← Акыда

Акыда · id 14161

العذر بالجهل تحت المجهر الشرعي

مدحت آل فراج

Полный текст (268 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

دعوى الحلول في معين كفر بإجماع المسلمين: وقال ابن تيمية: وأما (النوع الثاني): فهو قول من يقول: بالحلول والاتحاد في معين كالنصارى الذين قالوا: بذلك في المسيح عيسى والغالية الذين يقولون: بذلك في علي بن أبي طالب وطائفة من أهل بيته ... فهذا كله كفر باطناً وظاهراً بإجماع كل مسلم، ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين (١). ا. هـ. قلت: فهذه أقوال السلف بداية بالصحابة فيمن ادعى الإلهية في عبد أنه كافر مرتد لنقضه التوحيد الذي هو: أصل الدين بل كفر مثل هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام بل من يشك في كفره بعد معرفة قوله ودين الإسلام فهو كافر كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين. الدليل الخامس: ردة مانعي الزكاة: وكذلك أيضاً حكم السلف في مانعي الزكاة (وحديثهم في الصحيحين) الذين منعوها بتأويل فاسد استناداً لقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا). قالوا هذا خطاب للنبي خاصة يسقط بموته ولا يملك التزكية والطهارة إلا هو ﷺ ، ومع هذا الجهل والتأويل الفاسد قاتلهم أبو بكر الصديق ﵁ قتال مرتدين وسبى ذراريهم وغنم أموالهم وشهد على قتلاهم بالنار. قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -"نقلاً عن ابن تيمية": وقال الشيخ ﵀ -تعالى- في آخر كلامه على كفر مانعي الزكاة والصحابة لم يقولوا: هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها؟ هذا لم يعهد عن الصحابة بحال، بل قال الصديق لعمر ﵄: "والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله، ﷺ ، لقاتلتهم على منعها. فجعل المبيح للقتال: مجرد المنع لا جحد الوجوب وقد روى أن طوائف منهم كانوا يقرون: بالوجوب لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم سيرة واحدة وهي قتل

стр. 177

مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، والشهادة على قتلاهم بالنار وسموهم جميعاً أهل الردة، وكان من أعظم فضائل الصديق عندهم أن ثبته الله على قتالهم ولم يتوقف كما توقف غيره حتى ناظرهم فرجعوا إلى قوله. أما قتال المقرين بنبوة مسيلمة: فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم، وهذه حجة من قال: إن قاتلوا عليها الإمام كفروا وإلا فلا، فإن كفر هؤلاء وإدخالهم في أهل الردة قد ثبت باتفاق الصحابة المستند إلى نصوص الكتاب والسنة بخلاف، من لم يقاتل الإمام عليها .... انتهى. فتأمل كلامه وتصريحه بأن: الطائفة الممتنعة عن أداء الزكاة إلى الإمام أنهم يقاتلون، ويحكم عليهم بالكفر والردة عن الإسلام، وتسبى ذراريهم، وتغنم أموالهم وإن أقروا بوجوب الزكاة، وصلوا الصلوات الخمس، وفعلوا جميع شرائع الإسلام غير أداء الزكاة، وأن ذلك ليس بمسقط للقتال لهم والحكم عليهم بالكفر والردة، وأن ذلك قد ثبت بالكتاب والسنة واتفاق الصحابة ﵃ والله أعلم (١). ا. هـ. وقال ابن تيمية: قد اتفق الصحابة والأئمة بعدهم على قتال مانعي الزكاة وإن كانوا يصلون الخمس ويصومون شهر رمضان. وهؤلاء لم يكن لهم: شبهة سائغة فلهذا كانوا مرتدين وهم يقاتلون على منعها وإن أقروا بالوجوب كما أمر الله (٢). ا. هـ. قلت: فهذه الطائفة التي منعت زكاة مالها بشبهة وتأويل فاسد -مع استمساكهم بالشهادتين والقيام بالصلاة وبقية الفرائض- فقد اتفق الصحابة على قتالهم وردتهم وغنيمة أموالهم، وسبي ذراريهم، والشهادة على قتلاهم بالنار، مستندين في ذلك إلى الكتاب والسنة. وهذا في فرعية من فروع الشريعة. وما أوقع القوم في هذا إلا الجهل والتأويل الفاسد بشبهة لم تكن: سائغة فلم تدرأ عنهم الكفر فلهذا كانوا مرتدين وهذا كله في فرع فما ظننا في أصل الأصول وهو: التوحيد تلك القضية التي لا نجاة لعبد في الدنيا والآخرة إلا بها.

стр. 178

لها أخذ الميثاق وعليها فُطر العباد، ومن أجلها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب وقام سوق الآخرة ولعلو شأنها جردت السيوف. وهذا القدر من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال الصحابة والسلف الصالح من بعدهم فيمن ارتد بعد إسلامه من هذه الأمة خير بيان لهدم قاعدة العذر بالجهل لمن تلبس بالشرك الأكبر التي أصّلها بعض المتأخرين وهي قاعدة أجنبية عن الشريعة، وقد اتسعوا بها حتى أسلموا بها الطواغيت وأعوانهم والزنادقة والملحدين والعلمانيين وهم أذيال النصارى واليهود في ديارنا ليمسخوا عقيدتنا ويمحوا إسلامنا ويرفعوا راية الصليب ونجمة داود عالية خفاقة ثم يريدون منا أن نحكم على أمثال هؤلاء المارقين بالإسلام، ونواليهم ونعادي من عاداهم فإنا لله وإنا إليه راجعون؟ أقول: (وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [يوسف: ٢١]. فهذه النصوص بفهم الصحابة والأئمة بعدهم قاضية بردة من أشرك من هذه الأمة ونقض التوحيد خاصة بيقين. وأن من التزم التوحيد وانتهى عن الشرك والتزم الشرائع فإن وقع في أمر مكفر وكان تأويله فاحشاً وشبهته غير سائغة فلا يعذر بجهله. والدليل على هذا حديث الخوارج والقدرية الأول ومانعي الزكاة -والله تعالى أعلم-. * * *

стр. 179

الفصل الثالث باب الردة من كتب السلف وفيه مبحثان: المبحث الأول: الشرك لا يجتمع مع الإسلام. المبحث الثاني: غالب الردة تنشأ عن الجهل والاشتباه.

стр. 180

الفصل الثالث باب الردة من كتب السلف قال القاضي عياض الإمام المالكي (فصل) في بيان ما هو من المقالات كفر وما يتوقف أو يختلف فيه وما ليس بكفر. اعلم أن تحقيق هذا الفصل وكشف اللبس فيه مورده الشرع ولا مجال للعقل فيه، والفصل البين في هذا أن كل مقالة صرحت: بنفي الربوبية أو الوحدانية أو عبادة أحد غير الله أو مع الله فهي كفر .... وكذلك من اعترف بإلهية الله ووحدانيته ولكنه اعتقد أنه غير حي أو غير قديم وأنه محدث أو مصور أو ادعى له ولداً أو صاحبة أو والداً أو أنه متولد من شيء أو كائن عنه أو أن معه في الأزل شيئاً قديماً غيره، أو أن ثم صانعاً للعالم سواه أو مدبراً غيره فلذلك كله كفر بإجماع المسلمين .... وكذلك من ادعى مجالسة الله والعروج إليه ومكالمته أو حلوله في أحد الأشخاص كقول: بعض المتصوفة والباطنية والنصارى والقرامطة. وكذلك نقطع على كفر من قال بقدم العالم أو بقائه أو شك في ذلك ... وكذلك من أضاف إلى نبينا، ﷺ ، تعمد الكذب فيما بلغه وأخبر به أو شك في صدقه أو سبه أو قال إنه لم يبلغ أو استخف به أو بأحد من الأنبياء أو أزرى عليهم أو آذاهم أو قتل نبياً أو حاربه فهو كافر بإجماع .... وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب أو خص حديثاً مجمعاً على نقله مقطوعاً به مُجمعاً على حمله على ظاهره كتكفير الخوارج بإبطال الرجم. ولهذا نكفر من لم يكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه. فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك .... وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرحاً بالإسلام مع فعله ذلك الفعل: كالسجود للصنم وللشمس والقمر والصليب والنار

стр. 181

والسعي إلى الكنائس والبيع مع أهلها والتزيي بزيهم من شد الزنانير وفحص الرؤوس. فقد أجمع المسلمون على أن هذا لا يوجد إلا من كافر وأن هذه الأفعال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها بالإسلام. وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو الزنا مما حرمه الله بعد علمه بتحريمه كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غلاة المتصوفة (١). ا. هـ. المبحث الأول: الشرك لا يجتمع مع الإسلام قلت: فانظر -رحمك الله تعالى- عندما تكلم القاضي ﵀ عن: الشرك الأكبر فحكم على صاحبه بالكفر والردة، وإن كان صاحبها مصرحاً بالإسلام، ولم يذكر العلم بتحريمه. وعندما تحدث: عن كفر من استحل القتل أو الزنا أو الخمر وقفه على علمه بتحريمه. لأن الأول نقض للتوحيد ولعقد الإسلام الذي جرت أحكامه عليه بافتراض أنه متوفر لديه وأنه منخلع من الشرك فمتى بان عدم انخلاعه من الشرك أو رجوعه إليه رجع القتال وارتفعت عصمة الدم والمال مرة أخرى، بخلاف فرعيات الشريعة لأنه لم يدخل في الإسلام وجرت عليه أحكامه بالإقرار بها على التعيين بل بإقراره بالتوحيد. فلذلك فهو أصل الدين الذي من تركه لا تنفعه جميع أنواع الطاعة وإن أتى بها فهي غير مقبولة بل حابطة. ويُغفر لمن أتى به كل ما هو دونه (أي: التوحيد) إن شاء الله -تعالى- لقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ). ولقوله تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ). لذلك حكى إجماع المسلمين على أن عبادة غير الله لا توجد إلا من كافر أي: لا تصدر إلا من كافر، وإن كان صاحبه مصرحاً: بالإسلام مع فعله هذا الفعل أي كفر بمجرد

