الفصل الثاني
الرد على الشبه المستدل بها خطأ من السنة المطهرة
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
المبحث الثاني: الفرق بين الطلب من المخلوق والطلب به.
المبحث الثالث: التأويل دليل على مخالفة النص الجزئي لقاعة كلية.
стр. 212
الفصل الثاني
الرد على الشبه المستدل بها خطأ من السنة المطهرة
حديث أمنا عائشة في العلم:
الشبهة الأولى: الاستدلال خطأ بحديث عائشة ﵂ في العلم.
أخرج مسلم في صحيحه "قالت عائشة ألا أحدثكم عني وعن رسول الله، ﷺ ، قلنا بلى قال (١) قالت لما كانت ليلتي التي كان النبي، ﷺ ، فيها عندي اتقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعها عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت فأخذ رداءه رويداً وانتعل رويداً وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويداً فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى حاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات ثم انحرف فانحرفت فأسرع فأسرعت فهرول فهرولت فأحضر فأحضرت فسبقته فدخلت فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال يا عائش حشيا رابية قالت قلت لا شيء قال فلتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير قالت قلت يا رسول الله، ﷺ ، بأبي أنت وأمي فأخبرته قال فأنت السواد الذي رأيت أمامي قلت نعم فلهدني في صدري لهدة أوجعتني ثم قال أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله قلت مهما يكتم الناس يعلمه الله نعم.
قال فإن جبريل أتاني حين رأيت فناداني فأخفاه منك فأجبته فأخفيته منك ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك وخشيت أن تستوحشي فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله قال قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون".
قال النووي: (قالت مهما يكتم الناس يعلمه الله نعم) هكذا هو في الأصول وهو صحيح وكأنها لما قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، صدقت نفسها فقالت: نعم (٢). ا. هـ.
стр. 213
لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة:
قلت: فهذا الحديث من أوله إلى آخره أين الشك من أمنا عائشة ﵂؟.
فقولها (مهما يكتم الناس يعلمه الله نعم) تقرير للعلم، وهو في الأصول كما قال النووي.
وهل لو كانت عائشة والعياذ بالله تشك في هذه الصورة الدقيقة فلم لم ينكر عليها النبي ﷺ ؟
فإن قيل: هذا لجهلها فالجواب:
أن النبي، ﷺ ، أنكر على من هم حدثاء عهد بإسلام إنكاراً شديداً في حديث ذات أنواط وشبّههم ببني إسرائيل في قولهم اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، وأنكر على من قال له (ما شاء الله وشئت فقال أجعلتني لله نداً قل ما شاء الله وحده) أو كما قال، ﷺ ، وما كان آفتهم التي أوقعتهم في هذا إلا الجهل.
فلم لم ينكر النبي، ﷺ ، على عائشة؟ وهي من تربت في بيت النبوة التي كان بيتها يتلى فيه آيات الكتاب والحكمة وهي مسلمة بفضل الله منذ العهد المكي وليست حديثة عهد بإسلام.
فالحديث ليس فيه أدنى لوم عليها مترتب على مقالتها التي صدقت فيها نفسها.
ومن المعلوم أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة بلا خلاف بين العلماء.
المبحث الأول: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة:
قال ابن قدامة: ولا خلاف في أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (١). ا. هـ.
وقال الشوكاني في تأخير البيان عن وقت الحاجة.
اعلم أن كل ما يحتاج إلى البيان من مجمل وعام ومجاز ومشترك وفعل متردد ومطلق إذا تأخر بيانه فذلك على وجهين: الأول: أن يتأخر عن وقت الحاجة، وهو: الوقت الذي إذا تأخر البيان عنه لم يتمكن المكلف من المعرفة لما تضمنه الخطاب وذلك في الواجبات الفورية لم يجز. لأن الاتيان بالشيء مع عدم العلم به ممتنع عند جميع القائلين بالمنع من تكليف ما لا
стр. 214
يطاق، وأما من جوز التكليف بما لا يطاق فهو يقول: بجوازه فقط لا بوقوعه: فكان عدم الوقوع متفقاً عليه بين الطائفتين. ولهذا نقل أبو بكر الباقلاني: اجماع أرباب الشرائع على امتناعه.
قال ابن السمعاني: لا خلاف في امتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى الفعل ولا خلاف في جوازه إلى وقت الفعل (١). ا. هـ.
الفرق بين وقت الحاجة ووقت الخطاب:
قلت: فهذا اتفاق العلماء على أنه: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة أي: وقت امتثال التكليف الشرعي. وأما تأخير البيان في الواجبات التي ليست بفورية عن وقت الخطاب إلى وقت الفعل والامتثال فقد جوزه: كثير من العلماء فانتبه للفرق.
ومن المعلوم بيقين أن العقائد البيان يكون فيها على الفور لأنها واجبة الاعتقاد وشرط في الإيمان منذ اللحظة الأولى للدخول في هذا الدين وليس في الحديث الذي بين أيدينا لوماً من النبي، ﷺ ، للسيدة عائشة على ما قالت فدل هذا بيقين أنها لم تقع في محذور شرعي.
لأن عدم البيان في موضع البيان دليل على العدم.
سجود معاذ ﵁:
الشبهة الثانية: حديث سجود معاذ ﵁ روى ابن ماجه في سننه والبستي في صحيحه عن أبي واقد قال: لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله، ﷺ ، فقال رسول الله، ﷺ ، "ما هذا". فقال: يا رسول الله، ﷺ ، قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم فأردت أن أفعل ذلك بك، قال: "فلا تفعل فإني لو أمرت شيئاً أن يسجد لشيء لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها حتى لو سألها نفسها وهل على قتب لم تمنعه". لفظ البستي (٢). ا. هـ.
الفرق بين سجود التحية وسجود العبادة:
قلت: والذي عليه جمهور أهل العلم بلا خلاف ولا نزاع بينهم أن هذا السجود من معاذ ﵁ كان سجود تحية لا عبادة إذ كيف يجهل هذا الصحابي الجليل أن سجود
стр. 215
العبادة لا ينبغي إلا لله، سبحانك هذا ظلم وافتراء عظيم على هذا الصحابي الجليل الذي اصطفاه النبي، ﷺ ، من الصحابة جميعاً لمناظرة أهل الكتاب وتبليغهم التوحيد وأصل الدين وقال له، ﷺ : "إنك ستقدم قوماً أهل كتاب".
قال الحافظ في الفتح تعليقاً على هذه اللفظة. قوله (سنأتي قوماً أهل كتاب).
هي كالتوطئة للوصية لتستجمع همته عليها لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان (١). ا. هـ.
نسخ سجود التحية بحديث معاذ ﵁:
فهل يصطفي النبي، ﷺ ، من أصحابه من يجهل أصل التوحيد ليناظر أهل علم ومجادلة على ما لا يعلمه؟
وقد استشهد القرطبي في تفسيره بهذا الحديث على أن سجود التحية كان جائزاً إلى عصر الرسول، ﷺ ،.
وقال ابن كثير في قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ). فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته. وقال بعض الناس: كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام كما قال تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً ..). وقد كان هذا مشروعاً في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملتنا (ثم ذكر حديث معاذ) ﵁. ا. هـ.
وقال أيضاً في قوله تعالى في سورة يوسف: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً ..).
قال: وقد كان هذا سائغاً في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزاً من لدن آدم إلى شريعة عيسى ﵇ فحرم هذا في هذه الملة وجعل السجود مختصاً بجناب الرب هذا مضمون قول قتادة وغيره (ثم ذكر حديث معاذ). ا. هـ.
وقال الشوكاني في قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ). مرجحاً أن السجود كان لآدم على وجه التحية والإكرام -فإن السجود للبشر قد يكون جائزاً في بعض الشرائع بحسب ما تقتضيه المصالح وقد دلت هذه الآية على أن السجود لآدم، وكذلك الآية الأخرى
стр. 216
أعني قوله -فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين -وقال تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً). فلا يستلزم تحريمه لغير الله في شريعة نبينا، ﷺ ، أن يكون كذلك في سائر الشرائع. ا. هـ.
وقال ابن تيمية: ولا يجوز أن يتنقل على طريق العبادة إلا لله وحده لا لشمس ولا لقمر ولا لملك ولا لنبي ولا لصالح ولا لقبر نبي ولا صالح.
هذا في جميع الملل (ملل الأنبياء) وقد ذكر ذلك في شريعتنا حتى نهى: أن يتنقل على وجه التحية والإكرام للمخلوقات ولهذا نهى النبي ﷺ معاذاً أن يسجد له وقال: "لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها". ونهى عن الإنحاء في التحية ونهاهم أن يقوموا خلفه في الصلاة وهو قاعد (١). ا. هـ.
قلت: فهذه أقوال العلماء شاهدة بأن هذا السجود كان: سجود تحية وكان مباحاً في الشرائع السابقة إلى أن نسخ في شريعتنا.
ومن المعلوم أن السجود لغير الله على وجه العبادة لم يكن مباحاً في أية شريعة فكل الأنبياء نهوا عن ذلك وبلغوا أقوامهم (اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).
وأكبر دليل على هذا (٢) هو قول النبي، ﷺ ، في آخر الحديث (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها).
فهذا نص في أن هذا السجود سجود تحية وإكرام وإلا تعارض مع قوله تعالى (والعياذ بالله من ذلك) (وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ).
وفي هذا القدر الكفاية لبيان فساد هذا الاستدلال ولله الفضل والمنة وحده.
стр. 217
حادثة ذات أنواط:
الشبه الثالثة: الاستدلال خطأ بحديث ذات أنواط عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ ، إلى حنين ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عليها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي، ﷺ ،: "الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل: (اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) لتركبن سنن من كان قبلكم". أخرجه الترمذي وصححه.
