قلت ذهب عاصم إلى أن ابن سرجس وإن رأى النبي ﷺ فليس بصحابي، من أجل أنه اعتبر في الصحبة الملازمة لبعض الوقت.
٣ _ وروي عن أحمد بن حنبل، قال: " كل من صحبه سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه، فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه، وكانت سابقته معه، وسمع منه، ونظر إليه (١).
٤ _ وقال البخاري: " من صحب النبي ﷺ ، أو رآه من المسلمين، فهو من أصحابه " (٢).
قال ابن حجر: " هذا الذي ذكره البخاري هو الراجح "، وقال: " هو قول أحمد والجمهور من المحدثين " (٣).
قلت: ويشير قوله: (الراجح) إلى ما ذهب إله بعض السلف كالذي تقدم عن عاصم الأحول، إلى عدم إطلاق الصحبة إلا على الصحبة العرفية، وهي أن يرافقه مدة.
وقال ابن حجر: " ويرد على التعريف: من صحبه أو رآه مؤمناً به ثم ارتد بعد ذلك ولم يعد إلى الإسلام، فإنه ليس صحابياً اتفقا، فينبغي أن يزاد فيه: ومات على ذلك " (٤).
وقال ابن حجر: " أصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي: من لقي النبي ﷺ مؤمناً به، ومات على الإسلام " (٥).
стр. 107
وفيمن يدخل في التعريف قال: " فيد خل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو عنه، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يراه لعارض كالعمى " (١).
قلت: ومن أهل العلم من ذهب إلى التوسع فيمن يدخل في جملة الصحابة، حتى قال: يدخل فيهم الجن الذين أسلموا ممن ينطبق عليه تعريف الصحابي.
وهذا ليس مما له فائدة هنا، فإن تحديد المراد بالصحابي في هذا الموضع إنما هو فيمن روى العلم، وكان له شخصية محددة، أما: هل يدخل في الصحابة مسلمو الجن الذين استمعوا القرآن، أو بعض الملائكة، فهذا مما لا ينبغي عليه عمل، ولا يحقق مصلحة، ولا يُنْتهى فيه إلى شيء بين.
نعم؛ رأيت الطبراني أخرج في " معجمه الكبير " حديثاً عن رجل من الجن، فقال: حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي، حدثنا أحمد بن سعد بن أبي مريم، حدثنا عثمان بن صالح، حدثني بن صالح، حدثني عمرو الجني، قال: كنت عند النبي ﷺ فقرأ سورة النجم، فسجد، فسجد، فسجت معه (٢).
قلت: وهذا خبر غريب جداً، بل منكر، وعثمان بن صالح هو المصري، من أصحاب عبد الله بن وهب، ومن شيوخ البخاري، وهو من طبقة تبع أتباع التابعين، ولو صححنا كونه من التابعين بمثل هذا لروايته عن جني له صحبة، لاضطرب عندنا مقياس الطبقات، ولصار به عامة من روى عنه من أتباع التابعين، وليس هذا محل إشكال إن ثبت، مع شدة غرابته، وإنما الشأن أن عثمان إن صح هذا إليه (٣)، فإنه وإن كان صدوقاً انتقى له
стр. 108
البخاري في صحيحه إلا أن أبا زرعة الرازي سئل عن بعض ما رواه عن عبد الله بن لهيعة، وفيه المنكر؟ فقال: " لم يكن عندي عثمان ممن يكذب، ولكنه كان يكتب الحديث مع خالد بن نجيح، وكان خالد إذا سمعوا من الشيخ، أملى عليهم مالم يسمعوا فبلوا به " (١).
قلت: وخالد هذا كذاب معروف.
وقد قال أبو نعيم الأصبهاني في رواية الجني هذه: " في إسناده نظر " (٢)، وقال الهيثمي: " في إسناده من لا يعرف، وعثمان بن صالح لا أراه أدرك أحد من الصحابة " (٣).
كيف تثبت الصحبة ؟
تثبت الصحبة بطريق من الطرق التالية:
١ _ التواتر، كصحبة حمزة بن عبد المطلب، وأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ﵃.
٢ _ الشهرة والاستفاضة، كصحبة كثيرين، علم كونهم من الصحابة بمجيء ذكرهم في الأخبار المعروفة، كياسر والد عمار، وخبيب بن عدي، أو بالرواية عنهم من وجوه عدة تحصل بمثلها الشهرة.
٣ _ صحة الإسناد إلى من قال: (سمعت رسول النبي ﷺ .
٤ _ الخبر الثابت إلى من هو معروف من الصحابة: أن فلاناً صحب النبي ﷺ ، أو يذكره في سياق ما يفيد صحبته. مثال: الحارث بن وقيش.
٥ _ أن يخبر عن نفسه أن له صحبة، ويثبت الإسناد عنه بذلك.
стр. 109
٦ _ معرفة قدم عهده، بحيث لا ينكر أن يكون أدرك زمان النبي ﷺ .
وجدير أن تعلم أن كثيراً من الأسماء تجده في جملة الصحابة، اعتمد ذاكروها على وجود رواية عنهم عن النبي ﷺ ، وإذا تحققت من تلك الرواية وجدت كثير منها لا تثبت أسانيدها إلى ذلك المدعى صحبته.
وكذلك فإن مجرد قول الرجل من الرواة: (قال رسول الله ﷺ ، لا يعني الصحبة، فالتابعي ومن دونه قد يقول ذلك، فيكون من قبيل المرسل أو المعضل.
والتثبت في الصحبة وتحقق إثباتها شرط لصحة الحديث، فدونها ينتفي الاتصال.
وكان النقاد الأولون يحققون ذلك، كما يحققون أحوال سائر النقلة، وبه كشفوا الخطأ في ظن الصحبة لطائفة.
فمن أمثلة ذلك:
قال أبو حاتم في (عبد الرحمن بن عئاش الحضرمي): " أخطأ من قال: له صحبة، هو عندي تابعي، هو عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ " يعني: الصواب في روايته كذلك، وقال أبو زرعة: " ليس بمعروف " (١).
وقال أبو حاتم في (عيسى بن يزداد): لا يصح حديثه، وليس لأبيه صحبة، ومن الناس من يدخله في المسند على المجاز، وهو وأبوه مجهولان " (٢).
وسأل البرقاني الدارقطني: مسلم بن الحارث التميمي عن أبيه عن النبي ﷺ ؟ قال: " مسلم مجهول، لا يحدث عن أبيه إلا هو " (٣).
стр. 110
كما يجب أن تعلم أن النقاد ربما اختلفوا في إثبات الصحبة لشخص، والواجب حينئذ المصير إلى الترجيح بما ذكرنا من الطرق لإثبات الصحبة أو نفيها.
من رأى النبي ﷺ وهو صغير ، هل تصح صحبته؟
حدث شعبة بن الحجاج عن أبي إياس معاوية بن قرة بن إياس، قال: جاء أبي إلى رسول الله ﷺ وهو غلام صغير، فمسح رأسه، واستغفر له.
قال شعبة: فقلت: أله صحبة؟ فقال لا، ولكنه كان على عهده قد حلب وصر (١).
قلت: فهو قد ولد في حياة النبي ﷺ ، لكن لم يكن سنه سن من يحمل العلم؛ لعدم التمييز من أجل الصغر.
واختلف أصحاب الزهري عنه على حديث رواه عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن جابر بن عبد الله في قتلى أحد، فمنهم من ذكر فيه جابراً ومنهم من لم يذكره، فسأل ابن أبي حاتم أباه عنه؟ فقال: " الصحيح مرسل " قال: قلت: عبد الله بن ثعلبة أليس قد رأى النبي ﷺ ؟ قال: " نعم، وهو صغير " (٢).