стр. 182

التلبس بالشرك الأكبر ومعلوم أن هذا من أبلغ صيغ العموم إذ هو أسلوب حصر وقصر أي: عبادة غير الله لا تكون إلا من كافر، ولا توجد مع الإسلام البتة، بخلاف استحلال المحرمات فقد يكون صاحبها مسلماً إذا كان نشأ ببادية بعيدة، أو حديث عهد بالإسلام، أو لم يكن المحرم: معلوماً بالاضطرار من الدين في وقته. ففي هذه الأحوال يعذر بجهله استحلال المحرمات لأن الخبريات لا يكفر جاهلها إلا بعد النص والبلاغ، بخلاف التوحيد فنقضه كفر قبل الخبر وبعده. تعريف الردة وأنواعها: قال صاحب كفاية الأخيار أبو بكر بن محمد: الردة في اللغة: الرجوع عن الشيء إلى غيره ومنه قوله تعالى: (وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ). وفي الشرع: الرجوع عن الإسلام إلى الكفر وقطع الإسلام. ويحصل تارة بالقول، وتارة بالفعل، وتارة بالاعتقاد وكل واحد من هذه الأنواع الثلاثة فيه مسائل لا تكاد تحصر فتذكر كل نبذة ما يعرف بها غيره. أما القول: فكما إذا قال شخص عن عدوه لو كان ربي ما عبدته فإنه يكفر، وكذا لو قال لو كان نبياً ما آمنت به، أو قال عن ولده أو زوجته هو أحب إلي من الله أو من رسوله، وكذا لو قال مريض بعد ما شفي: لقيت في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم استوجبه فإنه يكفر، وذهب طائفة من العلماء: إلى أنه يتحتم قتله لأن يتضمن قوله نسبة الله تعالى إلى الجور .... وكذا لو ادعى: أنه أوحى إليه وإن لم يدع النبوة أو ادعى أنه يدخل الجنة ويأكل من ثمارها وأنه يعانق الحور العين فهو كفر بالإجماع، ومثل هذا وأشباهه كما يقوله: زنادقة المتصوفة قاتلهم الله ما أجهلهم وأكفرهم وأبلم من اعتقدهم، ولو سب نبياً من الأنبياء أو استخف به فإنه يكفر بالإجماع .... وأما الكفر بالفعل: كالسجود للصنم والشمس والقمر وإلقاء المصحف في القاذورات والسحر الذي فيه عبادة الشمس وكذا الذبح للأصنام والسخرية باسم من أسماء الله تعالى أو بأمره أو وعيده أو قراءة القرآن على ضرب الدف .... ولو فعل فعلاً أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان مصرحاً

стр. 183

بالإسلام مع فعله كالسجود للصليب، أو المشي إلى الكنائس مع أهلها بزيهم من الزنانير وغيرها فإنه يكفر ..... وأما الكفر بالاعتقاد فكثيرة جداً فمن اعتقد: قدم العالم، أو حدوث الصانع، أو اعتقد نفي ما هو ثابت لله تعالى بالإجماع أو أثبت ما هو منفي عنه بالإجماع كالألوان والاتصال والانفصال كان كافراً .... والرضى بالكفر كفر، والعزم على الكفر كفر في الحال، وكذا لو تردد هل يكفر كفر في الحال، وكذا تعليق الكفر بأمر مستقبل كفر في الحال .... إذا عرفت هذا فمن تثبت ردته فهو مهدور الدم لأنه أتى بأفحش أنواع الكفر وأغلظها حكماً. قال الله تعالى: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ). إلى قوله: (خَالِدُونَ) وهل تستحب توبته أو تجب قولان: أحدهما تستحب لقوله ﵇: "من بدل دينه فاقتلوه" والصحيح أنها تجب .... لأن الغالب في الردة أن تكون: عن شبهة عرضت فلم يجز القتل قبل كشفها، والاستتابة منها كأهل الحرب فإنا لا نقتلهم إلا بعد بلوغ الدعوة وإظهار المعجزة (١). ا. هـ. المبحث الثاني: غالب الردة تنشأ عن الجهل والاشتباه: قلت: انظر -رحمك الله- إلى قوله أيضاً ولو فعل فعلاً أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلى من كافر وإن كان صاحبه مصرحاً بالإسلام مع فعله فيقال فيها: ما قيل من قبل وكذلك قوله بوجوب استتابة المرتد معللاً ذلك: بأن غالب الردة تكون عن شبهة وهذا أيضاً ما قاله الإمام الطحاوي: أن الاستتابة تشرع لمن خرج عن الإسلام لا عن بصيرة. وقال ابن قدامة مرجحاً وجوب الاستتابة قال: ولأن الردة في الغالب إنما تكون لشبهة عرضت له، فإذا تأتى عليه وكشفت شبهته رجع إلى الإسلام .... فإن قتل قبل الاستتابة لم يجب ضمانه، لأن عصمته قد زالت بردته (٢). ا. هـ. وقال صاحب كتاب مواهب الجليل شرح مختصر خليل (للحطاب) قال: قال ابن العربي في أول كتاب التوسط في أصول الدين: ألا ترى أن المرتد استحب العلماء له الإمهال، لعله إنما ارتد لريب فيتربص به مدة لعله أن يراجع الشك باليقين والجهل بالعلم

стр. 184

ولا يجب ذلك لحصول العلم بالنظر الصحيح الأول (١). ا. هـ. وهذا يوضح بجلاء هدم قاعدة العذر بالجهل على الإطلاق التي أصلها بعض المتأخرين فإن الردة كثيراً ما تقع من أصحابها بجهل وتأويل فاسد، وليس العلم شرطاً في ثبوتها. قال الشوكاني ولكن لا يخفى عليك ما تقرر في أسباب الردة أنه لا يعتبر في ثبوتها العلم بمعنى: ما قاله من جاء بلفظ كفري أو فعل فعلاً كفرياً (٢). اهـ. قلت: وما نقلته من أبواب الردة سابقاً متواتر في كتب الفقه للعلماء الأجلاء ولولا خشية الإطالة لجئت منها بالكثير، وهو أنهم يكفرون من نقض التوحيد ولا يوقفونه على العلم بخلاف فرعيات الشريعة فهي لا يكفر صاحبها إلا أن يكون عالماً بتحريمها. لأن التوحيد كما ذكرت من قبل الحجة عليه العقل والفطرة والميثاق لا يحتاج ذلك إلى رسول بخلاف الفروع فإنها متوقفة على البلاغ. وفي نهاية هذا الفصل أذكر فيه نواقض الإسلام العشرة التي ذكرها صاحب الولاء والبراء نقلاً عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب قال: ذكر أهل العلم أن هناك عشرة نواقض هامة هي: (١) الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له قال تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) [النساء: ١١٦]. (٢) من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة كفر إجماعاً. (٣) من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر إجماعاً. (٤) من اعتقد أن غير هدي النبي، ﷺ ، أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه كالذين يفضلون حكم الطاغوت على حكمه فهو كافر. (٥) من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول، ﷺ ، ولو عمل به كفر إجماعاً والدليل قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) [محمد: ٩].

стр. 185

(٦) من استهزأ بشيء من دين الله أو ثوابه أو عقابه كفر والدليل قوله تعالى: (قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [التوبة: ٦٥: ٦٦]. (٧) السحر ومنه: الصرف، والعطف فمن فعله أو رضي به كفر. والدليل قوله تعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ) [البقرة: ١٠٢]. (٨) مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين. والدليل قوله تعالى: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [المائدة: ٥١]. (٩) من اعتقد أن بعض الناس لا يجب عليه اتباع النبي، ﷺ ، وأنه يسعه الخروج من شريعته كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى ﵉ فهو كافر. (١٠) الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به والدليل قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ) [السجدة: ٢٢]. ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره وكلها من أعظم ما يكون خطراً ومن أكثر ما يكون وقوعاً فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه (١). ا. هـ. قلت: وبهذا قد تم هذا الباب -بفضل الله وكرمه- وهو حكم الشرع فيمن أحدث ردة وبدّل دينه بعد أن استقام على التوحيد والإسلام. * * *

стр. 186

الباب الرابع الرد على الشبهات في قضية عدم العذر بالجهل والتأويل في أصل الدين وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: الرد على الشبه المستدل بها خطأ من القرآن الكريم. الفصل الثاني: الرد على الشبه المستدل بها خطأ من السنة المطهرة. الفصل الثالث: الرد على فرية بدعة تقسيم الدين إلى أصول وفروع. الفصل الرابع: موقف ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب من تكفير المعين.

