← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1416

تحرير علوم الحديث

عبد الله الجديع

Полный текст (1 074 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٤ _ ومما اتفق عليه الشيخان مما جاء بهذا الطريق: رواية أبي عثمان النهدي، قال: " أتانا كتاب عمر ونحن مع عتبة بن فرقد بأذربيجان، أن رسول الله ﷺ " فذكر الحديث في النهي عن الحرير. وفي لفظ، قال أبو عثمان: " كتب إلينا عمر ونحن بأذربيجان "، وفي لفظ ثالث: " كنا مع عتبة، فكتب إليه عمر " (١). ٥ _ وما أخرجه البخاري من طريق هشام الدستوائي، قال: " كتب إلي يحيى " يعني ابن أبي كثير، وساق حديثاً في الصلاة " (٢). ٦ _ وما أخرجه البخاري من طريق الليث بن سعد، قال: " كتب إلي هشام " يعني ابن عروة، وساق حديثاً في فضل خديحة (٣). ٧ _ وما أخرجه مسلم من طريق أيوب السختياني قال: " كتب إلي يعلى بن حكيم " وساق حديثاً في كراء الأرض (٤). بل إن البخاري ومسلماً خرجا رواية الرجل عن الرجل ممن لم يثبت السماع بينهما البتة، وإنما كان ذلك مكاتبة، وتلك رواية الليث بن سعد عن

стр. 142

عبيد الله بن أبي جعفر المصري، فإنه صح عن الليث قال: " لم أسمع من عبيد الله بن أبي جعفر، إنما كان صحيفة كتب إلي، ولم أعرضه عليه " (١). نعم الرواية في الكتابين بصيغة العنعنة، لكن المقصود أن الشيخين لم يريا تلك الصورة انقطاعاً، مع أن طريق التلقي فيها لم يكن إلا المكاتبة، بل قال البخاري في ترجمة (ابن أبي جعفر): " سمع منه الليث " (٢) , فعد المكاتبة بمنزلة السماع. وهو مذهب الليث بن سعد نفسه، فإن عبد الله بن وهب قال: لقد كان يحيى بن سعيد يكتب إلى الليث بن سعد، فيقول: " حدثني يحيى بن سعيد "، وكان هشام بن عروة يكتب إليه، فيقول " حدثني هشام " (٣). والوجه في صحة الاحتجاج بالمكاتبة: ما حكاه الرامهرمزي عن بعض أهل العلم، قال: " المكاتب لا يخلو من أن يكون على يقين من أن المحدث كتب بها إليه، أو يكون شاكاً فيه، فإن كان شاكاً فيه لم تجز له روايته عنه، وإن كان متيقناً له فهو وسماعه الإقرار منه سواء؛ لأن الغرض من القول باللسان فيما تقع العبارة فيه باللفظ إنما هو تعبير اللسان عن ضمير القلب، فإذا وقعت العبارة عن الضمير بأي سبب كان من أسباب العبارة: إما بكتاب، وإما بإشارة، وإما بغير ذلك مما يقوم مقامه، كان ذلك كله سواء " (٤). وقال الزيعلي في معرض نقد حديث ابن عكيم في جلود الميتة:

стр. 143

" الكتاب والوجادة والمناولة كلها مرجوحات؛ لما فيها من شبه الانقطاع بعدم المشافهة " (١). قلت: لا عبرة بهذا الشبه، فإن العلة في رد المنقطع هي وجود الواسطة المجهولة، لا عدم المشافهة، وهي معدومة هنا. وقد قال الحافظ محمد بن سليمان بن حبيب المصيصي المعروف بلوين: " كتب إلي، وحدثني واحد، وإن كتب النبي ﷺ قد صارت ديناً يدان بها، والعمل بها لازم للخلق، وكذلك ما كتب به أبو بكر وعمر وغيرهما من الخلفاء الراشدين، فهو معمول به، ومن ذلك كتاب القاضي إلى القاضي، يحكم به ويعمل به " (٢). هذه الصور من الإجازة هي التي توجد في استعمال السلف، وقد توسع فيها المتأخرون، وزادوا في أنواعها، وأدخلوا فيها صوراً منكرة، شبيهاً بما أدركناه اليوم من طائفة يقتني أحدهم كراساً جمع فيه له أو جمع لنفسه أسماء مصنفات عدة، كالصحيحين والسنن، له بمضمون ذلك الكراس إجازة من شيخ له، أن يروي تلك الكتب عنه، وذلك بإسناد لذلك الشيخ عن شيخ له، ويقع في السلسلة من هو معروف من علماء المتأخرين بالإسناد، ينتهي الإسناد إلى إمام من الأئمة الحديث، كالحافظ ابن حجر أو غيره، ومنه إلى الأئمة المصنفين لتلك الكتب. والعيب في هذه الإجازات أن الطالب يجاز بمجرد أسماء لكتب، لا يجاز بمضمون، بل من هؤلاء المجازين من لم يطلع على مضمون، ولم ير الكتاب الذي أجيزت له روايته عمره، خصوصاً بعض الأجزاء الحديثية التي هي في عداد المفقود، فعجبا لأحدهم يقول بعد ذلك: (لدي برواية صحيح البخاري إجازة) و: (أنا أروي جامع الترمذي عن مسند العصر فلان)، ما

стр. 144

أراه _ والله _ إلا يكذب في دعواه، فإنه لو قرأ البخاري أو الترمذي وحفظهما، فإنه إنما تلقاهما بالطريق الذي تلقاهما به سائر الناس، وهو هذه الوجادات عن الأصول الخطية والنسخ المنتهية أصولها إلى قرون عدة، فأي فضل في هذا لإسناد هذا المسكين، وأي صدق في دعواه: (أروي هذا عن فلان؟ )، ما هذا إلا من تشبع الإنسان بما لم يعط، ولا عجب، فكثير من هؤلاء المجيزين والمجازين ممن لا حظ لهم في هذا العلم. القسم الثالث: الوجادة صيغتها: (وجدت، أو: وجدنا في كتاب فلان)، وقد يقول الراوي: (قرأت في كتاب فلان). قال عياض: " لا أعلم من يقتدى به أجاز النقل فيها بـ (حدثنا) و (أخبرنا)، ولا من يعده معد المسند " (١). وأمثلتها في استعمال السلف كثيرة. وربما زاد المحدث التصريح بكون تلك الوجادة بخط من وجدت عنه، وكثيراٍ ما يستعمل ذلك عبد الله بن أحمد بن حنبل في " المسند " عن أبيه، فيقول: " وجدت في كتاب أبي بخط يده "، ويسوق الحديث. قلت: وهذا التصريح زيادة توكيد، فإن اكتفى بالقول: (وجدت في كتاب فلان) فالأصل حمل تلك الإضافة على أنَّ ذلك الكتاب صحيح النسبة إليه. فمثل قول محمد بن المثنى: " نسخت هذا الحديث (٢) من كتاب غندرٍ