قلت: فعد حديثه مرسلاً من أجل عدم السماع للصغر.
والتحقيق: أن هذا الصنف يثبت لهم شرف الصحبة، لكن رواياتهم عن النبي ﷺ مرسلة ملحقة بعموم مراسيل التابعين، لا بمراسيل الصحابة الذين لهم من النبي ﷺ سماع، يروي أحدهم عنه ﷺ ما لم يسمعه، وإنما سمعه من صحابي غيره، فأرسله، بل هؤلاء الذين لهم شرف الصحبة تابعيون في الحكم (٣).
стр. 111
فمن أدخلهم في الصحابة في كتب تراجم الصحابة، فإنما فعل ذلك لثبوت معنى الصحبة لهم، لا لاتصال رواياتهم برسول الله ﷺ ، فاحذر أن تعتمد على ذلك للقول باتصال الإسناد.
فائدة هل للصحابة عدد محصور ؟
بالنظر إلى تاريخ المجتمع الإسلامي في حياة النبي ﷺ ، فإن المعلوم أنه صحبه خلق كثير، منهم من لقي ربه في حياته ﷺ ، ومنهم من بقي بعده، ومنهم من عرف اسمه، ومنهم من لم يعرف، ومنهم من حمل عنه العلم، ومنهم من لم يحمله، وممن حمل العلم كمن شهد معه حجة الوداع من روى وحفظ عنه الحديث، ومنهم من لم يحفظ عنه الحديث.
قال محمد بن أحمد بن جامع الرازي: سمعت أبا زرعة (يعني الرازي) وقال له رجل: يا أبا زرعة، أليس يقال: حديث النبي ﷺ أربعة آلاف حديث؟ قال: " ومن قال ذا؟! قلقل الله أنيابه، هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله؟ قُبِضَ رسول الله ﷺ
عن مئة ألف وأربعة عشر ألفاً من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه "، فقال له الرجل: يا أبا زرعة، هؤلاء أين كانوا وسمعوا منه؟ قال: " أهل المدينة، وأهل مكة، ومن بينهما، والأعراب، ومن شهد حجة الوداع، كل رآه وسمع منه يعرفه " (١).
стр. 112
فرع:
فإذا ميزت الصحابي تيسر لك تمييز التابعي، فإنه: من لقي رجلاً من الصحابة فأكثر، فيثبت له به شرف التابعية، ولا يتحصل حديثه بالصحابي حتى ينقل شيئاً سمعه من الصحابي أو رآه.
وعلى معناه فقس تفسير كل طبقة تليه.
* * *
стр. 113
المبحث السادس:
تمييز المشتبه من أسماء الرواة
الاشتباه في أسماء الرواة يقع بواحد من سببين:
السبب الأول: التشابه في الرسم
ويكون معوقاً دون الوقوف على شخصية الراوي؛ ذلك لما يقع به من التصحيف والتحريف.
قال علي بن المديني: " أشدُّ التصحيف في الأسماء " (١).
واصطلحوا على تسميته بـ (المؤتلف والمختلف).
ومعناه: ما يتفق من الأسماء في الخط صورة، ويختلف في اللفظ صيغة.
وهذا يعني الاتحاد في الرسم، والاختلاف في النقط والشكل.
وتقدمت بعض أمثلته في (تمييز الأسماء)، وإليك صوراً منها زيادة في التوضيح والتأكيد:
стр. 114
(سلًّام) بالتشديد، وهو أكثر، و (سَلَام) بالتخفيف في أسماء معينة.
(مَعْمَر) بفتح الميم وإسكان العين ثم ميم مفتوحة خفيفة، و (مُعَمَّر) بضم أوله فعين مفتوحة فميم مشددة.
و (البَرَاء) بالتخفيف، في الأسماء جميعاً، و (البَرَّاء) بالتشديد في نسب ثلاثة من الرواة: أبي العالية البَرَّاء، واسمه: زياد بن فيروز، وقيل غير ذلك، وأبي معشر البَرَّاء، واسممه: يوسع بن يزيد، وحماد بن سعيد البَرَّاء.
وما كان من هذا النمط مما يرجع إلى الشكل، فإن ما يقع من الخفاء بسببه قليل، وإنما مثله مظنة اللحن.
أم ما كان مثل (جَرير) بجيم أوله، وراء آخره، و (حَرِيز) بحاء مهملة أوله، وزاي آخره، ومثل (شُرَيح بالشين المعجمة أوله، و (سُرَيج) بالسين المهملة أوله، ومثل (يَزيد) بياء مثنَّاة ... أوله، و (بَرِيد) بباء موحدة مفتوحة أوله، ومثل (الهَمْداني) بميم ساكنة بعدها دال مهملة، و (الهَمَذاني) بميم مفتوحة بعدها ذال معجمة، و (الزُّبَيْري) بزاي مضمومة فباء موحدة مفتوحة فمثناة تحتية، و (الزَّنْبريِّ) بزاي مفتوحة، فنون ساكنة فموحدة مفتوحة؛ فإن التصحيف بمثله أشد، ويكون معوقاً دون الوقوف على الترجمة وتمييز المقصود.
وأغمض منه ما رجع إلى بابه، لكن بزيادة حرف ونقصة، كالذي بين (عبد) و (عبيد)، أو (عمر) و (عمرو)، أو (بشر) و (بشار).
وأشد منه ما اتحد الرسم أو تقارب إلا في حرف، مثل: (سفيان) و (شيبان)، و (عنان) و (غياث).
والغلط في مثل هذا لا يكاد يسلم منه أحد، وهو في الكتب المطبوعة غير قليل، فلا تركن إلى هذا.
واعلم أن ضبط الأسماء لا يخضع إلى قاعدة في القياس، إنما
стр. 115
العمدة فيه السماع، فعليك بضبطها وتجويدها وحفظ مواضع اجتماعها وافتراقها تسلم من اللحن والتصحيف.
وقد نبهت سالفاً على أسماء أهم المصنفات المفيدة في هذا الفن، وفي " إكمال " ابن ماكولا، ثم " تكملة " ابن نقطة، ثم " توضيح " ابن ناصر.
السبب الثاني: الاشتراك
وربما صار بك إلى جرح عدل، أو تعديل مجروح، كما يكون سبباً في أن يدخل على الراوي ما ليس من حديثه.
والطريق إلى معرفة ذلك بتمييز ما اصطلحوا عليه بـ (المتفق والمفترق).
وهو فن يعسر فهمه وتحتاج معرفته إلى يقظة شديدة، فإن الرجل تراه في الإسناد، فتبحث عن ترجمته، فتجد في التراجم من هو مسمى بنفس اسمه، ولا تجد في الإسناد من العلامة ما يساعدك على تمييزه، فكيف الطريق إلى معرفته؟
تقدم أن النظر في الشيوخ والتلاميذ يساعدك على كشف الالتباس عن كثير من الرواة ممن هذه صفته، لكنك قد لا تصل إلى ذلك بمجرد هذا الطريق لعدم وجود الاستقصاء لجميع شيوخ الراوي أو تلاميذه عادة على ما علمت شرحه، أو ترى الراويين يشتركان في بعض الشيوخ والتلاميذ، أي: تتحد طبقتهما، فيبقى لك أن تميزه بمعرفة هذا الطريق.
اعلم أن الاتفاق والافتراق في أسماء الرواة ممن تذكر أسماؤهم غير مميزة بما يدفع الاشتباه؛ يرجع إلى صور ثلاث:
الأولى: الاتفاق في الاسم مع الافتراق في الطبقة.