стр. 187

الفصل الأول الرد على الشبه المستدل بها خطأ من القرآن الكريم وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تخصيص عموم رخصة الخطأ. المبحث الثاني: شروط الاجتهاد. المبحث الثالث: إثبات الضلال قبل البيان.

стр. 188

الفصل الأول الرد على الشبه المستدل بها خطأ من القرآن الكريم الشبهة الأولى: الاستدلال بعموم رخصة الخطأ: الشبهة الأولى -الاستدلال برخصة الخطأ وأن الجهل فرد من أفراده وهو مرفوع عن الأمة في التوحيد والأصول والفروع واستدل الأخوة الأفاضل في هذا بقوله تعالى: (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) [البقرة: ٢٨٦] وبقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) [الأحزاب: ٥]. وبالحديث الصحيح معناه: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر". والحديث الآخر: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". وقالوا أن هذه رخصة عامة وهي تخصص عموم آيات الشرك. أقول وبالله التوفيق: إن هذه الرخصة ليست على عمومها بالكتاب والسنة وإجماع الأمة وفهم الصحابة والأئمة من بعدهم. المبحث الأول: تخصيص عموم رخصة الخطأ: أما الكتاب: الدليل الأول قوله تعالى: (أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ). ووجه الدلالة: حبوط الأعمال مع عدم الشعور. قال البخاري في كتاب التفسير وأنتم لا تشعرون: وأنتم لا تعلمون. فهذا النص ينص على أن العبد المسلم قد يأتي من الأقوال أو الأعمال أو الأفعال ما يحبط عمله بهذا وهو لا يعلم ويراجع، نقل ابن تيمية في هذه الآية السابق نقله من الصارم والحبوط الكلي لا يكون: إلا بالكفر، كما أن غفران الذنوب جميعها لا يكون إلا بالتوبة وهذا من أصول أهل السنة. فهذه الآية تنص على استثناء الكفر من عموم رخصة الخطأ. الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ).

стр. 189

فهؤلاء القوم كما رجح ابن تيمية قد قالوا: هذا القول الذي قد علموا حرمته، ولم يقصدوا الكفر، وظنوا أن الخوض واللعب يدرأ الكفر عن صاحبه كالإكراه وأن الكفر لا يكون إلا مع العمد والجد ومع ذلك كفرهم الشرع ولم يقبل عذرهم فهؤلاء مع جهلهم بكفرهم لم يُعذروا برخصة الخطأ فهذا النص أيضاً يدل على استثناء الكفر من عموم رخصة الخطأ. الدليل الثالث: يراجع الاحتجاج بدليل عموم آيات النفاق وقوله تعالى: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) وقوله تعالى: (وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ) وقوله (وَمَا يَشْعُرُونَ). وصف أهل القبلة: أما الاحتجاج بالآيتين (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا) وقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ). فيقال: إن هذه رخصة لأهل القبلة ومعلوم أن وصف أهل القبلة لا يكون إلا لعبد موحد متحنف كفر بكل ما يعبد من دون الله وترك الشرك عن علم وقصد، ووحد الله الواحد القهار، فهذا هو الذي يترخص برخص أهل القبلة أما المشرك والكافر فليس من أهل القبلة (١) والدليل على ذلك أن رخصة الخطأ جاءت بعد سياق تحقيق الإيمان بقوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ .... رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا). فمن السياق يُعلم أن رخصة الخطأ هي: فيما دون ذلك القدر من التوحيد والإيمان الذي هو أصل الدين وهذا كالحديث الذي في البخاري: "أن رسول الله، ﷺ ، قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ..... فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له .. ". قال الحافظ: قال النووي: عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ). فالمرتد إذا قتل على ارتداده لا يكون القتل له كفارة. قلت: (أي الحافظ) وهذا بناء على أن قوله: "من ذلك شيئاً" يتناول جميع ما ذكره وهو ظاهر (٢). ا. هـ. ثم أخذ الحافظ يذكر تأويلات العلماء في هذا ورجح كلام الإمام النووي.

стр. 190

وهذا لأن عمومات تحريم الشرك وعدم غفرانه هذه العمومات المكية المحفوظة تخصص جميع الرخص لأهل القبلة لأنهم ما استحقوا هذا الوصف إلا بتحقيق التوحيد وخلع عبادة وتأله كل ما يعبد من دون الله. قال الطبري إمام المفسرين في قوله تعالى: (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا). وهذا تعليم من الله عباده المؤمنين دعاءه كيف يدعونه وما يقولون في دعائهم إياه. ومعناه: قولوا ربنا لا تؤاخذنا إن نسيناً شيئاً فرضت علينا عمله فلم نعمله أو أخطأنا في فعل شيء نهيتنا عن فعله ففعلناه على غير قصد منا إلى معصيتك ولكن على جهالة منا به وخطأ. وساق بسنده عن ابن زيد في قوله تعالى: (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا). إن نسينا شيئاً مما افترضته علينا أو أخطأنا شيئاً مما حرمته علينا .... فأما الذي يكون من العبد على وجه التضييع منه والتفريط فهو ترك منه لما أمر بفعله. فذلك الذي يرغب العبد إلى الله في تركه مؤاخذته به وهو النسيان الذي عاقب الله به آدم، ﷺ ، فأخرجه من الجنة فقال في ذلك (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) وهو النسيان الذي قال جل ثناؤه: (فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا). رخصة الخطأ فيما دون الكفر: فرغبة العبد إلى الله بقوله: (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فيما كان من نسيان منه لما أمر بفعله على هذا الوجه الذي وصفنا ما لم يكن تركه ما ترك من ذلك تفريطاً منه فيه وتضييعاً كفراً بالله فإن ذلك إذا كان كفراً بالله، فإن الرغبة إلى الله في تركه المؤاخذة به غير جائزة، لأن الله قد أخبر عباده أنه لا يغفر لهم الشرك به، فمسئلته فعل ما قد أعلمهم أنه لا يفعله خطأ. وإنما تكون مسألته المغفرة فيما كان من مثل: نسيانه القرآن بعد حفظه بتشاغله عنه وعن قراءته ومثل نسيانه صلاة أو صياماً .... وكذلك الخطأ وجهان: أحدهما: من وجه ما نهى عنه العبد فيأتيه بقصد منه وإرادة فذلك خطأ منه وهو به مأخوذ ... وهذا الوجه الذي يرغب العبد إلى ربه في صفح ما كان منه من إثم عنه إلا ما كان من ذلك كفراً. ا. هـ.

стр. 191

قلت: فهذا تأويل إمام المفسرين لهذا النص وهذا التفسير الذي قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن صاحبه. أما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحها تفسير محمد بن جرير الطبري فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة وليس فيه بدعة ولا ينقل عن المتهمين .... وقال فيه أيضاً: لكن تفسير ابن جرير أصح من هذه كلها (أي: البغوي والقرطبي وابن عطية والزمخشري وغيرهم (١). ا. هـ. فقد نص إمام المفسرين على أن رخصة الخطأ والنسيان هي فيما هو دون الكفر وذلك لخبر الله لنا: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ). وذلك لأنه كما قلت سابقاً: أن أهل القبلة هم الذين: تابوا من الشرك والتزموا الشرائع كما في قوله تعالى: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ). قال حبر الأمة ابن عباس ﵄ حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة (٢). فهذا وصف أهل القبلة: الانخلاع من الشرك والتزام الشرائع فهذا هو الذي يترخص برخص أهل القبلة، أما المشرك فقد بان عن وصف أهل القبلة فلا يتمتع برخصها. قال ابن تيمية في قول النبي ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت بها أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل به". والعفو عن حديث النفس إنما وقع لأمة محمد، ﷺ ، المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فعلم أن هذا العفو هو فيما يكون من الأمور التي لا تقدح في الإيمان. فأما ما نافى الإيمان فذلك لا يتناوله لفظ الحديث، لأنه إذا نافى الإيمان لم يكن صاحبه من أمة محمد، ﷺ ، في الحقيقة ويكون بمنزلة المنافقين، فلا يجب أن يعفى عما في نفسه من كلامه أو عمله وهذا فرق بيّن يدل عليه الحديث وبه تأتلف الأدلة الشرعية. وهذا كما عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان كما دل عليه الكتاب والسنة. فمن صح إيمانه عفى له عن الخطأ والنسيان وحديث النفس كما يخرجون من النار بخلاف من ليس معه الإيمان فإن هذا لم يتدل النصوص على ترك مؤاخذته بما في نفسه وخطأه ونسيانه (٣). ا. هـ.