المبحث الثاني: الفرق بين الطلب من المخلوق وبين الطلب به:
أقول وبالله التوفيق: إن الذين طلبوا كانوا حدثاء عهد بالكفر، وطلبوا ولم يفعلوا، وقد نص العلماء على أنهم طلبوا مجرد المشابهة في أن تكون لهم شجرة ينوطون بها السلاح يستمدون بها وليس منها النصر بسبب ما ينزل من البركة عليها من قبل الله. ولذلك سألوا النبي، ﷺ ، ذلك فقالوا: اجعل لنا ذات أنواط. فهم لم يدّعوا فيها هذا من قبل نفوسهم ولكن أرادوا أن يكون ذلك من الله عن طريق نبيه ومصطفاه، ﷺ ، وكما قلت من قبل: يستمدون بها النصر وليس منها كما في الحديث الصحيح "مطرنا بنوء كذا". أي: بسبب الكوكب لا به.
لأن القول مطرنا بسبب الكوكب فهذا يكون ابتداع وشرك أصغر.
ومن قال: إن الكوكب هو الذي أنزل المطر فهذا شرك بالله في ربوبيته.
فهم طلبوا النصر بها ولكن المحذور الذي وقعوا فيه هو مشابهتهم للمشركين فقطع النبي، ﷺ ، مادة المشابهة من جذرها، وقال: قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل (اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة).
ومن المعلوم أن المشبه يشبه المشبه به في وجه أو في بعض الأوجه دون بقيتها لا يماثله تماماً وإلا كان فرداً من جنسه وهذا كقول النبي، ﷺ ،: "مدمن الخمر كعابد وثن" (١). وقوله ﷺ : "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته" (٢).
стр. 218
ومن المعلوم أن التشبيه هنا في الرؤية والوضوح لا في الشكل والاستدارة (والعياذ بالله من ذلك) وكذلك هنا أن بني إسرائيل طلبوا مشابهة المشركين ولكن في الشرك الأكبر وأنتم طلبتم مشابهة المشركين إلا أنه في الشرك الأصغر، أو أن طلبهم هذا قد يؤول إلى الشرك الأكبر مع طول الزمان لأن البدع يريد الشرك الأكبر، فأول شرك وقع على وجه الأرض كان بدايته تصوير الأصنام على صور الصالحين، ثم لما تنسخ العلم عبدت، فكان تصوير الأصنام ذريعة إلى الشرك فيما بعد مع أن مجرد الوقوف عليه ليس بشرك، وكما حرم في شريعتنا بناء المساجد على القبور أيضاً لهذا المعنى: لأنها تؤول بأصحابها إلى الشرك الأكبر.
فإن قيل فإن كان سؤالهم مجرد المشابهة فلم قال ﷺ : "قلتم كما قالت بنو إسرائيل"؟ قيل: هذا من باب ما يؤول إليه الأمر ومن باب التغليظ كما غلظ النبي ﷺ على من قال له "ما شاء الله وشئت، فقال أجعلتني لله نداً".
قال الشاطبي: - في معرض اتباع الأمم السابقة خاصة أهل الكتاب في بدعهم -قال فقوله، ﷺ : "حتى تأخذ أمتي بما أخذ القرون من قبلها". يدل على أنها تأخذ بمثل ما أخذوا به إلا أنه لا يتعين في الاتباع لهم أعيان بدعهم، بل قد تتبعها في أعيانها وتتبعها في أشباهها، فالذي يدل على الأول قوله "لتتبعن سنن من كان قبلكم". الحديث فإنه قال فيه: "حتى لو دخلوا في جحر ضب حرب لاتبعتموهم". والذي يدل على الثاني قوله: "فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، فقال ﵇ هذا كما قالت بنو إسرائيل: اجعل لنا إلها" الحديث.
فإن اتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله لا أنه هو بنفسه، فلذلك لا يلزم الاعتبار بالمنصوص عليه ما لم ينص عليه مثله من كل وجه والله أعلم (١). ا. هـ.
طلب القوم مجرد المشابهة:
فهذا النص من الإمام الأصولي يدل على أن: القوم لم يطلبوا الشرك الأكبر بل مجرد المشابهة وأنه يشبه طلب بني إسرائيل لا أنه هو بنفسه، وأنه لا يلزم التشابه بينهما من كل وجه فلذلك لا يلزم الاعتبار بالمنصوص عليه، ما لم ينص عليه من كل وجه.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد أن ساق الحديث في باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما -فيه مسائل-.
стр. 219
المسألة الثالثة -كونهم لم يفعلوا -المسألة الحادية عشر- أن الشرك فيه: أكبر، وأصغر لأنهم لم يرتدوا بهذا" (١). ا. هـ.
قلت: فهذا نص من الشيخ أن القوم طلبوا الشرك الأصغر.
وقال ابن تيمية: ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط فقال بعض الناس: يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال: الله أكبر قلتم كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم".
فأنكر النبي، ﷺ ، مجرد مشابهتهم الكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها معلقين عليها سلاحهم. فكيف بما هو أطم من ذلك من مشابهتهم المشركين أو هو الشرك بعينه؟
فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ولم تستحب الشريعة ذلك فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض. سواء كانت البقعة شجرة أو غيرها أو قتاة جارية أو جبلاً أو مغارة وسواء قصدها ليصلي عندها، أو ليدعو عندها، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله -سبحانه- عندها، أو لينسك عندها. بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عيناً ولا نوعاً (٢). ا. هـ.
الفرق بين التوحيد والبدعة والشرك:
وهذا كلام شيخ الإسلام ينص على أن: القوم طلبوا مجرد المشابهة للمشركين لا عين الشرك ثم انظر إلى الأمثلة التي ذكرها بعد ذلك فهي كلها في البدع وليست في الشرك الأكبر وهو أن يخص العبد بقعة أو شجرة أو قناة بنوع من البركة بغير برهان من الله، ويعبد الله عندها رجاء عظم الثواب وهذا هو عين البدعة لأن التوحيد هو: عبادة الله وحده بما شرع على ألسن رسله ﵈ والشرك عبادة غير الله معه.
والبدعة (٣) هي: عبادة الله وحده بغير ما شرع على التعيين دون الإجمال.
стр. 220
فالذي يعبد الله وحده عند البيت الحرام يجو عظم الثواب فهذا موحد على السنة لأن الله فضل هذا المكان على غيره.
وأما من يعبد الأموات. فهو مشرك لصرفه العبادة لغير الله.
وأما من يعبد الله وحده لا شريك له عند القبور فهذا موحد لم يشرك بالله غيره إلا أنه مبتدع لأنه فضل مكاناً بغير برهان من الشرع، فخرج من السنة إلى البدعة بهذا.
العبد منذ أسلم مكلف بالتوحيد على الفور:
والقوم لم يطلبوا الشرك الأكبر يقيناً لأنه كما ذكرت من قبل أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة بلا نزاع بين العلماء ومن المعلوم أن العبد منذ دخل في الإسلام وهو مطالب بالتوحيد والنهي عن الشرك فكيف يجوز تأخير هذا الأمر؟
فهل يظن ظان أن النبي، ﷺ ، لم يحدث أمته عن الشرك ويبينه لهم وينهاهم عنه، وينتظر حتى يقع في الأمة شرك في النسك فيقول عندها: هذا شرك بالله، ثم يقع شرك في الحاكمية فعندها يخبر الأمة: أن هذا شرك بالله، ثم يقع شرك في الولاية فيخبر ساعتها أن هذا شرك ولا تعودوا إليه ولو لم يقع لا ينهى، ﷺ ، عنه.
أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم وطعن في نبي الله ومصطفاه، ﷺ ، إذ كيف يأمر معاذاً عند قدومه لأهل الكتاب أن يدعوهم إلى التوحيد، ولا ينتقل منه إلى الشرائع حتى يعرفوا الله المعرفة التي تفرق بين التوحيد والشرك وأن يعرفهم إلههم الذي يجهلونه، ولا يفعل هو، ﷺ ، ذلك -والعياذ بالله- فإنا نبرأ بنينا، ﷺ ، من هذا النقص والازدراء ويلزم من هذا القول الخبيث أن كثيراً من الصحابة ماتوا قبل أن يعلموا ويستكملوا حقيقة التوحيد والشرك.
فعلى من يظن هذا أن يراجع إيمانه ويتقي الله في نفسه قبل أن يسأل في القبر عن نبيه، ﷺ ، فلا يستطيع الإجابة ويقول: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته.
فإني على يقين من أنه لا يدخل عبد في الإسلام إلا ويعلمه النبي، ﷺ ، التوحيد وحسنه والشرك وقبحه في ساعتها وإلا فالأمة مجمعة على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة في فروع الشريعة فكيف الحال بأصل الأصول وهو التوحيد والنهي عن الشرك فهل هذا يجوز تأخير بيانه؟.
стр. 221
علم قوم النبي ﷺ باللسان العربي:
وقوم النبي، ﷺ ، كانوا علماء باللسان العربي الذي نزل به القرآن وهذا بنص التنزيل قال تعالى: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). [فصلت: ٣].
قال الإمام البغوي (قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). اللسان العربي، ولو كان بغير لسانهم ما علموه. ا. هـ.
وقال الشوكاني: (لقوم يعلمون) أي: يعلمون معانيه ويفهمونها وهم أهل اللسان العربي. اهـ.
فهم يعلمون ويفقهون ما دعوا إليهم لأنهم أهل اللسان العربي.
فكان من يكفر منهم يكفر على علم بدعوة القرآن لإفراد الله -جل ثناؤه- بالتأله والكفر بما يعبد من دونه لذلك قالوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً). ومن آمن منهم آمن على علم.
فالكفار علموا مراد النبي، ﷺ ، من دعوته إليهم فكيف لا يعلم من آمن منهم مراد نبيه، ﷺ ،؟!
فمن هذا يعلم أن السؤال منهم لم يكن في الشرك الأكبر ولكن هو مجرد المشابهة للمشركين.
حديث القدرة:
الشبهة الرابعة: الاستدلال خطأ بحديث القدرة وهو في الصحيحين أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ ، قال "قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله إذا مات فحرقوه ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فو الله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه ثم قال لم فعلت هذا قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر الله له".
