصحابها حتى يخرجوا بها إلى درجة الكفر الصريح وتارة يقفون عند درجة الابتداع وكفر المآل.
ولهذا عندما يتكلم أهل العلم عن أحكام المبتدعة لا بد أن ينقح مناطهم الذي يتحدثون فيه هل هو درجة الكفر البواح وكفر التصريح أم هو درجة الابتداع وكفر المآل.
ويلاحظ أيضاً أن: إنكار تقدم علم الله وقضائه وقدره على الأمر والنهي كفر لا يختلف فيه.
وأن من أقروا بهذا إلا أنهم يزعمون أنه يُغني عن الأمر والنهي والعمل، وأن دخول
стр. 173
الجنة والنار غير متوقف على العمل فحكم هؤلاء أنهم: جهال كفار أكفر من اليهود والنصارى وليسوا طائفة معدودة من طوائف المسلمين.
وأن من يحتج بالقدر على حجية الأفعال والمقدور فهؤلاء: أكفر من اليهود والنصارى لأن اليهود والنصارى يؤمنون ببعض الأوامر والنواهي ويكفرون ببعضها وهؤلاء كفار بجميع الأوامر والنواهي والشرائع السماوية.
وأن من أقر بالعلم والكتاب المتقدم مع إنكار خلق أفعال العباد وإرادة الكائنات فهؤلاء: مبتدعة ضلال في تكفيرهم: نزاع مشهور بين العلماء.
قال ابن رجب في شرح حديث جبريل: ولأجل هذه الكلمة (أي الإيمان بالقدر) روى ابن عمر ﵄ هذا الحديث محتجاً به على من أنكر القدر وزعم أن الأمر أُنف: يعني: أنه مستأنف لم يسبق به سابق قدر من الله وقد غلظ عبد الله بن عمر عليهم وتبرأ منهم وأخبر أنه لا تقبل منهم أعمالهم بدون الإيمان بالقدر ...
إثبات العلم القديم حجة على القدرية:
وقد قال كثير من أئمة السلف: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوا فقد كفروا. يريدون: أن من أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد وأن الله -تعالى- قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ فقد كذب بالقرآن فيكفر بذلك وإن أقروا بذلك وأنكروا أن الله خلق أفعال العباد وشاءها وأرادها منهم إرادة كونية قدرية فقد خصموا، لأن ما أقروا به حجة عليهم فيما أنكروه.
وفي تكفير هؤلاء: نزاع مشهور بين العلماء وأما من أنكر العلم القدين فنص الشافعي وأحمد على تكفيره وكذلك غيرهما من أئمة الإسلام (١). ا. هـ.
قلت: فمن هذا الأثر في هؤلاء القوم الذين أرادوا أن ينزهوا الله فوقعوا في التنقص به من حيث لا يشعرون ولا يقصدون الكفر، بل حالهم البحث عن العلم واقتفاء أثره، ومع هذا عندما وصل حالهم إلى عبد الله بن عمر ﵄ تبرأ منهم البراءة
стр. 174
الكاملة. ومعلوم أن هذا لا يكون إلا من الكافرين فإن الله عندما أمرنا أن نتبرأ من الكفار قال: (إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ). وعندما أخبر: عن البراءة من العصاة فقال: (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ).
فالمسلم العاصي يتبرأ من فعله وعمله لا منه، ولا يتبرأ من العبد البراءة الكاملة إلا العبد المشرك.
ولم يسأل الصحابي الجليل السائلين هل أقمتما عليهم الحجة وأزلتما الشبهة ووجدت شروط التكفير وانتفت موانعه أم لا؟.
بل قوله ﵁ فيهم ظاهر في تكفيرهم والتبري منهم بمجرد سماع مقالتهم وتابعه على هذا الحكم الأئمة الأعلام، بل كما قال القاضي عياض أن قائل هذا كافر بلا خلاف.
