← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1416

تحرير علوم الحديث

عبد الله الجديع

Полный текст (1 074 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الطريق، ولكن لا يعد هذا سبباً للطعن على ذلك إذا كان ثقة ضابطاً؛ لجواز النسيان على المحدث، إلا أن يعتضد الجرح بذلك بما يشهد له، أو أن يكون التلميذ لم تستقر ثقته. قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: يضعف الحديث عندك بمثل هذا: أن يحدث الرجل الثقة بالحديث عن الرجل، فيسأله عنه، فينكره ولا يعرفه؟ فقال: " لا، ما يضعف عندي بهذا " (١). والعلة في ذلك كما ذكرت: أن النسيان غير مأمون على الراوي، وإن كان ثقة، وإنما العبرة بإتقان من حفظه عنه. ووقوعه في رواية الثقات نادر قليل. مثاله: ما رواه أحمد بن حنبل، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي ﷺ كره يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها. قال وكيع: سألت ابن جريج؟ فأنكره، ولم يعرفه (٢). قلت: فمن ذا يجرؤ أن يطعن بهذا على سفيان الثوري؟! إنما يحمل على نسيان ابن جريج له.

стр. 352

ومن مثاله: ما حدث به حماد بن زيد، قال: قلت لأيوب: هل تعلم أحداً قال بقول الحسن في: (أمرك بيدك)؟ قال: لا، إلا شيء حدثناه قتادة عن كثير مولى ابن سمرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه. قال أيوب: فقدم علينا كثير، فسألته؟ فقال: ما حدثت بهذا قط، فذكرته لقتادة، فقال: بلى، ولكنه نسي (١). قلت: وهل يقبل ذلك الحديث بعينه؟ على قولين: الأول: يقبل، والعمدة فيه على الحفظ الثقة، والشيخ قد نسي. والثاني: لا يقبل، من أجل الشبة، وهو قول متأخري الحنفية (٢). والأول هو الصحيح، وهو قول أهل الحديث، وعامة الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، وصححه الخطيب (٣). فإذا كان الراوي جازماً أن الشيخ حدثه، والشيخ يقول: لم أحدثك، فالقول قول الراوي المعروف بالثقة والإتقان، والشيخ قد نسي.

стр. 353

وأولى من ذلك بالقبول حين يكون الشيخ متردداً غير جازم بالإنكار، فيكون حفظ الثقة مرجحاً، ومن هذا لو أن الشيخ قال لراويه عنه: لم أحدثك، فرد وقال،: بل حدثتني، فأقره الشيخ. مثل: ما حدث به محمد بن جعفر غندر، قال: حدثنا شعبة، عن صدقة، قال: سمعت ابن عمر، وسأله رجل، فقال: إني أهللت بهما جميعاً، قال: " لو كنت اعتمرت كان أحب إلي "، ثم أمره فطاف بالبيت وبالصفا وبالمروة، وقال: " لا يحل منك شيء دون يوم النحر ". ثم إن شعبة نسي هذا الحديث، فقلت له: إنك حدثتني به، قال: إن كنت حدثتك به فهو كما حدثتك (١). وربما وقع من الشيخ من بعد أن يحدث بذلك الحديث عن راويه عنه عن نفسه. مثل: ما حدث به عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، ﵁: أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد. قال عبد العزيز: فذكرت ذلك لسهيل، قال: أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة، أني حدثته إياه ولا أحفظه. قال عبد العزيز: وقد كان أصاب سهيلاً علة أذهبت ببعض حفظه، ونسي بعض حديثه، فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه (٢). قلت: وهذه المسألة غير تراجع الشيخ عما حدث به مبيناً عن خطئه، فإنه لو فعل ذلك فالقول قوله.

стр. 354

والحالة الثانية، وهي عمل الإمام بخلاف رواية راو حدث هو عنه بتلك الرواية وقال بخلافها. فهذا لا يقدح به على الراوي ولا على الحديث، فمعلوم أن لترك العمل بالحديث أسباباً عدة، فقد يكون تركه لمعارض أقوى عنده، أو قياس أو احتمال نسخه، أو غير ذلك. فهذا مالك روى عن نافع وهو الثقة الحافظ عنده، عن ابن عمر حديث البيعين بالخيار، ولم يقل به مالك؛ لأنه رأى عمل أهل المدينة على خلافه. قال الخطيب: " إذا روى رجل عن شيخ حديثاً يقتضي حكماً من الأحكام، فلم يعمل به، لم يكن ذلك جرحاً منه للشيخ؛ لأنه يحتمل أن يكون ترك العمل بالخبر لخبر آخر يعارضه، أو عموم، أو قياس، أو لكونه منسوخاً عنده، أو لأنه يرى أن العمل بالقياس أولى منه، وإذا احتملت ذلك لم يجعله قدحاً في راويه " (١). الصورة الخامسة: الرواية عن المجروحين والمجهولين . وقع هذا من نفر كثير من الثقات، بل حفاظ الناس ومتقنيهم. قال بندار (محمد بن بشار): " ضرب عبد الرحمن بن مهدي على نيف وثمانين شيخاً عنهم الثوري " (٢). وقال عبد الرحمن بن مهدي: " اتقوا هؤلاء الشيوخ، واتقوا شيوخ أبي عامر العقدي المدنيين " (٣). وهذا الأعمش أنكروا عليه التحديث ببعض الحديث الذي يكون من

стр. 355

طريق المجروحين، فيبين وجه ذلك فيقول: " كنت أحدثهم بأحاديث يقولها الرجل لأخيه في الغضب، فاتخذوها ديناً، لا والله لا أعود إليها أبداً " (١). وكان حدث عن موسى بن طريف عن أبيه عن علي: " أنا قسيم النار "، فقيل له: لم رويت هذا؟ فقال: " إنما رويته على الاستهزاء " (٢). وذكرت في الكلام عن أصل (هل رواية الثقة عن رجل تعديل له؟ ) (٣) جماعة من الثقات عرفوا بالرواية عن المجهولين حتى أكثروا، ومع ذلك فلم يسقط حديثهم. فمثل هذا لا يكون الحمل فيه على الثقة، ولا يصح أن يعد بمجرده سبباً للقدح في الراوي. فتأمل ذلك واعلم أن كثيراً من النقلة تكلم فيهم بسبب ذلك، وهم في أنفسهم وحديثهم ثقات. مثل: (عيسى بن موسى غنجار)، قال الحاكم: " لم يؤخذ عليه إلا كثرة روايته عن الكذابين " (٤). وقال: " يحدث عن أكثر من مئة شيخ من المجهولين لا يعرفون، بأحاديث مناكير، وربما توهم طالب هذا العلم أنه يجرح فيه، وليس كذلك " (٥). وإنما كان من حال بعض النقلة أنهم لم يعرف لحديثهم مخارج إلا من جهة روايتهم عن المجروحين، فهؤلاء لو افترضنا ثقة أحدهم في نفسه، فما هو بثقة في حديثه، وإن كان الحمل فيه على من فوقه، بل التحقيق أنه لا معنى لوصف هذا الراوي بالثقة؛ لما في ذلك من التغرير بروايته.