стр. 145

عن شعبة عن عطاء عن أبي البختري عن عبيدة عن ابن الزبير، عن النبي ﷺ ، ولم أسمعه منه " (١) فهذا وجادة متصلة، وإن لم يسمعها محمد بن المثنى. أما إن وجد في كتاب، ولم ينسبه لأحد، فتلك رواية منقطعة؛ لجهالة صاحب ذلك الكتاب. وذلك مثل قول أحمد بن صالح المصري: " وجدت في كتاب بالمدينة: عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وإبراهيم بن محمد بن عبد العزيز .. " فذكر الإسناد والحديث من حديث جبير بن مطعم في بعض خبر النبي ﷺ بمكة، وذكر أسمائه. والإسناد لولا هذه العلة إسناد جيد، من أجل ذلك قال أحمد بن صالح في آخره: " أرجو أن يكون صحيحاً (٢). حكم التحديث وجادة في الصحة والضعف: ذهب جماعة من السلف إلى جواز الرواية وجادة، وحدثوا بهذا الطريق، منهم الحسن البصري، وعامر الشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وأبو الزبير المكي، وأبو سفيان طلحة بن نافع، وقتادة بن دعامة السدوسي، والحكم بن عتيبة، والليث بن سعد، وغيرهم. وعن جماعة من أئمة الحديث تليين الرواية بها، ووصفها بالانقطاع؛ لكون الراوي لم يسمع من الشيخ، وربما لم يره، ولم يكاتبه الشيخ بحديثه، بل ربما لم يتعاصرا وكان بينهما زمان. وممن روى عنه المنع من الرواية بها: محمد بن سيرين، وذلك في التحقيق من أجل مذهبه في النهي عن الكتب جملة.

стр. 146

وممن وصفها بالانقطاع: سفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجاج. والتحرير: أن قبول والعمل بها صحيح معتبر، بشرط حصول الثقة بالموجود. ومذهب السلف في الرواية بها مشهورة، ولم يكد ينقل المنع من ذلك عن أحد، إلا ما تقدم عن ابن سيرين. قال الخطيب: " لا فرق بين أن يوصي العالم لرجل بكتبه، وبين أن يشتريها ذلك الرجل بعد موته، في أنه لا يجوز له الرواية منها، إلا على سبيل الوجادة، وعلى ذلك أدركنا كافة أهل العلم، اللهم إلا أن يكون تقدمت من العالم إجازة لهذا الذي صارت الكتب له، بأن يروي عنه ما يصح عنده من سماعاته، فيجوز أن يقول فيما يرويه من الكتب: (أخبرنا) أو (حدثنا)، على مذهب من أجاز أن يقال ذلك في أحاديث الإجازة " (١). وفي حكم الوجادة: الوصية بالكتب، يوصي الشيخ بكتبه لشخص معين، فعلها أبو قلابة الجرمي من التابعين أوصى بكتبه لأيوب السختياني (٢). وهذان مثالان محرران من أمثلة الرواية بالوجادة: المثال الأول: رواية الحسن البصري عن سمرة بن جندب. قال العلائي: " قد روى عنه نسخة كبيرة، غالبها في السنن الأربعة " (٣). وقد اختلفوا فيها على أربعة أقوال: الأول: أنه لم يسمع من سمرة.

стр. 147

وهذا حكي عن علي بن زيد بن جدعان (١)، وهو قول شعبة بن الحجاج، قال: " لم يسمع الحسن من سمرة " (٢). وجرى على إطلاقه بعض من جاء من بعد، كابن حبان (٣) وغيره. والثاني: أنه لم يسمع من سمرة، إنما حديثه عنه من كتاب سمرة. قال يحيى بن سعيد القطان في أحاديث سمرة التي يرويها الحسن: " سمعنا أنها من كتاب " (٤). وهو ظاهر ما حكي عن بهز بن أسد، فقد سأله جرير بن عبد الحميد عن الحسن: على من اعتماده؟ قال: " كتب سمرة " (٥). قال يحيى بن معين: " لم يسمع من سمرة حرفاً قط " (٦). وسأله عثمان الدارمي: الحسن لقي سمرة؟ قال: " لا " (٧). وبين في رواية الدوري أكثر من ذلك، فقال: " لم يسمع الحسن من سمرة شيئاً، هو كتاب " (٨). والثاني: أنه لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة (٩)، وسائر حديثه عنه من كتاب سمرة.

стр. 148

وهو قول النسائي، قال: " الحسن عن سمرة كتاب، ولم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة " (١). وهذا يستند إلى ما رواه قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد، قال: أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن: ممن سمع حديث العقيقة. فسألته؟ فقال: من سمرة بن جندب (٢). والثالث: أنه سمع من سمرة. قال علي بن المديني: " سماع الحسن من سمرة صحيح " (٣). وقال وقد ذكر رواية الحسن: " أما أحاديث سمرة فهي صحاح " (٤). وقال: " وقد روى سمرة أكثر من ثلاثين حديثاً مرفوعاً وغيرهما،

стр. 149

والحسن قد سمع من سمرة؛ لأنه كان في عهد عثمان ابن أربع عشرة وأشهر، ومات سمرة في عهد زياد " (١). وتبعه على ذلك الترمذي، فصحح أحاديثه عنه في " الجامع " (٢)، وكذلك صنع ابن خزيمة في " صحيحه " (٣)، والحاكم في " المستدرك " (٤). والقول الأول أشد هذه الأقوال، فإن تسليم ظاهره يقضي بأن حديث الحسن عن سمرة منقطع، لكن أصحاب القول الثاني جاءوا بزيادة علم عليه، لا يجوز إهمالها، وهي أن ما رواه الحسن عن سمرة فإنما أخذه من كتاب سمرة. قال العلائي: " وذلك لا يقتضي الانقطاع " (٥). وقد جاء في بعض ما رواه الحسن عن سمرة قوله: " قرأت في كتاب سمرة " (٦). بل صح عن عبد الله بن عون، قال: " دخلنا على الحسن، فأخرج إلينا كتاباً من سمرة، فإذا فيه: أنه يجزئ من الاضطرار صبوح أو غبوق " (٧). فهذا دليل شاهد أن الحسن كان عنده عن سمرة كتاب. على أن القول بإثبات سماعه من سمرة أصح وأقوى، وذلك لوجوه ثلاثة: الأول: تصريحه حين سئل عن حديث العقيقة بكونه سمعه من سمرة.