стр. 192

فهذا نص ابن تيمية صريح في أن العبد الذي يتمتع برخص أهل القبلة هو من صح إيمانه وأن العفو يكون في الأمور التي لا تناقض الإيمان. أما الكافر والمشرك ومن فسد إيمانه من أهل القبلة فهؤلاء لم يتناولهم لفظ الحديث وبهذا التأويل تأتلف الأدلة الشرعية وبهذا انتهى الاستدلال من الكتاب. أما الاستدلال من السنة. الحديث الأول: حديث الخوارج: ويراجع بحثهم في هذا الكتاب ووجه الدلالة منه أنهم أحدثوا اعتقاداً ظنوا به أنهم صفوة الله من خلقه، وأنهم المقبولون به عند بارئهم، دون غيرهم بل كفّروا وكل من خالف معتقدهم وكانوا على عبادة عظيمة. ومع ذلك فقد اتفقت الأمة على ذمهم وتضليلهم واختلفوا في تكفيرهم هذا مع قول النبي، ﷺ ، في شأنهم: "يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم". فمع تأويلهم وجهلهم اتفقت الأمة على إثمهم ولم يعذروهم برخصة الخطأ. وأعيد في هذا المقام قول إمام المفسرين الإمام الطبري فيهم: ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا بخطأ منهم فيما تأولوه من آي القرآن على غير المراد منه (١) اهـ. فهذا الحديث نص في أن رخصة الخطأ ليست على عمومها فتثبت لها التخصيص. وهذا إما أن يكون في الفروع أو في أصول الاعتقاد أو في أصل الدين الذي هو: التوحيد وترك الشرك فإن كان التخصيص للفروع فهو أيضاً للأصول الاعتقادية ومن باب أولى لأصل الدين-. وإن ثبت للأصول الاعتقادية فهو من باب أولى يثبت لأصل الدين. وإما أن يكون لأصل الدين وإن ثبت أن التخصيص له فلا يلزم من ذلك أن يكون للأصول الاعتقادية فضلاً عن فروع الشريعة ففي جميع الاحتمالات ثبت التخصيص لعموم رخصة الخطأ: للتوحيد وترك الشرك الذي هو: أصل الدين. الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه " ... وأما المنافق والكافر فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول لا أدري كنت أقول ما يقوله الناس ... ".

стр. 193

قال الحافظ: وفيه ذم التقليد في الاعتقادات لمعاقبة من قال: كنت أسمع الناس يقولون شيئاً فقلته (١). ا. هـ. قلت: ومن المعلوم أن المقلد جاهل مخطئ إلا أنه غير معذور بجهله بالتقليد في الاعتقادات الباطلة ولم يعذر بالخطأ. الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه " .... وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم". وفي رواية -وهي في الصحيحين- (ما يتبين ما فيها) .. قال الحافظ: في قوله (يهوي) .. وأخرج الترمذي هذا الحديث من طريق محمد بن إسحاق ... بلفظ "لا يرى بها بأساً يهوي بها في النار سبعين خريفاً" (٢). ا. هـ. قلت: فهذا الحديث في الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله ما يتبين ما فيها من المعصية والتعدي يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ولم يعذر بالجهل والخطأ. قال الشيخ العز بن عبد السلام: هي الكلمة التي: لا يعرف القائل حسنها من قبحها. قال: فيحرم على الإنسان أن يتكلم بما لا يعرف حسنه من قبحه. قلت (أي الحافظ) وهذا الذي يجري على قاعدة مقدمة الواجب (٣). ا. هـ. وخير بيان لهذا الحديث على سبيل الثال لا الحصر الخارجي المعترض على قسمة النبي ﷺ بقوله: "إن هذه القسمة لم يراد بها وجه الله" فهذا المأبون يريد أن ينكر منكراً في ظنه فقال كلمة يرجوا ثوابها فكان كافراً مرتداً ولم يظن أنها تبلغ من سخط الله ما بلغت وما يتبين ما فيها من المروق ولا يرى بها بأساً ومع هذا لم يعذر بالخطأ والجهل فثبت التخصيص لهذه الرخصة في الكفر الأكبر. والأحاديث في هذا المقام كثيرة ولولا خشية الإطالة لآتيت بها وبتفسير السلف الصالح لها.

стр. 194

وأما الإجماع: قال القاضي عياض: وذهب عبيد الله بن الحسن العنبري إلى تصويب أقوال المجتهدين في أصول الدين فيما كان عرضة للتأويل وفارق في ذلك فرق الأمة إذ أجمعوا سواه على أن الحق في أصول الدين في واحد والمخطئ فيه آثم عاص فاسق وإنما الخلاف في تكفيره (١). ا. هـ. فهذا إجماع على أن المخطئ في أصول الدين آثم عاص فاسق، والخلاف في تكفيره. فالأمة اتفقت وأجمعت على أن رخصة الخطأ فيما دون أصول الدين والمقصود بأصول الدين هو: أصول اعتقاد أهل السنة مثل: الإيمان قول وعمل وأن الله في السماء ورؤية الله في الآخرة وأن القرآن كلام الله غير مخلوق ... فهذا الذي يخالفهم فيه مخطئ آثم مختلف في تكفيره ويكون مبتدعاً لمخالفة أصول الاعتقاد عند أهل السنة التي وقع عليها الإجماع وليس المقصود بذلك (٢): التوحيد وترك الشرك. لذلك قيده القاضي بقوله: فيما كان عرضة للتأويل بخلاف التوحيد فهذا أصل الأصول وهو أصل الدين. قال صاحب عون المعبود وقال عبد الرحمن أيضاً: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركنا السلف عليه وما يعتقدون من ذلك؟. فقال: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً ومصراً وشاماً ويمناً فكان مذهبهم: أن الإيمان: قول وعمل يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، والقدر خيره وشره من الله وأن الله -تعالى- على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، ﷺ ، بلا كيف أحاط بكل شيء علماً (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (٣). ا. هـ.

стр. 195

ترك تكفير المبتدعين بشرط الإقرار بالتوحيد والتزام الشرائع: فهذه هي أصول الاعتقاد وأصول الدين التي اختلف السلف في تكفير من خالفها من أهل البدع بعضهم رجح التكفير والجمهور على عدم تكفيرهم بشرط أن يكونوا موحدين ملتزمين للشرائع. قال الحافظ تعليقاً على حديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله". قال: ويؤخذ منه ترك تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع (١). ا. هـ. قلت: فهذا ما اتفق عليه سلف الأمة أن المبتدع المختلف في تكفيره من هذه الأمة هو من كان موحداً ملتزماً للشرائع. المبحث الثاني: شروط الاجتهاد: وحديث "إذا اجتهد الحاكم فأصاب ... ". فالاجتهاد يكون: في الفروع وليس في الأصول الاعتقادية فضلاً عن أصل الدين وأيضاً في الفروع التي ليس عليها قاطع من الشرع. فلا يجوز أن يُجتهد في عدد ركعات الصلاة وفرضها ولا في وجوب الحج والصيام وحرمة الفواحش التي عليها قاطع من الشرع. فمحل الاجتهاد في جزء يسير في الشريعة فهو في: الفروع العملية التي ليست عليها قاطع من الشرع: وأما المجتهد فلا بد أن يكون جامعاً لآلة الاجتهاد فإن لم يكن جامعاً لآلة الاجتهاد فهو آثم لقول النبي ﷺ في الحديث القضاة ثلاثة: اثنان في النار منهم من قضى على جهل فهو في النار فهناك شرطان حتى يؤجر المجتهد المخطأ. أولهما: أن يكون عالماً جامعاً لآلة الاجتهاد. فالجاهل لم تأذن له الشريعة في الاجتهاد البتة. الثاني: أن يجتهد في الفروع العملية الظنية التي ليس عليها قاطع من الشرع. فإن الشريعة قد أحكمت التوحيد وهو أصل الدين وكذلك أصول الاعتقاد وكذلك كثير من الفروع العملية كالفرائض وحرمة الفواحش فهذه ليس فيها اجتهاد ولا مأذون للاجتهاد فيها للمجتهد الجامع لآلة الاجتهاد، فضلاً عن الجاهل.

стр. 196

فمن اجتهد فيها فهو آثم لا ريب كمن اجتهد فيما أذن الشرع فيه إلا أنه غير جامع لآلة الاجتهاد فهذا أيضاً آثم لا شك في ذلك. وهذا القدر متفق عليه بين سلف الأمة وأئمتها كما نقل القاضي عياض الإجماع عليه. قال الإمام النووي تعليقاً على الحديث (إذا اجتهد الحاكم) فقال: قال لعلماء: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم فإن أصاب فله أجران أجر باجتهاده وأجر بإصابته، وإن أخطأ فله أجر باجتهاده، وفي الحديث محذوف تقديره إذا أراد الحاكم فاجتهد. قالوا: فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم فإن حكم فلا أجر له بل هو آثم ولا ينفذ حكمه، سواء وافق الحق أم لا لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي فهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا وهي مردودة كلها ولا يعذر في شيء من ذلك وقد جاء في الحديث في السنن: القضاة ثلاثة قاض في الجنة واثنان في النار .. وقاض قضى على جهل فهو في النار. (ثم أخذ يتكلم عن مسألة هل كل مجتهد مصيب أم المصيب واحد إلى أن قال). وهذا الاختلاف إنما هو: في الاجتهاد في الفروع فأما أصول التوحيد فالمصيب فيها واحد بإجماع من يعتد به (١). ا. هـ. وقال صاحب عون المعبود تعليقاً على الحديث قال: قال الخطابي: إنما يؤجر المخطئ على اجتهاده في طلب الحق. لأن اجتهاده عبادة ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط. وهذا فيمن كان جامعاً لآلة الاجتهاد عارفاً بالأصول عالماً بوجوه القياس، فأما من لم يكن محلاً للاجتهاد فهو متكلف ولا يعذر بالخطأ بل يخاف عليه الوزر ويدل عليه قوله، ﷺ : "القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار". وهذا إنما هو: في الفروع المحتملة للوجوه المختلفة دون الأصول التي هي أركان الشريعة وأمهات الأحكام التي لا تحتمل الوجوه ولا مدخل فيها للتأويل، فإن من أخطأ فيها كان غير معذور في الخطأ وكان حكمه في ذلك مردوداً (٢). ا. هـ. قلت: ويراجع أيضاً فتح الباري وغيرها من كتب الحديث.