стр. 356

مثل (خالد بن الحسين أبي الجنيد الضرير)، قال ابن عدي: " عامة حديثه عن الضعفاء أو قوم لا يعرفون، فإذا كان سبيله هذا السبيل إذا وقع لحديثه نكرة؛ يكون البلاء منه، أو من غيره لا منه " (١). ومثل (يحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفلي)، فقد قال فيه أبو حاتم: " منكر الحديث، لا أدري منه أو من أبيه، لا ترى في حديثه حديثاً مستقيماً "، وقال أبو زرعة الرازي: " لا بأس به، إنما الشأن في أبيه، بلغني عن أحمد بن حنبل أنه قال: يحيى بن يزيد لا بأس به ولم يكن عنده إلا حديث أبيه، ولو كان عنده غير حديث أبيه لتبين أمره " (٢). ومنه قول الدارقطني في (محمد بن مَروان القطان): " شيخٌ من الشيعة، حاطب ليل (٣)، لا يكاد يُحدث عن ثقة، متروك " (٤). فالدارقطني جرحه من جهة أنه لا يكاد يحدث عن ثقة. وكقول ابن حبان في (مطرح بن يزيد): " لا يحتج بروايته بحال من الأحوال؛ لما روى عن الضعفاء " (٥) يعني وأن عامة ما روى فهو عن عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد، وهما مجروحان. ومن هذا أيضاً قوله (محمد بن عطية بن سعد العوفي): " منكر

стр. 357

الحديث جداً، مشتبه الأمر، لا يوجد الاتضاح في إطلاق الجرح عليه؛ لأنه لا يروي إلا عن أبيه، وأبوه ليس بشيء في الحديث "، كما علله أيضاً بأنه لم يعرف حديثه إلا من رواية مجروح عنه (١). فهذا الصنف من الرواة ليسوا معدودين في جملة الثقات أصلاً، ولهذا جاز أن تلحقهم التهمة. ومن هذا الصورة: تخريج أحاديث المجروحين. وقد طعن به على بعض أئمة الحديث أنهم خرجوا أحاديث الضعفاء والمتروكين والكذابين في كتبهم دون بيان لعللها، كما طعن به مثلاً على الحافظ أبي نعيم الأصبهاني. وليس هذا في التحقيق مما يجرح به، وإن كان خلاف الأولى، وذلك من أجل أن الواحد من هؤلاء المخرجين يسند أحاديثه تلك، ومن أسند فقد أحال. فإن قلت: فلم كانوا يكتبون أصلاً أحاديث المجروحين، أو يروون عنهم؟ قلت: يغلب على من كان يفعل ذلك عدم العلم بمنازل الرواة، ومن كان يعلم ذلك فكان يرويه تارة على سبيل اعتقاد عدالة المحدث بها عند ذلك الراوي عنه، وتارة على سبيل الاستهزاء كما تقدم عن الأعمش فيتلقفه من كان همه الإكثار والإغراب في الرواية، أو من أجل تمييزها عن أحاديث الثقات، كما كان يفعله بعض النقاد، أو لغير ذلك. لكن ليس من سبب ذلك غش الأمة، فهذا إن ورد على الراوي طعن على عدالته في نفسه.

стр. 358

والكتابة عنهم بقصد تمييز حديثهم، منهج جرى عليه عامة النقاد، يكتب أحدهم أحاديث المجروحين ويعتني بجمعها كما يعتني بأحاديث الثقات، وذلك لما يوجبه تحرير حال النقلة من تمييز محفوظ حديثهم من غيره (١)، أو لمصلحة الاعتبار به إذا كان المجروح ممن يصلح حديثه لذلك، وليس هذا من قبيل ما يذم ويؤخذ على الراوي فعله في الرواية عن الضعفاء. قال يحيى بن معين: " كتبنا عن الكذابين، وسجرنا به التنور، فأخرجنا به خبزاً نضيجاً " (٢). وقال أبو بكر الأثرم: رأى أحمد بن حنبل يحيى بن معين بصنعاء في زاوية وهو يكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس، فإذا اطلع عليه إنسان كتمه، فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس، وتعلم أنها موضوعة، فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه على الوجه! فقال: " رحمك الله يا أبا عبد الله، أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر على الوجه فأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة؛ حتى لا يجيء بعده إنسان فيجعل بدل أبان ثابتاً، ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس، فأقوله له: كذبت، إنما هي عن أبان لا عن ثابت " (٣). فهذا فيه كتابة أحاديث من لا يعتبر به أصلاً، وإنما يقايس بحديثه لكشف الكذب والكذابين. ومثال الكتابة للاعتبار، قول أحمد بن حنبل في (عبد الله بن لهيعة):

стр. 359

" ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار والاستدلال، إنما قد أكتب حديث الرجل كأني أستدل به مع غيره يشده، لا أنه حجة إذا نفرد " (١). فهذه العلة التي كانوا يكتبون لأجلها أحاديث المجروحين، موجودة كذلك فيما يخرج من الحديث في الكتب التي لا تشترط الصحة، دون بيان في أكثرها لعلة الحديث ولا لضعف أو وهاء راويه. والمفترض أن لا يرد الإنسان من هذه الموارد إلا وهو يفهم ويميز ما يقبل وما لا يقبل. والمراد أن يعلم هنا أن هذا ليس من أسباب الطعن المعتبرة على أحد من الرواة. الصورة السادسة: الجرح والتدليس . التدليس جرح نسبي يقدح فيما حدث به الراوي مدلساً، أو مترجحاً فيه مظنة التدليس، على ما ستعلمه في مبحث (الحديث المدلس) من ألقاب (الحديث المردود). ولا يكون وصف الراوي به مما يقدح في عدالته بمجرده، كما لا يكون منافياً لثقته، لأسباب بينتها في المبحث المشار إليه. لذلك تجد أكثر من واقعه كانوا من الثقات المعروفين. ولو جعلنا التدليس قادحاً، فإنه سيكون قادحاً في العدالة؛ لما فيه من معنى الغش، ولكن التأويل عند من فعله حال دون الجرح به. ومن النقاد من جعل الإكثار من التدليس، وفحش ما يأتي به الراوي المدلس من المنكرات مما يكون قد سمعه من كذاب أو مجهول فدلسه،

стр. 360

ملحقاً الضرر بذلك المدلس، فيجعل علة جرحه عنده تلك المنكرات التي رواها. كما جرح بقية بن الوليد عند طائفة من العلماء بذلك، حتى أسقط بعضهم عامة حديثه. وكما قال محمد بن عبد الله بن نمير في (أبي جناب يحيى بن أبي حية الكلبي): " صدوق، كان صاحب تدليس، أفسد حديثه بالتدليس، كان يحدث بما لم يسمع " (١). قلت: وهذا وافقه فيه كثيرون، لكن أبو جناب، في تتبعي، وجدت عامة ما يفسرون به ضعفه هو التدليس، ووصفه بالصدق جماعة من النقاد، والقول فيه ما قاله أبو نعيم الفضل بن دكين وقد أدركه وروى عنه: " ما كان به بأس، إلا أنه كان يدلس، وما سمعت منه شيئاً إلا شيئاً قال فيه: حدثنا " (٢)، وقال أبو زرعة الرازي: " صدوق، غير أنه كان يدلس " (٣). وأدخل ابن عدي جماعة من الرواة في " الكامل " ليس فيهم قادح سوى التدليس، ولم يورد آخرين عرفوا به، وكأنه حين رأى أولئك الذين أو دعهم كتابه قد جرحهم بعض من تقدمه تبعهم في ذكرهم في المجروحين. ومن أمثلتهم (ميمون بن موسى المرئي البصري) يروي عن الحسن البصري، وقد روى عنه يحيى القطان وغيره، لم يجرح بشيء غير التدليس مع قلة حديثه، وخشية أن يظن رد حديثه مطلقاً قال ابن عدي: " إذا قال: حدثنا، فهو صدوق؛ لأنه كان متهماً في التدليس " (٤). والوقوف على تحرير هذا السبب من الجرح في الموصوف به، يدفع