ومن المعلوم أن ما وقعوا فيه هو ما دون الشرك فكيف الحال بفعله؟
فأين المتهمون الذين يتهمون من يحكم على من وقع في عبادة غير الله -تعالى- بأنه مشرك ولا يستديم له تأويل ولا اشتباه لنقضه التوحيد الذي هو: أصل الأصول بماذا يحكمون على عبد الله بن عمر ومالك والشافعي وأحمد والقاضي عياض وابن تيمية وابن رجب بل على جماهير أئمة الإسلام؟ فهل أنتم منتهون؟!
الدليل الرابع: أخرج البخاري عن عكرمة قال "أتي علي ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله، ﷺ ،: "لا تعذبوا بعذاب الله". ولقتلتهم لقول رسول الله، ﷺ ،: "من بدل دينه فاقتلوه" (١). ا. هـ.
قلت: فهؤلاء القوم ادعوا في علي ﵁ الإلهية فعندما جاءه خبرهم حرقهم واتفق علي وابن عباس ﵄، على قتلهم، وإن اختلفوا في صفة القتل ولم يُذكر أن علياً عذرهم بجهلهم وأقام الحجة عليهم وأزال عنهم الشبهة، بل أقام عليهم حد الردة بمجرد نقضهم للتوحيد. وقد يقول قائل: إن علياً أقام عليهم الحجة بدليل أنه في بعض الروايات قال لهم: إنما أنا عبد مثلكم آكل الطعام ....
стр. 175
قلت: بل هذه استتابة بنص العلماء وليست إقامة حجة بدليل أن البخاري ساقه (١) تحت باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم، وكذلك في كتاب نيل الأوطار وشرح منتفى الأخبار بوب المصنف أيضاً باب قتل المرتد واستشهد به (٢).
قال الشوكاني واستدل بالحديث المذكور في الباب (أي: حديث علي) على أنه: يقتل الزنديق من غير استتابة، وتعقب بأنه وقع في بعض طرق الحديث أن أمير المؤمنين علياً ﵁ استتابهم كما في الفتح من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال: قيل لعلي: إن هنا قوماً على باب المسجد يزعمون أنك ربهم. فدعاهم فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟ فقالوا: أنت ربنا وخالقنا ورازقنا قال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم آكل الطعام كما تأكلون، وأشرب كما تشربون .. قال الحافظ: إن إسناد هذا صحيح (٣). ا. هـ.
قلت: فهذه نصوص العلماء على أن هذه استتابة من الردة، وليست إقامة حجة لأنهم خرجوا عن الإسلام لا عن بصيرة فتشرع استتابتهم لأجل فيئهم إليه.
نقل الحافظ ابن حجر عن الإمام الطحاوي قال: قال الطخاوي: ذهب هؤلاء إلى أن حكم من ارتد عن الإسلام حكم الحربي الذي بلغته الدعوة فإنه يقاتل من قبل أن يدعى، قالوا: وإنما تشرع الاستتابة لمن خرج عن الإسلام، لا عن بصيرة فأما من خرج عن بصيرة فلا. ثم نقل عن أبي يوسف موافقتهم لكن قال: إن جاء مبادراً بالتوبة خليت سبيله ووكلت أمره إلى الله -تعالى (٤) - ا. هـ.
قلت: فهذه نصوص العلماء أن المسلم الذي يخرج عن الإسلام بجهل أنه مرتد وغير معذور غير أنه تشرع استتابته من الردة.
قال القاضي عياض وقد أحرق علي بن أبي طالب ﵁ من ادعى له الإلهية، وقد قتل عبد الملك بن مروان الحارث المتنبي وصلبه، وفعل ذلك غير واحد من الخلفاء والملوك بأشباههم، وأجمع علماء وقتهم على تصويب فعلهم والمخالف في ذلك من كفرهم كافر (٥). ا. هـ.
стр. 176
دعوى الحلول في معين كفر بإجماع المسلمين:
وقال ابن تيمية: وأما (النوع الثاني): فهو قول من يقول: بالحلول والاتحاد في معين كالنصارى الذين قالوا: بذلك في المسيح عيسى والغالية الذين يقولون: بذلك في علي بن أبي طالب وطائفة من أهل بيته ...