стр. 150

والرواية بذلك صحيحة، ولذا احتج بها البخاري وغيره، وهذا يحيى بن معين حين أوردت عليه هذه الرواية سكت مع ما تقدم عنه أن الحسن لم يسمع من سمرة، بل لم يلقه. فقد قال أبو قلابة الرقاشي، وقد روى قصة حديث العقيقة عن قريش: فسمعت يحيى بن معين يقول: لم يسمع الحسن من سمرة، قال: فقلت: على من تطعن؟ على قريش بن أنس؟ على الحبيب بن الشهيد؟ فسكت (١). فهذا الذي حدث به قريش حجة أن الحسن سمع من سمرة في الجملة. والثاني: روي حميد الطويل قال: عن الحسن قال: جاءه رجل فقال: إن عبداً له أبق، وإنه نذر إن قدر عليه أن يقطع يده، فقال الحسن: حدثنا سمرة قال: قلما خطب النبي ﷺ خطبة إلا أمر فيها بالصدقة، ونهى فيها عن المثلة (٢). وهذه رواية صحيحة عن الحسن. والثالث: أن سمرة كان بالبصرة، وحديثه في أهلها، وكان فيها بعد مقتل علي وأثناء خلافة معاوية، وبقي فيها حتى مات في آخر خلافة معاوية سنة (٥٩) أو (٦٠) قيل: كانت وفاته بالبصرة، وقيل: بالكوفة، والحسن قدم البصرة بعد مقتل علي، ﵁، فإذا كان قد اتفق مع سمرة في الزمان والمكان، فما الذي منع اللقاء؟ بل كيف يمتنع ذلك وسمرة والٍ

стр. 151

ظاهر الصيت، والحسن يومئذ في سن تقدم وعلم، فقد قتل عمر بن الخطاب وله سنتان، فيكون عمره حين قتل علي تسعة عشرة سنة. فهذه الوجوه قاضية بصحة سماع الحسن من سمرة في الجملة، وهو الذي قطع به ابن المديني، مع شدة شرطه في الاتصال، ثم لو سلمنا أن من حديثه عنه مالم يسمعه فإنه اعتمد فيه على كتب سمرة على قول ابن معين وغيره، والرواية من الكتاب اتصال (١)، وهو مقصود هنا. المثال الثاني: رواية مخرمة بن بكير عن أبيه. حكي عن مخرمة في شأن سماعه من أبيه حكايتان متضادتان: الأولى: ما رواه عنه موسى بن سلمة الجمحي المصري قال: أتيت مخرمة بن بكير، فقلت له: حدثك أبوك؟ قال: " لم أدرك أبي، ولكن هذه كتبه " (٢). وفي لفظ، قال: أتيت مخرمة بن بكير، فقلت له: أخرج إلي بعض كتب أبيك، قال: فأخرج إلي كتاباً، فقلت: سمعت هذا من أبيك؟ فقال: " لم أسمع من أبي شيئاً، وهذه كتبه " (٣).

стр. 152

وقال في لفظ: " ما سمعت عن أبي شيئاً، إنما هذه كتب وجدناها عندنا عنه "، وزاد: " ما أدركت أبي إلا وأنا غلام " (١). لكن هذه الحكاية لا يحتج بمثلها على الانفراد، من أجل أن موسى هذا ليس بالمشهور، وغاية أمره أن يستشهد به عند الموافقة. ووجدت له موافقاً من طريق صحيح فقد حكى حماد بن خالد الخياط، وكان ثقة، قال: أخرج مخرمة بن بكير كتباً، فقال: " هذه كتب أبي، لم أسمع منها شيئاً " (٢). والحكاية الثانية: ما رواه إسماعيل بن أبي أويس قال: قرأت في كتاب مالك بن أنس بخط مالك، قال: وصلت الصفوف حتى قمت إلى جنب مخرمة بن بكير في الروضة، فقلت له: إن الناس يقولون: إنك لم تسمع هذه الأحاديث التي تروي عن أبيك من أبيك، فقال: " ورب هذا المنبر والقبر، لقد سمعتها من أبي، ورب هذا المنبر والقبر، لقد سمعتها من أبي " ثلاثاً (٣). قلت: وهذه الحكاية ربما طعن عليه لكونها وجادة عن مالك، وليس بطعن على التحقيق، فإنها كانت بخط مالك، وابن أبي أويس من أهل بيته ومن أصحابه، لكن المأخذ عليها إنما هو من جهة أن ابن أبي أويس لم يكن قوياً في الحديث.

стр. 153

ولما حكى أبو حاتم القصة عن ابن أبي أويس، قال مشعراً بضعفها: " إن كان سمعها من أبيه، فكل حديثه عن أبيه، إلا حديثاً يحدث به عن عامر بن عبد الله بن الزبير " (١). غير أنه ربما قيل: يقويها قول معين بن عيسى القزاز، وهو ثقة: " مخرمة سمع من أبيه، وعرض عليه ربيعة أشياء من رأي سليمان بن يسار " (٢). وأقول: أدرك معن مخمرة وروى عنه شيئاً، لكن هذه العبارة من إنشائه، ولم يعزها إلى مخرمة من قوله كما وقع في رواية حماد الخياط المتقدمة فيجوز أن يكون بلغه ما حدث به ابن أبي أويس، وهو بلديه وقرينة في الأخذ عن مالك، ويجوز أن يكون قال ذلك بمجرد اجتهاده، ويجوز غير ذلك، وبإيراد مثل هذه الاحتمالات لا يصلح الاعتراض على ما صح نقله عن مخرمة نفسه من عدم سماعه من أبيه، إلا أن يحمل ذلك على شيء يسير، على ما ذهب إليه بعض أهل العلم بالحديث: قال أبو داود السجستاني: " لم يسمع من أبيه إلا حديثاً واحد، وهو حديث الوتر " (٣). وقال علي بن المديني: " ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان (٤)، لعله سمع الشيء اليسير، ولم أجد بالمدينة من يخبرني عن مخرمة بن بكير أنه كان يقول في شيء من حديثه: سمعت أبي " (٥). قلت: وهذا جميعه يؤكد صحة الحكاية الأولى عن مخرمة، ويضعف الثانية.

стр. 154

وهو الأمر الذي صار إليه كبار النقاد: قال أحمد بن حنبل: " مخرمة بن بكير ثقة، إلا أنه لم يسمع من أبيه شيئاً " (١). وكذلك قال في رواية أبي طالب، وزاد: " إنما يروي من كتاب أبيه " (٢). وقال يحيى بن معين في رواية الدوري: " يقولون: إن حديثه عن أبيه كتاب، ولم يسمع من أبيه " (٣). وقال في رواية محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ابن البرقي: " كان مخرمة ثبتاً، ولكن روايته عن أبيه من كتاب وجده لأبيه، لم يسمع منه " (٤). وقد ضعفه يحيى في رواية الدوري، حيث قال مرة: " ضعيف الحديث " (٥)، ومرة: " ليس حديثه بشيء " (٦)، وفي رواية ابن محرز: " لا يكتب حديثه " (٧). قلت: وهذا اختلاف عن يحيى، وعلة تضعيفه له ليست من جهة عدالته، ولا من جهة حفظه وإتقانه، وإنما هو لأجل أن روايته لم تكن شيئاً سمعه، إنما هي وجادة.