مثاله: (حيوة بن شريح) رجلان، أحدهما من طبقة الأولى من أتباع التابعين، من أقران الليث بن سعد ومالك بن أنس وأقدم منهما قليلاً، وهو من أعيان المصريين.
стр. 116
والثاني من شيوخ البخاري والدارمي وأبي داود، من الشاميين، يروي عن بقية بن الوليد وطبقته.
وكلاهما يأتي ذكره كثيراً في الأسانيد (حيوة بن شريح) من غير علامة مفسرة.
فهذا النمط يسهل تمييزه بتمييز الطبقة.
وقد يكون الراويان المشتركان عدلين كهذا المثال، فيكون محذور الغلط في تمييزه أخف منه حين يكون أحدهما مجروحاً والآخر ثقة.
مثل: (سعيد بن سنان) راويان معروفان، البُرْجُمي كوفي ثقة صدوق، والآخر أبو مهدي، شامي متروك الحديث.
لكن البرمجي متأخر الطبقة عن الشامي.
والثانية: الاتفاق في الاسم مع اتحاد الطبقة، لكن مع وجود علامة تساعد على التمييز بمراجعة التراجم المشتبه في كتب الرواة.
مثاله: (عبد الرحمن بن إسحاق) رجلان من طبقة واحدة يأتيان في الأسانيد غير مميزين، أما أحدهما فهو كوفي ضعيف الحديث، وأما الآخر فهو مدني نزل البصرة صدوق، ولا يشتركان في الشيوخ، فحديث الأول عند الكوفيين وحديث الثاني عند البصريين.
قال الحافظ محمد بن سعيد وذكر الأول في الكوفيين: " عبد الرحمن بن إسحاق، ويكنى أبا شيبة، وكان ضعيف الحديث، روى عن الشعبي، وهو الذي روى عنه أبو معاوية الضرير والكوفيون، وعبد الرحمان بن إسحاق المديني أثبت منه في الحديث، وهو الذي روى عنه إسماعيل بن علبة والبصريون " (١).
стр. 117
ويقرب منه في إمكان الفصل مثل: (إسماعيل بن أبان) رجلان، أحدهما (الوراق) والثاني (الغنوي)، كلاهما كوفيان، واشتركا في شيء قليل من الشيوخ والتلاميذ، والغنوي أقدم قليلاً، ولعله لا يأتي إلا منسوباً فلا يشق التمييز.
قال يحيى بن معين: " إسماعيل بن أبان الغنوي كذاب لا يكتب حديثه , وإسماعيل بن أبان الوراق ثقة " (١).
وهذا النمط من الرواة يمكن التوصل إلى تمييز المقصود منهم ببعض البحث المتحري بتأمل بلد الراوي أو شيوخه وتلاميذه.
فإن لم يتميز فلاحتمال أن يكون المجروح، يجب التوقف عن قبول تلك الرواية.
والثالثة: الاتفاق في الطبقة والبلد والاشتراك في بعض الشيوخ والتلاميذ، مما يجعل عملية الفصل بينهما شاقة في كثير من الأحيان يحتاج الباحث معها إلى قرينة تصير به إلى أي ترجيح.
مثاله: (حماد) ابن زيد، و (حماد) ابن سلمة، كلاهما من طبقة واحدة، ومن بلد واحد فهما بصريان، واشتركا في طائفة من الشيوخ رويا عنهما جميعاً، مثل: (أيوب السختياني، وثابت البناني، وحميد الطويل، وأبي عمران الجوني، وغيرهم)، كما اشتركا في طائفة من التلاميذ رووا عنهما جميعاً، منهم: (عفان بن مسلم، وحجاج بن منهال، وسليمان بن حرب، وغيرهم).
ولا إشكال عند مجيء اسم أحدهما منسوباً إلى أبيه، وإنما في وروده مهملاً من القيد المفسر.
وههنا فصل مفيد أورده الحافظ الذهبي في ترجمة (ابن زيد)، قال:
стр. 118
" اشتركا الحمادان في الرواية عن كثير من المشايخ، وروى عنهما جميعاً جماعة من المحدثين، فربما روى الرجل منهم عن حماد، لم ينسبه، فلا يعرف أي الحمادين هو إلا بقرينة، فإن عري السند من القرائن، وذلك قليل، لم نقطع بأنه ابن زيد، ولا أنه ابن سلمة، بل نتردد، أو تقدره ابن سلمة، ونقول: هذا الحديث على شرط مسلم، إذ مسلم قد احتج بهما جميعاً.
فمن شيوخهما معاً: أنس بن سيرين، وأيوب، والأزرق بن قيس، وإسحاق بن سويد، وبرد بن سنان، وبشر بن حرب، وبهز بن حكيم، وثابت، والجعد أبو عثمان، وحميد الطويل، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند، والجريري، وشعيب بن الحبحاب، وعاصم بن أبي النجود، وابن عون، وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس، وعبيد الله بن عمر، وعطاء بن السائب، وعلي بن زيد، وعمرو بن دينار، ومحمد بن زياد، ومحمد بن واسع، ومطر الوراق، وأبو جمرة الضبعي، وهشام بن عروة، وهشام بن حسان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن عتيق، ويونس بن عبيد.
وحدث عن الحمادين: عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، وعفان، وحجاج بن منهال، وسليمان بن حرب، وشيبان، والقعنبي، وعبد الله بن معاوية الجمحي، وعبد الأعلى بن حماد، وأبو النعمان عارم، وموسى بن إسماعيل، لكن ما له عن حماد بن زيد سوى حديث واحد، ومؤمل بن إسماعيل، وهدبة، ويحيى بن حسان، ويونس بن محمد المؤدب، وغيرهم.
والحفاظ المختصون بالإكثار وبالرواية عن حماد بن سلمة: بهز بن أسد , وحبان بن هلال، والحسن الأشيب، وعمرو بن عاصم.
والمختصون بحماد بن زيد الذين ما لحقوا ابن سلمة، فهم أكثر وأوضح: كعلي بن الديني، وأحمد بن عبادة، وأحمد بن المقدام، وبشر بن معاذ العقدي، وخالد بن خداش، وخلف بن هشام، وزكريا بن عدي،
стр. 119
وسعيد بن منصور، وأبي الربيع الزهراني، والقواريري، وعمرو بن عون، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، ولوين، ومحمد بن عيسى بن الطباع، ومحمد بن عبيد بن حساب، ومسدد، ويحيى بن حبيب، ويحيى بن يحيى التميمي، وعدة من أقرانهم.
فإذا رأيت الرجل من هؤلاء الطبقة قد روى عن (حماد) وأبهمه علمت أنه ابن زيد، وأنه لم يدرك حماد بن سلمة، وكذا إذا روى رجل ممن لقيهما فقال: (حدثنا حماد) وسكت، نظرت في شيخ حماد من هو، فإن رأيته من شيوخهما على الاشتراك؛ ترددت، وإن رأيته من شيوخ أحدهما على الاختصاص والتفرد عرفته بشيوخه المختصين به.
ثم عادة عفان لا يروي عن حماد بن زيد إلا وينسبه، وربما روى عن حماد بن سلمة فلا ينسبه، وكذلك يفعل حجاج بن المنهال، وهدبة بن خالد، فأما سليمان بن حرب، فعلى العكس من ذلك، وكذلك عارم يفعل، فإذا قالا: (حدثنا حماد) فهو ابن زيد، ومتى قال موسى التبوذكي: (حدثنا حماد) فهو ابن سلمة، فهو روايته، والله أعلم.