стр. 197

لا اجتهاد في القطعيات: قال الإمام الشوكاني نقلاً عن الغزالي: في تعريف الاجتهاد قال فهو: استفراغ الوسع في النظر فيما لا يلحقه فيه لوم مع استفراغ الوسع فيه وهو: سبيل مسائل الفروع ولهذا تسمى هذه المسائل: مسائل الاجتهاد والناظر فيها مجتهداً وليس هكذا حال الأصول. انتهى ... ومنهم من قال: هو استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي فزاد قيد الظن لأنه لا اجتهاد في القطعيات .. وإذا عرفت هذا (كلام الإمام الشوكاني) فالمجتهد: هو الفقيه المستفرغ لوسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي. وإذا عرفت معنى الاجتهاد والمجتهد فاعلم أن المجتهد فيه: هو الحكم الشرعي العملي. قال في المحصول: المجتهد فيه: هو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قاطع واحترزنا بالشرعي عن العقليات ومسائل الكلام، وبقولنا ليس فيه دليل قاطع عن وجوب الصلوات الخمس والزكاة وما اتفقت عليه الأمة من جليات الشريعة .... المسألة السابعة: اختلفوا في المسائل التي كل مجتهد فيها مصيب، والمسائل التي الحق فيها مع واحد من المجتهدين وتلخيص الكلام في ذلك يحصل في فرعين: الفرع الأول: العقليات وهي على أنواع: النوع الأول: ما يكون الغلط فيه مانعاً من معرفة الله ورسوله كما في إثبات العلم بالصانع والتوحيد والعدل. قالوا فهذه الحق فيها واحد فمن أصابه أصاب الحق ومن أخطأه فهو كافر. النوع الثاني: مثل مسألة الرؤية وخلق القرآن وخروج الموحدين من النار وما يشابه ذلك فالحق فيها واحد فمن أصابه فقد أصاب، ومن أخطأه فقيل: يكفر، ومن القائلين بذلك الشافعي فمن أصحابه من حمله على ظاهره ومنهم من حمله على كفران النعمة (١). ا. هـ. قلت: فهذا المعنى مستقر في كتب شروح السنة وكتب أصول الفقه.

стр. 198

أن المجتهد لا بد أن يكون جامعاً لآلة الاجتهاد، والمُجْتهد فيه الفروع العملية التي ليس عليها قاطع فكيف يستقيم هذا مع من يقول بأن المشرك المجتهد معذور لحديث "إذا اجتهد الحاكم" ولقوله تعالى: (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا). وذلك لأسباب: (١) أن المشرك ليس من أهل القبلة. (٢) أنه ليس بجامع لآلة الاجتهاد. (٣) أنه اجتهد فيما لم يأذن الشرع له فيه أن يجتهد. أما أقوال الصحابة والأئمة من بعدهم في هذه القضية فمنها: (١) موقف الصحابة من مانعي الزكاة ولم يعتبروا تأويلهم وخطأهم باحتجاجهم خطأ يقول الله -تعالى-: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا). بل قاتلوهم قتال مرتدين (يراجع ما جاء في هذا المقام بالنسبة لمانعي الزكاة) (١). (٢) موقف عبد الله بن عمر ﵄ من القدرية الأول ولم يعتبر الاشتباه الذي قد وقعوا فيه وإرادتهم تنزيه الله عن الظلم فوقعوا في التنقص به من حيث لا يشعرون وبراءته منهم بمجرد سماع مقالتهم (يراجع النقل فيها) (٢). (٣) موقف الأئمة من أصحاب البدع المغلظة ولم يعتبروا تأويلهم وجهلهم وخطاهم على سبيل المثال لا الحصر -الجهمية. قال ابن تيمية: قال: وأما تعيين الفرق الهالكة فأقدم من بلغنا عنه أنه تكلم في تضليلهم: يوسف بن أسباط ثم عبد الله بن المبارك وهما إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين قالا: أصول البدع أربعة: الروافض والخوارج والقدرية والمرجئة. فقيل: لابن المبارك والجهمية؟ فأجاب: بأن أولئك ليسوا من أمة محمد، ﷺ ، وكان يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية (٣). ا. هـ. وقال أيضاً: قال البخاري: وأقول: في المصحف قرآن وفي صدور الرجال قرآن فمن

стр. 199

قال غير هذا: يستتاب فإن تاب وإلا فسبيله سبيل الكفر (١). ا. هـ. وقال صاحب عون المعبود وقال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد: قال سمعته وبلغه عن رجل أنه قال إن الله لا يرى في الآخرة فغضب غضباً شديداً ثم قال: من قال: إن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر فعليه لعنة الله وغضبه من كان من الناس أليس الله يقول: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ). وقال: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ). فهذا دليل على أن المؤمنين يرون الله .... وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل وقد ذكر عنده شيء في الرؤية فغضب وقال: من قال: إن الله لا يرى فهو كافر (٢). ا. هـ. قلت: وفي هذا القدر الكفاية بفضل الله للرد على هذا الاشتباه وبيان أن رخصة الخطأ هي فيما دون أصل الدين أي: التوحيد وترك الشرك وهذا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع وعليه سلف الأمة وأئمتها. وقد استفضت في الرد على هذا الاشتباه (لأنه من جهة الأمانة العلمية أقوى دليل يُستدل به خطأ في هذه القضية وبمشيئة الله هذا لن يكون دأبي في بقية الشبه فمنها بمشيئة الله ما سوف أمر عليه مر الكرام إما لوهنه الشديد في الاشتباه وإما لأنه أجنبي عن الاستدلال في المسألة وبالله التوفيق. حادثة الحواريين: الشبهة الثانية: الاستدلال بقول الله -تعالى-: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) [المائدة: ١١٢: ١١٣]. قالوا: فهؤلاء القوم شكوا في قدرة الله وفي صدق نبوة نبيه، ﷺ ، وعذروا بجهلهم والجواب:

стр. 200

الحواريين أعلم بالله من أن يشكوا فيه: حمل جمهور العلماء من المفسرين: قراءة يستطيع ربك على قراءة تستطيع ربك بنصب ربك بمعنى: هل تستطيع أنت أن تسأل ربك نزول المائدة. وقالوا: إن القوم أعلم من أن يشكوا في قدرة الله. وقراءة يستطيع قالوا عنها: يستطيع بمعنى: يُجيبك ربك ويطيع لك في هذا. وهذا مشهور في كلام العرب. قال ابن تيمية: وكذلك قول الحواريين: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ). إنما استفهموا عن هذه القدرة (١) وكذلك ظن يونس أن لن نقدر عليه أي فسر بالقدرة كما يقال للرجل هل تقدر أن تفعل كذا؟ أي: هل تفعله؟ وهو مشهور في كلام الناس (٢). ا. هـ. وقال بعض أهل العلم: إنهم شكوا في قدرة الله وفي صحة رسالة نبيه، ﷺ ، وأنهم وقعوا في هذا قبل أن تستحكم المعرفة في قلوبهم وحملوا المعنى على هذا وقالوا إن القوم كفروا بهذا القول واستتابهم نبيهم، ﷺ ، من هذا القول بقوله: (اتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ). وهذا ترجيح الإمام الطبري وكذلك قولهم (وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا). قال الإمام الطبري أنهم شكوا في رسالته لذلك هو رجح كفرهم وجمهور المفسرين قالوا: أي نزداد يقينا وتصديقاً في رسالته، وأن القوم لم يشكوا بل طلبوا آية حسية يزدادون بها يقيناً وصدقاً خالصاً من الخواطر والهواجس النفسية. فهل بعد هذا التفصيل -بفضل الله تعالى- لكلام المفسرين من شبهة بقيت للاحتجاج بها على قضية العذر بالجهل؟. فالعلماء منهم من رجح الشك فكفروهم ولم يعذروهم. والجمهور على أن القوم لم يشكوا وأنهم أعلم بالله من هذا وهو الراجح من القول وهو قول علي وعائشة وابن عباس ومجاهد (٣) وأنهم طلبوا آية حسية يزدادون بها يقيناً وصدقاً. ولم يقل أحد من العلماء: أنهم شكوا في قدرة الله وصحة الرسالة وعُذروا بهذا.