فهذا كله كفر باطناً وظاهراً بإجماع كل مسلم، ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين (١). ا. هـ.
قلت: فهذه أقوال السلف بداية بالصحابة فيمن ادعى الإلهية في عبد أنه كافر مرتد لنقضه التوحيد الذي هو: أصل الدين بل كفر مثل هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام بل من يشك في كفره بعد معرفة قوله ودين الإسلام فهو كافر كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين.
الدليل الخامس: ردة مانعي الزكاة:
وكذلك أيضاً حكم السلف في مانعي الزكاة (وحديثهم في الصحيحين) الذين منعوها بتأويل فاسد استناداً لقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا). قالوا هذا خطاب للنبي خاصة يسقط بموته ولا يملك التزكية والطهارة إلا هو ﷺ ، ومع هذا الجهل والتأويل الفاسد قاتلهم أبو بكر الصديق ﵁ قتال مرتدين وسبى ذراريهم وغنم أموالهم وشهد على قتلاهم بالنار.
قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -"نقلاً عن ابن تيمية": وقال الشيخ ﵀ -تعالى- في آخر كلامه على كفر مانعي الزكاة والصحابة لم يقولوا: هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها؟ هذا لم يعهد عن الصحابة بحال، بل قال الصديق لعمر ﵄: "والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله، ﷺ ، لقاتلتهم على منعها. فجعل المبيح للقتال: مجرد المنع لا جحد الوجوب وقد روى أن طوائف منهم كانوا يقرون: بالوجوب لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم سيرة واحدة وهي قتل
стр. 177
مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، والشهادة على قتلاهم بالنار وسموهم جميعاً أهل الردة، وكان من أعظم فضائل الصديق عندهم أن ثبته الله على قتالهم ولم يتوقف كما توقف غيره حتى ناظرهم فرجعوا إلى قوله.
أما قتال المقرين بنبوة مسيلمة: فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم، وهذه حجة من قال: إن قاتلوا عليها الإمام كفروا وإلا فلا، فإن كفر هؤلاء وإدخالهم في أهل الردة قد ثبت باتفاق الصحابة المستند إلى نصوص الكتاب والسنة بخلاف، من لم يقاتل الإمام عليها .... انتهى.
فتأمل كلامه وتصريحه بأن: الطائفة الممتنعة عن أداء الزكاة إلى الإمام أنهم يقاتلون، ويحكم عليهم بالكفر والردة عن الإسلام، وتسبى ذراريهم، وتغنم أموالهم وإن أقروا بوجوب الزكاة، وصلوا الصلوات الخمس، وفعلوا جميع شرائع الإسلام غير أداء الزكاة، وأن ذلك ليس بمسقط للقتال لهم والحكم عليهم بالكفر والردة، وأن ذلك قد ثبت بالكتاب والسنة واتفاق الصحابة ﵃ والله أعلم (١). ا. هـ.
وقال ابن تيمية: قد اتفق الصحابة والأئمة بعدهم على قتال مانعي الزكاة وإن كانوا يصلون الخمس ويصومون شهر رمضان. وهؤلاء لم يكن لهم: شبهة سائغة فلهذا كانوا مرتدين وهم يقاتلون على منعها وإن أقروا بالوجوب كما أمر الله (٢). ا. هـ.
قلت: فهذه الطائفة التي منعت زكاة مالها بشبهة وتأويل فاسد -مع استمساكهم بالشهادتين والقيام بالصلاة وبقية الفرائض- فقد اتفق الصحابة على قتالهم وردتهم وغنيمة أموالهم، وسبي ذراريهم، والشهادة على قتلاهم بالنار، مستندين في ذلك إلى الكتاب والسنة.