قال النووي: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فقالت طائفة: لا يصح حمل هذا على أنه أراد نفي قدرة الله فإن الشاك في قدرة الله -تعالى- كافر، وقد قال في آخر الحديث: إنه إنما فعل هذا من خشية الله -تعالى- والكافر لا يخشى الله -تعالى- ولا يغفر له، قال هؤلاء فيكون له تأويلان أحدهما: أن معناه لئن قدر على العذاب أي: قضاه يقال عنه قدر بالتخفيف وقدر بالتشديد بمعنى واحد.
стр. 222
والثاني: أن قدر هنا بمعنى ضيق عليّ. قال الله -تعالى- (فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ) وهو أحد الأقوال في قوله تعالى (فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ).
وقالت طائفة: اللفظ على ظاهره ولكن قاله هذا الرجل وهو غير ضابط لكلامه ولا قاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف وشدة الجزع بحيث ذهب تيقظه وتدبر ما يقوله فصار في معنى الغافل والناسي وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته "أنت عبدي وأنا ربك" فلم يكفر بذلك الدهش والغلبة والسهو.
وقد جاء في هذا الحديث في غير مسلم "فلعى أضل الله" أي: أغيب عنه وهذا يدل على أن قوله لئن قدر الله على ظاهره.
وقالت طائفة: هذا من مجاز كلام العرب وبديع استعمالها يسمونه مزج الشك باليقين كقوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى). فصورته صورة الشك والمراد به اليقين.
وقالت طائفة: هذا الرجل جهل صفة من صفات الله -تعالى- وقد اختلف العلماء في تكفير جاهل الصفة.
قال القاضي: وممن كفره بذلك ابن جرير الطبري وقاله: أبو الحسن الأشعري أولاً.
وقال آخرون: لا يكفر بجهل الصفة ولا يخرج به عن اسم الإيمان بخلاف جحدها وإليه رجع: أبو الحسن الأشعري وعليه استقر قوله لأنه لم يعتقد ذلك اعتقاداً يقطع بصوابه ويراه ديناً وشرعاً، وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حق. قال هؤلاء: ولو سئل الناس عن الصفات لوجد العالم بها قليلاً.
وقالت طائفة: كان هذا الرجل في زمن فترة حين ينفع مجرد التوحيد ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً).
وقالت طائفة: يجوز أنه كان في زمن شرعهم فيه جواز العفو عن الكافر بخلاف شرعنا وذلك من مجوزات العقول عند أهل السنة وإنما منعناه في شرعنا بالشرع وهو قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ). وغير ذلك من الأدلة والله أعلم (١). ا. هـ.
стр. 223
ظاهر الحديث مشكل:
وقال الحافظ قال الخطابي: قد يستشكل هذا فيقال: كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟ والجواب:
إنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب. وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله.
قال ابن قتيبة: قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفرون بذلك. ورده ابن الجوزي وقال: جحده صفة القدرة كفر اتفاقاً وإنما قيل: إن معنى قوله: (لئن قدر الله عليّ). أي: ضيق وهي كقوله (وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ). أي: ضيق.
وأما قوله (لعلي أضل الله) فمعناه: لعلي أفوته يقال: ضل الشيء إذا فات وذهب وهو كقوله (لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى). ولعل هذا الرجل قال ذلك من شدة جزعه وخوفه كما غلط ذلك الآخر فقال: "أنت عبدي وأنا ربك" أو يكون قوله "لئن قدّر علي" بتشديد الدال أي: قدر علي أن يعذبني ليعذبني أو على أنه كان مثبتا للصانع وكان في زمن الفترة فلم تبلغه شرائط الإيمان.
وأظهر الأقوال أنه قال ذلك: في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله لما يقول ولم يقله قاصداً لحقيقة معناه بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه وأبعد الأقوال قول من قال: إنه كان في شرعهم جواز المغفرة للكافر (١). ا. هـ.
قيام هذا الرجل بالتوحيد:
قلت: فهذه أقوال العلماء في تأويل هذا الحديث هل قال أحد منهم أنه جهل قدرة الله بالكلية في الإجمال والتفصيل وكان جاهلاً فعذر بجهله؟ هذه واحدة-.
الثانية أن هذا الحديث ليس في التوحيد وترك الشرك الذي هو أصل الدين ولكن في جهل الصفات لذلك أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وغير واحد عن الحسن وابن سيرين عن النبي ﷺ قال: كان رجل ممن قبلكم لم يعمل خيراً قط إلا التوحيد فلما احتضر
стр. 224
قال لأهله انظروا إذا أنا مت أن يحرقوه حتى يدعوه حمما ثم اطحنوه ثم أذروه في يوم ريح فلما مات فعلوا ذلك به فإذا هو في قبضة الله فقال الله يا ابن دم ما حملك على ما فعلت قال: أي ربي من مخافتك قال فغفر له بها ولم يعمل خيراً قط إلا التوحيد (١).
قال صاحب الأحاديث القدسية نقلاً عن القسطلاني في شرح الصحيح لم (يقدم عند الله خيراً) ليس: المراد نفي كل خير على العموم، بل نفي ما عدا: التوحيد ولذلك غفر له، وإلا فلو كان التوحيد منتفياً عنه، لتحتم عقابه سمعاً ولم يغفر له ... وليس ذلك شكاً منه في قدرة الله على إحيائه ولا إنكاراً للبعث وإلا لم يكن موقناً، وقد أظهر إيمانه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله -تعالى (٢) -. ا. هـ.
(١) فهذا الحديث خرج عن محل النزاع فهو ليس في قضية التوحيد التي هي أصل الأصول.
(٢) تأويل العلماء لهذا الحديث وصرفه عن معناه الظاهري لخير بيان أن ظاهر هذا الحديث غير مراد وأنه معارض لأصولهم الكلية، وهم ينزلون قضايا الأعيان على مقتضى القواعد الكلية.
فإن كان من أصوالهم: إعذار الجاهل لقالوا جميعاً: أن هذا الرجل جهل قدرة الله وكان جاهلاً وعذر بجهله وكفوا أنفسهم مؤنة التأويل! لأن التأويل عندهم شر لا يذهبون له إلا في حالة الضرورة عندما تصطدم قضية من قضايا الأعيان أو دليل جزئي مع القواعد والأصول الكلية.
المبحث الثالث: التأويل دليل على مخالفة النص الجزئي لقاعدة كلية:
قال الشاطبي: فإذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية ثم أتى النص على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة فلا بد من الجمع في النظر بينهما، لأن الشارع لم ينص على ذلك الجزئي إلا مع الخلط على تلك القواعد. إذ كلية هذا معلومة ضرورة بعد الإحاطة بمقاصد الشريعة فلا يمكن والحالة هذه أن تحرم القواعد بإلغاء ما اعتبره الشارع، وإذا ثبت هذا لم يمكن أن يعتبر الكلي ويلغى الجزئي (٣). ا. هـ.
стр. 225
وقال أيضاً: إذا ثبت قاعدة عامة أو مطلقة فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان ولا حكايات الأحوال والدليل على ذلك أمور ....
(الثالث) أن قضايا الأعيان جزئية، والقواعد المطردة كليات ولا تنهض الجزئيات أن تنقض الكليات. ولذلك تبقى أحكام الكليات جارية في الجزئيات وإن لم يظهر فيها معنى الكليات على الخصوص (١). ا. هـ.
وقال أبو زهرة: التأويل شروطه ...
ثانيها أن يكون: ثمة موجب للتأويل بأن يكون ظاهر النص مخالفاً لقاعدة مقررة معلومة من الدين بالضرورة أو مخالفاً لنص أقوى منه سنداً (٢). ا. هـ.
وقال النووي: باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً ... فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل.
هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق في هذه المسألة وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به من الأمة على هذه القاعدة وتواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعي فإذا تقررت هذه القاعدة حمل عليها جميع ما ورد من أحاديث الباب وغيره فإذا ورد حديث في ظاهره مخالفة وجب تأويله عليها ليجمع بين نصوص الشرع (٣). ا. هـ.
قلت: فهذه نقول العلماء قاضية بأنه إذا: تقررت قاعدة كلية وجاء ما يصادمها في الظاهر من قضايا الأعيان أو الأدلة الجزئية يجب حملها على مقتضى القواعد الشرعية وتأويلها عليها لتأتلف النصوص وليجمع بينها.
فتأويل جمهور العلماء لظاهر حديث القدرة أكبر دليل على أن ظاهره يضاد أصلاً كلياً عندهم أو دليلاً أقوى منه دلالة فلهذا فروا إلى التأويل.
(٣) هل هذا الرجل جهل قدرة الله والبعث؟
стр. 226
الجواب: أنه لم يجهل هذا بدليل أنه أمر نبيه أن يفعلوا به ما وصاهم به. وإلا لقال لهم: إذا مت فاقبروني بهيئتي لئن قدر الله علي ليعذبني.
ولكن هو كما قال العلماء: أنه ظن أنه إن فعل أولاده فيه ما أوصى به أن يكون جمعه والحال هذه من الممتنعات، والممتنعات خارجة عن نطاق القدرة وهذا لا يعلم إلا بشرع.
قال الإمام الدهلوي: فهذا الرجل استيقن بأن الله متصف بالقدرة التامة لكن القدرة إنما هي في الممكنات لا في الممتنعات. وكان يظن أن جمع الرماد المتفرق نصفه في البر ونصفه في البحر ممتنع، فلم يجعل ذلك نقصاً فأخذ بقدر ما عنده من العلم ولم يعد كافراً (١). ا. هـ.
إيمان الرجل بقدرة الله على البعث:
والدليل على أنه كان مؤمناً بقدرة الله الرواية التي في صحيح مسلم "فإني لم أبتهر عند الله خيراً وإن الله يقدر على أن يعذبني".