стр. 201

وقوله تعالى: (وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا). أي: نرى آية حسية والعرب تضع الرؤية مكان العلم والعلم مكان الرؤية. قال القرطبي في قوله تعالى في تحويل القبلة (إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) [البقرة: ١٤٣]. قال علي ﵁: معنى "لنعلم" لنرى. والعرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم كقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ). بمعنى: ألم تعلم. ا. هـ. فالمقصود من العلم هنا: -والله أعلم- رؤية حسية تطمئن قلوبهم بها كقوله تعالى (بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي). عن إبراهيم الخليل، ﷺ ، عندما سأل ربه آية حسية يزداد قلبه بها طمأنينة. قال -البغوي- قرأ الكسائي: (هل تستطيع) بالتاء (ربك) بنصب الباء وهو قراءة علي وعائشة وابن عباس ومجاهد. أي: هل تستطيع أن تدعو وتسأل ربك. وقرأ الآخرون (يستطيع) بالياء و (ربك) برفع الباء. ولم يكونوا شاكين في قدرة الله ولكن معناه: هل ينزل ربك أم لا؟ كما يقول الرجل لصاحبه: هل تستطيع أن تنهض معي وهو يعلم أنه يستطيع وإنما يريد هل يفعل ذلك أم لا .. (وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا) بأنك رسول الله أي: نزداد إيماناً ويقينا ا. هـ. وقال ابن كثير: (.. هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) هذه قراءة كثيرين وقرأ آخرون (هل تستطيع ربك) أي: هل نستطيع أن تسأل ربك .. (وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا) أي ونزداد إيماناً بك وعلماً برسالتك).ا. هـ. وقال القرطبي: ... فقال السدي: المعنى: هل يطيعك ربك إن سألته (أن ينزل) فيستطيع بمعنى: يطيع كما قالوا: استجاب بمعنى: أجاب وكذلك استطاع بمعنى: أطاع. وقبل المعنى: هل يقدر ربك؟ وكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله . ولهذا قال عيسى في الجواب عند غلطهم وتجويزهم على الله ما لا يجوز: (اتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) أي: لا تشكوا في قدرة الله -تعالى-. قلت: وفي هذا نظر لأن الحواريين خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم كما قال: (مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ) [الصف: ١٤]. وقال عليه السلام

стр. 202

"لكل نبي حواري وحواري الزبير". ومعلوم أن الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، جاءوا بمعرفة الله -تعالى- وما يجب له وما يجوز وما يستحيل عليه وأن يبلغوا ذلك أممهم، فكيف يخفي ذلك على من باطنهم واختص بهم حتى يجهلوا قدرة الله -تعالى-؟ ... وقيل: إن القوم لم يشكوا في استطاعة الباري سبحانه لأنهم كانوا مؤمنين عارفين عالمين، وإنما هو كقولك للرجل: هل يستطيع فلان أن يأتي، وقد علمت أنه يستطيع فالمعنى: هل يفعل ذلك؟ وهل يجيبني إلى ذلك أم لا؟ وقد كانوا عالمين باستطاعة الله -تعالى- لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر فأرادوا علم معاينة كذلك كما قال إبراهيم، ﷺ ، (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى). على ما تقدم وقد كان إبراهيم علم لذلك علم خبر ونظر ولكن أراد المعاينة التي لا يدخلها ريب ولا شبهة. قلت وهذا تأويل حسن، وأحسن منه أن ذلك كان من قول: من كان مع الحواريين .. قال ابن الحصار: وقوله سبحانه مخبراً عن الحواريين لعيسى (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) ليس يشك في الاستطاعة، وإنما هو تلطف في السؤال وأدب مع الله -تعالى- إذ ليس كل ممكن سبق في علمه وقوعه لكل أحد والحواريون هم كانوا خيرة من آمن بعيسى فكيف يظن بهم الجهل باقتدار الله -تعالى- على كل شيء ممكن؟ وأما قراءة التاء فقيل المعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك. هذا قول عائشة ومجاهد ﵄ -قالت عائشة- ﵂ كان القوم أعلم بالله من أن يقولوا "" [قالت] ولكن "هل تستطيع ربك" وروى عنها أيضاً أنها قالت: كان الحواريون لا يشكون أن الله يقدر على إنزال مائدة ولكن قالوا: "هل تستطيع ربك" وعن معاذ بن جبل قال: "أقرأنا النبي، ﷺ ، "هل تستطيع ربك" قال معاذ: وسمعت النبي، ﷺ ، مراراً يقرأ بالتاء "هل تستطيع ربك". ا. هـ. وقال الطبري: ... فقرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين "هل تستطيع" بالتاء "ربك" بالنصب بمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك؟ أو هل تستطيع أن تدعو ربك؟ أو هل تستطيع وترى أن تدعوه؟ وقالوا: لم يكن الحواريون شاكين أن الله -تعالى ذكره- قادر أن ينزل عليهم ذلك وإنما قالوا لعيسى: هل تستطيع أنت ذلك .... (ثم أخذ يتكلم عن قراءة يستطيع ويرجحها فقال): إن الله -تعالى ذكره- قد كره منهم ما قالوا من ذلك واستعظمه وأمرهم بالتوبة ومراجعة الإيمان من قبلهم ذلك والإقرار لله بالقدرة على كل شيء وتصديق

стр. 203

رسوله، ﷺ ، فبما أخبرهم عن ربهم من الأخبار، وقد قال عيسى لهم عند قيلهم ذلك له استعظاماً منه لما قالوا: (اتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ). ففي استتابة الله إياهم ودعائه لهم إلى الإيمان به وبرسوله، ﷺ ، عند قيلهم ما قالوا من ذلك واستعظام نبي الله، ﷺ ، كلمتهم الدلالة الكافية من غيرها على صحة القراءة في ذلك بالياء ورفع "الربُ" ... وأما قوله: "قَالَ اتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" فإنه يعني: قال عيسى للحواريين القائلين له: " هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ " راقبوا الله أيها القوم وخافوا أن ينزل بكم من الله عقوبة على قولكم هذا، فإن الله لا يعجزه شيء أراده. وفي شككم في قدرة الله على إنزال مائدة من السماءكفر به فاتقوا الله أن ينزل بكم نقمته إن كنتم مؤمنين. ا. هـ. قلت: فهل بعد سرد كلام العلماء في هذه الآية تبقى شبهة في الاحتجاج بها في قضية العذر بالجهل في أصل الدين؟ اترك للقارئ الفاضل الإجابة على هذا السؤال. الشبهة الثالثة: الاستدلال بقوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ) [التوبة: ١١٥]. وقالوا: الضلال لا يكون إلا بعد بيان وهذا النص يعم الشرك وما دونه ولفظ الضلال في هذا لا يقع إلا بعد البيان -والجواب. منهج أهل السنة في الاستنباط: إن أهل السنة عندما يريدون أن يستنبطوا حكماً معيناً ينظرون إلى الأدلة على أنها مجتمعة لا متفرقة وعلى أن القرآن يصدق بعضه بعضاً لا يكذب بعضه بعضاً لقوله تعالى: (كِتَاباً مُّتَشَابِهاً). أي: يشبه بعضه بعضاً لا اختلاف فيه، ولقوله تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً). فعند الجمع بين أطراف الأدلة وتنزيل كل دليل على مناطه يتضح الحكم ويظهر بقوة وبيان وجلاء، أما أهل البدع والعياذ بالله فينظرون بنظرة متشابه وعلى آحاد الأدلة ويقتطعون الشرع ويضربون بعضه ببعض. ففي هذه الآية ينفي القرآن فيها الضلال إلا بعد البيان ولكن هذا فيما دون الشرك والكفر لأن القرآن أثبت الضلال قبل البيان في مواضع كثيرة كقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي

стр. 204

الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ -إلى قوله- وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ). وقوله تعالى: (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ). [البقرة، الآية: ١٩٨]. قال القرطبي: أي: ما كنتم من قبل إنزاله (أي القرآن) إلا ضالين. ا. هـ. وقول النبي، ﷺ ، في الحديث (ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي (١)). وهذا عندما وجد بعض الأنصار من قسمته، ﷺ ، فهذه نصوص الكتاب والسنة أن المشركين قبل البيان كانوا من الضالين وكذلك قوله تعالى: (فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) [الأعراف: ٣٠]. قال ابن كثير: قال ابن جرير الطبري: وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحداً على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها فيركبها عناداً منه لربه فيها. لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه هاد وفريق الهدى فرق. وقد فرق الله -تعالى- بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية. ا. هـ. وقال البغوي: فيه دليل على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند سواء. ا. هـ. قلت: فهذان إمامان جليلان من أئمة السنة ابن جرير الطبري وابن كثير وكذلك الإمام البغوي على أن هذه الآية التي بين أيدينا تنص على أن الكافر الذي يظن أنه على الحق والصراط المستقيم بيد أنه في حقيقة الأمر على سبيل من السبل بسبب الجهل والتأويل أنه عير معذور فثبت بهذا النص أن الكفر والشرك مستثنى من قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ). قال ابن تيمية ولفظ "الضلال" إذا أطلق تناول من ضل عن الهدي سواء كان عمداً أو جهلاً ولزم أن يكون معذباً كقوله: (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ، فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ). وقوله: (رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ

стр. 205

لَعْناً كَبِيراً). وقوله (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) (١). ا. هـ. المبحث الثالث: إثبات الضلال قبل البيان: قلت: وكذلك قوله تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ). وقوله تعالى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ) [الأنعام: ١٤٠]. قال ابن كثير: يقول تعالى: قد خسر الذين فعلوا هذه الأفاعيل في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فخسروا أولادهم بقتلهم وضيقوا عليهم في أموالهم فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، وأما في الآخرة فيصيرون إلى شر المنازل بكذبهم على الله وافترائهم .... . . . عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال إذا سرك أن تعلم جهل العرب فقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ -إلى قوله- قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ). وهكذا رواه البخاري منفرداً في كتاب مناقب قريش من صحيحه. ا. هـ. قلت: فهذه الآية التي تتحدث عن قريش قبل البعثة أنهم مع جهلهم وافترائهم وقبل البيان من الله كانوا ضالين لأن ذلك كان في التشريع وهو من أخطر أنواع الشرك بل هو أساس كل شرك التشريع من دون الله لأن العبيد لو وقفوا على تشريع الله ولم يتعدوا حدوده لما وجدت شركاً ولا بدعة. وكذلك قوله تعالى: (لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ). [النحل: ٢٥]. الجهل أساس الضلال: قال القرطبي: (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ) قال مجاهد: يحملون وزر من أضلوه ولا ينقص من إثم المضل شيء. وفي الخير "أيما داع إلى ضلالة فاتبع فإن عليه مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء وأيما داع إلى هدى فاتبع فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء". أخرجه مسلم بمعناه و "من" للجنس لا للتبعيض. فدعاة الضلالة عليهم مثل أوزار من اتبعهم. وقوله "بغير علم" أي: يضلون الخلق