ويقع مثل هذا الاشتراك سواء في السفيانين، فأصحاب سفيان الثوري كبار قدماء، وأصحاب ابن عينية صغار لم يدركوا الثوري، وذلك أبين، فمتى رأيت القديم قد روى فقال: (حدثنا سفيان) وأبهم، فهو الثوري، وهم كوكيع، وابن مهدي، والفريابي، وأبي نعيم، فإن روى واحد منهم عن ابن عيينة بينه، فأما الذي لم يلحق الثوري وأدرك ابن عيينة فلا يحتاج أن ينسبه لعدم الإلباس، فعليك بمعرفة طبقات الناس " (١).
هذا الذي حكيت لك عن الذهبي مثال لاشتراك الثقتين.
стр. 120
أغمض منه اشتراك ثقة ومجروح.
ومثاله: (عبد الكر يم) رجلان من طبقة واحدة، يأتي ذكرهما في بعض الأسانيد مهملين من العلامة المساعدة على التمييز، ويشتركان في بعض الشيوخ والتلاميذ، أما أحدهما فهو عبد الكريم بن أبي المخارق أبو أمية متروك الحديث، والثاني عبد الكريم بن مالك الجزري ثقة، رويا جميعاً عن سعيد بن جبير، وطاوس اليماني، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، ومجاهد، ونافع مولى ابن عمر، وروى عنهما جميعاً عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وإسرائيل بن يونس، وسفيان بن عيينة، وشريك بن عبد الله القاضي.
فهذا النمط إذا جاء مهملاً فإما أن تجد قرينة خارجية مساعدة في تفسير المقصود، أو تعذر التمييز، وعليه فالمصير إلى التوقف في شأنه.
تنبيه:
يقع الالتباس في بعض أسماء الرواة من جهة مظنة القلب فيها، حيث تأتي على خلاف المعروف من الأسماء، فيظن الظان أنها جاءت على الغلط، وإنما هي أسماء لرواة آخرين جاءت على العكس من أسماء مشهورة في التقديم والتأخير في الاسم واسم الأب.
مثالها: في الرواة (مسلم بن الوليد) وهو ابن رباح، مدني، من أتباع التابعين، وليس هو بالمشهور، فانقلب على البخاري، فسماه (الوليد بن مسلم)، وخطأه فيه أبو زرعة وأبو حاتم الرويان (١)، وهو على القلب يشارك راويين مشهورين في الاسم واسم الأب، كلاهم يدعى (الوليد بن مسلم)، أحدهما بصري، والآخر الشامي المعروف.
стр. 121
وكان أئمة الحديث يتحرون تمييز هذا النوع من الرواة:
أخرج الترمذي قال: حدثنا الحسن بن الصباح البزار، حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن العلاء، عن أبيه، عن ابن عمر، عن عائشة، قالت:
لا أغبط أحداً بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله صلى لله عليه وسلم.
في الرواة (العلاء بن عبد الرحمن) يروي عن أبيه عن الصحابة، وهذا هنا (عبد الرحمن بن العلاء) يروي عن أبيه عن الصحابة، وحيث إن الأول (العلاء عن أبيه) أشهر، وهو معروف بمولى الحرقة، فربما ظن الظان أن الثاني الوارد في إسناد الترمذي الذكور غلط وقلب، لذا قال الترمذي بعد روايته:
سألت أبا زرعة فقلت له من: عبد الرحمن بن العلاء هذا؟ فقال: هو عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج (١).
تتمة:
ولا تعجزن عن زيادة البحث والتنقيب عما يشتبه، حتى تقف على اليقين بدليله وحجته ما أمكنك، ولا تقنعن بالوقوف على أصل ينفرد لك بالدلالة على ما تبحث عنه حتى تعدم بغيتك في غيره، إلا أن يقطع بحجته النظر.
وذلك أن طائفة من كبار النقاد بذلوا من الوسع غايتهم، لكن الكمال ميؤوس منه للبشر، فجاء بعدهم من أهل صنعتهم من استدرك وناقش، وحلل واستدل، ووهم وسلم، وزاد وأفاد، وكان لإمام الصناعة حافظ دار
стр. 122
السلام، بل إمام دار السلام في هذا الفن أبي بكر الخطيب، أن أتى بتحرير لا ينقضي من حسنها العجب، في هذه الأبواب المشكلة.
ومن أنفع ما صنف فيها كتاب " الموضح لأوهام الجمع والتفريق "، تعقب فيه كبار أئمة هذا العلم، ﵏.
* * *
стр. 123
الفصل الثاني:
اتصال الإسناد
اتصال الإسناد طريق تلقي كل راو للحديث عمن فوقه.
والتحقق من اتصال الإسناد يوجب معرفة الصيغ التي يقع عليها تحمل الرواية من قبل التلميذ عن الشيخ، وهي محصورة في القسمة التالية:
الأول: صيغة سماع صريحة، لا تحتمل الواسطة بحال.
الثاني: صيغة اتصال هي بمنزلة السماع، كالمكاتبة.
الثالث: صيغة تحتمل السماع ولا تنتفي بذاتها الانقطاع، كالعنعنة.
وهذا الفصل معقود لبيان هذه القسمة في المباحث الثلاثة التالية، ثم إلحاقه بمبحث متمم.
* * *
стр. 124
المبحث الأول:
الصيغة الصريحة بالسماع
ويقع بألفاظ، أكثرها استعمالاً: (سمعت، حدثني، حدثنا، أنبأني، أنبأنا، أخبرني، أخبرنا).
قال الخطيب: " ما يسمع من لفظ المحدث، الراوي له بالخيار فيه، بين قوله: (سمعت) و (حدثنا)، و (أخبرنا)، و (أنبأنا)، إلا أن أرفع هذه العبارات: سمعت " (١).
قال: " ليس يكاد أحد يقول: (سمعت) في أحاديث الإجازة والمكاتبة، ولا في تدليس ما لم يسمعه؛ فلذلك كانت هذه العبارة أرفع مما سواها، ثم يتلوها قول: (حدثنا) و (حدثني) " (٢).
قال: " وإنما كان قول: (حدثنا) أخفض في الرتبة من قول: (سمعت)؛ لأن بعض أهل العلم كان يقول فيما أجيز له: (حدثنا) " (٣).
وجرت مذاهب الأكثرين على التسوية بينها، ذلك في قول سفيان بن
стр. 125
عيينة، والشافعي، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وفقهاء الكوفة، وغيرهم (١).
وصيغة (قال لي) و (قال لنا) و (ذكر لي)، و (ذكر لنا) و (زعم لي) و (زعم لنا) هي بمنزلة السماع، وإن احتملت أن تكون مناولة.
مسألة: قول الراوي: (حدثنا فلان) لا يجوز تأوله على معنى: حدث أهل بلدنا، فهذا تكلف، ولا شاهد له في الواقع، وذُكر له مثال عن الحسن البصري أنه قال: (حدثنا أبو هريرة)، ولا يصح، إنما هو غلط من بعض الرواة عن الحسن، حسبوه سمع منه، فأبدلوا (عن) بـ (حدثنا) (٢).
نعم؛ توسع بعض الرواة في صيغة (خطبنا فلان)، وعنوا خطب أهل بلدهم، ونحوها، أما التحديث والإخبار الصريحين في أمر الرواية فلا.
شرط قبول صيغة السماع:
لا يصح التسليم لمجرد الوقوف على صيغة السماع بين الراوي وشيخه في رواية إلا عند اجتماع شروط ثلاثة:
الأول: صحة الإسناد إلى الراوي المصرح بالسماع.
وهذا يجب أن يعتبر فيه أن لا يقوم دليل على وهم أحد رواة الإسناد فيما دون الراوي المصرح بالسماع في تلك الدعوى، فإن أهل العلم ردوا التصريح بالسماع في بعض الأسانيد.