стр. 155

ولهذا خالف يحيى في ذلك غيره مع الإقرار بكون حديثه عن أبيه وجادة، فهذا أحمد يوثقه، وكذلك قال علي بن المديني: " ثقة " (١)، وقال أحمد بن صالح المصري: " من ثقات الناس " (٢)، وقال أو حاتم: " صالح الحديث " (٣)، كما جرى على توثيقه غيرهم مع تسليم كون حديثه عن أبيه وجادة. فالرجل ثقة، حديثه عن أبيه وجادة صحيحة، كان يقول فيما يحدث به منها: (عن)، وهذا هو الذي لا يجوز سواه في الوجادة، وقد عد بعضهم مخرمة لذلك في المدلسين، ولا معنى له وقد تبين وجهه سوى التوسع في الاصطلاح. وهي رواية متصلة؛ نظراً لعدم الوساطة فيها بين الراوي والمروي عنه، وأنها كتاب الشيخ نفسه وليست نسخة عنه. ولهذا احتج مسلم في " صحيحه " برواية مخرمة عن أبيه. نعم، في القوة دون السماع، لكن ذلك لا يؤثر بالمكاتبة متصلة وليست سماعاً، فكذلك الوجادة الصحيحة * * *

стр. 156

المبحث الثالث: صيغة العنعنة وما يجري مجراها العنعنة، هي: قول الراوي: (عن فلان)، وتقع من لفظ المحدث نفسه عن شيخه، كما يمكن أن تكون من تصرف من روى عنه. وهي صيغة لا تعني الاتصال ولا الانقطاع بمجردها، وقد استعملت في السند المتصل، كما استعملت في السند المنقطع، وبها يوهم المدلسون الاتصال فيما دلسوا فيه. والناظر المحرر للأسانيد يجد أن استعمال (عن) في محل السماع هو الغالب، وكانوا يتخففون بترك الصيغة الصريحة، ويكتفون بالقول: (فلان عن فلان) ". قال الخطيب: " إنما استجاز كتبة الحديث الاقتصار على العنعنة؛ لكثرة تكررها، ولحاجتهم إلى كتب الأحاديث المجملة بإسناد واحد، فتكرر القول من المحدث: (حدثنا فلان عن سماعه من فلان) يشق ويصعب؛ لأنه لو قال: (أحدثكم عن سماعي من فلان، وروى فلان عن سماعه من فلان، وفلان عن سماعه من فلان) حتى يأتي على أسماء جميع مسندي الخبر إلى أن يرفع إلى النبي ﷺ ، وفي كل حديث يرد مثل ذلك الإسناد لطال وأضجر، وربما كثر رجال الإسناد حتى يبلغوا عشرة وزيادة على ذلك، وفيه

стр. 157

إضرار بكتبة الحديث، وخاصة المقلين منهم والحاملين لحديثهم في الأسفار، ويذهب بذكر ما مثلناه مدة من الزمان، فساغ لهم لأجل هذه الضرورة استعمال: عن فلان " (١). ومن الدليل على إرادة التخفيف في استعمالها: قول عفان بن مسلم: جاء جرير بن حازم إلى حماد بن زيد، فجعل جرير يقول: " حدثنا محمد، قال: سمعت شريحاً. حدثنا محمد، قال: سمعت شريحاً "، فجعل حماد يقول: " يا أبا النضر: عن محمد عن شريح، عن محمد عن شريح " (٢). وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل لأبيه: أبو معاوية فوق شعبة، أعني في حديث الأعمش؟ فقال: " أبو معاوية في الكثرة والعلم _ يعني علمه بالأعمش _، شعبة صاحب حديث يؤدي الألفاظ والإخبار، أبو معاوية عن عن مع أن أبا معاوية يخطئ على الأعمش خطأ " (٣). وقال الوليد بن مسلم: " كان الأوزاعي إذا حدثنا يقول: حدثنا يحيى، قال: حدثنا فلان، حدثنا فلان، حتى ينتهي، فربما حدثت كما حدثني، وربما قلت: (عن عن عن) تخففنا من الأخبار " (٤). والعلماء في حكم الإسناد المعنعن على مذاهب، يعتبر التنبيه فيها على ثلاثة: المذهب الأول: هو من قبيل المرسل والمنقطع (٥). وهذا ذكره ابن الصلاح، ولم ينسبه لأحد، وهو مذكور عن شعبة بن الحجاج.

стр. 158

فقد قال: " فلان عن فلان مثله لا يجزئ "، وكان سفيان الثوري يقول: " يجزي " (١)، فلذا جاء شعبة أنه رجع عن قوله إلى قول سفيان (٢)، ورأيت ظاهر عبارة ابن رجب الحنبلي من المتأخرين يدل عليه، كما سيأتي ذكره. وهو مذهب مهجور، لا تساعد عليه طريقة النقلة في رواية الحديث، ولا منهج الأئمة الكبار في الحكم بصحة الحديث. وقال ابن الصلاح وقد ذكر الإسناد المعنعن: " الصحيح، والذي عليه العمل أنه من قبيل الإسناد المتصل، وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم فيه وقبلوه ... وهذا بشرط أن يكون الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضاً مع براءتهم من وصمة التدليس " (٣). والمذهب الثاني: اشترط ثبوت السماع أو اللقاء في الجملة، ولو مرة، ثم جميع ما يرويه ذلك الراوي بالعنعنة عن ذلك الشيخ فهو محمول على الاتصال، ما لم يعرف بتدليس. وهذا يمكن أن يستفاد من طريقة شعبة بن الحجاج، الذي عرف بتنقيبه عن السماع فيما أخذ عن شيوخه، إلى أن قال تلميذه يحيى بن سعيد القطان: " كل شيء يحدث به شعبة عن رجل، فلا تحتاج أن تقول عن ذاك الرجل: إنه سمع فلاناً، قد كفاك أمره " (٤).

стр. 159

وهو مذهب كبار أئمة الحديث، فإنهم كانوا لا يثبتون الاتصال في محل العنعنة حتى يقوم الدليل عليه بين التلميذ والشيخ. فهو قول ابن المديني والبخاري وجمهور المتقدمين، ومقتضى كلام أحمد بن حنبل وأبي زرعة الرازي وأبي حاتم الرازي وغيرهم من أعيان الحفاظ (١). قلت: حكايته عن علي بن المديني، ذكره كثير من الأئمة، ولم أقف عليه مسنداً عنه، لكن في كلامه المعروف عنه ما يثبته ويدل عليه، كما علمناه مذهباً للبخاري من خلال كتبه، إذ عليه بنى (صحيحه). قال الشافعي في جواب قول من قال له: " فما بالك قبلت ممن لم تعرفه بالتدليس أن يقول: (عن) وقد يمكن فيه أن يكون لم يسمعه؟ " فيما ذكر عن أهل العلم ممن مضى من أهل بلده: " وكان قول الرجل: (سمعت فلاناً يقول: سمعت فلاناً يقول)، وقوله: (حدثني فلان عن فلان) سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه ممن عناه بهذه الطريق، قَبِلنا منه: (حدثني فلان عن فلان) " (٢). وقال الخطيب بعد أن أورد عن بعض متأخري الفقهاء رد المعنعن بمجرد العنعنة: " أهل العلم بالحديث مجمعون على أن قول المحدث: (حدثنا فلان عن فلان) صحيح معمول به، إذا كان شيخه الذي ذكره يعرف أنه قد أدرك الذي حدث عنه ولقيه وسمع منه، ولم يكن هذا المحدث ممن يدلس، ولا يعلم أنه يستجيز إذا حدثه أحد شيوخه عن بعض من أدرك، حديثاً نازلاً، فسمى بينهما في الإسناد من حدثه به، أن يسقط ذلك المسمى ويروي الحديث عالياً، فيقول: (حدثنا فلان عن فلان) أعني الذي لم يسمعه