стр. 206

جهلاً منهم بما يلزمهم من الآثام إذ لو علموا لما أضلوا. ا. هـ. قلت: ويراجع تفسيري ابن جرير وابن كثير فهما في نفس المعنى تماما. فهذا النص ينص على إثم من ضل بغير علم وهو في الشرك والبدع العقائدية ويراجع بحث الاجتهاد السابق ذكره للعلماء الذين تحدثوا عن الاجتهاد الخطأ وضوابطه ومجاله. وهذه الآية تتفق تماما مع الحديث الذي في البخاري. كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس (ولا تقف) لا تقل (ما ليس لك به علم) "إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعا ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم. فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون" ... وفي رواية حرملة: "يفتونهم بغير علم فيضلون ويضلون". قال الحافظ: وفي حديث أبي أمامة من الفائدة الزائدة: "أن بقاء الكتب بعد رفع العلم بموت العلماء لا يغني من ليس بعالم شيئاً" فإن في بقيته "فسأله أعرابي فقال: يا نبي الله كيف يرفع العلم منا وبين أظهرنا المصاحف وقد تعلمنا ما فيها وعلمناها أبناءنا ونساءنا وخدمنا فرفع إليه رأسه وهو مغضب فقال: وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف لم يتعلقوا منها بحرف فيما جاءهم به أنبياؤهم" (١) ولهذه الزيادة شواهد من حديث عوف بن مالك وابن عمرو وصفوان بن عسال وغيرهم وهي عند الترمذي والطبراني والدارمي والبزار بألفاظ مختلفة وفي جميعها هذا المعنى (٢). ا. هـ. قلت: فهذا الحديث ينص في صراحة بوقوع لفظ الضلال مع الجهل للتابع والمتبوع فالآية والحديث يدلان بوضوح بوقوع لفظ الضلال والوزر مع الجهل والتأويل وهذا يكون في الشرك والابتداع ولهذا بوب البخاري باباً في نفس هذا الكتاب (أي الاعتصام بالكتاب والسنة). باب إثم من دعا إلى ضلالة أو سن سنة سيئة لقول الله تعالى: (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ). الآية.

стр. 207

قال الحافظ ... فأما حديث "من دعا إلى ضلالة" فأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي ... عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً" ... قال: المهلب هذا الباب والذي قبله في معنى التحذير من الضلال واجتناب البدع ومحدثات الأمور في الدين، والنهي عن مخالفة سبيل المؤمنين. انتهى. ووجه التحذير: أن الذي يحدث البدعة قد يتهاون بها لخفة أمرها في أول الأمر ولا يشعر بما يترتب عليها من المفسدة وهو أن يلحقه إثم من عمل بها من بعده ولو لم يكن هو عمل بها بل لكونه كان الأصل في إحداثها (١). ا. هـ. قلت: فمن النص القرآني والأحاديث الصحيحة بعلم: أن الضلال والوزر يقعان مع الجهل والتقليد المحض في الشرك والبدع ومحدثات الأمور وهذا يخصص عموم قوله -تعالى- (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ). قال ابن كثير وقال ابن جرير: يقول الله -تعالى-: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركوا، فأما قبل أن يبين لكم كراهيته ذلك بالنهي عنه ثم تتعدوا نهيه إلى ما نهاكم عنه، فإنه لا يحكم عليكم بالضلال فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي، وأما من لم يؤمر ولم ينه فغير كائن مطيعاً أو عاصياً فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه. ا. هـ. قلت: انظر رحمك الله قول الإمامين ابن كثير وابن جرير في هذه الآية وفي آية "فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ". صريح بالمؤاخذة في الاعتقاد وبغير المؤاخذة في الأوامر والنواهي في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً). وهذا أكبر دليل على أن مناط الآية الأولى غير مناط الآية الثانية ولا تعارض بينهما لعدم اتحاد مناطهما.

стр. 208

العذاب لا يقع إلا بعد البيان: وقال الإمام البغوي: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ) الآية معناه: ما كان الله ليحكم عليكم بالضلالة بترك الأوامر باستغفاركم للمشركين (حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ). يريد: حتى يتقدم إليكم بالنهي فإذا تبين ولم تأخذوا به فعند ذلك تستحقون الضلال. قال مجاهد: بيان الله للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة وبيانه لهم في معصيته وطاعته عامة فافعلوا أو ذروا. وقال الضحاك: ما كان الله ليعذب قوماً حتى يبين لهم ما يأتون وما يذرون. ا. هـ. قلت: فهذه أقوال المفسرين في هذه الآية أنها نزلت بسبب استغفار المسلمين لآبائهم المشركين تأسياً بإبراهيم الخليل، ﷺ ، في استغفاره لأبيه. وهذه معصية لم يسبق النهي عنها في حقهم بنص فخاف المسلمون من الإثم بعد نزول النهي عنها، فنزل قول الله -تعالى-: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً). وقال العلماء: إنها عامة في جميع الأوامر والنواهي دون الشرك والابتداع وبهذا تأتلف النصوص والأدلة الشرعية بفضل الله وحده. الضلال المستوجب للعقوبة لا يكون إلا بعد البلاغ: والضلال المنفي في الآية هو الضلال المستوجب للعقوبة كما قال الضحاك وهذا (أي العقاب) مرفوع في الأصول والفروع والكليات والجزئيات حتى يأتي الشرع لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). ولا حظر ولا أمر إلا بشرع ولا يلزم العباد التكليف إلا بالبلوغ منع انتفاء المعارض من التمكن من العلم فهذا هو الضلال المستوجب للعقوبة في الدارين: وأما الضلال الذي هو الغياب عن سنن الهدى فهذا متحقق قبل النص لأنه لا خروج من الضلال إلا بنص من الله جل ثناؤه ومن هذا يعلم قول النبي، ﷺ ، في الحديث الصحيح "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم" (١) ... فلا خروج من الضلال إلا بالنص والبلاغ عن الله. لذلك من وقع في الشرك قبل البعثة فهو مشرك ضال ولو لم يأته بيان من الله لنقضه العهد والميثاق والفطرة وحجية الآيات لكونية لذلك وصف القرآن المشركين قبل البعثة بالضلال كقوله تعالى: (وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ). وقوله تعالى:

стр. 209

(وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ). والحديث الصحيح -ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي-. فالشرك قبل البعثة قبح وضلال وغياب عن سنن الهدى وسبب للعذاب إلا أنه متوقف على شرط وهو البعثة الرسالية لذلك كما قال ابن تيمية سابقا (واسم المشرك ثبت قبل الرسالة لأنه يشرك بربه) وابن القيم. أن الحجة في الشرك العقل وأما الحجة الرسالية فهي حجة في العذاب. وبهذا يعلم أن الضلال قبل البيان خروج عن الصراط المستقيم وأصحابه قطعا إن كانوا واقعين في الشرك فليسوا بمسلمين بيد أنهم لا يعذبون في الدارين هذا على المذهب الراجح -إلا بعد البلاغ والحجة الرسالية. وعلى هذا يفهم قول الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ). فالمقصود بالضلال الذي يكون بعد البعثة: هو الضلال الذي يستوجب صاحبه العذاب في الدارين بعد قيام الحجة عليه وإلا فالقوم قبلها في ضلال مبين لأن الأنبياء يُرسلون إلى أقوامهم المشركين يدعونهم إلى الفطرة الصحيحة والإسلام والعبادة التي خلقوا من أجلها فهم قبلهم في ضلال مبين وجور عن الصراط المستقيم وليسوا بمهتدين لذلك قال الله : (فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ) لأنهم لم يكونوا قبل البعثة على الهدى والصراط المستقيم ولهذا أثبت القرآن الضلال قبل البيان والبعثة كما ذكرت من قبل وهذا في الكثير الكثير من الآيات على سبيل المثال لا الحصر إضافة إلى الآيات السابقة. قوله تعالى: (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ) أي: لئلا تضلوا وكراهية أن تضلوا. فالمشركون قبل البعثة ضلّال لا ريب في ذلك ولكن بعد الحجة الرسالية إن أصروا على شركهم وغيهم فقد استوجبوا العذاب في الدارين قال الله : (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) [إبراهيم: ١]. قال الإمام الشوكاني: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ). لتخرجهم من ظلمات الكفر والجهل والضلالة إلى نور العلم والإيمان والهداية. ا. هـ.