стр. 361

التهمة عن بعض الرواة ممن اختلف فيهم، يعود الجرح فيهم إلى هذا السبب، فإذا تبين لم يصلح معه رد قول المعدل في حال بيان هذا الراوي سماعه للخبر. وليس من ذلك ما علل به ابن حبان مجيء الموضوعات في روايات الحسن بن عمارة، إذ حمله على مجرد التدليس، وأن شعبة طعن عليه لأنه لم يتبين ذلك، حيث قال ابن حبان: " كان بلية الحسن بن عمارة أنه كان يدلس عن الثقات ما وضع عليهم الضعفاء، كان يسمع من موسى بن مطير، وأبي العطوف، وأبان بن أبي عياش، وأضرابهم، ثم يسقط أسماءهم ويرويها عن مشايخهم الثقات، فلما رأى شعبة تلك الأحاديث الموضوعة التي يرويها عن أقوام ثقات أنكرها عليه، وأطلق عليه الجرح، ولم يعلم أن بينه وبينهم هؤلاء الكذابين، فكان الحسن بن عمارة هو الجاني على نفسه بتدليس عن هؤلاء وإسقاطهم من الأخبار، حتى التزق الموضوعات به " (١). فهذا الذي أعاد إليه ابن حبان جرح شعبة للحسن وأن شعبة لم يتفطن له، غير صحيح، إلا أن يكون الحسن بن عمارة كان يقول في تلك الأحاديث المدلسة (سمعت)، كما يوجد بعض ذلك فيما أثر عن شعبة أنه طعن على الحسن بسببه. والتحقيق أن عبارات النقاد في ابن عمارة لم تبن على ما ذكره ابن حبان، فإنه يوجد في الموصوفين بالثقة من كان يدلس المتهمين ويعنعن عن شيوخهم، ولم يطعن عليه بمثل ما طعن على ابن عمارة وفيهم من روى عنه شعبة نفسه، وإنما قام الطعن على ابن عمار على وهائه في نفسه من جهته، وقد قال علي بن المديني: " ما أحتاج إلى شعبة فيه، أمر الحسن بن عمارة أبين من ذلك "، قيل: أكان يغلط؟ فقال: كان يغلط؟! أي شيء يغلط؟ " وذهب إلى أنه كان يضع الحديث (٢).

стр. 362

المبحث الثاني: تحرير القول فيما يسلب العدالة ما يطعن به على عدالة الراوي يحصر القول فيه في الأسباب التالية: الفسق، الكذب، والتهمة به، سرقة الحديث، البدعة، الجهالة. السبب الأول: الفسق والمقصود به: مواقعة المعصية. ومن أمثلة القدح في الرواة ذلك: ما نقله ابن أبي خيثمة قال: سألت يحيى بن معين عن (عمر بن سعد) (١): أثقة هو؟ فقال: " كيف يكون من قتل الحسين بن علي، ﵁، ثقة؟! " (٢). قلت: ولم يجعل صنيعه مما يقبل التأويل المعتبر؛ ولعله لظهور المخالفة فيه، وغيره يوثقه. والمعصية القادحة هي المعلومة التي لا تقبل التأويل، وليس منها

стр. 363

الصغائر، وقتل الحسين ﵁ كان عظيماً من الذنوب، وهل يقبل في مثله التأويل؟ الله أعلم. ونقل ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين قوله في (يعقوب بن حميد بن كاسب): " ليس بثقة "، قال: فقلت له: من أين قلت ذاك؟ قال: " لأنه محدود "، قلت أليس هو في سماعه ثقة؟ قال: " بلى "، فقلت: أنا أعطيك رجلاً تزعم أنه وجب عليه الحد وتزعم أنه ثقة، قال: " من هو؟ "، قلت: خلف بن سالم، قال: " ذلك إنما شتم بنت حاتم مرة واحدة، وما به بأس، لولا أنه سفيه ". قال ابن خيثمة: قلت لمصعب الزبيري " إن يحيى بن معين يقول في ابن كاسب: إن حديثه لا يجوز؛ لأنه محدود؟ فقال: بئس ما قال، إنما حده الطالبيون في التحامل، وليس حدود الطالبيين عندنا بشيء؛ لجورهم، وابن كاسب ثقة مأمون " (١). قلت: أراد يحيى أن الحد موجب لارتكابه مفسقاً، لكن رد مصعب يشكك في أن ذلك الحد كان عدلاً؛ لما عهد يومئذ من ظلم السلطان. ونقول: غاية هذا الجرح أن يكون مبهماً؛ للشبة فيه، والجرح المبهم لا حجة فيه. لكنك تعتبر به أنه كان يقع من نقاد المحدثين القدح في النقلة بسبب الفعل المفسق الذي لا يحتمل فيه التأويل، ويسقطون بذلك حديثه وإن كان متقناً لما روى.

стр. 364

وسأل السلمي الدارقطني عن علي بن سراج؟ فقال: " كان يعرف ويفهم، ولم يكن يذاكر، فإنه كان يشرب المسكر ويسكر " (١). وقال العباس بن محمد الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول وذكرت له شيخاً كان يلزم سفيان بن عيينة يقال له: ابن مناذر، فقال: " أعرفه، كان صاحب شعر، ولم يكن من أصحاب الحديث، [وكان يتعشق ابن عبد الوهاب الثقفي، وكان يقول فيه الشعر، وكان يشبب بنساء ثقيف؛ فطردوه من البصرة، فخرج إلى مكة]، وكان يرسل العقارب في مسجد الحرام حتى تلسع الناس، وكان يصب المداد [بالليل] في المواضع التي يتوضأ منها حتى تسود وجوه الناس، ليس يروي عنه رجل فيه خير " (٢). ولذا قال فيه ابن عدي كذلك: " لم يكن من أصحاب الحديث، وكان الغالب عليه المجون واللهو " (٣). السبب الثاني: الكذب، والتهمة به وهو نوعان: الكذب في الحديث، والكذب في كلام الناس، وهذا الثاني من صور الفسق، لكني أذكره هنا من أجل مناسبته لهذا السبب. فأما الكذب في الحديث، أو قيام القرينة على ثبوته في حق الراوي، فخصلة ظاهرة الأثر في القدح فيه بسببها. والقدح في الراوي كونه (كذاباً)، أو (يكذب)، إذا صدر من عارف بهذا الشأن، مصدر فيه، مثل أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فهو جرح بليغ.

стр. 365

لكن هل يكون قاطعاً في كذبه؟ أي أن وصف الكذب لحق ذلك الراوي لذاته؟ أم هي تهمة بنيت على قرائن معتبرة عند الناقد؟ فنحن نعلم مثلاً أن من الرواة الضعفاء من لا يوصف بالكذب، مع وقوع رواية الكذب من طريقهم، وذلك أن أحدهم كان يؤتى من غفلته. تحرير هذه المسألة: أن نعت الراوي بالكذب إن كان بدليل لا يقبل الشك أنه كان يتعمد الكذب، كاعترافه، أو ما ينزل منزلته، فهو وصف ظاهر يوجب سقوط عدالته. لكن أكثر من أطلق عليه هذا الوصف من الرواة، فهو بحسب نظر الناقد وتمحيصه لحديثه، فوجد حديثه الكذب، فحكم عليه بمقتضى ذلك، ولم يطلع من أمره إلا على ذلك منه، وهذا في حقنا لا يزيد على أن يكون مجرد تهمة يسقط بها حديث ذلك الراوي، وإن وقع إطلاق الوصف من أرفع أئمة هذا الشأن، نعم، ربما جعلنا نحكم على حديثه المعين بأنه (كذاب). قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في ترجمة (أحمد بن إبراهيم الحلبي): سألت أبي عنه وعرضت عليه حديثه؟ فقال: " لا أعرفه، وأحاديثه باطلة موضوعة كلها، ليس لها أصول، يدل حديثه على أنه كذاب " (١). وسأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث رواه عبد الكريم (الجرجاني)، عن الحسن بن مسلم، عن الحسين بن واقد، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: " من حبس العنب أيام القطاف؛ ليبيع من يهودي أو نصراني، كان له من الله مقت " (٢)؟ فقال أبو حاتم: " هذا حديث كذاب باطل " قال