كقول أبي بكر الأثرم لأحمد بن حنبل: عراك بن مالك قال: (سمعت عائشة)؟ فأنكره، وقال: " عراك بن مالك، من أين سمع عائشة؟ ما له ولعائشة؟ إنما يروي عن عروة، هذا خطأ "، قال لي: " من روى هذا؟ "،
стр. 126
قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذاء، فقال: " رواه غير واحد عن خالد الحذاء، ليس فيه: (سمعت)، وقال غير واحد أيضاً عن حماد بن سلمة، ليس فيه (سمعت) " (١).
الثاني: أن يكون ذلك الراوي ممن يصلح الاستدلال بخبره.
فأما إذا كان ممن يحتج بخبره فظاهر.
وأما إذا كان من الضعفاء الذين يعتبر بهم، فإن الراوي ما دام صدوقاً في الأصل فإذا قال: (حدثني) فهو خبر عن شيخه المباشر لا يحتمل الكذب، نعم قد يحتمل الوهم، فقد يشبه للراوي، لكن احتمال وهمه في ذلك ضعيف، فلا يصار إليه إلا بدليل، ويكون قوله: (حدثني) اتصالاً.
الثالث: السلامة من المعرض المؤثر.
وهذان مثالان لتحقيق هذه الشروط:
المثال الأول: رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه:
اختلفوا فيها على أقوال أربعة:
أولها: لم يسمع من أبيه شيئاً.
وإليه ذهب شعبة بن الحجاج (٢)، ويحيى بن معين في روايتي عباس الدوري وابن الجنيد عنه (٣)، وبه جزم عبد الرحمن بن يوسف بن خراش (٤)، والنسائي (٥).
стр. 127
وثانيها: التردد في إمكان سماعه؛ لكونه كان صغيراً.
وهذا ظاهر المنقول عن أحمد بن حنبل، فإنه سئل: هل سمع عبد الرحمن بن عبد الله من أبيه؟ فقال: " أما سفيان الثوري وشريك فإنهم ليقولان سمع، وأما إسرائيل فإنه يقول في حديث الضب: سمعت " (١).
قلت: وهذا الذي حكى عن الثوري وشريك ليس فيه نفي السماع، إنما فيه أنهما حدثنا بحديث عبد الرحمن عن أبيه وليس فيه (سمعت).
وكان سبب تردد أحمد عائداً إلى ما حكاه عن يحيى بن سعيد القطان، قال: " مات ابن مسعود، وعبد الرحمن بن عبد الله ابن ست، أو نحو ذلك " (٢).
وتعقب هذا يعقوب بن شيبة بقوله: " أخاف أن يكون هذا غلطا ً" (٣).
وعلى التردد جرى الحاكم النيسابوري، فإنه خرج لعبد الرحمن في " المستدرك " في مواضع، فهو يقول: " لم يسمع من أبيه في أكثر الأقاويل " (٤)، وعليه فتارة يقول بعد تخريج حديثه: " إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن سمع من أبيه، فقد اختلف في ذلك " (٥)، وتارة يقول: " صحيح الإسناد " دون تردد (٦).
وثالثها: لم يسمع من أبيه إلا حديثاً واحداً.
стр. 128
وهذا ذكره العجلي ممرضاً، فقال: " يقال: إنه لم يسمع من أبيه إلا حرفاً واحد محرم الحلال كمستحل الحرام " (١).
وإلى قريب منه ذهب ابن سعد، فبعد أن أسند إليه هذا الأثر وفيه قوله: (سمعت عبد الله بن مسعود) (٢) قال ابن سعد: " كان ثقة، قليل الحديث، وقد تكلموا في روايته عن أبيه، وكان صغيراً " (٣).
ورابعها: سمع من أبيه وإليه ذهب علي بن المديني، ويحيى بن معين في رواية معاوية بن صالح عنه (٤)، والبخاري، وأبو حاتم الرازي (٥).
قال علي بن المديني: " قد لقيَ أباه " (٦).
وقال: " سمع من أبيه، وكان شعبة يقول: لم يسمع من أبيه، وهو عندي قد أدركه " (٧).
واستدل له البخاري بما رواه عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه (يعني عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود):
أخر الوليد بن عقبة الصلاة بالكوفة، فانكفأ ابن مسعود إلى مجلسه، وأنا مع أبي.
стр. 129
قال البخاري: " شعبة يقول عبد الرحمن لم يسمع من أبيه، وحديث ابن خثيم أولى عندي " (١).
وقال في " تاريخه الكبير ": " سمع أباه، قاله عبد الملك بن عمير " (٢).
قلت: فإذا جئت للنظر أولاً في دليل نفي السماع أو التردد فيه، فأحسن ما يمكن التعلق به أمران:
أولهما: أن بعض من روى حديث عبد الرحمن لا يذكرون له فيما رووا سماعا من أبيه.
وهذا فيما لم يقل فيه الراوي: (سمعت) وما في معناها، فروايته بتلك الصيغة محلها (المبحث الثالث)، وإنما الشأن في روايته الصريحة بالاتصال، فحيث جاء نقل السماع من وجه صحيح سالم من المعارض الراجح، فيجب المصير إليه، ويكون من أتى به زاد علماً لم يأتي به الآخر.
وثانيهما: أن عبد الرحمن كان صغيراً يوم مات أبوه، وهو ابن ست سنين في قول يحيى القطان، فكيف لابن ست سنين أن يحفظ كالذي رواه عبد الرحمن عن أبيه؟
وهذا شكك فيه يعقوب بن شيبة، كما تقدم، كما أن ابن سعد مع إقراره بصغره، فإنه أورد له خبره الصريح في السماع من أبيه، وهو صحيح، فهو صغر لم يحل دون الحفظ.
وتحديد سنه يوم مات أبوه بست سنين يحتاج إلى نقل صحيح، حيث قابل الثابت، إذ السماع ثبت به الإسناد، أما تحديد السن فمنقطع، القطان لم يدرك ذلك العهد.
стр. 130
وأما النظر في القول الثالث، فإن القائل به قد حضر السماع في تلك الرواية الخاصة، وكان ينبغي أن تكون مظنة راجحة على السماع في الجملة، كما سيأتي في (المبحث الثالث)؛ وذلك لعدم ثبوت المعارض، ولما جرى عليه عمل الجميع أن الراوي إذا ثبت سماعه من الشيخ ولو مرة، ولم يثبت عنه التدليس، فكل ما حدث به عن ذلك الشيخ بالعنعنة فهو متصل.
وهذا القول في التحقيق وارد في نصرة القول الرابع.
ثم يزيد عليه القول الرابع من الأدلة ما ذكره البخاري، وهو ثابت إلى عبد الرحمن من جهة الإسناد،
فهو وقصة الضب الصحيحة الإسناد دليلان.
ينضم إليهما ثالث:
وهو ما حدث به عبد الملك بن عمير، قال: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، أن عبد الله بن سعود أوصى ابنه عبد الرحمن، فقال: " يا بني، إني أوصيك بتقوى الله، وأمسك عليك لسانك، وابك من خطيئتك، وليسعك بيتك " (١).
وهذه رواية صحيحة، فمن كان في سن يعقل فيه مثل هذه الموعظة، فجدير أن يكون أهلاً لحمل العلم وحفظ الحديث.
ومن خلال القولين الرابع والخامس تعلم خطأ قول الحاكم: " لم يسمع من أبيه في أكثر الأقاويل "، وأبين منه خطأ قوله في موضع آخر: " مشايخ الحديث اتفقوا على أن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه " (٢)!!