قال النووي: (وإن الله يقدر على أن يعذبني) هكذا هو في معظم النسخ ببلادنا ونقل اتفاق الرواة والنسخ عليه هكذا بتكرير "إن" وسقطت لفظة "أن" الثانية في بعض النسخ المعتمدة فعلى هذا تكون: إن الأولى شرطية وتقديره: إن قدر الله علي عذبني وهو موافق للرواية السابقة، وأما على رواية الجمهور وهي إثبات أن الثانية مع الأولى فاختلف في تقديره ....
ويجوز أن يكون على ظاهره كما ذكر هذا القائل لكن يكون قوله هنا معناه: إن الله قادر على أن يعذبني إن دفنتموني بهيئتي، فأما إن سحقتموني وذريتموني في البر والبحر فلا يقدر علي، ويكون جوابه كما سبق وبهذا تجتمع الروايات والله أعلم (٢). ا. هـ.
قلت: فهذه الرواية التي عليها جمهور الرواة تدل بجلاء على أن الرجل كان مؤمناً بقدرة الله عليه في الجملة وجهل وشك في هذه الصورة الدقيقة.
ومعلوم أن جهل هذه الصورة الدقيقة لا يطعن في ألوهية الله لذلك جاءت الرواية عنه (لم يعمل خيراً شيئاً قط إلا التوحيد).
بخلاف من شك في أصل قدرة الله فهذا طعن في ألوهيته إذ كيف يكون الإله عاجزاً أو جاهلاً أو ميتاً أو أصم أو لا يخلق فهذه تطعن طعناً مباشراً في ألوهية الله.
стр. 227
لذلك لم يكن الجهل بالصفات جهلاً بالذات إلا أن تكون هذه الصفة لا تتصور الذات بدونها ويكون مفهوم التأله قائم عليها فهذه الجهل بها جهل بالذات. ويراجع هذا في شرح حديث معاذ لأهل الكتاب.
فهذه هي أقوال العلماء في تأويل هذا الحديث فهل بعد سردها بقيت شبهة في عدم جواز الاستدلال بها؟!.
وأختم الحديث في هذا الحديث بقول الإمام أبي بطين عليه قال: واحتج: من يجادل عن المشركين بقصة الذي أوصى أهله أن يحرقوه بعد موته على أن: من ارتكب الكفر جاهلاً لا يكفر ولا يكفر إلا المعاند.
والجواب: عن ذلك كله أن الله أرسل رسله مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وأعظم ما أرسلوا به ودعوا إليه عبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك الذي هو: عبادة غيره.
فإن كان مرتكب الشرك الأكبر معذوراً لجهله فمن هو الذي لا يعذر؟ ولازم هذه الدعوى أنه ليس لله حجة على أحد إلا المعاند مع أن أصحاب هذه الدعوى لا يمكنه طرد أصله بل لا بد أن يتناقض.
فإنه لا يمكنه أن يتوقف في تكفير من شك في رسالة محمد، ﷺ ، أو شك في البعث أو غير ذلك من أصول الدين، والشاك جاهل.
والفقهاء ﵏ يذكرون في كتب الفقه حكم المرتد وأنه: المسلم الذي يكفر بعد إسلامه نطقاً أو فعلاً أو اعتقاداً أو شكاً.
وسبب الشك: الجهل ولازم هذا لا يكفر جهلة اليهود والنصارى ولا الذين يسجدون للشمس والقمر والأصنام لجهلهم، ولا الذين حرقهم علي بن أبي طالب ﵁ بالنار لأننا نقطع أنهم جهال وقد أجمع العلماء ﵏ على كفر من لم يكفر اليهود والنصارى أو يشك في كفرهم، ونحن نتيقن أن أكثرهم جهال ....
فالمدعي: أن مرتكب الكفر متأولاً أو مجتهداً أو مخطئاً أو مقلداً أو جاهلاً معذور مخالف للكتاب والسنة والإجماع بلا شك مع أنه لا بد أن ينقض أصله فلو اطرد أصله كفر بلا ريب، كما لو توقف في تكفير: من شك في رسالة محمد، ﷺ ،.
стр. 228
وأما الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه وأن الله غفر له مع شكه في صفة من صفات الرب -سبحانه- فإنما غفر له لعدم بلوغ الرسالة له كذا قال غير واحد من العلماء، ولهذا قال الشيخ تقي الدين -رحمه الله تعالى-: من شك في صفة من صفات الرب ومثله لا يجهلها كفر، وإن كان مثله بجهلها لم يكفر قال: ولهذا لم يكفر النبي، ﷺ ، الرجل الشاك في قدرة الله -تعالى- لأنه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة.
وكذا قال ابن عقيل وحمله على أنه لم تبلغه الدعوة واختبار الشيخ تقي الدين في الصفات أنه لا يكفر الجاهل، وأما في الشرك ونحوه فلا كما ستقف على بعض كلامه إن شاء الله -تعالى- وقد قدمنا بعض كلامه في الاتحادية وغيرهم وتكفيره من شك في كفرهم. قال: صاحب اختياراته: والمرتد من أشرك بالله وكان مبغضاً لرسوله أو لما جاء به أو ترك إنكار كل منكر بقلبه ... أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعاً. ومن شك في صفة من صفات الله (الكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية) ومثله لا يجهلها فمرتد، وإن كان مثله يجهلها فليس بمرتد، ولهذا لم يكفر النبي، ﷺ ، الرجل الشاك: في قدرة الله تعالى.
فأطلق فيما تقدم من المكفرات، وفرق في الصفة بين الجاهل وغيره، مع أن رأي الشيخ ﵀ في التوقف عن تكفير الجهمية ونحوهم خلاف نصوص الإمام أحمد وغيره من أئمة الإسلام.
قال المجد رحمه الله تعالى: كل بدعة كفرنا فيها الداعية فإنا نفسق المقلد فيها كمن يقول: بخلق القرآن أو أن علم الله مخلوق أو أن أسماءه مخلوقة أو أنه لا يرى في الآخرة أو يسب الصحابة تديناً أو أن الإيمان: مجرد اعتقاد وما أشبه ذلك.
فمن كان عالماً بشيء من هذه البدع يدعو إليه ويناظر عليه فهو محكوم بكفره نص أحمد على ذلك في مواضع انتهى.
فانظروا كيف حكموا بكفرهم مع جهلهم (١) ا. هـ.
стр. 229
الفصل الثالث
تقسيم الدين إلى أصول وفروع
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: أصول الدين المزعومة عند أهل البدع.
المبحث الثاني: إحكام أصول الدين وبيانها بياناً شافياً قاطعاً للعذر.
стр. 230
الفصل الثالث
تقسيم الدين إلى أصول وفروع
ردد كثير من الإخوة الذين ينافحون عن أسلمة الشركين بأية طريقة وسبيل عبارة مقطوعة لشيخ الإسلام ابن تيمية أن تقسيم الدين إلى أصول وفروع بدعة، ورموا من يقول: بأن للدين أصول وفروع بالبدعة -أقول وبالله التوفيق:
ألم يأن للذين يرددون هذه المقالة أن يتقوا ربهم فإن هذا الأمر تقشعر منه الجلود وتنقطع له القلوب -ألم يسمعوا قول الله: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ). وقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ). وقوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ). مع تفسير النبي، ﷺ ، للظلم بأنه الشرك الأكبر مُذكراً بقوله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). ألم يسمعوا قول النبي، ﷺ ،: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله". وقوله: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله. ولم يقل أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن الزنا حرام وأن النكاح حلال أو أن الربا حرام وأن البيع حلال؟.
فلو جاء مشرك إلى النبي، ﷺ ، وقال أشهد أن الخمر حرام فقط هل كان يحكم بإسلامه؟
هل يريدون منا أن نقول أن التوحيد كإماطة الأذى عن الطريق وأن الشرك كالمعصية لا فرق بينهما؟ سبحانك هذا افتراء عظيم فإن القرآن والسنة من أولهما إلى آخرهما يردان على هذا الزعم المفترى.
المبحث الأول: أصول الدين المزعومة عند أهل البدع:
أما كلام الشيخ ﵀ فإنه يتحدث عن الأصول التي أصلها أهل البدع المخالفة لأصول الدين التي جاء بها الرسول ﷺ من المسائل والدلائل، والتي وقّفوا إسلام العبد على الإتيان بها ولا عذر في تركها. وما دونها فهي: الفروع وتحتمل العذر بالجهل والتأويل.
وما من فرقة من الفرق إلا ولها أصول تدعي أنها أصول الدين وهي مخالفة لأصول
стр. 231
الدين التي جاء بها الرسول صلى الله عليه ولسم وتكفر من لم يأت بها وتعذر فيما هو من دونها كأمثال الجهمية والمعتزلة والرافضة وغيرهم.
قال الشيخ: واسم التوحيد اسم معظم جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، فإذا جعل تلك المعاني التي نفاها من التوحيد ظن من لم يعرف مخالفة مراده لمراد الرسول، ﷺ ، أنه يقول بالتوحيد الذي جاءت به الرسل ويسمى طائفته الموحدين، كما يفعل ذلك: الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم على نفي شيء من الصفات ويسمون ذلك: توحيداً وطائفتهم: الموحدين، ويسمون علمهم: علم التوحيد كما تسمى المعتزلة ومن وافقهم نفي القدر: عدلاً، ويسمون أنفسهم: العدلية وأهل العدل ومثل هذه البدع كثير جداً يعبر بألفاظ الكتاب والسنة عن معان مخالفة لما أراده الله ورسوله بتلك الألفاظ، ولا يكون أصحاب تلك الأقوال تلقوها ابتداء عن الله ورسوله، ﷺ ، بل عن شبهة حصلت لهم وأئمة لهم وجعلوا التعبير عنها بألفاظ الكتاب والسنة حجة لهم وعمدة لهم ليُظهر بذلك أنهم متابعون للرسول، ﷺ ، لا مخالفون له.
وكثير منهم لا يعرفون أن ما ذكروه مخالف للرسول، ﷺ ، بل يظن أن هذا المعنى الذي أراده هو المعنى الذي أراده الرسول، ﷺ ، وأصحابه ..