стр. 366

ابنه: قلت: تعرف عبد الكريم هذا؟ قال: " لا "، قلت: فتعرف الحسن بن مسلم؟ قال: " لا، ولكن تدل روايتهم على الكذب " (١). ويؤيد كون ذلك الوصف في حقنا مجرد تهمة، أنا وجدنا بعض كبار الأئمة وصف بعض النقلة بالكذب، ولم يكن الأمر كما قال، بل لم يصح أن يسلم لهم فيهم حتى شبهة الكذب، بل قيل ذلك الوصف في رواة ثقات وفي آخرين لم ينزل حديثهم عن درجة الاعتبار، ومن أمثلة ذلك: (عكرمة مولى ابن عباس)، فقد تناولته ألسنة بعض السلف، وتحرر لي ثبوت تكذيبه عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير في حكاية، ونقل كذلك عن غيرهما ولم يثبت، ومن هذا أن مالك بن أنس كان يكره عكرمة، وكذا تنم عن ذلك بعض عبارات غيره، ولم يكن ذلك عندهم في التحقيق من جهة ضبطه لما روى، إنما كان من جهة رأيه ومذهبه، فإنه مذكور برأي الصفرية من الخوارج أتباع زياد بن الأصفر، قيل: إن عكرمة كان ينشر رأيه ويدعو إليه، ونزل إفريقية ونشره هناك، في بيان يطول. وإليه يعود ذم أكثر من كره حديثه، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عكرمة مولى ابن عباس؟ فقال: هو ثقة، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: نعم، إذا روى عنه الثقات، والذي أنكر عليه يحيى ين سعيد الأنصاري ومالك فلسبب رأيه (٢). وعكرمة روى الكثير وتكلم بالكثير من العلم، ولم يتفرد بشيء لا

стр. 367

أصل له، إلا المذهب، وحتى هذا فلم يظهر لنا من خلال المنقول عنه من الأخبار أنه كان له أثر يذكر، من أجل ذلك أجمع اللاحقون على ثقته في حديثه، واحتج به البخاري، وتجنبه مسلم من أجل ما قيل فيه مما تقدم ذكره. وسبقت تزكية عكرمة من قبل أستاذه عبد الله بن عباس: فقد صح عن عثمان بن حكيم (وهو ثقة) قال: جاء عكرمة إلى أبي أمامة بن سهل وأنا جالس عنده، فقال: يا أبا أمامة، أما سمعت ابن عباس يقول: " ما حدثكم عكرمة عني من شيء فصدقوه، فإنه لم يكذب علي؟ "، قال: نعم (١). وكان عكرمة يقول: " أرأيت هؤلاء الذين يكذبوني من خلفي؟ أفلا يكذبوني في وجهي؟! فإذا كذبوني في وجهي فقد والله كذبوني " (٢). وقال عفان بن مسلم في (روح بن أسلم الباهلي): " كذاب "، ولم يبلغ ذلك، فهذا ابن معين على شدته يقول: " ليس بذاك فيه، لم يكن من أهل الكذب " وقال أبو حاتم الرازي: " لين الحديث، يُتكلم فيه " (٣)، فغاية أمر الرجل أن يكون ضعيفاً يعتبر بحديثه، ولا يحتج به إذا انفرد. ونقل عثمان الدارمي عن يحيى بن معين قوله في (القاسم بن محمد المعمري البغدادي): " خبيث كذاب "، فتعقبه الدارمي فقال: " وقد أدركت القاسم هذا، كان ببغداد ليس كما قال يحيى " (٤)، ووثقه قتيبة بن سعيد (٥)،

стр. 368

وابن حبان (١)، وقال ابن حجر: " صدوق، نقل عثمان الدارمي أن ابن معين كذبه، ولم يثبت ذلك " (٢) أي: ولم يثبت منه الكذب. وقال يحيى بن معين (كنانة بن جبلة الهروي): " كذاب خبيث "، لكن خالفه أبو حاتم الرازي فقال: " محله الصدق، يكتب حديثه، حسن الحديث " (٣)، فانظر فرق ما بين العبارتين؟! وملاحظته ما روى كنانة على قلته يبين صحة ما قال أبو حاتم، ومن تابع يحيى في الطعن عليه حمله ما لا يحتمل، فإنه روى من الحديث ما علته من قبل غيره. فتأمل هذا من كلام النقاد، ولا تعجل بتسليمه حتى تزول الشبهات، فقد وجدنا الراوي الثقة يحدث بالحديث النظيف الإسناد في الظاهر، وهو كذب، بسبب أن الواضع قد دلس، أو بسبب تلقين الثقة بعدما اختلط ما ليس من حديثه. كما وقع لعبد الرزاق الصنعاني في حديث حدث به بإسناد ظاهره الصحة، حمله عنه الثقة أبو الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري، فكان يحدث به، فبلغ الحديث يحيى بن معين، فقال: " من هذا الكذاب النيسابوري الذي حدث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟ "، فقام أبو الأزهر فقال: " هو أنا ذا "، فتبسم يحيى بن معين، وقال: " أما إنك لست بكذاب "، وتعجب من سلامته، وقال: " الذنب لغيرك في هذا الحديث " (٤). وقد يكون حديث الراوي موضوعاً، لكنه لا يوصف بتعمد الكذب، مثل (جبارة بن المغلس الحماني)، فقد قال يحيى بن معين: " كذاب "، لكن

стр. 369

قال أبو زرعة: قال لي ابن نمير: " ما هو عندي ممن يكذب "، قلت: كتبت عنه؟ " قال: " نعم "، قلت: تحدث عنه؟ قال: " لا " قلت: ما حاله؟ قال: " كان يوضع له الحديث فيحدث به، وما كان عندي ممن يتعمد الكذب " (١). قلت: فهذا وقع له بسبب الغفلة لا التعمد. وأما إذا قيل الدليل على صحة إلحاق وصف الكذب به، جزمنا بأنه (كذاب). مثل: (خالد بن القاسم أبي الهيثم المدائني)، قال يحيى بن حسان التنيسي (وكان ثقة): " يلزق أحاديث الليث بن سعد، إذا كانت عن الزهري عن ابن عمر أدخل سالماً، وإذا كانت عن الزهري عن عائشة أدخل عروة، قلت له: اتق الله، قال: ويجيء أحد يعرف هذا؟ ! " (٢). من أجل هذا قال جماعة من النقاد في هذا الرجل: " كذاب "، كقول أبي زرعة الرازي: " هو كذاب، كان يحدث الكتب عن الليث عن الزهري، فكل ما كان: الزهري عن أبي هريرة، جعله عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وكل ما كان: عن الزهري عن عائشة، جعله عن عروة عن عائشة متصلاً " (٣). قلت: وهذا مما ينزل منزلة اعترافه؛ لأنه مما وقف عليه منه الثقة يحيى بن حسان واطلع عليه، ولم يعتمد فيه على مجرد النظر في روايته. ومن كانت عامة أحاديثه مكذوبة: فهو ساقط، لا يجوز أن يعتبر بحديثه، بلا خلاف عند عامة أهل العلم، وإن تورعنا عن وصف شخصه بالكذب. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم بياناً لمنهج نقاد المحدثين: " وإذا

стр. 370

قالوا: متروك الحديث، أو: ذاهب الحديث، أو: كذاب، فهو ساقط الحديث، لا يكتب حديثه " (١). كما قال يحيى بن معين في (عبد الحكيم بن منصور الواسطي): " كذاب "، وقال أبو حاتم الرازي: " لا يكتب حديثه " (٢)، ولم يختلفوا أنه " متروك الحديث ". فخلاصة هذا: أن ثبوت الكذب على الراوي، أو غلبه المظنة أنه كان يكذب قادح في عدالته. أثر التوبة من الكذب في الحديث: من ثبت عليه الكذب في حديثه، ثم ذكر بالتوبة منه، فما حكم ما يحدث به بعد التوبة؟ وجود مثال صالح لهذه الصورة أن الراوي كان يكذب في الرواية عن النبي ﷺ ، ثم تثبت توبته فلا يحدث بعد التوبة إلا بحديث صدق مستو، أحسبه متعذراً في الواقع. لأنه حتى وإن تاب بعد أن حدث بالكذب، فتمييز ما يحدث به من الصدق من غيره مما حدث به قبل ذلك كالمتعذر، هذا لو صدق في توبته وروى بعدها صدقاً؛ لذلك شدد الأئمة المتقدمون في هذا (٣). عن عبيد الله بن أحمد الحلبي، قال: سألت أحمد (يعني ابن حنبل) عن محدث كذب في حديث واحد، ثم تاب ورجع؟ قال: " توبته فيما بينه وبين الله تعالى، لا يكتب عنه حديث أبداً " (٤).