فها هي الأسانيد قد صحت عن عبد الرحمن بتصريحه بالسماع من أبيه
стр. 131
وإدراكه له وهو ثقة مقبول القول أنه سمع أباه، ولم يقم دليل على ضد ذلك، إذا: حديثه عن أبيه عبد الله بن مسعود متصل صحيح، إما يقينا، وذلك فيما جاء بالصيغة الصريحة بالاتصال، وإما رجحاناً، وذلك في سائر ما حدث به دون تصريح بالسماع.
وعلى ذلك جرى طائفة من الأئمة، كالترمذي في مواضع من " الجامع " (١)، وابن خزيمة (٢)، وابن حبان (٣).
والمثال الثاني: رواية عبدِ الجبار بن وائل بن حُجر، عن أبيه:
اختلف فيها على قولين:
الأول: متصلة، من جهة مجيء ذكره السماع من أبيه في شيء من الرواية عنه.
وهذا روي فيه ما قاله البخاري: " قال فطر: عن أبي إسحاق، عن عبد الجبار، سمعت أبي ".
لكن قال البخاري: " ولا يصح " (٤).
وقال ابن حبان: " وقد وهم فطر بن خليفة " (٥).
ولا يوجد لدينا ما يستدل به صراحة في إثبات السماع غير هذا.
والثاني: منقطعة؛ لانتفاء ثبوت رواية في كونه سمع، ولقيام المعارض الصحيح.
стр. 132
وقال يحيى بن معين: " ثبت، ولم يسمع من أبيه شيئاً، إنما كان يحدث عن أهل بيته عن أبيه " (١).
وقال: " لم يسمع من وائل، يقولون: إنه مات وهو حبل " يعني أن أمه به حبلى (٢).
وقال ابن حبان: " ولد بعد موت أبيه بستة أشهر، مات وائل بن حجر وأم عبد الجبار حامل به، وهذا ضرب من المنقطع الذي لا تقوم به الحجة " (٣).
قلت: وأصل هذه الحكاية التي ذكر يحيى بن معين ما حدث به البخاري، قال: قال لي ابن حجر: " ولد عبد الجبار بعد موت أبيه بستة أشهر " (٤).
وابن حجر هذا هو محمد بن حجر بن عبد الجبار بن وائل، وهو هنا يخبر عن نبأ جده، لكن محمد هذا لين الحديث، وقد قال البخاري فيه: " فيه نظر "، ثم هو لم يدرك جده إنما يروي عن عمه عنه، فالرواية ضعيفة إذاً لا يصلح الاعتماد عليها في نفي إدراك عبد الجبار لأبيه.
ومع ذلك فكأن البخاري حين لم يقف على ضده يقاومها قد استند إليها، فقال: " عبد الجبار لم يسمع من أبيه ولا أدركه، يقال: إنه ولد بعد موت أبيه بأشهر " (٥).
стр. 133
وابن حبان استدل بهذه الحكاية على توهيم فطر بن خليفة في الرواية التي فيه تصريح عبد الجبار بالسماع من أبيه (١).
وقال أبو حاتم الرازي: " روى عن أبيه، مرسل، ولم يسمع منه " (٢).
وكذلك قال الترمذي (٣)، والنسائي (٤)، وابن حبان كما تقدم، ولذا أورده في ثقات أتباع التابعين، حيث لم تثبت عنده تابعيته.
كذلك ذكر ابن حجر نفي سماعه من أبيه عن جماعة من الأئمة (٥).
فالخبر إذاً بإثبات سماعه من أبيه لم يصح؛ لضعف فطر، وكذلك لم يقم دليل على اتصال ما بين عبد الجبار وأبيه.
لكن هل لأجل أنه كان حملاً حين مات أبوه؟ أم لصغره يومئذ؟
دليل الأول لا يثبت من جهة النقل.
ورده المزي، فقال: " وهذا القول ضعيف جداً، فإنه قد صح عنه أنه قال: كنت غلاماً لا أعقل صلاة أبي، ولو مات أبوه وهو حمل، لم يقل هذا القول " (٦).
فتعقَّبه ابن حجر فقال: " نص أبو بكر البزار على أن القائل: كنت غلاماً لا أعقل صلاة أبي، هو علقمة بن وائل لا أخوه عبد الجبار " (٧).
قلت: وهذا تعقب ضعيف، فإن المحفوظ أن علقمة كان في سن
стр. 134
يعقل فيه صلاة أبيه، وقد سمع منه، ثم إن الرواية المشار إليها ترد هذا الاحتمال، فإن عبد الوارث بن سعيد (وهو ثقة)، قال: حدثنا محمد بن جحادة (وهو ثقة) قال: حدثني عبد الجبار بن وائل بن حجر، قال: " كنت غلاماً لا أعقل صلاة أبي "، على هذا اتفق جميع من رواه عن عبد الوارث (١).
وهذا صريح في أن قائل ذلك هو عبد الجبار، فكيف يصح ما نقله ابن حجر عن البزار ولا اختلاف في الرواية أصلاً من الوجه المذكور؟
فهذه الرواية كما أفاد المزي تدل على أن عبد الجبار كان قد ولد في حياة أبيه، وأدركه ورآه، لكنه لم يكن يميز يومئذ، ولذلك لم يسمع منه، إنما أخذ صلاة أبيه وروايته عن أخيه علقمة وغيره من أهل بيته.
لذا فروايته عن أبيه منقطعة، إلا ما تبين أنه مما حدثه به ثقة عن أبيه، وهذا موجود في بعض حديثه.
* * *
стр. 135
المبحث الثاني:
الصيغة الصريحة بالاتصال بغير لفظ السماع وما في معناه
هي ما يتحمل بصيغة لا تحتمل الواسطة، وليست سماعاً، ولا في معنى السماع كالتحديث والإخبار، إنما تنزل منزلته، هذه تعود جملتها إلى أقسام ثلاثة:
القسم الأول: القراءة على الشيخ
وتمسى: (العرض) كذلك.
وهو أن يقرأ على الشيخ حديثه، ولا فرق أن يكون القارئ هو الراوي نفسه، أو غيره وهو حاضر يسمع.
وصيغتها: (قرأت على فلان)، أو: (قرئ على فلان وأنا أسمع)، أو: (قراءة عليه وأنا أسمع)، وما يدل على معنى ذلك.
وحكم الرواية بها أنه صحيحة بمنزلة السماع، ويعتبر فيها ما تقدم من شروط صحة السماع.
قال الترمذي: " القراءة على العالم إذا كان يحفظ ما يقرأ عليه،
стр. 136
أو يمسك أصله فيما يقرأ عليه إذا لم يحفظ، هو صحيح عند أهل الحديث مثل السماع " (١).
وقال القاضي عياض: " لا خلاف أنها رواية صحيحة " (٢).
وروي تصحيحها عن علي بن أبي طالب وابن عباس، ولا يثبت عنهما.
إنما ثبت ذلك عمن بعد الصحابة من أئمة الحديث أنهم ذهبوا إلى تصحيحها، كعامر بن شراحيل الشعبي، والحسن البصري، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي باح، ومكحول الشامي، وابن شهاب الزهري، وكبار الأئمة بعدهم، كمنصور بن المعتمر، وأيوب السختياني، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، وشعبة بن الحجاج، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وابن أبي ذئب، وابن جريج، ومعمر بن راشد، والأوزاعي، والشافعي، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم (٣).
وعلى هذا جرى العمل، وكان بعضهم يرى التمييز في صيغة الأداء بين السماع والعرض، ولكن لم ينضبط ذلك في الواقع العملي من أجل أن الأكثرين لم يكونوا يرون التفريق في الصيغة، ولا يأتي له في الأسانيد فصل عادة، فلا يقال مثلاً: هذا الحديث تحمله فلان من فلان قراءة أو عرضاً، إلا بدليل خارج عن نفس ذلك الإسناد، أو يأتي التمييز صريحاً في نفس الإسناد، وهو نادر (٤)، فلما تعذر الفصل فيه كان لا فرق بين السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه.