стр. 210

فبنص القرآن الناس قبل الحجة الرسالية وقبل البيان في ظلمات الكفر والشرك والضلال ولكن هذا الضلال موجب للعذاب بعد الحجة الرسالية. وقال الشوكاني أيضاً في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ) .... وتقديم الإضلال على الهداية لأنه متقدم عليها إذ هو إبقاء على الأصل، والهداية إنشاء ما لم يكن. ا. هـ. انظر -رحمك الله- أن الضلال ثابت قبل البعثة وهو متقدم على الهداية لذلك هو بقاء على الأصل والهداية إنشاء ما لم يكن. نخرج من هذا البحث في هذه الآية: (١) أن الشرك قبل البعثة والحجة الرسالية ضلال مبين وصاحبه مشرك ليس بمسلم -وأنه موعد بالعذاب على شركه إن أصر عليه بعد الحجة (على الراجح عند أهل السنة). (٢) بعد بلوغ الشرائع لا يقع الضلال إلا بعد البيان في الأوامر والنواهي. (٣) يأثم القوم ويقع عليهم الضلال والوزر مع الجهل والتقليد في الابتداع والإحداث. فبعد بلوغ الرسالة قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً). على عمومه في الأوامر والنواهي دون الشرك والابتداع وقوله تعالى: (لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ). وحديث: (وأيما داع إلى ضلالة كان عليه من الوزر ومن أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً". عام في العقائد مع الإعراض واتباع غير الله ورسوله، ﷺ ، وسبيل المؤمنين. وبهذا تأتلف الأدلة وتستقيم بلا تعارض بينها ولله الفضل والمنة والله -تعالى- أعلم. وبهذا انتهى بفضل الله الرد على أهم الشبه المستدل بها خطأ من القرآن الكريم. * * *

стр. 211

الفصل الثاني الرد على الشبه المستدل بها خطأ من السنة المطهرة وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. المبحث الثاني: الفرق بين الطلب من المخلوق والطلب به. المبحث الثالث: التأويل دليل على مخالفة النص الجزئي لقاعة كلية.

стр. 212

الفصل الثاني الرد على الشبه المستدل بها خطأ من السنة المطهرة حديث أمنا عائشة في العلم: الشبهة الأولى: الاستدلال خطأ بحديث عائشة ﵂ في العلم. أخرج مسلم في صحيحه "قالت عائشة ألا أحدثكم عني وعن رسول الله، ﷺ ، قلنا بلى قال (١) قالت لما كانت ليلتي التي كان النبي، ﷺ ، فيها عندي اتقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعها عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت فأخذ رداءه رويداً وانتعل رويداً وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويداً فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى حاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات ثم انحرف فانحرفت فأسرع فأسرعت فهرول فهرولت فأحضر فأحضرت فسبقته فدخلت فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال يا عائش حشيا رابية قالت قلت لا شيء قال فلتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير قالت قلت يا رسول الله، ﷺ ، بأبي أنت وأمي فأخبرته قال فأنت السواد الذي رأيت أمامي قلت نعم فلهدني في صدري لهدة أوجعتني ثم قال أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله قلت مهما يكتم الناس يعلمه الله نعم. قال فإن جبريل أتاني حين رأيت فناداني فأخفاه منك فأجبته فأخفيته منك ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك وخشيت أن تستوحشي فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله قال قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون". قال النووي: (قالت مهما يكتم الناس يعلمه الله نعم) هكذا هو في الأصول وهو صحيح وكأنها لما قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، صدقت نفسها فقالت: نعم (٢). ا. هـ.

стр. 213

لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة: قلت: فهذا الحديث من أوله إلى آخره أين الشك من أمنا عائشة ﵂؟. فقولها (مهما يكتم الناس يعلمه الله نعم) تقرير للعلم، وهو في الأصول كما قال النووي. وهل لو كانت عائشة والعياذ بالله تشك في هذه الصورة الدقيقة فلم لم ينكر عليها النبي ﷺ ؟ فإن قيل: هذا لجهلها فالجواب: أن النبي، ﷺ ، أنكر على من هم حدثاء عهد بإسلام إنكاراً شديداً في حديث ذات أنواط وشبّههم ببني إسرائيل في قولهم اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، وأنكر على من قال له (ما شاء الله وشئت فقال أجعلتني لله نداً قل ما شاء الله وحده) أو كما قال، ﷺ ، وما كان آفتهم التي أوقعتهم في هذا إلا الجهل. فلم لم ينكر النبي، ﷺ ، على عائشة؟ وهي من تربت في بيت النبوة التي كان بيتها يتلى فيه آيات الكتاب والحكمة وهي مسلمة بفضل الله منذ العهد المكي وليست حديثة عهد بإسلام. فالحديث ليس فيه أدنى لوم عليها مترتب على مقالتها التي صدقت فيها نفسها. ومن المعلوم أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة بلا خلاف بين العلماء. المبحث الأول: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة: قال ابن قدامة: ولا خلاف في أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (١). ا. هـ. وقال الشوكاني في تأخير البيان عن وقت الحاجة. اعلم أن كل ما يحتاج إلى البيان من مجمل وعام ومجاز ومشترك وفعل متردد ومطلق إذا تأخر بيانه فذلك على وجهين: الأول: أن يتأخر عن وقت الحاجة، وهو: الوقت الذي إذا تأخر البيان عنه لم يتمكن المكلف من المعرفة لما تضمنه الخطاب وذلك في الواجبات الفورية لم يجز. لأن الاتيان بالشيء مع عدم العلم به ممتنع عند جميع القائلين بالمنع من تكليف ما لا

стр. 214

يطاق، وأما من جوز التكليف بما لا يطاق فهو يقول: بجوازه فقط لا بوقوعه: فكان عدم الوقوع متفقاً عليه بين الطائفتين. ولهذا نقل أبو بكر الباقلاني: اجماع أرباب الشرائع على امتناعه. قال ابن السمعاني: لا خلاف في امتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى الفعل ولا خلاف في جوازه إلى وقت الفعل (١). ا. هـ. الفرق بين وقت الحاجة ووقت الخطاب: قلت: فهذا اتفاق العلماء على أنه: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة أي: وقت امتثال التكليف الشرعي. وأما تأخير البيان في الواجبات التي ليست بفورية عن وقت الخطاب إلى وقت الفعل والامتثال فقد جوزه: كثير من العلماء فانتبه للفرق. ومن المعلوم بيقين أن العقائد البيان يكون فيها على الفور لأنها واجبة الاعتقاد وشرط في الإيمان منذ اللحظة الأولى للدخول في هذا الدين وليس في الحديث الذي بين أيدينا لوماً من النبي، ﷺ ، للسيدة عائشة على ما قالت فدل هذا بيقين أنها لم تقع في محذور شرعي. لأن عدم البيان في موضع البيان دليل على العدم. سجود معاذ ﵁: الشبهة الثانية: حديث سجود معاذ ﵁ روى ابن ماجه في سننه والبستي في صحيحه عن أبي واقد قال: لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله، ﷺ ، فقال رسول الله، ﷺ ، "ما هذا". فقال: يا رسول الله، ﷺ ، قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم فأردت أن أفعل ذلك بك، قال: "فلا تفعل فإني لو أمرت شيئاً أن يسجد لشيء لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها حتى لو سألها نفسها وهل على قتب لم تمنعه". لفظ البستي (٢). ا. هـ. الفرق بين سجود التحية وسجود العبادة: قلت: والذي عليه جمهور أهل العلم بلا خلاف ولا نزاع بينهم أن هذا السجود من معاذ ﵁ كان سجود تحية لا عبادة إذ كيف يجهل هذا الصحابي الجليل أن سجود

стр. 215

العبادة لا ينبغي إلا لله، سبحانك هذا ظلم وافتراء عظيم على هذا الصحابي الجليل الذي اصطفاه النبي، ﷺ ، من الصحابة جميعاً لمناظرة أهل الكتاب وتبليغهم التوحيد وأصل الدين وقال له، ﷺ : "إنك ستقدم قوماً أهل كتاب". قال الحافظ في الفتح تعليقاً على هذه اللفظة. قوله (سنأتي قوماً أهل كتاب). هي كالتوطئة للوصية لتستجمع همته عليها لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان (١). ا. هـ. نسخ سجود التحية بحديث معاذ ﵁: فهل يصطفي النبي، ﷺ ، من أصحابه من يجهل أصل التوحيد ليناظر أهل علم ومجادلة على ما لا يعلمه؟ وقد استشهد القرطبي في تفسيره بهذا الحديث على أن سجود التحية كان جائزاً إلى عصر الرسول، ﷺ ،. وقال ابن كثير في قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ). فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته. وقال بعض الناس: كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام كما قال تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً ..). وقد كان هذا مشروعاً في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملتنا (ثم ذكر حديث معاذ) ﵁. ا. هـ. وقال أيضاً في قوله تعالى في سورة يوسف: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً ..). قال: وقد كان هذا سائغاً في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزاً من لدن آدم إلى شريعة عيسى ﵇ فحرم هذا في هذه الملة وجعل السجود مختصاً بجناب الرب هذا مضمون قول قتادة وغيره (ثم ذكر حديث معاذ). ا. هـ. وقال الشوكاني في قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ). مرجحاً أن السجود كان لآدم على وجه التحية والإكرام -فإن السجود للبشر قد يكون جائزاً في بعض الشرائع بحسب ما تقتضيه المصالح وقد دلت هذه الآية على أن السجود لآدم، وكذلك الآية الأخرى
следующие страницы →