стр. 160

منه؛ لأن الظاهر من الحديث السالم رواية مما وصفناه الاتصال، وإن كانت العنعنة هي الغالبة على إسناده " (١). وقال ابن عبد البر: " تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم ومن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن، لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطاً ثلاثة، وهي: عدالة المحدثين، ولقاء بعضهم بعضاً مجالسة ومشاهدة، وأن يكونوا برآء من التدليس " (٢). وهذا هو الذي صححه طائفة من كبار متأخري الأئمة كابن الصلاح (٣)، وابن رشيد الفهري (٤)، والنووي (٥)، والذهبي (٦)، وغيرهم. وهو في التحقيق ما جرى عليه البخاري وعرف من منهجه. واللقاء وحده مع عدم التدليس كاف عند البخاري لإثبات الاتصال في الإسناد المعنعن، وكذلك كان شيخه علي بن المدني يرى (٧). واللقاء يثبت بالسماع الصريح الثابت في رواية، أو بالرؤية والاجتماع، أو بما يقوم من القرائن دليلاً عليه، كقدم التلميذ وكونه من أهل بيئة الشيخ، مع السلامة في كل ذلك من المعارض الراجح. وحين ادعى مسلم الإجماع على ما ذهب إليه من الاكتفاء بالمعاصرة،

стр. 161

قابله ابن رجب بأن ذكر أن مذهب الأئمة الكبار على خلافه، وعلى اشتراط ثبوت السماع، وقال: " بل اتفاق هؤلاء الأئمة يقتضي حكاية إجماع الحفاظ المعتد بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم " (١). وأقول: فيما أطلقه ابن رجب من أن مذاهب أولئك الأئمة على اشتراط ثبوت السماع لا يساعد عليه ما أورده دليلاً لما قال، وبيانه: أنه استدل لذلك بأمثلة تطبيقية، تلخيصها في التالي: ١ _ جماعة رأوا النبي ﷺ ، لكنهم لم يثبت لهم منه سماع، فروايتهم عنه مرسلة، كطارق بن شهاب. _ جماعة ثبتت رؤيتهم لبعض الصحابة، لكن حديثهم عنهم مرسل؛ لعدم السماع، كالأعمش، والرؤية أبلغ في الاتصال من مجرد إمكان اللقاء. ٣ _ وجود بعض من ثبت له اللقاء والسماع اليسير من شيخ، ولم يسمع أكثر ما روى عنه معنعناً، كسعيد بن المسيب عن عمر. وساق ابن رجب بعض عبارات الأئمة أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم في ذلك، ثم قال: " فدل كلامهم على أن الاتصال لا يثبت إلا بثبوت التصريح بالسماع، وهذا أضيق من قول ابن المديني والبخاري، فإن المحكي عنهما: أنه يعتبر أحد أمرين: إما السماع وإما اللقاء، وأحمد ومن تبعه عندهم لا بد من ثبوت السماع " (٢). قلت: والنقد لما استخلصه ابن رجب عن هؤلاء الأئمة من وجهين: الوجه الأول: ما ذكره من عباراتهم مستدلاً به فجميعه لا يخلو من واحد من الأحوال الأربعة التالية: الأول: ما استدل به أن جماعة ثبتت لهم الرؤية ولم يثبت لهم

стр. 162

السماع، فإن ذلك عرف بصغر سن أحدهم يوم إدراكه، وأنه لم يكن في عمر من يحتمل عنه ما روى عن ذلك الشيخ، كرواية ابن المسيب عن عمر، ورواية الأعمش عن أنس، مع ما ينضم إلى هذا الأخير مما عرف عنه من التدليس. الثاني: عبارات لأحمد بن حنبل وغيره فيها التوقف عن القطع بالاتصال؛ لأنه لم يقف على ما يدل عليه، كقول أحمد، وقد سئل: يحيى بن أبي كثير سمع من أنس؟: " قد رآه، قال: رأيت أنساً، ولا أدري سمع منه أم لا " (١). قلت: وهذا التوقف من جهة ما ورد من الريبة في الانقطاع؛ من أجل صغر يحيى حين أدرك أنساً. الثالث: ما يوجد من نفي السماع في عبارات بعضهم في حق من عرف لهم الإدراك وإمكان اللقاء، كقول أبي زرعة الرازي في (أبي أمامة بن سهل بن حنيف): " لم يسمع من عمر " (٢)، مع أنه رأى النبي ﷺ ، فليس في محل النزاع، إذ لانزاع أن الراوي إذا ثبت عدم سماعه فلا يغني لاتصال روايته ثبوت اللقاء، وإنما الشأن فيمن لم يثبت أنه لم يسمع، ولم يأت أنه سمع، وكان اللقاء والسماع ممكناً لثبوت الإدراك المجيز لتحقق ذلك. الرابع: قيام شبهة في عدم الاتصال في محل العنعنة، مثل أن يروي الراوي عن رجل عاصره، لكنهما قد تباعدت أرضهما، ولا يعرف لأحدها ارتحال إلى بلد الآخر، مثل قول أبي حاتم الرازي في رواية ابن سيرين عن أبي الدرداء: " قد أدركه، ولا أظنه سمع منه، ذاك بالشام، وهذا بالبصرة " (٣).

стр. 163

ويشبه هذا في قيام الشبهة، قول أحمد بن حنبل: " ابن سيرين لم يجئ عنه سماع من ابن عباس " (١)، فإن أحمد قال في نص آخر: " لم يسمع من ابن عباس شيئاً، كلها يقول: نبئت عن ابن عباس " (٢)، فالانقطاع بينهما فيما يقول فيه (عن ابن عباس) في بعض الرواية عنه لا يحمل على الاتصال لمجرد الإدراك والمعاصرة، من أجل ما قام من شبهة التلقي بالواسطة. ومثله كذلك، قول أحمد حين سئل: عبد الله البهي سمع من عائشة؟: " ما رأى في هذا شيئاً، إنما يروي عن عروة " (٣) يعني إنما المعروف من حديثه عن عائشة بالواسطة، فقام ثبوت ذلك في حديثه شبهة على كونه لم يسمع منها البتة وإن عاصرها. والوجه الثاني: ما ثبت عن هؤلاء الأئمة من اعتبار إمكان السماع قائماً مقام السماع. فمن نصوصهم: قال أبو داود السجستاني: قيل لأحمد (يعني ابن حنبل): سمع الحسن من عمران (٤)؟ قال: " ما أنكره، ابن سيرين أصغر منه بعشر سنين سمع منه " (٥). وقال أبو داود: قلت لأحمد: عباس بن سهل، أدرك أبا حميد؟ قال: " عباس قديم " (٦). وقال ابن هانئ لأحمد بن حنبل: ابن إسحاق سمع من عطاء؟ قال:

стр. 164

" نعم، ابن أبي ذئب أصغر من ابن إسحاق، وقد سمع من عطاء بن أبي رباح " (١). وقال أبو بكر الأثرم: سألت أحمد قلت: محمد بن سوقة سمع من سعيد بن جبير؟ قال: " نعم، قد سمع من الأسود غير شيء " كأنه يقول: إن الأسود أقدم (٢). وسئل أحمد عن أبي ريحانة سمع من سفينة؟ قال: " ينبغي، هو قديم، قد سمع من ابن عمر " (٣). وسأل الترمذي أبا عبد الله البخاري عن حديث رواه عطاء بن يسار عن أبي واقد الليثي، قال: أترى هذا الحديث محفوظاً؟ قال: " نعم "، قلت له: عطاء بن يسار أدرك أبا واقد؟ فقال: " ينبغي أن يكون أدركه، عطاء بن يسار قديم " (٤). وقال أبو حاتم الرازي: " الزهري لم يسمع من أبان بن عثمان شيئاً؛ لا لأنه لم يدركه، قد أدركه وأدرك من هو أكبر منه، ولكن لا يثبت له السماع منه، كما أن حبيب بن أبي ثابت لا يثبت له السماع من عروة بن الزبير، وهو قد سمع ممن هو أكبر منه، غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة " (٥). قلت: أما قوله في الزهري عن أبان، فإنه علله بقوله: " كيف سمع من أبان وهو يقول: بلغني عن أبان؟ " (٦)، فقام هذا شبهة تمنع من قبول عنعنته عن أبان.

стр. 165

وأما ما ذكره في رواية حبيب عن عروة، وهو محل الشاهد، فمقتضى قوله أن لولا اتفاق أهل الحديث على نفي سماع حبيب من عروة لكانت روايته عنه متصلة؛ من أجل أنه سمع ممن هو أكبر منه. وهذا موافق لأصل إجراء العنعنة على الاتصال ما لم يثبت ما ينافيه. وحدث أحمد بن حنبل في " المسند " بحديث قال فيه: حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن عثمان بن أبي العاتكة .. ، فقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: من أين سمع محمد بن يزيد من عثمان بن أبي العاتكة؟ قال: " كان أصله شامياً، سمع منه بالشام " (١). قلت: لعل الشبهة دخلت على عبد الله من جهة أن هذا واسطي، ويروي عن شامي بالعنعنة، فأزاحها عنه أبوه بكون الواسطي إنما كان بالشام، فكأنه جعل من مظنة اللقاء والسماع برهاناً كافياً على إثبات الاتصال. وجرت بين ابن أبي حاتم وأبيه محاورة في سماع غزوان أبي مالك الغفاري من عمار بن ياسر، قال فيها: ما تنكره أن يكون سمع من عمار وقد سمع من ابن عباس؟ قال: " بين موت ابن عباس وبين موت عمار قريب من عشرين سنة " (٢). قلت: فدل هذا على أن اعتبار المعاصرة مع القرائن المساعدة دليلاً على الاتصال كان معروفاً من منهجهم. فمن هذا يظهر أن ما خلص إليه ابن رجب من القول: " والصواب أن ما لم يرد فيه السماع من الأسانيد لا يحكم باتصاله، ويحتج به مع إمكان اللقي، كما يحتج بمرسل أكابر التابعين " (٣)، فهذا في التحقيق ضعيف، مع مراعاة الذي لأجله كانوا يستعملون العنعنة.

стр. 166

المذهب الثالث: أن (عن) اتصال بشرط المعاصرة. وهو الذي انتصر له مسلم بن الحجاج، وحكي فيه إجماع من تقدمه. وقد ذكر مسلم في صدر " صحيحه " مقالة لم يفصح عن قائلها، حاصلها: أنه لا يكفي قول الراوي: (عن فلان) لإثبات اتصال ما بينهما، حتى وإن ثبت أنهما كانا جميعاً في عصر واحد، ومحتمل أن يكون الحديث الذي روى عن ذلك الشيخ قد سمعه منه وشافهه به، لكنا لا نعلم له منه سماعاً، ولم نجد في شيء من الروايات أنهما التقيا قط أو تشافها بحديث، وإنما يثبت الاتصال إذا ثبت أنهما اجتمعا مرة فأكثر، أو تشافها بالحديث (١). ثم رد مسلم هذه المقالة وأنكرها، ووصفها بكونها مخترعة. وقال: " القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديماً وحديثاً: أن كل رجل ثقة، روى عن مثله حديثاً، وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه؛ لكونهما جميعاً كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئاً " (٢). وناقش مسلم المقالة السابقة ورد ما يمكن التعلق به لأجلها، وهو احتمال الإرسال وعدم السماع بين الراوي وذلك الشيخ الذي عنعن عنه. ثم أبطل ذلك بأن الاحتمال عندئذ يرد على كل موضع عنعنة، حتى في رواية الراوي عمن سمع منه مرة أو أكثر؛ لجواز أن يكون روى عنه بالواسطة فأسقطها وأرسله عنه.

стр. 167

وقال مسلم: " وما علمنا أحد من أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها، مثل أيوب السختياني وابن عون ومالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ومن بعدهم من أهل الحديث، فتشوا عن موضع السماع في الأسانيد .. وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم، إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس " (١). وذكر مسلم أمثلة عديدة لقبول أهل العلم الحديث تصحيحه والاحتجاج به، مع أنه لم يأت إلا من وجه قد قال فيه الراوي: (عن فلان) ولم يثبت أنهما اجتمعا ولا تشافها في شيء من الرواية. وقال الحاكم في المعنعنات: " هي متصلة بإجماع أئمة النقل، على تورع رواتها عن أنواع التدليس " (٢). وهذا بينه مسلم ودل عليه ما ذكره الحاكم، تفيده كذلك عبارات بعض المتقدمين: فقد قال أبو بكر الحميدي وهو يذكر صفة الحديث الثابت، فجعل ما يحدثه الراوي عن شيخ قد أدركه متصلاً بمجرد ذلك، قال: " وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه: (سمعت) أو (حدثنا) حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ ، وإن أمكن أن يكون بين المحدِّث والمحدَّث عنه واحد أو أكثر؛ لأن ذلك عندي على السماع؛ لإدراك المحدث من حدث عنه حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ ، ولازم صحيح يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا إذا كان صادقاً، مدركاً لمن روى ذلك عنه " (٣).