стр. 137
القسم الثاني: الإجازة
اعلم أن المتأخرين توسعوا في هذا، وابتكروا له أنواعاً وصوراً، خرجت عما يأتي بيانه، ولم آت على تفصيل ما ذكروه، من أجل أن جميع ما يخرج عما أذكره من صور الإجازة فهو باطل غير صحيح، وما أذكره فهو بحسبه، والمقصود إبراز ما قبله الأوائل من أنواع الإجازة وضروبها، حيث الحاجة إلى تمييز طرق الأسانيد قبل استقرار مصير الناس إلى الكتب المدونة الصحيحة.
وبالاستقراء وجدت ما استعمله السلف وصححوه وخرجت به أحاديث في كتب السنة، ومنها الصحيحان، ما يلي:
١ _ مناولة الشيخ للتلميذ بعض حديثه مكتوباً، وإذنه له في روايته عنه
وهذه أعلى صور الإجازة؛ لما اشتملت عليه من مزيد التوثق.
قال الخطيب: " يجوز للطالب روايته عنه، وتحل الإجازة محل السماع عند جماعة من أئمة الحديث " (١).
وقال عياض: " هي رواية صحيحة عند معظم الأئمة والمحدثين " (٢).
وممن صح عنه من أئمة السلف تصحيحها: ابن شهاب الزهري، ويحيى بن أبي كثير، ومنصور بن المعتمر، والأوزاعي، وابن أبي ذئب، ومالك بن أنس، ومعتمر بن سليمان، وعبد الرزاق الصنعاني، وأحمد بن حنبل، وغيرهم.
وكذا من قال بتصحيح الإجازة بإطلاق فإن هذا النوع أولى بالدخول
стр. 138
فيه من غيره، كسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة، والبخاري، وغيرهم.
٢ _ إعلام التلميذ للشيخ أن لديه بعض حديثه، أيرويه عنه؟ فيقول الشيخ: نعم.
ثبت هذا عن الحسن البصري، وابن شهاب الزهري، ومكحول الشامي، وهشام بن عروة، وابن جريج، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وغيرهم، وروى عنهم الثقات بذلك كما رووا عنهم بالسماع.
وعن بعض أهل الحديث من لم يكن يختار الرواية بهذا، وهو مذهب تشدد، كيحيى بن سعيد القطان، وصالح جزرة، وإبراهيم الحربي، وروي عن شعبة ولا يصح عنه، أو مذهب تحوط كالمنقول عن أبي زرعة الرازي، وروي عن مالك، وذلك خشية الاتكال.
والأصل وثوق الشيخ بأن التلميذ عنى حديثاً معروفاً له من روايته، وعلامته ثقة التلميذ وأنه غير مجروح.
قال أبو طاهر السلفي: " الأصل في ذلك معرفة الراوي وضبطه وإتقانه على أي وجه كان، سماعاً، أو مناولة، أو إجازة " (١).
قلت: والأحاديث المروية بهذا الطريق لا يميز أكثرها في كتب الحديث، فلا يبين الراوي أنه أخذها عن الشيخ إجازة، ويستعمل فيها صيغة (أخبرنا) كما هو عند طائفة، وجوز بعضهم (حدثنا)، وهذا إذا لم يبين في الرواية أنه إجازة، فلا سبيل إلى تمييزه عن السماع الصريح، وحين جعلوا ذلك اتصالاً، فلم يبق للجدل فيه فائدة.
стр. 139
٣ _ كتابة الشيخ للتلميذ بشيء معين من حديثه، يقرنه بلفظ الإجازة، أو لا.
وصورتها أن يقول الراوي: (كتب إليَّ فلان) وما في معناها.
فهذه رواية متصلة، إذا روعيت الشروط المتقدمة لتثبيت السماع، مع شرط رابع، وهو: صحة الكتاب، بمعنى: أن يكون الكتاب كتاب الشيخ.
قال الخطيب: " فإذا عرف المكتوب إليه خط الراوي، وثبت عنده أنه كتابه إليه، فله أن يروي عنه ما تضمن كتابه ذلك من أحاديث " (١).
وتصحيح الرواية بهذا أيضاً مما عليه عمل أئمة كبار، قبل الناس ذلك منهم، واحتجوا به من روايتهم، منهم: منصور بن المعتمر، وأيوب السختياني، وشعبة بن الحجاج، وابن جريج، والليث بن سعد، وغيرهم.
والسنة وعمل المسلين في الصدر الأول بالمكاتبة متواتر، وهي عندهم حجة، كتب النبي ﷺ إلى ملوك , وكتب أبو بكر وعمر إلى الأمراء والولاة، ولزمت الحجة بتلك الكتب.
قال القاضي عياض: " استمر عمل السلف فمن بعدهم من المشايخ بالحديث بقولهم: (كتب إلي فلان، قال: أخبرنا فلان)، وأجمعوا على العمل بمقتضى هذا التحديث، وعدوه في المسند بغير خلاف يعرف في ذلك " (٢).
وما ذكرنا من اشتراط صحة ذلك الكتاب عمن نسب إليه، طريقه: اعتماد نسبة الراوي عن الشيخ ذلك الكتاب إليه، مادام الراوي ثقة.
وقد يتأكد ذلك بقرينة زائدة، كقول عبد الله بن أحمد بن حنبل: " كتب
стр. 140
إلي قتيبة بن سعيد: كتبت إليك بخطي، وختمت الكتاب بخاتمي، يذكر الليث بن سعد حدثهم " (١).
فهذه زيادة وتوكيد، وإلا فمجرد أن يقول عبد الله: (كتب إلي قتيبة) فقد بين أن ذلك الكتاب كتاب قتيبة: ومادام ثقة فهو صادق في تلك النسبة.
ومن أمثلة ما احتجوا به وهو مما روي بهذه الطريق:
١ _ قال قتادة: كتبنا إلى إبراهيم بن يزيد النخعي نسأله عن الرضاع؟ فكتب: إن شريحاً حدثنا، أن علياً وابن مسعود كانا يقولان: يحرم من الرضاع قليله وكثيره. وكان في كتابه: إن أبا الشعثاء المحاربي حدثنا، أن عائشة حدثته، أن نبي الله ﷺ كان يقول: " لا تحرم الخطفة والخطفتان " (٢).
٢ _ وقال عبد الله بن عون: كتب إليَّ نافع: أن ابن عمر قال: " نُهي عن لحوم الحمر الإنسية " (٣).
٣ _ وقال الأوزاعي: كتب إلي قتادة، قال: حدثني أنس بن مالك: أنه صلى خلف رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ (الحمد لله رب العالمين)، لا يذكرون (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول القراءة ولا في آخرها (٤).
стр. 141
٤ _ ومما اتفق عليه الشيخان مما جاء بهذا الطريق:
رواية أبي عثمان النهدي، قال: " أتانا كتاب عمر ونحن مع عتبة بن فرقد بأذربيجان، أن رسول الله ﷺ " فذكر الحديث في النهي عن الحرير.
وفي لفظ، قال أبو عثمان: " كتب إلينا عمر ونحن بأذربيجان "، وفي لفظ ثالث: " كنا مع عتبة، فكتب إليه عمر " (١).
٥ _ وما أخرجه البخاري من طريق هشام الدستوائي، قال: " كتب إلي يحيى " يعني ابن أبي كثير، وساق حديثاً في الصلاة " (٢).
٦ _ وما أخرجه البخاري من طريق الليث بن سعد، قال: " كتب إلي هشام " يعني ابن عروة، وساق حديثاً في فضل خديحة (٣).