стр. 371

وقال الحسين بن حبان: قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحاب الحديث، إن هو رجع عنها، وقال: ظننتها، فأما إذ أنكرتموها ورددتموها علي فقد رجعت عنها؟ فقال: " لا يكون صدوقاً أبداً، إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحد فلا "، فقلت ليحيى: ما يبرئه؟ قال: " يخرج كتاباً عتيقاً فيه هذه الأحاديث، فإذا أخرجها في كتاب عتيق فهو صدوق، فيكون شبه له فيها وأخطأ كما يخطئ الناس فيرجع عنها "، قلت: فإن قال: قد ذهب الأصل وهي في النسخ؟ قال: " لا يقبل ذلك منه "، قلت له: فإن قال: هي عندي في نسخة عتيقة، وليس أجدها؟ فقال: " هو كذاب أبداً حتى يجيء بكتابه العتيق "، ثم قال: " هذا دين، لا يحل هذا " (١). والرجل من هؤلاء لا يكاد ينهض بعد ثبوت كذبه، فإن من اجترأ على الكذب على الله ورسوله ﷺ بغية ترويج ضلالته أو تحقيق شهوته، فإن مظنة كذبه في ادعاء التوبة قوية. كحال (زياد بن ميمون أبي عمار صاحب الفاكهة)، فقد صح عن الحافظ أبي داود الطيالسي قال: " لقيته أنا وعبد الرحمن بن مهدي، فسألناه، فقال: عدوا أن الناس لا يعملون أني لم ألق أنساً، ألا تعلمان أني لم ألق أنساً؟ ثم بلغناه أنه يروي عنه، فأتيناه، فقال: عدوا أن رجلاً أذنب ذنباً فيتوب، لا يتوب الله عليه؟ قلنا: نعم، قال: فإني أتوب، ما سمعت من أنس قليلاً ولا كثيراً، فكان بعد ذلك يبلغنا أنه يروي عنه، فتركناه " (٢). وقال يزيد بن هارون: " كان أبو جزي مرض مرضة ظن أنها الموت،

стр. 372

فتاب من أحاديث ادعاها لعمرو بن دينار، فلما استقل من مرضه عاودها، فلم يقبل منه " (١). وقد حكى النووي عمن تقدم من أهل العلم، كأحمد بن حنبل والحميدي وغيرهما عدم قبول حديث التائب من الكذب على النبي ﷺ ، ثم قال: " وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية، والمختار: القطع بصحة توبته في هذا وقبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة، وهي: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إليها، فهذا هو الجاري على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافراً فأسلم، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة، وأجمعوا على قبول شهادته، ولا فرق بين الشهادة والرواية في هذا " (٢). قلت: هذا على سبيل التنظير لا يجوز سواه في شأن التائب من أي ذنب، لكنه في الواقع في هذه المسألة بمنزلة المعدوم، ويطلب التأصيل في هذا الجانب من علوم الحديث لتمييز أحوال النقلة، فإذا عدمنا وجود من يجري عليه تقعيد النووي، فلم يعد في استدراك مثله على أهل الحديث فائدة. والذي أحمل عليه عبارات المتقدمين في هذا، كأحمد بن حنبل، هو أنهم قد انكشف لهم من حال هؤلاء أن توبتهم من جنس توبة زياد بن ميمون وأبي جزي. وقد وقفت عل حال أحدهم ممن قد يحتمل أن ينزل عليه تقعيد النووي المذكور، وهو الحافظ أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن النعيمي البصري

стр. 373

(المتوفى سنة: ٤٢٣)، فقد قال الخطيب البغدادي: حدثني الأزهري، قال: " وضع النعيمي على أبي الحسين بن المظفر حديثاً لشعبة، ثم تنبه أصحاب الحديث على ذلك، فخرج النعيمي عن بغداد لهذا السبب، وأقام حتى مات ابن المظفر، ومات من عرف قصته في وضعه الحديث، ثم عاد إلى بغداد " (١). قلت: وحمل الذهبي ذلك منه على هفوة منه في صباه، فقال: " قد بدت منه هفوة في صباه واتهم بوضع الحديث، ثم تاب إلى الله واستمر على الثقة " (٢). وكأن في جميع هذا نظراً، وذلك أن كلام الأزهري لا يفيد غير التهمة، والرجل قد عرف عند أهل العلم بالحفظ والأمانة والإمامة، وجائز أن يكون أساس تلك التهمة أن الرجل شبه له ذلك الحديث المشار إليه، فحدث به على الوهم والخطأ لا على تعمد الكذب، فإننا لم نر ما يشهد لما قال الأزهري في معرفة الحديث، ومن رءوس أئمة البغداديين، سمع من النعيمي، بل اعتنى بحديثه، وأثنى عليه، فلو كان لما ذكر الأزهري أثر مع ما حكى من شيوع ذلك ببغداد، لما خفي البرقاني، ليطلق الثناء عليه في كل شأن إلا ما ذكره من عجب فيه. وكذلك لم يعتد الخطيب بقول الأزهري، فأثنى على النعيمي وروى عنه. الكذب في حديث الناس: وهذه كما تقدم مثال لما يفسق به الراوي، ويقدح به على عدالته. قال مالك بن أنس: " لقد تركت جماعة من أهل المدينة ما أخذت

стр. 374

عنهم من العمل شيئاً، وإنهم لممن يؤخذ عنهم العلم، وكانوا أصنافاً: فمنهم من كان كذاباً في غير علمه، تركته لكذبه، ومنهم من كان جاهلاً بما عنده، فلم يكن عندي موضعاً للأخذ عنه لجهله، ومنهم من كان يدين برأي سوء " (١). ومن مثاله في النقلة (أنس بن عبد الحميد، أخو جرير)، قال أخوه جرير: " لا يكتب عنه؛ فإنه يكذب في كلام الناس، وقد سمع من هشام بن عروة وعبيد الله بن عمر، ولكن يكذب في حديث الناس، فلا يكتب عنه " (٢). كتابة أحاديث الكذابين والمتهمين بالكذب للتمييز: حين يقول الناقد: " فلان لا يكتب حديثه " يعني لا يجوز الاعتبار به في الشواهد والمتابعات، ولا يراد به منع كتابته للتمييز والمعرفة، بل كما بينت فيما تقدم في طريق تمييز ضبط الراوي، أنه لم يتميز كثير من النقلة إلا بمقارنة حديثهم بأحاديث الثقات والمجروحين جميعاً، ولم يكتشف كثير من علل الحديث إلا بذاك، فالإبقاء على تلك الأحاديث لأهل الاختصاص هو بمنزلة الآلة يميزون بها الناقل والمنقول. فعن سفيان الثوري قال: " إني لأحمل الحديث على ثلاثة أوجه: أحمل الحديث عن رجل أتخذه ديناً، وأحمل الحديث عن رجل لا أستطيع جرحه ولا أستطيع أتخذه ديناً، وأحمل الحديث عن رجل لا أعبأ بحديثه أحب معرفته " (٣).