стр. 168

وقال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: بسر بن سعيد لقي زيد بن ثابت؟ قال: " وما ينكر أن يكون قد لقيه "، قلت روى عن أبي صالح عن زيد بن ثابت؟ قال: " قد روى شفيق عن رجل عن عبد الله " (١). قلت: طرأت الشبهة لابن المديني من جهة وقوع رواية لبسر عن زيد بالواسطة، ولم يوقف له على رواية بالسماع منه، فرده القطان بكون الراوي قد يروي عن شيخه بالواسطة، وليس بلازم منه وجودها في كل ما يرويه عنه. وتحرير محل النزاع: أن الشرط المتفق عليه بين الجميع لتحقيق الاتصال: أن يكون الراوي المعنعن لم يثبت عليه في حديثه المعنعن تدليس، وأن أخذه الحديث عمن عنعن عنه مترجح. فشرط البخاري ومن وافقه: أن يكون قد عرف بينهما اللقاء ولو مرة. وشرط مسلم ومن وافقه: أن يكونا تعاصرا، فثبوت المعاصرة مع عدم التدليس مظنة للقاء الموجب للسماع فالاتصال. وما يشترط له البخاري ثبوت اللقاء مندفع عند مسلم بعد ثقة الراوي بعدم تدليسه، فهو لا يسقط واسطة بينه وبين شيخه، وألزم القائل بمذهب البخاري أن ما خشيه من مظنة عدم الاتصال في هذه الحالة، أنه وارد كذلك في حالة اشتراط ثبوت اللقاء ولو مرة، فإن مظنة عدم الاتصال واردة أيضاً، ويلزم عليه اشتراط ثبوت السماع في كل موضع عنعنة. والبخاري ومن وافقه يقولون بما قال به مسلم من تصحيح الاتصال بالمعاصرة إذا ترجح اللقاء بالقرائن، ومسلم أطلق القول في الاكتفاء بها، فأخذت على " صحيحه " أسانيد أعلت بالانقطاع، وليس كذلك البخاري.

стр. 169

وطريق البخاري أمكن وأرجح، والمظنة التي أوردها مسلم مندفعة بشرط عدم التدليس أو ثبوت الإرسال في رواية معينة، وهو أوفق لما يوجبه مقتضى الاتصال كشرط للحديث الصحيح. وعليه فالراجح: أن الإسناد المعنعن يحكم له بالاتصال فيما بين الراوي والمروي عنه بتلك الصيغة، بشرط ثلاثة: الأول: أن يثبت اللقاء بينهما يقيناً أو غالباً. والثاني: أن يسلم التلميذ من التدليس. والثالث: أن لا يقوم دليل على عدم سماعه. * * *

стр. 170

المبحث الرابع: مسائل متفرقة في اتصال الإسناد المسألة الأولى: مما ينبغي مراعاته صيغ تلحق بالإسناد المعنعن، وتأخذ أحكامه، بيانها فيما يلي: (١) قول الراوي: (قال فلان). هذه الصيغة في التحقيق بمنزلة (العنعنة) يحتمل معها السماع والانقطاع. لكن يستثنى منها من عرف أنه لا يقولها إلا في حديث مسموع له (١). مثل همام بن يحيى عن قتادة، فإنه قال: "ما قلت: (قال قتادة)، فأنا سمعته من قتادة " (٢).

стр. 171

وقال حماد بن زيد: " إني أكره إذا كنت لم أسمع من أيوب (يعني السختياني) حديثاً أن أقول: (قال أيوب كذا كذا) فيظن الناس أني قد سمعته منه " (١). وكان الحجاج بن محمد الأعور يقول: (قال ابن جريج)، وذلك فيما قرأه على ابن جريج، وهو متصل عنه (٢). (٢) قول الراوي: (عن فلان أن فلاناً قال). قال ابن عبد البر: " جمهور أهل العلم على أن (عن) و (أن) سواء، وأن الاعتبار ليس بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحاً، كان حديث بعضهم عن بعض أبداً بأي لفظ ورد محمولاً على الاتصال، حتى تتبين فيه علة الانقطاع ". ورد قول من جعل (أن) ليست اتصالاً بأن استدل بكون قول الصحابي: (قال رسول الله)، أو: (أن رسول الله) أو: (عن رسول الله)، أو: (سمعت رسول الله ﷺ سواء عند أهل العلم (٣). وهذا هو التحقيق مادامت تلك الصيغة واقعة بين راويين قد ثبت اتصال ما بينهما. إنما تستثنى صورة ما إذا حدَّث الراوي عن حدث لم يدركه، وفي سياق الحديث ذكر لشيخه، ولم يبين إن كان قد أخذه عن ذلك الشيخ أم لا، كقول عروة بن الزبير: (أن عائشة قالت يا رسول الله)، فعروة سمع من عائشة، لكنه في التحقيق هنا لم يحدث عنها، إنما حدَّث عن حدث لها وقع مع رسول الله ﷺ ، فهذا صورته صورة المرسل.

стр. 172

وقد قال أحمد بن حنبل: " كان مالك _ زعموا _ يرى (عن فلان) و (أن فلاناً) سواء " (١). قال أبو داود السجستاني: سمعت أحمد قيل له: إن رجلاً قال: (عروة أن عائشة قالت: يا رسول الله) و (عن عروة عن عائشة) سواء؟ قال: كيف هو سواء؟ "، أي ليس هو بسواء (٢). (٣) ومن الصيغ: (ذكر فلان) و (ذَكره فلاناً) صيغتان قليتا الاستعمال. (زَعم فلان) نادرة الاستعمال. وكذا: (فلان يأثر عن فلان)، وتفيد احتمال الاتصال كمجرد العنعنة. قال ابن جريج: قلت لعطاء: أترخص في أن أضع صدقة مالي في مواضعها، أو إلى الأمراء لا بد؟ قال: سمعت ابن عباس يقول: " إذا وضعتها مواضعها ما لم تعط منها أحداً شيئاً تعوله أنت، فلا بأس "، سمعته مرة يأثره عن ابن عباس (٣). قلت: فههنا اتصال. لكن ما رواه عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، يأثره عن ابن مسعود، أنه قال: " في كل مُعاهد مجوسي أو غيره الدية وافية " (٤).

стр. 173

فهذا منقطع، مجاهد لم يدرك عبد الله بن مسعود. ووقعت في رواية بعض الأحاديث القدسية فيما رواه النبي ﷺ عن ربه ﵎. (٤) ومن ذلك: (فلان رد ذلك إلى فلان) أو (يرد إلى فلان). كقول محمد بن سيرين: عن عبد الرحمن بن بشر بن مسعود، ورد الحديث حتى رده إلى أبي سعيد الخدري، وذكر الحديث في العزل (١). المسألة الثانية: رموز صيغ الأداء استخدام الاختصار في كتابة صيغ الأداء كان عليه عمل الكتَّاب والنساخ غالباً، وذلك بكتابتهم: (حدثنا): (نا) أو (ثنا)، وربما كتبها بعضهم: (دثنا) وهي نادرة. و (أخبرنا): (أنا) غلباً، ومنهم من كان يكتبها: (أبنا) بتقديم الباء على النون، وتحرف في المطبوعات إلى تقديم النون على الباء، فيحسبها من لا يفهم هذا العلم من الإنباء. ويكتبها بعضهم أيضاً: (أرنا)، وهو قليل نادر. وقد يجمع لفظ القول إلى التحديث في اختصار الكتابة، فيكتبون: (قال: حدثنا): (قثنا)، وليس بالشائع جداً. ولا تختصر: (سمعت) ولا (أنبأنا) ولا صيغ الأداء غير الصريحة بالسماع مثل (عن) و (قال). ولفظه (قال) تحذف عادة في الكتابة، وتنطق عند القراءة، فإذا وجدت