(إلى أن قال) والقرآن مملوء من ذكر وصف الله بأنه أحد وواحد ومن ذكر أن إلهكم واحد ومن ذكر أنه: لا إله إلا الله ونحو ذلك.
فلا بد أن يكون الصحابة يعرفون ذلك فإن معرفته أصل الدين وهو أول ما دعا الرسول، ﷺ ، إليه الخلق وهو أول ما يقاتلهم عليه وهو أول ما أمر رسله أن يأمروا الناس به وقد تواتر عنه أنه أول ما دعا الخلق إلى أن يقولوا لا إله إلا الله (١). ا. هـ.
المبحث الثاني: أحكام أصول الدين وبيانها بياناً شافياً قاطعا للعذر:
وقال: (رداً على سؤال جاءه): هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين لم ينقل عن سيدنا محمد، ﷺ ، فيها كلام أم لا؟
فإن قيل بالجواز: فما وجهه؟ ... فأجاب:
الحمد لله رب العالمين (أما المسألة الأولى) فقول السائل هل يجوز الخوض فيما تكلم
стр. 232
الناس فيه من مسائل في أصول الدين لم ينقل عن سيدنا محمد فيها كلام أم لا؟ سؤال ورد بحسب ما عهد عن الأوضاع المبتدعة الباطلة.
فإن المسائل التي هي من أصول الدين التي تستحق أن تسمى: أصول الدين أعني: الدين الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه لا يجوز أن يقال: لم ينقل عن النبي، ﷺ ، فيها كلام، بل هذا كلام متناقض في نفسه إذ كونها من أصول الدين يوجب أن تكون من أهم أمور الدين، وأنها مما يحتاج إليه الدين.
ثم نفى نقل الكلام فيها عن الرسول يوجب أحد أمرين:
إما أن الرسول أهمل الأمور المهمة: التي يحتاج الدين إليها فلم يبينها أو أنه بينها فلم تنقلها الأمة.
وكلا هذين باطل قطعاً، وهو من أعظم مطاعن المنافقين في الدين، وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول، أو جاهل بما يعقله الناس بقلوبهم، أو جاهل بهما جميعاً.
فإن جهله بالأول يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ذلك من أصول الدين وفروعه.
وجهله بالثاني يوجب أن يدخل في الحقائق المعقولة ما يسميه هو وأشكاله عقليات وإنما هي: جهليات، وجهله بالأمرين يوجب أن يظن من أصول الدين ما ليس منها من المسائل والوسائل الباطلة، وأن يظن عدم بيان الرسول لما ينبغي أن يعتقد في ذلك كما هو الواقع لطوائف من أصناف الناس حذاقهم فضلاً عن عامتهم ...
فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بياناً شافياً قاطعاً للعذر. إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين، وبينه للناس وهو من أعظم ما أقام الله به الحجة على عباده فيه بالرسل الذي بينوه وبلغوه ...
وإنما الغرض التنبيه على أن في القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين من المسائل والدلائل: التي تستحق أن تكون أصول الدين.
وأما ما يدخله بعض الناس في هذا المسمى من الباطل فليس ذلك من أصول الدين، وإن أدخله فيه مثل المسائل والدلائل الفاسدة مثل: نفي الصفات والقدر ونحو ذلك من المسائل (١). ا. هـ.
стр. 233
أصل الدين التلقي من الله وحده:
وقال الشيخ ﵀ معرفاً أصل الدين: وأصل الدين: أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ولا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله ولا مكروه إلا ما كره الله ورسوله ولا حلال إلا ما أحله الله ورسوله ولا مستحب إلا ما أحبه الله ورسوله.
فالحلال ما حلله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله ولهذا أنكر الله على المشركين وغيرهم ما حللوه أو حرموه أو شرعوه من الدين بغير إذن من الله (١). ا. هـ.
أصل الدين: عبادة الله وحده والإيمان به:
وقال: وأن يعلم المسلمون كلهم أنما عليه المبتدعون المراؤون ليس من الدين ولا من فعل عباد الله الصالحين، بل من فعل أهل الجهل والضلال والإشراك بالله -تعالى- الذين يخرجون عن توحيده وإخلاص الدين له وعن طاعة رسله.
وأصل الإسلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فمن طلب بعبادته الرياء والسمعة فلم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله ومن خرج عما أمر به الرسول من الشريعة وتعبد بالبدعة فلم يحقق شهادة أن محمداً رسول الله.
وإنما يحقق هذين الأصلين من لم يعبد إلا الله ولم يخرج عن شريعة رسول الله، ﷺ ، التي بلغها عن الله (٢) ا. هـ.
وقال فالدعوة إلى الله تكون: بدعوة العبد إلى دينه. وأصل ذلك عبادته وحده لا شريك له كما بعث الله بذلك رسله وأنزل كتبه ...
فالرسل متفقون في الدين الجامع للأصول الاعتقادية والعملية، فالاعتقادية: كالإيمان بالله وبرسله وباليوم الآخر والعملية كالأعمال العامة المذكورة في الأنعام والأعراف ...
ولهذا كان الخطاب في السور المكية "يا أيها الناس" لعموم الدعوة إلى الأصول، إذ لا يدعى إلى الفرع من لا يقر بالأصل (٣). ا. هـ.
стр. 234
وقال: اسم الإيمان قد تكرر ذكره في القرآن والحديث أكثر من ذكر سائر الألفاظ وهو أصل الدين وبه يخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويفرق بين السعداء والأشقياء (١). ا. هـ. وقال والدين القائم بالقلب من الإيمان علماً وحالاً هو الأصل، والأعمال الظاهرة هي الفروع وهي كمال الإيمان. فالدين أول ما يبنى من أصول ويكمل بفروعه كما أنزل الله بمكة أصوله من التوحيد والأمثال التي هي المقاييس العقلية والقصص والوعد والعيد ثم أنزل بالمدينة لما صار له قوة فروعه الظاهرة من الجمعة والجماعة ..
فأصوله تمد فروعه وتثبتها وفروعه تكمل أصوله وتحفظها (٢) ا. هـ.
وقال وأيضاً فإن التوحيد أصل الإيمان، وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل النار وهو ثمن الجنة ولا يصح إسلام أحد إلا به (٣). ا. هـ.
قلت: بعد هذه النقول عن الشيخ ﵀ ولولا خشية الإطالة لجئت منها بالكثير أسأل الله -تعالى- أن كل عبد يعتقد أن الدين ليس له أصولاً وفروعاً وأن التوحيد والطاعات والشرك والمعاصي على رتبة واحدة لا فرق بينهم أن يتقي الله في نفسه ويفيء إلى الحق الذي ليس بعده إلا الضلال اللهم بلغت اللهم فاشهد.
* * *
стр. 235
الفصل الرابع
موقف ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب من تكفير المعين
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: المشرك ليس من عداد المسلمين.
المبحث الثاني: الجهل سبب غلبة الشرك على النفوس.
المبحث الثالث: الاسم الواحد يثبت وينفي بحسب ما يتعلق به من أحكام.
المبحث الرابع: تعريف الكفر الذي ينفيه هؤلاء الأئمة.
стр. 236
الفصل الرابع
موقف ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب من تكفير المعين
وفي هذا الفصل أعرض فيه بمشيئة الله وعونه موقف ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب من هذه القضية التي نحن بصددها وهي هل يعذر المشرك بجهله أم لا؟
أقول وبالله التوفيق: إن هؤلاء الأئمة لا يعذرون بالجهل في أصل الأصول وهو التوحيد وترك الشرك خاصة دون غيره من الشرائع وهذا لما يلي:
المبحث الأول: المشرك ليس من عداد المسلمين:
(١) تعريفهم وتوصيفهم للإسلام يوضح بجلاء إخراج المشرك عن مسمى المسلمين ويراجع ما نقلته عنهم. في هذا الشأن واكتفي بذكر بعض النقول هنا عنهم.
قال ابن تيمية: وأيضاً فإن التوحيد أصل الإيمان وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل النار وهو ثمن الجنة ولا يصح إسلام أحد إلا به-.
وقال أيضاً ودين الإسلام الذي ارتضاه الله وبعث به رسله هو الاستسلام لله وحده فأصله في القلب وهو الخضوع لله وحده بعبادته وحده دون سواه. فمن عبده وعبد معه إلهاً آخر لم يكن مسلماً ومن لم يعبده بل واستكبر عن عبادته لم يكن مسلماً والإسلام هو الاستسلام لله وحده.
وقال ابن القيم: إن الإسلام: ليس هو المعرفة فقط ولا المعرفة والإقرار فقط بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهراً وباطناً.
وقال: والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان برسوله واتباعه فيما جاء به فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافرا معانداً فهو كافر جاهل.
وقال محمد بن عبد الوهاب: اعلم -رحمك الله- أن هذه الكلمة هي الفارقة بين الكفر والإسلام وهي كلمة التقوى وهي العروة الوثقى وهي التي جعلها إبراهيم (كلمة باقية في عقبه
стр. 237
لعلهم يرجعون).
وليس المراد قولها باللسان مع الجهل بمعناها فإن المنافقين يقولونها -وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار مع كونهم يصلون ويتصدقون.
ولكن المراد قولها مع معرفتها بالقلب ومحبتها ومحبة أهلها وبغض ما خالفها ومعاداته كما قال النبي، ﷺ ،: "من قال لا إله إلا الله مخلصا". وفي رواية "خالصاً من قلبه" وفي رواية "صادقاً من قلبه" وفي حديث آخر "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله" إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على جهالة أكثر الناس بهذه الشهادة.
وقال تعليقاً على حديث "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله" وهذا من أعظم ما يبين معنى: لا إله إلا الله فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للدم والمال بل ولا معرفة معناها مع لفظها بل ولا الإقرار بذلك بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له بل لا يحرم دمه وماله حتى يضيف بذلك الكفر بما يعبد من دون الله فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه فيالها من مسألة ما أعظمها وأجلها ويا له من بيان ما أوضحه وحجة ما أقطعها للمنازع.