٧ _ وما أخرجه مسلم من طريق أيوب السختياني قال: " كتب إلي يعلى بن حكيم " وساق حديثاً في كراء الأرض (٤).
بل إن البخاري ومسلماً خرجا رواية الرجل عن الرجل ممن لم يثبت السماع بينهما البتة، وإنما كان ذلك مكاتبة، وتلك رواية الليث بن سعد عن
стр. 142
عبيد الله بن أبي جعفر المصري، فإنه صح عن الليث قال: " لم أسمع من عبيد الله بن أبي جعفر، إنما كان صحيفة كتب إلي، ولم أعرضه عليه " (١).
نعم الرواية في الكتابين بصيغة العنعنة، لكن المقصود أن الشيخين لم يريا تلك الصورة انقطاعاً، مع أن طريق التلقي فيها لم يكن إلا المكاتبة، بل قال البخاري في ترجمة (ابن أبي جعفر): " سمع منه الليث " (٢) , فعد المكاتبة بمنزلة السماع.
وهو مذهب الليث بن سعد نفسه، فإن عبد الله بن وهب قال: لقد كان يحيى بن سعيد يكتب إلى الليث بن سعد، فيقول: " حدثني يحيى بن سعيد "، وكان هشام بن عروة يكتب إليه، فيقول " حدثني هشام " (٣).
والوجه في صحة الاحتجاج بالمكاتبة: ما حكاه الرامهرمزي عن بعض أهل العلم، قال: " المكاتب لا يخلو من أن يكون على يقين من أن المحدث كتب بها إليه، أو يكون شاكاً فيه، فإن كان شاكاً فيه لم تجز له روايته عنه، وإن كان متيقناً له فهو وسماعه الإقرار منه سواء؛ لأن الغرض من القول باللسان فيما تقع العبارة فيه باللفظ إنما هو تعبير اللسان عن ضمير القلب، فإذا وقعت العبارة عن الضمير بأي سبب كان من أسباب العبارة: إما بكتاب، وإما بإشارة، وإما بغير ذلك مما يقوم مقامه، كان ذلك كله سواء " (٤).
وقال الزيعلي في معرض نقد حديث ابن عكيم في جلود الميتة:
стр. 143
" الكتاب والوجادة والمناولة كلها مرجوحات؛ لما فيها من شبه الانقطاع بعدم المشافهة " (١).
قلت: لا عبرة بهذا الشبه، فإن العلة في رد المنقطع هي وجود الواسطة المجهولة، لا عدم المشافهة، وهي معدومة هنا.
وقد قال الحافظ محمد بن سليمان بن حبيب المصيصي المعروف بلوين: " كتب إلي، وحدثني واحد، وإن كتب النبي ﷺ قد صارت ديناً يدان بها، والعمل بها لازم للخلق، وكذلك ما كتب به أبو بكر وعمر وغيرهما من الخلفاء الراشدين، فهو معمول به، ومن ذلك كتاب القاضي إلى القاضي، يحكم به ويعمل به " (٢).
هذه الصور من الإجازة هي التي توجد في استعمال السلف، وقد توسع فيها المتأخرون، وزادوا في أنواعها، وأدخلوا فيها صوراً منكرة، شبيهاً بما أدركناه اليوم من طائفة يقتني أحدهم كراساً جمع فيه له أو جمع لنفسه أسماء مصنفات عدة، كالصحيحين والسنن، له بمضمون ذلك الكراس إجازة من شيخ له، أن يروي تلك الكتب عنه، وذلك بإسناد لذلك الشيخ عن شيخ له، ويقع في السلسلة من هو معروف من علماء المتأخرين بالإسناد، ينتهي الإسناد إلى إمام من الأئمة الحديث، كالحافظ ابن حجر أو غيره، ومنه إلى الأئمة المصنفين لتلك الكتب.
والعيب في هذه الإجازات أن الطالب يجاز بمجرد أسماء لكتب، لا يجاز بمضمون، بل من هؤلاء المجازين من لم يطلع على مضمون، ولم ير الكتاب الذي أجيزت له روايته عمره، خصوصاً بعض الأجزاء الحديثية التي هي في عداد المفقود، فعجبا لأحدهم يقول بعد ذلك: (لدي برواية صحيح البخاري إجازة) و: (أنا أروي جامع الترمذي عن مسند العصر فلان)، ما
стр. 144
أراه _ والله _ إلا يكذب في دعواه، فإنه لو قرأ البخاري أو الترمذي وحفظهما، فإنه إنما تلقاهما بالطريق الذي تلقاهما به سائر الناس، وهو هذه الوجادات عن الأصول الخطية والنسخ المنتهية أصولها إلى قرون عدة، فأي فضل في هذا لإسناد هذا المسكين، وأي صدق في دعواه: (أروي هذا عن فلان؟ )، ما هذا إلا من تشبع الإنسان بما لم يعط، ولا عجب، فكثير من هؤلاء المجيزين والمجازين ممن لا حظ لهم في هذا العلم.
القسم الثالث: الوجادة
صيغتها: (وجدت، أو: وجدنا في كتاب فلان)، وقد يقول الراوي: (قرأت في كتاب فلان).
قال عياض: " لا أعلم من يقتدى به أجاز النقل فيها بـ (حدثنا) و (أخبرنا)، ولا من يعده معد المسند " (١).
وأمثلتها في استعمال السلف كثيرة.
وربما زاد المحدث التصريح بكون تلك الوجادة بخط من وجدت عنه، وكثيراٍ ما يستعمل ذلك عبد الله بن أحمد بن حنبل في " المسند " عن أبيه، فيقول: " وجدت في كتاب أبي بخط يده "، ويسوق الحديث.
قلت: وهذا التصريح زيادة توكيد، فإن اكتفى بالقول: (وجدت في كتاب فلان) فالأصل حمل تلك الإضافة على أنَّ ذلك الكتاب صحيح النسبة إليه.
فمثل قول محمد بن المثنى: " نسخت هذا الحديث (٢) من كتاب غندرٍ
стр. 145
عن شعبة عن عطاء عن أبي البختري عن عبيدة عن ابن الزبير، عن النبي ﷺ ، ولم أسمعه منه " (١) فهذا وجادة متصلة، وإن لم يسمعها محمد بن المثنى.
أما إن وجد في كتاب، ولم ينسبه لأحد، فتلك رواية منقطعة؛ لجهالة صاحب ذلك الكتاب.
وذلك مثل قول أحمد بن صالح المصري: " وجدت في كتاب بالمدينة: عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وإبراهيم بن محمد بن عبد العزيز .. " فذكر الإسناد والحديث من حديث جبير بن مطعم في بعض خبر النبي ﷺ بمكة، وذكر أسمائه.
والإسناد لولا هذه العلة إسناد جيد، من أجل ذلك قال أحمد بن صالح في آخره: " أرجو أن يكون صحيحاً (٢).
حكم التحديث وجادة في الصحة والضعف:
ذهب جماعة من السلف إلى جواز الرواية وجادة، وحدثوا بهذا الطريق، منهم الحسن البصري، وعامر الشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وأبو الزبير المكي، وأبو سفيان طلحة بن نافع، وقتادة بن دعامة السدوسي، والحكم بن عتيبة، والليث بن سعد، وغيرهم.
وعن جماعة من أئمة الحديث تليين الرواية بها، ووصفها بالانقطاع؛ لكون الراوي لم يسمع من الشيخ، وربما لم يره، ولم يكاتبه الشيخ بحديثه، بل ربما لم يتعاصرا وكان بينهما زمان.
وممن روى عنه المنع من الرواية بها: محمد بن سيرين، وذلك في التحقيق من أجل مذهبه في النهي عن الكتب جملة.