стр. 174

مثلاً: (فلان حدثنا فلان) فتقرأ: (فلان قال: حدثنا فلان)، وشبهها لفظ السماع والإخبار والإنباء. وكذلك: (فلان قال فلان) تقرأ: (قرئ على فلان، قيل له: أخبر ك فلان)، وهكذا. والنصح لكل من يحقق كتاباً في الحديث اليوم أن يكتب تلك الكلمات المختصرة على تمامها وفقاً لأصولها الصحيحة؛ لزوال مقتضى الإبقاء على ذلك الاختصار، وليست كتابتها على التمام من الخروج عن مبدأ الأمانة في النقل. وينبغي أن تلاحظ عند الانتقال من طريق إلى طريق في إسناد الخبر، أنهم يستعملون حرف (ح). قال النووي: " والمختار أنها مأخوذة من التحول، لتحوله من الإسناد إلى إسناد، ولفظها عند القراءة: ح " (١). المسألة الثالثة: يقول البخاري في " تاريخه " في كثير من التراجم: (فلان .. سمع فلاناً)، فهل هذا إثبات منه لسماعه؟ أم حكاية لما وقع في الإسناد من طريق ذلك الراوي قال: (سمعت فلاناً) وما في معناه؟ قال البخاري في (ثعلبة بن يزيد الحماني): " سمع علياً، روى عنه حبيب بن أبي ثابت، يعد في الكوفيين، فيه نظر " (٢).

стр. 175

فقال ابن عدي: " أما سماعه من علي، ففيه نظر، كما قال البخاري " (١). قلت: فهو يفسر قول البخاري أنه أراد بقوله: " فيه نظر " سماعه من علي، وهذا يعني أن البخاري لا يثبت سماعه من علي، إنما أراد بقوله: " سمع علياً " مجرد حكاية ما وقع في الإسناد. فهذا القول إن لم يظهر جلياً أن البخاري قصد به إنشاء العبارة في تثبيت السماع من جهة نفسه، فإنه لا يصح الاستدلال به على أنه قول للبخاري، إنما العمدة حينئذ لتصحيح السماع على ثبوت الإسناد الذي حكيت فيه تلك الصيغة. وأما مثل قول البخاري في ترجمته (عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود): " سمع أباه، قاله عبد الملك بن عمير "، فبين أن ذكر سماعه من أبيه جاء في رواية عبد الملك عنه. وكثيراً ما يقول البخاري مثل هذا: (فلان .. سمع فلاناً .. قاله فلان). فهذا لو حكاه إنسان أنه قول للبخاري يكون قد أخطأ عليه. المسألة الرابعة: المرسل إذا علمت فيه الواسطة ، وتبين أنها ثقة، فهو صحيح جار مجرى المتصل قال خالد الحذاء: " كل شيء قال محمد (٢): (نبئت عن ابن عباس)، إنما سمعه من عكرمة، لقيه أيام المختار بالكوفة " (٣).

стр. 176

قال أحمد بن حنبل: قال شعبة: قال لي خالد الحذاء: " كل شيء رواه ابن سيرين عن ابن عباس، فهو عن عكرمة، لقيه بالكوفة أيام المختار " (١). ووجدت بعض متأخري العلماء استدل باتصال ما أرسله إبراهيم النخعي عن ابن مسعود، وذلك اعتماداً على ما جاء عن الأعمش، قال: قلت لإبراهيم النخعي: أسند لي عن عبد الله بن مسعود، فقال إبراهيم: " إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله، فهو الذي سميت، وإذا قلت: (قال عبد الله) فهو عن غير واحد عن عبد الله " (٢). وليس هذا كالذي تقدم عن ابن سيرين، فإن الواسطة هنا لم يتبين إن كانت ثقة؛ لأنها مبهمة مجهولة، وإبراهيم روى عن أصحاب عبد الله بن مسعود، وفيهم المجاهيل. * * *

стр. 177

الباب الثاني نقد النقلة

стр. 178

الفصل الأول حكم نقد النقلة وصفة الناقد

стр. 179

المبحث الأول: حكم نقد الراوي معنى النقد: قال ابن فارس: " النون والقاف والدال أصل صحيح، يدل على إبراز شيء وبروزه " قال: " ومن الباب (نقد الدرهم) وذلك أن يكشف عن حاله في جودته أو غير ذلك " (١). و (نقد الراوي) من هذا، فإنه يكشف عن حاله في أهليته للرواية أو عدم ذلك. كما سمي من يقوم بعملية الكشف هذه بـ (الناقد) لهذا الاعتبار. وقد اصطلح علماء الحديث على تسمية النقد هذه بـ (الجرح والتعديل)، بناء على ما ينتج عنها من ثبوت أهلية الراوي أو عدمها. وهذان الوصفان يشعران بثنائية القسمة عندهم، فالناقد إما أن يصير إلى (جرح) الرواي، وإما إلى (تعديله)، ولا يفيد مرتبة متوسطة. وتحقيق ذلك: أن النظر في أحوال الرواة لا يسفر دائماً عن نتيجة

стр. 180

(الجرح) أو (التعديل) لذلك الراوي، وإنما قد تخفى حاله ولا يسعف النظر في التوصل إلى شيء في أمره، فيصير الناقد إلى مرتبة ليست تعديلاً ولا تجرحاً صريحاً، وهي الحكم بـ (جهالة) الراوي. لكن، حين كان المقصود التوصل إلى كون الراوي مقبول الرواية أو مردودها، فالعبارة إذاً بالقبول أو الرد؛ وعليه فيصح أن تكون القسمة ثنائية، على اعتبار المصير بالمرتبة المتوسطة إلى (الجرح) على مذهب الأكثر، أو (التعديل) على مذهب الأقل، على ما سيأتي تفصيله. و (نقد الراوي) هي المرحلة الثانية من النظر في الأسانيد، فقد تقدم في الباب الأول تبيين طرق الكشف عن شخصية الراوي، وحيث تميز لنا فيتلو ذلك تمييز حاله من جهة صلاحيته لقبول حديثه أو رده. وهذا المبحث من أهم مباحث (علوم الحديث) وأصعبها، فأما أهميته فمن جهة كونه (القاعدة العظمى) التي ينبني عليها تصحيح نسبة السنن إلى رسول الله ﷺ ، أو نفي ذلك، وأما صعوبته فمن جهتين: الأولى: ما يدخل على الناقد من الحرج من الكلام في المسلم بالقدح في حال ثبوت ذلك عليه؛ لأنه كلام في عرضه الذي جاءت شريعة الإسلام بحفظه. والثانية: فهم قوانينه وقواعده ومنهجية تطبيقه. فأما ما يتصل بالجهة الثانية فهذا الفصل أكثره معقود لهذا الغرض، وأما الجهة الأولى فإنها تستلزم بيان حكم الشريعة في ذلك. حكم الكلام في النقلة: حفظ عرض المسلم من المسلمات في دين الإسلام، وحرمته معلومة بالضرورة، والنقاد يقولون: (فلان ضعيف) أو (سيئ الحفظ) أو (كثير الغلط) أو (ليس بشيء) أو (ليس بثقة) أو (متروك) أو (كذاب) أو غير ذلك من
следующие страницы →