وقد سبق نقل هذه النقول من مصادرها ولقد أعدت ذكرها مرة أخرى ليتبين لك أخي القاري. بيقين أن عباد القبور والمشركين غير داخلين في مسمى المسلمين عند هؤلاء الأئمة فهذه واحدة:
لا يخرج العباد عن الشرك أو التوحيد:
(٢) فقد نص هؤلاء العلماء أن الناس صنفان لا ثالث لهما إما موحد لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له وإما مشرك يعبد غير الله.
ومن المعلوم أن عباد القبور وكل من قدم شيئاً لغير الله مما لا يكون إلا لله من خصائص الإلهية ليسوا ممن عبدوا الله مخلصين له الدين وإذا كان ذلك كذلك فهؤلاء ليسوا بموحدين وبالتالي فهم مشركون إذ لا ثالث لهما.
قال ابن تيمية: ولهذا كان كل من لم يعبد الله وحده، فلا بد أن يكون عابداً لغيره. يعبد غيره فيكون مشركاً. وليس في بني آدم قسم ثالث.
بل إما موحد أو مشرك أو من خلط هذا بهذا كالمبدلين من أهل الملل: النصارى ومن أشبههم من الضلال المنتسبين إلى الإسلام.
стр. 238
فكل من لم يعبد الله مخلصاً له الدين فلا بد أن يكون مشركاً عابداً لغير الله. وهو في الحقيقة عابد للشيطان.
فكل واحد من بني آدم إما عابد للرحمن وإما عابد للشيطان. قال تعالى: (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ، حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ، وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) (١). ا. هـ.
وقال ابن القيم كما أن من غمر قلبه بمحبة الله -تعالى- وذكره وخشيته والتوكل عليه والإنابة إليه أغناه ذلك عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه، وأغناه أيضاً عن عشق الصور. وإذا خلا من ذلك صار عبد هواه أي شيء استحسنه ملكه واستعبده. فالمعرض عن التوحيد مشرك شاء أم أبى، والمعرض عن السنة مبتدع ضال شاء أم أبى (٢). ا. هـ.
وقال: (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ...). فقسم -سبحانه- الخلائق قسمين: سفيها لا أسفه منه، ورشيداً.
فالسفيه: من رغب عن ملته إلى الشرك. والرشيد: من تبرأ من الشرك قولاً وعملاً وحالاً فكان قوله توحيداً وعمله توحيداً وحاله توحيداً ودعوته إلى التوحيد (٣). ا. هـ وهذه الثانية
العبادة وشروطها وفساد الشرك لها:
(٣) تقرير هؤلاء الأئمة أن العبادة لله وحده لا تقع مع الشرك به، وأن من شروط تحقق العبادة العلم بالمعبود، والمشرك جاهل بالله .
فإن الله هو الرب المالك الخالق لكل شيء وبهذا استحق العبادة والتأله ووجب له الشكر وحده لا شريك له والمشرك لا علم له بهذا وأيضاً من شروط العبادة أن تكون: خالصة لله وحده لا شريك له، وأن يكون المتوجه له مسلماً حال التوجه لا تقع إلا بهذا.
قال تعالى: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن
стр. 239
بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).
فالمولى ﵎ لم يكن قط إلا إلهاً واحداً ولم يأذن في أي وقت بتعدد الآلهة فهو واحد في تألهه وهذا وصف لازم له لا ينفك عنه ولا يعبد إلا به ولا يكفي هذا في العبادة، بل يجب على المتوجه لله أن يكون مسلماً له أي: خاضعاً مستسلماً له وحده لا شريك له ظاهراً وباطناً ساعة التوجه لا تقع العبادة إلا بهذا.
وهذا ملخص تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية لقوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ). ومن المعلوم أن المشرك جاهل بهذا كله.
قال ابن تيمية: وأهل النظر والكلام وأهل العقائد من أهل الحديث وغيرهم يتكلمون في العلم والمعرفة والتصديق الذي هو أصل الإرادة: ويقولون: العبادة لا بد فيها من القصد، والقصد لا يصح إلا بعد العلم بالمقصود المعبود، وهذا صحيح فلا بد من معرفة المعبود وما يعبد به.
فالضالون من المشركين والنصارى وأشباههم لهم عبادات وزهادات لكن لغير الله أو بغير أمر الله، وإنما القصد والإرادة النافعة هو إرادة عبادة الله وحده، وهو إنما يعبد بما شرع لا بالبدع وعلى هذين الأصلين يدور دين الإسلام: على أن يعبد الله وحده وأن يعبد بما شرع ولا يعبد بالبدع (١). ا. هـ.
وقال ابن القيم وهل تمكن عبادة الله التي هي حقه على العباد كلهم إلا بالعلم وهل ينال العلم إلا بطلبه (٢) اهـ.
وقال ابن تيمية عند تفسير سورة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) فقوله (وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) يتناول شركهم فإذا أشركوا به لم يكونوا عابدين له وإن دعوه وصلوا له ... وقال: فكل من عبد الله مخلصاً له الدين فهو مسلم في كل وقت.
قلت: وقرر الشيخ أنه لا يعبد إله إبراهيم إلا من كان على ملته. والمشرك ليس على ملة إبراهيم لأن ملته، ﷺ ، التوحيد والطاعة لله وحده لا شريك له وترك الشرك عن قصد وعلم كما قال يوسف (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ
стр. 240
آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ). الآية.
وقال: فالمشرك الذي جعل مع الله إلهاً آخر لا يدخل في مسمى الإيمان عند الإطلاق ...
وقال: فمن عبد إلهين لم يكن عابداً لإلهه (أي يعقوب ﵇ وإله آبائه وإنما يعبد إلهه من عبد إلهاً واحداً.
ولو كان من عبد الله وعبد معه غيره عابداً له لكانت عبادته نوعين -عبادة إشراك وعبادة إخلاص.
وقال: فمن عبد معه غيره فما عبده إلهاً واحداً ومن أشرك به فما عبده وهو لا يكون إلا إلهاً واحداً فإذا لم يعبده في الحال اللازمة له لم تكن له حال أخرى يعبده فيها فما عبده (١). اهـ. فهذه الثالثة.
ثبوت وصف الشرك قبل الرسالة والحجة عليه العقل والفطرة:
(٤) إثبات هؤلاء الأئمة أن وصف الشرك ثابت قبل الرسالة والحجة عليه العقل والفطرة ولا يحتاج ذلك إلى رسول إلا أن العذاب لا يكون إلا بعد الحجة الرسالية لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً).
قال ابن تيمية (وقد مر في بحث التحسين والتقبيح) والجمهور من السلف والخلف على أن: ما كانوا فيه قبل مجيء الرسول من الشرك والجاهلية كان سيئاً قبيحاً لكن لا يستحقون العذاب إلا بعد مجيء الرسول.
وقال أيضاً فهذا كله يبين قبح ما كانوا عليه قبل النهي وقبل إنكاره عليهم.
وقال أيضاً -فلولا أن حسن التوحيد وعبادة الله -تعالى- وحده لا شريك له وقبح الشرك ثابت في نفس الأمر معلوم بالعقل لم يخاطبهم بهذا.
وقال ﵀: فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة فإنه يشرك بربه ويعدل به ويجعل معه آلهة أخرى ويجعل له أنداداً قبل الرسول.
وقال ابن القيم تعليقاً على آية الميثاق: وهذا يقتضي أن نفس العقل الذي به يعرفون التوحيد حجة في بطلان الشرك لا يحتاج ذلك إلى رسول فإنه جعل ما تقدم حجة
стр. 241
عليهم بدون هذا وهذا لا يناقض قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً).
وقال أيضاً فكون ذلك فاحشة وإثماً وبغياً بمنزلة كون: الشرك شركاً فهو شرك في نفسه قبل النهي وبعده.
فمن قال: إن الفاحشة والقبائح والآثام إنما صارت كذلك بعد النهي فهو بمنزلة من يقول: الشرك إنما صار شركاً بعد النهي وليس شركاً قبل ذلك. ا. هـ.
قلت: فاسم المشرك ثابت قبل الرسالة والحجة على ذلك العقل والفطرة فما الحكم إذاً بعد الرسالة؟ فهذه الرابعة.
المبحث الثاني: الجهل سبب غلبة الشرك على النفوس:
(٥) إثبات الشرك مع الجهل. وأن الجهل سبب غلبة الشرك على النفوس وأن هذا الحكم عام في كل مشرك سواء من أهل ملتنا أو من غيرها من الملل:
قال ابن تيمية: وأعظم من ذلك أن يقول: اغفر لي وتب علي كما يفعله طائفة من الجهال المشركين.
وأعظم من ذلك: أن يسجد لقبره ويصلي إليه ويرى الصلاة أفضل من استقبال القبلة، حتى يقول بعضهم: هذه قبلة الخواص والكعبة قبلة العوام (١). ا. هـ.
وقال: "اتباع الهوى" درجات: فمنهم المشركون والذين يعبدون من دون الله ما يستحسنون بلا علم ولا برهان (٢). ا. هـ.
وقال وهو يخاطب بعض جماعات التصوف الواقعين في الشرك قال: قال بعضهم: نحن نتوب الناس. فقلت: مماذا تتوبونهم؟
قال: من قطع الطريق والسرقة ونحو ذلك، فقلت: حالهم قبل تتويبكم خير من حالهم بعد تتويبكم، فإنهم كانوا فساقاً يعتقدون تحريم ما هم عليه، ويرجون رحمة الله ويتوبون إليه أو ينوون التوبة فجعلتموهم بتتويبكم ضالين مشركين خارجين عن شريعة الإسلام (٣). ا. هـ.
стр. 242
وقال: فإن قلت: قد يفعل بعض الناس عند قبره مثل هذا (أي الشرك). قلت لك: أما عند القبر فلا يقدر أحد على ذلك، فإن الله أجاب دعوته حيث قال "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد". وأما في مسجده فإنما يفعل ذلك بعض الناس الجهال، وأما من يعلم شرع الإسلام فإنما يفعل ما شرع، وهؤلاء ينهون أولئك بحسب الإمكان.