стр. 375

وقال أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي: جاءني علي بن المديني، فكتب عني عن عبد السلام بن حرب أحاديث إسحاق بن أبي فروة فقلت: أي شيء تصنع بها؟ قال: " أعرفها، لا تقلب " (١). وهذا من معنى قول الوزاعي: " تعلم ما لا يؤخذ به، كما تتعلم ما يؤخذ به " (٢). وتقدم أيضاً ذكر مثاله من صنيع يحيى بن معين. السبب الثالث: سرقة الحديث والمراد به: أن يأخذ الراوي حديث غيره مما لم يسمعه، فيدعي سماعه. يفسره ما نقله الحسين بن إدريس، قال: سألت عثمان بن أبي شيبة عن أبي هشام الرفاعي؟ فقال: " إنه يسرق حديث غيره فيرويه "، قلت: أعلى وجه التدليس؟ أو على وجه الكذب؟ فقال: " كيف يكون تدليساً وهو يقول: حدثنا! " (٣). وهذا قدح شديد في العدالة، يسقط الاعتداد بجميع رواية الموصوف بذلك. ومن أمثلته: ١ _ قال يحيى بن معين في (عبد العزيز بن أبان القرشي): " ليس

стр. 376

بثقة "، قال عثمان الدارمي: قلت: من أين جاء ضعفه؟ فقال: " كان يأخذ أحاديث الناس فيرويها " (١). ولذا قال ابن معين في رواية معاوية بن صالح عنه: " كذاب، يدعي ما لم يسمع، وأحاديثه لم يخلقها الله قط " (٢). ٢ _ وقال أحمد بن حنبل في (يحيى بن عبد الحميد الحماني): " ما زلنا نعرف أنه يسرق الأحاديث أو يتلقطها أو يتلقفها " (٣). ٣ _ وقال الحافظ علي بن الحسين بن الجنيد في (يحيى بن أكثم التميمي المروزي): " كانوا لا يشكون أن يحيى بن أكثم كان يسرق حديث الناس، ويجعله لنفسه " (٤). ٤ _ وقال يحيى بن معين في (محمد بن الحسن بن زبالة): " ليس بثقة، كان يسرق الحديث " (٥). وفسر ذلك ابن حبان فقال: " يسرق الحديث، ويروي عن الثقات ما لم يسمع منهم من غير تدليس عنهم " (٦). ٥ _ وقال الداقطني في (عبد الله بن إبراهيم المؤدب): " كذاب، يروي عن قوم لم يلحقهم " (٧). ٦ _ وقال يحيى بن معين في (مطرف بن مازن): " قال لي هشام بن يوسف: جاءني مطرف بن مازن، فقال: أعطني حديث ابن جريج ومعمر

стр. 377

حتى أسمعه منك، فأعطيته فكتبها، ثم جعل يحدث بها عن معمر نفسه، وعن ابن جريج، فقال لي هشام بن يوسف: انظر في حديثه فهو مثل حديثي سواء، فأمرت رجلاً فجاءني بأحاديث مطرف بن مازن، فعارضت بها، فإذا هي مثلها سواء، فعلمت أنه كذاب " (١). والحافظ أبو أحمد بن عدي في عدد من الرواة بذلك، وكان يستدل لتلك التهمة، منهم: إبراهيم بن عبد السلام المخزومي المكي، والعباس بن الحسن البلخي، وجعفر بن عبد الواحد الهاشمي، والحسن بن عبد الرحمن بن عباد الاحتياطي، والحسين بن علي بن الأسود العجلي، وحميد بن الربيع الخزاز، وسليمان بن أحمد الواسطي، وعبد الرحمن بن واقد أبو مسلم الواقدي، وعلي بن عبدة المكتب، والنضر بن طاهر أبو الحجاج، ويحيى بن هاشم السمسار، وغيرهم. وللحافظ أبي أحمد بن عدي توسع في الجرح بهذه التهمة، فربما جرح بها الراوي الضعيف أو المجهول، يروي حديثاً عن شيخ، وقد عرف ذلك الحديث عن ذلك الشيخ من رواية غير هذا الضعيف أو المجهول، فيصف هذا بأنه سرق الحديث ممن حدث به عن ذلك الشيخ؛ لأن هذا المجروح لم يعرف بذلك الحديث أو بذلك الشيخ. ولا مانع _ كما لا يخفى _ أن يكون الضعيف أو المجهول سمع ما سمعه غيره، لكن ذلك الحديث المعين الذي سمعه لم يشتهر من طريقه. وتسليم هذه التهمة للراوي تحتاج إلى دليل قوي، فإن ناسب الوصف بها كون الراوي متروكاً أو مذكوراً بالكذب، أو منكر الحديث، تساهلنا في ذكرها، إذ تكون حينئذ جارية في سياق ما علمنا من حال الراوي، أما إن

стр. 378

كان الموصوف بها لم يبلغ حد الترك فلا يقبل هذا الجرح إلا بدليل قاطع أنه كان يسرق الحديث، فإن ثبت حينئذ ألحقنا ذلك الراوي بالمتروكين وأسقطنا الاعتبار بحديثه. والراوي الضعيف من جهة سوء حفظه قد يقلب أحاديث سمعها من شيخ يجعلها عن شيخ آخر، ويركب إسناداً على غير متنه، لكنه إنما أتي من جهة سوء الحفظ لا سرقة الحديث، كما يأتي شرحه في مباحث (النقد الخفي). مسألة: الراوي يكون قد سمع وكتب، لكن ذهبت أصوله، فيحدث بنفس تلك الأحاديث التي سمع لكن من غير أصوله، فهل يكون ذلك من هذا الباب؟ مثاله: قول أحمد بن إسحاق بن واضح العسال المصري (وهو شيخ مستور): " كان محمد بن خلاد الإسكندراني رجلاً صالحاً ثقة، ولم يكن فيه اختلاف، حتى ذهبت كتبه، فقدم علينا رجل يقال له: أبو موسى، في حياة ابن بكير (١)، فدفع إليه نسخة ضمام بن إسماعيل، ونسخة يعقوب بن عبد الرحمن، فقال: أليس قد سمعت النسختين؟ قال: نعم، قال: فحدثني بهما، قال: ذهبت كتبي ولا أحدث بها، قال: فما زال به هذا الرجل حتى خدعه، وقال: النسخة واحدة، فحدث بها، فكل من سمع منه قديماً قبل ذهاب كتبه فحديثه صحيح، ومن سمع منه بعد ذلك فحديثه ليس بذاك " (٢). قلت: وهذا يعني أنه لا يقبل من الراوي أن يحدث بمسموعه من أصول غيره، إلا أن يثبت سماعه على نفس ذلك الأصل.

стр. 379

لكن إن كان الراوي قد ثبت أنه يحفظ حديثه ويميزه، فحدث بشيء من تلك الأحاديث المحفوظة له من كتب غيره، فلا يقدح فيه ذلك. قال الحافظ عبد الله بن محمد بن سيار الفرهياني، وذكر أبا موسى محمد بن المثنى، وبنداراً محمد بن بشار، فقال: " ثقتان، وأبو موسى أحج؛ لأنه كان لا يقرأ إلا من كتابه، وبندار يقرأ من كل كتاب ". فعلق على ذلك الخطيب البغدادي بقوله: " بندار وإن كان يقرأ من كل كتاب، كان يحفظ حديثه " (١). قلت: ومنه قول يحيى بن معين في (عبد الله بن مسلمة القعنبي): " ثقة مأمون، لا يسأل عنه، لو ضاع كتابه ثم أخذه ممن سمع معه في المثل كان جائزاً، هو رجل صدق " (٢). السبب الرابع: البدعة هذا من أكثر ما وقع فيه الطعن على الرواة في غير ما يعود إلى الضبط، وما سلم منه طوائف من الثقات الحفاظ من الناس، بل تكلم فيهم لأجله. والمعني به: البدع العقدية، لا البدع الإضافية في أبواب الفروع. وأصول البدع تعود جملتها إلى: بدعة الخوارج، والقدرية، والرافضة، والناصبة، والمرجئة، والجهمية، والواقفة (٣).