وهذا في فرعية من فروع الشريعة. وما أوقع القوم في هذا إلا الجهل والتأويل الفاسد بشبهة لم تكن: سائغة فلم تدرأ عنهم الكفر فلهذا كانوا مرتدين وهذا كله في فرع فما ظننا في أصل الأصول وهو: التوحيد تلك القضية التي لا نجاة لعبد في الدنيا والآخرة إلا بها.
стр. 178
لها أخذ الميثاق وعليها فُطر العباد، ومن أجلها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب وقام سوق الآخرة ولعلو شأنها جردت السيوف.
وهذا القدر من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال الصحابة والسلف الصالح من بعدهم فيمن ارتد بعد إسلامه من هذه الأمة خير بيان لهدم قاعدة العذر بالجهل لمن تلبس بالشرك الأكبر التي أصّلها بعض المتأخرين وهي قاعدة أجنبية عن الشريعة، وقد اتسعوا بها حتى أسلموا بها الطواغيت وأعوانهم والزنادقة والملحدين والعلمانيين وهم أذيال النصارى واليهود في ديارنا ليمسخوا عقيدتنا ويمحوا إسلامنا ويرفعوا راية الصليب ونجمة داود عالية خفاقة ثم يريدون منا أن نحكم على أمثال هؤلاء المارقين بالإسلام، ونواليهم ونعادي من عاداهم فإنا لله وإنا إليه راجعون؟
أقول: (وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [يوسف: ٢١].
فهذه النصوص بفهم الصحابة والأئمة بعدهم قاضية بردة من أشرك من هذه الأمة ونقض التوحيد خاصة بيقين.
وأن من التزم التوحيد وانتهى عن الشرك والتزم الشرائع فإن وقع في أمر مكفر وكان تأويله فاحشاً وشبهته غير سائغة فلا يعذر بجهله. والدليل على هذا حديث الخوارج والقدرية الأول ومانعي الزكاة -والله تعالى أعلم-.
* * *
стр. 179
الفصل الثالث
باب الردة من كتب السلف
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الشرك لا يجتمع مع الإسلام.
المبحث الثاني: غالب الردة تنشأ عن الجهل والاشتباه.
стр. 180
الفصل الثالث
باب الردة من كتب السلف
قال القاضي عياض الإمام المالكي (فصل) في بيان ما هو من المقالات كفر وما يتوقف أو يختلف فيه وما ليس بكفر.
اعلم أن تحقيق هذا الفصل وكشف اللبس فيه مورده الشرع ولا مجال للعقل فيه، والفصل البين في هذا أن كل مقالة صرحت: بنفي الربوبية أو الوحدانية أو عبادة أحد غير الله أو مع الله فهي كفر .... وكذلك من اعترف بإلهية الله ووحدانيته ولكنه اعتقد أنه غير حي أو غير قديم وأنه محدث أو مصور أو ادعى له ولداً أو صاحبة أو والداً أو أنه متولد من شيء أو كائن عنه أو أن معه في الأزل شيئاً قديماً غيره، أو أن ثم صانعاً للعالم سواه أو مدبراً غيره فلذلك كله كفر بإجماع المسلمين ....
وكذلك من ادعى مجالسة الله والعروج إليه ومكالمته أو حلوله في أحد الأشخاص كقول: بعض المتصوفة والباطنية والنصارى والقرامطة.
وكذلك نقطع على كفر من قال بقدم العالم أو بقائه أو شك في ذلك ... وكذلك من أضاف إلى نبينا، ﷺ ، تعمد الكذب فيما بلغه وأخبر به أو شك في صدقه أو سبه أو قال إنه لم يبلغ أو استخف به أو بأحد من الأنبياء أو أزرى عليهم أو آذاهم أو قتل نبياً أو حاربه فهو كافر بإجماع ....
وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب أو خص حديثاً مجمعاً على نقله مقطوعاً به مُجمعاً على حمله على ظاهره كتكفير الخوارج بإبطال الرجم.
ولهذا نكفر من لم يكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه. فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك ....
وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرحاً بالإسلام مع فعله ذلك الفعل: كالسجود للصنم وللشمس والقمر والصليب والنار