فلا يجتمع الزوار على الضلال، وأما قبر غيره فالمسافرون إليهم كلهم جهال ضالون مشركون ويصيرون عند نفس القبر ولا أحد هناك ينكر عليهم (١). ا. هـ.
وقال ابن القيم: وتلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام له أسباب عديدة تلاعب بكل قوم على قدر عقولهم.
فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم كما تقدم عن قوم نوح ﵇ ولهذا لعن النبي، ﷺ ، المتخذين على القبور المساجد والسرج، ونهى عن الصلاة إلى القبور وسأل ربه سبحانه أن لا يجعل قبره وثناً يعبد ونهى أمته أن يتخذوا قبره عبداً وقال "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وأمر بتسوية القبور وطمس التماثيل.
فأبى المشركون إلا خلافه في ذلك كله إما جهلاً، وإما عناداً لأهل التوحيد ولم يضرهم ذلك شيئاً وهذا هو السبب الغالب على عوام المشركين (٢). ا. هـ.
وقال أيضاً ﵀: وأما "القول على الله بغير علم" فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه، ولا أشد إثماً، وهو أصل الشرك والكفر، وعليه أسست البدع والضلالات فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم ...
وأصل الشرك والكفر: هو القول على الله بلا علم، فإن المشرك يزعم أن من اتخذه معبوداً من دون الله يقربه إلى الله ويشفع له عنده، ويقضي حاجته بواسطته كما تكون الوسائط عند الملوك فكل مشرك قائل على الله بلا علم دون العكس إذ القول على الله بلا علم قد يتضمن التعطيل والابتداع في دين الله فهو أعم من الشرك، والشرك فرد من أفراده (٣). ا. هـ.
стр. 243
وقال: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة.
وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثاناً وطواغيت تعبد من دون الله والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى أو أعظم شركاً عندها وبها والله المستعان.
ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق وتميت وتحيى، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة وأخذوا مأخذهم شبراً بشبر وذراعاً بذارع وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل، وخفاء العلم فصار المعروف: منكراً والمنكر: معروفاً والسنة: بدعة والبدعة: سنة ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام وقل العلماء وغلب السفهاء وتفاقم الأمر واشتد البأس وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين (١). ا. هـ.
قلت: فهذه نقول هؤلاء الأئمة أن الشرك ما غلب على النفوس إلا بالجهل والقول على الله بغير علم فهل بعد هذا يصح أن نقول أن المشرك معذور بجهله؟ هذه الخامسة.
العلم ركن من أركان الإيمان:
(٦) نص هؤلاء الأئمة على أن العلم ركن من أركان الإيمان لا يكون العبد مؤمناً إلا بتوفر العلم الصحيح لديه المطابق للمعلوم على ما هو عليه.
ومن المعلوم أن الإيمان هو أصل الدين وشرط في وجود وتحقق الإسلام، إذ لا إسلام لمن لا إيمان له ولا إيمان لمن لا إسلام له وساعة نطق العبد بالشهادتين يحكم له بالإسلام مع افتراض وجود الإيمان في الباطن الذي يصححه -ما لم يلتبس بشرك حال النطق-.
стр. 244
فإذا ظهر من العبد بعد هذا ناقض من نواقض الشهادتين علمنا فساد الإيمان لديه إما بسبب فساد العلم الذي هو قول القلب وهو ركن الإيمان الأول، وإما بسبب فساد الانقياد الذي هو عمل القلب وهو ركنه الثاني وعند هذا نقطع بفساد الإيمان والإسلام لدى هذا العبد.
قال ابن تيمية: فالإيمان في القلب لا يكون إيماناً بمجرد تصديق ليس معه عمل وموجبه من محبة الله ورسوله ونحو ذلك، كما أنه لا يكون إيماناً بمجرد ظن وهوى بل لا بد في أصل الإيمان من قول القلب وعمل القلب. ا. هـ.
وقال أيضاً: وكانوا يقولون الإيمان: معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالإركان. ا. هـ.
وقال: وقوله تعالى: (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء) وقوله: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ). الآية.
فجعل هذه الأمور شرطاً في ثبوت حكم الإيمان فثبت أن الإيمان المعرفة بشرائط لا يكون معتداً به دونها (١). ا. هـ.
وقال ابن القيم: قالوا: والقلب عليه واجبان لا يكون مؤمناً إلا بهما جميعاً واجب المعرفة والعلم وواجب الحب والانقياد والاستسلام فكما لا يكون مؤمناً إذا لم يأت بواجب العلم والاعتقاد لا يكون مؤمناً إذا لم يأت بواجب الحب والانقياد والاستسلام بل إذا ترك الواجب من علمه ومعرفته به كان أعظم كفراً وأبعد عن الإيمان من الكافر جهلاً (٢). ا. هـ.
وقال أيضاً ﵀: فإن الإيمان فرض على كل أحد وهو ماهية مركبة من علم وعمل فلا يتصور وجود الإيمان إلا بالعلم والعمل (٣). ا. هـ.
قلت: ومن هذا يعلم أن العبد إذا فعل الشرك بجهل قطعنا بتخلف العلم لديه الذي هو ركن من أركان الإيمان وبالتالي فساده وفساد الإسلام لدى هذا العبد. وهذه السادسة.
ومن هذه النقاط الست وغيرها الكثير يعلم أن هؤلاء الأئمة لا يعذرون المشرك بجهله ولا يدخلونه في مسمى المسلمين.
وأما فتاوى هؤلاء العلماء في أنهم لا يكفرون أحداً ممن وقع في الشرك والكفر إلا بعد إقامة الحجة وذلك لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة كقول ابن تيمية ﵀
стр. 245
بعد أن ذكر بعضاً من أعلام الشرك الأكبر فقال: وهؤلاء الأجناس وإن كانوا قد كثروا في هذا الزمان، فلقلة دعاة العلم والإيمان، وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان. وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى ..
وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال: هي كفر قولاً يطلق كما دل على ذلك الدلائل الشرعية. فإن "الإيمان" من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله. ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه (١). ا. هـ.
المبحث الثالث: الإسم الواحد يثبت وينفى بحسب ما يتعلق به من أحكام:
أقول وبالله التوفيق:
أن هؤلاء العلماء يستخدمون لفظ الكفر بعدة اعتبارات وبحسب ما يتعلق به من الأحكام وأن الاسم الواحد يُنفي ويُثبت بحسب الأحكام المتعلقة به، فلا يجب إذا ثبت أو نفي في حكم أن يكون كذلك في بقية الأحكام وهذا مشهور في كلام العرب-.
فالكفر قبل قيام الحجة له حد وأحكام تختلف عنه بعد قيام الحجة فتارة ينفون الكفر إلا بعد الحجة بحسب ما يتعلق به من أحكام وهذا لا ينفي الكفر الآخر الثابت لأصحابه قبل قيام الحجة وبلوغ الرسالة.
قال شيخ الإسلام في هذا المعنى: وجماع الأمر أن الاسم الواحد ينفي ويثبت بحسب الأحكام المتعلقة به، فلا يجب إذا ثبت أو نفي في حكم أن يكون كذلك في سائر الأحكام، وهذا في كلام العرب وسائر الأمم، لأن المعنى مفهوم، مثل ذلك: المنافقون قد يجعلون من المؤمنين في موضع وفي موضع آخر يقال: ما هم منهم.
قال تعالى: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً ....).
فهنالك جعل هؤلاء المنافقين الخائفين من العدو .. الناكلين عن الجهاد، الناهين لغيرهم، الذامين للمؤمنين: منهم. وقال في آية أخرى: (وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ
стр. 246
وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ...). وهؤلاء: ذنبهم أخف، فإنهم لم يؤذوا المؤمنين لا بنهي ولا سلق بألسنة حداد ولكن حلفوا بالله أنهم من المؤمنين في الباطن بقلوبهم، وإلا فقد علم المؤمنون أنهم منهم في الظاهر فكذبهم الله وقال (وما هم منكم) وهناك قال: (قد يعلم الله المعوقين منكم). فالخطاب: لمن كان في الظاهر مسلماً مؤمناً وليس مؤمناً بأن منكم من هو بهذه الصفة، وليس مؤمناً بل أحبط الله عمله فهو منكم في الظاهر لا الباطن.
ولهذا لما استؤذن النبي في قتل بعض المنافقين قال: (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) فإنهم من أصحابه في الظاهر عند من لا يعرف حقائق الأمور، وأصحابه الذين هم أصحابه ليس فيهم نفاق ...
وكذلك: الأنساب مثل كون الإنسان أباً لآخر أو أخاه يثبت في بعض الأحكام دون بعض فإنه قد ثبت في الصحيحين أنه لما اختصم إلى النبي ﷺ سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة بن الأسود في ابن وليدة زمعة، وكان عتبة بن أبي وقاص قد فجر بها في الجاهلية، وولدت منه ولداً فقال عتبه لأخيه سعد: إذا قدمت مكة فانظر ابن وليدة زمعة فإنه ابني. فاختصم فيه وهو وعبد بن زمعة إلى النبي ﷺ فقال سعد: يا رسول الله ابن أخي عتبة، عهد إلى أخي عتبة فيه إذا قدمت مكة انظر إلى ابن وليدة زمعة فإنه ابني، ألا ترى يا رسول الله شبهه بعتبة؟
فقال عبد: يا رسول الله أخي وابن ووليدة أبي ولد على فراش أبي.
فرأى النبي شبهاً بيناً بعتبة فقال: "هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفرش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة". لما رأى من شبهه البين بعتبة ..
فتبين أن الاسم الواحد ينفي في حكم، ويثب في حكم. فهو أخ في الميراث وليس بأخ في المحرمية ..