стр. 380

وتضاربت فيه مذاهب أهل الحديث، بين قبول حديث الموصوف به ورده، أو قبوله في حال ورده في حال. وإنما دخل الإشكال على من ذهب إلى القدح بذلك أن البدعة خلل في الدين، وذلك موجب للقدح في العدالة. قال سلام بن أبي مطيع: بلغ أيوب (يعني السختياني) أني آتي عمراً (يعني ابن عبيد) (١)، فأقبل علي يوماً، فقال: " أرأيت رجلاً لا تأمنه على دينه، كيف تأمنه على الحديث " (٢). وقال ابن حبان: " إن الداعي إلى مذهبه والذاب عنه حتى يصير إماماً فيه، وإن كان ثقة، ثم روينا عنه، جعلنا للاتباع لمذهبه طريقاً، وسوغنا للمتعلم الاعتماد عليه وعلى قوله " (٣). وتحرير القول في حديث المبتدع في بيان مذاهب علماء السلف. مذاهب أهل العلم في رد حديث أهل البدع أو قبوله: هي محصورة في أربعة مذاهب: المذهب الأول: ترك حديثهم مطلقاً، أي: البدعة جرحة مسقط للعدالة. وعليه يتنزل نصوص طائفة من الأئمة:

стр. 381

فعن محمد بن سيرين، قال: " كان في الزمن الأول لا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد؛ لكي يأخذوا حديث أهل السنة، ويدعوا حديث أهل البدع " (١). وعن مالك بن أنس، قال: " لقد تركت جماعة من أهل المدينة ما أخذت عنهم من العلم شيئاً، وإنهم لممن يؤخذ عنهم العلم، وكانوا أصنافاً: فمنهم من كان كذاباً في غير علمه، تركته لكذبه، ومنهم من كان جاهلاً بما عنده، فلم يكن عندي موضعاً للأخذ عنه لجهله، ومنهم من كان يدين برأي سوء " (٢). المذهب الثاني: التفريق بحسب شدة البدعة وخفتها في نفسها، وبحسب الغلو فيها أو عدمه بالنسبة إلى صاحبها. قال أحمد بن حنبل: " احتملوا المرجئة في الحديث " (٣). وقال إبراهيم الحربي: حدثنا أحمد يوماً عن أبي قطن (يعني عمرو بن الهيثم)، فقال له رجل: إن هذا بعدما رجع من عندكم إلى البصرة تكلم

стр. 382

بالقدر وناظر عليه، فقال أحمد: " نحن نحدث عن القدرية، لو فتشت أهل البصرة وجدت ثلثهم قدرية " (١). وأحمد شدد في حديث الجهمية لغلظ بدعتهم، وتوسط في القدرية، فقبل من لم يكن داعية، وسهل في المرجئة، قال ابن رجب الحنبلي: " فيخرج من هذا: أن البدع الغليظة كالتجهم يرد بها الرواية مطلقاً، والمتوسطة كالقدر إنما يرد رواية الداعي إليها، والخفيفة كالإرجاء، هل يقبل معها الرواية مطلقاً، أو يرد عن الداعية؟ على روايتين " (٢). وقال مسلم بن الحجاج: " الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها من المتهمين، أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم، والمعاندين من أهل البدع " (٣). المذهب الثالث: التفريق بين الداعي إلى بدعته، وغير الداعي، فيرد الأول، ويقبل الثاني. قال الحاكم: " الداعي إلى البدعة لا يكتب عنه ولا كرامة؛ لإجماع جماعة من أئمة المسلمين على تركه " (٤). هذا منقول عن عبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين (٥). قال نعيم بن حماد: سمعت ابن المبارك وقيل له: تركت عمرو بن

стр. 383

عبيد وتحدث عن هشام الدستوائي وسعيد وفلان، وهم كانوا في عداده، قال: " إن عمراً كان يدعو " (١). كما روى نعيم، قال: قلت لا بن المبارك: لأي شيء تركوا عمرو بن عبيد؟ قال: " إن عمراً كان يدعو " يعني إلى القدر (٢). وقال عبد الرحمن بن مهدي: " من رأى رأياً ولم يدع إليه احتمل، ومن رأى رأياً ودعا إليه فقد استحق الترك " (٣). وقال: " ثلاثة لا يحمل عنهم: الرجل المتهم بالكذب، والرجل الكثير الوهم والغلط، ورجل صاحب الهوى يدعو إلى بدعة " (٤). وقال محمد بن عبد العزيز الأبيوردي (من أصحاب أحمد) " سألت أحمد بن حنبل: أيكتب عن المرجئ والقدري؟ قال: " نعم، يكتب عنه إذا لم يكن داعياً " (٥). وكذلك قال أبو داود السجستاني: قلت لأحمد بن حنبل: يكتب عن القدري؟ قال: " إذا لم يكن داعياً " (٦).

стр. 384

وقال أبو بكر المروذي: " كان أبو عبد الله (يعني أحمد) يحدث عن المرجئ إذا لم يكن داعية أو مخاصماً " (١). وقال جعفر بن محمد بن أبان الحراني: قلت لأحمد بن حنبل: فنكتب عن المرجئ والقدري وغيرهما من أهل الأهواء؟ قال: " نعم، إذا لم يكن يدعو إليه ويكثر الكلام فيه، فأما إذا كان داعياً فلا " (٢). وسئل أحمد بن حنبل: عمن يكتب العلم؟ فقال: " عن الناس كلهم، إلا عن ثلاثة: صاحب هوى يدعو الناس إليه، أو كذاب، فإنه لا يكتب عنه قليل ولا كثير، أو عن رجل يغلط فيرد عليه فلا يقبل " (٣). قلت: عبارات أحمد في ذلك جاءت بالتشديد في أمر الداعية، في الكتابة عنه، وليس في تخريج حديثه مطلقاً، والفرق بين الصورتين: أنه عرف من منهج أحمد التشديد على المخالفين في الأصول، والكتابة عن أحدهم تحسين لأمره عند من لا يعرفه، وتغريد للناس به، فكان يشدد في أمر هؤلاء تنفيراً للناس عنهم، وهذا إنما يؤثر في حق الأحياء يقصد الراوي أن يحمل عن أحدهم الحديث، أما الأموات الذين لم يعرف الناس من أمرهم إلا ما خلفوه من علم أو رواية، فهؤلاء خرج أحمد من حديثهم الكثير في كتبه، من شتى طوائف أهل القبلة، وفيهم من كان غالياً، ولا يبعد أن يكون داعية. ولذا قال إبراهيم الحربي: قيل لأحمد بن حنبل: في حديثك أسماء قوم من القدرية، فقال: " هو ذا نحن نحدث عن القدرية " (٤). وقال عباس الدوري: سمعت يحيى (يعني ابن معين) يقول: " ما كتبت

стр. 385

عن عباد بن صهيب "، قلت: هكذا تقول في كل داعية: لا يكتب حديثه إن كان قدرياً أو رافضياً أو غير ذلك من أهل الأهواء من هو داعية؟ قال: " لا يكتب عنهم، إلا أن يكونوا ممن يظن به ذلك ولا يدعوا إليه، كهشام الدستوائي وغيره ممن يرى القدر ولا يدعو إليه " (١). وقال أحمد بن محمد الحضرمي: سألت يحيى بن معين عن عمرو بن عبيد؟ فقال: " لا تكتب حديثه "، فقلت له: كان يكذب؟ فقال: " كان داعية إلى دينه "، فقلت له: فلم وثقت قتادة وسعيد بن أبي عروبة وسلام بن مسكين؟ فقال: " كانوا يصدقون في حديثهم، ولم يكونوا يدعون إلى بدعة " (٢). وقال ابن حبان: " والدعاة يجب مجانبة رواياتهم على الأحوال، فمن انتحل نحلة بدعة ولم يدع إليها، وكان متقناً، كان جائز الشهادة، محتجاً بروايته " (٣). وقال: " الاحتياط ترك رواية الأئمة الداعين منهم، والاحتجاج بالرواة الثقات منهم " (٤). ويبين الحافظ الخطيب السبب في هذا المذهب، فيقول: " إنما منعوا أن يكتب عن الدعاة؛ خوفاً أن تحملهم الدعوة إلى البدعة والترغيب فيه على وضع ما يحسنها " (٥).

стр. 386

قلت: وهذا تعليل معتبر في حل راو لم يعرف بالصدق، أما من ثبت صدقه وعرفت أمانته، وكان يذهب إلى شيء من تلك المذاهب بتأويل، وكان ينتصر إلى مذهبه ذلك، فهذا مراد كذلك في قول هؤلاء الأئمة، لكن لا يتنزل عليه تعليل الخطيب. والذي يتحرر من إمعان النظر في هذا المذهب أنه مذهب نظري اليوم في شأن رواة الحديث، وذلك أن أمر الدعوة إلى البدعة مما لا يمكن حصره وضبطه، والكلام في رواة الحديث فد فرغ منه، وصارت العمدة في معرفة أحوال الرواة على ما بلغنا من أخبارهم، والمتأمل يجد في تلك الأخبار وصف عدد غير قليل من الرواة بالبدعة، لكن يندر فيهم من يمكن القول: إنه كان داعية، نعم؛ وصف طائفة بالغلو، إلا أنه لا يعني بالضرورة كون الموصوف بذلك داعية إليها. المذهب الرابع: عدم اعتبار البدعة جرحاً مسقطاً لحديث الراوي، لما تقوم عليه من التأويل، وإنما العبرة بالحفظ والإتقان والصدق، والسلامة من الفسق والكذب. وعلى هذا في التحقيق يتنزل مذهب من ذهب من كبار الأئمة إلى أن البدعة لا تمنع قبول حديثهم، إلا من كان يستحل الكذب. وهذا هو منقول من مذهب أبي حنيفة وصاحبه أبي يوسف وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والشافعي (١). قال سفيان بن عيينة: " حدثنا عبد الملك بن أعين، وكان شيعياً، وكان عندنا رافضياً صاحب رأي " (٢).

стр. 387

قال ابن دقيق العيد: " والذي تقرر عندنا: أنه لا تعتبر المذاهب في الرواية، إذ لا نكفر أحداً من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة، فإذا اعتقدنا ذلك، وانضم إليه التقوى والورع والضبط والخوف من الله تعالى، فقد حصل معتمد الرواية " (١). وهو قول يحيى بن سعيد القطان، وعلي بن المديني، ومحمد بن عمار الموصلي، وإليه مال الخطيب البغدادي (٢). قال علي بن المديني: قلت ليحيى (يعني القطان) " إن عبد الرحمن (يعني ابن مهدي) يقول: اترك من كان رأساً في البدعة يدعو إليها، قال: " كيف نصنع بقتادة وابن أبي رواد وعمر بن ذر؟! " وذكر قوماً، قال يحيى: " إن ترك هذا الصنف ترك ناساً كثيراً " (٣). قلت: يرد يحيى مذهب ابن مهدي، بل مقتضى قوله أن يكون من سماهم ممن يندرج تحت رأي ابن مهدي، وهو يحل الاستشكال الذي نراه: ما هو حد الداعية من غيره؟ فهذا يحيى القطان يرى قتادة ومن ذكره معه من الدعاة، وإلا لما صح له الاستدراك على ابن مهدي بذكرهم، وهم من ثقات الناس ومتقنيهم وعليهم مدار كثير من الحديث. يقابله ما نقله محمد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: قلت لعلي بن عبد الله المديني: يا أبا الحسن، إن يحيى بن معين ذكر لنا: أن مشايخ من البصريين كانوا يمرمون بالقدر، إلا أنهم لا يدعون إليه، ولا يأتون في حديثهم بشيء منكر، منهم: قتادة، وهشام صاحب الدستوائي، وسعيد بن

стр. 388

أبي عروبة، وأبو هلال، وعبد الوارث، وسلام (١)، كانوا ثقات، يكتب حديثهم، فماتوا وهم يرون القدر، ولم يرجعوا عنه، فقال لي علي، ﵀: " أبو زكريا كذا كان يقول عندنا، إلا أن أصحابنا ذكروا أن هشام الدستوائي رجع قبل موته، ولم يصح ذلك عندنا " (٢). قلت: ففي هذا نفي أن يكون قتادة داعية إلى بدعته، لكن فيه تثبيت أن جميع هؤلاء كانوا يذكرون بالبدعة، ويحيى اعتبر في ثقتهم أمرين: عدم الدعوة إلى البدعة، مع الحفظ والإتقان. وهذا عبد الرحمن بن مهدي قد ترك بعض الرواة لأجل البدعة، ثم حدث عنهم قبل موته: فقد قال ابن أخته الحافظ أبو بكر بن أبي الأسود: كان خالي عبد الرحمن بن مهدي يترك الحديث عن الحسن بن أبي جعفر الجفري وعثمان بن صهيب وغيرهما من أهل القدر؛ للمذهب، والضعف، فلما كن بأخرة حدث عنهم، وخرجهم في تصانيفه، فقلت: يا خال، أليس قد كنت أمسكت عن الرواية عن هؤلاء؟ فقال: " نعم، لكن خفت أن يخاصموني بين يدي ربي فيقولون: يا رب، سل عبد الرحمن: لم أسقط عدالتنا؟ " (٣). وقد سئل الحافظ محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي عن (علي بن غراب)، فقال: " كان صاحب حديث بصيراً به " فقيل له: أليس هو ضعيفاً؟ قال: " إنه كان يتشيع، ولست أنا بتارك الرواية عن رجل صاحب حديث يبصر الحديث بعد أن لا يكون كذوباً للتشيع أو القدر، ولست براو عن رجل لا يبصر الحديث ولا يعقله ولو كان أفضل من فتح _ يعني الموصلي _ " (٤).

стр. 389

وسئل الحافظ أبو عبد الله محمد بن يعقوب الأخرم عن (الفضل بن محمد الشعراني)، فقال: " صدوق في الروية، إلا أنه كان من الغالين في التشيع " قيل له: فقد حدثت عنه في " الصحيح " فقال: " لأن كتاب أستاذي ملآن من حديث الشيعة " يعني مسلم بن الحجاج (١). وفي " صحيح البخاري " عن جمع كبير من المنسوبين إلى البدع. فهؤلاء الأعيان قدوة الناس في هذا الفن، وممن إليهم المرجع فيه. وقال ابن حزم: " من أقدم على ما يعتقده حلالاً، فما لم يقم عليه في تحريمه حجة، فهو معذور مأجور وإن كان مخطئاً، وأهل الأهواء معتزليهم ومرجئيهم وزيديهم وإباضيهم بهذه الصفة، إلا من أخرجه هواه عن الإسلام إلى كفر متفق على أنه كفر، أو من قامت عليه حجة من نص أو إجماع فتمادى ولم يرجع فهو فاسق " (٢). قلت: ومن أمثلة ما يتنزل عليه هذا المذهب وهم ثقات محتج بهم: ١ _ عبد الله بن أبي نجيح. قال علي بن المديني: " أما الحديث فهو فيه ثقة، وأما الرأي فكان قدرياً معتزلياً " (٣). وقال يحيى بن معين: " كان ابن أبي نجيح من رؤساء الدعاة " (٤). ٢ _ خالد بن مخلد. قال الجوزجاني: " كان شتاماً معلناً بسوء مذهبه " (٥).

стр. 390

٣ _ سالم بن عجلان الأفطس: قال الجوزجاني: " كان يخاصم في الإرجاء، داعية، وهو متماسك " (١). ٤ _ عبد الرحمن بن صالح الأزدي. قال يعقوب بن يوسف المطوعي (وكان ثقة): كان عبد الرحمن بن صالح الأزدي رافضياً، وكان يغشى أحمد بن حنبل، فيقربه ويدنيه، فقيل له: يا أبا عبد الله، عبد الرحمن رافضي، فقال: " سبحان الله! رجل أحب قوما من أهل بيت النبي ﷺ نقول له: لا تحبهم؟! هو ثقة " (٢). وكان يحيى بن معين يعلم تشيعه، بل نعته بذلك، ومع فقد كتب حديثه وروى عنه، ووثقه، وكذلك وثقه غيره (٣). مع أن أبا داود السجستاني قال: " لم أر أن أكتب عنه، وضع كتاب مثالب في أصحاب رسول الله ﷺ " (٤). ٥ _ عمران بن حطان. قال أبو داود السجستاني: " ليس في أهل الأهواء أصح حديثاً من الخوارج " ثم ذكر عمران بن حطان، وأبا حسان الأعرج (٥). ٦ _ عباد بن يعقوب الرواجني. وشأنه في الغلو في الرفض والدعوة إليه مشهور، ومن أبينه ما حكاه الثقة المتقن القاسم بن زكريا المطرز، قال: وردت الكوفة، وكتبت عن شيوخها كلهم غير عباد بن يعقوب، فلما
следующие страницы →