ولفظ النكاح وغيره في الأمر يتناول الكامل وهو العقد والوطء كما في قوله: (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء). وقوله (حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ). وفي النهي يعم الناقص والكامل، فينهي عن العقد مفرداً وإن لم يكن وطء كقوله: (وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء) (١). ا. هـ.
стр. 247
قلت: فالكفر الذي ينفيه ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى- هو الكفر الذي يستحق صاحبه العقوبة في الدارين القتل في الدنيا والخلود في النيران في الآخرة وهذا لا يكون إلا بعد الحجة الرسالية لأن العقوبة والعذاب متوقفة على بلاغ الرسالة لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) وهذا الكفر أصحابه إن كانوا واقعين في الشرك فهم مشركون وليسوا بمسلمين، وكفار لكن الكفر الغير معذب عليه وبرهان هذا ما يلي:
أولاً: النقاط الستة السابقة.
المبحث الرابع: تعريف الكفر الذي ينفيه هؤلاء الأئمة:
ثانياً: قال ابن تيمية: فإن حال: الكافر لا تخلو من أن يتصور الرسالة أولا فإن لم يتصور فهو في غفلة عنها، وعدم إيمان كما قال تعالى: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً). وقال: (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ).
لكن الغفلة المحضة لا تكون إلا لمن لم تبلغه الرسالة، والكفر المعذب عليه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة ...
فكل مكذب لما جاءت به الرسل فهو كافر. وليس كل كافر مكذباً. بل قد يكون مرتاباً إن كان ناظراً فيه، أو معرضاً عنه بعد أن لم يكن ناظراً فيه وقد يكون غافلاً عنه لم يتصوره بحال. لكن عقوبة هذا موقوفة على تبليغ المرسل إليه (١). ا. هـ.
فانظر -رحمك الله- إلى قول الإمام في أول النقل فإن حال الكافر: لا تخلو من أن يتصور الرسالة أو لا ثم قال وأما الكفر المعذب عليه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة وقوله العقوبة متوقفة على تبليغ المرسل إليه.
وقال ﵀ منكراً على من يقول أن حسن التوحيد وقبح الشرك وإمكان المعاد لا يعلم بالعقل فقال:
وكثير من هؤلاء يعتقدون أن في ذلك ما لا يجوز أن يعلم بالعقل: كالمعاد؛ وحسن التوحيد، والعدل، والصدق، وقبح الشرك، والظلم، والكذب. والقرآن يبين: الأدلة العقلية
стр. 248
الدالة على ذلك، وينكر على من لم يستدل بها، ويبين أنه بالعقل يعرف المعاد وحسن عبادته وحده وحسن شكره وقبح الشرك وكفر نعمه كما قد بسطت الكلام على ذلك في مواضع ..
فتارك الواجب وفاعل القبيح وإن لم يعذب بالآلام كالنار فيسلب من النعم وأسبابه ما يكون جزاءه. وهذا جزاء من لم يشكر النعمة بل كفرها -أن يسلبها فالشكر قيد النعم، وهو موجب للمزيد، والكفر بعد قيام الحجة موجب للعذاب وقبل ذلك ينقص النعمة ولا يزيد مع أنه لا بد من إرسال رسول يستحق معه النعيم أو العذاب، فإنه ما ثم دار إلا الجنة أو النار (١). ا. هـ.
انظر إلى قول الشيخ أن العقل يعلم به حسن التوحيد والمعاد وقبح الشرك. ولذلك فالكفر ثابت قبل الحجة لمخالفة حجية العقل والفطرة وهذا الكفر ينقص النعمة ولا يزيد والكفر بعد الحجة موجب للعذاب.
ولذلك قال: قالوا- أي: أهل السنة-: ولما كان العلم بالله إيماناً، والجهل به كفراً وكان العمل بالفرائض إيماناً، والجهل بها قبل نزولها ليس بكفر لأن أصحاب رسول الله، ﷺ ، قد أقروا بالله أول ما بعث الله رسوله، ﷺ ، إليهم، ولم يعلموا الفرائض التي افترضت عليهم بعد ذلك فلم يكن جهلهم بذلك كفراً، ثم أنزل الله عليهم الفرائض فكان إقرارهم بها والقيام بها إيماناً، وإنما يكفر من جحدها لتكذيبه خبر الله، ولو لم يأت خبر من الله ما كان بجهلها كافراً وبعد مجيء الخبر، من لم يسمع بالخبر من المسلمين لم يكن بجهلها كافراً.
والجهل بالله في كل حال كفر قبل الخبر وبعد الخبر (٢). ا. هـ.
انظر لهذا النقل أن الجهل بالله كفر قبل الخبر وبعد الخبر والمقصود الجهل بتوحيده والدليل على ذلك: قوله أن أصحاب رسول الله، ﷺ ، قد أقروا بالله أول ما بعث رسوله، ﷺ ، إليهم ومن المعلوم بيقين أن الإقرار هنا هو الإقرار بتوحيد الإلهية لا بتوحيد الربوبية الذي لا يفرق بين الموحدين والمشركين بل هو متوفر لديهم جميعاً- إذاً فالجهل بالله كفر قبل الخبر وبعد الخبر، لكن قبل الخبر ينقص النعمة ولا يزيد ومحرم على أصحابه دخول
стр. 249
الجنة وإن ماتوا على ذلك لا يصلي عليهم ولا يستغفر لهم ولا يدفنون في مقابر المسلمين لأنهم مشركون وليسوا بمسلمين، إلا أنهم لا يعذبون في الدارين إلا بعد إقامة الحجة. وهذا هو الكفر بعد الخبر وهو الكفر المعذب عليه وكما أنهم لا يعذبون فهم أيضاً لا ينعمون.
قال الشيخ: فلا ينجون من عذاب الله إلا من أخلص لله دينه وعبادته ودعاه مخلصاً له الدين، ومن لم يشرك به ولم يعبده فهو معطل عن عبادته وعبادة غيره: كفرعون وأمثاله، فهو أسوأ حالاً من المشرك، فلا بد من عبادة الله وحده، وهذا واجب على كل أحد، فلا يسقط عن أحد البتة، وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله ديناً غيره.
ولكن لا يعذب الله أحداً حتى يبعث إليه رسولا وكما أنه لا يعذبه فلا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة ولا يدخلها مشرك ولا مستكبر عن عبادة ربه فمن لم تبلغه الدعوة في الدنيا امتحن في الآخرة ولا يدخل النار إلا من اتبع الشيطان، فمن لا ذنب له لا يدخل النار، ولا يعذب الله بالنار أحداً إلا بعد أن يبعث إليه رسولاً (١). ا. هـ.
فمن هذه النقول للشيخ يتبين أنه لا يحكم بالإسلام للمشرك الجاهل البتة إلا أنه لا يحكم عليه بالعذاب في الدارين إلا بعد إقامة الحجة وهم قبلها مشركون وليسوا بمسلمين.
وقال الشيخ: نعم قد يشكل على كثير من الناس نصوص لا يفهمونها فتكون مشكلة بالنسبة إليهم لعجز فهمهم عن معانيها، ولا يجوز أن يكون في القرآن ما يخالف صريح العقل والحس إلا وفي القرآن بيان معناه، فإن القرآن جعله الله شفاءاً لما في الصدور وبياناً للناس فلا يجوز أن يكون بخلاف ذلك، لكن قد تخفى آثار الرسالة في بعض الأمكنة والأزمنة حتى لا يعرفون ما جاء به الرسول، ﷺ ، إما ألا يعرفوا اللفظ وإما أن يعرفوا اللفظ ولا يعرفوا معناه، فحينئذ يصيرون في جاهلية بسبب عدم نور النبوة، ومن ههنا يقع الشرك وتفريق الدين شيعاً كالفتن التي تحدث السيف.
فالفتن القولية والعملية هي من الجاهلية بسبب خفاء نور النبوة عنهم كما قال مالك بن أنس: إذا قل العلم ظهر الجفاء، وإذا قلت الآثار ظهرت الأهواء. ولهذا شبهت الفتن بقطع الليل المظلم ولهذا قال أحمد في خطبته:
стр. 250
الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة بقايا من أهل العلم.
فالهدى الحاصل لأهل الأرض إنما هو من نور النبوة كما قال تعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى).
فأهل الهدى والفلاح هم: المتبعون للأنبياء وهم المسلمون المؤمنون في كل زمان ومكان. وأهل العذاب والضلال هم: المكذبون للأنبياء، يبقى أهل الجاهلية الذين لم يصل إليهم ما جاءت به الأنبياء. فهؤلاء في: ضلال وجهل وشرك وشر لكن الله يقول: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). وقال: (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ). وقال: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ).
فهؤلاء لا يهلكهم الله ويعذبهم حتى يرسل إليهم رسولاً. وقد رويت آثار متعددة في أن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا فإنه يبعث إليه رسول يوم القيامة في عرصات القيامة (١). ا. هـ.
ففي هذا النقل يبرهن فيه شيخ الإسلام على أن أهل الهدى والفلاح هم: المتبعون للأنبياء وهم المسلمون المؤمنون.
وأهل العذاب والضلال هم: المكذبون للأنبياء وهذا هو الكفر المعذب عليه.
يبقى أهل الجاهلية الذين لم يصل إليهم ما جاءت به الأنبياء إذاً فهم لم يكذبوا فلم يقعوا في الكفر المعذب عليه بيد أنهم لم يتبعوهم أيضاً ووقعوا في الإشراك بالله.
فهؤلاء في ضلال وجهل وشرك وشر إلا إنهم لا يعذبون إلا بعد الحجة الرسالية. وهذا هو الكفر قبل الحجة وبلوغ الخبر.
ويلاحظ أن هذا النقل في الأمة المحمدية ولا يجرؤ أحد أن يقول إنهم مشركون على الإطلاق دون التعيين لأنه لو كان كذلك لما قال عنهم الشيخ: إنهم يمتحنون في العرصات لأنهم لو كانوا مسلمين لدخلوا الجنة دون امتحان. فثبوت الامتحان لهم دل على أنهم مشركون على التعيين.